وكان مما يلحق بديوان الكتابة، كتب التوقيعات والظهائر وكل ما يمهر بالعلامة، وكذلك ديوان العسكر، وما انضاف إليه من التنفيذات السلطانية، وتقييد الجزيات العامة في أنواع النفقات (١). وكان لديوان العسكر كتابه المختصون به، وهم غير كتاب الديوان المختصين بالشئون الأخرى.
وكانت أداة الحكومة التنفيذية، تضم عدة مناصب هامة، في مقدمتها منصب " متولى أشغال البرين " أعني المغرب والأندلس، وكان لذلك المنصب أهمية خاصة، أيام عنفوان الدولة الموحدية وتماسكها، ويوصف اختصاصه " بالأعمال العلية والأشغال السلطانية ". فنراه أيام الخليفة المنصور، يسند إلى كبير الوزراء نفسه أبي زيد بن يوجان (٢) ويوصف أحيانا " بإشراف البرين وضم الأعمال وتفقد الأشغال " ويسند إلى وزير أو أكثر يسمون " أصحاب الأشغال " (٣) ويلى ذلك في الأهمية الوزراء المختصون بالشئون المالية، وهم " صاحب الأعمال المخزنية "، ومتولى المجابى، ومتولى أموال النفقات والمحاسبة، ومتولى أعمال المستخلص. وكان لصاحب ديوان الأعمال المخزنية، اختصاصات وسلطات واسعة في السهر على تحصيل الأموال العامة وإنفاقها، وفي رقابة العمال والمشرفين، ومحاسبتهم والقبض عليهم (٤)، وكان له وكلاء في سائر المدن الكبرى، يسمون بالمشرفين، ويمثله في إشبيلية عاصمة الأندلس " صاحب المخزن "، وكان للمشرف بدوره خازن على المال، وخازن على الطعام، يتولى الإشراف على حركة الوارد والصادر بالمخازن العامة، وأحيانا يقع ضمن أعمال المشرف الرقابة على تقييد المجابى (٥). وكان أولئك الوكلاء المشرفون على الأموال العامة يتحملون مسئوليات خطيرة، ونراهم من آن لآخر، عرضة لمختلف الاتهامات والمطاردات (٦) وكان من التقاليد المأثورة أن يقوم الخليفة الجديد، في بداية ولايته بالعفو عن المسجونين، ورفع الأموال المتخلفة، عن عاتق العمال المبددين، وتأمينهم من العقاب (٧). وأما متولى المجابى، فهو المختص بتحصيل الضرائب، والجزيات على مختلف صنوفها، وله عمال في المدن وفي البوادى. وكانت الحملات
стр. 2347
العسكرية، تحشد أحيانا، لإرغام القبائل المتخلفة عن أداء الجباية، على أدائها، وذلك حسبما ذكرنا فيما تقدم غير مرة. وأما متولى المستخلص، فهو المشرف على الأموال الخليفية، والمحافظة عليها، وتحصيل ما يتعلق بها، من مختلف أبواب الدخل. وقد يتولى صاحب الأشغال المخزنية أحيانا، الإشراف على ما يتعلق " بالسهام السلطانية " أي أنصبة الخليفة أو حقوقه الشرعية في الغنائم وغيرها (١). وكان منصب صاحب الشرطة، من الناصب الإدارية الهامة، وكانت أهميته تبدو بنوع خاص في الأوقات المضطربة، وعند اضطرام الفتن، وكان يشغله أحيانا، رجال من ذوى المكانة الرفيعة في الدولة من أكابر الوزراء، كما حدث أيام الرشيد (٢).
وبرز في أواخر العصر الموحدي، منصب هام في الحكومة الموحدية، هو منصب وزير يقوم فيه صاحبه، بالتقديم إلى إرسال ملوك الروم، والاشتغال بإنزالهم، وتضييفهم، والترجمة عنهم (٣). ومن الواضح أن هذا المنصب، لم تبرز أهميته، إلا منذ أيام الخليفة المأمون، حينما عقد حلفه المشهور، مع فرناندو الثالث ملك قشتالة، وأمده هذا الملك النصراني، بفرقة كبيرة من جنده، ليعبر بها إلى المغرب، ويستعين بها على قتال منافسه في الخلافة، يحيى المنتصر. ومن ذلك التاريخ، يأخذ الروم بقسط بارز، في الحروب، التي يشهرها الخليفة الموحدي، على خصومه، ويقتضى أن يمثل في بلاط مراكش، شخص يتولى استقبال الوافدين من " الروم " (القشتاليين)، من أمراء وقادة وسفراء وغيرهم، ويتولى الإشراف على رعايتهم، والترجمة بينهم وبين الخليفة، وذوى الشأن من رجال الدولة. وقد أشرنا فيما تقدم، إلى سياسة الحكومة الموحدية في شئون الجباية، ووجوب التزام أحكام الشرع في شأنها، والاقتصار في ذلك، على ما يجيزه الشرع من الزكوات والأعشار. وقد نوه الخليفة عبد المؤمن، بوجوب التزام هذه السياسة، في رسائله الرسمية غير مرة، وكانت له شعاراً، في حملاته للقضاء على الدولة المرابطية، فنراه يذكرها في أولى رسائله الدستورية، وهي الرسالة الجامعة، التي وجهها إلى الطلبة والمشيخة والأعيان والكافة بالأندلس، في ربيع الأول سنة ٥٤٣ هـ، وفيها يتحدث عن المغارم، والمكوس والقبالات،
стр. 2348
وتحجير المراسى، وغيرها من المظالم، ووجوب القضاء عليها، وإجراء العدل في شأنها (١)، ونراه بعد ذلك ببضعة أعوام، يعود إلى ذكرها، في رسالة إلى إلى أهل قسنطينة عن فتح بجاية في جمادى الأولى سنة ٥٤٧ هـ، وفيها يتحدث عما فرضه " أهل الاختلاق والابتداع " من " القبالات والمكوس والمغارم وسائر تلك الأنواع " دون التفات إلى ما أوجب الله من الزكوات والأعشار، حتى قضى الله بإزالتهم، ورد الأمر إلى نصابه، بإجراء الشريعة على حقيقتها، وإراحة أهل البلاد المعمورة بالتوحيد من جميع هذه المغارم (٢).
على أن هذه العهود الرسمية، التي كانت تستند في جوهرها، إلى تعاليم المهدي ابن تومرت، ودعايته ضد الدولة المرابطية، فيما جرت عليه من فرض المغارم والمكوس غير الشرعية، لم تكن سوى شعار مؤقت، تستظل به الدولة الموحدية في بداية عهدها، ذلك أنه لما توطدت دعائم الدولة الجديدة، واتسع نطاق مسئولياتها المدنية والعسكرية، سواء في المغرب والأندلس، كان من الواضح أن الاقتصار على تحصيل الفروض الشرعية في شئون الجباية، لا يمكن أن يفى بما تتطلبه نفقات الدولة، أو نفقات الجيوش الموحدية الضخمة في المغرب، أو فيما وراء البحر، ومن ثم فقد اضطرت الدولة الموحدية غير بعيد، أن تبحث عن وجوه أخرى، لتحقيق الجباية وتوفير النفقات، فكان مما فعله عبد المؤمن في ذلك، قيامه بمسح (أو تكسير) بلاد إفريقية والمغرب، من برقة إلى السوس الأقصى، وإسقاط مقدار الثلث من مساحتها، مقابل الجبال والأنهار والطرقات وغيرها، وفرض الخراج على ما بقى بعد ذلك، من الأراضي الصالحة للزرع، وألزمت كل قبيلة أن تؤدى قسطها من الزرع والمال (٣). ومن جهة أخرى فإن الخلافة الموحدية، كانت إلى جانب ما يدخل خزائنها، من غنائم الفتوحات المظفرة، وأبواب المصادرة لأموال الخصوم، ومن يلحق بهم من العمال المنكوبين، لم تحجم عن أن تفرض مختلف الضرائب والمكوس، على مختلف أنواع المعاملات، من البيع والشراء، والصادر والوارد، وغير ذلك، مما كان متبعاً في سائر دول العصور الوسطى، وهذا إلى ما كانت تستولى عليه، من أموال
стр. 2349
النصارى واليهود، الذين بقوا في أراضي الدولة، ولاسيما خلال حركات الاضطهاد ْوالمطاردة، وقد كانت تحدث من آن إلى آخر.
وكان من الإجراءات المالية الهامة، التي قامت بها الخلافة الموحدية، مضاعفة وزن الدينار الموحدي، وقد تم ذلك في بداية عهد الخليفة المنصور، وكان له أثره في دعم طمأنينة التعامل، وتحسين الشئون الاقتصادية، بوجه عام. وقد لبثت الأحوال الاقتصادية بالمغرب والأندلس، في ظل الدولة الموحدية، أيام عنفوانها وقوتها، طيبة يدعمها الأمن والرخاء، وتقدم الزراعة والتجارة، وكان ذلك في عهد الخلفاء الأقوياء منذ عبد المؤمن، حتى أواخر عهد المنصور، وهي فترة دامت زهاء نصف قرن. ولم يكن يعكر هذا الرخاء، إلا فتنة محلية، أو محنة طبيعية، من جدب أو شرق أو غيره. بيد أنه لما اشتد عيث طوائف العرب بإفريقية، وخربوا مدنها، واجتاحوا بسائطها، وتفاقم هذا العيث والتخريب، أيام ثورة بني غانية، بما ترتب على مغامراتهم، من صنوف الدمار المطبق، وقطع السبل، ونهب التجار، وانقطاع المعاملات السلمية، أخذ خراب إفريقية، وهي أغنى أقطار الدولة، وأوفرها خصبا وموارد، يحدث أثره في اقتصاد المغرب، وفي تحطيم رخائه. ولما انتهت فتنة بني غانية في أوائل عهد الناصر، وعاد الأمن والرخاء لإفريقية، كانت حركة الناصر إلى الأندلس، تمهد لأعظم كارثة عسكرية، منيت بها الدولة الموحدية، ومنى بها المغرب. وكان لهزيمة العقاب الساحقة، فضلا عن آثارها العسكرية المدمرة، آثار اقتصادية بعيدة المدى، فقضى بفناء الجند على الأيدى العاملة، وانهارت الزراعة والتجارة، وعدمت الأقوات، وفشت المجاعة في المغرب والأندلس، وكان يذكى من هذه المحنة الاقتصادية، ضعف الحكومة وتواكلها، واحتجاب الخليفة، وعدم اهتمامه بآلام الشعب. وفي عهد المستنصر ولد الناصر، تفاقمت الأزمة الاقتصادية بالمغرب والأندلس، واشتدت الحال، وتناهى الغلاء (١)، واختلت أحوال الخلافة الموحدية، واضطرب الأمن، وقطعت السابلة، ووقع النهب على التجار، واستمرت هذه الأحوال طوال عهد المستنصر، وهو في غفلة عن كل ما يجرى، غير مهتم بشئون رعيته أو جاهل لها، لتواكل وزرائه، وإخفائهم عنه حقائق الشئون (٢).
