← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

فإنه الخير المآلوف، والشعار المعروف، والرسم الذي عليه العمل، والعهد الذي لا يجب فيه التغيير والخلل. " ونحن قد قلدنا الله قلادة نعلم لوازمها، ونحفظ مراسمها، ومن جملتها التذكير بالدين، فهو الشافع الذي لا يغفل، والوسيلة التي لا تضاع ولا تهمل، فاعلموا أعزكم الله هذا المقصود علما، وكونوا في القيام به لا تخالفون يقظة، ولا نوماً، وللناس عليكم ما نأمركم به من العدل التام، والإنصاف العام، وكف الأيدى، وقبضها عن التعدى. وهذا خطاب قد أرشدنا فيه إلى مناهج سوية، وحضضنا فيه على أمور ضرورية، وأتينا فيه بما يجب البدار إليه، وخير العمل ما دووم عليه، والله معينكم والسلام عليكم، وكتب في عاشر ربيع الأول سنة سبع عشر وستمائة " (١). والظاهر أن توجيه هذا الكتاب، لم يكن إلا محاولة من الخليفة الفتى، للعمل على إحياء تقليد من تقاليد آبائه الخلفاء الموحدين، في تذكير الناس من وقت إلى آخر بدستورهم الدينى، والتنبيه إلى توقيره، والمحافظة عليه. وفي العام التالي، سنة ٦١٨ هـ (١٢٢٠ م)، قدم سفير قشتالة إلى مراكش مرة أخرى ليسعى في تجديد المهادنة والسلم. وكانت المفاوضات الأولى قد تمت بين القشتاليين، وولاة الأندلس من السادة الموحدين، وتم تجديد المهادنة بين الفريقين، وفقاً لتوجيه الخليفة المستنصر. ثم كتب وزير المستنصر، أبو يحيى بن أبي زكريا، إلى " ملكة قشتالة بنت ملك قشتالة وطليطلة " كتاباً من إنشاء الكاتب ابن عيّاش بما أبرم بينه وبين رسولها من عقد السلم. ومن الواضح أن ملكة قشتالة المشار إليها هنا، لم تكن سوى الملكة برنجيلا بنت ألفونسو الثامن ملك قشتالة، ومطلقة ألفونسو التاسع ملك ليون، وكانت يومئذ تتولى الوصاية على ابنها الصبي فرناندو، الذي أعلن ملكاً على قشتالة في سنة ١٢١٧ م، وكانت بذلك تعتبر هي الملكة الأصيلة في نظر الموحدين. وقد أورد لنا ابن عذارى نبذة من الكتاب المشار إليه ننقلها فيما يلي: " وقد انقلب إليكم رسول منكم، بما تعرفونه في السلم المنعقد، النير شهابه، المتقد بين الموحدين وبينكم، بالمخاطبة الكريمة، التي حملها إليكم، وحمل نحوكم

стр. 2067

من الإتحاف ما يبغلكم على يديه، الذي هو عنوان المخالصة، وثمرة المواصلة، وكل ما يكون من هذا بيننا وبينكم، ينبغى أن يكون متقبلا، وعلى أحسن المتأولات متأولا، إن شاء الله، وأنتم بحول الله تقفون عند حدود السلم، وتحافظون عليها، وتعاقبون كل من هم بإذاية المسلمين، فإن الوفاء شعار الملوك، وعليهم فيه يجب السلوك. وكتب في سادس رمضان سنة ثمان عشرة وستمائة " (١). وكان من تصرفات المستنصر الأخيرة، أن عين عمه أبا محمد عبد الله ابن يعقوب المنصور والي غرناطة، وهو الذي تسمى بالعادل فيما بعد، والياً على مرسية، وذلك في سنة ٦١٩ هـ (١٢٢١ م). ولم يك ثمة ما يؤذن بوفاة الخليفة المستنصر في سن مبكرة، وقد كان فتى في عنفوانه، لم يجاوز الرابعة والعشرين من عمره، وكان متين البنية، حسن التكوين. ولكن حياة اللهو الصاخب المستمر، التي انهمك فيها، حطمت بنيته، ومهدت الألعاب والرياضات العنيفة، التي كان يشغف بها لوفاته الفجائية. ويقص علينا صاحب روض القرطاس قصة هذه الوفاة الفجائية، فيقول لنا إن يوسف المستنصر، كان مولعاً بالبقر والخيل، وكان يستجلب الأبقار من الأندلس، ويربيها في رياضه الكبيرة بمدينة مراكش، ففي عشية ذات يوم، ركب المستنصر فنشيا (مهرا)، وذهب إلى الروض ليتأمل خيله وأبقاره في ضوء القمر، فبينما هو يسير بين البقر، إذ قصدت إليه بقرة شرود منهن، فضربته بقرنيها بعنف، ضربة أصابته في القلب، وأودت بحياته على الأثر. وكان ذلك في مساء يوم السبت الثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة ٦٢٠ هـ (٤ يناير ١٢٢٤ م) (٢). ولكن هذه الرواية، التي ينقلها بعض المؤرخين المتأخرين، ليست هي الوحيدة في شرح ظروف وفاة الخليفة المستنصر الفجائية، فإن هناك رواية أخرى، مفادها أن المستنصر توفي مسموماً، بتدبير وزيره أبي سعيد بن جامع والفتى مسرور، وهذا، نقله إلينا الزركشي عن " ترجمان العبر " (٣). والآن فلنلق نظرة عابرة على هذه الأعوام العشرة، التي شغلتها خلافة المستنصر، وعلى شخصية هذا الخليفة الفتي، وهي شخصية لم تتميز بشيء من الخلال العظيمة، والأعمال البارزة.

стр. 2068

إن سائر التواريخ المعاصرة والقريبة من العصر، تحدثنا عما كان عليه محمد الخليفة المستنصر، من التعطل والركود، وعما كان عليه المغرب يومئذ، من اختلال الأحوال، واضطراب السكينة والأمن، وذيوع التوجس والقلق، وضعف الموارد العامة والخاصة، وانتشار الضيق والفقر، وفتور همم أولى الأمر، ونكولهم عن القيام بأية إجراءات ناجعة، لتنظيم شئون الدولة، أو معالجة الأحوال العامة، أو معاونة الشعب على اجتياز أزماته الاقتصادية والاجتماعية. ولم يكن ثمة شك في أن هذه كلها، كانت علامات مزعجة، تؤذن بدبيب الوهن والانحلال إلى الدولة الموحدية العظيمة، وبانحدارها إلى المصير، الذي لابد أن تنحدر إليه دولة يصيبها مثلما أصاب الدولة، في عهد المستنصر بالله. وإنا لنقرأ في وصف المؤرخين لشخصية المستنصر، وفي تعيلقاتهم على عصره، تلك الصور المروعة، لدولة تنحدر بسرعة إلى هاوية السقوط. فمثلا يقول لنا ابن عذارى: " ولم تكن للمستنصر بالله حركة ولا غزوة، ولا خرج من حضرته إلى مدينة تينملل، على العادة في التبرك بالمهدي. فما وقفت له على خبر أذكره إلا ما رأيت في بعض الرسائل، والله يؤتى ملكه من يشاء " (١). ويقول صاحب روض القرطاس: " ولم يخرج من حضرة مراكش طول خلافته إلى أن توفي، وكانت أوامره لا تتمثل، أكثرها لضعفه وليانه، وإذامته على الخلافة، وركونه إلى اللذات. وتفويضه أمور مملكته، ومهمات أموره، إلى السفلة " (٢). ويقول ابن خلدون: " وقام بأمر الموحدين من بعده (أي بعد الناصر) ابنه يوسف المستنصر، فنصبه الموحدون غلاماً لم يبلغ الحلم، وشغلته أحوال الصبا وجنونه، عن القيام بالسياسة وتدبير الملك، فأضاع الحزم، وأغفل الأمور، وتواكل الموحدون بما أرخى لهم من طيل الدالة عليه، ونفس عن مخنقهم، من قبضة الاستبداد والقهر، فضاعت الثغور، وضعفت الحامية، وتهاونوا بأمرهم وفشلت ريحهم " (٣). على أن أبلغ ما وقفنا عليه من هذه التعليقات يتمثل في تلك الفقرة التي يوردها ابن عبد الملك المراكشي، في ترجمة أبي الحسن بن القطان، تعليقاً على اختلال

стр. 2069

الأحوال في المغرب وقطع السبل، ووقوع النهب على التجار وغير ذلك: " واستمرت الأمور على هذه الحال، وهذه السبيل زمانا، والمستنصر في غفلة عن كل ما يجرى، غير سايل عن رعيته التي يسئل عنها، وإن بدر منه سؤال عن أحوال الناس والبلاد، أجاب الوزير أبو سعيد، أن الجميع في سبوغ نعمة، وشمول عافية، واتساع أحوال، وبسط أموال، فيقنعه ذلك، ويعود إلى انهماكه في لذاته. وأهمل مع ذلك جانب الأجناد الذين هم آلة الملك وأعوانه، فأرجل فرسانهم، وصرفت رجّالتهم، فتفاقم الأمر، واستشرى شرى المفسدين وكثر أضرارهم، وعم عدوانهم. ولما تمادى ظهور الفساد، واشتدت شوكة أهله، آجرى أبو الحسن (المترجم) ذكر ذلك بمجلس الوزير أبي سعيد، وأشار عليه بإنفاذ جيش إلى بعض نواحي مراكش لردع من نجم من أهل البغي، فأجابه بأن ذلك لا يحتاج إليه، وأنه سيكتب إلى أهل تلك الناحية، بالنفوذ إلى من تعرض إلى أرضهم ومرافقهم، والقبض عليهم وقتلهم، ونحو هذا " (١). في تلك الفقرة، التي يقدمها إلينا مؤرخ عاش فيها قريباً من العصر، تبدو أصدق صورة للمستنصر وأحوال عصره، وهي صورة تنطق بنفسها، عما يمكن أن يترتب على مثلها بالنسبة للدولة التي تجوزها من النتائج الخطيرة. على أنه توجد لدينا في نفس الوقت بعض نصوص تقدم إلينا المستنصر، هذا الفتى المتعطل المستهتر، في صورة أخرى، هي صورة الطاغية القوي المستبد، الذي يستأثر بالأمور، وإليك ما يقوله لنا في ذلك مؤرخ موحدى معاصر وشاهد عيان، هو عبد الواحد المراكشي، وقد عرف المستنصر شخصياً واتصل به. يقول عبد الواحد خلال حديثه عن المستنصر: " ولم يغير أبو يعقوب هذا على الناس شيئاً من سير آبائه، ولا أحدث أمراً يتميز به عمن كان قبله، خلا أني رأيت كلّ من يعرفه من خواص الدولة، قد مُلىء قلبه رعباً لما يعلمون من شهامته وشدة تيقظه. لقيته وجلست بين يديه خالياً به، وذلك في غرة سنة ٦١١، فرأيت من حدة نفسه، وتيقظ قلبه، وسؤاله عن جزئيات لا يعرفها أكثر السوق، فكيف الملوك، ما قضيت منه العجب، وإلى وقتنا هذا لم يظهر منه شىء مما يتوقع " (٢).

стр. 2070

ويؤيد هذه الصورة في بعض نواحيها صاحب روض القرطاس حين يقول في حديثه عن المستنصر: " فضعفت دولة الموحدين في أيامه، واعتراها النقص، وأخذت في الإدبار، إلا أن أيامه كانت أيام هدنة ودعة وعافية. فلما كبر، واشتغل بأمره ونهيه، واستبد بملكه، جعل يفرق أعمامه، وحواليه الذين أقاموها، وأشياخ الموحدين الذين أسسوها، وقرب أناسا وتمسك بهم، لم يكن لهم أصل فيها " (١). هذا وقد كانت حكومة الخليفة المستنصر، تتألف من معظم الأشخاص الذين عملوا مع أبيه الناصر، فكان وزيره وزير أبيه أبو سعيد عثمان بن عبد الله بن إدريس بن إبراهيم بن جامع، وهو سليل تلك الأسرة التي استأثرت بوزارة الخلافة الموحدية زهاء نصف قرن، وكان عميدها إبراهيم بن جامع من أصحاب المهدي، واستمرت وزارته إلى آخر سنة ٦١٥ هـ، ثم صرفه المستنصر، واستوزر من بعده أحد القرابة، وهو زكريا بن يحيى بن اسماعيل الهزرجى، فاستمر في الوزارة حتى نهاية عهده، بيد أن هناك ما يدل على أن المستنصر، عاد فاستدعى الوزير أبا سعيد للعمل مرة أخرى، وذلك في أواخر عهده. وتولى الكتابة للمستنصر كاتبا أبيه وجده من قبل، وهما أبو عبد الله بن عياش، وأبو الحسن بن عياش، ولما توفيا متعاقبين في شهور سنة ٦١٩ هـ، استدعى للكتابة أبو عبد الله محمد ابن يخلفتن الفازازى، كاتب الناصر من قبل، وكان عندئذ يشغل منصب القضاء بمرسية، وعين معه للكتابة أبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عياش، وبقى كاتب الجيش أحمد بن منيع، وهو كاتب الناصر من قبل، في منصبه دون تغيير. وتولى الحجابة للمستنصر، مبشر الخصى حاجب أبيه، ولما توفي خلفه في الحجابة فارح الخصى المعروف بأبي السرور، واستمر في الحجابة حتى وفاة المستنصر. وتولى القضاء للمستنصر، أبو عمران موسى بن عيسى بن عمران قاضي أبيه، فلم يزل في منصبه حتى نهاية عهده، وهذا القاضي هو أيضاً، حفيد أسرة استأثرت بمناصب القضاء منذ أيام عبد المؤمن، وكان عميدها أبو عمران موسى الضرير صهر عبد المؤمن. ولم ينجب المستنصر ولدا، ولم يعقب إلا حملا من جارية، لم تذكر لنا الرواية مصيره (٢).

