الذي استطال خمسين عاما، أية نتائج مادية، وأن علم الدولة المرابطية الذي حاول أن يرفعه سوف يخبو بوفاته إلى الأبد. ثم كانت الخاتمة النهائية، وتوفي يحيى بن اسحاق بن غانية، وهو في محلته على ضفاف نهر شليف على مقربة من مليانة، وذلك في سنة ٦٣١ هـ أو سنة ٦٣٣ هـ (١٢٣٤ م) ودفن هنالك، ثم عفى أثر مدفنه. قال ابن خلدون معلقا على موته: " وانفض أمر الملثمين من مسّوفة ولمتونة من جميع بلاد إفريقية، والمغرب والأندلس، بمهلكه، وذهب ملك صنهاجة، من الأرض، بذهاب ملكه وانقطاع أمره ". وقيل إن يحيى بعث قبيل وفاته ببناته إلى الأمير أبي زكريا ليعشن في كنفه، فأكبر الأمير الحفصى حسن ظنه، وأحسن كفالتهن، وابتنى لصونهن داراً خاصة بحضرة تونس، عرفت بقصر البنات، وأقمن بها في عيش رغد، محروسات مشمولات بأقصى رعاية، حتى توفين عانسات معمرات، ولم يقبلن الزواج من أحد (١).
- ٣ -
وهنا نعطف على ذكر الحدث الثاني الذي ترتب على وفاة الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص والي افريقية، وذلك في مستهل شهر المحرم سنة ٦١٨ هـ. وقد رأينا فيما تقدم أن الذي خلف الشيخ أبا محمد في ولاية إفريقية، هو ولده أبو محمد عبد الله، وذلك على خلاف في تاريخ هذه الولاية وكيفية نوعها، مما سبق لنا تفصيله، وعلى أي فقد كان أبو محمد عبد الله قائماً في ولاية إفريقية، مذ حَلّ بتونس في شهر ذي الحجة سنة ٦٢٣ هـ، وكان الذي قلده ولايتها وفقاً لذلك، هو الخليفة العادل.
ولم تمض عدة أشهر على ذلك، حتى وقع مصرع الخليفة العادل، بعد مصرع سلفه الخليفة أبي محمد عبد الواحد، وجلوس الخليفة الفتى يحيى المعتصم على كرسى الخلافة مكانه في شوال سنة ٦٢٤. ثم تفاقم اضطراب أمر الخلافة الموحدية، وقيام السيد أبي العلي بن المنصور بالأندلس، والدعوة لنفسه باسم المأمون، وجوازه إلى العدوة، واستيلائه على كرسى الخلافة من يد ابن أخيه يحيى المعتصم، وقتله لأشياخ الموحدين، وذلك في أوائل سنة ٦٢٦ هـ. وقد كان لذلك كله أعمق وقع في إفريقية. ولما بعث المأمون إلى أبي محمد عبد الله والي إفريقية ليأخذ له البيعة،
стр. 2102
توقف عن عقدها، فكتب المأمون عندئذ إلى أبي زكريا يحيى أخي السيد أبي محمد، وكان يومئذ حاكماً لقابس، بالولاية على إفريقية، وعزل أخيه السيد أبي محمد، فبادر أبو زكريا بعقد البيعة للمأمون، ووقعت الوحشة بذلك بين الأخوين.
ذلك أنه لما علم أبو محمد عبد الله، بما كان من أخيه أبي زكريا، خرج في عسكره من تونس، فلما وصل إلى القيروان جمع أشياخ الموحدين ونبأهم بما اعتزم من قتال أخيه، فأنكر الأشياخ عليه ذلك، واعتذروا إليه عن تنفيذ فكرته، وذلك لمحبتهم للأمير أبي زكريا وتقدير صفاته، فأصر أبو محمد على رأيه ونهرهم، فأغلظوا له القول، وكادوا يعتدون عليه. وبعث الأشياخ إلى أبي زكريا ينبئونه بما حدث، ويستدعونه إليهم، فقدم أبو زكريا على الأثر، وتسلم قيادة العسكر، وأمر بالقبض على أخيه أبي محمد، وحمل محروساً إلى تونس، وهناك اعتقل حيناً بقصر ابن فاخر. ودخل الأمير أبو زكريا تونس في اليوم الرابع والعشرين من رجب سنة ٦٢٥ هـ، وأمر في الحال بالقبض على أبي عمر كاتب أخيه، فقبض عليه وعذب وقتل، ثم بعث بأخيه أبي محمد إلى المغرب عن طريق البحر. وتولى أبو زكريا حكم إفريقية باسم الخليفة المأمون. ولكن لم يمض قليل على ذلك حتى بعث المأمون من قبله بعض عمال (حكام) إلى تونس، فثار لذلك أبو زكريا، وصرفهم، وخلع طاعة المأمون، وأمر بالخطبة ليحيى المعتصم. وكانت هذه أول خطوة في استقلال إفريقية (١).
بيد أن ابن عذارى يقدم إلينا عن نزاع الأخوين، واستيلاء أبي زكريا على الحكم، رواية أخرى، خلاصتها أنه لما تفاقم اضطراب الأحوال في البلاط الموحدي، وتوالى فشل أشياخ الموحدين، جمع الأمير أبو زكريا أشياخ الموحدين بتونس، وشرح لهم الأحوال، وفاوض أخاه أبا محمد عبد الله في وجوب خلع طاعة الخلافة المؤمنية، والاستقلال بالحكم، فأبى عبد الله كل الإباء، واعتقل أخاه أبا زكريا بداره، ففر أبو زكريا من معتقله، وسار إلى قابس، وهنالك تفاوض مع شيخها ابن يكى، فوافقه على مشروعه، ثم خاطبه الموحدون من تونس، باجتماع كلمتهم على اختياره، واتفقوا معه على التنفيذ، متى خرج أخوه عبد الله برسم الحركة إلى القيروان. فلما خرج عبد الله بقواته، ونزل بظاهر تونس، طالبه الجند ببركاتهم، فتلكأ في الإجابة، وكان أبو زكريا قد قدم في صحبه، ونزل على مقربة من محلة أخيه، فبادر الجند إلى خباء أخيه، ورموه بالحجارة حتى
стр. 2103
كاد يهلك، ففر أمامهم، وعفّ الجند عن قتله إكراماً لأخيه، وقصد عبد الله إلى مراكش، وفي الحال جلس الأمير أبو زكريا مجلس الأمراء، وبايعه أشياخ الموحدين، ثم دخل تونس وبويع بها بيعة الخلفاء، واختار وزراءه وكتابه. وأبقى أبو زكريا في البداية ذكر الإمام المهدي في الخطبة وغيرها من المراسيم (١).
وتمت هذه الخطوة الأولى في استقلال إفريقية في أول سنة ٦٢٧ هـ (نوفمبر ١٢٢٩ م) وأعلن أبو زكريا يحيى خلع طاعة بني عبد المؤمن، وتسمى أولا بالأمير وجعل ذلك اللقب في صدركتبه. ولما كانت قسنطينة وبجاية، مازالتا بيد الحكام الموحدين، وكان أبو زكريا، يرمى إلى تحقيق استقلال إفريقية بسائر جهاتها وأراضيها، فقد بادر في العام التالي (٦٢٨ هـ) بالزحف على قسنطينة، وحاصرها أياما، وانتهى الأمر بأن مُكن من دخولها، فدخلها وقبض على واليها الموحدي، وولي عليها عاملا من قبله، ثم سار إلى بجاية فافتتحها، وقبض على واليها الموحدي أبي زكريا عمران، وبعث بالواليين المقبوض عليهما إلى المهدية، وبعث بأهلهما وأولادهما في البحر إلى الأندلس، وقبض كذلك على عدة من أشياخ الموحدين والعرب الموالين لهم، وأرسلهم أيضاً إلى المهدية، فزجوا إلى مطبقها، واستكملت بذلك سيادة بني حفص على سائر رقعة الوطن الإفريقى. وصحب الأمير أبا زكريا أخوه أبو عبد الله اللحيانى، وكان متولياً أشغال بجاية. أما أخوه أبو محمد عبد الله والي إفريقية السابق، فقد لقى مصرعه بمراكش، وكان قد لجأ إليها.
وفي يوم الجمعة السابع من صفر سنة ٦٣٣ هـ دعى في الخطبة للأمير أبي زكريا بعد ذكر الإمام، وبويع للمرة الثانية بيعة تامة شاملة، لم يتخلف فيها أحد، ولكنه استمر مقتصراً على لقب الأمير، ولم يتسم بأمير المؤمنين (٢).
وهكذا قامت بإفريقية، بأحد أقاليم الدولة الموحدية الكبرى، دولة جديدة، هي الدولة الحفصية، نسبة للأسرة التي أنشأتها وحكمتها، وهم بنو حفص، أبناء الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاتى، وقد كان أبو حفص عمر بن يحيى من أصحاب المهدي العشرة، وكان زعيم هنتاتة أقوى قبائل مصمودة، وهو الذي مهد لخلافة عبد المؤمن عقب وفاة المهدي، وكان له أعظم شأن وأقوى نفوذ لدى الخلافة الموحدية، وكانت وفاته بعد حياة حافلة بجلائل الأمور في سنة
стр. 2104
٥٧١ هـ (١)، وكان لولده الشيخ أبي محمد عبد الواحد، وهو أحد أبناء عدة تولوا جميعاً رفيع المناصب بالمغرب والأندلس، مثل مقامه ونفوذه لدى البلاط الموحدي، وكان يعتبركبير أشياخ الموحدين، وقد رأينا ما كان من إخماده لحركة ابن غانية، بعد أن كادت تقضى على سيادة الموحدين بإفريقية، ومما كان من اضطلاعه بولاية إفريقية، في أحرج الظروف وأدقها، وما وفق إليه بعزمه وحزمه وقوة نفسه، من إنقاذها من عيث ابن غانية وحلفائه العرب، ومن توطيد أمنها وسلامها. وقد كان انفصال إفريقية واستقلالها على هذا النحو، ضربة جديدة للدولة الموحدية. وكان عاملا جديداً في إضعاف قواها ومواردها. بيد أنه لم يحدث كبير صدى في مراكش. وكان البلاط الموحدي في هذا الوقت ذاته مشغولا، بما يدور حول كرسى الخلافة، من حروب ومنافسات، وما يقوم به بنو مرين من استطالة، وعيث مستمر، في أطراف المغرب، وما يضطرم من ثورات محلية في بعض القواعد الهامة مثل مكناسة وسبتة، ولم تكن لديه أية قوة أو وسيلة يستطيع أن يحاول بها الوقوف في سبيل هذا الحدث المحتوم.
- ٤ -
تركنا أخبار الخليفة المأمون، وقد هزم منافسه وابن أخيه يحيى المعتصم مرة أخرى، بفحص واونزرت على مقربة من مراكش، في شهر رمضان سنة ٦٢٧ هـ، ثم أصدر مرسومه بعد ذلك بمحو اسم المهدي ابن تومرت ورسومه. وفي العام التالي، سنة ٦٢٨ هـ، وجّه المأمون كتبه إلى سائر بلاد الموحدين بالمغرب، والأندلس، يدعو فيها إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والحض على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والصدقات، والنهى عن شرب الخمر والمسكرات، والتحريض على الدعاية. وقد أورد لنا ابن الخطيب فصولا من كتابه المشار إليه ننقل منها الفقرة الآتية: " وإذا كنا نوفى الأمة تمهيد دنياها، ونعنى بحماية أقصاها وأدناها، فالدين أهم وأولى، والتهمم بإقامة الشريعة وإحياء شعائرها، أحق أن يقدم وأحرى وعلينا أن نأخذ بحسب ما يأمر به الشرع وندع، ونتتبع السنن المشروعة، ونذر البدع. ولنا أن لا ندخر عنها نصيحة، ولا نغبنها أداة من الأدوات مريحة، ولنا عليها أن تطيع وتسمع " (٢).
стр. 2105
وقد صدر مثل هذا الكتاب بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والحث على اتباع أحكام الشريعة، ونبذ البدع، عن معظم الخلفاء الموحدين، حسبما أشرنا إليه في مواضعه.
هذا وبينما المأمون مشغول على هذا النحو، بإصلاحاته المذهبية والدينية، إذ وقع انفصام جديد في الخلافة الموحدية، وظهر مدَّع جديد للخلافة، هو السيد أبو موسى بن يعقوب المنصور أخو المأمون. وذلك أن المأمون كان قد ولى أخاه السيد أبا موسى حكم ثغر سبتة، ففي سنة ٦٢٩ هـ، دعا السيد أبو موسى لنفسه بالخلافة، وتسمى بالمؤيد بالله، وفي نفس الوقت كانت قبائل فازاز ومكلاته، قد جاهرت بالعصيان، وعاثت في منطقة مكناسة، وحاصرت مكناسة ذاتها، فحشد المأمون قواته، وخرج من مراكش يريد تأديب القبائل الثائرة أولا، ثم يسير إلى سبتة ثانيا، وكان عندئذ قد اطمأن إلى عجز ابن أخيه يحيى المعتصم عن القيام بأية محاولة جديدة، بعد أن تركه الموحدون، وعادوا إلى جبالهم، وسار هو في صحبه القليل إلى منطقة درعة وسجلماسة.
ولما أشرف المأمون بقواته الكثيفة على مكناسة، بادرت القبائل الثائرة بالتفرق والفرار، وعندئذ استمر في سيره إلى سبتة، فلما وصل إليها ضرب حولها الحصار من البر، ولكن المدينة المحصورة لم تشعر بشىء من الضيق، إذ كانت حرة مفتوحة من جهة البحر، فلم تنقطع عنها الموارد. وفضلا عن ذلك فإن السيد أبا موسى، بعث إلى ابن هود صاحب الأندلس يستنصر به، فأمده ابن هود ببعض سفنه. ومن ثم فقد لبث المأمون على حصارها ثلاثة أشهر، وهو يضربها بالمجانيق كل يوم، دون أن يلحقها شىء من الضيق أو تقع ثلمة في أسوارها، أو يهدم شىء من دورها، وربما كان في عزم المأمون أن يتابع هذا الحصار الفاشل حيناً آخر، لولا أن بلغه عندئذ خبر رُوع له، وأرغمه في الحال على رفع الحصار، هو وقوع مراكش في يد يحيى المعتصم.
