← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

الألباء، وأن يحسن السيرة في رعيته، وأن يعنى بمجاهدة الكفار، وفقاً لما أمر الله في كتابه. ثم يختتم الكتاب بتلقيب ابن هود بالألقاب الآتية: " الأمير، الأصفهصلار الكبير، الأجل، المرابط، المثاغر، الغازى، مجاهد الدين، مجد الإسلام، جمال الأنام، نجم الدولة، عز الملة، معين الأمة، فخر الملوك، قامع المشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، زعيم الجيوش، شرف الأمراء، تاج الخواص، أطال الله بقاءه، وأدام علوه ونعمته " (١). وهكذا غدا ابن هود أمير الأندلس الشرعي، وتوجت زعامته بشعار الخلافة العباسية، حسبما كان عليه المرابطون أيام دولتهم وحكمهم للأندلس. وكان سلطان ابن هود يمتد يومئذ في شرقي الاندلس من الجزيرة وشاطبة حتى ألمرية جنوباً، وفيما بين ألمرية، والجزيرة الخضراء، وفي وسط الأندلس، فيما بين قرطبة وغرناطة، ولم يخرج عن سلطانه من القواعد الكبرى، سوى بلنسية في شرقي الأندلس، وجيّان في وسطها، وإشبيلية في غربها. وكانت إشبيلية قد دانت بطاعته، وولي عليها أخاه عماد الدولة حسبما تقدم، ولكن لم يمض طويل على ذلك، حتى نكث أهل إشبيلية ببيعتهم، وأخرجوا منها عماد الدولة، والتفوا حول زعيم جديد هو القاضي أبو مروان أحمد بن محمد الباجى، فاعتذر عن قبول الولاية أولا، ولبث حيناً على قاعدة الشورى، ثم تقلد الولاية، وبسط سلطانه على إشبيلية وقرمونة. وكان ذلك في سنة ٦٢٩ هـ (٢). وعمد ابن هود على أثر تلقيه المرسوم الخلافى بالولاية. إلى اختيار ولده أبي بكر محمد لولاية عهده، ولقبه بالواثق بالله، المعتصم به. وقد وقفنا على رسالة في ذلك مدبجة بقلم أبي عبد الله بن الجنان، عن لسان ابن هود وموجهة منه إلى أهل شاطبة يبلغهم فيها ذلك الاختيار، وفيها ينعت نفسه " بمجاهد الدين، سيف أمير المؤمنين، عبد الله المتوكل عليه، أمير المسلمين محمد بن يوسف بن هود " ويخاطب الفقهاء والوزراء والقواد والأعيان والوجوه والنبهاء والكافة " بشاطبة وجهاتها، وما انضاف إليها من جهة بيران ودانية، وذلك من حضرتنا بمرسية ". ثم يعرب فيها، بعد الدعاء للنبى وللخليفة المستنصر بالله، عن محبته لهم، ويعلن

стр. 2137

إليهم أنه اختار: " ولى عهدنا، المتولى لأمور المسلمين من بعدنا، ابننا الأمير الموفق المبارك الميمون السعيد الرشيد، الواثق بالله، المعتصم به، أبا بكر محمداً، أدام الله توفيقه، ومنحه إنجاده وعضده وإسعاده، وتملكه جميع أمورها، وكافة حواضرها وثغورها، وتقدمه فيها في بلاد هي منشأه ومشيئته ومبدأه "، وأنه يوليه " جميع أقطار المشرق، وبلاده، وأغواره وأنجاده، تولية عامة في حياتنا، مع أنه المتولى بحكم العهد الذي ارتضينا له لكل ممالكنا وطاعاتنا، وخصصنا هذه البلاد الشرقية، حاطها الله تعالى بتقديمه فيها " (١). وكان مما يوطد مركز ابن هود، ويدعم زعامته وهيبته، هو تجرده لمحاربة النصارى، وما يخوضه معهم من معارك متوالية، وإذا كان ابن هود قد انتهى بأن عقد الهدنة، مع ملك قشتالة، نظير إتاوة يؤديها إليه، فإن ذلك لم يكن إلا نزولا منه على حكم الظروف، لكي يتفرغ لمقارعة خصومه ومنافسيه. - ١ - على أن ابن هود لم يكن منفرداً برياسة الأندلس، ولو أتيح له هذا الانفراد بالرياسة، لكان من المرجح أن يكون له في قيادة الأندلس شأن آخر، وقد رأينا فيما تقدم، أنه في الوقت الذي قام فيه بمرسية، كان له في شرقي الأندلس، منافس آخر، هو أبو جميل زيان بن مردنيش القائم في بلنسية. بيد أن هذه المنافسة المحلية في الشرق، لم تكن مما يضايق ابن هود أو يهدد زعامته، وإنما كان يتوجس ويخشى من قيام زعيم آخر، أخذ نجمه يبزغ في أواسط الأندلس، وجنوبها بسرعة، ويظفر بطاعة قاعدة بعد أخرى، ولم يكن هذا الزعيم الأندلسي الجديد، سوى محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن خميس النصري المعروف بابن الأحمر. وكان بنو نصر هؤلاء، وهم يرجعون نسبتهم إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج، في الأصل سادة حصن أرجونة، الواقع على مقربة من نهر الوادي الكبير، ومن أعمال ولاية جيان. وكان لبني نصر في تلك المنطقة عصبية ووجاهة مؤثلة، فلما اضطربت الأمور، وانهار سلطان الموحدين بالأندلس، وظهر ابن هود في الشرق، وأخذ سلطانه يمتد نحو الجنوب، لاحت لمحمد بن يوسف فرصة للظهور والعمل، وكان هذا الزعيم المتواضع الموهوب معاً،

стр. 2138

يضطرم بكثير من الشجاعة والإقدام والعزم، فدعا لنفسه وبويع أولا في أرجونة موطن أسرته ومثوى عصبيته وأنصاره، وفي الجهات المجاورة لها، وذلك في سنة ٦٢٩ هـ. وفي العام التالي، دخل مدينة جيان وبويع بها، ثم أطاعته بسطة، ووادي آش، وهكذا قوي أمره وامتد سلطانه بسرعة إلى أنحاء الأندلس الوسطى وأخذ يتطلع إلى الاستيلاء على القواعد الجنوبية. وكان ابن الأحمر، يرى منذ البداية، أن يستظل بلواء سلطة إسلامية مرموقة. فدعا أولا للأمير أبي زكريا الحفصى صاحب إفريقية وتلقى منه بعض العون، ولكنه عاد، فدعا على نمط ابن هود للخليفة العباسي، المستنصر بالله (١). ولم يلبث ابن هود أن شعر بخطورة هذه الحركة، التي يضطلع بها منافسه الجديد، في المناطق الوسطى والجنوبية، ومن ثم فقد اعتزم أن يتأهب لمقارعته والقضاء على حركته، ولم يكن بخاف أيضاً على ابن الأحمر خطورة المعركة التي يجب عليه أن يخوضها مع ابن هود، لكي تخلص له رياسة الأندلس، ومن ثم فقد أخذ من جانبه يتأهب لخوضها، وكان عقد ابن هود للهدنة، مع القشتاليين، يرجع قبل كل شىء إلى رغبته في التفرغ لهذه المعركة الداخلية. ومن جهة أخرى فقد اتجه ابن الأحمر إلى العمل على تقوية جانبه، بالتفاهم مع أبي مروان أحمد ابن محمد الباجى المتغلب على إشبيلية، وذلك بأن عقد معه حلفاً، وصاهره على ابنته، واتفق الاثنان على مقاومة ابن هود ومحاربته. وتأهب الفريقان للحرب، وحشد كل منهما ما استطاع من قواته، والتقيا على مقربة من إشبيلية، ووقعت بينهما معركة، كانت الهزيمة فيها على ابن هود، وكان النصر لابن الأحمر وحليفه الباجى، وكان وقوعها في أوائل سنة ٦٣١ هـ (١٢٣٣ م) (٢). ودخل ابن الأحمر إشبيلية بعد ذلك بقليل، وهو يضمر الغدر بحليفه وصهره الباجى، ولم يلبث أن دس عليه أحد أصهاره من بني أشقيلولة فقتله وذلك في جمادى الأولى من نفس العام، وبادر ابن الأحمر فاحتل القصبة، وحاول أن يبسط سلطانه على المدينة، ولكنه لم يلبث فيها سوى شهر، وثار به أهل إشبيلية، وأخرجوه من القصبة ومن المدينة، عنوة، ثم عادوا فدعوا

стр. 2139

لابن هود، وبعث إليهم ابن هود أخاه سالما عماد الدولة ليضطلع بولاية إشبيلية مرة أخرى، والظاهر مما يقوله ابن عذارى أنه قد وقع لابن الأحمر بقرطبة، مثلما وقع بإشبيلية، وأن أهل قرطبة، كانوا قد بايعوه في بداية أمره، فلما رأوا فعلته بالباجى، وما ترتب عليها من إخراجه من إشبيلية، نكثوا ببيعته وخلعوا طاعته وعادوا إلى طاعة ابن هود (١). وحدث عندئذ حادث لم يكن متوقعاً، هو عقد الهدنة والصلح بين ابن هود وابن الأحمر. وذلك أن كلا الزعيمين، أدرك فيما يبدو، خطر الحرب الأهلية الانتحارية، التي يخوضها كل منهما ضد صاحبه، وأنه لن يستفيد من هذا الصراع الأخوى المؤلم، سوى ملك قشتالة، المتربص بهما معا، فتفاهما، وعقد الصلح بينهما، وذلك في شوال سنة ٦٣١ هـ (يونيه ١٢٣٤ م)، وذلك على أن يعترف ابن الأحمر بطاعة ابن هود، وعلى أن يقره ابن هود في ولاية جيان وأرجونة، وبركونة وأحوازها. ويقول لنا ابن خلدون من جهة أخرى، ان اعتراف ابن الأحمر بطاعة ابن هود، وقع على أثر وصول العهد الخلافى من بغداد لابن هود وذلك في سنة ٦٣١ هـ (٢). ولم يمض قليل على ذلك حتى ثار بمدينة لبلة في سنة ٦٣٢ هـ، وهي من أعمال إشبيلية، قاضيها شعيب بن محمد بن محفوظ ودعا لنفسه، وتسمى بالمعتصم، فسار ابن هود لقتاله، فامتنع بمدينته، وهي ذات موقع طبيعى حصين وأسوار عالية، فحاصرها ابن هود واستمر على محاصرتها حينا، وهي صامدة ممتنعة عليه (٣). وقد كان سير الحوادث في الواقع يدعو إلى عقد مثل هذا التهادن بين الزعيمين المتنافسين. ذلك أن ابن هود، علم وهو على حصار لبلة، بأن ملك قشتالة قد خرج في قواته صوب الأندلس، يريد محاربته، ولكن فرناندو الثالث، انحرف بقواته نحو منطقة جيان التي يسيطر عليها ابن الأحمر، وأخذ يعيث في أحواز أرجونة، وجيان، وترك ابن هود حصار لبلة، دون أن ينال منها مأرباً، ليعود إلى أراضيه، وهنالك فيما بين إشبيلية وقرطبة وفد إليه سفير فرناندو،

стр. 2140

ألبار بيرث، وجرت بينهما مفاوضات، انتهت بالاتفاق على تجديد الهدنة، بين ابن هود وملك قشتالة لمدة ثلاثة أعوام، وذلك على أن يدفع ابن هود لملك قشتالة إتاوة قدرها مائة ألف وثلاثون ألف دينار، دفع منها في الحال خمسين ألفا، وقسط الباقى على الأعوام الثلاثة، وعلى أن ينزل ابن هود عن بعض الحصون الواقعة في منطقة جبل الشارات (سيرّا مورينا)، وهي حصون نائية، منقطعة لم يكن من السهل أن يدافع عنها أو ينجدها المسلمون (١). ويقول لنا ابن خلدون إن هذه الحصون كانت ثلاثين، وأن ملك قشتالة تعهد بأن يتخلى عن معاونة ابن الأحمر، وأن يعاون ابن هود على تملك قرطبة (٢). على أن هذا القول بالنسبة لابن الأحمر لم يكن يتفق مع ما تم من عقده للسلم مع ابن هود ومبايعته له، وهو ما يقرره لنا ابن خلدون نفسه حسبما سبقت الإشارة إليه. وكان عقد هذه الهدنة، بين ملك قشتالة وابن هود في أواخر سنة ٦٣٢ هـ (صيف سنة ١٢٣٥ م). وعلى أثر ذلك ارتد ملك قشتالة في قواته عائداً إلى بلاده، وفي خلال هذا العود، قام بمحاصرة " حصن الأطراف " Iznataraf، فاستسلم إليه في الحال على أن يمنح الأمان لمن كان به من المسلمين، وأن يغادروه حاملين ما استطاعوا من أمتعتهم. ثم حاصر من بعده حصن شنت إشتيبن، وهو من الحصون الواقعة في طريق بياسة وأبدة، فسلمه المسلمون إليه بنفس الشروط، واستولى فرناندو في طريقه أيضاً على عدة حصون أخرى في منطقة جيان، وكانت هذه الحصون كلها من الحصون التي نص على تسليمها في الهدنة التي عقدت مع ابن هود. - ٢ - والواقع أن هذه الحوادث كلها: غزوات فرناندو الثالث المتوالية لأراضي الأندلس، وتهدئته لابن هود بعقد السلم معه، واستيلاؤه، واستيلاء الجماعات الدينية العاملة باسمه، تباعا على حصون منطقة جيان، لم تكن سوى مقدمات لغاية أخطر وأبعد مدى، كان يضمرها ويعمل لها ملك قشتالة، أو بعبارة أخرى لم يكن سوى تمهيد لضربة مؤلمة جديدة، يزمع إنزالها بالأندلس، تلك هي استيلاؤه على مدينة قرطبة العظيمة. كانت عاصمة الخلافة القديمة، منذ انهيار سلطان الموحدين في شبه الجزيرة،