стр. 2071

الفصل الثاني أبو محمد عبد الواحد والعادل وثورة البياسى بالأندلس . ولاية الخليفة أبي محمد عبد الواحد. نشأته وصفاته. تصرفاته الأولى. اعتراض السيد أبي محمد عبد الله والي مرسية على خلافته. قيامه بالدعوة لنفسه وتلقبه بالعادل. انضمام إخوته ولاة قرطبة وغرناطة ومالقة إليه. تأييد أبي محمد عبد الله البياسى والي جيان له. مخالفة السيد أبي زيد والي بلنسية. استوزاره لابن يوجان ونزوحه إلى إشبيلية. القيام بدعوته في مراكش. مصرع الخليفة أبي محمد عبد الواحد. تطور الحوادث بالأندلس. خروج البياسى على العادل ودعوته لنفسه. مسير أبي العلى إدريس لقتاله. استنصار البياسى بملك قشتالة. تخاذل أبي العلى عن قتاله وارتداده. العادل يرسل جيشاً آخر لقتال البياسى. هزيمة هذا الجيش وفراره. استيلاء البياسى على قرطبة. إغارة النصارى على أحواز إشبيلية. خروج أهلها لرد الغزاة. هزيمتهم وتمزيق صفوفهم. إغارة النصارى على أحواز مرسية. هزيمة المسلمين. مغادرة العادل للأندلس ومسيره إلى مراكش. العادل ونشأته وصفاته. اهتمامه بشئون الأندلس وكتابه في ذلك. تفاقم الحوادث في الأندلس. أعمال البياسى والقشتاليين في أواسط الأندلس. تحالف البياسى وملك قشتالة. محاصرة ملك قشتالة لجيان. فشل الحصار وارتداد النصارى. افتتاح القشتاليين للقبذاق وباغة. غزوهم للوشة والحامة. محاصرتهم لغرناطة ثم جلاؤهم عنها. زحف البياسى على إشبيلية. خروج أبو العلى إدريس في الموحدين لمدافعته. هزيمة الموحدين وأهل إشبيلية. خضوع قرطبة وبلاد شرقي إشبيلية للبياسى. ما سلمه البياسى لملك قشتالة من المواقع والحصون. عود البياسى إلى مهاجمة إشبيلية. خروج أبي العلى للقائه. هزيمته وتمزيق جموعه. عود بلاد شرقي إشبيلية إلى طاعة العادل. كتاب أبي العلى إلى أخيه الخليفة. ثورة أهل قرطبة ضد البياسى. مطاردته ومصرعه وانهيار ثورته. صفاته الذميمة. افتتاح ملك قشتالة لحصن قبالة. استنجاد أهل بياسة بصاحب جيان. خروج أهلها منها واستيلاء النصارى عليها. استيلاء فرناندو الثالث على شوذر ومواضع أخرى. مسير السيد أبي العلى إلى مرتش وعجزه عن مهاجمتها. يعقد الهدنة مع القشتاليين. اضطراب الأحوال في المغرب. عيث الخلط وهسكورة في أحواز مراكش. خروج أبي العلى إدريس بالأندلس على أخيه. دعوته لنفسه بالخلافة. كيف مهد لنفسه طريق الدعوة. مبايعته واتخاذه لقب المأمون. سعى الوزير ابن يوجان لتأييده. اتفاق الموحدين على خلع العادل. رفض العادل التنازل ومصرعه. بيعة الأشياخ للعادل ثم عدولهم عنه إلى ابن أخيه يحيى الناصر. تلقب يحيى بالمعتصم. غضب المأمون واعتزامه العبور إلى العدوة. لما توفي الخليفة يوسف المستنصر بالله دون عقب في يوم السبت الثاني عشر من ذي الحجة سنة ٦٢٠ هـ، اجتمع رأى أشياخ الموحدين، وفي مقدمتهم الوزير أبو سعيد بن جامع، على أن يقدموا مكانه للخلافة السيد أبا محمد عبد الواحد

стр. 2072

ابن الخليفة يوسف بن عبد المؤمن (١)، وكان شيخاً قد جاوز الستين، يعيش مغموراً في هدوء ودعة. ويقول لنا المراكشي، فيما بلغه، أنه لما توفي المستنصر، اضطرب الأمر، وتطلع الناس لنشوب الخلاف، ولكن معظمهم اجتمعوا على تقديم السيد الأجل أبي محمد عبد العزيز (عبد الواحد) (٢). على أنه يبدو أن اختيار عبد الواحد، كان أمراً تقرر بمنتهى السرعة، إذ بويع في اليوم التالي لوفاة المستنصر، أعني في يوم الأحد الثالث عشر لذى الحجة، ويبدو في نفس الوقت أن هذا الاختيار لشيخ جاوز الستين، يرجع إلى حكمة مزدوجة، أولا لكي يكون أداة مطواعة للزعماء الذين يقبضون على ناصية الحكم، وثانياً لكي تكون خلافته، ومفروض أنها سوف تكون قصيرة الأمد، فترة انتقال، يتمكن الأشياخ فيها من حسم خلافاتهم، والاتفاق على الخليفة الحقيقي. ويقدم إلينا المراكشي، وقد عرف السيد عبد الواحد شخصياً، تفاصيل عديدة عنه، وعن حميد صفاته. فهو من أصغر أولاد الخليفة يوسف بن عبد المؤمن وأمه حرة اسمها مريم وهي صنهاجية من أهل قلعة بني حماد، كانت قد سبيت هي وأمها فيمن سبوا عند افتتاح عبد المؤمن للقلعة، فأعتقهما عبد المؤمن، وزوج مريم لابنه أبي يعقوب يوسف، فرزق منها بثمانية من الولد، أربعة ذكور، وأربع إناث، وكان الذكور هم ابراهيم وموسى وإدريس وعبد الواحد وهو أصغرهم. ولبث عبد الواحد طيلة شبابه مغموراً، لم تسند إليه ولاية ما، حتى تولى الخلافة ابن عمه الناصر لدين الله، فأسند إليه ولاية مالقة، وذلك في سنة ٥٩٨ هـ، ثم صرفه عنها في سنة ٦٠٣ هـ، وولاه أمر قبيلة هسكورة، وهي ولاية ضخمة، فاستمر في ولايته هذه طوال عهد الناصر، وشطراً من عهد ولده المستنصر. ثم اختاره المستنصر والياً لسجلماسة، ثم والياً لإشبيلية، وذلك حينما عزل عنها أخوه أبو العلاء إدريس، ونقل إلى ولاية تونس، ثم صرف عنها وعاد إلى مراكش. وقد بويع السيد أبو محمد عبد الواحد بالخلافة على كره منه، فم يك راغباً فيها، ولم يك يصلح لها (٣). وكان حسبما يصفه لنا المراكشي عن علم ومشاهدة،

стр. 2073

رجلا ورعا صالحاً، بعيد النظر، قوي العزم، شديد الشكيمة، حريصاً على اتباع الحق، لا تأخذه فيه لومة لائم، كثير التلاوة لكتاب الله، دؤوباً على تلاوة الأوراد، لا يمنعه عن ذلك مانع، ولا يترك وظيفة من الوظائف التي رتبها لنفسه، من أخذ العلم وقراءة القرآن والأذكار، رتبها على أوقات الليل والنهار. يقول المراكشي: " شهدت هذا كله بنفسى، لا أنقله عن أحد، ولا أستند فيه إلى رواية. هذا مع دماثة خلق، ولين جانب، وخفض جناح لأصحابه، ولمن علم فيه خيراً للمسلمين ". وأما عن شخصه فيصفه المراكشي بأنه كان " أبيض تعلوه صفرة، جميل الوجه جداً، معتدل القامة، متناسب الأعضاء " (١). وتمت بيعة السيد أبي محمد عبد الواحد في جو من التفاهم والوفاق، ولم يختلف أحد في المغرب على بيعته، ولم يبد عليها اعتراض من أحد، ولم يتخذ الخليفة الجديد لقباً خلافياً كأسلافه، ولكنه عرف فيما بعد " بالمخلوع " لأنه كان أول من خلع بني عبد المؤمن عن كرسى الخلافة. وكان في مقدمة تصرفاته أن أمر بمحاسبة ابن أشرفى صاحب المخزن، ومطالبته بالمال. وكتب لأخيه أبي العلاء الكبير بتجديد الولاية على إفريقية، وكان المستنصر قد أوعز بعزله، بيد أنه توفي قبل استئناف ولايته، وأمر بإطلاق سراح الوزير السابق أبي زيد عبد الرحمن بن موسى ابن يوجان، ولكن الوزير ابن جامع اعترض على تنفيذ هذا الأمر، وبعث بابن يوجان مع الأسطول بقصد تغريبه إلى ميورقة (٢). ولكنه لما وصل إلى الأندلس، أخذ وسجن في حصن جنجالة، فبقى فيه حتى توفي ابن جامع، وعندئذ أطلق سراحه (٣). ثم كان ظهور الخلاف والمعارضة للخليفة الجديد، لا في المغرب ولكن في جهة أخرى، فيما وراء البحر، أعني في شبه الجزيرة الأندلسية. وذلك أنه لم يمض شهران على بيعته بالمغرب ومعظم أنحاء الأندلس، حتى ارتفع أول صوت ضد بيعته في شرقي الأندلس، وكان هو صوت ابن أخيه السيد أبي محمد عبد الله ابن يعقوب المنصور. وكان أبو محمد عبد الله عندئذ، واليا لمرسية. وكان إخوته أبو العُلى (أبو العلاء) والياً على قرطبة، وأبو الحسن والياً على غرناطة، وأبو موسى والياً على مالقة. وكان قد استوزر أبا زيد بن يوجان بعد إطلاق سراحه.

стр. 2074

وكان ابن يوجان هذا داهية زمانه، فلما وردت الأنباء بأخذ البيعة لأبي محمد عبد الواحد، تقدم ابن يوجان إلى السيد أبي محمد عبد الله، وحذره من المبايعة للخليفة الجديد، وقال له إنهم بتنصيب عبد الواحد، قد أخرجوا الإمامة عن عقب سيدنا المنصور، وأنه يشهد بأن المنصور قال إن لم يصلح محمد (أعني الناصر) فعبد الله، وأنه أي عبد الله أحق بالخلافة، فهو ولد المنصور، وأخو الناصر، وعم المستنصر، وأنه صاحب عقل وحزم وسياسة وبعد نظر، ولن يختلف اثنان على استحقاقه للخلافة، خصوصاً وأن الناس يكرهون بني جامع الذين توارثوا الوزارة، وجعلوا يقصون عن الحضرة كل ذي رأى ومقدرة، وأخيراً فإن له من وجود أخوته الثلاثة في رياسة قرطبة وغرناطة ومالقة أكبر عضد (١). وكان لتوجيه ابن يوجان وتحريضه أكبر الأثر، فنهض السيد أبو محمد واستدعى أشياخ الموحدين والفقهاء والأعيان بمرسية وأحوازها، ودعاهم إلى مبايعته، فلبوا دعوته، وتسمى بالعادل، وكان ذلك في يوم ١٣ صفر سنة ٦٢١ هـ وذلك لشهرين من بيعة أبي محمد عبد الواحد، وبايعه إخوته ولاة قرطبة، وغرناطة ومالقة. وكذلك بايعه السيد أبو محمد عبد الله بن أبي عبد الله محمد ابن يوسف بن عبد المؤمن صاحب جيان، وهو الذي عرف فيما بعد بالبيّاسى، لقيامه فيما بعد ضد العادل ببياسة. وكان سبب انضمامه للعادل ما قرره الخليفة عبد الواحد من عزله، بعمه أبي الربيع بن أبي حفص، فانتقض عليه وبايع للعادل (٢). وفي رواية أخرى أن عبد الله البياسى كان عند قيام العادل والياً على إشبيلية (٣). وعلى أي حال، فقد استطاع العادل أن يحصل على تأييد سائر قواعد الأندلس، خلا بلنسية ودانية وشاطبة، حيث امتنع واليها السيد أبو زيد بن أبي عبد الله محمد أخو البياسى عن مبايعته، وبقيت هذه القواعد على طاعته. ثم خرج العادل من مرسية وبصحبته وزيره أبو زيد بن يوجان، وسار إلى إشبيلية، وأخذ في تدبير الأمور، ولم يلبث أن برم بطغيان ابن يوجان واسئثاره بكل أمر، فبعثه إلى سبتة، ليكون هناك نائبه، ولينظر في شئون العودة. وهنا يحيق الغموض بسير الحوادث سواء بالمغرب أو الأندلس.

стр. 2075

ففي رواية أن العادل حينما وصل إلى إشبيلية، وصلته هنالك بيعة أهل مراكش وبلاد المغرب. وفي رواية أخرى أنه كتب إلى الأشياخ الموحدين بحضرة مراكش يدعوهم إلى بيعته، وخلع عبد الواحد ووعدهم بجزيل الصلات، ورفيع المناصب والولايات، فصدعوا برغبته ودخلوا على الخليفة عبد الواحد، وهددوه، وأرغموه على أن يعلن خلع نفسه، وأن يشهد بذلك على نفسه أمام القاضي والفقهاء والأشياخ، وكان ذلك في اليوم الثاني والعشرين من شهر شعبان سنة ٦٢١ هـ. ولم تمض أيام قلائل على ذلك، حتى دخلت عليه جماعة من الموحدين، وخنقوه، ونهبوا قصره، وسبوا حريمه، فكان بذلك أول من خلع وقتل من بني عبد المؤمن (١) ومن جهة أخرى فإنه يبدو أن أشياخ الموحدين بمراكش، لما بلغتهم بيعة العادل بالأندلس، اختلفوا فيما بينهم أولا، وبادروا بعزل الوزير ابن جامع، واقتسموا السلطات فيما بينهم، وأنفذوا أوامرهم إلى الأسطول بمنع جواز العادل إلى المغرب. ولكن الظاهر أنهم قرروا أمرهم فيما بعد، وبعثوا ببيعتهم إلى العادل (٢). - ١ - وفي أثناء ذلك اضطربت الحوادث بالأندلس، واتخذت وجهة جديدة لم تكن في الحسبان. وكانا لبيعة العادل أكبر أثر في تطورها على هذا النحو. وذلك أن السيد أبا محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب جيان، لما رأى من رفض أخيه السيد أبي زيد والي بلنسية ودانية وشاطبة، بيعة العادل، واعتصامه بهذه القواعد الشرقية، عاد بدوره، فأعلن خلعه لطاعة ابن عمه العادل ودعا لنفسه وتلقب بالظافر، وأطاعته جيان وأبدة وقيجاطه وبياسة، وسائر أراضي تلك المنطقة. فبادر العادل، وبعث من إشبيلية أخاه أبا العلاء إدريس ابن المنصور، في قوة كبيرة من الموحدين، لقتال السيد أبي عبد عبد الله وإخماد ثورته، فخرج السيد عندئذ من جيان ولجأ إلى بياسة وامتنع بها، وسمى من ذلك التاريخ بالبياسى، وبعث إلى فرناندو الثالث ملك قشتالة، يستنصر به، ونحن نعرف منذ أيام الطوائف، ماذا كان الثمن الذي يتقاضاه الملوك النصارى نظير هذه المعونة، فقد كان دائماً قطعة من أشلاء الأندلس، تبذل دون تحفظ، إلى