وما كاد المأمون يبتعد عن سبتة حتى عبر أخوه، السيد أبو موسى إلى الأندلس. وكان ابن هود قد بلغ عندئذ ذروة سلطانه، وبايعت له معظم قواعد الأندلس، فبايعه، ونزل له عن سبتة، فعوضه عنها بولاية ألمرية. وبعث ابن هود إلى سبتة بحليفه، وقائده السابق الغشتى والياً لها، فلبث بها بضعة أشهر إلى أن أخرجه أهلها وخلعوا طاعة ابن هود، وبايعوا أبا العباس أحمد بن محمد
стр. 2106
اليانشتي، فاستبد بحكمها، وتسمى بالموفق بالله، وذلك في سنة ٦٣٠ هـ (١).
وكان يحيى المعتصم قد انتهز غيبة المأمون عن الحضرة، فجمع حشوده على عجل، وانضم إليه عرب سفيان بقيادة شيخهم جرمون بن عيسى، وأبو سعيد بن وانودين شيخ هنتاتة، وسار إلى مراكش، واقتحمها عنوة، وكانت بلا دفاع، ودخل القصر، وجمع سائر ما فيه من الأموال والذخائر، وبعث بها إلى الجبل، وقتل وسبي الكثيرين ولاسيما من اليهود، وأحرق الكنيسة، وقتل من بها من القسس والنصارى. وبلغت هذه الأنباء إلى المأمون وهو على حصار سبتة، فرفع الحصار من فوره، وارتد في قواته منصرفاً صوب مراكش، وذلك في أوائل شهر ذي القعدة سنة ٦٢٩ هـ، وهو يعتزم أن ينكل بيحيى وصحبه، وأقسم لحلفائه النصارى الذين معه، وقد اضطرموا سخطاً لما حل بكنيستهم ومواطنيهم، أن يطلقهم على مراكش ثلاثة أيام ينتصفوا فيها لأنفسهم. ولما وصل المأمون إلى وادي العبيد، الفرع الشمالي لوادى أم الربيع، مرض وتوفي فجأة، وذلك في آخر شهر ذي الحجة سنة ٦٢٩ هـ، فكتمت زوجه حبابة الرومية، وهي أم ولده الأكبر وولي عهده الرشيد، وفاته، ولم يقف عليها سوى القادة وأشياخ الخُلط وبعض القرابة، ولم يقف عليها أحد من عامة الجيش. وفي اليوم التالي وهو مستهل شهر المحرم سنة ٦٣٠ هـ (١٨ أكتوبر سنة ١٢٣٢ م)، اجتمع الأشياخ والقادة واتفقوا على بيعة ولد المأمون أبي محمد عبد الواحد الرشيد بالخلافة، مبايعة سرية خاصة، وكان فتى في الرابعة عشرة من عمره. وأذيع في المحلة أن أمير المؤمنين مريض، لا يستطيع الركوب ولا الظهور، وحمل المأمون في تابوت وضع في هودج، وسارت الجيوش أمامه وهي على أهبتها للقاء يحيى المعتصم (٢)، ولما وصلت حشود المأمون إلى مقربة من مراكش، خرج إليها يحيى المعتصم في قواته من الموحدين وعرب سفيان وغيرهم، فنشبت بين الفريقين معركة هزم فيها يحيى، وقتل معظم جنده، وتفرق الباقون في مختلف الأنحاء. ولكن قوات المأمون، حينما أشرفت على مراكش، وعلى رأسها ولده الرشيد، ألفت الحاضرة وقد استعدت للدفاع. وكان واليها من قبل يحيى، أبو سعيد بن وانودين قد تخلى عن
стр. 2107
منصبه، واختار الناس مكانه السيد أبا الفضل جعفر بن السيد أبي سعيد، وكان أهل مراكش قد ترامى إليهم ما أعلنه المأمون قبل وفاته، من أنه سوف يبيح المدينة للنصارى، انتقاماً من أهلها، لما أبدوه من استسلامهم ليحيى، وتمكينه من دخولها، ومن ثم فإنهم لما رأوا مقدم جيش المأمون، ازدحموا فوق الأسوار، واستعدوا للدفاع، فعندئذ أصدر الرشيد لأهل المدينة ظهيراً بتأمينهم والعفو عنهم جميعاً، وعمن كان معهم من الموحدين، ورفع المغارم عنهم، وضمن ظهيره كثيراً من الوعود الطيبة، وحمل هذا الظهير القاضي أبو محمد عبد الحق، ومعه جملة من الناس، واقتربوا من السور من جهة باب السادة. وأعلن للناس وفاة المأمون وولاية ابنه الرشيد، وهزيمة يحيى، وعرفهم بما يتضمنه الظهير من تأمينهم والإنعام عليهم، فاطمأن الناس وسكنت نفوسهم، وأذنوا له ولرفاقه بالدخول إلى المدينة، ثم سار معه واليها السيد أبو الفضل والوجوه إلى القصر الخليفى، وقرئ الظهير على الكافة، فعم البشر والاطمئنان، وكتب الأشياخ والوجوه إلى الخليفة بالسمع والطاعة، وعاد القاضي وأصحابه ومعهم وفد من الكبراء للسلام على الخليفة واستقباله. وكانت حبابة أم الخليفة قد تفاهمت مع القواد النصارى، ودفعت لهم مقابل فيىء المدينة التي وُعدوا باستباحتها، وافتدائها من الاعتداء والنهب، مبالغ طائلة، ويقال إن الرشيد دفع لهم مقابل ذلك خمسمائة ألف دينار (١)، وهكذا أنقذ الموقف، ومهد كل شىء لدخول الخليفة الفتى إلى حاضرته.
- ٥ -
بيد أنه يجدر بنا قبل أن نبدأ الكلام عن خلافة الرشيد، أن نذكر كلمة عن عن الخليفة المأمون، وعن صفاته وخلاله.
كان أبو العُلى (أو أبو العلاء) من أنبه الخلفاء الموحدين وأقدرهم، وكان يتسم بكثير من صفات أبيه العظيم الخليفة يعقوب المنصور، ولو أتاح له القدر فسحة من الوقت، فربما كان من المرجح أن يعمل الكثير لإنقاذ الدولة الموحدية من محنتها، ولتأخير انحلالها وسقوطها، ولكنه أنفق أعوام خلافته الخمسة في منازعات وحروب متوالية، لم يفق منها حتى أدركه الموت. وكانت سقطته الجوهرية، هي التجاؤه إلى النصارى لتحقيق مشروعه في انتزاع الخلافة. ولكنها
стр. 2108
كانت سقطة العصر وظروفه المؤلمة، وقد تردى فيها من قبله ومن بعده كثير من زعماء الأندلس.
وكان مولد المأمون بمدينة مالقة سنة ٥٨١ هـ (١١٨٥ م)، وأمه حرة هي صفية ابنة أمير الشرق محمد بن سعد بن مردنيش، وكان المأمون صنو أبيه المنصور في صفاته العلمية. فقد كان فقيهاً حافظاً، ضابطاً للرواية، متمكناً من علوم الدين، إماماً في اللغة، أديباً واسع المعرفة بالأدب والسير، كاتباً بليغاً، متين البيان، وشاعراً محسناً، وكان يعنى عناية خاصة بتدريس كتاب البخاري، وكتاب الموطأ، وسنن أبي داود. وكان فوق ذلك حاكماً مقتدراً، بارعاً في الإدارة ومعالجة الشئون، ذكياً وافر الهمة والعزم. ويجمل ابن الخطيب صفاته في قوله: " كان ﵀ شهماً، شجاعاً جريئاً، بعيد الهمة، نافذ العزيمة، قوي الشكيمة، لبيباً، كاتباً أديباً، فصيحاً، بليغاً، أبياً، جواداً، حازماً " (١). بيد أنه كان في نفس الوقت صارماً، سفاكاً للدماء. وقد رأينا كيف أسرف في استباحة دماء خصومه وقضى عليهم جميعاً.
وكان المأمون كاتباً جزلا، يشغف بتسطير كتبه بنفسه، بالرغم من وجود عدة من أئمة البلاغة بين كتابه. وقد نقل إلينا ابن عذارى وابن الخطيب كتابه، الذي كتبه بخطه إلى أهل أندوجر بالأندلس، وفيه ينحى باللائمة عليهم، ويتوعدهم يالنكال لجنوحهم إلى الاستسلام للنصارى، وهو ينطق بروعة أسلوبه، وإليك بعض ما جاء فيه:
" إلى الجماعة والكافة من أهل .. ، وقاهم الله عثرات الألسنة، وأرشدهم إلى محو السيئة بالحسنة. أما بعد فقد وصل من قبلكم كتابكم الذي جرد لكم أسهم الانتقاد، ورماكم من السهاد، بالداهية الساد، أتعتذرون من المحال، بضعف الحال، وقلة الرجال، إذاً نلحقكم بربات الحجال، كأنا لا نعرف مناحى أقوالكم، وسوء منقلبكم وأحوالكم، لا جرم أنكم سمعتم بالعدو قصمه الله، وقصده إلى ذلك الموضع عصمه الله، فطاشت قلوبكم خوراً، وعاد صفوكم كدراً، وشممتم ريح الموت ورداً وصدراً، وظننتم أنكم أحيط بكم من كل جانب، وأن الفضاء قد غص بالتفاف القنا، واصطفاف المناكب، ورأيتم غير شىء، فتخيلتموه طلائع الكتائب، تباً لهمتكم المنحطة، وشيمتكم الراضية بأدون خطة. أحين
стр. 2109
ندبتم إلى حماية إخوانكم، والذب عن كلمة إيمانكم، نسقتم الأقوال وهي مكذوبة، ولفقتم الأعذار وهي بالباطل مشوبة، لقد آن لكم أن تبدلوا جل الخرصان، إلى مغازل النسوان، وما لكم ولصهوات الخيول، وإنما على الغانيات جر الذيول، أتظهرون العناد تخريصاً، بل تصريحاً وتلويحاً، ونظن أن لا يجمع لكم شتاً ولا يدنى منكم نزوحاً. أين المفر وأمر الله يدرككم، وطلبنا الحثيث لا يترككم، فأزيلوا هذه النزعة النفاقية من خواطركم، قبل أن نمحوا بالسيف أقوالكم، وأفعالكم، ونستبدل قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم " (١).
ومن نظمه قوله عند ظفره بخصومه الناكثين بيعته، وقتلهم وتعليق رؤوسهم:
أهل الحرابة والفساد من الورى ... يعزون في التشبيه بالذكار
ففساده فيه الصلاح لغيره ... بالقطع والتعليق في الأشجار
ذكارهم ذكرى إذا ما أبصرو ... فوق الجذوع وفي ذرى الأسوار
لو عم عفو الله سائر خلقه ... ما كان أكثرهم من أهل النار
ووزر للمأمون الشيخ أبو زكريا بن أبي الغمر، وكتب له عدة من أعلام البلاغة في ذلك العصر، منهم أبو زكريا الفازازى، وأبو المطرّف بن عميرة المخزومي، قطب البلاغة بالأندلس يومئذ، وأبو الحسن الرُّعينى، وأبو عبد الله بن عيّاش، وأبو العباس بن عمران، وغيرهم (٢).
وأما عن شخصه فقد كان المأمون أبيض اللون، معتدل القامة، جميل المحيا، أكحل العينين، فصيح اللسان، حسن الصوت والتلاوة (٣).
وترك المأمون عدة من البنين هم، أبو محمد عبد الواحد الرشيد ولي عهده والخليفة من بعده، وعبد الله، وعبد العزيز، وعثمان، وأبو الحسن على، الملقب بالسعيد، والوالى بعد أخيه الرشيد، وترك كذلك عدة من البنات، وأمهات الجميع روميات وسريات مغربيات (٤).
стр. 2110
الكِتاب التاسِع انهيار الأندلس وسقوط قواعدها الكبرى
стр. 2111
الفصل الأول الثورة في مرسية وبلنسية ونذر الانهيار الأولى
صدى انحلال الخلافة الموحدية في الأندلس. اضطرامها من جديد بالفورات القومية. محمد بن هود أول زعماء هذه الحركة. ظهوره في أحواز مرسية. ما قيل عن طريقة ظهوره. زحفه على مرسية وهزيمته لواليها الموحدي. دخوله مرسية ومعه الراية السوداء. دعاؤه للخليفة العباسي وتلقبه بأمير المسلمين. فكرته في الانضواء تحت لواء الخلافة العباسية. دخول عدة من القواعد في طاعته. نهوض المأمون من إشبيلية لقتاله. ما يقال عن اللقاء بين الفريقين. اعتراف إشبيلية بطاعة ابن هود. صدى الثورة في بلنسية. السيد أبو زيد والي بلنسية. أبو جميل زيان سليل آل مردنيش. آل مردنيش ومركزهم في الشرق. وزارة أبي جميل زيان للسيد أبي زيد. قيام الثورة في بلنسية. اختيار أهلها لرياسة زيان. الوحشة بينه وبين السيد أبي زيد. مغادرة السيد أبي زيد لبلنسية. دخول زيان بلنسية وعقده البيعة لنفسه. دعاؤه للخليفة العباسي. النزاع بينه وبين ابن هود. امتناعه ببلنسية. الخوف من عواقب الفتنة. دعوة إلى الاتحاد. إلتجاء السيد أبي زيد إلى النصارى. مرافقة كاتبه ابن الأبار له. مسير السيد إلى ملك أراجون. المعاهدة التي عقدها معه. تعهده بتسليم عدد من الحصون. تنازله من سائر حقوقه الإقليمية. اعتناقه للنصرانية. تأييد الرواية الإسلامية لهذه الواقعة. عودة ابن الأبار إلى بلنسية. إلتحاقه بخدمة أميرها زيان. ضعف الأندلس. توثب الملوك النصارى لمهاجمتها. غزو ملك ليون لشمالى منطقة الغرب. محاصرته لماردة. مسير ابن هود لمدافعته. هزيمته وارتداده. استيلاء الليونيين على ماردة وبطليوس. توقف ابن هود بإشبيلية. مصرع ولدى ابن وزير. غزو فرناندو الثالث للأندلس الوسطى. محاصرته لمدينة جيان. فشل الحصار وانسحاب النصارى. غزوة ثانية للقشتاليين. فرناندو الثالث يستأنف الغزو. محاصرته لأبدة واستيلاؤه عليها. عقد الهدنة بين ابن هود وفرناندو. الجزائر الشرقية تحت حكم الموحدين. مقدمات غزو النصارى للجزائر. تطلع الدول النصرانية إلى افتتاحها. اهتمام ملك أراجون الخاص بذلك. خايمى الأول واستعداد أراجون لهذا المشروع. خروج أسطول الغزو النصراني. استعداد أبي يحيى حاكم الجزائر للمقاومة. التآمر والنزاع في ميورقة. نزول النصارى بأرض الجزيرة. القتال بينهم وبين المسلمين. محاصرة النصارى لمدينة ميورقة. مفاوضة ابن يحيى للنصارى. إصرار النصارى على التسليم. اقتحامهم للمدينة. دفاع المسلمين اليائس. هزيمتهم وتمزقهم. المذبحة الرائعة. دخول الملك خايمى المدينة. مقاومة المسلمين في الجبال. تحطيم المقاومة وسقوط سائر الحصون. تقسيم ميورقة بين الفاتحين. كتاب التقسيم الخاص بذلك. استيلاء الأرجونيين على يابسة. منورقة وبقاؤها عصراً تحت حكم المسلمين. الرئيس سعيد بن حكم الأموى. حكمه لمنورقة. حزمه وكفايته. أدبه وشعره. ولده أبو عمر. افتتاح الأرجونيين لمنورقة.