стр. 2141

ومذ ثار شعبها المتوثب، بواليها الموحدي السيد أبي الربيع وقتله، حيرى في أمرها، لا زعيم لها ولا قائد، وتتردد في الطاعة بين مبايعة ابن الأحمر ومبايعة ابن هود، ولكنها أميل إلى الانضواء تحت لواء ابن هود. ومن الأسف أن الرواية الإسلامية التي تعنى دائماً أشد عناية بأحوال قرطبة وأخبارها، لا تمدنا عن هذه الفترة الأخيرة من حياة المدينة الأندلسية العظيمة، أو عن مأساة سقوطها، بأية تفاصيل شافية. ومن ثم فإنه لابد لنا أن نعتمد في ذلك بالأخص على أقوال الرواية النصرانية المعاصرة، إذ هي أكثر عناية وتفصيلا. ولقد عرفنا من قبل في مواطن وظروف كثيرة، ما كان عليه أهل قرطبة من خلق متمرد مضطرم، لا يلين ولا تصقله عبر الحوادث، ومن ثم فإنا نراهم في تلك الآونة العصيبة، التي كان مصيرهم فيها يهتز في كفة القدر، على خلاف في الرأي، لا يجمعهم شعار الخطر المشترك، ونرى الأحقاد والخصومات، تدفع فريقاً منهم إلى المغامرة بسلامة مدينتهم، فيما يمكن أن يوصم بعمل من أعمال الخيانة، التي لا يمكن أن يغتفرها التاريخ. ففي أوائل سنة ١٢٣٦ م (أواخر ربيع الثاني سنة ٦٣٣ هـ) خرجت جماعة من الفرسان القشتاليين، وهم من أهل الحدود المغاورين المحترفين، ومعظمهم من منطقة أندوجر الواقعة شرقي قرطبة، وساروا صوب قرطبة، فأشرفوا عليها حينما دخل الليل. وكانت مدينة قرطبة في ذلك الوقت تنقسم إلى خمس مناطق أو أحياء متعاقبة، وبين كل منطقة وأخرى، سور فاصل (١)، وكانت المنطقة الأولى الواقعة شرقي قرطبة، تعرف بالربض الشرقي أو " الشرقية " وتجتمع باقي المناطق فيما يسمى " بالمدينة "، وهي تقع غربي " الشرقية " وكلتاهما الشرقية والمدينة، تقع على الضفة الشمالية لنهر الوادي الكبير. فلما وصل الفرسان القشتاليون وهم فئة قليلة، لا تحدد لنا الرواية عددها، وربما كانت تضم بضع عشرات - إلى مشارف " الشرقية " وضعوا في الحال خطة اقتحامها. وهنا تختلف الرواية في شأن الخطة التي تم بها هذا الاقتحام. ففي رواية ألفونسو الحكيم أن الفرسان القشتاليين أسروا بعض المسلمين من الساخطين على زعمائهم، وعلموا منهم أن المدينة محروسة بشدة، وتفاهموا معهم على إحداث ثلمة في سور الشرقية، واستطاعوا بهذه الطريقة أن يقتحموا السور، وأن يستولوا على الأبراج في ليلة حالكة عاتية

стр. 2142

خريطة: خطط قرطبة الإسلاميّة عن خريطة العلامة الأثرى القرطبي رافائيل كستيخون

стр. 2143

الريح (١). وفي رواية أخرى أن بعض المسلمين، ومنهم بالأخص واحد كان قد تنصر، ساعدوا القشتاليين على تحقيق خطتهم، وبينوا لهم أن الشرقية، ليس بها سوى قليل من السكان، وأن أسوارها الخارجية ضعيفة الحراسة، ومن ثم فقد استطاع القشتاليون، بإرشاد هذا المسلم المتنصر، أن يتسلقوا السور، وأن يستولوا على الشرقية بطريق المباغتة، وكان هذا السور، هو أول الأسوار الخارجية، وليس هو السور الذي يفصل الشرقية عن باقي أحياء المدينة، وقتل من أهل الشرقية عدد كبير، وهرب الباقون إلى داخل المدينة. واحتل النصارى بعض الأبراج المنيعة في السور. وفي الحال وقع الهرج بالمدينة، وتقدم المدافعون لمهاجمة النصارى، وقتل عدد من الجانبين، ولكن النصارى لبثوا صامدين في الأبراج، وأرسلوا في الحال يطلبون الإمداد (٢). وتجمل الرواية الإسلامية، ذلك العدوان المفاجىء في قولها: " وفيها (أي في سنة ٦٣٣ هـ) غدر النصارى شرقية قرطبة، وذلك في ثالث شوال، غبشاً في غفلة السحار، وسلم الله النساء والذرارى حتى لحقوا بالغربية، وبقى الناس معهم في قتال شديد " (٣). ووصل نداء القشتاليين إلى إخوانهم على الحدود بسرعة، وفي الحال هرع اثنان من قادة الحدود، هما أردونيو ألباريث، وألبار بيرث، الذي عرفناه من قبل، كل في قواته، وتبعهما أسقف بياسة مع رجاله، ثم أسقف قونقة في قواته، وسار في أثرهم آخرون. وما كادت هذه الأنباء تصل إلى فرناندو الثالث ملك قشتالة، وهو في بنفنتى على مقربة من ليون، حتى اهتم لها أيما اهتمام، وكان ثمة من وزرائه ومستشاريه من يرى في الأمر كثيراً من الخطورة والتعقيد، فهو يرتبط أولا مع ابن هود باتفاق الهدنة، وقرطبة تدين بطاعة ابن هود، وقرطبة مدينة عظيمة، تزخر بالسكان والمدافعين، ولا يتأتى افتتاحها إلا بقوات ضخمة، ومن جهة أخرى فإن ابن هود قد يضطر إلى إنجادها بقواته، خصوصاً وأن قرطبة تعتبر في نظر المسلمين كبرى قواعد الأندلس، ولها في نفوسهم مكانة خاصة.

стр. 2144

ْوهذا كله إلى ظروف الجو وقسوة الشتاء وفيضان الأنهار. ولكن ملك قشتالة لم يلق بالا إلى شىء من هذه الاعتراضات، ولم يكن يرى بالأخص في مهاجمة قرطبة نقضا لعهوده مع ابن هود، إذ كان فريق من أهل المدينة هم الذين استدعوا النصارى. ومن ثم فقد بادر فرناندو الثالث من فوره بالمسير إلى الجنوب، ومعه قوة من مائة فارس فقط، وقصد من فوره إلى قرطبة، فوصل إليها في اليوم السابع من فبراير، واضطرمت الحشود النصرانية المرابطة تحت أسوار المدينة حماسة لمقدمه، وكانت تتضخم كل يوم بمن يفد إليها من حشود قشتالة وليون، ومن فرسان الجماعات الدينية المختلفة. ونصب ملك قشتالة محلته قبالة قنطرة قرطبة التي تؤدى إلى طريق إستجة. وأخذ في الحال في وضع خطة للاستيلاء على المدينة (١). وهنا يحق لنا أن نتساءل، ماذا كان موقف القرطبيين إزاء هذا الخطر الداهم، وماذا كان بالأخص موقف ابن هود. أما عن القرطبيين، فليس ثمة شك في أنهم اعتزموا منذ اللحظة الأولى الدفاع عن مدينتهم وحاضرتهم، ولكن كان من الواضح أنه كانت تنقصهم القيادة الحازمة، وكان ينقصهم بالأخص اجتماع الكلمة. وعلى أي حال فإن الرواية الإسلامية تذكر لنا أن أهل قرطبة لبثوا مع النصارى في قتال شديد (٢)، وهي لا تذكر لنا اسم الزعيم أو القائد الذي اجتمع حوله أهل قرطبة في تلك الآونة العصيبة، وإن كانت الرواية النصرانية تذكر لنا أنه كان يسمى أبا الحسن. وأما عن ابن هود، وهو صاحب الولاية الشرعية على قرطبة، فقد كان من الطبيعي أن يتجه إليه القرطبيون لإنجادهم والدفاع عن مدينتهم. وكان ابن هود في الواقع قد هرع في قواته من قطاع مرسية، حينما علم بالخطر الذي يحدق بعاصمة الخلافة القديمة. وكان في جيش قوي يبلغ نحو خمسة وثلاثين ألف مقاتل، ومعه نحو مائتي فارس من المرتزقة النصارى، فسار في قواته مسرعاً صوب قرطبة، وانحرف عن العاصمة قليلا نحو الجنوب الشرقي، وعسكر على مقربة من إستجة. وكان أهل قرطبة ينتظرون بفارغ الصبر مقدم ابن هود، واشتباكه مع النصارى في معركة فاصلة، ولم يكن ثمة ريب أن ابن هود لو اشتبك بجيشه مع القشتاليين، لحقت عليهم الهزيمة، ولتركوا

стр. 2145

المدينة المحصورة وشأنها. ذلك أن القشتاليين كانوا في قلة من العدد، ولم يكن مع ملك قشتالة سوى نحو مائتي فارس من الأشراف، ولم تكن الحشود الواردة من مختلف أنحاء قشتالة، تؤلف قوة ذات شأن. ولكن الذي حدث هو أن ابن هود لبث جامداً في قواته. وهنا تختلف الرواية في إيضاح سبب هذا الجمود. فيقال لنا إن قسوة الطقس، وهطل الأمطار بشدة، ونقص المؤن، حملت ابن هود على التريث والإحجام. ووردت في تاريخ ألفونسو الحكيم قصة أخرى، خلاصتها أنه كان يوجد في جيش ابن هود فارس قشتالى منفى بأمر مليكه يدعى لورنسو خواريز، ومعه مائتان من المرتزقة النصارى، وكان ابن هود يقربه ويثق به ويعمل بنصحه. فلما نزل ابن هود وجيشه في إستجة، وهو يعتزم مقاتلة القشتاليين، فكر هذا الفارس في أن يسترد رضى مليكه بخدمة عظيمة يؤديها إليه، وهو أن يعمل على خدعة ابن هود ورده عن مقاتلة القشتاليين، وإنجاد أهل قرطبة، فتظاهر بأنه سوف يتسلل إلى المعسكر النصراني تحت جنح الليل، ويقف على مبلغ عدده وعدته. وسار لورنسو بالفعل ليلا مع أصحابه إلى المعسكر النصراني، وترك أصحابه على مقربة من المعسكر، وتقدم بنفسه إلى خيمة الملك، وطلب مقابلته لأمر خطير، فاقتيد إليه، وكان الملك غاضباً عليه، فلما شرح إليه مهمته، وأنه يريد أن يعمل على خدعة ابن هود، وتخويفه من قوة الجيش القشتالي وعدده، ورده عن مقاتلته، عفا عنه الملك، ووعده برعايته، وتفاهم الإثنان على ما يجب عمله. وعاد لورنسو إلى ابن هود، وحذره بشدة من الاشتباك مع القشتاليين، لأنهم في جيش قوي، حسن الأهبة والعدد، ولا يؤمن الدخول معه في معركة، فاستمع ابن هود إلى نصحه، وقرر أن يتخلى عن مشروعه في إنجاد أهل قرطبة والاشتباك مع القشتاليين (١). هذا ما تقرره الرواية النصرانية عن السبب في إحجام ابن هود عن إنجاد أهل قرطبة. وتزيد الرواية النصرانية على ذلك، أن ابن هود تلقى في اليوم التالي رسالة من صاحب بلنسية أبي جميل زيان، ينبئه فيها، بأن خايمى ملك أراجون يشتد في مضايقته وإرهاقه، ويطلب إليه الإنجاد والغوث، وأن ابن هود عملا بنصح مستشاره لورنسو خواريز، قرر أن يسير إلى بلنسية، وقد كان يطمح إلى