стр. 2076

جانب الخضوع والطاعة. ولم يشذ البياسى عن هذه القاعدة المؤلمة، بل سنرى أنه ذهب فيها إلى أبعد حد. وأشرف الجند الموحدون بقيادة أبي العلاء على بيّاسة في أواخر سنة ٦٢١ هـ (أواخر سنة ١٢٢٣ م)، ونزلوا في ظاهرها، وكان الوقت شتاء، وقد بلغ البرد ذروته، واشتد هطل الأمطار، وغمرت السيول كل صقع، فحاصر أبو العلاء بياسة أياما قلائل، ثم خشى أن يفيض النهر (الوادي الكبير) فيتعذر عليه العبور عند العودة، وخشى كذلك أن يداهمه القشتاليون حلفاء البياسى، وبعث إليه البياسى من جهة أخرى بعوده إلى طاعة العادل، وأرسل إليه ولده الأصغر رهينة لديه، فاكتفى أبو العلاء بذلك وارتد عائدا بقواته إلى إشبيلية، دون أن يحقق شيئاً من مهمته، فقوبل في إشبيلية بمنتهى الاستهجان والسخط، ورمى بالخور والجبن (١). وعندئذ بادر العادل بتجهيز جيش موحدى آخر، أسندت قيادته إلى أبي سعيد عثمان بن أبي حفص. فسار هذا الجيش إلى بياسة ونزل على بعد خمسة أميال من جنوبي المدينة، على مقربة من شمال الوادي الكبير، فخرج إلى قتاله نحو مائة فارس من أصحاب البياسى، وقوة من حلفائه القشتاليين، فسرى الرعب إلى الموحدين عند رؤيتهم، وبادروا إلى الفرار دون قتال وارتدوا إلى إشبيلية، وبقى البيّاسى في بياسة دون منازع، وقد احتل حلفاؤه القشتاليون قصبتها (٢). وهنا يحيق الغموض بموقف البياسى وتحركاته، ويبدو من مختلف الروايات أنه استطاع في تلك الآونة أن يبسط سلطانه، فضلا عن منطقة بياسة، على مدينة قرطبة، وذلك على خلاف في طريق تملكها، فابن عذارى يقول لنا إن العادل هو الذي أسند إليه ولايتها، وقت أن كان مُقراً بطاعته، وصاحب روض القرطاس يقول إن أهل قرطبة هم الذين انضموا إليه. وأما صاحب الروض المعطار، فيقول إن البياسي هو الذي تملك قرطبة، بل يزيد على ذلك أنه تملك أيضا مالقة، " وكاد يستولي على الأمر لو ساعده القدر " (٣). وعلى أي حال

стр. 2077

فقد كان من الواضح أن البياسى، كان يحتل في الأندلس الوسطى مركزاً له خطره، وكان منافساً قوياً للعادل، يكاد ينتزع الأمر منه. وكان العادل قد غدا بإشبيلية على أثر فشل قواته في إخضاع البياسى، في مأزق حرج. وزاد من حرج مركزه عندئذ، غزوة قام بها النصارى في أراضي الشّرف غربي إشبيلية. وذلك أن قوة من الجند الليونيين يقودها مارتن سانشيز، وهو ابن غير شرعى لملك البرتغال سانشو الثاني، دخل في خدمة ملك ليون، عبرت جبال الشارات، وسارت جنوبا حتى وصلت إلى أراضي الشّرف، وعاثت في تلك المنطقة، واستولت على كثير من الغنائم والسبي، وألفى العادل، وأخوه أبو العلاء، ووزيره ابن يوجان، ومن معهم من أشياخ الموحدين، أنفسهم عاجزين عن دفع النصارى، وحماية المدينة مما قد يصيبها. ووقع الهرج بين أهل المدينة، واجتمع الناس خاصتهم وعامتهم بالمسجد الجامع، وطالبوا العادل وأشياخ الموحدين بجمع الصفوف، والخروج إلى لقاء العدو، فاستنفر العادل الناس، واحتشدت مهم جموع غفيرة، ومعظمهم من غير سلاح، واجتمع من الفرسان نحو مائة، وسارت هذه الجموع إلى حيث نزل النصارى على مقربة من طلياطة (١) وهي تقع غربي إشبيلية على مقربة من لبلة، وكان النصارى في قوة كبيرة حسنة الأهبة والسلاح، فأراد العامة أن يدفعوا قوة الفرسان الصغيرة إلى لقاء العدو، فامتنع قائدها عبد الله بن أبي بكر بن يزيد، وحاول أن يقنع العامة بعبث هذه المحاولة، وبأن التزام الدفاع أفضل وأولى، فتطاولوا عليه وسبوه، فانسحب مع فرسانه. وعندئذ أنقض النصارى على هذه الجموع الهزيلة المفككة من المسلمين، ففتكوا بها وأفنوا الكثير منها قتلا وأسراً، وفر الكثير منهم في مختلف الأنحاء. ويقدر من هلك من المسلمين في الموقعة بعدة آلاف، ويبالغ بعضهم فيقدرها بنحو عشرين ألفاً، ووقعت موقعة طلياطة هذه في شهر جمادى الأولى سنة ٦٢٢ هـ (مايو ١٢٢٤ م) (٢). ولم يمض شهران على ذلك، حتى وقعت في شرقي الأندلس غزوة نصرانية مماثلة، وهزيمة مماثلة للمسلمين. وذلك أن حكام قونقة ووبذة والأركون ومويا،

стр. 2078

جمعوا قواتهم، وسارت منها حملة غازية بقيادة ألبرو تليس اخترقت وادي شُقر جنوباً حتى أراضي مرسية، فخرج لردهم جند مرسية وأهلها بقيادة أبي على ابن أشرقى، وكانوا على مثل أهل إشبيلية من التفكك والفوضى، فنشبت بينهم وبين النصارى، في مكان يعرف بعفص Aspe يقع شرقي مرسية، معركة شديدة هزم فيها المسلمون هزيمة فادحة، وأسر وقتل منهم فيها الكثير. وكان ذلك في شهر رجب سنة ٦٢٢ هـ (يوليه ١٢٢٤ م)، وفي ذلك يقول شاعر مرسى، مقارنا بين موقعتى عفص وطلياطة: موقعة عفص وطلياطة ... تكامل إقبال أيامنا فبالغرب تلك وبالشرق ذي ... أناخا على شم أعلامنا (١) - ٢ - في ذلك الحين، كانت بيعات الموحدين بمراكش والمغرب، قد وصلت إلى العادل بإشبيلية، وكان الخليفة عبد الواحد، قد خُلع ولقى مصرعه، وأصبح عرش الخلافة الموحدية خاليا، فرأى العادل أن الوقت قد حان لكي يعبر إلى المغرب، خصوصاً وقد أخذت الحوادث تتجهم في الأندلس، على أثر فشله في التغلب على البياسى، وفي رد النصارى عن أراضي إشبيلية، فندب أخاه أبا العلاء إدريس للنظر على شئون الأندلس، وغادر إشبيلية، وعبر البحر إلى المغرب، وذلك في شهر ذي القعدة سنة ٦٢٢ هـ (أكتوبر سنة ١٢٢٤ م) (٢). والظاهر أنه لقى في طريقه إلى مراكش صعابا من تعرض العربان وغيرهم إليه. ولما وصل العادل إلى مراكش، واستقر بقصر الخليفة، استوزر أبا زيد

стр. 2079

ابن أبي محمد بن أبي حفص، وأقر عماله سواء بالمغرب أو الأندلس على أعمالهم، وأقر خاصته وحشمه كل في وظائفهم وطبقاتهم. وقد تقدم نسب العادل، فهو أبو محمد عبد الله بن يعقوب المنصور بن يوسف ابن عبد المؤمن بن علي، وأمه أم ولد نصرانية برتغالية، من سبى شنترين اسمها سر الحسن أسرت فيما يبدو، حين غزوة المنصور الأولى للبرتغال في سنة ٥٨٦ هـ (١١٩٠ م)، وبذلك يمكن أن نضع تاريخ مولد العادل في نحو سنة ٥٨٧ هـ (١١٩١ م) فيكون عمره وقت أن تولى الخلافة، نحواً من أربعة وثلاثين عاما. ولقبه الكامل هو " العادل في أحكام الله تعالى ". وأما عن صفته، فقد كان العادل نحيل القد، أشهل العينين، أقنى الأنف، خفيف العارضين (١). وكان العادل من خيرة بني عبد المؤمن، فاضلا وقوراً، كبير النفس، عالى الهمة، من أهل العلم والمعرفة (٢). وتولى العادل حكم غرناطة في سنة ٦١٩ هـ، أيام ابن أخيه يوسف المستنصر، ثم نقل باختياره إلى ولاية مرسية. ولما تولى الخلافة عمه أبو محمد عبد الواحد، خرج عليه بمرسية، كما تقدم، ودعا لنفسه بالخلافة، وذلك في يوم ١٣ صفر سنة ٦٢١ هـ، ولم يتخلف عن بيعته بالأندلس سوى السيد أبي زيد والي بلنسية، وأخوه السيد أبو عبد الله صاحب جيّان، وهو العروف بالبياسى. وأما في المغرب فقد تلقى بيعة سائر الموحدين، ما عدا بيعة بني حفص ولاة افريقية، وكان هؤلاء عندئذ يدبرون الخطة لانفصالهم عن الدولة الموحدية، والاستقلال بحكم ما تحت أيديهم. وكان في مقدمة ما فعله العادل، أن وجه إلى قواعد الأندلس، كتابا يؤكد فيه عناية الموحدين بشئون الجزيرة، واجتماع كلمتهم على الجهاد. وقد أورد لنا ابن عذارى من الكتاب المذكور فقرة ننقل منها ما يلي: " وها هم بحمد الله (أي الموحدين) قد انتظم شملهم، واتصل حبلهم، واجتمعت أهواءهم، واتفقت على إعزاز الحق آراؤهم، وحلوا بدار الموحدين، ومطلع الخلفاء الراشدين المهتدين، حيث الجموع وافرة. والأعداد متكاثرة، وطائفة الحق متعاضدة متظاهرة، وذلك حلول استدعاء واستنفار، لا حلول إقامة واستقرار، عازمين على الجهاد، والله تعالى ممضى عزائمهم، ويجبرهم

стр. 2080

على جميل معتقداتهم، على جهاد أعداء الله الكفار، فاعملوا وفقكم الله على ذلك، والله يبلغكم آمالكم والسلام عليكم " (١). والواقع أن شئون الأندلس، كانت أهم ما يشغل العادل، وقد تركها عند مغادرته لشبه الجزيرة، في حالة اضطراب مروع، تتجاذبها تيارات جارفة، من الفتن الداخلية، ومن عدوان النصارى. - ٣ - غادر العادل الأندلس، وترك أخاه أبا العُلى إدريس في إشبيلية ليواجه العاصفة. وكانت الأندلس قد غدت كما قدمنا مرة أخرى، مذ أعلن العادل دعوته بالخلافة، مسرحاً لصراع المتغلبين. وكانت حركة البياسى أبي محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن، في أواسط الأندلس، قد اتسع نطاقها، وكادت أن تمتد بعد الأندلس الوسطى، إلى إشبيلية، والأندلس الغربية. وكان البياسى، قد لجأ حسبما تقدم، إلى فرناندو الثالث ملك قشتالة، يستنصر به، ويطلب عونه ضد خصومه، وكان فرناندو، وهو الذي قدر له أن يفتتح فيما بعد معظم قواعد الأندلس الكبرى، يقدر كأسلافه، مزايا هذا التدخل في حوادث الأندلس، وفي حروبها الأهلية، وما يترتب عليه من مغانم سياسية، وإقليمية جليلة، فلبى نداء البياسى، وبعث إليه بالأمداد، وامتنع البياسي بمدينة بياسة، وصمد أمام الجيوش الموحدية، التي بعثها العادل لإخضاعه. ولما اطمأن إلى حصانة مركزه، خرج مع حليفه ملك قشتالة، ليعاونه على افتتاح أول قاعدة أندلسية من قواعد هذه المنطقة، وهي مدينة قيجاطة (٢). الواقعة جنوب شرقي بياسة. وكان فرناندو الثالث قد خرج بجيشه في خريف سنة ١٢٢٤ م (أواخر سنة ٦٢٢ هـ)، واخترق أراضي أبّدة قاصداً إلى قيجاطة، وكانت تزخر بالأموال والثروات، فاقتحمها القشتاليون، وهدموا معظم أسوارها، وقتلوا من أهلها الألوف، وقتلوا وأسروا كذلك معظم حاميتها الموحدية (سبتمبر ١٢٢٤ م). واستولى القشتاليون في نفس الوقت على عدة أخرى من حصون هذه المنطقة. ثم ساروا بعد ذلك، ومعهم حليفهم البياسي، فعاثوا في أراضي جيان، وقتلوا من أهلها نحو ألف وخمسمائة (أكتوبر ١٢٢٤ م). ثم ارتد ملك قشتالة

стр. 2081

في قواته مثقلا بالغنائم والأسرى، عند اقتراب الشتاء، وعبر نهر الوادي الكبير عائداً إلى بلاده (١). وفي صيف العام التالي، أعني في سنة ٦٢٣ هـ (١٢٢٥ م)، خرج فرناندو الثالث من قشتالة بجيش ضخم، وعبر ممر مورادال بجبال سييرا مورينا (جبل الشارات) ونزل في سهل العقاب، على مقربة من شمالي بياسة، وبعث إلى البياسى يستدعيه، فهرع البياسى إلى لقاء ملك قشتالة، وقدم إليه خضوعه بصفة رسمية، وعقد معه عهداً يعترف فيه بطاعته، ويتعهد بأن يسلم إليه حصون مرتُش، وأندوجر، وجيان، متى حصلت في يده، وكذلك سائر الحصون، التي يطلب ملك قشتالة الاستيلاء عليها، في أراضي المسلمين، وسلم البياسى ولده الأصغر إلى ملك قشتالة كفالة بولائه وإخلاصه. وتعهد ملك قشتالة من جانبه بأن يقدم إلى البياسى المعونة العسكرية الكافية، لاسترداد أملاكه وتأمينها (٢). وعلى أثر ذلك قصد ملك قشتالة ومعه حليفه أو تابعه البياسى إلى مدينة جيان وهو يخرب سائر الأراضي التي يمر بها، خلا تلك التي يسيطر عليها البياسى. ولما وصل إلى جيان، ضرب حولها الحصار، وأخذ القشتاليون مدى أيام يهاجمونها دون جدوى. وكانت جيان أمنع قاعدة في تلك المنطقة، ولها أسوار عالية، وقصبة في منتهى المناعة، مازالت أطلالها قائمة حتى اليوم، تشهد بسابق حصانتها. وكانت تدافع عنها حامية موحدية قوية بقيادة عمر بن عيسى بن أبي حفص بن يحيى، ومعهم فرقة من الفرسان النصارى بقيادة ألبار بيريث دي كاسترو، وكان مثل أبيه يعمل في خدمة الموحدين بغيرة وإخلاص، ولما اشتدت هجمات النصارى، خرج المسلمون لهم، واشتبكوا معهم في معركة قتل فيها من المسلمين مائة وثمانون، وأسر نحو ألفين. ثم امتنع المسلمون بالمدينة، ولبثوا صامدين، وكرر القشتاليون هجماتهم على المدينة، وهم في كل مرة يرتدون عنها خائبين. وأخيراً اضطر ملك قشتالة أن يرفع الحصار عن المدينة، وأن يرحل عنها (٣).