стр. 2112
لقد كان انتثار الخلافة الموحدية، على هذا النحو، وقيام الخليفة العادل بالأندلس، خروجاً على الخليفة أبي محمد عبد الواحد، ثم قيام أبي العلى المأمون بالأندلس أيضاً، خروجاً على أخيه العادل، أعمق وقع وأبعد صدى في الأندلس. ولم يقتصر الأمر في ذلك، على تصدع أركان الحكم الموحدي، وما حدث من ثورة أبي محمد عبد الله البيّاسى، وما ترتب عليها من الآثار المؤلمة، بل كان أن اهتزت الأندلس من أقصاها إلى أقصاها لهذه الأحداث الخطيرة، ونهضت من من سباتها الطويل، الذي فرضه عليها الحكم الموحدي، زهاء ثمانين عاما، وأخذت تضطرم بسلسلة جديدة من الفورات القومية، على غرار ما حدث في أواخر العهد المرابطي. بيد أن هذه الفورات كانت مع الأسف، حركات متناثرة، متنافسة، متخاصمة، تفرق بينها الأطماع الخاصة، وإن كانت تجمع بينها رابطة الغرض المشترك، وهو تحرير الأندلس من نير الموحدين، وحمايتها من عدوان النصارى.
قامت هذه الحركات التحريرية في شرقي الجزيرة وفي وسطها، في وقت واحد، وكانت بالرغم من طابعها الشخصى، وهو ما يتفق مع روح العصر، حركات قومية أندلسية محضة، وكان قيامها في غمار المحن التي نزلت بالأندلس من جراء تخاذل السادة والحكام الموحدين، عن تأدية واجبهم الأول في شبه الجزيرة، وهو الدفاع عن الأندلس وحمايتها من عدوان النصارى، وتحول نشاطهم إلى معارك داخلية شخصية، بل وإلى مصانعة وتسليم للنصارى. ولم تكن حال الموحدين، وتضعضع قواهم، وانهيار مواردهم بالمغرب، خافية على الأمة الأندلسية، وعلى زعمائها الذين نهضوا في تلك الآونة العصيبة، يحاولون إنقاذ الموقف، بكل ما يمكن أن تسمح به الظروف والأحوال.
وكان أول من ظهر من أولئك الزعماء الأندلسيين، زعيم من بيت عريق في الزعامة والرياسة، هو محمد بن يوسف بن هود الجذامى، وهو سليل بني هود ملوك سرقسطة أيام الطوائف. وكان آخر من أتينا على ذكرهم من زعماء هذا البيت، هو أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن يوسف بن هود، وهو الملقب بسيف الدولة وبالمستنصر بالله، وأحياناً بالمستعين، وقد تتبعنا أخباره فيما تقدم، مذ غادر قلعة روطة آخر مستقر لبني هود، بعد سقوط سرقسطة في أيدي الأرجونيين في سنة ٥١٢ هـ (١١١٨ م) وانضوى تحت لواء ملك قشتالة
стр. 2113
ألفونسو ريمونديس. ولما اضطرمت الأندلس بالثورة ضد المرابطين، عمد سيف الدولة إلى خوض غمارها، أولا في القواعد الوسطى في جيّان، وقرطبة وغرناطة، ثم في شرقي الأندلس، في بلنسية ومرسية، وانتهى الأمر إلى أن قتل في معركة البسيط، في شهر شعبان سنة ٥٤٠ هـ (فبراير سنة ١١٤٦ م) (١). ولم يرد من ذلك التاريخ ذكر لبني هود في حوادث الأندلس، حتى قيام محمد بن يوسف ابن هود، هذا المتقدم الذكر. وأما نسبته فهى وفقاً لقوله، أنه محمد بن يوسف ابن محمد بن عبد العليم بن أحمد المستنصر، فهو بذلك ثانى حفيد لولد سيف الدولة المتقدم ذكره.
وكان ظهور محمد بن يوسف بن هود، في نفس المنطقة التي كانت قبل ثمانين عاما مسرحاً لظهور جده سيف الدولة، أعني في شرقي الأندلس، وفي مدينة مرسية. ولا تحدثنا الرواية بشىء عن حياته الأولى، وكل ما تذكره من ذلك أنه كان رجلا من أصناف الجند بمرسية وغيرها (٢)، ويبدو من أقوال الرواية أنه ظهر بطريقة متواضعة جداً، وذلك بمعاونة قائد أو مقدم من رؤساء العصابات يسمى الغشتى، وكان الغشتى هذا زعيما لعصبة من المجاورين أو " المغاورين " الذين يحاربون النصارى، وأحيانا يقطعون الطرق على المسلمين ونحن نضرب صفحاً عما تذكره لنا الرواية عن تنبؤات المنجمين بشأن ظهوره، ونكتفى بأن نقول بأن ابن هود تفاهم مع الغشتى على التعاون في العمل، وأفضى إليه بما يخالجه من أمل في الاستيلاء على الأمر، وبدأ الاثنان بالإغارة على بعض أراضي النصارى المجاورة لأحواز مرسية، فأصابا غنائم من الماشية والأسرى، وأخذ جمع ابن هود يكثر شيئاً فشيئاً، وتتوطد مكانته في تلك النواحي، وكانت أرومته الملوكية تسبغ عليه مهابة وتجذب إليه الأنصار. ولما كثر جمعه، نهض في رجاله إلى موضع يعرف " بالصخيرات " أو بالصخور، وهو حصن صغير يقع على نهر شقورة على مقربة من مرسية، وهنالك بايعه أنصاره بالإمارة (٣)، فذاع أمره، وسارع كثيرون من الفرسان والجند بالانضمام إليه، وكانت أحوال
стр. 2114
الموحدين، وما نشب بينهم من خلاف، وما وقع من قتل خلفائهم بمراكش، وما ويبشر به ذلك كله من ذهاب أمرهم، وانهيار دولتهم، مما يذكى حماسة الجموع، ويبعث إليها روح الأمل والاستبشار.
وكانت ولاية مرسية، مذ غادرها السيد أبو محمد عبد الله بن يعقوب المنصور أو العادل، على أثر مبايعته بالخلافة، قد أسندت إلى ابن عمه السيد أبي العباس ابن أبي عمران موسى بن يوسف بن عبد المؤمن. وكان من الواضح أن أولئك السادة الولاة، كانوا ينظرون إلى الموقف في خشية وتوجس، وأن الحاميات الضئيلة التي تركت لهم، كانت قد خبت قواها المعنوية، ومن ثم فإن ابن هود حينما شعر بقوة جمعه، لم يحجم عن الزحف على مرسية. فخرج إليه السيد أبو العباس بعساكر مرسية، فهزمه ابن هود واعتقله، وذلك في رجب سنة ٦٢٥ هـ (يونيه سنة ١٢٢٨ م). وعلى أثر ذلك خرج إليه السيد أبو زيد والي بلنسية في قواته، فهزمه ابن هود أيضاً، واستولى على محلته، ولكنه لم يحاول دخول بلنسية. ثم عاد إلى مرسية، ودخلها وهو يرفع راية سوداء عباسية، وذلك بتفاهم مع قاضيها أبي الحسن علي بن محمد القسطلى، وهو قتيله فيما بعد، وقبض على واليها السيد أبي العباس (١). وبويع ابن هود بمرسية غرة رمضان سنة ٦٢٥ هـ (٤ أغسطس ١٢٢٨ م) (٢) وتسمى بأمير المسلمين، ومعز الدين، ودعا للخليفة العباسي المستنصر بالله، وكتب إليه ببغداد، فبعث إليه بالخلع والمراسيم، وسماه مجاهد الدين، سيف أمير المؤمنين، عبد الله المتوكل على الله، وهكذا كانت علامة ابن هود " توكلت على الله الواحد القهار ".
وكانت فكرة ابن هود في الانضواء تحت راية الخلافة العباسية، هو أن يتشح بثوب من الشرعية في انتحال الولاية، وفي محاربة الموحدين، وهو قد أعلن أنه سوف يعمل على تحرير الأندلس من نير الموحدين، ومن عدوان النصارى معا، وسوف يعمل على إحياء الشريعة وسننها، بعدما درست في ظل الموحدين،
стр. 2115
وسرعان ما قوي أمره، وذاع ذكره، وأطاعته من قواعد الشرق شاطبة، وجزيرة شقر وما والاهما، وأعلنت بطاعته عدة من قواعد الأندلس الوسطى والجنوبية، مثل جيان وقرطبة، حيث قتل أهلها واليها الموحدي السيد أبا الربيع، وأخرجوا منها الموحدين، وكذلك أطاعته غرناطة ومالقة وألمرية.
ولما ذاع أمر ابن هود، ووقف السيد أبو العُلى بإشبيلية - وكان يومئذ قد غدا الخليفة المأمون - على ما حدث في الشرق. من هزيمة الموحدين، وضياع مرسية، ووصله صريخ السيد أبي زيد، أهمه ذلك، وكان على وشك العبور إلى العدوة، فآثر أن يبادر إلى الشرق لحسم الأمر قبل استفحاله، فغادر إشبيلية، وسار في بعض قواته صوب مرسية. وهنا تختلف الرواية حول ما حدث بينه وبين ابن هود، فهناك قول بأنه اشتبك مع ابن هود على مقربة من مرسية في معركة ْهزم فيها ابن هود، وارتد إلى مرسية فامتنع بها، وذلك في أواخر سنة ٦٢٥ هـ، وعاد المأمون ظافراً إلى إشبيلية، فامتدحه الشعراء وأجزل لهم العطاء (١). ويزيد ابن الخطيب هذه الرواية تفصيلا فيقول، إن المأمون تحرك في جيش إشبيلية باستدعاء أخيه السيد أبي زيد والي بلنسية (٢)، فتحرك المأمون إليه، واحتل غرناطة في رمضان من عام خمسة وعشرين وستمائة، وأنفذ منها كتابه إليه يشجعه، ويعلمه بنفوذه إليه، وانضم إليه جيش غرناطة وما والاها، ثم سار نحو الشرق، فبرز ابن هود إلى لقائه، فكان اللقاء بخارج لورَقة، فانهزم ابن هود، وفر إلى مرسية وعساكر الموحدين في عقبه (٣). وفي رواية أخرى أنه لم يقع قتال، ولكن المأمون حاصر مرسية، حينا فامتنعت عليه فكرّ راجعاً إلى إشبيلية، وذلك في أوائل سنة ٦٢٦ هـ (١٢٢٩ م) (٤).
стр. 2116
وما كاد أبو العُلى المأمون، يغادر إشبيلية ليعبر البحر إلى العدوة، حتى اجتمع أهل إشبيلية وذلك في اليوم الثاني من عيد الأضحى سنة ٦٢٦ هـ، وأعلنوا خلع طاعة الدولة الموحدية، والاعتراف بطاعة ابن هود في ظل الخلافة العباسية، وكتب عنهم أبو بكر بن البناء إلى المتوكل ابن هود كتابا بهذا المعنى، فأوفد إليهم ابن هود في الحال أخاه أبا النجاء سالم الملقب عضد الدولة ليكون واليا عليهم. وحذت ماردة وبطليوس حذو إشبيلية، في الإعلان بطاعة ابن هود. وهكذا اتسع نطاق الدعوة الهودية وشملت أواسط الأندلس وغربيها، وأخذت الأندلس كلها، تتطلع إلى لواء هذا الزعيم الأندلسي الجديد، ترجو أن يكون حاميها وقائدها، وجامع كلمتها، وموحد صفوفها.