стр. 2146

امتلاكها، وأنه ترك قرطبة إلى مصيرها، مؤملا أن يصمد أهلها للدفاع عنها، إلى أن يستطيع هو انقاذها فيما بعد (١). على أن هذه الروايات النصرانية لا تلقى في نظرنا أي ضوء مقنع على تصرف ابن هود. ومن جهة أخرى فإن الرواية الإسلامية تكاد تلزم الصمت المطبق في هذا الموطن. وكل ما هنالك أن صاحب روض القرطاس، يقدم إلينا خلال حديثه عن حوادث سنة ٦٣٣ هـ وبعد ذكره لسقوط قرطبة، نصاً موجزاً يقول فيه: " وفيها (أي في سنة ٦٣٣ هـ) انعقد الصلح بين ملك قشتالة، وابن هود لأربعة أعوام بأربع مائة آلاف دينار في السنة " (٢). ويبدو من هذا النص أن الهدنة، بين ابن هود وبين فرناندو الثالث، كانت قد انتهت أو انقطع سريانها، لتخلف ابن هود عن أداء الإتاوة المشروطة أو غير ذلك من الأسباب، وأن التخلى عن إنجاد قرطبة ربما كان ضمن شروط الهدنة الجديدة، التي يشير إليها صاحب روض القرطاس، وهذا ما يمكن أن يستدل كذلك من سير الحوادث تحت أسوار المدينة المحصورة. ذلك أن فرناندو الثالث شدد في حصار قرطبة، وقطع كل علائقها من جهة البر، ومن جهة الوادي الكبير، حتى لا تستطيع أن تتلقى أية مؤن أو أمداد من الخارج، وحتى لا يستطيع أن يدخلها أو يخرج منها أحد. واستمر هذا الحصار المرهق دون هوادة، حتى نضبت موارد المدينة وأقواتها أو كادت، وعندئذ اضطر أهل المدينة إلى مفاوضة ملك قشتالة في التسليم على أن يؤمنوا في أنفسهم، وفيما يستطيعون حمله من أموالهم، ووافق ملك قشتالة على هذا الشرط، ولكن أهل قرطبة علموا عندئذ أن الجيش القشتالي تنقصه المؤن، وأنه يعانى أيضاً من قلة الأقوات، فنكلوا عن توقيع عهد التسليم أملا في أن يضطر القشتاليون إلى رفع الحصار، وتنجو المدينة من السقوط. وعندئذ شعر ملك قشتالة أن لابن هود يداً في هذا التحول، فبعث في الحال إلى محمد بن الأحمر أمير جيان، وعقد معه عهداً جديداً بالتحالف، وقد كان ابن الأحمر بالرغم من عقد الهدنة مع ابن هود ما يزال هو خصمه، ومنافسه في رياسة الأندلس، وكان فوق ذلك خصيما لأهل قرطبة لأنهم طردوه من مدينتهم. وعندئذ شعر أهل قرطبة بخسران قضيتهم، وانهيار آمالهم، وعادوا إلى المفاوضة في التسليم، على شروطهم السابقة. وكان قد مضى على الحصار

стр. 2147

بضعة أشهر، وأضحى الموقف مستحيلا، خصوصاً بعد أن نكل ابن هود عن إنجاد المدينة المحصورة، وأحجم عن كل اشتباك مع القشتاليين. وكان بعض الغلاة من صحب ملك قشتالة من الأحبار والأشراف، يرون رفض التسليم واقتحام المدينة، وقتل كل أهلها المسلمين، ولكن ملك قشتالة ومعه فريق آخر من مستشاريه، كان يرى أن هذا الإجراء قد يدفع أهل المدينة إلى اليأس، وتخريب المدينة، ومسجدها الجامع، وتحطيم سائر ذخائرها وثرواتها. والظاهر أيضاً أن ابن الأحمر، حليف ملك قشتالة أو تابعه، كان له يد في إقناعه بقبول التسليم، وتأمين أهل المدينة. وفي نفس الوقت عقدت بين ملك قشتالة، وابن هود هدنة جديدة، لمدة ستة أعوام يلتزم فيها ابن هود بأن يدفع إتاوة قدرها اثنين وخمسين ألف مرافيدى على ثلاثة أقساط سنوية (١). وهنا أيضاً، لا تقدم إلينا الرواية الإسلامية، أية تفاصيل شافية عن تسليم قرطبة ودخول النصارى إياها، وذلك حسبما فعلت بالنسبة لسقوط بلنسية، وكل ما تذكره في هذا الشأن كلمات موجزة، مثل " وتغلب عليها النصارى " أو " كان دخول النصارى مدينة قرطبة " أو " ملكها النصارى " أو ما شابه هذه العبارات من كلمات مقتضبة (٢). وهنا أيضاً يجب أن نعتمد في ذكر هذه التفاصيل على الرواية النصرانية. فإنه ما كاد عهد التسليم يعقد بين أهل المدينة، وبين ملك قشتالة حتى ترك أهل قرطبة دورهم، وأوطانهم، وغادروا مدينتهم العزيزة التالدة، حاملين ما استطاعوا من أمتعتهم، وقد برح بهم الجوع والحزن، وتفرقوا في أنحاء الأندلس الأخرى. وفي يوم الأحد الثالث والعشرين من شهر شوال سنة ٦٣٣ هـ، الموافق ٢٩ يونيه سنة ١٢٣٦ م (٣)، دخل الجند القشتاليون مدينة قرطبة، وفي الحال رفع الصليب على قمة صومعة جامعها الأعظم، ودخل أسقف أوسمة إلى الجامع، وحُول في الحال إلى كنيسة. وفي اليوم التالي، يوم الاثنين ٣٠ يونيه دخل فرناندو الثالث ومن معه من الأشراف والكافة، قرطبة، ثم دخل الجامع، وهنالك استقبله أساقفة أوسمة، وبياسة، وقونقة، وسائر رجال الدين، وأقيم

стр. 2148

في الحال قداس شكر بورك فيه الملك. ومما تذكره الرواية النصرانية في هذا الموطن، أن الملك فرناندو أمر بأن تنزع النواقيس التي كان الحاجب المنصور قد أخذها من كنيسة شنت ياقب (سنتياجو) حين غزوه لمدينة شنت ياقب في سنة ٣٨٧ هـ (٩٩٧ م) وحملها الأسرى النصارى على كواهلهم حتى قرطبة، وهنالك جعلت رؤوسا للثريات الكبرى بالجامع - أمر بأن تنزع هذه النواقيس، وأن يحملها الأسرى المسلمون على كواهلهم، إلى شنت ياقب، لترد هنالك إلى أمكنتها بالكنيسة الكبرى (١). ثم سار الملك بعد ذلك إلى قصر قرطبة، القريب، وهو قصر الأمراء والخلفاء الأمويين القدماء، ونزل فيه، وندب لحكم المدينة المفتوحة الدون تليو ألفونسو، وحشدت لحراسة المدينة حامية كافية من الفرسان، وأخذ النصارى يفدون إليها من سائر الأنحاء لسكناها وتعميرها، وفق الخطة التي وضعها الملك لذلك، وانصرف ملك قشتالة، عائداً إلى بلاده (٢). وهكذا سقطت قرطبة، عاصمة الخلافة القديمة، وكبرى قواعد الأندلس، ومثوى العلوم والآداب الأندلسية، وذلك بعد أن حكمها المسلمون، منذ افتتاحها في سنة ٩٢ هـ (٧١١ م) خمسمائة وخمسة وعشرين عاماً، وبعد أن لبثت قرونا منارة ساطعة، تبث أضواء علومها وفنونها، في سائر أنحاء شبه الجزيرة، وفيما وراء جبال البرنيه. ومن الغريب المحزن، أن الرواية الإسلامية لا تكاد ترثى قرطبة إلا بمقتضب الكلم، وأن الشعر الأندلسي وكذلك النثر، لا يخصانها بشىء من تلك القصائد الرنانة المؤسية، وتلك الرسائل البليغة المبكية، التي يخصان بها قواعد مثل طليطلة، وبلنسية، وإشبيلية. وربما كان سبب ذلك أنه لم يكن ثمة بقرطبة، عند سقوطها، كتاب وشعراء مثل ابن الأبار، وأبي المطرِّف بن عميرة المخزومي، وإبراهيم بن سهل الإشبيلي. ومن الواضح أن سقوط قرطبة، كان نذيراً بخضوع معظم البلاد والحصون القريبة، لسلطان النصارى. ومع أن ملك قشتالة لم يضع يده نهائياً على تلك البلاد والحصون، إلا أنها خضعت جميعاً لطاعته، وتعهدت بأداء الجزية، والسماح بإقامة حاميات نصرانية بها. وكان من هذه البلاد والحصون، إستجة، والمدور، وإشتبة، وبيانة، وأجيلار (بلاى) ومرشانة وقبرة وأشونة، واللسانة، ومورور وغيرها.

стр. 2149

- ٣ - لما جددت الهدنة بين ملك قشتالة، وابن هود، وانتهت المأساة بتخلى ابن هود عن إنجاد قرطبة، لتسقط بعد ذلك بقليل في أيدي النصارى، غادر ابن هود في قواته مدينة إستجة. وليس في الرواية ما يبين لنا اتجاهه، وخط سيره في تلك الآونة. بيد أنه وجّه بعد ذلك بقليل، في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٦٣٤ هـ، إلى نوابه وعماله في مختلف القواعد التي تدين بطاعته، كتابا يحثهم فيه على تقوى الله، ومراعاة أحكامه وحدوده، والاقتداء بالسلف الصالح، والحرص على صون الدماء، وحقنها، وعدم إراقتها إلا بمسوغ شرعى، واختيار المشرفين على الأموال من ذوى العفة والنزاهة والدين، لأن حرمة الأموال مشبهة بحرمة الدماء، وأن تكون معاملة الناس في الحق سواء، دون محاباة ولا مفاضلة، ولا مجاوزة في تغليب قوي على ضعيف، ولا يؤخذ أحد بجريمة غيره، وأن يجرى العمل باتباع أحكام كتاب الله، وأن يتلى كتابه هذا على الناس جملة وتفصيلا (١). ولسنا نعرف شيئاً عن حركات ابن هود وأعماله في الأشهر التالية، ولكنا ْنراه يتجه في قواته نحو ثغر ألمرية في أوائل سنة ٦٣٥ هـ. وكانت ألمرية في مقدمة البلاد التي نادت بطاعته، ودعا له بها أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي يحيى الرميمى، وهو حفيد واليها السابق أبي يحيى الذي افتتحها النصارى من يده، في سنة ٥٤٢ هـ، واستردها الموحدون بعد ذلك أيام الخليفة عبد المؤمن بن علي في سنة ٥٥٢ هـ. ولما دعا أبو عبد الله لابن هود بألمرية، قصد إليه بمرسية، فولاه ابن هود وزارته، وصرف إليه أموره، فأبدى غيرة في خدمته، وأقنعه بأن يحصن ألمرية، وأن يجعل منها مثوى له، يلجأ إليه عند الحاجة، ثم تولى الرميمى شئون ألمرية، واستبد بها، ولبث أثيراً عند ابن هود وموضع ثقته، وكان يدعى بذى الوزارتين. وتختلف الرواية في أمر البواعث التي حدت بابن هود إلى أن يقصد إلى ألمرية بعد أن ترك قرطبة لمصيرها، فهناك قول بأنه كان يقصد السير بقواته إلى بلنسية لإنجاد صاحبها أبي جميل زيان، وأنه كان يزمع أن ينقل جنده بالسفن من ألمرية إلى بلنسية، وهذا قول الرواية النصرانية، متمشياً مع ما سبق ذكره من قولها، إن أبا جميل زيان بعث إلى ابن هود يستغيث به وهو في

стр. 2150

إستجة، وأن ابن هود قرّر أن يستجيب إلى هذا الصريخ، لأنه كان يطمح إلى امتلاك بلنسية. بيد أنه يبدو من الأرجح أن ابن هود كان يقصد إلى العمل، على توطيد سلطانه في المنطقة الجنوبية، خصوصاً وقد كانت غرناطة تضطرم يومئذ بالثورة عليه وتنادى بخلع طاعته، حسبما نبين بعد، وأنه سار إلى ألمرية أولا لينظم خطة العمل. ثم إن الرواية الإسلامية تقدم إلينا تعليلا آخر، هو أن ابن هود كانت له جارية إسبانية رائعة الحسن. من بنات الأشراف، وكان قد أودعها لدى الرميمى بألمرية خشية أن يتسرب خبرها إلى زوجته، فشغف بها الرميمى، واستأثر بها، فنمى ذلك إلى ابن هود، فسار إلى ألمرية، وهو يضمر معاقبة الرميمى، فلما وصل إلى ظاهر ألمرية، استقبله الرميمى بمنتهى الحفاوة ودعاه إلى قصره، ليقوم بحقه، وليجتمع هنالك بجاريته الحسناء، فقبل ابن هود دعوته، ولما حل بالقصر على مأدبة حافلة، كان ابن الرميمى قد دبر أمره للقضاء عليه متى جن الليل، فقيل إنه دس عليه بالحمام أربعة من رجاله قضوا عليه، وقيل إنه قتله خنقاً بمخدتين أقعدهما على نفسه وفيه. وهكذا لجأ الرميمى إلى الجريمة احتفاظا بسلامته وسلطانه. وفي صباح اليوم التالي أعلن وفاة ابن هود، وأنه توفي فجأة من صرع أصابه، ووضعت جثته في تابوت أرسل بحراً إلى مرسية، وكان مصرع ابن هود على هذا النحو في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٦٣٥ هـ (٢١ يناير ١٢٣٨ م) (١). واستمر الرميمي على رياسته لألمرية فترة أخرى حتى انتزعها منه ابن الأحمر. وهكذا توفي محمد بن يوسف بن هود المتوكل، وهو في ذروة سلطانه، ومشاريعه، وانهارت بوفاته دولته التي لم يطل أمدها سوى تسع سنين وبضعة أشهر، والتي كانت تبشر حين قيامها، بعهد جديد من الإحياء والاستقرار يالنسبة للأندلس. وكانت ثورة ابن هود وحركته، رمزاً لتلك الأمنية القديمة، التي اتخذت من قبل شعاراً لمختلف الثورات التي قامت ضد المرابطين في نهاية عهدهم، والتي اضطلع بها محمد بن سعد بن مردنيش، في أوائل عهد الموحدين وهي العمل على تحرير الأندلس من نير حكامها الأجانب، وكان ابن هود في الوقت الذي يعمل فيه لتدعيم سلطانه، وزعامته، مخلصاً لدعوته، وغايته في