стр. 2350
ثم تفاقم الأمر، باضطراب شئون الخلافة الموحدية، ووقوع الفتنة والحروب الأهلية حول كرسى الخلافة، وتدخل بعض طوائف العرب، مثل عرب الخُلط وبعض القبائل البربرية القوية، مثل هسكورة، في هذا النزاع، وتقلبهم في مناصرة المتنافسين على العرش، وعيثهم بأحواز العاصمة، ومهاجمتها أحيانا، وكانت المجاعة تقع حيثما تضطرم الفتنة، ومن ذلك ما يقصه علينا صاحب البيان المغرب، من وقوع المجاعة في مراكش، حينما هاجمها عرب الخلط، وعاثوا في أحوازها، فعدمت الأقوات وارتفعت الأسعار، وتحطمت المرافق، وعانى الناس منتهى الشدة، ووصل الربع الواحد من الدقيق إلى ثلاثة دنانير (١). وحدثت مجاعة مماثلة، حينما اضطر الخليفة الرشيد، أن يغادر الحضرة، أمام ضغط عرب الخلط، فقاسى الناس أهوالا، وخلت الأسواق من كل شىء، ووصل المد من القمح إلى سبعة دراهم، وأكل الناس فيتور الزيتون، ونوار الخروب، وغير ذلك من النباتات الطفيلية، وكانت محنة مروعة (٢). واستمرت الأزمات الاقتصادية، طوال أيام الفتنة، والحروب الأهلية بين الرشيد والخلط، والرشيد ويحيى بن الناصر، وخفت حدتها أيام السعيد والمرتضى، وكان القحط يقترن بوقوع الوباء. وفي سنة ٦٤٧ هـ، وقعت بمدينة سبتة وأحوازها مجاعة عظيمة، وغلاء فاحش، وذلك بسبب الفتن والحروب الأهلية المستمرة (٣). وكان صدى هذه الأزمات الاقتصادية، يحدث أثره في الأندلس. وكان من أثر المحن والأحداث السياسية في الأندلس، أن كانت أهوال الغلاء والجوع، تعصف بالناس من آن لآخر، وحدث ذلك في بلنسية حين حصارها، ووقعت شدة مماثلة بإشبيلية وقت حصارها ومات كثير من أهلها بسبب الجوع (٤). وكانت الفترة التي تلت قيام ابن هود، في شرقي الأندلس، وقيام ابن الأحمر في أواسط الأندلس، ثم في الجنوب، وما تخلل ذلك من فتن وحروب أهلية، وما قام به النصارى، من غزوات لأراضي الأندلس، ومن استيلائهم على معظم قواعدها الكبرى، وذلك كله في النصف الأول من القرن السابع الهجري، فيما بن سنتى ٦٢٠ و ٦٥٠ هـ، كانت هذه الفترة المدلهمة من تاريخ الأندلس، وما اقترن بها من محن ونوائب، وتشريد لأهل القواعد المفتوحة، وضياع للأموال والثروات، مليئة بالأزمات الإقتصادية
стр. 2351
وأهوال الغلاء والجوع والحرمان، والأوبئة، وكانت من أشد ما عانت الأمة الأندلسية عقب انهيار الحكم الموحدي، وما ترتب عليه، من انهيار خط دفاعها القديم، ووقوعها فريسة هينة للغزو النصراني.
...
وكانت المناصب الدينية تنحصر في القضاء، وهو أهمها، والشورى، وهي من متعلقات القضاء، والخطبة في المساجد الجامعة. وكان يعين في عاصمة كل ولاية قاض للجماعة، وهو يتولى اختيار نوابه في مناصب القضاء المحلية. وقد لبث القضاء في عهد الدولة الموحدية، سواء بالمغرب أو الأندلس، محتفظاً بأهميته وجلاله القديم. وكان الخليفة الموحدي، يقوم بتعيين قضاة الجماعة، في سائر المدن الكبرى، دون تدخل في ذلك من الولاة (١). وتتبع نفس القاعدة في تعيين قضاة الأندلس. ومما هو جدير بالذكر، أن الأندلسيين كانوا يستأثرون بمناصب القضاء في بلادهم، وذلك منذ أيام الدولة المرابطية، ولم تحاول الخلافة الموحدية أن تحيد عن ذلك التقليد الراسخ إلا في أحوال نادرة كان يتولى فيها القضاء بالأندلس بعض الممتازين من القضاة المغاربة (٢). بل لقد كان الخليفة الموحدي، يختار لقضاء الجماعة بمراكش، بعض اللامعين من فقهاء الأندلس، كما حدث أيام الخليفة أبي يعقوب يوسف حينما تولى قضاء الجماعة بالعاصمة الموحدية، أبو محمد المالقي، ثم أبو جعفر بن مضاء، وتولاه أيام الخليفة المنصور أبو جعفر بن مضاء، وأبو القاسم أحمد بن بقى، وشغل أبو القاسم نفس منصبه أيام الخليفة الناصر، وذلك حسبما ذكرنا في مواضعه من قبل. ويرجع ذلك كما هو واضح، إلى تفوق الدراسات الشرعية في الأندلس، وتفوق القضاة الأندلسيين في الفقه المالكى، وفي ممارسة الأحكام وتطبيقها. وقد لبثت الأندلس محتفظة بهذا التفوق، سواء في الكتابة أو القضاء، حتى إبان انحلالها في أواخر العهد الموحدي. وأما خطة الشورى، فقد كانت أيضاً من المناصب القضائية، ولكنها كانت حسبما يبدو من مختلف الإشارات الخاصة بها، أقل في الرتبة من القضاء. ويختص
стр. 2352
صاحبها بإبداء الرأي والفتوى في مسائل الأحكام، ويشغلها على الأغلب أحد الفقهاء. وفي مواضع كثيرة من " التكملة " وغيرها، يوصف صاحب هذه الوظيفة بأنه كان " فقيهاً مشاوراً "، أو أنه كان فقيهاً يشاور في الأحكام، أو أنه ولى " خطة الشورى " (١). وقد أورد لنا ابن الأبار نص كتاب صادر عن أمير مرسية، بتولية أبي بكر بن أبي جمرة خطة الشورى، يبين لنا ماهية هذه الخطة واختصاصها (٢).
وكانت خطة الأحكام، فيما يبدو أيضاً من شرح صاحب " التكملة "، وظيفة تابعة للقضاء، شبيهة بخطة الشورى، وكان صاحبها يضطلع بالفتيا أو إبداء الرأي في الأحكام الشرعية (٣).
وقد كانت للمواريث خطة خاصة بالرغم من كونها داخلة في اختصاص القضاء العام. وهذا ما يشير إليه ابن الأبار في غير موضع من " التكملة "، وهذا ما يدل على أهمية المواريث، والعناية بالدقة في تطبيقها (٤).
ويلحق بهذه المناصب القضائية منصب " حسبة السوق "، وقد أشار إليه ابن الأبار أيضاً، وهو في الحقيقة، ناحية، من نواحي الحسبة العامة، يتعلق بالإشراف على ضبط التعامل، وسلامة السلع المعروضة، وصحة الموازين، والمكاييل (٥).
ويلحق بالمناصب الدينية الهامة منصب الخطابة بجوامع المدن الكبرى، وكان لا يلي هذا المنصب إلا الفقهاء المبرزين في فن الخطابة، ولاسيما في جوامع قواعد كإشبيلية وقرطبة وغرناطة ومالقة وبلنسية، وأهمها في الرتبة منصب الخطابة بجامع إشبيلية وجامع قرطبة (٦). وكذلك كان يؤم الصلوات بجوامع المدن الكبرى " صاحب الصلاة " وكان منصبه يعتبر أيضاً من المناصب الدينية الكبيرة، ولاسيما إذا كان بجامع إشبيلية أو جامع قرطبة.
وكان منصب متولي شئون طلبة الحضر، من المناصب العلمية والدينية الرفيعة، وقد سبق أن أشرنا إلى نشأة هذه الطبقة من الطلاب الموحدين " المصامدة "
стр. 2353
وطلاب الحضر، منذ عصر الخليفة عبد المؤمن. وقد سما شأن هؤلاء الطلاب، ولاسيما في عهد الخليفة يعقوب المنصور، وكانت لهم لديه مكانة ملحوظة (١) وكان المقدم على طلبة الحضر بحضرة مراكش، ينتخب من أكابر العلماء، ويقوم الخليفة بتعيينه مباشرة، وقد تولى هذا المنصب علماء أجلاء، مثل أبي محمد المالقي، وأبيه عبد الرحمن المالقي من قبل (٢).
٢ - تطور الأساس الروحي للخلافة الموحدية
قامت الدولة الموحدية في بدايتها، حسبما قدمنا، على فكرة الإمامة والتوحيد، فلما توفي المهدي ابن تومرت، وقام في رياسة الدولة زعيم لا يتشح بثوب المهدية أو الإمامة الروحية، واتسعت رقعة الدولة، وعظمت صولتها العسكرية، والسياسية، تحولت الخلافة الموحدية على يد عبد المؤمن، إلى ملك دنيوى باذخ، وغاضت فكرة الإمامة المهدية شيئاً فشيئاً، وإن كانت الدولة الموحدية، قد لبثت حريصة على تقديس ذكرى المهدي، ونعته دائماً في الخطب والرسائل الرسمية " بالإمام المعصوم، المهدي المعلوم "، وذكر اسمه في السِّكة، والمناداة بشعائره البربرية القديمة في أوقات الصلاة. واستمر الأمر على ذلك حتى عهد الخليفة يعقوب المنصور، وفيه بلغت الدولة الموحدية أوج عظمتها وروعتها. وكان المنصور عالماً مستنيراً، متمكناً من الشريعة وعلوم الدين، ولم يكن حسبما تبين بعض من تصرفاته المذهبية، من الغلاة في تقدير العقيدة الموحدية، أو المؤمنين بعصمة المهدي ابن تومرت، بيد أنه بالرغم من عظيم هيبته وسلطانه، وبالرغم مما قام به من تغييرات مذهبية بعيدة المدى، مثل مطاردة كتب المذهب المالكى، وإحياء المذهب الظاهرى، فإن الخلافة الموحدية لبثت مع ذلك تنضوى من الناحية الدستورية تحت لواء " الدعوة المهدية "، ولبثت رسائلها الرسمية تتوج " بالرضا عن الإمام المعصوم المهدي المعلوم " (٣).