- ٢ -
وفي نفس الوقت الذي قامت فيه ثورة ابن هود بمرسية، كانت ثمة ثورة أخرى تضطرم في بلنسية، وتجرى فيها أحداث مماثلة. وذلك أن بلنسية كان يحكمها منذ سنة ٦٢٠ هـ، واليها السيد أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن، وهو أخو السيد أبو محمد عبد الله البياسى، الذي أتينا على أخباره فيما تقدم. ولما قام ابن هود بمرسية، خرج السيد أبو زيد بقواته لمحاربته، ولكن ابن هود تغلب عليه فارتد منهزماً إلى بلنسية. وسرعان ما ظهر صدى هذه التطورات في بلنسية ذاتها. وذلك أن أهل بلنسية، حينما رأوا تطور الحوادث في مرسية، وهزيمة القوات الموحدية في منطقة الشرق، سرت إليهم روح الانتقاض والثورة، وقديماً كانت بلنسية حصن الثورة ضد الموحدين. وقد لبثت مملكة الشرق أيام الأمير محمد بن سعد بن مردنيش، زهاء ربع قرن تتحدى الدولة الموحدية، وهي في إبان قوتها. والآن فإنا نعود فنشهد صفحة جديدة من ثورة بلنسية، ضد الموحدين، وإن كانت هذه المرة تضطرم في ظروف عصيبة، تواجه فيها بلنسية وقواعد الشرق خطر العدوان الداهم، من جانب عدوها الخالد اسبانيا النصرانية. وكان زعيم الثورة في هذه المرة، أيضاً ينتمى إلى زعمائها السابقين من آل مردنيش. وهو أبو جميل زيّان بن أبي الحملات مدافع بن يوسف بن سعد ابن مردنيش الجذامى، وجده أبو الحجاج يوسف بن سعد بن مردنيش هو كما نذكر، أخو أمير الشرق محمد بن سعد بن مردنيش. وكان الخليفة أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، حينما استسلم إليه آل مردنيش، عقب وفاة عميدهم
стр. 2117
الأمير محمد بن سعد في سنة ٥٦٧ هـ (١١٧١ م)، واستولى على مرسية وبقية مملكة الشرق، قد شملهم برعايته، وأسند إليهم جليل المناصب، فقدّم الأمير أبا الحجاج يوسف بن سعد بن مردنيش، أخا الأمير محمد المتوفى، على بلنسية وجهاتها، كما كان أيام أخيه، واستمر أبو الحجاج يوسف، وكان يعرف بالرئيس، والياً لبلنسية حتى توفي في سنة ٥٨٢ هـ، فخلفه في ولايتها السيد أبو عبد الله محمد حفيد الخليفة عبد المؤمن، ثم خلفه بعد وفاته ولده السيد أبو زيد. وترك الرثيس أبو الحجاج يوسف عدة من الأولاد، منهم أبو الحملات مدافع، وأبو الظفر غالب، وأبو الحارث سبع، وأبو سلطان عزيز، وأبو ساكن عامر، وأبو محمد طلحة، وقد تولوا جميعاً في ظل حكومة الموحدين، مناصب هامة في مختلف قواعد الشرق، من قيادة وولاية، واشتهروا في أواخر أيام الدولة الموحدية بالأندلس، وكانوا مثل أبيهم يعرفون بالرؤساء. فلما اضطربت الأحوال وسرت الفتنة إلى مختلف النواحي، عقب وفاة الخليفة يوسف المستنصر، خاضوا الفتنة مع الخائضين، وكان عميدهم يومئذ الرئيس أبو جميل زيان بن أبي الحملات مدافع بن الرئيس يوسف أبي الحجاج، وكان أبوه مدافع، قد استشهد شابا في حياة أخيه أبي سلطان عزيز والي جزيرة شقر، وكان إلى جانبه ببلنسية وأحوازها، عشرة من رؤساء بيته من الإخوة أو أبناء العمومة. وكان أبو جميل زيان وقتئذ وزير السيد أبي زيد والي بلنسية، وكبير بطانته ومدبر أمره (١)، وفي رواية أخرى أنه كان قائد الأعنة المتولى أمر الدفاع عن بلنسية (٢). فلما ارتد السيد أبو زيد منهزماً أمام ابن هود كما تقدم، اضطرمت الثورة في بلنسية، والتف البلنسيون حول عميد بيت إماراتهم القديم، أبي جميل زيّان، ونادوا برياسته، فوقعت الوحشة بينه وبين السيد أبي زيد، فغادر بلنسية إلى حصن أُندة القريب وامتنع به، واشتد الهياج وتفاقم الأمر في المدينة، فخشى السيد سوء العاقبة، وغادر بلنسية بدوره في أهله وولده وأمواله، وذلك في أوائل شهر صفر سنة ٦٢٦ هـ، واعتصم ببعض الحصون القريبة. وعندئذ بادر الرئيس أبو جميل زيان بالقدوم إلى بلنسية من مقره بحصن أندة، فدخلها في اليوم السادس والعشرين من شهر صفر سنة ٦٢٦ هـ (يناير ١٢٢٩ م) ونزل بالقصر، وعقد البيعة لنفسه، وذلك
стр. 2118
في أول شهر ربيع الأول، ودعا للخليفة المستنصر العباسي، وفي الحال دخلت في طاعته دانية وجنجالة، وعدة من الحصون، وذاع أمره واشتد ساعده. ولكن خرج عليه أبو سلطان عزيز بن يوسف والي جزيرة شقر، ودعا لابن هود، وكذلك فعلت شاطبة وواليها أحد أبناء عمومة زيان، واضطرمت الفتنة بين زيان وابن هود وزحف ابن هود على بلنسية، فخرج زيان للقائه، فكانت عليه الهزيمة، وتبعه ابن هود إلى بلنسية فامتنعت عليه، وشغل ابن هود عندئد، بحوادث ومشاريع أخرى (١). وهكذا عمت الثورة أو الفتنة، شرقي الأندلس، وسرى الاضطراب إلى سائر أنحائه، وفي ذلك يقول شاعر معاصر من أبنائه، هو أبو عبد الله محمد ابن إدريس بن علي المعروف بمرج الكحل:
ولاسيما في فتنة مدلهمة ... فلا أحد فيها أخاه يشمت
وكان قضا صمتنا عنه واجب ... وسلم الأحداث من كان يصمت
ولم يكن يخفى على ذوى النظر البعيد، ما يترتب على تلك الفتنة من عواقب خطيرة، وكان بعضهم يسعى إلى تداركها بجمع الكلمة. وقد وقفنا في ذلك على رسالة، وجهها العلامة الفقيه أبو بكر عزيز بن خطاب، عميد علماء مرسية والمنتزى فيها فيما بعد، إلى الخطيب أبي عبد الله بن قاسم ببلنسية، يشير عليه فيها، أن يحض الرئيس أبا جميل زيان على الدخول في طاعة " أمير المسلمين " ابن هود وذلك قبل أن يتحرك ابن هود لمحاربة زيان في بلنسية. وفيها ينوه بوجوب اتحاد المدن المختلفة التي تدين بدين واحد لمقاومة أعداء الدين، وأن القوة في الاتحاد وهو ما يحض عليه الله والرسول. وأنه يجب على علماء الدين أن يسعوا في ذلك يالنصح، وأن مآل الخلاف انقطاع الرياسة، واستيلاء عدو الدين على البلاد، ثم يطلب إليه أن يهيب بالأمير أبي جميل أن يدخل فيما دخل فيه المسلمون، فذلك مما يكسبه محبة أهل الأندلس، ومحبة المسلمين (٢).
وأما السيد أبو زيد، فقد لبث مذ غادر بلنسية، وامتنع بأهله وأمواله، في
стр. 2119
بعض الحصون القريبة، حيناً يرقب سير الحوادث، فلما رأى تطور الموقف على هذا النحو، ورأى سلطان الموحدين ينهار في سائر النواحي، وأن الظروف كلها تدعو إلى اليأس، لم يجد أمامه سبيلا إلا أن يلتجىء إلى النصارى. فغادر مقره في أهله وولده، وقصد إلى ملك أراجون خايمى الأول، مستجيراً به وملتجئاً إلى حمايته. وكان بصحبة السيد أبي زيد كاتبه، وكاتب أبيه من قبل، الفقيه الكاتب الشاعر والمؤرخ المبدع، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعى الشهير بابن الأبار، وقد وصف لنا ابن الأبار موقفه يومئذ، في بيتين من الشعر، بعث بهما إلى بعض أصحابه على أثر مغادرته لبلنسية وهما:
الحمد لله لا أهل ولا ولد ... ولا قرار ولا صبر ولا جلد
كان الزمان لنا سلما إلى أمد ... فعاد حربا لنا لما انقضى الأمد (١).
ويضع ابن الخطيب تاريخ مغادرة السيد أبي زيد بلنسية، ولحاقه بالنصارى في السادس والعشرين من صفر سنة ٦٢٦ هـ، أعني في نفس اليوم الذي دخل فيه الرئيس أبو جميل زيان بلنسية (٢). ولكنا ذكرنا فيما تقدم اعتماداً على ابن الخطيب نفسه أن السيد أبا زيد غادر بلنسية قبل ذلك بمدة وجيزة، والتجأ إلى بعض حصونها القريبة. وتكتفى الرواية الإسلامية بأن تذكر لنا أن السيد أبا زيد لحق بالنصارى، ودخل في دينهم (٣). ولكن لهذا السيد الموحدي، قصة مفصلة متعددة النواحي، تقدم إلينا تفاصيلها، الرواية والوثائق النصرانية المعاصرة، ويجدر بنا أن نلخصها هنا. سار السيد أبو زيد وصحبه إلى قلعة أيوب، حيث كان خايمى الأول، ملك أراجون (٤) يعقد بلاطه يومئذ. وفي اليوم العشرين من شهر أبريل سنة ١٢٢٩ م
стр. 2120
الموافق الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ٦٢٦ هـ، اجتمع السيد أبو زيد وولده أبو محمد مع ملك أراجون وولده ألفونسو، وكان يومئذ يقوم بأهبته لافتتاح ميورقة، وعقدت بين الفريقين معاهدة، نص فيها على أن يعطى السيد أبو زيد من سائر الأراضي والأماكن والحصون التي يغنمها سواء بالقوة أو الرضى، مقدار الربع إلى الملك خايمى، وعلى أن يحتفظ الملك خايمى لنفسه بكل ما يقوم هو بافتتاحه، أو ما يقع تسليمه إليه، وأن يقدم السيد كفالة بتنفيذ هذا ْالاتفاق، حصون بنشكلة، ومرلّة، وقله، وألبونت، وشارقه، وشبرب (١) بصفة رهينة، وأن يقوم الملك خايمى تأكيداً لعهوده، بحماية السيد والدفاع عنه وعن ولده ضد أعدائه، بتسليم حصنى الديموس، وقشتيل الحبيب (٢) اللذين افتتحهما أبوه الملك بيدرو.
وكان من الواضح أن السيد أبا زيد، حينما عقد هذا الاتفاق مع ملك أراجون، كانت له أسوة بما فعله من قبل أخوه السيد عبد الله البياسى، حينما انضوى تحت لواء فرناندو الثالث ملك قشتالة، وتعهد بتسليم الحصون والأراضي الإسلامية، بل وبما فعله ابن عمه الخليفة المأمون نفسه، من تعهده لملك قشتالة بتسليمه الحصون التي يرغبها في الأراضي الإسلامية، وغير ذلك مما قطعه على نفسه من العهود، إزاء قيام هذا الملك النصراني بمعاونته على انتزاع العرش من خصمه.
وتنفيذاً لهذا الاتفاق خرج السيد أبو زيد، ومعه الفارس بيدرو دي أساجرا صاحب شنتمرية الشرق، وبلاسكو دي ألاجون، وهو زعيم أرجونى كان قبل عامين قد لجأ إلى بلنسية وخدم الموحدين، ثم عاد إلى أراجون وعفا عنه الملك، في قوات طرويل وبعض الفرسان الأرجونيين، واخترقت الحملة الأراضي التي كان ما يزال السيد أبو زيد يتمتع فيها بشىء من التأييد. وبالرغم من أن السيد استطاع فيما بعد أن يبسط سلطانه على بعض النواحي والضياع القريبة من بلنسية، فإنه أدرك في النهاية أنه لن يستطيع تنفيذ العهود التي قطعها على نفسه لملك أراجون، ومن ثم فإنه عاد في يناير سنة ١٢٣٢، وتنازل للملك خايمى عن سائر الحقوق الإقليمية التي احتفظ بها لنفسه بمقتضى المعاهدة، وذلك سواء في مدينة بلنسية
стр. 2121
ذاتها، أو في أراضيها، واستبقى لنفسه ولأهله ما سوى ذلك من الحقوق (١).
وفي خلال ذلك سقط السيد أبو زيد سقطته المؤسية. ذلك أنه لم يكتف بهذا الانضواء المطلق تحت نير الملك النصراني، ولكنه هوى إلى الدرك الأسفل، فاعتنق دين النصرانية، وهو سليل بني عبد المؤمن أئمة التوحيد وأقطابه، ونبذ اسمه المسلم، واختار اسما نصرانياً هو بثنتى Vicente أو بالعربية " بجنت " وتزوج فيما بعد من سيدة نصرانية من أهل سرقسطة، وكان يسمى في الوثائق النصرانية " بثنتى "، ملك بلنسية وحفيد أمير المؤمنين "، ولم تقدم إلينا الرواية النصرانية تاريخ تنصر السيد أبي زيد، ولكنها تقدم إلينا ما يفيد أنه كان يضمر هذه النية منذ عهد بعيد، أعني منذ أيام أن كان في بلنسية والياً عليها، وتقول لنا إن السيد طرد من بلنسية، لما علم من أنه يبعث رسله السريين إلى البابا وإلى ملك أراجون، يعرض اعتناقه للنصرانية، ولما كان يبدو من إمارات استحسانه لهذا الدين (٢).
وتجمع الرواية الإسلامية على صحة ارتداد هذا السيد الموحدي عن دين الإسلام، وتعرب عن أسفها وسخطها لانحداره إلى هذا الدرك المؤسى (٣). ومن جهة أخرى فإنه مما لا شك فيه أن كاتبه ابن الأبار، الذي صحبه في رحلته إلى بلاط ملك أراجون، قد تركه لمصيره غير بعيد، لما رأى من استسلامه للنصارى، ونيته في اعتناق دينهم، وعاد إلى بلنسية، والتحق بخدمة أميرها الجديد أبو جميل زيان (٤). وسوف يكون ابن الأبار منذ الآن من أبرز شهود المأساة التي اقترنت بمصير بلنسية، وسوف يأخذ قلمه في تدوين محنتها بأوفى نصيب.