стр. 2151

جمع كلمة الأندلس تحت لواء قومي جديد، والذود عما بقى من أراضيها وقواعدها ضد تيار الفتح النصراني، وكان الانحلال المؤلم الذي انتهت إليه الأندلس في أواخر عهد الموحدين، وتراخى الموحدين في الدفاع عنها، واهتمامهم بشئونهم الخاصة، واتخاذهم من الأندلس أداة للتطاحن والمساومة مع النصارى، تحقيقاً لمطامعهم الخاصة - كان ذلك كله مما يسبغ على حركة ابن هود ودعوته قوة، ورجحانا، ولكن ابن هود لم يكن بصفاته وموارده كفؤا للمهمة العظيمة، التي اضطلع بها، وكانت تعتور جهوده نفس المثالب القديمة، التي كانت تصدع دائماً من جهاد الزعماء الأندلسيين، والتي كانت تجتمع في مصانعة النصارى، ومساومتهم على حساب المصالح القومية. ولم يكن ابن هود أيضاً بالرغم من إخلاصه لقضية الأندلس، يتمتع بمثل تلك المواهب اللامعة التي كان يتمتع بها زميله ومنافسه محمد بن الأحمر، من الروية والدهاء وحسن السياسة، بل كان بالعكس حسبما يخبرنا ابن عذارى، بطبعه ملولا عجولا. وكان شجاعاً كريماً وفياً، متوكلا على الله، ولكنه كان قليل المبالاة بالأمور محدود الأفق، غير موفق في آرائه وخططه لتسرعه وغلبة الخفة عليه، ولقائه أعداءه دون روية واستعداد، فكان ذلك مما يعوق نجاحه في أحيان كثيرة (١). وإذا كانت الرسائل السلطانية، تلقى من جهة أخرى ضوءاً خاصاً على أخلاق ابن هود وسياسته، فإنا نستطيع أن نقول إنه كان يتجه في حكمه إلى توطيد العدل وقمع الظلم، والرفق بالرعية، وذلك بالاستناد إلى رسالته التي وجهها في سنة ٦٣٤ هـ، إلى الولاة، يوصيهم فيها بالمحافظة على أحكام الشريعة، وتوخى الحق، والعمل على صون الدماء، والتحوط ضد قتل المسلم، وعزل العمال الظلمة غير الأمناء، وأن تطبق المساواة في الحق على الجميع (٢)، وكذلك بالاستناد إلى رسالة أخرى كتبها عنه أبو عبد الله بن الجنان، إلى أحد ولاة المدن، يقول فيها إنه وقف على كتابه في طلب تحصين هذه المدينة وتأمينها، وأنه مع موافقته على ذلك، يهيب به أن برفع ما يقع بالناس من الحيف وضرر الخدمة، وأنه لابد من اتباع الرفق مع الناس، وإيثار العدل في معاملتهم (٣).

стр. 2152

وكان لوفاة ابن هود وقع عميق في الأندلس، ولاسيما في الشرق مركز دعوته ومثوى رياسته. ولما وصل نبأ وفاته إلى مرسية، اجتمع أهلها على مبايعة ولده وولي عهده أبي بكر بن محمد بن يوسف بن هود، وكان أبوه قد اختاره حسبما تقدم لولاية عهده منذ سنة ٦٢٩ هـ، ولقبه بالواثق، وأطاعته بلاد الشرق التي كانت تحت طاعة أبيه (١). ويقول لنا ابن الأبار من جهة أخرى، إنه لما توفي ابن هود، كان على رياسة مرسية أخوه علي بن يوسف الملقب بعضد الدولة (٢). وعلى أي حال فإن رياسة بني هود لمرسية، لم يطل أمدها، حسبما نفصل بعد في موضعه. وأما في غربي الأندلس فقد كان لاختفاء ابن هود من الميدان صدى كبير في إشبيلية وكان من أثره أن وقع بالمدينة تحول جديد خطير، بعودها إلى طاعة الموحدين. ففي شوال سنة ٦٣٥ هـ، أعلن أهل إشبيلية، بزعامة أبي عمرو بن الجد طاعتهم للخليفة أبي محمد عبد الواحد الرشيد، وقدموا للولاية عليهم أبا عبد الله بن السيد أبي عمران، وكان قد لجأ مع أخويه أبي زيد وأبي موسى إلى إشبيلية، بعد أن قتل والدهم السيد أبو عمران في إفريقية، وأقاموا بها في ظل ابن هود. وسار إلى مراكش وفد من أهل إشبيلية ليقدم بيعتها إلى الخليفة، وأقر الخليفة السيد أبا عبد الله على ولايتها. وحدث مثل هذا التحول في ثغر سبتة، وكانت قد خلعت طاعة الموحدين منذ سنة ٦٣٠ هـ، فلما مر وفد أهل إشبيلية في سفنه بها في طريقه إلى مراكش، قام أهلها أيضاً بإعلان طاعتهم للخليفة الرشيد، وبعثوا إلى مراكش وفداً لتقديم بيعتهم. وكان لهذا التحول الذي وقع بعود إشبيلية وسبتة، إلى طاعة الدولة الموحدية، رنة فرح واستبشار في مراكش، وأحيط مقدم الوفدين الإشبيلي والسبتى إلى الحاضرة بأعظم مظاهر الترحاب والتكريم، ومما زاد في ارتياح البلاط الموحدي، ما قام به أهل إشبيلية من القبض على عمر بن وقاريط زعيم هسكورة السابق، الثائر على الدولة الموحدية، وإرساله إلى المغرب، وكان بعد هزيمته، قد لجأ إلى إشبيلية، في ظل ابن هود (٣). وسوف نعود إلى تفصيل ذلك في موضعه المناسب.

стр. 2153

- ٤ - وكان محمد بن يوسف بن الأحمر، خلال ذلك، يرقب الحوادث، فلما توفي ابن هود، أدرك أن الفرصة قد سنحت للعمل على اجتناء تراثه في الأندلس الوسطى، وهي التي كان ابن الأحمر يسيطر منها على المنطقة الشمالية، وكان مقصده الأول، مدينة غرناطة قاعدة المنطقة الجنوبية. وكان ابن هود قد ولّى عليها عتبة بن يحيى المغيلى، وكان عتبة رجلا فظا ظلوما جائراً، يبغض ابن الأحمر ويأمر بسبه على المنابر، فلما اشتدت وطأته على أهل المدينة، ثار عليه جماعة من أشرافها، بزعامة ابن خالد، واقتحموا القصبة والقصر في عصبتهم، وقتلوا عتبة، وأعلنوا طاعتهم لابن الأحمر، وبعثوا إليه يستدعونه، لتولى الرياسة عليهم، فكانت فرصة مواتية لابن الأحمر. فبادر بالسير إلى غرناطة في جمع من صحبه، ونزل بخارجها في البداية مبالغة في التحوط والطمأنينة. ثم دخلها من الغد عند مغيب الشمس، في يوم من أواخر رمضان سنة ٦٣٥ هـ (أبريل سنة ١٢٣٨ م) وهو يرتدى ثيابا خشنة وحلة مرقعة، وقصد إلى مسجد القصبة، وأم الناس لصلاة المغرب. ثم غادر المسجد إلى قصر باديس، والشموع بين يديه، ونزل فيه مع خاصته. وغدت غرناطة من ذلك اليوم حاضرته، ومقر حكمه، بدلا من جيّان، التي كان يهددها النصارى باستمرار (١). وما كاد ابن الأحمر يستقر في غرناطة، حتى اعتزم أن يسير إلى ألمرية لافتتاحها، وسحق ابن الرميمى وزير ابن هود وقاتله، فسار إليها في بعض قواته، وحاصرها من ناحية البر بشدة، ولبث على حصارها حينا، فلما رأى ابن الرميمى أنه لا أمل له في النجاة من مصيره، غادر ألمرية من جهة البحر، في مركب شحنه بأهله وأمواله، وسار إلى تونس، حيث لجأ إلى أميرها أبي زكريا الحفصى، واستقر بها تحت كنفه ورعايته (٢). وكان استيلاء ابن الأحمر على ألمرية في أواخر سنة ٦٣٥ هـ، وكانت قد أطاعته من قبل من القواعد الجنوبية شريش ووادي آش، ثم نادت بطاعته مالقة، في العام التالي (٦٣٦ هـ)، وقدم إلى غرناطة وفد من أعيانها يقدم إليه بيعتها، وكانت من إنشاء أديبها الكبير ابن عسكر، فولاه ابن الأحمر قضاءها (٣).

стр. 2154

وهكذا كانت ترتسم باستيلاء ابن الأحمر على غرناطة وألمرية ومالقة، حدود المملكة الإسلامية الجديدة، التي شاء القدر أن يكون هو منشؤها في شبه الجزيرة الأندلسية، والتي غدت غرناطة، مذ نزل بها، قاعدتها وحاضرتها. وكانت هذه الدولة الإسلامية الجديدة، وهي التي اجتمعت في ظلالها، أشلاء الأندلس المنهارة، والتي انكمشت أطرافها فيما وراء نهر الوادي الكبير جنوبا وشرقا، تحتل رقعة متواضعة، تمتد من جيّان وبياسة، وإستجة، جنوبا حتى البحر، وشرقا حتى ألمرية وبيرة، وغربا حتى مصب الوادي الكبير، ويخترقها من الوسط نهر شَنيل، ثم جبال سييرّا نفادا وهضبات البشرّات. على أن هذه المملكة الصغيرة وهي الدولة النصرية أو مملكة غرناطة، آخر دول الإسلام بالأندلس، كانت بالرغم من صغر رقعتها، وبالرغم من مواردها المحدودة، جديرة بأن ترث تراث الأندلس الكبرى، وقد شاء القدر أن تبقى في شبه الجزيرة الإسبانية، زهاء مائتين وخمسين عاما أخرى، مستودعا لعبقرية الأمة الأندلسية، وعلومها وفنونها، تحمل مشعل حضارتها وضّاء، في تلك الأوطان الأندلسية القديمة، وتضطلع في نفس الوقت، بذلك الكفاح القديم الخالد، ضد إسبانيا النصرانية، إلى أن تلقى مصرعها في النهاية أبية كريمة شهيدة. وبالرغم من توطد أمر ابن الأحمر، وتمكن سلطانه في الأقاليم الوسطى والجنوبية، فإنه لبث مدى حين يشعر بأنه مازالت تنقصه صفة الرياسة الشرعية. وقد رأينا فيما تقدم كيف عقد الصلح مع المتوكل ابن هود، واعترف بطاعته (٦٣١ هـ). فلما توفي ابن هود، اتجهت أنظاره إلى الانضواء تحت لواء الدولة الموحدية، وذلك بالرغم من انهيار سلطانها بالأندلس، وأعلن بيعته للخليفة الرشيد، وأخذ له البيعة على أهل غرناطة ومالقة وجيان وسائر البلاد التي كانت تحت طاعته، وبعت إلى الرشيد ببيعته، وذلك في سنة ٦٣٧ هـ (١٢٣٩ م). فتقبلها الرشيد بالشكر والرضى (١). واستمر على طاعته للخلافة الموحدية طوال خلافة الرشيد، وقنع الرشيد منه بالدعاء في الخطبة. ولكنه لما توفي الرشيد سنة ٦٤٠ هـ، قطع دعوة الخلافة الموحدية، واتجه إلى الدولة الحفصية بإفريقية، وأعلن طاعته للأمير أبي زكريا الحفصى، وبعث ببيعته إلى تونس مع أبي بكر بن عياش شيخ مالقة، وأبي جعفر التنزولى، فبعث