على أنه لم يك ثمة شك، في أن العقيدة الموحدية لم تكن عندئذ، سوى
стр. 2354
شعار إسمي، وأن إبقاء الخليفة الموحدي، على رسوم المهدي ابن تومرت، لم يكن سوى إجراء شكلى، يقصد به إلى جمع كلمة الموحدين، تحت شعار موحد، وكانت هذه سياسة حكيمة من جانب الخلافة الموحدية، كان لها أثرها القوي في تدعيم أركان الدولة، وحمايتها من أخطار الفتنة والتفرق.
فلما كان عهد الخليفة أبي العُلي المأمون ولد الخليفة المنصور، وقع الحدث الحسم، في دستور الخلافة الموحدية، وشعارها الروحى، وأصدر المأمون مرسومه الشهير (٦٢٧ هـ) بإزالة اسم المهدي من الخطبة، ومن السكة، ومن المخاطبات الرسمية، وقطع النداء عند الصلوات بشعائره البربرية، التي كان العمل جاريا باتباعها منذ بداية الدولة الموحدية، ولم يحجم المأمون عن أن يصرح في كتابه الرسمى الذي أنشأه بنفسه، أن وصف ابن تومرت " بالمهدي وبالإمام المعصوم " إنما هو نفاق وبدعة وأمر باطل، وأنه يجب نبذه والقضاء عليه (١).
وهكذا قضى بضربة جريئة على أسطورة المهدي ابن تومرت، وأسطورة إمامته وعصمته، وهي الأسطورة التي اتشح بها ابن تومرت، وبويع في ظلها بجبل إيجليز في رمضان سنة ٥١٥ هـ (ديسمبر سنة ١١٢١ م)، وكانت هي الأساس الروحى لقيام الدولة الموحدية.
وفضلا عن ذلك فقد قضى المأمون على عصبة الموحدين، بقتله لزعمائهم الذين نكثوا بيعته، حتى فنى معظمهم، وفر الباقون ليعتصموا بجبالهم القديمة في تينملل، وبذلك ضربت الزعامة الموحدية في الصميم، وفقدت الخلافة الموحدية بذلك عضدا، كان له في عونها ومؤازرتها، قيمته الأدبية والمادية.
ثم كانت خلافة الرشيد، ولد المأمون، فوقع تطور جديد في رسوم الخلافة الموحدية وأسسها الروحية. وذلك أن الرشيد شعر بأهمية مؤازرة أشياخ الموحدين، واتجه إلى استرضائهم، واستعادتهم إلى جانب الخلافة الموحدية، وقبل الزعماء الموحدون، أن يعودوا إلى سابق ولائهم، وتعاونهم مع الخلافة، على أن تعود رسوم الدعوة المهدية كما كانت، من ذكر المهدي في الخطبة والسكة، والنداءات الموحدية في الصلوات، وغير ذلك مما كان العمل جاريا عليه، قبل أن يصدر المأمون مرسومه بإلغاء الدعوة المهدية. وقبل الرشيد ذلك، وقام بتنفيذه، وأعيدت رسوم الدعوة المهدية كما كانت. بيد أنها لم تكن يومئذ سوى
стр. 2355
إجراء شكلي، وشبح باهت، ولم تلبث الخلافة الموحدية، أن دخلت في مرحلة انحلالها الأخير، وأخذت تسير إلى قضائها المحتوم.
٣ - النظم العسكرية
ليس ثمة شك في أن القوة العسكرية، كانت منذ البداية، عماد الدولة الموحدية الأول، وقد بلغت التنظيمات العسكرية في ظل الدولة الموحدية، من حيث الضخامة مبلغاً لم تبلغه في أية دولة أخرى، في الغرب الإسلامي.
وقد كانت الحشود القبلية، هي المصدر الرئيسي للجيوش الموحدية. وقد بدأت هذه الحشود بصورة متواضعة، حينما أعلن المهدي ابن تومرت إمامته، وبايعته القبائل الموحدية، وأخذ يتأهب لمحاربة المرابطين. وكان المهدي هو أول من وضع نظاما عسكريا لأنصاره الموحدين، فرتبهم صفوفا، وجعل لكل عشرة منهم نقيباً. والتقت هذه الحشود القبلية لأول مرة بالمرابطين، وهي قليلة ْالأهبة، قليلة العدة، ودون نظام عسكري محكم، فكانت الحماسة لديها تغنى عن السلاح والنظام، وكانت انتصاراتها في المعارك الصغيرة الأولى، التي نشبت بينها وبين المرابطين، تذكى من عزمها وإقدامها، وتساعد في تضخم جموعها. وهكذا بدأ الجيش الموحدي في التجمع والانتظام، وإذا استثنينا موقعة البحيرة، التي فنى فيها معظم الجيش الموحدي الأول تحت أسوار مراكش، فإن الجيوش الموحدية، لم تلبث أن نهضت من هذه الضربة، وعادت منذ خلافة عبد المؤمن إلى سابق منعتها وتضخمها.
واتخذ المهدي لجيشه منذ البداية علما أبيض، كتب على أحد وجهيه " الواحد الله. محمد رسول الله. المهدي خليفة الله "، وكتب على الوجه الثاني " وما من إله إلا الله. وما توفيقى إلا بالله. وأفوض أمرى إلى الله " (١). وقد لبث البياض شعار العلم الموحدي دهراً، ولكن مع تغيير الأدعية والآيات التي تكتب عليه، ثم غيرت ألوانه بعد ذلك فيما يبدو، في أواخر عهد الدولة الموحدية، حسبما يبدو ذلك من ألوان العلم الموحدي الذي غنمه القشتاليون في معركة العقاب ٦٠٩ هـ، والذى يحفظ حتى اليوم في دير برغش الملكي (٢).
وفي عهد عهد المؤمن بن علي، أول الخلفاء الموحدين، اتسع نطاق الجيوش الموحدية، وزادت حشودها زيادة هائلة، وذلك بعد أن دانت سائر
стр. 2356
قبائل المغرب للطاعة، وأخذت تساهم بحشودها في الجيوش الموحدية، وبالرغم من أن الحشود كان يجرى تنظيمها على أساس قبلى محض، فقد استطاع عبد المؤمن بسياسته في تأليف القبائل المختلفة، أن يؤلف بين هذه الحشود القبلية، وأن يجعل منها وحدة عظيمة متناسقة كانت هي عماد الجيش الموحدي، وقد استطاع عبد المؤمن من أن يحشد لغزو إفريقية جيشاً جراراً تقدره الرواية بخمسة وسبعين ألف فارس وخمسمائة ألف راجل، وهو رقم هائل في ذلك العصر (١). وقد وصف لنا صاحب الحلل الموشية بهذه المناسبة، طريقة مسير الجيش الموحدي، وخلاصتها أن يبدأ السير عقب صلاة الصبح، على صوت طبل الرحيل، فإذا ركب الخليفة، اجتمع حوله الأشياخ والأعيان، ويسير على بعد منه نحو مائة فارس، ويتقدم الموكب الخليفى مصحف عثمان، وهو في تابوته المغلف بصفائح الذهب، والمرصع بالياقوت الأحمر، موضوع في هودج يحمله نجيب، ويتبعه الخليفة ومن ورائه أولاده، ثم البنود والطبول، فالوزراء وأكابر الدولة. وتسير الجيوش على ترتيبها، دون تزاحم، فلا يتعدى أحد طوره، فإذا كان وقت النزول، نزلت كل قبيلة في منزلها، وكانت محلة الجيش تضم إلى جانب موارد المؤن، جميع الصناع وسائر أرباب الحرف، وكل ما يحتاج إليه " كأن المسافر معهم مقيم " (٢).
وكانت سلا ورباط الفتح، مركزاً لتجميع الجيوش الموحدية، سواء الذاهبة منها إلى إفريقية، أو تلك التي تقصد العبور إلى الأندلس، وكانت المنطقة الواقعة شمالا،، فيما بين سلا وسبتة، تحتوي عدة مراكز كبيرة متتالية لتخزين المؤن اللازمة لإمداد الجيوش الذاهبة والعائدة. وكان طريق العبور المفضل للجيوش الموحدية، إلى شبه الجزيرة، قصر مصمودة أو القصر الصغير، الواقع على مسافة قريبة غربي سبتة. وموضع نزولها المفضل في شبه الجزيرة، هو ثغر طريف أو الجزيرة الخضراء، وذلك بالرغم مما قام به الخليفة عبد المؤمن من إعداد جبل طارق لنزول الجيوش الموحدية، وتزويدها بالحصون والمرافق اللازمة.