стр. 2082

وسار ملك قشتالة بعد ذلك ومعه البياسى إلى القبذاق (١)، فاستولى عليها وسلمها لحليفه، إذ كانت من أملاكه، ثم سار جنوبا نحو باغة (٢)، فقاومته حاميتها بشدة، واضطر إلى محاصرتها مدة، ثم سلمت حاميتها بالأمان نظير فدية كبيرة، وقصد بعد ذلك إلى لوشة، وهي جنوب باغه على ضفة نهر شنيل. فاقتحمها وفتك بأهلها. ولما وصل إلى مدينة الحامة في جنوبها، ألفاها خالية، إذ هجرها أهلها خوفاً أن يصيبهم ما أصاب أهل لوشة. ثم سار القشتاليون بعد ذلك شمالا صوب غرناطة، وكان أهلها قد استدعوا ألبار بيريث لمعاونتهم على الدفاع. فلما اقترب القشتاليون من المدينة، وضربوا حولها الحصار، وسّط أهلها ألبار بيريث ليفاوض ملك قشتالة في أن يرحل عنهم، نظر تسليمهم إياه ألفا وثلاثمائة أسير من النصارى كانوا لديهم، فتم الاتفاق على ذلك، وعفا ملك قشتالة عن ألبار بيريث، فترك خدمة الموحدين، وعاد إلى خدمة مليكه، وارتد ملك قشتالة في قواته شمالا، حتى اقترب من بياسة، وهنالك قام البياسى بتسليمه حصنى مرتش وأندوجر، وفقاً لعهده الذي أخذه على نفسه (٣). وكان البياسى قد شعر عندئذ بتوطد مركزه، وضخامة العون الذي يلقاه من حلفائه النصارى، فما كاد فرناندو الثالث يختتم غزوته في أراضي المسلمين، حتى سار البياسى في قواته، ومعه جيش من النصارى، تقدره الرواية بعشرين ألفاً (٤) صوب إشبيلية، وعبر نهر الوادي الكبير إلى الشّرف، وخرجت القوات الموحدية وأهل المدينة بقيادة السيد أبي العلاء لرد الغزاة، وهنالك أيضاً، على مقربة من طلياطة، في فحص القصر، اشتبك الفريقان فهزم الموحدون وأهل إشبيلية، هزيمة شديدة، وقتل منهم نحو ألفين (٥) وكان من نتيجة هذا النصر، أن خضعت معظم البلاد والحصون الواقعة شرقا بين اشبيلية وقرطبة لسلطان البياسى، بل إن أهل مدينة قرطبة ذاتها، حينما رأوا تفوق البياسى على هذا النحو، خلعوا طاعة حاكمهم الموحدي السيد أبي موسى أخي العادل، وأعلنوا طاعتهم للبياسي. وكان فرناندو الثالث قد عاد في تلك الأثناء، فعبر بقواته إلى أراضي

стр. 2083

الأندلس مرة أخرى، واستدعى البياسى إلى حصن أندوجر، وطلب إليه أن يسلم إليه طائفة من الحصون التي يرغب الاستيلاء عليها في منطقة قرطبة، فوعد البياسى بأن يسلمه حصون شلبطَرّة، وقبالة، وبرج الحمة (١)، وارتضى أن يسلمه قصبة بياسة كفالة بتنفيذ وعده، واحتل استاذ فرسان قلعة رباح ورجاله بالفعل قصر بياسة، وبقى المسلمون على حالهم بالمدينة. ثم بذل البياسى جهده في تسليم حصن شلبطرة، وندب لذلك رسولا من قبله استطاع بعد مشقة أن يقنع حاميته بتسليمه للنصارى، وكذلك سلم النصارى حصن برج الحمة، ولم يبق عليه إلا أن يسلمهم حصن قبالة، الذي امتنع عليه (٢). ولم يقنع البياسى بما تم من توطد مركزه، واستقراره بعاصمة الخلافة القديمة، وسيطرته على معظم نواحي الأندلس الوسطى، ولكنه أراد أن يستولي على إشبيلية ذاتها، وأن يقضى نهائياً على سلطان منافسه العادل وأخيه أبي العلاء، فسار في قواته مرة أخرى صوب إشبيلية، وحاول أن يضرب حولها الحصار. وكان أبو العلاء قد استعد للقائه فخرج إليه في حشود الموحدين وأهل المدينة، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة هزم فيها البياسى، ومزقت جموعه، وارتد في فلوله صوب قرطبة. ويضع ابن عذارى تاريخ هذه الموقعة، في الخامس والعشرين من شهر صفر سنة ٦٢٣ هـ، وهو يوافق التاريخ الذي تضعه الرواية النصرانية للموقعة، وهو ٢٥ فبراير سنة ١٢٢٦ م (٣). وكان لهذا النصر الحاسم الذي أحرزته القوات الموحدية على البياسى، نتائج هامة، فقد ارتدت طلياطة وحصن القصر، وبقية الحصون والبلاد الممتدة شرقي إشبيلية عن طاعة البياسى، وعادت إلى طاعة الخليفة العادل (٤) وكتب السيد أبو العلاء إلى أخيه العادل بمراكش، كتاباً ينبئه فيه بهذا النصر، ومما جاء في الكتاب المذكور: " إن المحنة بهذا البائس قد بلغت مداها، وانقبضت بعد البسط يداها،

стр. 2084

وانتهى إلى غاية لا يتعداها، والحمد لله الذي أذل للخلافة العادلية، أحد عداتها وأنصفها من منازعها بأداتها، فكافر النعم تستحيل عليه نقماً، وحاجب الشمس ضوءها، حافظاً بين ظلام وعماء، والموحدون عازمون على اتباع هذا العدو، إلى أن يدعوه عقيراً، أو يستثبتوه أسيراً إن شاء الله تعالى، وكتب في ربيع الأول من عام ثلاثة وعشرين وستمائة ". وهنا خرج فرناندو الثالث في قواته مرة أخرى، وكان هدفه في هذه المرة الاستيلاء على حصن قبالة (١)، وهو من حصون الحدود الواقعة في شمالي قرطبة، وشمالى جبل الشارات، وكان قد تعذر على البياسى، أن يقوم بتسليمه وفقاً لتعهداته، وكان البياسى قد وصل في تلك الأثناء إلى قرطبة منهزما مدحوراً، وكان أهل قرطبة لما رأوا إفراطه في محالفة النصارى، وإسرافه في تسليم الحصون الإسلامية إليهم، قد خشوا أن ينتهي الأمر بأن يغدر بهم، ويسلم قرطبة ذاتها للنصارى، فاعتزموا الفتك به والتخلص منه، فثاروا به، وشعر البياسى بخطورة الأمر، ففر من المدينة، والتجأ إلى حصن المدوّر الواقع جنوبي النهر على مقربة من جنوب غربي قرطبة، ولكن الثوار طاردوه بشدة، وحاصروه في الحصن، ثم اقتحموه، وقتلوا البياسي، واحتزوا رأسه، وبعثوا بها إلى السيد أبي العلى بإشبيلية، فأرسلها بدوره مع كتاب إلى أخيه العادل بمراكش، فرد العادل بكتاب يتضمن تعيين أخيه أبي العلى واليا لقرطبة بالإضافة إلى إشبيلية (٢)، وكان البياسي عند مصرعه شيخاً قد جاوز الستين. وهكذا تحطمت ثورة أبي محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن، المسمى بالبياسى، بعد أن لبثت ثلاثة أعوام تبث الاضطراب والدمار إلى أواسط الأندلس، وتمهد للنصارى اقتطاع القواعد والحصون الواقعة في شرقي قرطبة وفي شمالها، وقد اقتطعوا منها بالفعل طائفة كبيرة، كان ضياعها سبباً في إضعاف خطوط الدفاع عن قرطبة، والتمهيد لسقوطها. وتقدم إلينا الرواية الإسلامية، البياسى، في صور بغيضة قاتمة (٣). ونستطيع أن نعتبر البياسى بالفعل على ضوء ما تقدم، من أعماله وخياناته المتوالية لقضية

стр. 2085

الإسلام، وقضية الأندلس، تحقيقاً لأطماعه الوضيعة، شخصية بغيضة مثيرة، تستحق أن يدمغها التاريخ بأقسى الأحكام، ويرميه ابن عذارى بالارتداد عن الإسلام، واعتناق النصرانية، بيد أننا لم نجد في الروايات النصرانية ما يؤيد هذا الاتهام، ولو وقع لكانت الرواية النصرانية أول من يسجله ويشيد به. - ٤ - وكان فرناندو الثالث حينما وصلته أنباء هذه الحوادث أمام حصن قبالة المنيع، وقد ضرب حوله الحصار (أوائل يونيه سنة ١٢٢٦) وأخذ يهاجمه باستمرار، وحاميته الإسلامية صامدة، بيد أنه لما طال الحصار، واشتدت هجمات النصارى، اضطر المسلمون إلى مفاوضة ملك قشتالة، وعرضوا أن يقدموا رهائنهم بالتسليم، وأن يبعثوا رسلهم إلى السيد أبي العلاء، وكان عندئذ بقرطبة، يطلبون إليه الإنجاد، فإذا لم تصل إليهم النجدة خلال ثمانية أيام، سلموا الحصن بالأمان، فقبل فرناندو هذا العرض. ولم تمض أيام قلائل حتى عاد الرسل من قرطبة خائبين، فسلم المسلمون الحصن، وسمح لهم وفقاً للاتفاق، أن يخرجوا بنسائهم وأولادهم وأموالهم، وأن يسيروا محروسين حتى حصن " غافق " الواقع جنوب قبالة، وهو أقرب الحصون الإسلامية إليهم، ودخل فرناندو الحصن وفي الحال حول مسجده إلى كنيسة، ووضع به حامية نصرانية، وكان تسليم حصن قبالة في أوائل أغسطس سنة ١٢٢٦ م (أواخر سنة ٦٢٣ هـ). وجاء بعدئذ دور بيّاسة، وكان من الواضح، بعد مصرع البياسى، أن مصير بياسة غدا في كفة القدر، وأن ملك قشتالة كان يتطلع إلى أخذها باعتبارها من أملاك تابعه. وكان فرسان قلعة رباح قد احتلوا قصبة بياسة كما قدمنا كفالة بتنفيذ البياسى لتعهداته، فلما قتل البياسى، أراد أهل بياسة أن يخرجوا النصارى من قصبتهم، فبعثوا إلى صاحب جيّان عمر بن عيسى بن أبي حفص بن يحيى، يستنجدون به، فقدم عليهم في بعض قواته، ومعه القائد محمد بن يوسف المسكدالى، ودخل المدينة، وكان بها سوى من بالقصبة، طائفة كبيرة من النصارى، فقتلوا جميعاً مدافعين عن أنفسهم، ولكن صمد من كان منهم بالقصبة لحصانتها، فطلب أهل بياسة إلى الوالي الموحدي، أن يبقى يوماً أو يومين لحصار النصارى بالقصبة لإرغامهم على التسليم، لأنهم كانوا يتلقون مؤنهم من أهل المدينة يوماً بعد يوم، فأبى وأصر على الخروج من فوره، وذلك خوفاً من قدوم القشتاليين

стр. 2086

وقال لأهل المدينة، إنى ذاهب، فمن أحب أن يخرج معى فليخرج، ومن أراد البقاء فليبقى، فاضطر أهل المدينة إلى مغادرتها خوفاً من الوقوع أسرى في أيدي النصارى، وتفرقوا في مختلف الأنحاء. وهكذا استولى النصارى الذين بالقصبة وهم فرسان قلعة رباح على سائر المدينة، وذلك في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة سنة ٦٢٣ هـ (أول ديسمبر سنة ١٢٢٦ م) ووهب فرناندو الثالث الفرسان من أجل ذلك كثيراً من دور المدينة ورياضها وضياعها (١). وفي العام التالي استولى فرناندو الثالث على شوذر (٢) الواقعة جنوبي بياسة، وعلى عدة من الحصون المجاورة، وأخرج من بقى من المسلمين في بياسة ومرتُش وغيرهما من القواعد والحصون التي استولى عليها. وهكذا استطاع القشتاليون أن يخرجوا من ثورة البياسى، بأكبر غنم، وأن يضعوا أيديهم على طائفة كبيرة من القواعد والحصون الأندلسية الهامة في منطقة جيان وقرطبة، وأن يتحكموا بذلك في خطوط الدفاع عن الأندلس الوسطى، وأن يقتربوا من قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، التي كان الاستيلاء عليها من أعز أمانيهم. وكان السيد أبو العُلى (أبو العلاء) إدريس، مذ حلّ بقرطبة عقب مصرع البياسى، يحاول أن يضع حداً لعدوان النصارى في تلك المنطقة، فسار في بعض قواته إلى مرتش وحاصرها، وحاول أن يستولي عليها، ولكن الأمداد القشتالية ْجاءت أخيراً لتنقذها من السقوط، واضطر السيد أبو العلى أن يرفع الحصار وأن ينصرف بقواته، وذلك في أوائل سنة ٦٢٤ هـ - ١٢٢٧ م. فلما شعر أبو العلى باشتداد وطأة القشتاليين على الأراضي الإسلامية، سعى إلى عقد الهدنة معهم، وبعث رسوله أبا القاسم للمفاوضة، وتم الاتفاق على أن تعقد الهدنة بين الفريقين لمدة عام واحد، وأن يدفع الموحدون لقاء عقدها ثلاثمائة ألف قطعة Naravedi من الفضة، دفع بعضها عند توقيع التعاقد ودفع الباقى بعد ذلك (٣). - ٥ - لم نجد بعد أن سجلنا أحداث الأندلس الأليمة في عهد الخليفة العادل، ما نسجله