стр. 2155

إليه الأمير أبو زكريا قدراً كبيراً من المال برسم المعاونة على الجهاد (١). واستمر ابن الأحمر على طاعته للدولة الحفصية ردحا طويلا من الزمن، وجدد بيعته بعد ذلك للأمير المستنصر ولد الأمير أبي زكريا، وذلك في سنة ٦٦٤ هـ، وبعث إليه المستنصر بطريق البحر هدية وأموالاً (٢). ولبث محمد بن الأحمر يعمل بهمة وإقدام، على توسيع مملكته وتوطيد سلطانه، ولكنه كان يشعر دائما بخطر النصارى، ويرقب حركات فرناندو الثالث ملك قشتالة في توجس وحذر. والواقع أن سائر القواعد الوسطى، ولاسيما جيان وأحوازها، قد أضحت منذ سقوط قرطبة، تحت رحمة القشتاليين. وكان فرناندو الثالث قد بعث بالفعل جيشاً بقيادة ولده ألفونسو، فعاث في منطقة جيان، واستولى على حصن أرجونة، موطن ابن الأحمر وقومه (بني نصر)، وعدة حصون ومواضع أخرى من أملاك ابن الأحمر، ثم زحف القشتاليون جنوبا صوب غرناطة ذاتها، وضربوا حولها الحصار، ولكنهم ردوا عن أسوارها بخسارة فادحة، وذلك في سنة ٦٤٢ هـ (١٢٤٤ م). وفي العام التالي عاد القشتاليون فزحفوا على مدينة جيان وحاصروها، ولكنها صمدت ضدهم مرة أخرى. فلما رأى ابن الأحمر تفاقم عدوان القشتاليين، وخطورة اندفاعهم نحو أراضيه، وأيقن أنه من العبث أن يبدد موارده وقواه في صراع لا تؤمن عواقبه، عول على أن يسلك سبيل المصانعة والتقرب من ملك قشتالة، وأن يشترى سلامه وسلام مملكته، بمهادنته والخضوع له. وقد لخصت لنا الرواية الإسلامية مجمل هذا الصلح، الذي عقد بين ابن الأحمر وبين ملك قشتالة، وذلك في أواخر سنة ٦٤٣ هـ (فبراير ١٢٤٦ م)، وخلاصته أن يعقد الصلح بينهما لمدة عشرين سنة، وأن يسلم ابن الأحمر لملك قشتالة مدينة جيان، وما يلحق بها من الحصون والمعاقل، وأن ينزل له عن أرجونة وبيغ والحجار وقلعة جابر وأرض الفرنتيرة، ولم تدخل في هذا الصلح مدينة إشبيلية، ولا مدينة شريش (٣). وتزيد الرواية النصرانية على ذلك إن ابن الأحمر اعترف بمقتضى هذه المعاهدة بالطاعة لملك قشتالة على سائر ما يحكمه من الأراضي، وتعهد بأن يؤدي إليه جزية سنوية قدرها مائة وخمسون ألف

стр. 2156

مرافيدي، وأن يعاونه في حروبه ضد أعدائه، وأن يشهد اجتماع الكورتيس (مجلس قشتالة النيابى) كل عام باعتباره من الأمراء التابعين للعرش (١). وهكذا استطاع ابن الأحمر أن يعقد السم مع ملك قشتالة القوي بهذا الثمن الفادح. بيد أنه استطاع في ظل هذا السلم، المشوب بكدر الخضوع والمهانة، أن ينصرف إلى العمل على توطيد مملكته وتنظيم شئونها، وتنمية مواردها. واستطاع ملك قشتالة من جانبه، أن ينصرف إلى فتوحاته في أراضي الأندلس التي لم يشملها هذا الصلح، وهي الواقعة في غربي مملكة غرناطة، وكانت أعظمها حاضرة إشبيلية قاعدة غربي الأندلس كله، وقد استولى عليها فرناندو الثالث في ٢٧ رمضان سنة ٦٤٦ هـ (٢٣ نوفمبر ١٢٤٨ م) بعد حصار طويل وذلك حسبما نفصل بعد في موضعه، وكان أشد ما في حوادث هذا الحصار إيلاما للنفس، هو أن ابن الأحمر اضطر أن يشترك فيه مع القشتاليين بقوة من فرسانه، تنفيذاً للعهد الذي قطعه على نفسه في معاهدة الصلح مع ملك قشتالة. وفي الرواية الإسلامية ما يدل على أنه كان في كل عام يسعى إلى الاجتماع بملك قشتالة، وفقاً لنصوص هذه المعاهدة، باعتباره من الأمراء الخاضعين لطاعته (٢). وكان ابن الأحمر حينما شعر بتوطد سلطانه، واستقرار الأمور في مملكته، قد اختار لولاية عهده ولده الأمير أبا سعيد فرج بن محمداً بن يوسف بن نصر. ولكن هذا الأمير توفي في سنة ٦٥٢ هـ (١٢٥٤ م) (٣) فلبثت ولاية العهد شاغرة نحو ثلاثة أعوام. ثم اختار ابن الاحمر لولاية عهده ولده محمداً الملقب بالفقيه، وذلك في سنة ٦٥٥ هـ (١٢٥٧ م)، وهو الذي خلفه بعد وفاته على عرش غرناطة (٤). وفي سنة ٦٥٩ هـ ساءت العلاقات بين ابن الأحمر وبين الفقيه أبي القاسم العزفى صاحب سبتة، لأسباب لم تذكرها الرواية، فسير ابن الأحمر سفنه لغزو سبتة. فخرجت من الجزيرة الخضراء بقيادة أمير البحر ظافر، ونفذت إلى مياه سبتة،

стр. 2157

وأخذت في مهاجمتها والتضييق عليها، فأمر العزفى قائد أسطوله أبا العباس الرنداحي أن يخرج في سفنه لردها. ووقعت بين الفريقين معركة بحرية، هزمت فيها السفن الأندلسية وقتل قائدها ظافر، وحملت رأسه إلى سبتة، وطيف بها، وسمى هذا العام في سبتة بعام ظافر (١). ثم هدأت الأحوال بعد ذلك، ولم يفكر ابن الأحمر في استئناف محاولته ضد سبتة. ولما اقترب أجل انتهاء معاهدة التهادن والسلم المعقودة بين ابن الأحمر ومملكة قشتالة، وقد عقدت حسبما تقدم في سنة ٦٤٣ لمدة عشرين عاما، سار ابن الأحمر في أوائل سنة ٦٦٢ هـ (١٢٦٤ م) لمقابلة ملك قشتالة في إشبيلية، وهو يومئذ ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم، وكان قد خلف أباه فرناندو الثالث في الملك عقب وفاته في مايو سنة ١٢٥٢ م، ليسعى لديه في تجديد المعاهدة. وكان معه صهراه الزعيمان أبو محمد وأبو اسحق ابنا أشقيلولة، وقوة من خمسمائة فارس. فخرج إليه ألفونسو ودعاه لزيارته داخل المدينة، فاستجاب ابن الأحمر، ودخل إشبيلية مع صهريه وثلة من فرسانه، ونزل بالعبادية من أحيائها. ولكنه سرعان ما نمى إليه أن النصارى، قد سدوا الدروب الموصلة إلى مكانه ليلا بالخشب المسمرة، وذلك لكي تعيق سير الخيل، فخشى البادرة على نفسه، وخرج في الحال مع صحبه، واقتحموا تلك الدروب، وغادر ابن الأحمر إشبيلية مغضباً، وقد شعر بنية الغدر والخيانة، ولم يقنع بما أبداه له ألفونسو من أعذار وإيضاحات. ومر في طريقه إلى غرناطة بشذونة (مدينة ابن السليم) (٢)، وغيرها، وهو يوصى أهلها بالأهبة والتحرز من غدر النصارى، وكان هذا الحادث سبباً في فساد العلائق بين غرناطة وقشتالة (٣). والواقع أن ابن الأحمر كان يعتزم في قرارة نفسه، أن ينتهز أول فرصة للتحرر من ذلك الغل المهين، الذي صفدته به معاهدته مع قشتالة، بيد أنه كان يرى من جهة أخرى أنه لا يستطيع بمفرده أن يناهض قوة قشتالة الضخمة المتزايدة. وقد كشف ألفونسو العاشر نفسه عن نيات قشتالة العدائية، بزحفه في نفس العام (٦٦٢ هـ) على غرناطة ومضايقتها أياما (٤). وبالرغم من أنه لم ينل منها مأربا،

стр. 2158

فإن ابن الأحمر قد أخذ على ضوء هذه الحركة، يدرس وسائل المقاومة والصمود في وجه العدوان القشتالي. وكان تطور الحوادث في الأندلس شرقيها وغربيها، وتفاقم محنتها، وتوالى سقوط قواعدها في أيدي العدو، قد أخذ يحدث صداه قويا في الضفة الأخرى من البحر، في المغرب، حيث أخذ نجم الدولة المرينية يتألق، وتبدو ضخامة حشودها وقواتها ومواردها، مشجعة على الالتجاء إليها، وطلب إنجادها وغوثها. وكانت النجدات الأولى من متطوعي بني مرين قد أخذت تعبر إلى شبه الجزيرة، وفي مقدمتها جملة يقودها عامر بن إدريس بن عبد الحق، نزلت مدينة شريش وأخرجت النصارى من قصبتها (أواخر ٦٦٢ هـ). وقامت في داخل المغرب حركة قوية للحث على إنجاد الأندلس وتداركها، قبل أن يفوت الوقت ويتم العدو القوي الإجهاز عليها، واشترك في هذه الحركة شعراء نظموا القصائد المبكية مثل أبي الحكم مالك بن المرحل، وعلماء أدباء توجهوا برسائلهم البليغة، مثل أبي القاسم العزفي صاحب سبتة (١). بيد أنه كان لابد أن تمضي بضع سنوات أخرى حتى تؤتى هذه الحركة ثمارها العملية، ويعبر بنو مرين بقواتهم الجرارة إلى شبه الجزيرة. وفي تلك الأثناء كان ابن الأحمر يعانى من عدوان القشتاليين وغاراتهم المتوالية. فلما تفاقم أمر هذه الغزوات، وزحف القشتاليون على غرناطة للمرة الثانية (٦٦٤ هـ) ورأى ابن الأحمر أنه عاجز عن رد هذا البلاء، اضطر أن يتقدم خطوة أخرى، في سبيل طلب المهادنة والسلم، وأن يبذل لتحقيق هذه الغاية مزيداً من التضحية، فعقد مع ألفونسو العاشر ملك قشتالة في أواخر سنة ٦٦٥ هـ (١٢٦٧ م) معاهدة صداقة وسلم جديدة، نزل له بمقتضاها عن عدد كبير من البلاد والحصون، منها شريش والمدينة (مدينة شذونة) والقلعة وغيرها، وقيل إن ما أعطاه ابن الأحمر بمقتضى هذا الصلح لملك قشتالة من البلاد والحصون الإسلامية المسورة، بلغ مائة وخمس من بلاد غرب الأندلس (٢). وقد أذكى هذا الانهيار الفادح لصرح الوطن الأندلسي، وما أصابه من فقد معظم قواعده التالدة، في نحو ثلاثين عاما فقط، لوعة الشعر والأدب، ونظم شاعر العصر، أبو الطيب صالح بن شريف الرندي، مرثيتة الشهيرة في رثاء الأندلس، وبكاء قواعدها الذاهبة، وهي قصيدة ماتزال إلى يومنا تهز أوتار القلوب أسى، وهذا مطلعها:

стр. 2159

لكل شىء إذا ما تم نقصان ... فلا يُغر بطيب العيش إنسان هي الأمور كما شاهدتها دول ... من سره زمن ساءته أزمان (١) وقضى محمد بن الأحمر الأعوام الستة الباقية من حكمه، في توطيد مملكته وتنظيم شئونها، وتوفي في التاسع والعشرين من جمادى الثانية سنة ٦٧١ هـ (ديسمبر ١٢٧٢ م) عقب جرح أصابه في معركة خاضها ضد جماعة من الخوارج عليه، وقد قارب الثمانين من عمره. وكان هذا الرجل العبقري، مؤسس مملكة غرناطة، آخر دول الإسلام بالأندلس، يتمتع بخلال باهرة، من الشجاعة والإقدام، والمقدرة، وشغف الجهاد، هذا إلى جم البساطة والتواضع. ويقدم إلينا ابن الخطيب مؤرخ الدولة النصرية عنه وعن خلاله هذه الصورة المؤثرة: " كان هذا الرجل آية من آيات الله في السذاجة، والسلامة والجمهورية، جنديا، شهماً، ثغريا أيداً، عظيم التجلد، رافضاً للدعة والراحة، مؤثراً للتقشف، والاجتزاء باليسير، متبلغاً بالقليل، بعيداً عن التصنع، جافى السلاح، شديد العزم، موهوب الإقدام، عظيم التشمير، محتقراً للعظمة، مصطنعاً لأهل بيته، فضاً في طلب حظه، حاميا لقرابته وأقرانه وجيرانه، مباشراً للحروب بنفسه، تتغالى الحكايات في سلاحه وزينة ديابوزه، يخصف النعل، ويلبس الخشن، ويؤثر البداوة، ويستشعر الجد في أموره " (٢). وقد رأينا أن نكتفى هنا بما تقدم من الشذور الموجزة عن قيام مملكة غرناطة، وعن حياة منشئها العبقري محمد بن الأحمر. ذلك أننا قد سبق أن تناولنا قصة مملكة غرناطة، وقصة بنائها كاملة، في كتابنا " نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين "، وكان جل غايتنا في كتابنا الحالى أن نصل بتاريخ الأندلس إلى حيث بدأنا بتاريخ مملكة غرناطة.