وقد سبق أن أشرنا إلى رواية ابن اليسع عن ابتكار الموحدين، منذ عصر عبد المؤمن، لخطة المربع الموحدي، التي اتخذت من ذلك الوقت، أساسا لخطط
стр. 2357
الدفاع الموحدية، وخلاصتها أن " تصنع دارة مربعة في بسيط المعركة، يجعل فيها من جهاتها الأربع، صف من الرجال بأيديهم القنا الطوال، والطوارق المانعة، ومن ورائهم أصحاب الدروق والحراب صفاً ثانياً، ومن ورائهم أصحاب المخالى فيها الحجارة صفاً ثالثاً، ومن وراء هؤلاء الرماة صفاً رابعاً. وفي وسط المربعة، ترابط قوي الفرسان ". وكانت صفوف الفرسان تخصص لها أمكنة معينة، في جميع جوانب المربع، وتفتح لها مخارج سريعة تستطيع أن تنطلق منها، ثم تعود إلى أماكنها الداخلية، دون أن تخل بنظام الرجّالة (المشاة). ويقوم بالهجوم الأول قوات المتطوعة المجاهدة، تؤيدها القوات الخفيفة، فإذا استطاع العدو أن يرد هؤلاء، وأن يتقدم حتى مواقف الجنود الموحدية النظامية، وقف حملة الحراب أمامه كالسد الحديدى الذي لا يخترق، واستقبله الرماة من حملة القسى والنبال بسيل من السهام والحجارة، فإذا استطاع العدو أن يخترق الصف الأول وهم حملة الحراب، استقبله حملة السيوف والدروع متأهبين لرده، وبادر الفرسان إلى معاونتهم من الأماكن الداخلية، فإذا استطاع العدو بعد كل ما تقدم، أن يتغلب على القلب والجناحين، فعندئذ يقوم الجيش الموحدي بالضربة الأخيرة، وتتقدم قوات الضلع الرابع من المربع، وهي الساقة أو الاحتياطى، المكون من صفوة الجند، ولاسيما الحرس الخاص، ويقودها الخليفة بنفسه، وكثيراً ما كانت هذه الصفوف الاحتياطية، تساعد على إحراز النصر بشجاعتها وخبرتها. وكانت هذه القوات تمتنع أحيانا داخل نطاق من السلاسل الحديدية، تبرز من خلالها الحراب الطويلة، فتثخن بذلك في العدو متى اجترأ على الدنو منها (١).
وكان التجمع القبلى حسبما أشرنا من قبل، هو الدعامة الأولى لحشد الجيوش الموحدية، وكانت معظم الحشود تجمع من القبائل الموحدية الرئيسية، التي يرتكز إليها هيكل الدولة الموحدية، والتي ذكرناها فيما تقدم، ومعظمها ينتمى إلى مصمودة. ولما اتسع نطاق الغزوات الموحدية في المغرب والأندلس، ولم تعد القبائل البربرية تكفى وحدها، لإمداد الجيوش الموحدية، بما تحتاج إليه من الحشود الضخمة، عمدت الخلافة الموحدية إلى التفكير في استمالة طوائف
стр. 2358
العرب النازحين لإفريقية، والاستعانة بهم في مختلف حروبها وغزواتها، ومن أول من فكر في ذلك الخليفة عبد المؤمن، وذلك حينما اصطدم بأولئك العرب لأول مرة عند افتتاحه لبجاية، ثم افتتاحه للمهدية، بيد أنه لم ينجح في ذلك نجاحا يذكر. فلما تولى الخلافة ولده أبو يعقوب يوسف، بذل في سبيل استنفار طوائف العرب، واستمالتها إلى المشاركة في الجهاد بالأندلس جهوداً مضاعفة، واستعان في ذلك بتوجيه القصائد الرنانة لهم، وكان ممن اشترك في توجيه الشعر إليهم طبيبه الفيلسوف ابن طفيل، فوجه إليهم قصيدته الرائعة التي مطلعها:
أقيموا صدور الخيل نحو المضارب ... لغزو الأعادي واقتناء الرغائب
ونجحت هذه المحاولة، في استمالة طوائف كبيرة، من عرب هلال وسُليم وزغبة ورياح وغيرهم، إلى الانضمام إلى الجيوش الموحدية المجاهدة، وغمرهم الخليفة بإنعاماته وصلاته، من المال والكساء والسلاح، وذلك كله حسبما سبق أن فصلناه في موضعه (١).
ومن ذلك الحين تؤلف طوائف العرب، جناحا هاما في الجيوش الموحدية، وتشترك في سائر الحروب والغزوات الموحدية بالمغرب والأندلس. بيد أنه تبين فيما بعد، في كثير من الوقائع، أن انضمام أولئك العرب إلى الجيش الموحدي، كان خطأ عسكرياً فادحاً، وأن ضررهم كان أكثر من نفعهم في مشاركته، وذلك لما كانوا يتسمون به من التقلب وعدم الولاء، وشغف انتهاز الفرص السانحة. وقد خذلوا الجيش الموحدي في كثير من الوقائع في إفريقية والأندلس. وقد كان اجتذاب الخلافة الموحدية، لهذه الطوائف العربية، يرمى إلى تحقيق غايتين: الأولى إنقاذ إفريقية من عيثهم وتخريبهم المستمر، والثاني الاستعانة بهم في أعمال الجهاد بالأندلس. ولكن تبين على ضوء الحوادث، أنهم لبثوا في إفريقية عامل تخريب ودمار، طوال أيام ثورة بني غانية، يتقلبون طول الوقت بين الفريقين المتحاربين، وأنهم كانوا في الحملات الموحدية بالأندلس عامل تثبيط وخذلان. على أن السياسة الموحدية لم تعدل عن المضي في سياستها، في استمالة العرب ومصانعتهم حتى النهاية. فنراهم في أواخر عهد الخلافة الموحدية يشغلون في شئونها، وفي تكييف مصيرها، مكانة ملحوظة. ونرى الخليفة الموحدي، عند اضطرام الحرب الأهلية بينه وبين منافسيه، يستعين بعرب الخُلط، وأحيانا
стр. 2359
بعرب سفيان وبنى جابر، ونراه يقوم بتعيين مشايخ هذه الطوائف، ونرى هذه الطوائف، تلعب في الأعوام الأخيرة الحاسمة، من حياة الدولة الموحدية، في مصايرها دوراً له خطره.
وكذا كانت القوات الأندلسية، تؤلف بالجيش الموحدي بالأندلس جناحا هاما، وتشترك في سائر الغزوات والحروب التي تشهرها الجيوش الموحدية ضد النصارى، سواء في البرتغال أو في الممالك الإسبانية. وكانت القوات الأندلسية، تمتاز بشجاعتها ودربتها، وولائها لقضية الإسلام بالأندلس، وكانت تقاتل في طليعة الجيوش الموحدية، لخبرتها بقتال النصارى، وتغدو في معظم الأحيان عاملا من عوامل النصر.
وكان الخليفة الموحدي، يقود جيوشه في الحملات والغزوات الكبرى، بالمغرب والأندلس، وكان قبيل نشوب المعركة، أو بداية الغزو، يعقد مؤتمراً حربياً لوضع خطة الغزو، ويستمع فيه إلى آراء قادته (١). وكان لآراء القادة الأندلسيين، في غزوات شبه الجزيرة رأى مسموع، وقد دلت الحوادث غير مرة، على سلامة آرائهم ونصحهم. ومتى عبىء الجيش تعبئة قتال، ضربت قبة الخليفة الحمراء، ورفع فوقها العلم الموحدي الأبيض، وأحيطت بالسلاسل الحديدية الضخمة، وكانت تضرب عادة في ساقة الجيش، ويحف بها الحرس الخليفى، وهو يتألف عادة من الجند العبيد، ونخبة من الجند البربر، يحملون الرماح الطويلة، وكان الخليفة، متى رأى قواته خلال المعركة في حاجة إلى العون، يقود الساقة بنفسه، ويشد أزر قواته، ويعاونها بذلك على إحراز النصر، وقد تقع الكارثة فيهلك الخليفة، كما حدث لأبي يعقوب يوسف في نكبة شنترين، أو يلجأ إلى الفرار، كما حدث للناصر في موقعة العقاب.
وعلى غرار ما حدث للجيوش المرابطية، في أواخر عهدها، من الاستعانة بالمرتزقة النصارى، لجأ الخليفة الموحدي، إلى حشد المرتزقة النصارى في جيشه وذلك منذ أيام الخليفة المأمون. ونحن نعرف قصة التجاء المأمون إلى ملك قشتالة فرناندو الثالث، والثمن الفادح الذي دفعه إليه، لقاء عونه إياه بفرقة من الفرسان النصارى، لكي يعبر بها إلى المغرب، ويستعين بها على مقاتلة خصمه يحيى المنتصر، وانتزاع الخلافة منه، ومنها أن تقام كنيسة كبيرة للنصارى في مراكش،
стр. 2360
وكانت هذه الفرقة، وعددها نحو خمسمائة فارس، هي أساس القوة النصرانية أو جيش الروم بالجيش الموحدي. وقد لعب الجند النصارى في عهد المأمون، وولده الرشيد أدوارا حاسمة، في المعارك التي خاضتها الخلافة الموحدية يومئذ ضد خصومها، وقامت بمراكش تحت رعاية الفرقة النصرانية، جالية نصرانية كبيرة، وقد استعملت البنود والطبول بالجيش الموحدي منذ البداية، وكذلك بالأساطيل الموحدية، وكان لها فرق خاصة، ونظم معينة تجرى عليها، وكانت تستعمل عند الرحيل، وعند بدء المعركة، وعند كل إجراء عام يجب أن يقوم به الجند، وكان منها الطبل الكبير الذي يضرب للرحيل، وهو مستدير الشكل يبلغ دوره خمسة عشر ذراعا من خشب أخضر اللون، مذهب الحافة، وكان يضرب للرحيل ثلاث مرات، ويسمع على مسيرة نصف يوم، من مكان مرتفع في يوم لا ريح فيه (١). وكانت الرسائل تستعمل لإذاعة الأوامر والنواهى، والانتصارات. وعند النصر يقترن ذلك بالاحتفال والإطعام.
وكانت الإنعامات والبركات من أخص امتيازات الجيش الموحدي، ولاسيما في إبان ازدهار الدولة وقوتها، وكان ذلك يشتمل فضلا عن منح الأجور والأعطية للجند، على إقامة المآدب للطعام، وتوزيع الأسلحة والكسى، وكان كساء الفارس عبارة عن طقم كامل من عفارة وعمامة وكساء وقسطة وشقة. وهذا عدا مبالغ من النقود الذهبية تصل للقادة والأعيان أحيانا إلى مائة دينار لكل منهم (٢)، وكذلك لأشياخ العرب مائة دينار لكل منهم، وللفارس عشرون دينارا، وكان النظام القبلى، هو حسبما قدمنا، أساس حشد الجيوش الموحدية، فتقدم كل قبيلة ما يتعين عليها من الفرسان والرجّالة، عند الاستنفار العام.
وكان نظام التطوع يقوم كذلك إلى جانب نظام الحشد الجبرى، فتحشد أعداد كبيرة من الجند على سبيل التطوع دون تكليف، ويسمى هؤلاء بالمطوعة (٣) وتعنى الخلافة الموحدية في نفس الوقت، وعند الاستعداد للجهاد، باستجلاب الخيل والعدد والأسلحة والرماح والبيضات والدروع والتروس وكذلك الكسى، وتوزيعها على الفرسان والجند وفق نظام معين.