стр. 2087

من الأحداث في عهده بالمغرب، وهو عهد لم يطل إلا نحو عامين، إلا ما كان من تفاقم الأحوال، واضطراب حبل الأمن، وازدياد الفوضى، وتوالى عيث العرب، وبعض القبائل البربرية، ولاسيما هسكورة، في الأنحاء القريبة من العاصمة وازدياد شأن بني مَرِين، وتغلبهم على كثير من النواحي والقبائل، وفرض المغارم عليها، بل وفرضهم الإتاوات على بعض المدن القريبة من منازلهم، مثل فاس وتازى ومكناسة، وذلك لكي يكفوا الغارة عنهم (١). وكان أهم ما حدث في تلك الفترة القصيرة، قيام عرب الخُلط، وشيخهم هلال بن مقدم، وهسكورة، وشيخها عمر بن وقاريط، بالعيث في نواحي مراكش، وتخريبهم بلاد دُكالة. وخرج إليهم في البداية ابن يوجان فلم يستطيع شيئاً، فوجه إليهم العادل عسكراً من الموحدين بقيادة إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حفص، فهزم وقتل، واستمرت أعمال العدوان والعيث على حالها (٢). وبينما المغرب يجوز في ظل العادل، هذه الفترة المدلهمة، إذ وقع بالأندلس حدث جديد ضخم، هو خروج السيد أبي العلى والي إشبيلية وقرطبة على أخيه العادل، وخلع طاعته، وإعلانه الدعوة لنفسه، ومبايعته بالخلافة في إشبيلية، وذلك في الثاني من شهر شوال سنة ٦٢٤ هـ (١٥ سبتمبر سنة ١٢٢٧ م). ولم يتخذ السيد أبو العلى قراره ارتجالا، بل مهد إليه بالسعى والاتصالات، وكان معه بإشبيلية عدة من وجوه الموحدين وأشياخهم، الذين يعتد برأيهم، فأراد أن يسبر غورهم أولا، فاتفق مع قاضي المدينة، أبي الوليد بن أبي الأصبغ ابن الحجاج، وكان ذلك في أواخر شهر رمضان، أن ينشىء خطبة بليغة يلقيها في يوم الفطر، وأن يتعرض فيها لمسألة الخلافة، وأن يشير بلباقة إلى ما يجول بخاطره من القيام بالأمر، فألقى القاضي خطبته حسبما اتفق، وأطنب في ذكر السيد واستحقاقه للأمر، وفي اليوم التالي، اجتمع أشياخ الموحدين بمجلس السيد أبي العلى، وقام الجميع بمبايعته، واتخذ لقب المأمون، وبايعه على أثر ذلك بعض ولاة الأندلس، وفي مقدمتهم السيد أبو زيد والي بلنسية، وبعثوا ببيعاتهم إليه. وكذلك بايعته من أنحاء العدوة سبتة وطنجة (٣).

стр. 2088

ويقول لنا ابن الخطيب، إن أبا العلى، قام على أخيه العادل بممالأة أخيه السيد أبا زيد أمير بلنسية وتحريكه إياه، وقد وهم ابن الخطيب فجعل من السيد أبي زيد وأخيه عبد الله البياسى، أخوين للعادل وأبي العلى، في حين أنهما من أبناء عمومتهما، إذ أن أبا زيد عبد الرحمن والي بلنسية، وأخاه عبد الله البياسى، هما ولدا محمد بن يوسف بن عبد المؤمن، ومحمد هو أخ ليعقوب المنصور (١). وبعث أبو العلى المأمون إلى ابن يوجان، يدعوه إلى مبايعته والعمل على نصرته، وكان العادل قد تغير على ابن يوجان وأقصاه، وخاطب ابن يوجان هلال بن مقدم أمير الخُلْط، وعمر بن وقاريط شيخ هسكورة، وأوعز إليهما بالاستمرار في الإغارة على أحواز مراكش، حتى يذعن الموحدون إلى خلع العادل ومبايعة المأمون (٢). ويقول لنا صاحب روض القرطاس من جهة أخرى إن المأمون أرسل إلى الموحدين بمراكش يدعوهم إلى بيعته، وإلى الفتك بأخيه العادل، وأنهم صدعوا بأمره، وقتلوا العادل، وكتبوا بيعتهم إليه (٣). على أن الأمور اتخذت في بلاط مراكش وجهة أخرى. وكان يسيطر على الدولة رجلان هما أبو زكريا بن الشهيد زعيم هنتاتة، ويوسف بن علي شيخ تينملّل. فلما وردت الأنباء بقيام أبي العلى المأمون وبيعته، ولما تفاقم أمر الخُلط وهسكورة، اتفقا على خلع العادل وعقد البيعة لأبي زكريا يحيى بن محمد الناصر. فدخل الموحدون القصر على العادل، وطلبوا إليه أن يخلع نفسه، ولما أصر على الرفض قتلوه، وذلك في اليوم الثاني والعشرين من شهر شوال سنة ٦٢٤ هـ. ويقول لنا صاحب روض القرطاس إن القتلة، وضعوا رأس العادل في خصة تفور بالماء، وشنقوه بعمامته حتى مات. ويزيد على ذلك بأن الموحدين عقدوا البيعة أولا للمأمون، وبعثوا بها إليه، وخُطب له بالفعل على منبر جامع المنصور، ثم خشوا بعد ذلك بطشه وانتقامه، فنكثوا البيعة، وبايعوا إلى ابن أخيه يحيى بن الناصر (٤). ويؤيد ابن الخطيب هذه الرواية، فيقول لنا إن الموحدين عقدو البيعة للمأمون بمراكش والأندلس، ثم إن الموحدين بمراكش بدا لهم في أمره، وعدلوا

стр. 2089

عنه إلى ابن عمه (والصحيح ابن أخيه)، أبي زكريا يحيى بن الناصر (١) ثم يؤيدها بعد ذلك بصورة قاطعة، ما حدث عقب استيلاء المأمون على العرش، من قتله لأشياخ الموحدين، جزاء لهم على نكث بيعته بعد عقدها (٢). وعلى أي حال فقد انتهى الموحدون بمراكش، إلى البيعة ليحيى بن الناصر. ويقول ابن عذارى إن هذه البيعة قد تمت في اليوم الثاني والعشرين من شهر شوال أعني في نفس اليوم الذي قتل فيه العادل (٣)، وهذا ما لا يتفق مع سير الحوادث، وعقد البيعة للمأمون ثم النكث بها، ومن ثم فإنا نوثر الأخذ برواية صاحب روض القرطاس وهو أن بيعة يحيى قد تمت في اليوم الثامن والعشرين من شهر شوال سنة ٦٢٤ هـ (٤)، أعني بعد مصرع العادل بأسبوع، وهو أكثر اتفاقاً مع المنطق. وكان يحيى بن الناصر، هو الذي اجتنى ثمرة الجريمة، وليس أخو الخليفة المقتول، وقبض بعد ذلك بأشهر قلائل على الوزير السابق أبي زيد بن يوجان، وولده الأكبر بالرغم من اختفائهما وقتلا، وذلك لما نسب إليهما من تحريض عرب الخُلط وهسكورة على الاستمرار في عيثهما (٥). وتلقب يحيى بن الناصر، بالمعتصم، وكان وقت تقلده الخلافة، فتى حدثاً في السادسة عشرة من عمره، وامتنع من بيعته عرب الخُلط، وقبيلة هسكورة، وبقيا على ولائهما في بيعة المأمون. ولما وصلت هذه الأنباء إلى المأمون بالأندلس، استشاط سخطاً وغضباً، وكان قد أخذ بالفعل في الأهبة للمسير، وقصد إلى الجزيرة الخضراء ليجوز منها إلى العدوة، فارتد إلى إشبيلية، وقد آلى على نفسه أن يعمل بكل ما وسع لانتزاع عرش الخلافة، والانتقام من أولئك الأشياخ المنافقين الذين غدروا به ونكثوا بيعته. بيد أنه يجب قبل أن نتتبع مصاير الخليفة المأمون، وما اقترن بعهده من أحداث المغرب، أن نقف لحظة لكي نستأنف الكلام على سير الحوادث بالأندلس.

стр. 2090

الفصل الثالث عصر الخليفة أبي العلي المأمون إلغاء رسوم المهدي ابن تومرت وقيام الدولة الحفصية بإفريقية المأمون يعقد حلفاً مع قشتالة. شروط هذا الحلف. معاونة فرناندو الثالث العسكرية للمأمون. عبور المأمون إلى المغرب. اللقاء بينه وبين يحيى المعتصم. هزيمة يحيى وفراره. دخول المأمون مراكش. فتكه بأشياخ الموحدين. القتال ثانية بين يحيى والمأمون. هزيمة يحيى وفراره للمرة الثانية. مرسوم المأمون بإزالة رسوم المهدي وإعلانه بطلان دعوته. كتابه في ذلك. رواية أخرى عن إزالته للدعوة للمهدية. ما كان يجيش به المنصور من ذلك. بناء النصارى لكنيستهم في مراكش. إفريقية تحت ولاية الشيخ أبي محمد عبد الواحد. وفاته وقيام ولده أبي محمد عبد الله مكانه. الخليفة الموحدي يعين أميراً لتونس. تحرك يحيى بن إسحاق بن غانية. نهوض السيد أبي العلاء من تونس لقتاله. أطوار القتال بين الفريقين. هزيمة ابن غانية وفراره. ولاية السيد أبي زيد لإمارة تونس ثم إقالته. العادل يعين أبا محمد عبد الله لولاية إفريقية. دخوله تونس وتعيينه لأخيه أبي زكريا لحكم قابس، وأخيه أبي ابراهيم لحكم توزر. تأثل هيبة الشيخ أبي محمد عبد الواحد وبنيه بإفريقية. عود ابن غانية للعيث في شمال إفريقية. اقتحامه لقسنطينة ومليانة والجزائر. خروج الشيخ أبي محمد لمطاردته. مسيره صوب أحواز سجلماسة. استعراض لمغامرات بني غانية. تدهور مثلهم الثورية. هزيمتهم وانهيار أحلامهم. الأعوام الأخيرة من حياة يحيى بن غانية. وفاته وتعليق ابن خلدون عليها. مصرع الخليفة العادل وقيام يحيى مكانه. اضطراب أمر الخلافة الموحدية. قيام الخليفة المأمون وما تلا ذلك. توقف أبي محمد عبد الله عن مبايعته. عزله وتعيين أخيه أبي زكريا لولاية إفريقية. محاولة أبي محمد مقاتلة أخيه ورده عن ذلك. استدعاء الأشياخ لأبي زكريا واعتقال أبي محمد. مسير أبي زكريا إلى تونس. تعيين المأمون لبعض العمال الجدد. غصب أبي زكريا لذلك. خلعه لطاعة المأمون. رواية أخرى عن نزاع الأخوين وقيام أبي زكريا في الحكم. خلع طاعة بني عبد المؤمن واستقلال إفريقية. استيلاء أبي زكريا على قسنطينة وبجاية من الولاة الموحدين. قيام إفريقية المستقلة تحت حكم الدولة الحفصية. بنو حفص والشيخ أبو محمد عبد الواحد. انشغال بلاط مراكش وعجزه. كتاب المأمون بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. السيد أبو موسى والي سبتة يدعو لنفسه بالخلافة. الثورة في منطقة فازاز. مسير المأمون لمعاقبة الثوار. تفرق الثوار ومسير المأمون إلى سبتة. فشل محاصرته لها. عبور أبي موسى إلى الأندلس. تنازله عن سبتة لابن هود. اقتحام يحيى لمراكش. احراقه لكنيستها وقتله للنصارى. عود المأمون ووفاته في الطريق. اتفاق الأشياخ على مبايعة ولده الرشيد. مسير جيش المأمون إلى مراكش. امتناعها واستعدادها للمقاومة خشية انتقام الجند النصارى. صدور ظهير الرشيد بتأمينها. دخوله المدينة. تعويض النصارى افتداء للمدينة. الخليفة أبي العلى المأمون ونشأته وصفاته. براعته البيانية. نموذج من بلاغته. بعض شعره. وزراؤه وكتابه. شخصه وأولاده.،،،،،