- ٣ -
في تلك الآونة التي أخذت فيها نيران الفتنة، تندلع إلى ربوع الأندلس، ويسرى دبيب التفكك إلى هيكلها المتداعى، كانت اسبانيا النصرانية تتطلع في ثقة وأمل إلى اجتناء التراث المنهار، وانتزاع الأشلاء المتساقطة، وكان كل شىء يمهد إلى تحقيق هذا الأمل، فإن حركة الاسترداد Reconquista، لم تحظ
стр. 2122
من قبل قط، بما كانت تحظى به يومئذ من سهولة الانقضاض، وانهيار الجبهة الدفاعية الخصيمة، بانهيار القوي العسكرية الموحدية في شبه الجزيرة، وانشغال البلاط الموحدي بالمغرب، بخلافاته وحروبه الأهلية. وكانت قوي الأندلس ومواردها الخاصة، قد تضاءلت تحت ضغط الحكم الموحدي المرهق، واستئثار الموحدين بشئون الدفاع، ثم أخذت على ضعفها وضآلتها، تنتثر هنا وهنالك، وبين أولئك المتغلبين، أولئك " الطوائف " الجدد، وكان ملوك اسبانيا الثلاثة، خايمى الأول ملك أراجون، وفرناندو الثالث ملك قشتالة، وألفونسو التاسع ملك ليون، يسيطر كل منهم، على مصاير منطقة من شبه الجزيرة، فملك أراجون يسيطر على مصايرها من ناحية الشرق، وملك قشتالة يسيطر على مصايرها من ناحية الوسط، وملك ليون يسيطر على مصايرها من ناحية الغرب، وكل منهم يرقب الفرص المواتية للانقضاض على الفريسة، على تلك الأندلس، التي مزقتها الفتنة، وفقدت وسائل الدفاع الحقيقية، وأضحت معظم قواعدها تحت رحمة العدو القوي المتحفز.
ووقعت الضربات الأولى في الغرب، من جانب ملك ليون، وهو أقل الملوك الثلاثة شأناً، ثم تلتها في الحال ضربات قشتالة وأراجون القوية، ووجهت قشتالة اهتمامها إلى القواعد الأندلسية الوسطى، واتجهت أراجون أولا إلى افتتاح الجزائر الشرقية، لكي تتفرغ بعد ذلك إلى انتزاع القواعد الشرقية، وفي مقدمتها ثغر بلنسية العظيم.
وكان ملك ليون، ألفونسو التاسع (وهو والد فرناندو الثالث)، منذ استولى على مدينة قاصرش المنيعة في سنة ٦٢٢ هـ (١٢٢٧ م) حسبما تقدم ذكره، يرقب الفرصة لإنزال ضربته التالية، في منطقة الغرب الأندلسية. وكانت ماردة، وبطليوس، وهما جنوبي قاصرش هما أقرب القواعد الأندلسية العظيمة إلى حدود ليون. فلما عمت الفتنة أرجاء الأندلس، ولاح لملك ليون، أن منطقة الغرب أضحت دون مدافع، وأن قيام ابن هود في شرقي الأندلس، لا يمكن أن يحول دون مشاريعه، خرج من ليون في قواته، وذلك في أواخر سنة ١٢٢٩ م (أوائل سنة ٦٢٧ هـ)، وسار جنوبا في اتجاه نهر وادي يانه، واستولى أولا على حصن منتانجش (١). الواقع على مقربة من شمال ماردة، ثم سار إلى ماردة،
стр. 2123
وهي تقع شرقي بطليوس، على ضفة نهر وادي يانه، وضرب حولها الحصار. ووقف ابن هود على حركة ملك ليون، فحشد ما استطاع من قواته، وسار نحو الغرب لإنقاذ المدينة المحصورة، وكانت من القواعد التي دخلت في طاعته، فلما وصل على مقربة من ماردة، ترك ألفونسو التاسع الحصار، وتقدم للقاء جيش ابن هود، ونشبت بين الفريقين عند حصن الحنش (١) معركة عنيفة، هزم فيها ابن هود، وارتد في قواته دون نظام، وفي الحال، احتل الليونيون مدينة ماردة، ثم احتلوا بعد ذلك بقليل، مدينة بطليوس العظيمة، وذلك في مايو سنة ١٢٣٠ م (أواسط سنة ٦٢٧ هـ). وينحى ابن عذارى بهذه المناسبة باللائمة على ابن هود، لأنه انهزم بساقته في بداية الموقعة، فولى الناس منهزمين من أجل ذلك. ويقول لنا إنه كان بطبعه ملولا عجولا، وكانت هذه الغزوة أول غزواته وأضخمها (٢).
وعرج ابن هود في مسيره بعد هزيمته على إشبيلية. وكان مما حدث عند حلوله بها، أن ثارت العامة بعبد الله بن وزير حاكم ثغر القصر السابق، وكان قد لجأ إليها، وقبضت عليه، فأمر ابن هود بإعدامه هو وأخوه عبد الرحمن ابن وزير، ويقول لنا ابن الأبار إن ما حدث من العامة نحو الأخوين قد وقع بتحريض ابن هود نفسه (٣).
وفي هذا الوقت نفسه، كان فرناندو الثالث، ملك قشتالة يحاول أن يقوم بضرباته في الأندلس الوسطى. وكان فرناندو يرقب الدعوة الهودية، واتساع نطاق سلطان ابن هود، وتوالى طاعة القواعد الأندلسية له، بمنتهى الاهتمام والتوجس. وكان يخشى أن تجتمع كلمة الأندلس كلها حول هذا الزعيم الجديد، وأن تغدو مرة أخرى، كتلة قوية متماسكة يصعب تحطيمها. وكان يرى وجوب المبادرة إلى العمل، قبل أن يصبح ابن هود وهو في نظره زعيم الأندلس الحقيقي، قوة لا تقهر، ومن ثم فإنا نراه في أوائل سنة ١٢٣٠ م (أوائل سنة ٦٢٧ هـ) يخرج في قواته من قشتالة متجهاً نحو أندوجر، ثم يعبر نهر الوادي الكبير، وهو أينما
стр. 2124
حل ينسف الزروع، ويخرب القرى، ويسبى الذرية، واستمر في سيره نحو الجنوب حتى فحص غرناطة، ثم عاد إلى الشمال ثانية. والظاهر أن هذه الغارة الأولى كانت عملا استكشافياً، لمعرفة ما قد يلقى الغزاة من مقاومة. ولما اخترق ابن هود عندئذ بقواته تلك المنطقة في طريقه إلى الغرب، ظن القشتاليون أنه قدم لمحاربتهم، ولكن ابن هود كان يقصد إلى إنجاد ماردة، وألفى ملك قشتالة نفسه حراًّ في خططه وتحركاته، وعندئذ اتجه فرناندو الثالث بقواته صوب مدينة جيّان الحصينة، وهي أكبر قواعد تلك المنطقة، وضرب حولها الحصار، وذلك في أواخر يونيه سنة ١٢٣٠ م، وقذفها بالمجانيق بشدة، وحاول القشتاليون، اقتحامها بكل الوسائل، ولكن المدينة لبثت صامدة كالصخرة، أولا لمنعتها الفائقة، وثانياً لوفرة المدافعين عنها، وبعد حصار دام ثلاثة أشهر اضطر فرناندو أن يترك جيّان، وأن يعود أدراجه. وما كاد يصل إلى قشتالة حتى علم بوفاة أبيه ألفونسو التاسع ملك ليون، عقب عودته من افتتاح ماردة وبطليوس، فاتجه مسرعاً إلى ليون ليجلس على عرشها مكان أبيه، وبذا اتحدت قشتالة، وليون مرة أخرى (١).
وهكذا نجت القاعدة الإسلامية - جيان - من السقوط إلى حين. ولكن ملك قشتالة، عاد فبعث في العام التالي حملة غازية إلى الأندلس، بقيادة أخيه الإنفانت ألفونسو، فسارت من أندوجر، وعاثت في أنحاء قرطبة، واستمرت في سيرها غرباً حتى أحواز إشبيلية، ثم ارتدت بعد ذلك إلى شريش، وهي تعيث أينما حلت قتلا وتخريباً. وهنا تحرك ابن هود مرة أخرى ليرد الغزاة، فسار في قوات كثيفة، والتقى بالقشتاليين في فحص شريش، ولكنه هزم مرة أخرى، بالرغم من تفوقه في العدد، وذلك في أواخر سنة ٦٣٠ هـ (١٢٣٣ م). والظاهر أن القشتاليين كانوا يقصدون بهذه الغزوة، أن يقطعوا صلة ابن هود بالثغور الجنوبية. وكان ابن هود قد افتتح الجزيرة الخضراء في سنة ٦٢٩ هـ، ثم افتتح جبل طارق، وفي نفس هذا العام دخلت سبتة في طاعته حسبما قدمنا، ولكن ابن هود لبث بالرغم من هزيمته، محتفظاً بسلطانه في القواعد والثغور الجنوبية. وما كاد فرناندو الثالث ينتهي من تنظيم الشئون الداخلية التي ترتبت على وفاة أبيه حتى تأهب لاستئناف الغزو. وكان بعد أن أخفق في الاستيلاء على جيان،
стр. 2125
يعتزم افتتاح مدينة أبّدة، وكانت أيضاً من أمنع مدن هذه المنطقة وأوفرها سكانا وأقواها حامية، ولكن فرناندو صمم على أن يمضى في حصارها حتى ترغم على التسليم. واستمر حصار أبدة من يناير حتى يوليه سنة ١٢٣٣ م (أواخر سنة ٦٣٠ هـ) فلما عدمت الأقوات ولم ترد أية نجدة من أي جهة، اضطرت أبّدة إلى التسليم بالأمان، على أن يؤمن سكانها في أنفسهم، وأن يسمح لهم بأن ينقلوا من أموالهم ما يستطيعون حمله معهم، وأن تضمن سلامتهم حتى يصلوا إلى الأراضي الإسلامية (١). وفي نفس هذا العام ٦٣٠ هـ، عقدت الهدنة بين ابن هود وملك قشتالة، نظير ألف دينار يؤديها إليه ابن هود في كل يوم (٢). وكان ابن هود، قد تكاثر عليه الخصوم، بقيام منافسه ابن الأحمر في قطاع جيان، وخروج بعض المدن، ولاسيما إشبيلية عن طاعته وذلك حسبما نفصل في موضعه، فرأى أن يتفرغ لمحاربتهم بعقد الهدنة مع النصارى.
- ٤ -
بينما كان ملك قشتالة ينزل ضرباته المتوالية بالأندلس الوسطى، كان ملك أراجون خايمى الأول، يقوم بأول غزواته الكبرى في الناحية الشرقية لشبه الجزيرة، ونعنى غزو الجزائر الشرقية.
كانت الجزائر الشرقية أو جزر البليار، وهي ميورقة ومنورقة ويابسة، وعدة جزائر صغيرة أخرى، منذ افتتحها الموحدون من أيدي بني غانية في سنة ٦٠٠ هـ، يتعاقب في حكمها الولاة الموحدون، وكانت تتبع ولاية بلنسية من الناحية الإدارية. ولما اضطرمت الأندلس بالثورة على الموحدين، كان على الجزائر واليها أبو يحيى ابن يحيى بن أبي عمران التينمللى. وكان رابع الولاة الموحدين، مذ قام الموحدون بافتتاحها من أيدي بني غانية في سنة ٦٠٠ هـ (١٢٠٣ م)، ووليها منذ سنة ٦٠٦ هـ. وفي رواية أخرى هي رواية ابن عميرة المخزومي، في كتابه " تاريخ ميورقة "، أن أمير الجزائر كان عندئذ هو محمد بن علي بن موسى، وأنه هو الذي وليها في سنة ٦٠٦ هـ (٣) ولكننا نرجح الرواية الأولى، لأن الرواية النصرانية المعاصرة
стр. 2126
ومنها تاريخ الملك خايمى نفسه، تردد اسم أبي يحيى كأمير للجزيرة (١). ويقص علينا المخزومي سبب غزو النصارى لميورقة، أو مقدمات هذا الغزو في قوله، إن والي ميورقة بعث طريدة بحرية ومعها سفينة حربية إلى جزيرة يابسة، لتأتى إليه، بالأخشاب التي يحتاج إليها، فعلم بأمرها والي طرطوشة النصراني، فبعث إليها قوة بحرية استولت عليها، فاستشاط الوالي لذلك غضباً، واعتزم أن يغزو مياه بلاد الروم. وفي أواخر سنة ٦٢٣ هـ (أوائل يناير سنة ١٢٢٥ م) ظهرت في مياه يابسة سفينة من برشلونة، وأخرى من طرطوشة، فبعث الوالي ولده في عدة قطع بحرية، فرسى في مياه يابسة، وألفى بها مركباً جنوية كبيرة فاستولى عليها، ثم استولى على المركب البرشلونية. فلما وقف الروم على ذلك، اضطرموا سخطاً، وأهابوا بملكهم أن يقوم بغزو الجزيرة، وعرضوا عليه أن يتطوعوا بأنفسهم، وأموالهم، فأخذ عليهم العهد بذلك، وحشد من أهل البلاد عشرين ألفاً، وجهز في البحر ستة عشر ألفاً آخرين، وكان ذلك في أوائل سنة ٦٢٦ هـ (٢).