ولم تغفل الخلافة الموحدية عن أهمية القوي البحرية، وخصوصاً منذ
стр. 2361
استولت على إفريقية والأندلس. ومنذ عصر عبد المؤمن أول الخلفاء الموحدين، نرى الخلافة الموحدية، فضلا عما آل إليها من بقايا الأسطول المرابطي، تعنى بإنشاء القطائع البحرية سواء في مياه المغرب، أو إفريقية أو الأندلس. وقد أنشأ عبد المؤمن في أواخر عهده عدداً ضخماً من هذه القطائع بلغ نحو ثلاثمائة أو أربعمائة، كانت عماد الأسطول الموحدي الكبير، وكان الأسطول، فضلا عن قيامه بنقل الجيوش الموحدية الزاخرة، وعتادها الهائل، عبر المضيق إلى الأندلس في الذهاب والأوبة، يقوم بحراسة الشواطىء الأندلسية، من مياه البرتغال جنوبا، حتى مياه بلنسية والجزائر الشرقية، وشواطىء المغرب الشمالية حتى مياه تونس والمهدية. وكانت للأسطول الموحدي وحدات كبيرة، ترابط في المعمورة وسبتة، وتونس، ومالقة وقادس، وأحيانا في مياه البرتغال الجنوبية. وقد لعب الأسطول الموحدي أدواراً هامة في معارك الخلافة الموحدية مع البرتغال، وكذلك في افتتاح المهدية، وحوادث الصراع مع بني غانية، وفي افتتاح الجزائر الشرقية، وغيرها من مواطن الصراع بينها وبين خصومها.
وكانت شئون الجيش، توكل إلى ديوانين أو وزارتين هامتين: الأول هو ديوان العسكر، وعلى رأسه وزير، يكون في الغالب من الجند، يشرف على كل ما يتعلق بشئون الجيش (١). والثاني هو ديوان التمييز. وقد رأينا كيف بدأ التمييز في بداية الدولة الموحدية، إجراء تعسفياً لاستبعاد الخصوم أو المارقين أو إعدامهم، وتطهير صفوف الجيش منهم، ثم تطور هذا الإجراء بمضى الزمن، وأصبح ينصرف إلى اختيار الصفوة من الجند، وكان يجرى التمييز قبيل كل غزوة أو حرب هامة، يضطلع بها الخليفة الموحدي، ويعمل بالتمييز زمام، ويقرن بالإنعام والبركات على الجند الذين فازوا بالتمييز. وكان يتولى ديوان التمييز، وزير يسمى كاتب ديوان التمييز (٢)، وكان للجيش في نفس الوقت، في ديوان الكتابة، كاتب أو أكثر يختصون بالكتابة في شئونه.
وكان حج الخليفة الموحدي إلى قبر المهدي وقبور آبائه بتينملّل، من الرسوم المأثورة، وكان الخليفة يقوم بهذه الزيارة حينما يعتزم الغزو، أو الاضطلاع بعظائم الأمور، وكانت تعتبر دائما حركة مباركة، وعنوان التشجيع والتيمن.
بيد أنه بالرغم مما بلغه الجيش الموحدي، في ظل الخلفاء الأقوياء منذ عبد المؤمن
стр. 2362
حتى نهاية عهد المنصور، من الضخامة والقوة، فإنه كانت توجد به ثمة ثغرات، تعرضه من آن لآخر إلى وقوع الكوارث المؤلمة. ومن ذلك فوضى القيادة، فإنه لم تكن للجيش من بعد عبد المؤمن قيادة قوية حازمة، وكان اختيار القادة يتوقف على الظروف، ويتم غالبا قبيل وقوع الغزو أو المعركة المرتقبة، هذا مع اعتبار الخليفة دائماً هو القائد الأول لجيشه، وكان استئثار الخليفة بالقيادة، وعدم استماعه للخبراء من قادته، ينتهي بالفشل كما حدث في غزوة وبذه، أو بالكارثة كما حدث في موقعة شنترين. ولم يوفق المنصور إلى نصره الباهر في معركة الأرك، إلا بفضل حزمه ونصح قادته، ولاسيما القادة الأندلسيين، وكان اختيار القادة يتأثر غالبا بصلات القربى والمصاهرة، مما يترتب عليه استبعاد القادة الأكفاء. وكان حظ القيادة الأندلسية، على كفايتها وخبرتها بحروب شبه الجزيرة ضئيلا، وقد أدت هذه الفوضى في تنظيم القيادة الموحدية واختيارها، إلى هزيمة الجيش الموحدي غير مرة، في ظروف كان يلوح فيها أن النصر قريب منه.
وكان اختلال التموين في الجيوش الموحدية، يحدث كذلك أثره السىء في كفاية هذه الجيوش ومقدرتها. وقد كان امتداد خطوط التموين من أعماق المغرب عبر البحر إلى الأندلس، مسافات طويلة، أهم سبب في هذا الاختلال. وبالرغم من إقامة قواعد التموين الهائلة فيما بين سلا وسبتة، ولاسيما في وادي سبو، فإن الجيوش الموحدية، كانت حينما تعبر إلى شبه الجزيرة، وتتوغل في أراضي العدو، تشعر بنقص في تموينها، وكان هذا النقص، يؤدي في بعض الأحيان إلى اختلال نظام الجيش كله، وإلى انشغال معظم الجند بالبحث عن القوت. وقد تحدثنا فيما تقدم، غير مرة، عن هذه الظاهرة المؤسفة في نظام الجيش الموحدي.
وكان من أهم ما تمتاز به الجيوش الموحدية، تفوقها في فن الحصار، ومقدرتها على اقتحام المدن المنيعة، بالآلات الفتاكة. وقد كانت تتفوق في ذلك تفوقاً واضحاً، على الجيوش المرابطية، وكانت أمنع الأسوار والتحصينات تتحطم تحت ضربات هذه الآلات المدمرة. وقد دلل الموحدون على هذا التفوق في حوادث كثيرة، سواء في إفريقية أو في اسبانيا أو البرتغال، حينما كانت تنهار تحصينات المدن والقلاع المنيعة، أمام قصف مجانقهم وآلاتهم المدمرة، ولنا من ذلك أمثلة بارزة في حوادث حصار وهران والمهدية بإفريقية. وطرُّش وحصن
стр. 2363
القصر أو قصر أبي دانس وشلب بالبرتغال. ومن جهة أخرى، فإنه مما يلفت النظر، أن الموحدين لم يقتصروا على استعمال الآلات القديمة وتحسينها، بل كانوا يستعملون آلات جديدة قاذفة، تقذف الحجارة والكرات الحديدية الملتهبة. وفي أواخر العهد الموحدي بالأندلس نرى الموحدين في لبلة حين حصارها، يطلقون على القوات النصرانية المحاصرة، آلات تقذف الحجارة والحديد، ويصحبها دوى كالرعد، تشبه المدافع البدائية (١). وكان الموحدون في نفس الوقت يتفوقون في تشييد الحصون والمنشآت الدفاعية، ومازالت أطلال قصبة بطليوس العظيمة، وقلعة جابر، والأسوار الموحدية في إشبيلية ولبلة، تقوم شاهداً على هذا التفوق في فنون التحصينات.
ولما وقعت نكبة العقاب المشئومة، وسحقت الجيوش الموحدية، وتعذر على الخلافة الموحدية أن تبعث حشودها إلى الأندلس، انهارت الجبهة الدفاعية الأندلسية، ونهضت الممالك الإسبانية النصرانية لتجنى ثمار نصرها، وتلتهم من أشلاء الأندلس المهيضة ما استطاعت، وشغل الولاة الموحدون، وشغلت القوات الموحدية القليلة الباقية، بما نشب حول كرسى الخلافة الموحدية من خلاف، بدأ بالمغرب، وتردد صداه بالأندلس، فنهض أبو محمد عبد الله بن يعقوب المنصور، المتلقب بالعادل، أولا بإشبيلية، ونادى لنفسه بالخلافة ضد عمه أبي محمد عبد الواحد، وقام من بعده أيضاً بإشبيلية أخوه أبو العلى إدريس المتلقب بالمأمون، مدعيا الخلافة لنفسه، وتركت الأندلس لمصيرها، بعد أن تخلت عنها الخلافة الموحدية، تحاول بمواردها وقواها المضعضعة، أن تقف في وجه السيل المتدفق عليها، من جيوش الفتح الإسبانية، ولكن هيهات، فقد كانت مصاير الأندلس كلها، ترتجف في كفة القدر، وكان أن فقدت الأندلس، سائر قواعدها الكبرى، في أقل من ربع قرن.