стр. 2091

لما عاد المأمون إلى إشبيلية، بعد أن أخفق في التغلب على ابن هود، كانت تشغله فكرة واحدة، هي العبور إلى المغرب، وانتزاع العرش من يد ابن أخيه يحيى، ومعاقبة الناكثين لبيعته. وكان مما يشجعه على العبور، أن وردت إليه من المغرب بيعات والي فاس، ووالى تلمسان محمد بن أبي زيد بن يوجان، ووالى سبتة، وهو أخوه أبو موسى بن المنصور، ووالى بجاية، وهو ابن أخته، وكذلك وصلت إليه بيعة مقدم بن هلال أمير عرب الخلط ودعوته بالقدوم (١). على أن المأمون لم يرد العودة دون قوة عسكرية تكفل له النجاح، ومن ثم فقد اتجه نحو ملك قشتالة، وكان فرناندو الثالث، قد عبر الحدود إلى الأندلس في أواخر سنة ١٢٢٨ م (أوائل سنة ٦٢٦ هـ)، وهو يرقب حوادث الأندلس وما تجوزه من فتن ومعارك داخلية، تمهد سبل الوثوب. فبعث إليه المأمون يعرض تجديد الهدنة السابقة إلى عام آخر بنفس الشروط، أعني مقابل دفع ثلاثمائة ألف قطعة Maravedi من الفضة، ويطلب إليه في نفس الوقت عقد حلف يحصل بمقتضاه على قوات عسكرية تعبر معه إلى المغرب. ويقدم لنا صاحب روض القرطاس خلاصة الشروط التي اشترطها ملك قشتالة لعقد هذا الحلف وقبلها المأمون، وهي أن يسلمه المأمون عشرة من الحصون الإسلامية في منطقة الحدود يختارها بنفسه. وأن تُبنى بمراكش كنيسة للنصارى يقيمون فيها شعائرهم، وأنه إذا أسلم أحد من النصارى فلا يقبل إسلامه، ويرد إلى إخوانه يقضون في أمره، وفق ما يرون، وإن تنصر بالعكس أحد من المسلمين فليس لأحد عليه سبيل. بيد أنه يبالغ في قيمة العون الذي قدمه ملك قشتالة للمأمون، فيقول إنه بعث إليه بجيش كثيف من إثنى عشر ألف فارس من النصارى، برسم الخدمة معه، والجواز إلى العدوة، وأن هذا الجيش الضخم، وصل إلى المأمون في شهر رمضان سنة ٦٢٦ هـ، فكان المأمون بذلك أول من قام بإجازة الروم إلى العدوة على هذا النحو (٢)، وفي هذا القول مبالغة ظاهرة، وليس من المعقول أن يعير ملك قشتالة مثل هذا العدد الضخم من فرسانه للخليفة الموحدي، والجيش القشتالي كله لم يكن يضم في كثير من المواقع الضخمة أكثر من هذا العدد من الفرسان. والحقيقة التي تقدمها إلينا الرواية النصرانية، من أن ملك قشتالة لم يمد المأمون

стр. 2092

بأكثر من خمسمائة فارس (١). وهذا هو بالذات ما يقرره ابن عذارى، إذ يقول مشيراً إلى عزم المأمون على الجواز إلى العدوة: " فحشد الحشود، وزم الجنود، وجمع نحو خمسمائة فارس من الروم، لما كان يبغى من الحركة ويروم " (٢). ويكتفى ابن الخطيب بأن يصف هذه القوة التي أمد بها ملك قشتالة حليفه المأمون بأنها " جمع من فرسان الروم " (٣). وعبر المأمون البحر في حشوده من الموحدين والعرب والقشتاليين، ولم يترك بإشبيلية وباقي القواعد الأندلسية الباقية على طاعته، سوى بعض الحاميات الضئيلة. وكان جوازه من الجزيرة الخضراء إلى سبتة، وذلك في شهر ذي القعدة سنة ٦٢٦ هـ (أكتوبر سنة ١٢٢٨ م). فأقام في سبتة أياماً، ينظم قواته، ويستعد للسير إلى غزوته المنشودة. ثم سار في قواته صوب الحاضرة الموحدية، وكان ابن أخيه الخليفة الفتى يحيى بن الناصر وأشياخ الموحدين الموالين له، حينما بلغهم عبور المأمون إلى العدوة، قد استعدوا للقائه. وخرج يحيى في قواته من العرب، والموحدين، لرد المأمون، وكان اللقاء على جبل إيجليز على مقربة من مراكش، وذلك في اليوم الخامس والعشرين لربيع الأول سنة ٦٢٧ هـ (يناير ١٢٢٩ م)، فهجم الفرسان النصارى على قبة يحيى الحمراء واقتحموها، ومزقت حشوده وقتل معظمهم، وفر هو ناجياً بنفسه، والتجأ إلى جبل هنتاتة. ودخل المأمون حضرة مراكش، فبادر أشياخ الموحدين إلى بيعته، واستقر في كرسى الخلافة (٤). وكان أول عمل قام به المأمون، هو تتبع خصومه والناكثين لبيعته، ولاسيما من أشياخ هنتاتة، وتينملل، ولجأ في ذلك إلى حيلة لاجتذابهم فأعلن الأمان، فهرع معظمهم للسلام عليه، ولما تم اجتماعهم، استحضر خطوطهم وبيعاتهم، ثم أخذ يحاسبهم على تصرفاتهم وعلى خديعتهم، ونكثهم المتكرر ببيعاتهم، وذلك بحضرة القاضي الفقيه المكيدى، وكان قد حضر معه من إشبيلية، ثم خاطب القاضي بقوله: " ما تقول يا فقيه في قوم بايعوا شخصاً، ثم نكثوا عليه وخلعوه، ثم قتلوه، ثم بايعوا شخصاً آخر فنكثوا عليه وقتلوه، ثم بعثوا ببيعتهم هذه إلىّ ثم نكثوا

стр. 2093

أيضاً على " فقال القاضي: " وجب عليهم القتل أجمعين " وتلا الآية: " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه " فأمر المأمون بإعدامهم جميعاً، وكانوا نحو مائة من أعيان الموحدين، ودفنوا على الأثر في حفرة كبيرة حفرت لهم خارج باب السادة، ثم تتبع من بقى منهم بمراكش، حتى فنى معظمهم، وتضاءلت بذلك مشيخة الموحدين، وضعف نفوذها القوي، الذي لبث، منذ أيام المهدي، يأخذ بأكابر نصيب في توجيه مصاير الدولة الموحدية (١). وفي شهر رمضان من هذا العام (٦٢٧ هـ) خرج المأمون من مراكش ليرد هجوماً جديداً كان يدبره يحيى بن الناصر وأنصاره من الموحدين. فالتقى الفريقان بفحص واونزرت، فوقعت الهزيمة للمرة الثانية على يحيى وأصحابه، وقتل منهم عدد ضخم، وفر يحيى في فلوله إلى بلاد درعة وسجلماسة، وعلق المأمون من رؤوسهم على أسوار مراكش نحو أربعة آلاف، وكان الوقت قيظاً، فانتشرت روائحها الكريهة في المدينة، وضج الناس من ذلك، ورفع الأمر إلى المأمون، فكان جوابه أنه يوجد ثمة مجانين، وتلك الرؤوس لهم أحراز لا يصلح حالهم إلا بها، وإنها لعطرة عند المحبين، كريهة عند المبغضين (٢). وكان المأمون يجيش بأفكار ومشاريع عظيمة، نحو تجديد الدولة الموحدية، وتجديد رسومها وتعاليمها، بعد أن أضحت في نظره عتيقة بالية. وقد تذرع في تنفيذ خطته بمنتهى الشجاعة والجرأة، وقد كان المأمون في الواقع شجاعاً صارماً، مضطرم النفس، فأصدر مرسومه إلى سائر بلاده بإزالة اسم المهدي من الخطبة ومن السكة، ومحو اسمه من المخاطبات، وقطع النداء عند الصلاة بالنداءات البربرية مثل " تاصليت الإسلام " " وسودود " و " ناردي " " وأصبح ولله الحمد " وغير ذلك مما كان العمل جارياً عليه منذ بداية الدولة الموحدية. وأذاع في كتابه الرسمى، الذي أنشأه بنفسه، أن وصف ابن تومرت بالمهدي وبالإمام المعصوم " إنما هو نفاق وبدعة وأمر باطل، وأنه يجب نبذه والقضاء عليه ". وقد أورد لنا ابن عذارى نص هذا الكتاب الشهير، الذي يعتبر صدوره حدثاً حاسما في تاريخ العقيدة الموحدية، ونحن ننقله هنا لبالغ أهميته: " من عبد الله إدريس أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين،

стр. 2094

إلى الطلبة والأعيان والكافة، ومن معهم من المؤمنين والمسلمين، أوزعهم الله شكر أنعمه الجسام، ولا أعدمهم طلاقة أوجه الأيام الوسام، وإنا كتبناه إليكم، كتب الله لكم عملا منقاداً، وسعداً وقاداً، وخاطراً سليما، لا يزال على الطاعة قائماً مقيما، من مراكش كلأها الله تعالى، وللحق لسان ساطع، وحسام قاطع، وقضاء لا يرد، وباب لا يسد، وظلال على الآفاق لمحو النفاق بعد، والذى نوصيكم به تقوى الله والاستعانة به، والتوكل عليه، ولتعلموا أنا نبذنا الباطل، وأظهرنا الحق، وأن لا مهدى إلا عيسى بن مريم، وما سمى مهدياً إلا أنه تكلم في المهد، وتلك بدعة قد أزلناها، والله يعيننا على القلادة التي تقلدناها. وقد أزلنا لفظة العصمة عمن لا تثبت له عصمة، فلذلك أزلنا عنه رسمه، فتسقط وتبيت، وتمحى ولا تثبت. وقد كان سيدنا المنصور، ﵁، هم أن يصدع بما به الآن صدعنا، وأن يرقع للأمة الخرق الذي رقعنا، فلم يساعده لذلك أمله، ولا أجّله إليه أجله، فقدم على ربه بصدق نية، وخالص طوية، وإذا كانت العصمة لم تثبت عند العلماء للصحابة، فما الظن بمن لم يدر بأي يد يأخذ كتابه، أف لهم قد ضلوا وأضلوا، ولذلك ولوا وذلوا، ما تكون لهم الحجة على تلك المحجة، اللهم اشهد، اللهم اشهد أنا قد تبرأنا منهم تبرأ أهل الجنة من أهل النار، ونعوذ بك يا جبار من فعلهم الرثيث، وأمرهم الخبيث، إنهم في المعتقد من الكفار، وإنا فيهم كما قال نبيكم ﵇ " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " والسلام على من اتبع الهدى واستقام " (١). وفي رواية أخرى هي رواية صاحب روض القرطاس، أن المأمون بعد أن دخل مراكش وبايعه الموحدون، صعد إلى المنبر بجامع المنصور، وخطب الناس، ولعن المهدي، وقال أيها الناس لا تدعوه بالمعصوم، وادعوه بالغوى المذموم، إنه لا مهدى إلا عيسى، وإنا قد نبذنا أمره النحيس به، ثم أصدر مرسومه المتقدم، بإزالة اسم المهدي من الخطبة والسكة، وأن كل ما فعله المهدي، وتابعه أسلافنا فهو بدعة، ولا سبيل لإبقاء البدع. ثم دخل قصره فاحتجب ثلاثة أيام، ثم خرج في اليوم الرابع، فاستدعى أشياخ الموحدين بين يديه،

стр. 2095

وعاتبهم على نقض عهودهم، ثم أمر بإعدامهم حسبما تقدم (١). بيد أنه يبدو من المرجح أن المأمون، قد عمد أولا إلى التخلص من خصومه من أشياخ الموحدين، ثم أقدم على تنفيذ خطته في إزالة رسوم المهدي وتعاليمه. ولا ريب أن عمل المأمون كان أعظم انقلاب ثورى حدث في أصول العقيدة الموحدية على يد بني عبد المؤمن، وقد أصاب الصميم من أسس هذه العقيدة وتعاليمها، وقضى بصورة رسمية قاطعة، ببطلان أحداث الأسطورة التي مثلت في جبل إيجليز قبل ذلك بمائة واثنتى عشرة عاما، وأعلن فيها محمد بن تومرت أنه المهدي المنتظر، والإمام المعصوم. ونحن نعرف أن الخليفة يعقوب المنصور، كانت تساوره نحو المهدي مثل هذه الأفكار، وأنه لم يكن من الغلاة في تصوير إمامته ومهديته، ولم يكن بالأخص من المؤمنين بعصمته، فكان عمل المأمون في الواقع، وحسبما يشير إليه كتابه، تنفيذاً لما كان يجيش به والده المنصور، ولم يكن يجرأ في وقته على المجاهرة به، أو الإقدام على تنفيذه. والظاهر أن عمل المأمون في إزالة رسوم المهدي وتعاليمه، لم يكن له كبير صدى، ولم يترتب عليه أية معارضة أو بوادر انتقاض، وبالعكس فقد أشاد الشعراء بتصرفه، وأزجوا إليه مدائحهم في قصائد عديدة، يورد لنا ابن عذارى بعضها (٢). وأذن المأمون في نفس الوقت لحلفائه النصارى القادمين معه، في بناء الكنيسة بمراكش، وهي التي اشترط ملك قشتالة إنشاءها، وأخذت النواقيس منذ إتمامها، تدق لأول مرة في العاصمة الموحدية (٣). - ١ - وكان من أعظم الحوادث الحاسمة في عصر المأمون، إلى جانب محو أصول العقيدة الموحدية، انفصال إفريقية عن الدولة الموحدية، وقيامها دولة مستقلة تحت سلطان بني حفص. ونحن نعرف أنه لما تفاقم أمر يحيى بن إسحاق بن غانية