هذا ما يقوله المخزومي عن مقدمات غزو ميورقة. ولكن هذه المقدمات ترجع في الواقع إلى أسباب أقدم وأبعد مدى. وقد كان أمراء قطلونية ومعهم جمهوريتا بيزة وجنوة يتوقون دائماً إلى افتتاح هذه الجزائر، ووضع حد لغزوات ولاتها المسلمين، في مياه الشواطىء النصرانية، وكان الكرسى الرسولى يشجع ويبارك كل مشروع لافتتاحها. وقد افتتحها النصارى بالفعل قبل ذلك بنحو قرن في سنة ٥٠٨ هـ (١١١٦ م) في أوائل العهد المرابطي، واستعادها المرابطون على أثر ذلك. ولما استقل بنو غانية بالجزائر وقوى أمرهم، كانت غزواتهم المتكررة، لشواطىء الدول النصرانية القريبة، تزعج هذه الدول، وتحملها على مهادنة أصحاب الجزائر، وعقد معاهدات السلم معهم. فلما افتتح الموحدون الجزائر من أيدي بني غانية، تجددت رغبة الدول النصرانية، في انتزاع هذه الجزائر من أيدي المسلمين، وكان أشدهم رغبة في ذلك مملكة أراجون، التي كانت ترى من حقها الطبيعي، أن تستولى على تلك الجزائر التي تواجه شواطئها، وذلك تأميناً لمواصلاتها وتجارتها، وكان بيدرو الثاني ملك أراجون قد فكر في افتتاح الجزائر بصفة جدية، ولكن لم يتح له تحقيق أمنيته. فكان على ولده الملك الفتى
стр. 2127
خايمى الأول أن يحقق تلك الأمنية. وكان انهيار سلطان الموحدين في شبه الجزيرة
واضطرام أنحاء الأندلس بالفتنة، وانتثار وحدتها وتفرق كلمتها مما يمهد لاسبانيا
النصرانية السبيل إلى تحقيق غايات الاسترداد La Reconquista بأيسر أمر، وانتزاع
أشلاء الأندلس المهيضة الممزقة، وكان على أراجون وهي تسيطر على شرقي شبه
الجزيرة، أن تجتنى تراث شرقي الأندلس، وكان الملك خايمي حينما وفد عليه
السيد أبو زيد الموحدي مطروداً من بلنسية في أوائل سنة ٦٢٦ هـ، يستعد بالفعل
لافتتاح الجزائر، وكان قد استدعى الكورتيس القطلونية في برشلونة في شهر
ديسمبر سنة ١٢٢٨ م، واقترح عليه أن يقوم بحملة عسكرية ضد ميورقة بغية
افتتاحها، وذلك لتأمين تجارة قطلونية في البحر المتوسط، فوافق الكورتيس
على هذا الاقتراح، ووافق على أن يقوم الملك بتحصيل ضريبة الماشية القرنية
للمعاونة في نفقات الحملة. وعرض أكابر الأحبار والرهبان، أن يشتركوا في
الحملة بأنفسهم وبمن يحشدونه من الفرسان والجند، كل وفق طاقته. وعرض
أكابر الأشراف القطلان، وفي مقدمتهم نونيو سانشيز كونت روسيون، وهوجو
دي أمبرياس، والأخان رامون وجلين دي مونكادا وغيرهم من الأكابر،
أن يشتركوا في الحملة، بحشود كبيرة من الفرسان والرماة والجند، فقبل الملك
هذه العروض، وتعهد من جانبه بأن يقدم مائتي فارس من أهل أراجون بخيلهم
وسلاحهم، كما تعهد بتقسيم الأراضي المفتوحة، والغنائم المكتسبة بالعدل،
والقسطاس، بين المشتركين في الحملة، كل وفق ما تكبده من النفقات، محتفظاً
لنفسه بالقصور والسيادة العليا على الحصون والقلاع. وأقسم الجميع على ذلك،
واتفقوا على الاجتماع في طرطوشة بعد اتمام العدة، في شهر أغسطس من
العام التالي (١).
وتم كل شىء وفق ما اتفق عليه. وفي اليوم الخامس من سبتمبر سنة ١٢٢٩ م
(١٤ شوال سنة ٦٢٦ هـ) خرج الأسطول الأرجونى يحمل قوات ضخمة من
ثغور سالو وطركونة وكامبريلس، وكان مؤلفاً من مائة وخمس وخمسين سفينة حربية
وعدد من القطع الخفيفة، التي يقودها بحارة مغامرون من الجنويين وغيرهم.
وبلغ عدد المقاتلين ألفاً وخمسمائة من الفرسان وخمسة عشر ألفاً من المشاة، هذا عدا
حشود من المتطوعين من أهل جنوة وبروفانس وغيرهم. ودفعت الرياح العنيفة
стр. 2128
السفن إلى وجهة غير التي كانت تقصدها، ولكنها وصلت بعد جهد إلى خليج بالما، وهو الخليج الذي تقع عليه مدينة ميورقة عاصمة الجزيرة، وكان والي الجزيرة أبو يحيى بن أبي عمران، قد علم بأمر هذه الأهبة الضخمة التي اتخذها النصارى لفتح الجزيرة، فاستعد من جانبه للدفاع، واستطاع أته يحشد قوة مختارة من نحو ألف فارس، ومن فرسان الرعية والحضر ألفا أخرى، ومن الرجالة ثمانية عشر ألفاً، بيد أنه اكتشف فيما يبدو، مؤامرة لخلعه، فقبض على أربعة من أكابر الأعيان، وأمر بإعدامهم، وكان منهم اثنان هما ابنا أخت أبي حفص بن سيرى وهو من ذوى المكانة والوجاهة، فاجتمع الناس حوله، وأبدوا سخطهم وتوجسهم مما حدث به، وأمر الوالي بعد ذلك بالقبض على خمسين آخرين من الأشخاص البارزين، وكان ذلك في منتصف شهر شوال، وقد اضطرب الناس، وكثر الإرجاف، ولم يمض على ذلك يومان أو ثلاثة حتى أقبلت سفن النصارى وظهرت، فبادر أبو يحيى بالصفح عن خصومه، وتأهبت الحشود لدفع النصارى (١). ولكن السفن النصرانية استطاعت أن تدخل مياه الخليج ليلا، وبمنتهى السرعة، حتى أن القوات المسلمة التي أرسلت لردها، وهي مكونة من مائتي فارس وخمسة آلاف راجل لم تستطع شيئاً لمنعها.
وكان أول من نزل إلى البر قوة من سبعمائة من النصارى بقيادة برناردو دي ارخنتونا، تحصنت بإحدى التلال، وتبعتها فرقة من فرسان رامون دي مونكادا هاجمت المحلة الإسلامية المقابلة، ففرقتها، ثم نزل الفرسان القطلان وبعض طوائف الأرجونيين. وهنا وقعت أول معركة بين المسلمين والنصارى، وكان المسلمون قد استجمعوا سائر قواتهم المرابطة على الشاطىء وانقضوا على الأرجونيين، وحلفائهم بشدة، فهزموهم هزيمة شديدة، وقتل منهم عدد من الأشراف، والفرسان القطلان، وفي مقدمتهم جلين دي مونكادا، وأخوه رامون، وهرعت أمداد من النصارى لإنجاد المهزومين.
وعندئذ ضرب النصارى الحصار حول مدينة ميورقة، وأخذوا يضربونها بمختلف اللآلات بشدة، ورد المسلمون على ذلك، بأن دفعوا قوة منهم حاولت أن تقطع مورد المياه الذي يمد المحلة النصرانية من الجبل. فهاجمها النصارى وقتلوا عدداً منها، وألقوا ببعض رؤوسهم إلى داخل المدينة، على أن الدفاع عن المدينة،
стр. 2129
لم يكن لسوء الطالع محكماً، وكان الخلاف يسود بين المدافعين. وكان كثير من الجند الساخطين يتسربون إلى المعسكر النصراني. وأخيراً استطاع النصارى أن يقتربوا من الأسوار، وأن يحطموا أربعة من الأبراج. ورأى الوالي أبو يحيى أن الوقت قد حان للمفاوضة في تسليم المدينة، فبعث إلى الملك خايمى على يد دون نونيو سانشيز، أحد أقطاب الحملة، يعاونه يهودى من سرقسطة يسمى باشول كان يعرف العربية، يعرض أن يدفع ثمناً لانسحاب ملك أراجون، وذلك بأن يؤدي إليه سائر نفقات الحملة، مذ خرجت من ثغر طركونة إلى يوم انسحابها، على أن لا تترك في الجزيرة حامية نصرانية، ولكنه لما علم أن ملك أراجون يصر كل الإصرار على أخذ المدينة، بعث إليه يعرض تسليم المدينة على أن يسمح له بالخروج إلى المغرب مع أهله وحشمه وأمواله، وأن يترك له السفن التي تحمله إلى شاطىء افريقية، وأن يبقى في الجزيرة من شاء من أهلها المسلمين. ولكن الملك خايمى رفض هذا العرض أيضاً، تحت ضغط الزعماء القطلان. لأنهم كانوا يريدون الانتقام لآل مونكادا، والاستيلاء على غنائم المدينة وثرواتها.
وعندئذ عول أبو يحيى على أن يدافع دفاع اليأس، وعول النصارى من جانبهم على مهاجمة المدينة واقتحامها. وفي يوم ٣٠ ديسمبر سنة ١٢٢٩ م، استعد الجيش النصراني للهجوم، واستمع الجند للقداس، وعند الفجر بدأوا الهجوم وأحدثوا ثلمة في السور، وانثالوا إلى المدينة في طوائف متعاقبة من ناحية باب الكحل، فلقيهم المسلمون في داخلها، واضطرم بين الفريقين في الميادين والشوارع قتال عنيف، وكان الوالي أبو يحيى على رأس جنده ممتطياً صهوة جواده الأبيض، وهو يحثهم على الثبات، ودخل الملك خايمى أمام جنده المدينة، وهو شاهر سيفه. ولم يمض سوى قليل حتى ظهر التفكك في صفوف المسلمين، وأخذوا يفرون من باب بورتبين، وباب برتوليت، وفي سائر النواحي، والنصارى في أثرهم يمعنون فيهم قتلا، وتقدر الرواية الإسلامية من قتل من المسلمين خلال هذه المعركة الدموية بأربعة وعشرين ألفاً (١). وفر منهم إلى الجبال نحو ثلاثين ألفاً، وأسر الوالي أبو يحيى وولده، واستولى النصارى على ميورقة في مناظر مروعة من السفك. وكان استيلاؤهم عليها في يوم الاثنين ٣١ ديسمبر سنة ١٢٢٩،
стр. 2130
وهو يوافق بالهجرية الثالث عشر من شهر صفر سنة ٦٢٧ هـ (١).
وتتفق التواريخ النصرانية على روعة المذبحة التي وقعت عند دخول النصارى ميورقة، ويقدر بعضهم من هلك فيها من المسلمين بثلاثين ألفاً، والبعض الآخر بخمسين ألفاً. بيد أنه يبدو أن ذلك مبالغ فيه (٢).
ودخل الملك خايمى الأول، قصر المُدَينة، وهو قصر الولاة المسلمين، وأتى بالوالى أبي يحيى، وأمر بتعذيبه، واستمر تحت العذاب خمسة وأربعين يوما حتى توفي. وأما ابنه وكان صبياً في الثالثة عشرة، فتقول لنا الرواية النصرانية إنه نُصر وسمى بدون خايمي (٣).
على أن المعركة لم تكن قد انتهت بعد، فإن أبا حفص بن سيرى، وهو الزعيم الذي أشير إليه فيما تقدم، لما رأى هزيمة المسلمين، وسقوط المدينة في أيدي النصارى، خرج إلى الجبل، وتبعته طوائف كبيرة من الفارين، واجتمع له منهم عدة آلاف مقاتل، واعتزم المقاومة إلى النهاية، فم تمض سوى أيام قلائل حتى خرج إليه الملك خايمى في بعض قواته، ومعه فرسان من القطلان، واستمرت هذه القوة في مطاردة المسلمين، والاشتباك معهم في معارك متوالية، حتى قضت في النهاية على حشودهم، وقتل قائدهم ابن سيرى وذلك في اليوم العاشر من ربيع الآخر سنة ٦٢٨ هـ (١٣ فبراير ١٢٣١ م) أي لأكثر من عام من سقوط المدينة، وتم كذلك استيلاء النصارى على ما تخلف من المعاقل والحصون وذلك في شهر رجب من نفس العام (٤).
وهكذا فقد المسلمون جزيرة ميورقة الغنية الزاهرة كبرى الجزائر الشرقية، بعد أن حكموها أكثر من خمسة قرون، وكانا لافتتاحها وقع عميق في الأمم البحرية النصرانية، في غربي البحر المتوسط، واستقبل فيها بمنتهى الغبطة والرضى. بيد أنه لم يحدث كبير صدى في الأندلس، حيث كانت المعارك الأهلية الصغيرة
стр. 2131
تستغرق كل اهتمام. وعاد الملك خايمى إلى أراجون مكللا بغار الظفر، بعد أن قضى في غزوته زهاء خمسة عشر شهرا، ولقب من ذلك التاريخ " بالفاتح ".
وعاد خايمى بعد ذلك إلى ميورقة أولا في أواخر سنة ١٢٣١ م، حينما نمى إليه أن أمير إفريقية الحفصى ينوى أن يبعث بحملة لاسترداد الجزيرة، وقام عندئذ بإخضاع عدد من المعاقل الجبلية، التي كانت ما زالت قائمة بالمقاومة، وعقد مع بعض الزعماء المسلمين الأقوياء في الأنحاء الجبلية بعض عهود واتفاقات، ثم عاد إلى الجزيرة مرة أخرى في صيف سنة ١٢٣٢ م، واستطاع عندئذ أن يقوم بالقضاء على أعمال العصيان والمقاومة الأخيرة. على أن أهم ما قام به خايمى يومئذ، هو تقسيم أراضي الجزيرة وأحياء ميورقة ودورها بين الزعماء الفاتحين، وفقاً للعهد الذي قطعه على نفسه بذلك، وتم ذلك على يد هيئة من الأحبار والأكابر. وكتب بهذا التقسيم كتاب باللغات اللاتينية، والقطلانية، والعربية، اشتهر " بكتاب التقسيم " El Libro del Repartimiento وقام بتحريره في أول يوليه سنة ١٢٣٢ الكاتب الموثق بيدرو روملينو. وما زال هذا الكتاب يحفظ حتى اليوم في دار المحفوظات ببلدية ميورقة، وقد اطلعنا عليه خلال زيارتنا لميورقة (١).