٤ - الحكومة الموحدية بالأندلس
كانت نظم الحكم المرابطية للأندلس، يغلب عليها الطابع العسكرى، وكان معظم حكام الولايات الأندلسية، من قادة الجيش البارزين، مثل سير بن أبي بكر اللمتوني، ومحمد بن الحاج، ومزدلي بن تيولتكان، ويحيى بن غانية، وغيرهم من أكابر القادة. ولكن النظم الموحدية، كانت أميل إلى الطابع المدنى، وكانت
стр. 2364
الأندلس، أو شبه جزيرة الأندلس كما كانت تنعت في الرسائل الموحدية الرسمية، تعتبر خلال العصر الموحدي، مثلما كانت عليه في العهد المرابطي، قطراً من أقطار الدولة الموحدية الكبرى. وكانت تنقسم إلى عدة ولايات أو عمالات، هي ولاية الغرب (شلب وأحوازها)، وباجة ويابره، وبطليوس وماردة وأحوازهما، وإشبيلية وكانت أعظمها رقعة، وتشتمل على قواعد شريش وشذونة وأركش وقرمونة وإستجه، وقرطبة وأحوازها، وجيان وأحوازها، وتشتمل على بياسة وأبدة، وغرناطة وتشتمل على وادي آش وبسطة والمنكب وألمرية وأحوازها، ومالقة وأحوازها، وكانت عمالاتها تضم أحيانا إلى سبتة والجزيرة الخضراء (١)، وبلنسية وتشتمل على قواعد قسطلونة، والجزيرة وشاطبة ودانية والجزائر الشرقية (وذلك قبل أن يستقل بها بنو غانية)، ومرسية وتشتمل على لقنت، وأوريولة ولورقة. وكان يتولى حكم هذه الولايات عادة أبناء الخليفة وإخوته أو قرابته وأصهاره. وكانت مدينة إشبيلية هي مركز الحكومة الموحدية العامة بالأندلس لما تقدم شرحه من الأسباب والبواعث، العمرانية والجغرافية والعسكرية، وقد نقلت منها الحكومة إلى قرطبة في أواخر عهد عبد المؤمن، ولكن لفترة قصيرة فقط، ثم أعيدت إلى إشبيلية، وبقيت بها حتى نهاية العهد الموحدي. وكان يتولى منصب الحاكم العام للأندلس، على الأغلب واحد من أبناء الخليفة أو إخوته، وكان أول من تولاه من أبناء الخليفة السيد أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، وذلك في سنة ٥٥١ هـ، وذلك تحقيقاً لرغبة أشياخ إشبيلية (٢). وفي إشبيلية، كان ينتظم حول ولد الخليفة، أو أخيه، بلاط موحدى صغير، كان يسطع أحيانا بمن يلتف حول السيد الحاكم، من أكابر الشخصيات الأندلسية المعاصرة، وقد كان هذا شأن بلاط السيد أبي يعقوب يوسف حينما كان يتولى حكم إشبيلية، ثم بعد ذلك لما عاد إليها بعد وفاة أبيه، متشحا بثوب الخلافة، وأقام بها بضعة أعوام. وكذلك سطع البلاط الموحدي بإشبيلية، أيام أن أقام بها ولده الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور، وحظيت إشبيلية في عهد أبي يعقوب وولده المنصور بطائفة من الصروح والمنشآت العمرانية العظيمة مثل جامع إشبيلية الأعظم، وصومعته الرائعة (لاخيرالدا)، والقصور والبساتين الموحدية خارج باب جهور، وحصن الفرج، وقنطرة طريانة، وغيرها مما سبق أن فصلناه في موضعه.
стр. 2365
وكان لكل ولاية أندلسية حكومتها المحلية، تضم إلى جانب الوالي الموحدي، الوزير والكاتب وصاحب العمل، والمشرف على الجباية، هذا عدا المناصب الدينية من القضاء والخطبة والشورى وغيرها. وكانت تؤلف هذه الحكومات المحلية عادة من أهل الأندلس، وهم يختصون عادة بمناصب الكتابة والقضاء. وكان بعض السادة من أبناء الخليفة أو إخوته، يستخدمون في حكوماتهم المحلية أكابر كتاب الأندلس، جريا على سنة بلاط مراكش، فنرى مثلا السيد أبا سعيد ابن الخليفة عبد المؤمن، حين ولايته لغرناطة، يستخدم لكتابته، الكاتب والشاعر الكبير أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسى (١). ونرى في أواخر العهد الموحدي، السيد أبا زيد بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن والي بلنسية، يستخدم لوزارته وكتابته، كاتبا من أعظم كتاب الأندلس وشعرائها هو ابن الأبار القضاعى (٢). بيد أنه كانت تسند بعض المناصب الحساسة، إلى الموحدين، مثل الإشراف على الجباية والأعمال. أما حكم القواعد فكان يسند على الأغلب إلى حكام من الأندلسيين، الموثوق بولائهم وإخلاصهم للحكم الموحدي.
وكانت إشبيلية فضلا عن كونها مركز الحكومة الموحدية العامة، تتخذ في نفس الوقت، مركزاً لتجمع الجيوش الموحدية، القادمة من وراء البحر، أو العائدة من الغزو، لتعبر البحر مرة أخرى إلى أوطانها بالمغرب.
وكانت القوات الأندلسية، حسبما ذكرنا في موضعه، تؤلف جناحاً خاصاً في الجيوش الموحدية الوافدة إلى شبه الجزيرة، وكانت تقوم بحراسة كثير من الحصون في مناطق الحدود، إما مستقلة، وإما بالاشتراك مع بعض الحاميات الموحدية. وكان لجند الأندلس قيادتها الأندلسية الخاصة، إلى جانب القيادة الموحدية، وكانت هذه القيادة الأندلسية تلعب أدواراً هامة في التوجيه والإرشاد في بعض المعارك الكبرى.
ومما هو جدير بالذكر أن مملكة الشرق، أعني منطقة بلنسية ومرسية، كانت خاضعة قبل سقوطها في أيدي الموحدين في سنة ٥٦٧ هـ (١١٧١ م) لحكومة أندلسية محضة، كانت تقوم بحكمها وفقاً للتقاليد الأندلسية الخالصة، وقد لبثت هذه المنطقة دائماً، حتى بعد استيلاء الموحدين عليها، تحتفظ بطابع أندلسي قوي، يميزها عن بقية المناطق الأندلسية في الوسط وفي الغرب. ويرجع ذلك من بعض
стр. 2366
الوجوه إلى حظوة آل مردنيش بعد وفاة عميدهم محمد بن سعد، لدى الخليفة الموحدي، وإلى موافقة الخليفة على استبقاء آل مردنيش لسلطانهم ونفوذهم في تلك المنطقة مدى حين. ولما تضعضع سلطان الحكومة الموحدية، بعد ذلك بنحو ثلث قرن، على أثر نكبة الجيوش الموحدية في موقعة العقاب (٦٠٩ هـ) وضعفت الحاميات الموحدية المحلية، كان شرقي الأندلس كذلك، أول المناطق التي قامت بها الحركة التحريرية الأندلسية، على يد المتوكل بن هود، في مرسية وأحوازها، والرئيس أبي جميل زيان بن مردنيش في بلنسية. ولم يكن ذلك سوى تجديد للحركة القومية الأندلسية، التي اضطرمت ضد الحكم الموحدي في شرقي الأندلس، على يد محمد بن سعد بن مردنيش، ولبثت صامدة زهاء ربع قرن. بيد أن هذه المرحلة الأخيرة من الحركة القومية الأندلسية، كانت ضعيفة، ولم يكتب لها الصمود، إزاء توثب الممالك النصرانية وهجماتها المتوالية، فكانت بداية المحنة ونذير الانهيار.
ونهض محمد بن الأحمر في أواسط الأندلس، فكانت ثمة حركة قومية أندلسية أخرى. وكانت هذه الحركات القومية الأندلسية المحلية، في الظروف الدقيقة التي كانت تعمل فيها، وبالرغم من صفتها القومية والتحريرية، تصطبغ بلون انتحارى مؤلم، وكانت الزعامات والقوى الموحدية، التي بقيت في شبه الجزيرة تشغل بمشاريعها الخاصة، وأطماعها في عرش مراكش، الذي أحاقت به الخلافات والفتن، عن الاهتمام بقضية الأندلس، أو التفكير في مدافعة أعدائها المتربصين بها، أعني النصارى الإسبان، بل كانت بالعكس تصانع أولئك الأعداء، وتستمد عونهم، وتقطعهم ما بيدها من حصون الأندلس وأراضيها. وقد لبثت إشبيلية حتى بيعة المأمون بالخلافة، مركز الحكم الموحدي بالأندلس، ولكنها مذ غادر المأمون شبه الجزيرة إلى المغرب (٦٢٦ هـ)، قامت بها حكومة محلية في ظل الخلافة الموحدية، ثم أخذت تتردد بين الاستقلال، وبين الانضواء تحت حكم ابن هود تارة، وتارة تحت ظل الخلافة الموحدية، وأخيراً تحت ظل الدولة الحفصية بإفريقية. وكان حكم الأندلس في تلك الفترة العصيبة، كله اضطراب وفوضى، ولم تكن ثمة حكومة موحدة، في أية منطقة من المناطق، بل كانت ثمة حكومات محلية عديدة في منطقة الشرق، وفي أواسط الأندلس، وفي إشبيلية وقواعد الغرب، حسبما فصلناه كله في مواطنه
стр. 2367
الفصل الثاني الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي
القسم الأول
الدولة المرابطية دولة دينية عسكرية. الحركة الفكرية في ظلها امتداد لها في عصر الطوائف. إزدهار الحركة الفكرية خلال العصر الموحدي. المهدي ابن تومرت وسمته العلمية. الخلفاء الموحدون العلماء. رعايتهم للعلماء والحركة العلمية. الخلافة الموحدية وإطلاقها لحرية البحث. دور الأندلس في إذكاء الحركة الفكرية في الغرب الإسلامي. تقاطر علماء الأندلس على العدوة. أثر ذلك في تقدم الحركة الفكرية بالمغرب. إزدهار الحركة الفكرية خلال العصر الموحدي. تماوج الحركة الفكرية الأندلسية من جراء سقوط القواعد الاندلسية. نزوح علماء الشرق إلى إفريقية. إتجاه الحركة الفكرية خلال عصر الانهيار إلى العلوم الدينية. إزدهار العلوم الدينية والآداب حتى خلال عصر الانهيار. ضعف الحركة العلمية. كثرة علماء الدين والفقه والأدب بالأندلس خلال العصر الموحدي. الفقهاء والمحدثون وعلماء الدين الذين ظهروا في أوائل هذا العصر. نماذج من أعلامهم. أبو عبد الله بن الفرس. ابن الجد الفهرى. أبو عبد الله بن الفجار. ابن ذي النون الحجرى. ابن أبي جمرة. ابن أبي زمنين. ابن عون الله المعروف بالحصار. عبد الله بن سليمان بن حوط الله الأنصارى. أخوه داود بن سليمان بن حوط الله. الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعى. محمد بن ابراهيم المهرى. ابن زرقون الإبن. علماء الدين الذين جمعوا بين الحديث والفقه والأدب والشعر