стр. 2160

الفصل الثالث سقوط بلنسية وقواعد الشرق أبو جميل زيان يوطد سلطانه في بلنسية. استيلاؤه على دانية. خروجه لغزو أراضي أراجون. مشروع ملك أراجون لافتتاح بلنسية. إعلانه الصفة الصليبية لهذا الفتح. بداية حرب بلنسية. استيلاء الأرجونيين على آرش. انضمام السيد أبي زيد لجيش الغزو الأرجونى. حصار ملك أراجون لبريانة وأخذها. استيلاؤه علي بنشكلة وعدة حصون أخرى. سقوط قسطلونة. سقوط مونكادة ومشروس. حصن أنيشة وأهميته. هدمه واحتلال الملك خايمى لموقعه. تأهب زيان لمدافعته. موقعة أنيشة. هزيمة المسلمين ومصرع كثير من علمائهم. مصرع أبي الربيع سليمان كبير علماء الأندلس. رثاء ابن الأبار له. تعجيل خايمى بالاستعداد لفتح بلنسية. اجتماع الكورتيس وحشد الجنود. مسيره في قواته صوب بلنسية. تسليم حصون بلنسية الأمامية. تضخم جيش الفتح. حشود الأحبار والمتطوعة. محاصرة خايمى لبلنسية. سوء الأحوال داخل المدينة. اعتزام المقاومة. استنجاد زيان بالقواعد القريبة. اتجاهه إلى الاستنصار بأمير إفريقية. إرساله كاتبه ابن الأبار سفيراً إليه. قصيدة ابن الأبار في صريخ الأندلس. اهتمام الأمير أبي زكريا. إرساله أسطولا لإنجاد بلنسية. عجز هذا الأسطول عن الاتصال بالمدينة المحصورة. تفريغه لشحنته في دانية. اشتداد محن الحصار على بلنسية. اضطرار زيان إلى المفاوضة في التسليم. لقاؤه للملك خايمى. ما كتبه ابن الأبار عن وصف اللقاء وشروط التسليم. ما تقوله الرواية النصرانية في ذلك. جلاء المسلمين عن بلنسية. خايمى الفاتح وأكابر الأحبار يدخلونها. خواطر عن سقوط بلنسية. سقوطها يذكى فجيعة الشعر والنثر. شىء من رثاء ابن الأبار. بعض ما قاله أبو المطرف بن عميرة. شىء من نظمه في ذلك. قصيدة أخرى موجهة إلى أمير إفريقية. مرسوم الخليفة الرشيد بالتصريح لأهل بلنسية وقواعد الشرق بالنزول في رباط الفتح. مسير الأمير زيان إلى جزيرة شقر ثم إلى دانية. نزوح ابن الأبار إلى تونس. اتجاه زيان إلى مرسية. أحوال مرسية بعد وفاة ابن هود. أبو بكر عزيز بن عبد الملك بن خطاب ينتزع رياستها. استدعاء بعض أهلها لزيان. قدومه إلى مرسية. قبضه على ابن خطاب وإعدامه. دعوته لأمير إفريقية. رسالته إلى الأمير في ذلك. استخدامه لابن عميرة في منصب الكتابة. محاولة عقد السلم مع ملك قشتالة. خروج محمد ابن هود عليه. مغادرة زيان لمرسية والتجاؤه إلى لقنت. سقوطها في أيدي الأرجونيين ونزوحه إلى إفريقية. استيلاء الأرجونيين على دانية وشاطبة. نقضهم للهدنة مع أهل شاطبة وإجلاؤهم عنها. اتفاق محمد بن هود وأهل مرسية على التفاهم مع النصارى. إرسالهم سفيرا إلى ملك قشتالة يعرض الاعتراف بطاعته. قبول ملك قشتالة والتفاهم على التسليم. مسير ولى عهد قشتالة وتسلمه مرسية صلحاً. احتلال النصارى لمرسية وبعض حصونها. احتفاظ لورقة ومولة وقرطاجنة باستقلالها. استمرار محمد ابن هود في حكم مرسية ومن بعده ولده أحمد. تعليل هذه الظاهرة. ثورات المدجنين في بلنسية واشتداد ساعد مملكة غرناطة. ثورة أبي بكر بن هود الواثق. انتزاعه لحكم مرسية. محاولته أن يخلع نير النصارى.

стр. 2161

يعلن طاعته لابن الأحمر. رواية ابن عذارى. تفاهم ملكى قشتالة وأراجون على قمع ثورة مرسية. مسير خايمى إلى مرسية ومحاصرتها. اضطرار الواثق إلى التسليم. سقوط سائر قواعد الشرق في أيدي النصارى. قيام مجتمع المدجنين. - ١ - نعود الآن إلى شرقي الأندلس لنتابع ما وقع فيه من الأحداث، وذلك منذ اضطرمت الثورة في بلنسية، وقام بها أبو جميل زيان بن مدافع بن مردنيش الجذامى، عقب انسحاب واليها الموحدي السيد أبي زيد بن أبي عبد الله محمد، وانهيار سلطان الموحدين بالشرق. وقد ذكرنا فيما تقدم، كيف لجأ السيد أبو زيد إلى ملك أراجون خايمى الأول، وانضوى تحت حمايته، وعقد معه معاهدة، يتعهد فيها بأن يسلمه جزءاً من البلاد والحصون التي يستردها بمعاونته، وكيف انتهى به الأمر بأن اعتنق دين النصرانية، واندمج في القوم الذين لجأ إلى حمايتهم، وأخذ من ذلك الحين يصحبهم في غزواتهم للأراضي الإسلامية. وكان ذلك في سنة ٦٢٦ هـ (١٢٣٠ م)، قبل أن يسير الملك خايمى إلى غزو الجزائر الشرقية بقليل. ثم كان غزو الجزائر، وافتتاح ميورقة في العام التالي سنة ٦٢٧ هـ (١٢٣١ م)، ثم افتتاح يابسة، وسيطرة الأرجونيين على الجزائر، وذلك في سنة ٦٣٢ هـ (١٢٣٤) م. في تلك الأثناء كان أبو جميل زيّان أمير بلنسية يعمل على توطيد سلطانه في في بلنسية وأحوازها. وكانت دانية من أملاك ابن هود، وعليها وال من قبله هو الأديب الشاعر أبو الحسن يحيى بن أحمد بن عيسى الخزرجى، وهو والي شاطبة في نفس الوقت (١)، فانتزع زيان منه دانية، وولّى عليها ابن عمه محمدا ابن سبيع بن يوسف بن سعد الجذامى (٢). ولم يكتف زيّان بالعمل على توسيع أملاكه على هذا النحو، ولكنه اعتزم في نفس الوقت أن ينتقم لما قام به النصارى من غزوات مخربة، في أراضي بلنسية، ولاسيما بتحريض السيد أبي زيد واليها المخلوع، وكانت الظروف تتيح له يومئذ أن يحقق بغيته، إذ كان ملك أراجون مشغولا بافتتاح

стр. 2162

الجزائر، وتوطيد سلطانه بها، ولم يترك في قواعد الحدود سوى حاميات ضئيلة، ومن ثم فقد خرج زيان بقواته شمالا، وقام بالعيث في أراضي أراجون على طول الشاطىء حتى ثغر طرطوشة، واستاق غنائم وأسرى (١). وكان هذا الاعتداء يحز في نفس ملك أراجون، وهو يزمع أن يرده مضاعفاً في أول فرصة. وما كاد ملك أراجون ينتهي من افتتاح الجزائر، حتى أخذ يضع خطته لافتتاح الثغر الإسلامي العظيم بلنسية، وكان يقتضى لنجاح ذلك المشروع أن يستولي ملك أراجون على سائر القواعد الأمامية لإقليم بلنسية، حتى يستطيع أن يعزل بلنسية، وأن يحرمها من كل وسائل الدفاع. وكان ملك أراجون يرى أن ظروف بلنسية، ومواردها المحدودة، وما يضطرم بين الزعماء المسلمين في شرقي الأندلس من خلاف، مما يعاون على تحقيق أمنيته، ولكنه كان يرى في نفس الوقت أن يستعد لهذا المشروع بكل ما يستطيع، وأن يسعى لتتويجه بالصفة الصليبية. وقد استجاب البابا جريجورى التاسع لمسعى ملك أراجون، وأصدر مرسومه بإسباغ الصفة الصليبية، على مشروع فتح بلنسية، وأعلن أمر هذه الحرب الصليبية الجديدة في مونتشون، وهرع إلى لوائها كثير من الفرسان والسادة، ولاسيما جماعة الأسبتارية، ووافق القطلان على سن ضريبة الماشية العينية، مساهمة في نفقات الحرب. وبدأت حرب بلنسية في أوائل سنة ١٢٣٣ م (أواخر سنة ٦٣١ هـ) وخرجت جماعات من الجيش الأرجونى وتفرقت في أراضي إقليم بلنسية الشمالية، وبدأت بالاستيلاء على بلدة آرش، ثم استولت على بلدة مورلة وهي أقصى بلاد بلنسية الشمالية. وكان الملك خايمى يومئذ في طرويل. وكان يصحبه في هذه الغزاة السيد أبو زيد والي بلنسية المتنصر باسم بثنتى، وأستاذ الفرسان الأسبتارية هوجو دي فولكاركير، ودون بلاسكو دي ألاجون، وهو أرجونى عاش طويلا في بلنسية، وخدم واليها الموحدي، وكان يجيد العربية، ويعرف أحوال المسلمين. وكان السيد أبو زيد، قد استقر في منطقة طرويل، في طاعة ملك أراجون وتحت حمايته، على أن يعاونه بنفسه وصحبه ضد المسلمين. وكانت أول قاعدة هامة من إقليم بلنسية قصد إليها ملك أراجون هي بلدة برّيانة، الواقعة على البحر على مقربة من شمال بلنسية، فضرب الأرجونيون حولها الحصار، بعد أن خربوا ضياعها وزروعها القريبة، واشترك في الحصار

стр. 2163

عدد من الأشراف، وفرسان الداوية، والأسبتارية، وقلعة رباح. وكانت برّيانة تتمتع بحصانة فائقة، وقد استعد أهلها المسلمون للدفاع عنها بشدة. وضرب الأرجونيون البلدة بالآلات، وحاولوا اقتحامها غير مرة، وهي صامدة، واستمر الحصار زهاء شهرين، حتى نضبت مواردها وأقواتها، واضطر المسلمون في النهاية إلى التسليم وذلك في شهر يوليه سنة ١٢٣٣ م. ثم استولى الأرجونيون بعد ذلك على قلعة بنشكلة Peniscola صلحاً، ووعد أهلها المسلمون بأن يبقوا على دينهم وشريعتهم، ثم تلتها في التسليم عدة حصون وأماكن منها شفيت، وبريول، وكويفاس، والمصورة، وغيرها من القرى والضياع، الواقعة على ضفة نهر شقر، واستولى الأرجونيون في نفس الوقت على ثغر قسطلونة الهام الواقع على مقربة من شمالي برّيانة، وكان سقوطه في أيدي النصارى أمراً محتوماً بعد استيلائهم على برّيانة، وكان لسقوط هذين الثغرين نتائج هامة، إذ كانا لقربهما من بلنسية يصلحان قواعد لتموين الجيوش الغازية. ونفذ ملك أراجون بعد ذلك في قواته الخفيفة إلى فحص بلنسية ذاته، واستولى على بعض قلاع هذه المنطقة ومنها قلعتا مونكادة ومشروس القريبتين من شمالي بلنسية ذاتها. ووقعت هذه الفتوح الأرجونية كلها في سنة ١٢٣٤ م (٦٣٢ - ٦٣٣ هـ) (١). ووقف مشروع غزو بلنسية عند هذه المرحلة الأولى من الاستيلاء على معظم المواقع والثغور القريبة من بلنسية، وعاد ملك أراجون إلى بلاده ليعنى ببعض الشئون الداخلية والعائلية. ومضى نحو عامين، لم تقع خلالهما في إقليم بلنسية سوى بعض غارات أرجونية صغيرة. ولكن ملك أراجون لم ينس خلال مشاغله الداخلية، مشروع فتح بلنسية، ولم ينقطع عن أن يوليه اهتمامه المستمر، وكان يتوق بالأخص إلى أن يحتل حصن أنيشة أو أنيجة المنيع الواقع على مقربة من شمالي بلنسية، على سبعة أميال منها، وهو من أهم حصونها الأمامية، وكان يقع على ربوة عالية تزيد موقعه مناعة، ويشرف على مرج بلنسية وحدائقها (٢)، وكان الأمير زيّان قد

стр. 2164

خريطة: قطاع بلنسية ومرسيه ومواقع الفتوحات الأرجونية ٦٣٦ - ٦٦٤ هـ = ١٢٣٨ - ١٢٦٦ م.