стр. 2096

الميورقي في إفريقية، واشتد عيثه بها، واستولى على معظم قواعدها، ثم استولى على تونس ذاتها، وكاد سلطان الموحدين يمحى في ذلك الركن من إمبراطوريتهم الشاسعة، سار إليه الخليفة الناصر لدين الله في الجيوش الموحدية، ولبثت هذه الجيوش تطارده من مكان إلى مكان، حتى ضربته ضربتها الحاسمة في موقعة جبل رأس تاجرا في سنة ٦٠٢ هـ، وانتزعت منه قواعد إفريقية واحدة بعد أخرى، ورأى الناصر تأميناً لإفريقية، وتوطيداً لسلطان الموحدين بها، أن يسند ولايتها إلى الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص عمر الهنتاتى، وهو الظافر في معركة رأس تاجرا، وكان الشيخ أبو محمد يومئذ عميد أشياخ الموحدين وأشدهم نفوذاً لدى الخليفة، وكان فوق ذلك صهر الخليفة متزوجاً بأخته ابنة الخليفة المنصور، فقبل الشيخ الولاية، على كره منه، واشترط لتقلدها شروطاً تكفل له الاستقلال التام برأيه وتصرفاته، وأبدى الشيخ في ولايته منتهى الحصافة والحزم، ووقف بالمرصاد للميورقى، وقضى على كل محاولاته، ومحاولات حلفائه من طوائف العرب، وغيرهم من المغامرين المفسدين، وحقق لإفريقية عهداً من الاستقرار والطمأنينة والرخاء لم تعرفه منذ بعيد. ولما توفي الخليفة الناصر، بعد موقعة العقاب المشئومة بقليل، في اليوم العاشر من شعبان سنة ٦١٠ هـ، وخلفه ولده يوسف المستنصر، وبادر أشياخ الموحدين من سائر الأنحاء إلى بيعته، تمهل الشيخ أبو محمد في تقديم بيعته بعض الوقت، وأحيط تصرفه يومئذ بمختلف التعليقات، ولكنه انتهى بسعى الوزير ابن جامع إلى تقديم البيعة المنشودة. ولكن حدث حينما قام الخليفة المستنصر بتعيين عمال النواحي، أن ندب عمه السيد أبا العلاء الكبير إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن ليكون أميراً على تونس، وليستقر بقصبتها، ليعنى بتدبير شئونها، والسهر منها على حركات الميورقي، إلى جانب الشيخ أبي محمد عبد الواحد، وأن يبقى الشيخ على ما هو من تقلد أعمال ولايته، ولم يك ثمة شك في أن هذا التعيين لم يكن محلا لرضى الشيخ، وأنه رأى فيه مضايقة له، وافتئاتا على حقوقه وسلطانه (١). وهناك قول آخر بأن تعيين السيد أبي العلاء لإمارة تونس لولاية إفريقية، لم يقع إلا بعد وفاة الشيخ أبي محمد ببضعة أشهر، في أواخر سنة ٦١٨ هـ، وأنه عين خلفاً للشيخ. ومما يعزز هذا القول، هو أن السيد أبا العلاء ما كاد يتولى

стр. 2097

منصبه، حتى أمر بالقبض على كاتب الشيخ، محمد بن أحمد بن النجيل، وأخويه أبي بكر ويحيى، واستصفاء أموالهم، وذلك بتهمة تآمرهم على سلامة الدولة، ثم أمر بعد ذلك بإعدام ابن النجيل وأخيه يحيى (١). وتوفي الشيخ أبو محمد عبد الواحد بتونس في مستهل شهر محرم سنة ٦١٨ هـ (٨ مارس سنة ١٢٢٠ م)، بعد أن لبث نيفاً وأربعة عشر عاما يضطلع بأعباء منصبه الشاقة، وكان الشيخ بلا ريب أقدر الحكام الذين ولوا حكم إفريقية، وأمضاهم عزماً، وأوفرهم شجاعة وجرأة، وكان لعزمه وشجاعته أكبر الأثر في تحطيم ثورة بني غانية، وإنقاذ سلطان الموحدين بإفريقية، وحماية جناح الدولة الموحدية الشمالي الشرقي من الانهيار مدى حين. وهنا تختلف الرواية مرة أخرى في أمر من ولى حكم إفريقية عقب وفاة الشيخ، فيقول لنا ابن عذارى متفقاً مع روايته الأولى، إن ابنه أبا محمد عبد الله هو الذي خلفه في منصبه، وذلك تحت إشراف السيد أبي العلاء إدريس (٢)، وهناك قول آخر، يتمشى مع الرواية الثانية، وهو أن الذي خلفه في منصبه هو السيد أبو العلاء إدريس، معيناً من قبل الخليفة يوسف المستنصر. وعلى أي حال فإن وفاة الشيخ أبي محمد عبد الواحد، قد تمخضت عن نتيجتين في منتهى الأهمية، الأولى تحرك ابن غانية من جديد، والثانية تحول مجرى الحكم في إفريقية. - ٢ - وذلك أن يحيى بن إسحاق بن غانية، ما كاد يعلم بوفاة خصمه العتيد، الشيخ أبي محمد، حتى تنفس الصعداء، وأخذ في التحرك من منفاه السحيق في الصحراء، وكان قد لزم ودّان وأحوازها، منذ هزائمه الفادحة على يد الشيخ أبي محمد، ولبث هناك زهاء تسعة أعوام يرقب الفرص، فلما لاحت الفرصة بوفاة الشيخ، سار في الصحراء نحو الشمال، وعاث في بلاد الجريد، فنهض السيد أبو العلاء في جيش من الموحدين، وسار إلى قابس، ونزل بها بقصر العروسين، حتى لا تسقط في يد الثائر، وبعث ولده السيد أبا زيد في قوة إلى درج وغدامس، وبعث قوة أخرى، إلى ودان لرد ابن غانية، ومحاصرته. ولكن العرب من أنصار

стр. 2098

ابن غانية وحلفائه اعترضوا سبيل الموحدين، وفر ابن غانية في جمعه من الملثمين والأعراب إلى جهة الزّاب، فسار السيد أبو زيد في أثره، ونجح ابن غانية في الوصول إلى الشمال والاستيلاء على بلدة بسكرة جنوبي قسنطينة، وتخريبها ونهبها، فهاجمه السيد أبو زيد، وانتزعها منه، وفر ابن غانية في حشوده من العرب والبربر وسار شرقاً حتى اقترب من أحواز تونس، فأتبعه السيد أبو زيد في عسكر الموحدين والعرب الموالين، لاسيما عرب هوارة، ونشب بين الفريقين في مكان يسمى مجدول قتال مرير، وهزم فيه ابن غانية، وقتل كثير من جنده، وامتلأت أيدي الموحدين من غنائمهم. وكان ذلك في أوائل سنة ٦٢١ هـ (١٢٢٣ م). وفر ابن غانية في فلوله نحو الجنوب مرة أخرى، وأخذ يتجول بين الواحات، وهو يحشد الأنصار، وينتهب الأموال أينما استطاع، ويرقب الفرص السانحة (١). وعلم السيد أبو زيد على أثر الموقعة بوفاة أخيه السيد أبي العلاء، فارتد إلى تونس ليشغل منصبه في الإمارة، ووفقاً لهذه الرواية يكون تعيين السيد أبي زيد لولاية إفريقية، قد جاء من قبل الخليفة أبي محمد عبد الواحد المخلوع، الذي تولى الخلافة، في أواخر ذي الحجة سنة ٦٢٠ هـ. على أن ابن عذارى، يقول لنا متفقاً مع روايته أن ولاية السيد أبي زيد الإمارة، كانت على نمط ولاية أبيه السيد أبي العلاء، وأن الشيخ أبا محمد عبد الله بن الشيخ أبي محمد عبد الواحد بقى على حاله مكان أبيه في ولاية افريقية، ينظر بالأخص في تدبير الشئون وجباية الأموال. ولكن السيد أبا زيد أساء السيرة، واشتد في معاملة الناس، خلافاً لما كان عليه الشيخ أبي محمد عبد الواحد وولده عبد الله. فسخط عليه الناس وتمنوا زوال حكمه، واستمر السيد في منصبه حتى توفي الخليفة أبو محمد عبد الواحد وتولى الخليفة العادل، فأقال السيد أبا زيد من منصبه، وذلك في شهر ربيع الثاني سنة ٦٢٣ هـ، وأرسل إلى إفريقية عمه السيد أبا عمران موسى بن ابراهيم بن اسماعيل الحفصى ليتولى الحكم بها حتى يصل إليها حاكمها الأصلى الذي اختاره الخليفة، وهو أبو محمد عبد الله ابن الشيخ محمد عبد الواحد. وبعد ذلك ببضعة أشهر سار أبو محمد عبد الله وأخوه أبو زكريا يحيى إلى إفريقية، وتوقف أبو محمد قليلا في بجاية، ومعه أخوه أبو عبد الله اللحيانى (٢)، وبعث أخاه أبا زكريا إلى تونس

стр. 2099

ليمهد لاستقباله. ثم سار إلى تونس، ودخلها في اليوم السابع عشر من ذي القعدة سنة ٦٢٣ هـ (نوفمبر سنة ١٢٢٥ م) في مواكب حافلة، واستقر في منصبه دون منازع، وندب الشيخ أبو محمد عبد الله، أخاه الأمير أبا زكريا يحيى لحكم قابس والحمة، وأخاه الأمير أبا ابراهيم لحكم توزر ونفطة، وسائر بلاد قسطيلة (١)، وتمكن بذلك سلطان بني حفص بإفريقية. وكانت سيرة الشيخ أبي محمد، وحكمة العادل، وسياسته اللينة الرفيقة، مما يسبغ على أسرته وبنيه من بعده، حسن الذكرى ويحبوها بالمحبة والولاء من سائر الناس. وفي تلك الأثناء، كان يحيى بن غانية، وهو في مثواه بالصحراء، يجد في تحصيل الأموال، وحشد الرجال، ويرقب الفرصة للقيام بضربة جديدة، وفي أواخر سنة ٦٢٣ هـ، سار نحو الشمال في اتجاه منطقة قسنطينة، ثم اجتازها بسرعة، واقتحم بجاية، ثم غادرها لوقته صوب تدلس، وهو يعيث قتلا ونهباً أينما حل، ثم اتجه نحو الغرب، وغزا متيجة، وتوغل في منازل زناتة، واكتسح أحياءها، وانتهب ثرواتها، وحاول شيخ مغراوة، عبد الرحمن بن منديل، وهو من أولياء الموحدين، أن يقف في سبيله، فهزمه ابن غانية وأسره ثم قتله، ثم اتجه ابن غانية بعد ذلك شمالا واقتحم مليانة، ثم استولى على الجزائر وصلب جثة ابن منديل على سورها. وخرج الشيخ أبو محمد عبد الله من تونس على عجل لمطاردة ابن غانية، ووضع حد لعيثه، وذلك في أواسط سنة ٦٢٤ هـ، فسار أولا إلى أبة، وهاجم منازل هوّارة، وكانت ضالعة مع ابن غانية، وقبض على زعمائها وأرسلهم مصفدين إلى المهدية. ثم سار في أثر ابن غانية، ودخل بجاية، وأصلح شئونها، وقصد بعد ذلك إلى مليانة، وكان ابن غانية في تلك الأثناء، قد غادر الجزائر بعد اقتحامها، وسار نحو الجنوب الغربي، واستمر في مسيره حتى وصل إلى أحواز سجلماسة، فترك الشيخ أبو محمد مطاردته، وعاد إلى تونس، وذلك في شهر رمضان سنة ٦٢٤ هـ (٢). ومن ذلك الحين، تغيض أخبار يحيى بن اسحاق بن غانية. وكان إلى ذلك الحين، قد قطع أربعين عاما في متابعة ذلك الصراع المرير، الذي بدأه أخوه علىّ ضد الموحدين، في إفريقية، والذى اتُخذت إفريقية، لموقعها من الجزائر

стр. 2100

الشرقية مثوى بني غانية، ونأيها عن مركز الحكومة الموحدية، وثرواتها الطائلة، مسرحاً له، والذى كانت تحدوه في البداية مثلٌ سياسية وقومية، ثم انحدر بعد طول النضال، إلى غزوات خاطفة، ومعارك ناهبة. وقد وصل ابن غانية إلى ذروة سلطانه، بالاستيلاء على سائر قواعد إفريقية بما فيها العاصمة تونس، خلا بجاية، ثم قلب له الحظ ظهر المجن، فانتزع الموحدون الجزائر الشرقية، مثوى أسرته وموئل سلطانها، ومستودع مواردها، وذلك في سنة ٦٠٠ هـ، ثم لقى هزيمته الحاسمة في موقعة جبل تاجرا في سنة ٦٠٢ هـ. ومع ذلك، وبالرغم من تمزق حشوده، وتضاءل موارده، فإنه لم يخْبُ له عزم، ولم تضعف له إرادة، فاستمر في نضاله اليائس أعواماً طويلة أخرى، ولكنه كان نضال العصبة المغامرة، والانتقام المضطرم. وكان من الواضح أن الحلم الذي كان يجيش به بنو غانية، وهو العمل على إحياء الإمبراطورية المرابطية في إفريقية، وفوق أنقاض سلطان الإمبراطورية الموحدية، قد تحطم وتلاشى، بيد أنه لم يك شك أيضاً في أن هذه الضربات المتوالية، التي أنزلها علي بن إسحاق بن غانية، وأخوه يحيى، مدى نصف قرن بسلطان الموحدين وجيوشهم في إفريقية، قد هزت من أركان الدولة الموحدية وساعدت على تفككها، وتبديد مواردها وقواها، وكانت عاملا من أهم العوامل التي اجتمعت في تلك الفترة، لتمهد إلى انهيارها وسقوطها. وقد عاش يحيى بن غانية أعوامه الأخيرة بين قليل من الصحب والجند، حياة شريد لا يستقر له مقام، بيد أنه لم ينقطع عن الإغارة على تخوم إفريقية كلما استطاع، ولم ينقطع أمير افريقية، وكان عندئذ أبا زكريا يحيى عن مطاردته ورده عن أراضيه، وأقام فوق ذلك في مختلف الحدود مراكز ثابتة، مزودة بالجند للسهر على حركات الثائر، وإخمادها في بدايتها، ومع ذلك فإن ابن غانية كان دائم النشاط والحركة، دائم الإغارة والعيث، حتى أنه كان من وقت لآخر يصل في غاراته شمالا حتى وادي شليف، واستمرت هذه الغارات حتى سنة ٦٢٦ هـ. بيد أن هذه لم تكن سوى النفثات الأخيرة لثورة عاتية، ولم يكن يلتف حوله عندئذ سوى القلائل من صحبه المخلصين، ولم يكن له أهل ولا ولد، بعد أن مات أخوته وولداه في ساحة الحرب، سوى عدد من البنات، وكان في هذه الأعوام الأخيرة، يشهد انحلال الدولة الموحدية التي نذر نفسه لكفاحها، ولكنه كان يرى في نفس الوقت أنه لم يجن من صراعه وصراع أسرته،،،،،،