واللغة. نماذج من هؤلاء. عبد الله بن عمر الحضرمى. ابن الأشيرى. محمد بن إدريس العبدرى. محمد بن أحمد المنتانجشى. محمد بن خير الإشبيلي. عبد الله بن يحيى بن صاحب الصلاة. ابن صاف اللخمى. محمد بن جعفر بن حمدين الأموى. ابن زرقون الأب. ابن نجبة الرعينى. أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء. ابن عيسى التادلى. أحمد بن عتيق الذهبى. ابن خلف الأموى الخطيب. ابن عمران القيسى الميرتلى. ابن نوح الغافقي. أبو عمر أحمد بن عات النفرى. أحمد بن خلف الشنتيالى. ابن خلصة الحميرى. ابن عبد العزيز الأنصارى النحوى. ابن حزم الأموى النحوى. ابن عبد المؤمن القيسى الشريشى. من نبغ في أواخر العصر الموحدي من العلماء الذين جمعوا بين علوم الدين واللغة والأدب والشعر. محمد بن يخلفتن الفازازى التلمسانى. أحمد بن يزيد بن بقى بن مخلد الأموى. ابن أصبغ الأزدي. ثابت بن خيار الكلاعي. محمد بن جابر السقفي. ابن السقاء. من ظهر من هؤلاء وقت الانهيار. ابن مطروح التجيبي. ابن عسكر المالقي. ابن الصفار الضرير. ابن أبي حجة. أحمد بن علي بن أحمد الأنصاري. عبد الله بن خلف اللخمى الحرار. ابن محرز. أكابر المتصوفة. أحمد بن عمر المعافرى المعروف بابن إفرندو. ابن مراد السلمى. محمد بن عبد الله بن العربى المعافرى. ابن سيدبونه الخزاعى. محمد بن عبد الله بن قاسم الأنصارى. ابن مهيب اللخمى. الشيخ محيى الدين الطائى ابن عربي
стр. 2368
لم تكن الدولة المرابطية، حسبما وضح من تاريخها، سوى دولة دينية عسكرية، استمدت حياتها ومنعتها خلال عهدها القصير، مما كانت تتسم به من صفات البداوة والخشونة، وكانت روح التزمت التي تغلب عليها، وتدفعها إلى تجاهل القيم الفكرية والأدبية، تحول دون تفتح الحركات العقلية وتقدمها، ولم تكن تلك الحركة الفكرية التي ازدهرت في ظلها، والتي استعرضنا بعض ملامحها فيما تقدم، سوى امتداد طبيعى، واندفاع حتمى، لتلك الحركة الفكرية العظيمة التي ازدهرت في ظل دول الطوائف، والتي أسبغ عليها ملوك الطوائف كل تشجيع ورعاية، ثم جاءت الدولة المرابطية، فاحتضنت بعض جوانبها الرسمية، بمن كانت تحشدهم حولها من الوزراء العلماء، والكتاب البلغاء، ليكونوا لسانا لها، لدى الشعوب المحكومة، سواء بالمغرب، أو الأندلس، ولكى يستكمل البلاط المرابطي، بعد أن ضخمت الدولة وتوطد سلطانها، ما ينقصه من أسباب الهيبة والبهاء. أما الدولة الموحدية فكان لها شأن آخر. ذلك أن عصر الدولة الموحدية، الذي استطال زهاء قرن ونصف قرن من الزمان، كان من أحفل عصور التاريخ الأندلسي والمغربى بالحركات الفكرية. وإنه ليبدو من الغريب المدهش، أن نجد الحركة الفكرية الأندلسية، حتى في مرحلة الانحلال والانهيار، التي توالى فيها سقوط القواعد الأندلسية الكبرى، مستمرة في الاحتفاظ بنشاطها وعنفوانها، ونراها تنحدر عبر البحر من القواعد الأندلسية الذاهبة، إلى قواعد إفريقية والمغرب، تحمل معها تراثها الزاخر، وتزدهر هنالك حقبة أخرى.
ويجب قبل أن نتحدث عن هذه الحركة الفكرية الباذخة، التي ازدهرت بالمغرب والأندلس، خلال العصر الموحدي، أن نحاول أن نستكشف في ملامح الدولة الموحدية، بعض العوامل المشجعة، أو الدافعة لمثل هذه الحركة، إذ أنه لا ريب في أن الدولة الموحدية، بالرغم مما كان يقع في ظلها بين آونة وأخرى، من ضروب المطاردة الفكرية، كانت دولة حامية للعلوم والآداب والفنون.
لقد كان مؤسس الدولة الموحدية الروحى، المهدي محمد بن تومرت، من أقطاب علماء عصره، وقد أفسح في دعوته للعلم أيما مكانة، وحض على تحصيله بقوة وحماسة، في عبارته المشهورة، التي يفتتح بها كتابه وهي:
" أعز ما يطلب، وأفضل ما يكتسب، وأنفس ما يدخر، وأحسن ما يعمل، العلم الذي جعله الله سبب الهداية إلى كل خير، هو أعز المطالب، وأفضل
стр. 2369
المكاسب، وأنفس الذخائر، وأحسن الأعمال ".
وقد كان أول خلفاء المهدي، وهو عبد المؤمن بن علي، مؤسس الدولة الموحدية الحقيقي، وموطد دعائمها، كذلك كان عالما من ألمع علماء عصره، يلتف حوله العلماء والكتاب والشعراء من المغرب والأندلس، يبسط عليهم رعايته، ويغمرهم بصلاته، وهو الذي نظم جماعة الحفاظ الموحدين، وعنى بأمرها أشد عناية، حتى بلغت في أيامه نحو ثلاثة آلاف حافظ، يدرسون كتب المهدي وتعاليمه، وقد تولى الكثير منهم فيما بعد كثيراً من مناصب الثقة والمسئولية، في الدولة الموحدية بالمغرب والأندلس.
وكان الخليفة أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، كذلك من أكابر علماء عصره، وكان أديباً متمكناً، وفقيهاً، ومحدثاً بارعاً، يشغف في نفس الوقت بالدراسات الفلسفية، ويجمع حوله طائفة من أعظم علماء العصر ومفكريه، وفي مقدمتهم أبو بكر ابن طفيل، وأبو الوليد بن رشد، وأبو بكر بن عبد الملك بن زهر، وهم أساتذة الفلسفة والطب في هذا العصر. وقد انتهى إلينا من آثاره كتابه في " الجهاد " وهو الملحق بكتاب المهدي ابن تومرت. وذلك حسبما أشرنا إلى ذلك في موضعه.
وكان ولده الخليفة يعقوب المنصور عالماً مستنيراً، متمكناً من الحديث والفقه واللغة، وكان مثل أبيه وجده، يجمع حوله العلماء والأدباء والشعراء، من المغرب والأندلس، ويجزل صلتهم، ويجرى المرتبات على الفقهاء والطلبة، وفقا لمراتبهم وطبقاتهم (١). وكان كذلك يجرى الرواتب المنتظمة، لكثير من الأطباء، والمهندسين والكتاب والشعراء وغيرهم (٢)، وكان له بتمكنه من الفقه، دور فعال في تطور العقيدة الموحدية، وجنوحها إلى المذهب الظاهري.
ونجد حتى في أواخر الدولة الموحدية، حينما شاخت وأدركها الوهن، في الخلفاء الموحدين، من يتسم بالصفات العلمية البارزة، فقد كان الخليفة المأمون ابن المنصور، عالماً متمكناً من اللغة والأدب والشعر، وكان كاتباً مقتدراً، وكان الخليفة المرتضى لأمر الله، فقيهاً وأديباً وشاعراً. وكانت هذه الصفات العلمية للأواخر من الخلفاء الموحدين، تبرز على ما عداها، بالرغم مما كانت تتردى فيه الدولة، من الفتن والحروب الأهلية المتواصلة.
وقد كان لهذه النزعة العلمية التي غلبت على معظم الخلفاء الموحدين، أثر
стр. 2370
كبير فيما جرت عليه الدولة الموحدية طوال أيامها، من رعاية للعلماء والمفكرين من كل ضرب، وحشدها لأعلام الكتاب والمفكرين حول البلاط الموحدي، سواء في مراكش أو إشبيلية.
ونستطيع أن نضيف إلى ذلك أن الخلافة الموحدية، تحملها هذه النزعة العلمية الأصيلة، قد جرت على سياسة إطلاق حرية البحث والتفكير، خلافا لما كانت عليه الدولة المرابطية، من تزمت وتقييد لحرية الفكر، ومطاردة منظمة لكتب الغزالى وأضرابها من كتب الأصول المشرقية. ولم تشذ الخلافة الموحدية عن هذا المبدأ الحر، إلا في أحيان قليلة، كان أهمها حادثان، هما اضطهاد العلامة الفيلسوف والطبيب اليهودى الرئيس موسى بن ميمون، ومحنة العلامة الفيلسوف والطبيب أبي الوليد بن رشد، وذلك حسبما نشير إليه فيها بعد عند الكلام على هذين المفكرين.
بيد أنه بالرغم من هذا التنويه، بما كان عليه الخلفاء الموحدون من الصفات العلمية، ورعاية العلوم والآداب، وما جرت عليه الخلافة الموحدية من إطلاق حرية الفكر، يجب ألا ننسى حقيقة هامة، وهي ذلك الدور الفعّال الذي لعبته الأندلس، وهي يومئذ إحدى ولايات الإمبراطورية الموحدية الكبرى، في إذكاء الحركة الفكرية العامة، بالغرب الإسلامي، خلال العصر الموحدي. وإذا تركنا جانبا ما كان يحشده البلاط الموحدي حوله، من أعلام الكتاب الأندلسيين، فإن تقاطر العلماء على اختلاف طوائفهم باستمرار من شبه الجزيرة الأندلسية، إلى العدوة، واستقرار الكثير منهم بالحاضرة الموحدية، أو بغيرها من قواعد المغرب، وعبور الطلاب والعلماء المغاربة من جهة أخرى إلى الأندلس، للدراسة بمعاهدها التالدة في إشبيلية، وقرطبة وغرناطة وبلنسية ومرسية، كان له أكبر الأثر في ازدهار الحركة الفكرية، بالقطرين العظيمين المغرب والأندلس. ولما انهار سلطان الموحدين بالأندلس، وأخذت قواعد الأندلس الكبرى، تسقط تباعا في أيدي النصارى، عبر كثير من علماء الأندلس، من أبناء القواعد الذاهبة، إلى ثغور إفريقية وقواعدها، ولاسيما تونس وبجاية وتلمسان، وقامت في شمال إفريقية في أواسط القرن السابع الهجرى، حركة فكرية وأدبية زاهرة. ومن ثم فإنه من الواضح، إزاء ذلك كله، أن الحركة الفكرية في الغرب الإسلامي، كانت خلال العصر الموحدي، تجوز، سواء بالمغرب أو الأندلس،
стр. 2371
فترة من القوة والازدهار. وإذا كان من الصعب علينا، خلال هذا البحث الذي خصص لتاريخ الدولة الموحدية السياسي، أن نستوعب سائر جوانب هذه الحركة الفكرية العظيمة، التي لا يمكن أن يتسع لتفاصيلها، سوى تاريخ خاص للآداب في هذا العصر، فإننا سوف نحاول مع ذلك، أن نلم بعناصرها بصفة عامة، وأن نستعرض الكثير من أعلامها، في مختلف العلوم والفنون، ولاسيما في شبه الجزيرة الأندلسية. هذا مع ذكر طائفة من أعلام التفكير المغاربة، الذين يقتضى المقام أن نذكرهم.