стр. 2165

فطن إلى أهبة هذا الحصن، وخطورة سقوطه في أيدي النصارى، فأمر بهدمه، ولكن الملك خايمى أصر مع ذلك على احتلال موقعه، فسار في جيشه من قلعة أيوب، ومعه السيد أبو زيد أمير بلنسية المتنصر، وهاجم أنيشة وهزم المسلمين الذين تصدوا لمقاومته، واحتل المكان، وابتنى فوق نفس الربوة حصناً جديداً منيعاً، ووضع به حامية عهد بقيادتها إلى خاله دون برناردو دي انتنزا، واتخذ الأرجونيون من هذا الحصن قاعدة للعيث والإغارة في مختلف نواحي إقليم بلنسية. وشعر زيّان بخطر وجود الحامية الأرجونية في هذا المركز الدقيق المهدد لسلامة المدينة، فصمم على انتزاعه من أيديهم، وحشد جيشاً قوياً تقدره الرواية النصرانية بستمائة فارس وأربعين ألف راجل، وهو تقدير واضح المبالغة، وسار في قواته نحو تل أنيشة، ونشبت بين المسلمين والأرجونيين في ظاهر أنيشة معركة عنيفة، قاتل الفريقان فيها بشجاعة، وانتهت بأن أصيب المسلمون بهزيمة فادحة، وقتل منهم جملة كبيرة، وكان بين القتلى عدد كبير من علماء بلنسية ووجوهها وصلحائها، وفي مقدمتهم كبير علماء الأندلس ومحدثيها يومئذ، أبو الربيع سليمان بن موسى ابن سالم الكلاعى، وهو فوق علمه وأدبه الجم جندى وافر الشجاعة والجرأة، كان يشهد معظم الغزوات، ويشترك في القتال، وكان في موقعة أنيشة يتقدم الصفوف، وهو يقاتل بشجاعة، ويحث المنهزمين على الثبات، ويصيح بهم " أعن الجنة تفرون " حتى قتل. ورثاه ومن سقط معه، من علماء بلنسية، وهم نحو سبعين، تلميذه الكاتب المؤرخ، أبو عبد الله بن الأبار القضاعى، وكان إلى جانب مخدومه الأمير زيان في الموقعة، بقصيدته الشهيرة التي مطلعها: ألما بأشلاء العلا والمكارم ... تقد بأطراف القنا والصوارم وعوجا عليها مأربا وحفاوة ... مصارع غصت بالطلى والجماجم تحيي وجوها في الجنان وجيمة ... بما لقيت حُمراً وجوه الملاحم ووقعت نكبة أنيشة في يوم الخميس عشرين من ذي الحجة سنة ٦٣٤ هـ (١٤ أغسطس سنة ١٢٣٧ م). وكانت هزيمة المسلمين الفادحة فيها على هذا النحو

стр. 2166

نذيراً بانهيار قوي بلنسية الدفاعية، نذيراً بأن مصير بلنسية ذاتها، قد بت فيه، وأن النهاية قد أضحت وشيكة الوقوع (١). - ٢ - وكانت أسباب المرحلة الثانية والأخيرة من افتتاح بلنسية تتهيأ وتدنو بسرعة. وكان سقوط قرطبة، قبل ذلك بأكثر من عام، في يد فرناندو الثالث ملك قشتالة، وتغلبه على معظم المنطقة الشمالية من الأندلس الوسطى، مما يدفع خايمى إلى التعجيل بفتح بلنسية خشية أن يمتد زحف القشتاليين إلى تلك المنطقة، ويقع الخلاف بين المملكتين، وذلك بالرغم من أن أراجون، قد اختصت بمقتضى معاهدة كاسولا Cazola، المعقودة مع قشتالة منذ سنة ١١٧٩ م، بافتتاح قطاع بلنسية. وكان مما يشجع خايمى على هذا التعجيل، ثقته في أن همم المسلمين الدفاعية قد خبت من جراء موقعة أنيشة، وأن مواردهم قد تضاءلت. وكان هذا شعور البلنسيين أنفسهم، حسبما يعبر لنا عنه كاتب بلنسية المبدع أبو المطرف ابن عميرة في إحدى رسائله المبكية عن سقوط بلنسية (٢). ثم جاءت وفاة ابن هود في جمادى الأولى سنة ٦٣٥ هـ (يناير ١٢٣٨)، عقب موقعة أنيشة بقليل، لتزيد من ثقة خايمي، بأنه لم يبق ثمة أمل لأهل بلنسية في أن يأتيهم الإنجاد من أية جهة أندلسية. ومن ثم فقد عكف خايمي على إعداد عدته لهذا الفتح. وكان قد عقد الكورتيس في مونتشون لكي يوافق على ضريبة المرافيدى Matavedi، وهي ضريبة تؤدى مرة كل سبعة أعوام، واستمر في أهبته حتى جهزت الحشود التي اعتزم أن يسيرها لافتتاح بلنسية، وهي حشود قليلة حسبما يتضح من أرقامها بعد. ووصله أثناء ذلك نبأ وفاة خاله دون برناردو قائد حامية أنيشة، وكان بعض مستشاريه يرى أن يترك هذا الموقع، ولكنه أصر على الاحتفاظ به، وعين ولد المتوفى مكانه لقيادة حاميته، وكانت تتألف من خمسين فارساً. ولما أتم خايمي أهباته، أقسم بين يدي الأشراف والقادة، أنه سوف يسير

стр. 2167

إلى فتح بلنسية، وأنه لن يعود إلى المرور بطرويل أو عبور نهر طرطوشه (نهر إيبرو) قبل أن تسقط بلنسية في يده، وأنه تأكيدا لذلك سوف يصحب معه الملكة والأميرة ابنته (١). وفي شهر مارس سنة ١٢٣٨ م، خرج خايمى في قواته متجهاً إلى الجنوب صوب بلنسية، ووصلته أثناء مسيره رسائل من معظم الحصون الإسلامية القريبة من بلنسية تعلن الدخول في طاعته، وفي مقدمتها المنارة، ونوليس، وبطرنة، وبوليا، وأوشو، وغيرها. ولم تكن قوات ملك أراجون، عند مسيره، تعدو بضع مئات من فرسان الداوية والأسبتارية وقلعة رباح، والفرسان الملكيين، وبضع آلاف من الرجّالة، ولكن هذا الجيش تضخم فيما بعد أمام بلنسية، بمن انضم إليه من أشراف وأحبار أراجون وقطلونية وأجنادهم العديدين، ومن حشود الحرس الوطنى ببرشلونة، وحشود المتطوعين الفرنسيين بقيادة مطران أربونة، وكانوا جماعة كبيرة من الفرسان، ونحو ألف من المشاة. وقد جاء معظم هذه القوات بطريق البحر، وانضمت كلها إلى الجيش الفاتح. وعول الملك خايمى على أخذ بلنسية بالحصار، فطوقها أولا بالقوات التي جاءت معه، وضرب محلته بين المدينة، وبين خليج جراو (الميناء). ولما انثالت الأمداد، وحشود المتطوعة على الجيش الأرجوني، شدد في إحكام الحصار حول المدينة، وقطع علائقها مع الخارج. وتقدر الرواية النصرانية عدد القوات التي اشتركت في حصار بلنسية بعشرة آلاف فارس، وستين ألف راجل. وكانت هذه القوات تمون بسهولة، عن طريق البحر من ثغور بنشكلة وبرّيانة وقسطلونة، وقد افتتحها الأرجونيون قبل ذلك بقليل. وبدأ حصار بلنسية في الخامس من شهر رمضان سنة ٦٣٥ هـ (أبريل سنة ١٢٣٨ م) (٢) وشدد النصارى في التضييق على المدينة المحصورة، وبدأوا يضربونها بالآلات المخربة. وكانت بلنسية، مذ هزمت قواتها، وسقط أبناؤها في موقعة أنيشة، قبل ذلك بأشهر قلائل، قد ساءت أحوالها، وانهارت قوي شعبها المعنوية وأخذت تتوقع سوء المصير. بيد أنه لما ظهر النصارى تحت أسوارها، وبدت طلائع المعركة الأخيرة، اعتزم البلنسيون أن يدافعوا عن مدينتهم حتى آخر رمق. ولم يكن أميرهم أبو جميل زيان أقل عزماً منهم في مدافعة النصارى، فوجه بعض

стр. 2168

خريطة: مواقع حصار بلنسية ٦٣٥ هـ - ١٢٣٨ م.

стр. 2169

رسله إلى القواعد الإسلامية القريبة في طلب النجدة والإمداد. وكان رسوله إلى مرسية الفقيه المتصوف محمد بن خلف بن قاسم الأنصارى (١). بيد أن زيان لم يقف عند هذا الاستمداد المحدود. ذلك أنه في تلك الآونة العصيبة، قد اتجه وجهة أخرى أوسع آفاقاً وأجدى أملا، اتجه إلى إخوانه المسلمين، في الضفة الأخرى من البحر، ولم يكن ذلك الاتجاه يومئذ إلى أولئك الموحدين، الذين عبروا البحر قبل غير مرة لإنجاد الأندلس، إذ كانت دولتهم بالمغرب تجوز مرحلة الانحلال الأخير، ولكن إلى تلك الدولة الفتية، التي قامت في وسط الضفة الأخرى من البحر، إلى دولة بني حفص بإفريقية، وإلى عميدها ومنشئها الأمير أبي زكريا يحيى ابن الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص، وكانت قد أخذت تلفت الأنظار بقوتها وثرائها، واتساع مواردها. وبعث زيان إلى أمير إفريقية سفارة على رأسها وزيره وكاتبه العلامة الشاعر والمؤرخ الكبير أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن أبي بكر بن الأبار القضاعى، يحمل إليه بيعته وبيعة أهل بلنسية، وصريخه بسرعة الغوث والإنجاد قبل أن يفوت الوقت. ولما وصل ابن الأبار إلى تونس، مثل بين يدي سلطانها الأمير أبي زكريا الحفصى، في حفل مشهود، وألقى قصيدته السينية الرائعة التي اشتهرت في التاريخ، كما اشتهرت في الشعر، يستصرخه فيها لنصرة الأندلس ونصرة الدين، وهذا بعض ما جاء فيها: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا وهب لها من عزيز النصر ما التمست ... فلم يزل منك عز النصر ملتمسا وحاش مما تعانيه حشاشتها ... فطال ما ذاقت البلوى صباح مسا يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا ... للنائبات وأمسى جدّها تعسا في كل شارقة إلمام بائقة ... يعود مأتمها عند العدا عرسا وكل غاربه إجحاف نائبة ... تثنى الأمان حذاراً والسرور أسى تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ... إلا عقائلها المحجوبة الأنسا وفي بلنسية منها وقرطبة ... ما ينسف النفس أو ما ينزف النفسا مدائن حلها الإشراك مبتسما ... جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا وصيرتها العوادى العابثات بها ... يستوحش الطرف ضعف ما أنسا

стр. 2170

فمن دساكر كانت دونها حرسا ... ومن كنائس كانت قبلها كُنسا يا للمساجد عادت للعدا بيعاً ... وللنداء غدى أثناءها جرسا كانت حدائق للأحداق مونقة ... فصوح النصر من أدواحها دعسا وحال ما حولها من منظر عجب ... يستجلس الركب أو يستركب الجلسا فأين عيش جنيناه بها خضرا ... وأين عصر جليناه بها سلسا محا محاسنها طاغ أتيح لها ... ما نام عن هضمها حينا ولا نعسا ورج أرجاءها لما أحاط بها ... فغادر الشم من أعلامها خنسا خلا له الجو فامتدت يداه إلى ... إدراك ما لم تطأه رجلاه مختلسا وأكثر الزعم بالتثليث منفردا ... ولو رأى راية التوحيد ما نبسا صل حبلها أيها المولى الرحيم فما ... أبقى المراس لها حبلا ولا مرسا وأحى ما طمست منها العداة كما ... أحييت من دعوة المهدي ما طُمسا أيام صرت لنصرة الحق مستبقا ... وبثّ من نور ذاك الهدى مقتبسا وقمت فيها بأمر الله منتصرا ... كالصارم اهتز أوكالعارض انبجسا هذى رسائلها تدعوك من كثب ... وأنت أفضل مرجو لمن يئسا وافتكّ جاريةً بالنجع راجية ... منك الأمير الرضا والسيد الندسا ومنها: ملك تقلدت الأملاك طاعته ... دينا ودنيا فغشاها الرضا لبسا من كل غاد على يمناه مستلما ... وكل صاد إلى نعماه ملتمسا قد نور الله بالتقوى بصيرته ... فما يبالى طروق الخطب ملتبسا من ساطع النور صاغ الله جوهره ... وصان صيقله أن يقرب الدنسا إن السعيد أمرؤ ألقى بحضرته ... عصاه محتزماً بالعدل محترسا وفي ختامها: يا أيها الملك المنصور أنت لها ... علياء توسع أعداء الهدى تعسا وقد تواترت الأنباء أنك من ... يحيى بقتل ملوك الصفر أندلسا طهر بلادك منهم إنهم نجس ... ولا طهارة مالم تغسل النجسا وأوطىء الفيلق الجرار أرضهم ... حتى يطأطأ رأسا كل من رأسا وانصر عبيداً بأقصى شرقها شرقت ... عيونهم دمعا تهمى زكا وخسا