وكان من الواضح أن مصير باقي الجزائر بعد سقوط ميورقة، قد بت فيه وأضحى رهن مشيئة الفاتحين. فأما جزيرة يابسة Ibiza وهي صغرى الجزائر الثلاثة الكبيرة، وهي تقع جنوب غربي ميورقة، فقد نزل بها الأرجونيون في سنة ٦٣٢ هـ (١٢٣٥ م)، فقاومهم أهلها المسلمون، واستمر الصراع بين الفريقين نحو خمسة أشهر، وانتهى بتسليم المسلمين واستيلاء الأرجونيين على الجزيرة (٢). واستولى النصارى في نفس الوقت على جزيرة فرمنتيرا الصغيرة الواقعة على مقربة من جنوبي يابسة وكانت خالية ليس بها أحد من المسلمين.
هذا فيما يختص بميورقة كبرى الجزائر الشرقية وزميلتها يابسة. وأما جزيرة منورقة أو منرقة الواقعة في شرقي ميورقة، وهي ثانى الجزائر من حيث الحجم، فقد استمرت حقبة أخرى تحت الحكم الإسلامي. ذلك أن واليها الرئيس أبا عثمان
стр. 2132
سعيد بن حكم الأموى، وهو من أهل طبيرة من غربي الأندلس، كان رجلا طموحاً وتجول في شبابه في أنحاء الأندلس وإفريقية، ثم دخل منرقة في سنة ٦٢٤ هـ، واشتغل بها مشرفاً على شئون الجباية والأجناد، ثم ظفر برياستها لما اضطربت الأحوال، وتقلص سلطان الموحدين، فوليها من قبل أبي يحيى، وضبط شئونها بهمة وبراعة وذلك منذ سنة ٦٣١ هـ، وكان عالماً محدثاً، ونحوياً أديبا يجيد النثر وينظم الشعر مع مشاركة طيبة في علم الطب، يجتذب إليه العلماء من كل صوب، ويفتدى منهم من يقع في أسر العدو، وكان ورعاً حريصاً على تنفيذ أحكام الشريعة، وكان يلقب بالرئيس، فصلحت أحوال الجزيرة في عهده، وعمها الرخاء والأمن. ولما استولى الملك خايمى على جزيرة ميورقة، رأى أبو عثمان أن يبادر بالتفاهم مع النصارى، فاعترف بطاعة الملك خايمى، على أن يؤدي له جزية سنوية، وأن يسلم إليه حصن تيوداديلا وذلك على أن لا يدخل الجزيرة أحد من النصارى. وهكذا ترك أبو عثمان وشأنه، فلبث على رياسته للجزيرة زهاء نصف قرن آخر، وضبط شئونها بحزم، وسار في الناس أعدل سيرة، واستقام أمر الجزيرة على يديه، وهابه جيرانه من النصارى، وكان يقصده الناس والعلماء والطلاب من سائر أنحاء الأندلس والمغرب، ويتردد عليه التجار، فيشمل الجميع ببره، ورفقه وأنسه. وكان شغوفاً بجمع الكتب، حتى اجتمع له منها ما لا نظير له كثرة وجودة وندرة، ومن شعره قوله في الحض على الجود:
لا تمنع المعروف يوما معرضا ومعرضا ... كلاهما من حقه فيه له أن يعرضا
هذا تنزه فاستحق على نزاهته الرضا ... والآخر استحيا من التصريح فيه فعرضا
وتوفي سعيد بن حكم في رمضان سنة ٦٨٠ هـ (١٢٨١ م)، فخلفه في حكم الجزيرة ولده أبو عمر حكم بن سعيد، وكان مثل أبيه أديباً وعالما، ولكن أمد حكمه لم يطل، لأن النصارى رأوا أخيراً أن ينتزعوا منورقة من أيدي المسلمين، فقام الأرجونيين بافتتاحها في سنة ٦٨٦ هـ (١٢٨٧ م) وأجلى عنها المسلمون، وانتهى بذلك أمر الإسلام بالجزائر الشرقية، وغادر أبو عمر الجزيرة ومعه أهله ورفات أبيه، وسار أولا إلى سبتة، ثم قصد إلى تونس، فغرق في البحر هو وآله (١).
стр. 2133
الفصل الثاني ابن هود وابن الأحمر وسقوط قرطبة
تقدم دعوة ابن هود. صراعه ضد القشتاليين. رفعه لشعار الأسود ومطالبته بمرسوم الخليفة العباسي. وصول المرسوم وقراءته وهو بغرناطة. محتويات هذا المرسوم. ابن هود أمير الأندلس الشرعى. مدى امتداد سلطانه. اختياره لولده أبي بكر لولاية العهد. رسالته إلى أهل شاطبة بذلك. توجس ابن هود من حركة ابن الأحمر. قيام محمد بن يوسف بن الأحمر في أواسط الأندلس. نشأته وقومه بنو نصر. قيام دعوته في أرجونة وجيان وبسطة ووداى آش. دعوته لأبي زكريا الحفصى ثم للخليفة العباسي. تأهب ابن هود لمقاومته. تحالف ابن الأحمر مع الباجى زعيم إشبيلية. القتال بين ابن هود وابن الأحمر. انتصار ابن الأحمر ودخوله إشبيلية. مصرع الباجى وثورة أهل إشبيلية بابن الأحمر. عودهم لطاعة ابن هود. عقد السلم بين الزعيمين. اعتراف ابن الأحمر بطاعة ابن هود. قيام ابن شعيب بلبلة. فشل ابن هود في محاصرته. غزو ملك قشتالة لمنطقة جيان. تجديد الهدنة بين ابن هود وملك قشتالة. شروط هذه الهدنة. افتتاح القشتاليين لحصن الأطراف وعدة حصون أخرى. طموح ملك قشتالة إلى افتتاح قرطبة. قرطبة واضطراب أحوالها عندئذ. غزو الفرسان القشتاليين لشرقى قرطبة. اقتحامهم للمنطقة الشرقية. اختلاف الرواية في ظروف هذا الحادث. احتلال النصارى لبعض الأبراج. ما تقوله الرواية الإسلامية في ذلك. إسراع قوات الحدود لإنجاد النصارى. اهتمام فرناندو الثالث بالحادث. مسيره في الحال إلى قرطبة. تضخم الحشود النصرانية تحت أسوار قرطبة. موقف القرطبيين الحرج. إسراع ابن هود بقواته نحو قرطبة. إحجامه عن إنجاد المدينة. اختلاف الرواية في أسباب هذا الإحجام. رواية نصرانية عن ذلك. رواية إسلامية عن تجدد الهدنة بين ابن هود وملك قشتالة. اشتداد فرناندو الثالث في محاصرة المدينة. اضطرار أهل المدينة إلى المفاوضة في التسليم. شروط هذا التسليم وظروفه. قبول فرناندو الثالث. إيجاز الرواية الإسلامية في ذلك. ما تقوله الرواية النصرانية عن مغادرة المسلمين لمدينتهم. دخول القشتاليين قرطبة. رفع الصليب على صومعة جامعها. دخول فرناندو الثالث المدينة ومثوله في الجامع. إقامة قداس الشكر. نزع رؤوس الثريات القديمة وردها إلى شنت ياقب. تأملات عن سقوط قرطبة. كتاب ابن هود إلى عماله. مسيره إلى ثغر ألمرية. واليها أبو يحيى الرميمى ودعوته لابن هود. بواعث مقدم ابن هود إلى ألمرية. رواية إسلامية عن ذلك. غدر الرميمى بابن هود ومصرعه. تأملات عن ثورة ابن هود وحركته. سياسته وخلاله. مبايعة ولده أبي بكر بمرسية. صدى وفاته في إشبيلية. عودها إلى طاعة الموحدين. سبتة تحذو حذوها. استيلاء ابن الأحمر على غرناطة. مسيره إلى ألمرية ومحاصرتها. فرار الرميمى والتجاؤه إلى إفريقية. دخول ألمرية في طاعة ابن الأحمر. دخول مالقة في طاعته. اجتماع بقايا الأندلس في مملكة غرناطة. تغدو مستودعا لتراث الأندلس. دعاء ابن الأحمر للخلافة الموحدية، ثم لأمير إفريقية الحفصى. غزو القشتاليين لمنطقة جيان. استيلاؤهم
стр. 2134
على أرجونة وغيرها. فشلهم في محاصرة جيان. ابن الأحمر يعقد الصلح مع ملك قشتالة. شروط هذا الصلح. ما خسرت الأندلس من جرائه. اعتراف ابن الأحمر بطاعة قشتالة. استيلاء ملك قشتالة على إشبيلية. ابن الأحمر يختار ولى عهده. النزاع بين ابن الأحمر وبين صاحب سبتة. مسير ابن الأحمر إلى إشبيلية لتجديد الصلح مع ملك قشتالة. شعوره بنية الغدر والخيانة ومغادرته للمدينة. عود ملك قشتالة لغزو الأندلس. صدى محنة الأندلس في الغرب. النجدة الأولى من عسكر بني مرين. إغارة القشتاليين على غرناطة. اضطرار ابن الأحمر إلى تجديد الهدنة مع ألفونسو العاشر. خسائر جديدة للأندلس. رثاء أبي الطيب الرندي للقواعد الذاهبة. وفاة ابن الأحمر. بعض صفاته وخلاله.
تركنا محمد بن يوسف بن هود، المتوكل على الله، وقد اعترفت بطاعته، عدا مرسية، مطلع ثورته، ومهد حركته، شاطبة، وجيان، وغرناطة، ومالقه، وألمرية، ثم إشبيلية قاعدة الحكم الموحدي. وشعر ابن هود بحق أنه بانهيار الحكم الموحدي، واجتماع معظم قواعد الأندلس تحت طاعته، قد غدا زعيم الأندلس الحقيقي، وقائد حركتها التحريرية، والمسئول عن حمايتها والذود عنها ضد النصارى. وفي ظل هذا الشعار سار ابن هود لإنجاد ماردة، حينما دهمها الليونيون، ولكنه هزم في المعركة التي نشبت بينه وبينهم، وسقطت ماردة وبطليوس، في أيدي النصارى (٦٢٧ هـ). واستولى ابن هود على الجزيرة الخضراء، وجبل الفتح، من أيدي الموحدين في سنة ٦٢٩ هـ، وكان استيلاؤه عليهما بمعاونة السيد أبي عمران موسى والي سبتة، وأخى الخليفة المأمون عندما ثار على أخيه، ودعا بالخلافة لنفسه، ونزل السيد أبو عمران في نفس الوقت لابن هود عن سبتة، وحكمها نائبه الغشتى حينا حسبما تقدم ذكره، ثم خاض ابن هود وهو عائد إلى الشمال، في أواخر هذا العام، مع القشتاليين وعلى مقربة من وادي آش، معركة هزم فيها القشتاليون وقتل معظمهم (١)، ولكنه عاد فاشتبك مع القشتاليين في العام التالي، على مقربة من شريش، في معركة هزم فيها، ورأى على أثر ذلك أن يعقد الهدنة مع القشتاليين، وذلك في أواخر سنة ٦٣٠ هـ (١٢٣٣ م) وذلك حسبما فصلناه من قبل في موضعه.
وكان ابن هود قد رأى منذ البداية، أن يستظل بلواء الدولة العباسية، فرفع الشعار الأسود، ودعا للخليفة المستنصر بالله العباسي، وبعث إليه ببغداد يطلب المرسوم والخلع الخلافية، فبعث إليه المستنصر بالمرسوم والخلع والرايات،
стр. 2135
وحملها من بغداد إلى الأندلس، مبعوث الخليفة أبو علي حسن بن علي بن حسن الكردى اللقب بالكمال، وتلقاها ابن هود في سنة ٦٣٠ هـ، وهو يومئذ بغرناطة، فقرئ المرسوم على الناس بمصلى العيد، وقد اجتمعوا لطلب الغيث والاستسقاء وابن هود يرتدى السواد، والراية السوداء بين يديه (١)، ومن حسن التوفيق أن نزل المطر على أثر ذلك، فاستبشر الناس، وكان يوماً مشهوداً.
وقد نقل إلينا ابن الخطيب نص هذا المرسوم الخلافي، وفيه يسبغ الخليفة على ابن هود، لقب المتوكل على الله، الذي اختاره لنفسه، ومما جاء فيه بعد الديباجة، وبعد الإشادة بالخليفة المستنصر وعهده: " ولما انتهى إلى علومه الشريفه (أي المستنصر) زادها الله شرفاً وقدساً، ما عليه مجاهد الدين، محمد بن يوسف بن هود، من سلوك سنن الطاعة المؤسس بنيانها على تقوى من الله ورضوان، والتزام شروط الولاء، الذي هو علامة متانة الدين وكمال الإيمان، والتصدى لمقارعة الناكثين عن محجة الحق والهدى، والتجرد لمرابطة من حاد عن السنة والإجماع، اللذين بهما يسترشد ويهتدى، اقتضت آراؤه الشريفة، المقدسة النبوية الإمامية الظاهرة، الزكية الممجدة، المعظمة المكرمة، المستنصرية، زادها الله جلالا متألق الأنوار، وشرفاً رفيع المنار، واقتدارا تجوب جياده جنوب الآفاق والأقطار، أن يقلده أمر جزيرة الأندلس وما يجرى معها من الولايات والبلاد، ويسوغه ما يفتتحه من ممالك أهل الشرك والعناد، تقليداً صحيحاً شرعياً، وتسويغاً صريحاً إمامياً، وإنعاماً يضفو عليه لباس فخاره الفضفاض، وتصفو لديه موارد مواهبه النميرة الحياض.
وقد أمره - صلوات الله عليه - بأوامر تهديه إلى سبيل الرشاد، وتحظيه برضي الله الذي هو أنفع الذخائر في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله، عليه يتوكل وإليه ينيب ".