стр. 2101

الذي استطال خمسين عاما، أية نتائج مادية، وأن علم الدولة المرابطية الذي حاول أن يرفعه سوف يخبو بوفاته إلى الأبد. ثم كانت الخاتمة النهائية، وتوفي يحيى بن اسحاق بن غانية، وهو في محلته على ضفاف نهر شليف على مقربة من مليانة، وذلك في سنة ٦٣١ هـ أو سنة ٦٣٣ هـ (١٢٣٤ م) ودفن هنالك، ثم عفى أثر مدفنه. قال ابن خلدون معلقا على موته: " وانفض أمر الملثمين من مسّوفة ولمتونة من جميع بلاد إفريقية، والمغرب والأندلس، بمهلكه، وذهب ملك صنهاجة، من الأرض، بذهاب ملكه وانقطاع أمره ". وقيل إن يحيى بعث قبيل وفاته ببناته إلى الأمير أبي زكريا ليعشن في كنفه، فأكبر الأمير الحفصى حسن ظنه، وأحسن كفالتهن، وابتنى لصونهن داراً خاصة بحضرة تونس، عرفت بقصر البنات، وأقمن بها في عيش رغد، محروسات مشمولات بأقصى رعاية، حتى توفين عانسات معمرات، ولم يقبلن الزواج من أحد (١). - ٣ - وهنا نعطف على ذكر الحدث الثاني الذي ترتب على وفاة الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص والي افريقية، وذلك في مستهل شهر المحرم سنة ٦١٨ هـ. وقد رأينا فيما تقدم أن الذي خلف الشيخ أبا محمد في ولاية إفريقية، هو ولده أبو محمد عبد الله، وذلك على خلاف في تاريخ هذه الولاية وكيفية نوعها، مما سبق لنا تفصيله، وعلى أي فقد كان أبو محمد عبد الله قائماً في ولاية إفريقية، مذ حَلّ بتونس في شهر ذي الحجة سنة ٦٢٣ هـ، وكان الذي قلده ولايتها وفقاً لذلك، هو الخليفة العادل. ولم تمض عدة أشهر على ذلك، حتى وقع مصرع الخليفة العادل، بعد مصرع سلفه الخليفة أبي محمد عبد الواحد، وجلوس الخليفة الفتى يحيى المعتصم على كرسى الخلافة مكانه في شوال سنة ٦٢٤. ثم تفاقم اضطراب أمر الخلافة الموحدية، وقيام السيد أبي العلي بن المنصور بالأندلس، والدعوة لنفسه باسم المأمون، وجوازه إلى العدوة، واستيلائه على كرسى الخلافة من يد ابن أخيه يحيى المعتصم، وقتله لأشياخ الموحدين، وذلك في أوائل سنة ٦٢٦ هـ. وقد كان لذلك كله أعمق وقع في إفريقية. ولما بعث المأمون إلى أبي محمد عبد الله والي إفريقية ليأخذ له البيعة،

стр. 2102

توقف عن عقدها، فكتب المأمون عندئذ إلى أبي زكريا يحيى أخي السيد أبي محمد، وكان يومئذ حاكماً لقابس، بالولاية على إفريقية، وعزل أخيه السيد أبي محمد، فبادر أبو زكريا بعقد البيعة للمأمون، ووقعت الوحشة بذلك بين الأخوين. ذلك أنه لما علم أبو محمد عبد الله، بما كان من أخيه أبي زكريا، خرج في عسكره من تونس، فلما وصل إلى القيروان جمع أشياخ الموحدين ونبأهم بما اعتزم من قتال أخيه، فأنكر الأشياخ عليه ذلك، واعتذروا إليه عن تنفيذ فكرته، وذلك لمحبتهم للأمير أبي زكريا وتقدير صفاته، فأصر أبو محمد على رأيه ونهرهم، فأغلظوا له القول، وكادوا يعتدون عليه. وبعث الأشياخ إلى أبي زكريا ينبئونه بما حدث، ويستدعونه إليهم، فقدم أبو زكريا على الأثر، وتسلم قيادة العسكر، وأمر بالقبض على أخيه أبي محمد، وحمل محروساً إلى تونس، وهناك اعتقل حيناً بقصر ابن فاخر. ودخل الأمير أبو زكريا تونس في اليوم الرابع والعشرين من رجب سنة ٦٢٥ هـ، وأمر في الحال بالقبض على أبي عمر كاتب أخيه، فقبض عليه وعذب وقتل، ثم بعث بأخيه أبي محمد إلى المغرب عن طريق البحر. وتولى أبو زكريا حكم إفريقية باسم الخليفة المأمون. ولكن لم يمض قليل على ذلك حتى بعث المأمون من قبله بعض عمال (حكام) إلى تونس، فثار لذلك أبو زكريا، وصرفهم، وخلع طاعة المأمون، وأمر بالخطبة ليحيى المعتصم. وكانت هذه أول خطوة في استقلال إفريقية (١). بيد أن ابن عذارى يقدم إلينا عن نزاع الأخوين، واستيلاء أبي زكريا على الحكم، رواية أخرى، خلاصتها أنه لما تفاقم اضطراب الأحوال في البلاط الموحدي، وتوالى فشل أشياخ الموحدين، جمع الأمير أبو زكريا أشياخ الموحدين بتونس، وشرح لهم الأحوال، وفاوض أخاه أبا محمد عبد الله في وجوب خلع طاعة الخلافة المؤمنية، والاستقلال بالحكم، فأبى عبد الله كل الإباء، واعتقل أخاه أبا زكريا بداره، ففر أبو زكريا من معتقله، وسار إلى قابس، وهنالك تفاوض مع شيخها ابن يكى، فوافقه على مشروعه، ثم خاطبه الموحدون من تونس، باجتماع كلمتهم على اختياره، واتفقوا معه على التنفيذ، متى خرج أخوه عبد الله برسم الحركة إلى القيروان. فلما خرج عبد الله بقواته، ونزل بظاهر تونس، طالبه الجند ببركاتهم، فتلكأ في الإجابة، وكان أبو زكريا قد قدم في صحبه، ونزل على مقربة من محلة أخيه، فبادر الجند إلى خباء أخيه، ورموه بالحجارة حتى

стр. 2103

كاد يهلك، ففر أمامهم، وعفّ الجند عن قتله إكراماً لأخيه، وقصد عبد الله إلى مراكش، وفي الحال جلس الأمير أبو زكريا مجلس الأمراء، وبايعه أشياخ الموحدين، ثم دخل تونس وبويع بها بيعة الخلفاء، واختار وزراءه وكتابه. وأبقى أبو زكريا في البداية ذكر الإمام المهدي في الخطبة وغيرها من المراسيم (١). وتمت هذه الخطوة الأولى في استقلال إفريقية في أول سنة ٦٢٧ هـ (نوفمبر ١٢٢٩ م) وأعلن أبو زكريا يحيى خلع طاعة بني عبد المؤمن، وتسمى أولا بالأمير وجعل ذلك اللقب في صدركتبه. ولما كانت قسنطينة وبجاية، مازالتا بيد الحكام الموحدين، وكان أبو زكريا، يرمى إلى تحقيق استقلال إفريقية بسائر جهاتها وأراضيها، فقد بادر في العام التالي (٦٢٨ هـ) بالزحف على قسنطينة، وحاصرها أياما، وانتهى الأمر بأن مُكن من دخولها، فدخلها وقبض على واليها الموحدي، وولي عليها عاملا من قبله، ثم سار إلى بجاية فافتتحها، وقبض على واليها الموحدي أبي زكريا عمران، وبعث بالواليين المقبوض عليهما إلى المهدية، وبعث بأهلهما وأولادهما في البحر إلى الأندلس، وقبض كذلك على عدة من أشياخ الموحدين والعرب الموالين لهم، وأرسلهم أيضاً إلى المهدية، فزجوا إلى مطبقها، واستكملت بذلك سيادة بني حفص على سائر رقعة الوطن الإفريقى. وصحب الأمير أبا زكريا أخوه أبو عبد الله اللحيانى، وكان متولياً أشغال بجاية. أما أخوه أبو محمد عبد الله والي إفريقية السابق، فقد لقى مصرعه بمراكش، وكان قد لجأ إليها. وفي يوم الجمعة السابع من صفر سنة ٦٣٣ هـ دعى في الخطبة للأمير أبي زكريا بعد ذكر الإمام، وبويع للمرة الثانية بيعة تامة شاملة، لم يتخلف فيها أحد، ولكنه استمر مقتصراً على لقب الأمير، ولم يتسم بأمير المؤمنين (٢). وهكذا قامت بإفريقية، بأحد أقاليم الدولة الموحدية الكبرى، دولة جديدة، هي الدولة الحفصية، نسبة للأسرة التي أنشأتها وحكمتها، وهم بنو حفص، أبناء الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاتى، وقد كان أبو حفص عمر بن يحيى من أصحاب المهدي العشرة، وكان زعيم هنتاتة أقوى قبائل مصمودة، وهو الذي مهد لخلافة عبد المؤمن عقب وفاة المهدي، وكان له أعظم شأن وأقوى نفوذ لدى الخلافة الموحدية، وكانت وفاته بعد حياة حافلة بجلائل الأمور في سنة

стр. 2104

٥٧١ هـ (١)، وكان لولده الشيخ أبي محمد عبد الواحد، وهو أحد أبناء عدة تولوا جميعاً رفيع المناصب بالمغرب والأندلس، مثل مقامه ونفوذه لدى البلاط الموحدي، وكان يعتبركبير أشياخ الموحدين، وقد رأينا ما كان من إخماده لحركة ابن غانية، بعد أن كادت تقضى على سيادة الموحدين بإفريقية، ومما كان من اضطلاعه بولاية إفريقية، في أحرج الظروف وأدقها، وما وفق إليه بعزمه وحزمه وقوة نفسه، من إنقاذها من عيث ابن غانية وحلفائه العرب، ومن توطيد أمنها وسلامها. وقد كان انفصال إفريقية واستقلالها على هذا النحو، ضربة جديدة للدولة الموحدية. وكان عاملا جديداً في إضعاف قواها ومواردها. بيد أنه لم يحدث كبير صدى في مراكش. وكان البلاط الموحدي في هذا الوقت ذاته مشغولا، بما يدور حول كرسى الخلافة، من حروب ومنافسات، وما يقوم به بنو مرين من استطالة، وعيث مستمر، في أطراف المغرب، وما يضطرم من ثورات محلية في بعض القواعد الهامة مثل مكناسة وسبتة، ولم تكن لديه أية قوة أو وسيلة يستطيع أن يحاول بها الوقوف في سبيل هذا الحدث المحتوم. - ٤ - تركنا أخبار الخليفة المأمون، وقد هزم منافسه وابن أخيه يحيى المعتصم مرة أخرى، بفحص واونزرت على مقربة من مراكش، في شهر رمضان سنة ٦٢٧ هـ، ثم أصدر مرسومه بعد ذلك بمحو اسم المهدي ابن تومرت ورسومه. وفي العام التالي، سنة ٦٢٨ هـ، وجّه المأمون كتبه إلى سائر بلاد الموحدين بالمغرب، والأندلس، يدعو فيها إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والحض على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والصدقات، والنهى عن شرب الخمر والمسكرات، والتحريض على الدعاية. وقد أورد لنا ابن الخطيب فصولا من كتابه المشار إليه ننقل منها الفقرة الآتية: " وإذا كنا نوفى الأمة تمهيد دنياها، ونعنى بحماية أقصاها وأدناها، فالدين أهم وأولى، والتهمم بإقامة الشريعة وإحياء شعائرها، أحق أن يقدم وأحرى وعلينا أن نأخذ بحسب ما يأمر به الشرع وندع، ونتتبع السنن المشروعة، ونذر البدع. ولنا أن لا ندخر عنها نصيحة، ولا نغبنها أداة من الأدوات مريحة، ولنا عليها أن تطيع وتسمع " (٢).

стр. 2105

وقد صدر مثل هذا الكتاب بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والحث على اتباع أحكام الشريعة، ونبذ البدع، عن معظم الخلفاء الموحدين، حسبما أشرنا إليه في مواضعه. هذا وبينما المأمون مشغول على هذا النحو، بإصلاحاته المذهبية والدينية، إذ وقع انفصام جديد في الخلافة الموحدية، وظهر مدَّع جديد للخلافة، هو السيد أبو موسى بن يعقوب المنصور أخو المأمون. وذلك أن المأمون كان قد ولى أخاه السيد أبا موسى حكم ثغر سبتة، ففي سنة ٦٢٩ هـ، دعا السيد أبو موسى لنفسه بالخلافة، وتسمى بالمؤيد بالله، وفي نفس الوقت كانت قبائل فازاز ومكلاته، قد جاهرت بالعصيان، وعاثت في منطقة مكناسة، وحاصرت مكناسة ذاتها، فحشد المأمون قواته، وخرج من مراكش يريد تأديب القبائل الثائرة أولا، ثم يسير إلى سبتة ثانيا، وكان عندئذ قد اطمأن إلى عجز ابن أخيه يحيى المعتصم عن القيام بأية محاولة جديدة، بعد أن تركه الموحدون، وعادوا إلى جبالهم، وسار هو في صحبه القليل إلى منطقة درعة وسجلماسة. ولما أشرف المأمون بقواته الكثيفة على مكناسة، بادرت القبائل الثائرة بالتفرق والفرار، وعندئذ استمر في سيره إلى سبتة، فلما وصل إليها ضرب حولها الحصار من البر، ولكن المدينة المحصورة لم تشعر بشىء من الضيق، إذ كانت حرة مفتوحة من جهة البحر، فلم تنقطع عنها الموارد. وفضلا عن ذلك فإن السيد أبا موسى، بعث إلى ابن هود صاحب الأندلس يستنصر به، فأمده ابن هود ببعض سفنه. ومن ثم فقد لبث المأمون على حصارها ثلاثة أشهر، وهو يضربها بالمجانيق كل يوم، دون أن يلحقها شىء من الضيق أو تقع ثلمة في أسوارها، أو يهدم شىء من دورها، وربما كان في عزم المأمون أن يتابع هذا الحصار الفاشل حيناً آخر، لولا أن بلغه عندئذ خبر رُوع له، وأرغمه في الحال على رفع الحصار، هو وقوع مراكش في يد يحيى المعتصم. وما كاد المأمون يبتعد عن سبتة حتى عبر أخوه، السيد أبو موسى إلى الأندلس. وكان ابن هود قد بلغ عندئذ ذروة سلطانه، وبايعت له معظم قواعد الأندلس، فبايعه، ونزل له عن سبتة، فعوضه عنها بولاية ألمرية. وبعث ابن هود إلى سبتة بحليفه، وقائده السابق الغشتى والياً لها، فلبث بها بضعة أشهر إلى أن أخرجه أهلها وخلعوا طاعة ابن هود، وبايعوا أبا العباس أحمد بن محمد
следующие страницы →