стр. 2171

هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت ... داء متى لم تباشر جسمها انتكسا فاملأ هنيئاً لك لتمكين ساحتها ... جردا سلاهب أو خطية دعسا واضرب لها موعدا بالفتح ترقبه ... لعل يوم الأعادى قد أتى وعسا (١) وكان لهذه القصيدة المبكية، التي مازالت تحتفظ حتى يومنا برنينها المحزن، والتي كانت كأنها نفثة الأندلس الجريح، أبلغ الأثر في نفس الأمير أبي زكريا الحفصى، فبادر بتجهيز أسطول شحنه بالسلاح والأطعمة والكسى والأموال، يتألف من اثنتى عشرة سفينة كبيرة، وست صغيرة، وعهد بقيادته إلى أبي يحيى ابن يحيى بن الشهيد ابن إسحق ابن أبي حفص الكبير، وتقدر الرواية الإسلامية قيمة ما شحن بهذا الأسطول بمائة ألف دينار من الذهب، وهي قيمة لها خطرها في ذلك العصر (٢). وأقلعت هذه السفن المنجدة على جناح السرعة من ثغر تونس قاصدة إلى ثغر بلنسية ومعها ابن الأبار ورفاقه، وهي رحلة تستغرق عدة أيام. وكان الأرجونيون في تلك الأثناء قد شددوا الحصار على بلنسية، وحاولوا في البداية، أن يقتحموا الرُّصافة ضاحيتها الجنوبية الشرقية، ففشلت المحاولة، وردهم المسلمون بخسارة كبيرة. وكان المسلمون يخرجون من آن لآخر لمقاتلة النصارى في جماعات صغيرة، ووقعت أعنف معركة من هذا النوع بين الفريقين حول بلدة سليا ضاحية بلنسية الجنوبية، وانتهت باستيلاء النصارى عليها. ولم تمض أيام على ذلك حتى ظهر الأسطول التونسى في مياه بلنسية، واستطاع أن يصل إلى خليج جراو Grao الواقع جنوب شرقي المدينة بحذاء مصب نهر طورية أو نهر الوادي الأبيض Guadalaviar، الذي يخترق بلنسية بعد مصبه بقليل، ولكن المحلة النصرانية كانت تحتل اللسان الواقع بين الخليج وبين المدينة، ومن ثم فإن رجال الأسطول، لم يستطيعوا الوصول إلى المدينة، ولم يستطع أهل المدينة من جهة أخرى، أن يصلوا إليهم، وعندئذ حاولت السفن المسلمة أن تبعث الأمداد إلى أهل المدينة من ناحية الشمال، فسارت شمالا بحذاء الشاطىء

стр. 2172

حتى ثغر بُنُشكلة الصغير، الواقع شمالي قسطلونة، ولكن هذه المحاولة لم تنجح أيضاً لظهور السفن الأرجونية، واضطرار السفن التونسية إلى الإقلاع صوب الجنوب، وانتهى الأمر بأن أفرغت السفن التونسية شحنتها في ثغر دانية، بعيداً عن الثغر المحصور، ثم أقلعت عائدة إلى إفريقية ومعها المال إذ لم يحضر من قبل الأمير زيان من يتسلمه. وهكذا فشلت هذه المحاولة التي نظمت لإمداد المدينة المحصورة وإنجادها، وتركت بلنسية لمصيرها. وهنا ضاعف النصارى جهودهم في التضييق على المدينة، وإرهاقها. وبينما كان أهل بلنسية، يعانون الحرمان والجوع داخل مدينتهم، كان النصارى في سعة تأتيهم المؤن من البحر بانتظام. وكان النصارى يضربون المدينة، وأسوارها ْوأبراجها، بالآلات الثقيلة باستمرار، والبلنسيون مع كل هذا البلاء يخرجون لمقاتلة النصارى، وتنشب المعارك الكثيرة بين الفريقين. وفي إحدى هذه المعارك أصيب الملك خايمى بجرح في رأسه. واستمر الحصار المرهق على هذا النحو زهاء خمسة أشهر، من أبريل حتى أوائل سبتمبر، حتى فنيت الأقوات، وعدمت الموارد، واشتد البلاء بأهل المدينة، وثلمت الأسوار والأبراج في غير موضع، وعندئذ رأى وجوه المدينة وعلى رأسهم الأمير زيان، بأنه لا مفر من التسليم قبل أن يفوت الوقت، ويقتحم النصارى المدينة، فبعث بابن أخيه أبي الحملات ليفاوض ملك أراجون في شروط التسليم. واتفق الفريقان على أن تسلم المدينة صلحاً. وإليك كيف يصف لنا ابن الأبار، وقد كان شاهد عيان، ما تلا ذلك من لقاء بين الأمير زيان والملك خايمى، ومن إبرام شروط التسليم بينهما، وذلك في يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة ٦٣٦ هـ. قال: " وفي هذا اليوم خرج أبو جميل زيان بن مدافع بن يوسف بن سعد الجذامى من المدينة، وهو يومئذ أميرها، في أهل بيته ووجوه الطلبة والجند، وأقبل الطاغية، وقد تزيا بأحسن زى في عظماء قومه، من حيث نزل بالرصافة أول هذه المنازلة، فتلاقيا بالولجة، واتفقا على أن يتسلم الطاغية البلد سلما لعشرين يوماً، ينتقل أهله أثناءها بأموالهم وأسبابهم. وحضرت ذلك كله، وتوليت العقد عن أبي جميل في ذلك. وابتدئ بضعفة الناس فسيروا في البحر إلى نواحي دانية، واتصل انتقال سائرهم براً وبحراً. وصبيحة يوم الجمعة السابع والعشرين من صفر المذكور، كان خروج أبي جميل بأهله من القصر، في

стр. 2173

طائفة يسيرة أقامت معه. وعند ذلك استولى عليها الروم أحانهم الله " (١). وتقدم إلينا الرواية النصرانية عن شروط تسليم بلنسية تفاصيل لا تخرج في جملتها عن مضمون الرواية المتقدمة، فتقول إن المفاوضة وقعت أولا بين أحد الرؤساء المسلمين، وأحد الأشراف الأرجونيين، وذلك بمحضر من الملكة، التي شاء الملك أن تشهد سائر التفاصيل، وانتهى الأمر بأن اقترح الأمير زيان على الملك خايمى، أن يسلم إليه المدينة، على أن يسمح لسائر المسلمين بها رجالا ونساء، بأن يحملوا سائر أمتعتهم دون أن يعترضهم أحد، وأن يسيروا آمنين ْحتى قلييرة (أو غلييرة) (٢) أو دانية، فوافق الملك والملكة على اقتراحه، واتفق على أن تسلم المدينة، بعد خمسة أيام، يبدأ في نهايتها جلاء المسلمين عنها. وأبلغ الملك هذا الاتفاق إلى الأحبار والأشراف، فلم يرق لبعض القادة، والفرسان، الذين كانوا يؤملون الثراء بنهب المدينة. وفي اليوم الثالث بدأ المسلمون جلاءهم عن بلنسية، وخرج منهم منها خمسون ألفا، وساروا آمنين حتى قلييرة Cullera، وهي ثغر صغير يقع على مقربة من جنوبي بلنسية، ومنحوا عشرين يوما لإتمام الجلاء. وعقد الملك خايمى كذلك مع الأمير زيان هدنة مدتها سبع سنين، وأقسم باحترامها بالنسبة لدانية وقلييرة، طوال هذه المدة. وتم ذلك في اليوم الثامن والعشرين من شهر سبتمبر سنة ١٢٣٨ م (٣). وفي يوم الجمعة التاسع من أكتوبر سنة ١٢٣٨ م، الموافق للسابع والعشرين من صفر سنة ٦٣٦ هـ دخل خايمى الفاتح ملك أراجون، وزوجه الملكة فيولانتى وأكابر الأحبار والأشراف والفرسان الأرجونيين والقطلان، وممثلو الجماعات الدينية والمدن، مدينة بلنسية، ورفع علم أراجون على قمة أعلى برج في أسوار المدينة، وحولت المساجد في الحال إلى كنائس وطمست سائر قبور المسلمين (٤). وقضى الملك خايمي بضعة أيام في تقسيم دور المدينة وأموالها بين الأحبار والأشراف والفرسان، كل وفق ما اشترك به في الفتح، وبلغ عدد من وزع عليهم من فرسان أراجون وقطلونية،

стр. 2174

ثلاثمائة وثمانون، هذا عدا الأحبار والأشراف، وجعلت هذه الأملاك وراثية بالنسبة لأعقابهم، وسموا بفرسان الفتح، وترك لهم حراسة المدينة والدفاع عنها. وأقبل النصارى من كل فج على سكنى بلنسية وتعميرها. ومع ذلك فقد بقيت بها جماعة كبيرة من أهلها المسلمين، تدجّنوا واستسلموا لمصيرهم الجديد. وهكذا سقطت بلنسية في أيدي النصارى، بعد أن حكمها المسلمون، منذ الفتح خمسة قرون وربع قرن، سطعت خلالها في شرقي الأندلس، وتزعمت قواعده، ولعبت أعظم دور في أحداثه ومصايره، ولبثت فترات طويلة، مثوى الثورة الوطنية الأندلسية، وكانت أعظم مركز للعلوم والآداب في شرقي شبه الجزيرة. وكانت بلنسية منذ بعيد هدفاً لأطماع النصارى، القشتاليين منهم والقطلان، وكانت مسرحاً لمغامرات السيد الكنبيطور (السيد الكمبيادور)، وقد استولى عليها بالفعل في جمادى الأولى سنة ٤٨٧ هـ (يونيه ١٠٩٤ م) ولبثت تحت نير النصارى زهاء ثمانية أعوام، حتى استردها المرابطون في شعبان سنة ٤٩٥ هـ (مايو ١١٠٢ م)، وذلك حسبما فصلناه في كتابنا " دول الطوائف ". على أن بلنسية وأحوازها، استمرت بعد سقوطها في أيدي النصارى، مدى عصور، مثوى لجماعات كبيرة من المدجّنين المسلمين، ثم بعد ذلك من العرب المتنصرين (الموريسكيين) وقد لعب هؤلاء في تاريخها السياسي والاجتماعى منذ القرن الرابع عشر حتى أواخر القرن السادس عشر، أدواراً ذات شأن. وهو ما فصلناه في كتابنا " نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين ". - ٣ - وقد أذكت محنة بلنسية وسقوطها في أيدي النصارى، فجيعة الشعر والنثر بالأندلس، على نحو ما فعلت محنة طليطلة، وسقوطها، وصدرت في رثائها طائفة كبيرة من القصائد والرسائل المبكية. ويرجع ذلك بالأخص إلى وجود عدد من أكابر الكتاب والشعراء المعاصرين، الذين شهدوا المحنة من أبناء بلنسية ذاتها، أو شرقي الأندلس، وفي مقدمتهم أبو عبد الله بن الأبار، وأبو المطرف بن عميرة المخزومي، وأبو عبد الله بن الجنان، وهم جميعاً من كتاب أمير بلنسية، أبي جميل زيان. وإذا كنا لا نعنى هنا إلا بتسطير الأحداث والمحن، فإنه يسوغ لنا مع ذلك أن نقف مدى لحظة، لنستعرض خلالها، بعض نماذج من النثر والنظم، في رثاء بلنسية من كلام أبنائها

стр. 2175

ولا مراء في أن ما صدر عن ابن الأبار في ذلك وهو من أعظم أبناء بلنسية، وقد قضى فيها معظم شبابه وكهولته، وشهد أدوار المحنة من بدايتها إلى نهايتها، سواء من النثر أو النظم، إنما هو غرة هذه المراثى، وأبلغها استثارة للأسى، وقد أوردنا فيما تقدم شطراً من قصيدته الرائعة: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا ورأينا كيف يصور فيها محنة الأندلس العامة أروع تصوير وأبلغه. ولما سقطت بلنسية، بعد ذلك، صدرت عنه رسائل وقصائد أخرى، في رثاء بلنسية وبقية قواعد الأندلس الذاهبة، وبكاء أمجادها ومحاسنها، فمن ذلك قوله من رسالة إلى صديقه أبي المطرِّف ابن عميرة: " وأما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب، المشبب فيها بمحاسن الأحباب، فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد، وأخنى عليها الذي أخنى على لبد، أسلمها الإسلام، وانتظمها الانتثار والاصطلام، حين وقعت أنسرها الطائرة، وطلعت أنحسها الغائرة، فغلب على الجذل الحزن، وذهب مع المسكن السكن. كزعزع الريح صك الدوح عاصفها ... فلم يدع من جَنًى فيها ولا غصن واها وواها بموت الصبر بينهما ... موت المحامد بين البخل والجُبُن أين بلنسية ومغانيها، وأغاريد وُرْقها وأغانيها، أين حلى رصافتها وجسرها، ومنزلا عطائها ونصرها، أين أفياؤها تندى غضارة، وركاؤها تبدو من خضارة. أين جداولها الطفاحة وخمائلها، أين جناتها النفاحة وشمائلها، شد ما عطل من قلائد أزهارها نحرُها، وخلعت شعشعانية ضحاها بحيرتها وبحرها، فأية حيلة لا حيلة في صرفها مع صرف الزمان، وهل كانت حتى بانت إلا رونق الحق وبشاشة الإيمان. ثم لم يلبث داء عقرها، أن دب إلى جزيرة شُقرها، فأمرَّ عذبها النمير، وذوى غصنها النضير، وخرست حمائم أدواحها، وركدت نواسم أرواحها، ومع ذلك اقتحمت دانية، فنزحت قطوفها وهي دانية، ويالشاطبة وبطحائها، من حيف الأيام وأنحائها، ولهفاه ثم لهفاه على تُدمير وتلاعها، وجيّان وقلاعها، وقرطبة ونواديها، وحمص وودايها، كلها رُعى كَلأُها، ودهى بالتفريق والتمزيق ملأها، غض الحصار أكثرها، وطمس الكفر عينها وأثرها .. وما لأندلس أصيبت بأشرافها، ونقصت من أطرافها، قوض عن صوامعها الأذان، صُمَّت بالنواقيس فيها الآذان، أجنت ما لم تجن الأصقاع، أعَقّت
следующие страницы →