ويلى ذلك ما يسديه الخليفة إلى ابن هود من نصائح، تتلخص في وجوب تمسكه بتقوى الله، وبأن يجعل كتاب الله مناراً يرجع إليه في حل المشكلات، وأن يعمل بسنة نبيه، وأن يكثر من مجالسة الفقهاء والعلماء، ومشاورة العقلاء
стр. 2136
الألباء، وأن يحسن السيرة في رعيته، وأن يعنى بمجاهدة الكفار، وفقاً لما أمر الله في كتابه. ثم يختتم الكتاب بتلقيب ابن هود بالألقاب الآتية: " الأمير، الأصفهصلار الكبير، الأجل، المرابط، المثاغر، الغازى، مجاهد الدين، مجد الإسلام، جمال الأنام، نجم الدولة، عز الملة، معين الأمة، فخر الملوك، قامع المشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، زعيم الجيوش، شرف الأمراء، تاج الخواص، أطال الله بقاءه، وأدام علوه ونعمته " (١).
وهكذا غدا ابن هود أمير الأندلس الشرعي، وتوجت زعامته بشعار الخلافة العباسية، حسبما كان عليه المرابطون أيام دولتهم وحكمهم للأندلس. وكان سلطان ابن هود يمتد يومئذ في شرقي الاندلس من الجزيرة وشاطبة حتى ألمرية جنوباً، وفيما بين ألمرية، والجزيرة الخضراء، وفي وسط الأندلس، فيما بين قرطبة وغرناطة، ولم يخرج عن سلطانه من القواعد الكبرى، سوى بلنسية في شرقي الأندلس، وجيّان في وسطها، وإشبيلية في غربها. وكانت إشبيلية قد دانت بطاعته، وولي عليها أخاه عماد الدولة حسبما تقدم، ولكن لم يمض طويل على ذلك، حتى نكث أهل إشبيلية ببيعتهم، وأخرجوا منها عماد الدولة، والتفوا حول زعيم جديد هو القاضي أبو مروان أحمد بن محمد الباجى، فاعتذر عن قبول الولاية أولا، ولبث حيناً على قاعدة الشورى، ثم تقلد الولاية، وبسط سلطانه على إشبيلية وقرمونة. وكان ذلك في سنة ٦٢٩ هـ (٢).
وعمد ابن هود على أثر تلقيه المرسوم الخلافى بالولاية. إلى اختيار ولده أبي بكر محمد لولاية عهده، ولقبه بالواثق بالله، المعتصم به. وقد وقفنا على رسالة في ذلك مدبجة بقلم أبي عبد الله بن الجنان، عن لسان ابن هود وموجهة منه إلى أهل شاطبة يبلغهم فيها ذلك الاختيار، وفيها ينعت نفسه " بمجاهد الدين، سيف أمير المؤمنين، عبد الله المتوكل عليه، أمير المسلمين محمد بن يوسف بن هود " ويخاطب الفقهاء والوزراء والقواد والأعيان والوجوه والنبهاء والكافة " بشاطبة وجهاتها، وما انضاف إليها من جهة بيران ودانية، وذلك من حضرتنا بمرسية ". ثم يعرب فيها، بعد الدعاء للنبى وللخليفة المستنصر بالله، عن محبته لهم، ويعلن
стр. 2137
إليهم أنه اختار: " ولى عهدنا، المتولى لأمور المسلمين من بعدنا، ابننا الأمير الموفق المبارك الميمون السعيد الرشيد، الواثق بالله، المعتصم به، أبا بكر محمداً، أدام الله توفيقه، ومنحه إنجاده وعضده وإسعاده، وتملكه جميع أمورها، وكافة حواضرها وثغورها، وتقدمه فيها في بلاد هي منشأه ومشيئته ومبدأه "، وأنه يوليه " جميع أقطار المشرق، وبلاده، وأغواره وأنجاده، تولية عامة في حياتنا، مع أنه المتولى بحكم العهد الذي ارتضينا له لكل ممالكنا وطاعاتنا، وخصصنا هذه البلاد الشرقية، حاطها الله تعالى بتقديمه فيها " (١).
وكان مما يوطد مركز ابن هود، ويدعم زعامته وهيبته، هو تجرده لمحاربة النصارى، وما يخوضه معهم من معارك متوالية، وإذا كان ابن هود قد انتهى بأن عقد الهدنة، مع ملك قشتالة، نظير إتاوة يؤديها إليه، فإن ذلك لم يكن إلا نزولا منه على حكم الظروف، لكي يتفرغ لمقارعة خصومه ومنافسيه.
- ١ -
على أن ابن هود لم يكن منفرداً برياسة الأندلس، ولو أتيح له هذا الانفراد بالرياسة، لكان من المرجح أن يكون له في قيادة الأندلس شأن آخر، وقد رأينا فيما تقدم، أنه في الوقت الذي قام فيه بمرسية، كان له في شرقي الأندلس، منافس آخر، هو أبو جميل زيان بن مردنيش القائم في بلنسية. بيد أن هذه المنافسة المحلية في الشرق، لم تكن مما يضايق ابن هود أو يهدد زعامته، وإنما كان يتوجس ويخشى من قيام زعيم آخر، أخذ نجمه يبزغ في أواسط الأندلس، وجنوبها بسرعة، ويظفر بطاعة قاعدة بعد أخرى، ولم يكن هذا الزعيم الأندلسي الجديد، سوى محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن خميس النصري المعروف بابن الأحمر. وكان بنو نصر هؤلاء، وهم يرجعون نسبتهم إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج، في الأصل سادة حصن أرجونة، الواقع على مقربة من نهر الوادي الكبير، ومن أعمال ولاية جيان. وكان لبني نصر في تلك المنطقة عصبية ووجاهة مؤثلة، فلما اضطربت الأمور، وانهار سلطان الموحدين بالأندلس، وظهر ابن هود في الشرق، وأخذ سلطانه يمتد نحو الجنوب، لاحت لمحمد بن يوسف فرصة للظهور والعمل، وكان هذا الزعيم المتواضع الموهوب معاً،
стр. 2138
يضطرم بكثير من الشجاعة والإقدام والعزم، فدعا لنفسه وبويع أولا في أرجونة موطن أسرته ومثوى عصبيته وأنصاره، وفي الجهات المجاورة لها، وذلك في سنة ٦٢٩ هـ. وفي العام التالي، دخل مدينة جيان وبويع بها، ثم أطاعته بسطة، ووادي آش، وهكذا قوي أمره وامتد سلطانه بسرعة إلى أنحاء الأندلس الوسطى وأخذ يتطلع إلى الاستيلاء على القواعد الجنوبية. وكان ابن الأحمر، يرى منذ البداية، أن يستظل بلواء سلطة إسلامية مرموقة. فدعا أولا للأمير أبي زكريا الحفصى صاحب إفريقية وتلقى منه بعض العون، ولكنه عاد، فدعا على نمط ابن هود للخليفة العباسي، المستنصر بالله (١).
ولم يلبث ابن هود أن شعر بخطورة هذه الحركة، التي يضطلع بها منافسه الجديد، في المناطق الوسطى والجنوبية، ومن ثم فقد اعتزم أن يتأهب لمقارعته والقضاء على حركته، ولم يكن بخاف أيضاً على ابن الأحمر خطورة المعركة التي يجب عليه أن يخوضها مع ابن هود، لكي تخلص له رياسة الأندلس، ومن ثم فقد أخذ من جانبه يتأهب لخوضها، وكان عقد ابن هود للهدنة، مع القشتاليين، يرجع قبل كل شىء إلى رغبته في التفرغ لهذه المعركة الداخلية. ومن جهة أخرى فقد اتجه ابن الأحمر إلى العمل على تقوية جانبه، بالتفاهم مع أبي مروان أحمد ابن محمد الباجى المتغلب على إشبيلية، وذلك بأن عقد معه حلفاً، وصاهره على ابنته، واتفق الاثنان على مقاومة ابن هود ومحاربته.
وتأهب الفريقان للحرب، وحشد كل منهما ما استطاع من قواته، والتقيا على مقربة من إشبيلية، ووقعت بينهما معركة، كانت الهزيمة فيها على ابن هود، وكان النصر لابن الأحمر وحليفه الباجى، وكان وقوعها في أوائل سنة ٦٣١ هـ (١٢٣٣ م) (٢). ودخل ابن الأحمر إشبيلية بعد ذلك بقليل، وهو يضمر الغدر بحليفه وصهره الباجى، ولم يلبث أن دس عليه أحد أصهاره من بني أشقيلولة فقتله وذلك في جمادى الأولى من نفس العام، وبادر ابن الأحمر فاحتل القصبة، وحاول أن يبسط سلطانه على المدينة، ولكنه لم يلبث فيها سوى شهر، وثار به أهل إشبيلية، وأخرجوه من القصبة ومن المدينة، عنوة، ثم عادوا فدعوا
стр. 2139
لابن هود، وبعث إليهم ابن هود أخاه سالما عماد الدولة ليضطلع بولاية إشبيلية مرة أخرى، والظاهر مما يقوله ابن عذارى أنه قد وقع لابن الأحمر بقرطبة، مثلما وقع بإشبيلية، وأن أهل قرطبة، كانوا قد بايعوه في بداية أمره، فلما رأوا فعلته بالباجى، وما ترتب عليها من إخراجه من إشبيلية، نكثوا ببيعته وخلعوا طاعته وعادوا إلى طاعة ابن هود (١).
وحدث عندئذ حادث لم يكن متوقعاً، هو عقد الهدنة والصلح بين ابن هود وابن الأحمر. وذلك أن كلا الزعيمين، أدرك فيما يبدو، خطر الحرب الأهلية الانتحارية، التي يخوضها كل منهما ضد صاحبه، وأنه لن يستفيد من هذا الصراع الأخوى المؤلم، سوى ملك قشتالة، المتربص بهما معا، فتفاهما، وعقد الصلح بينهما، وذلك في شوال سنة ٦٣١ هـ (يونيه ١٢٣٤ م)، وذلك على أن يعترف ابن الأحمر بطاعة ابن هود، وعلى أن يقره ابن هود في ولاية جيان وأرجونة، وبركونة وأحوازها. ويقول لنا ابن خلدون من جهة أخرى، ان اعتراف ابن الأحمر بطاعة ابن هود، وقع على أثر وصول العهد الخلافى من بغداد لابن هود وذلك في سنة ٦٣١ هـ (٢).
ولم يمض قليل على ذلك حتى ثار بمدينة لبلة في سنة ٦٣٢ هـ، وهي من أعمال إشبيلية، قاضيها شعيب بن محمد بن محفوظ ودعا لنفسه، وتسمى بالمعتصم، فسار ابن هود لقتاله، فامتنع بمدينته، وهي ذات موقع طبيعى حصين وأسوار عالية، فحاصرها ابن هود واستمر على محاصرتها حينا، وهي صامدة ممتنعة عليه (٣).
وقد كان سير الحوادث في الواقع يدعو إلى عقد مثل هذا التهادن بين الزعيمين المتنافسين. ذلك أن ابن هود، علم وهو على حصار لبلة، بأن ملك قشتالة قد خرج في قواته صوب الأندلس، يريد محاربته، ولكن فرناندو الثالث، انحرف بقواته نحو منطقة جيان التي يسيطر عليها ابن الأحمر، وأخذ يعيث في أحواز أرجونة، وجيان، وترك ابن هود حصار لبلة، دون أن ينال منها مأرباً، ليعود إلى أراضيه، وهنالك فيما بين إشبيلية وقرطبة وفد إليه سفير فرناندو،
стр. 2140
ألبار بيرث، وجرت بينهما مفاوضات، انتهت بالاتفاق على تجديد الهدنة، بين ابن هود وملك قشتالة لمدة ثلاثة أعوام، وذلك على أن يدفع ابن هود لملك قشتالة إتاوة قدرها مائة ألف وثلاثون ألف دينار، دفع منها في الحال خمسين ألفا، وقسط الباقى على الأعوام الثلاثة، وعلى أن ينزل ابن هود عن بعض الحصون الواقعة في منطقة جبل الشارات (سيرّا مورينا)، وهي حصون نائية، منقطعة لم يكن من السهل أن يدافع عنها أو ينجدها المسلمون (١). ويقول لنا ابن خلدون إن هذه الحصون كانت ثلاثين، وأن ملك قشتالة تعهد بأن يتخلى عن معاونة ابن الأحمر، وأن يعاون ابن هود على تملك قرطبة (٢). على أن هذا القول بالنسبة لابن الأحمر لم يكن يتفق مع ما تم من عقده للسلم مع ابن هود ومبايعته له، وهو ما يقرره لنا ابن خلدون نفسه حسبما سبقت الإشارة إليه. وكان عقد هذه الهدنة، بين ملك قشتالة وابن هود في أواخر سنة ٦٣٢ هـ (صيف سنة ١٢٣٥ م).
وعلى أثر ذلك ارتد ملك قشتالة في قواته عائداً إلى بلاده، وفي خلال هذا العود، قام بمحاصرة " حصن الأطراف " Iznataraf، فاستسلم إليه في الحال على أن يمنح الأمان لمن كان به من المسلمين، وأن يغادروه حاملين ما استطاعوا من أمتعتهم. ثم حاصر من بعده حصن شنت إشتيبن، وهو من الحصون الواقعة في طريق بياسة وأبدة، فسلمه المسلمون إليه بنفس الشروط، واستولى فرناندو في طريقه أيضاً على عدة حصون أخرى في منطقة جيان، وكانت هذه الحصون كلها من الحصون التي نص على تسليمها في الهدنة التي عقدت مع ابن هود.
- ٢ -
والواقع أن هذه الحوادث كلها: غزوات فرناندو الثالث المتوالية لأراضي الأندلس، وتهدئته لابن هود بعقد السلم معه، واستيلاؤه، واستيلاء الجماعات الدينية العاملة باسمه، تباعا على حصون منطقة جيان، لم تكن سوى مقدمات لغاية أخطر وأبعد مدى، كان يضمرها ويعمل لها ملك قشتالة، أو بعبارة أخرى لم يكن سوى تمهيد لضربة مؤلمة جديدة، يزمع إنزالها بالأندلس، تلك هي استيلاؤه على مدينة قرطبة العظيمة.
كانت عاصمة الخلافة القديمة، منذ انهيار سلطان الموحدين في شبه الجزيرة،