ومما يلاحظ في سير الحركة الفكرية الأندلسية في العصر الموحدي، تماوجها وعدم استقرارها، ولاسيما منذ أواخر القرن السادس الهجرى، وذلك حينما بدأت قواعد الغرب الإسلامية تسقط في أيدي النصارى، واتجهت هجرة العلماء وغيرهم، من أوطانهم القديمة، صوب منطقة إشبيلية. وحدث مثل هذا التقلقل في الأندلس الوسطى، وذلك حينما سقطت قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، وأعظم مراكز التفكير الأندلسي، في أيدي القشتاليين (٦٣٣ هـ). وتلتها بقية قواعد المنطقة مثل جيان وغيرها، فعندئذ تحول مركز التفكير الأندلسي من هذه المنطقة إلى الجنوب، صوب غرناطة وغيرها من قواعد الأندلس الجنوبية، وكانت قد بدأت تجتمع في ظل زعامة إسلامية جديدة، هي زعامة ابن الأحمر، ثم لما وقع الانهيار العام في شرقي الأندلس، وسقطت بلنسية وشاطبة ودانية وغيرها من قواعد الشرق في أيدي النصارى (الأرجونيين) (٦٣٦ - ٦٤١ هـ)، غادرها العلماء والخاصة، بعضهم إلى مرسية وأحوازها، ومعظمهم إلى ثغور إفريقية، ولاسيما تونس وبجاية، وكان في مقدمة هؤلاء علماء وكتاب أعلام، مثل ابن الأبار القضاعى، وأبي المطرف بن عميرة المخزومي، وأبي عبد الله بن الجنان وغيرهم. ولبثت مرسية وأحوازها، بعد سقوط بلنسية، زهاء ثلاثين عاما أخرى، مركزاً للعلوم الأندلسية، وإن كان ذلك في ظروف مقلقة، وتحت ضغط العدو المستمر، حتى سقطت بدورها في أيدي النصارى، وخبا بذلك آخر مشعل للعلوم الإسلامية في شرقي الأندلس، وتفرق بقية علماء الشرق، في مختلف القواعد الجنوبية، وقصد الكثير منهم إلى ثغور إفريقية وقواعد المغرب. وثمة ملاحظة أخرى تتعلق بعناصر الحركة الفكرية الأندلسية، في هذا العصر الذي اضطربت فيه أوضاع الحياة الإجتماعية بالأندلس، وهي أن هذه
стр. 2372
العناصر كانت تتجه قبل كل شىء إلى العلوم الدينية والآداب، بينما لا تحظى العلوم الدنيوية المحضة منها إلا بالقليل النادر، فلا نجد من علماء الطب والفلك والنبات مثلا سوى أفراد قلائل، ولا نجد، إذا استثنينا العالم النباتى الكبير أبا العباس ابن الرومية، شخصيات علمية بارزة، من طراز ابن زهر وابن طفيل وابن رشد. أما العلوم الدينية والآداب، فقد لبثت حتى خلال المحنة، محتفظة بمستواها الرفيع السابق، بل لقد بلغت الآداب، وقت الانهيار العام، مستوى عظيما من التفوق، لم تبلغه في عصور سابقة، وبلغ النثر والشعر منتهى الروعة. ذلك أن المحنة بسقوط الأوطان القديمة، وتبدد الشمل، وفقد المال والأهل والولد، وانهيار أركان الدين، وانطفاء نور الإسلام، في تلك الربوع العزيزة، كل ذلك قد أذكى لوعة الشعر والنثر، وصدرت عندئذ في بكاء الأندلس، من المراثى البليغة، من النظم والنثر، ما يهز أوتار القلوب، وما لا يزال يحتفظ حتى اليوم بكل روعته وتأثيره. والآن بعد أن استعرضنا بعض ملامح الحركة الفكرية الأندلسية، خلال العصر الموحدي، نحاول أن نستعرض ذلك الثبت الحافل من أعلام التفكير الأندلسي، الذين ظهروا في هذا العصر، وسوف نبدأ في ذلك بعلماء الدين، من فقهاء ومحدثين، ومن إليهم من علماء الكلام والأصول وغيرهم.
- ١ -
قلنا إن الحركة الفكرية الأندلسية، خلال العصر الموحدي، تمتاز بوفرة في دراسة علوم الدين والفقه والأدب، ومن ثم فإنا نجد أمامنا جمهرة كبيرة من علماء الدين والفقه يعدون بالمئات، ومن المتعذر علينا في هذا المقام المحدود، أن نذكرهم جميعاً، ولهذا فسوف نقتصر على ذكر الأعلام البارزين منهم.
ومن جهة أخرى فإن كثيراً من هؤلاء العلماء والفقهاء، الذين امتازوا بالتفوق في العلوم الدينية، كالحديث والأصول والتفسير والفقه، كانوا في نفس الوقت يمتازون بتمكنهم من الأدب وعلوم اللغة، وبعضهم ينظم الشعر، ومن ثم فإنا سوف نحاول أن نقدم منهم من غلب عليهم التفوق في العلوم الدينية، ثم نتبعهم بمن مزجوا بين علوم الدين والأدب، بيد أن مثل هذا التصنيف لا يمكن إلا أن يكون أمراً نسبياً.
ونود أن نشير كذلك، إلى مسألة الفارق الزمنى بين عصر المرابطين وعصر الموحدين. ذلك أننا أدرجنا ضمن أعلام التفكير الأندلسي في عصر المرابطين،
стр. 2373
بعض من امتدت حياتهم إلى صميم العصر الموحدي، إلى سنة ٥٦٠ هـ، وأحيانا إلى سنة ٥٧٠ هـ، وسوف ندرج هنا ضمن أعلام العصر الموحدي بعض من توفوا قبل ذلك، ممن أدركوا العصر المرابطي وظهروا فيه. والتفرقة هنا نسبية أيضاً، ولا ضير منهما، ما دمنا نعنى في كتابنا بعصر المرابطين والموحدين معا.
ونبدأ بذكر طائفة من الفقهاء والمحدثين وعلماء الدين، الذين ظهروا بالأندلس في أوائل العصر الموحدي، منذ منتصف القرن السادس الهجرى. ومن الواضح أن معظمهم ظهر كذلك في العصر المرابطي، قبل عبور الموحدين إلى شبه الجزيرة واستيلائهم عليها.
كان من هؤلاء ابراهيم بن الحاج أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن خالد ابن عماره الأنصارى، من أهل غرناطة، وبها نشأ ودرس على أعلام عصره بها، وبقرطبة ومالقة، وألمرية، وكان ممن أخذ عنهم أبو بكر بن عطية، وأبو الحسن ابن الباذش، وابن عتاب، وابن رشد، وغيرهم من الأقطاب، وبرع في الفقه والحديث، والقراءات، ومارس عقد الشروط، وولي القضاء بعدة جهات من ولاية غرناطة، ولما انهار سلطان المرابطين بالأندلس غادر موطنه غرناطة، يتجول في البلاد، حتى استقر أخيراً بمدينة ميورقة في كنف أميرها إسحاق بن محمد بن غانية، فولاه قضاءها، وتصدر للدرس والإقراء وكان من أعلام دولة بني غانية. وتوفي بميورقة في جمادى الأولى سنة ٥٧٩ هـ، ومولده بغرناطة سنة ٤٩٥ هـ (١).
ومحمد بن عبد الرحيم بن محمد بن الفرج بن هاشم الأنصارى الخزرجى، ويعرف بابن الفرس، من أهل غرناطة، درس على أبيه أبي القاسم، وأبي بكر بن عطية، وأبي الحسن بن الباذش، وأبي القاسم بن ورد، ودرس في قرطبة على ابن عتاب وابن رشد، وابن الوراق وغيرهم من أعلام العصر. وعنى بالحديث والفقه والقراءات، والرواية، مع تمكن من الفتوى. غادر بلده غرناطة عند وقوع الفتنة بها على أثر انهيار سلطان المرابطين واستوطن مرسية، وولي بها خطة الشورى ثم تولى قضاء بلنسية، ولكنه غادرها منذ قيام ثورة ابن شلبان، وأدى اضطراب الأحوال إلى أن صرفه الأمير محمد بن سعد عما كان بيده من الخطط، ثم عاد فاسترضاه لما رأى من علمه وفضله وزهده، وكان في وقته من أعلام حفاظ الأندلس، مع مشاركة في الأدب. أخذ عنه الكثير
стр. 2374
وانتفعوا به، وكانت وفاته بمدينة إشبيلية، عند وفوده عليها مع وجوه أهل مرسية لتحية الخليفة، وذلك في شوال سنة ٥٦٧ هـ (١).
وبيبش بن محمد بن أحمد بن خلف بن بيبش العبدرى من أهل أندة، وسكن مع أبيه بلنسية، ودرس بها وبرع في الفقه، وولي الشورى ببلنسية، وكذلك خطة الأحكام، وكان بصيراً بعقد الشروط، مدركا لصحة الأحكام، وتطوع في جيش الخليفة أبي يعقوب يوسف حينما سار لغزو مدينة وبذة في سنة ٥٦٧ هـ، ثم توفي عقب عوده من الغزو المذكور في سنة ٥٦٨ هـ (٢).
وعبد الله بن أحمد بن سعيد بن عبد الرحمن العبدرى من أهل بلنسية ويعرف بابن موجوال، درس الفقه والحديث والقراءات، ونزح إلى إشبيلية، فسكنها وأخذ عن أبي مروان الباجى، وأبي بكر بن العربى وغيرهما، وبرع بالأخص في دراسة الفقه، وكان بصيراً بالأحكام، وعرف فوق ذلك بالورع والزهد، وحدث عنه جماعة من الأعلام. ألف شرحاً في صحيح مسلم، ولكنه توفي قبل إتمامه، وله كذلك شرح لرسالة أبي زيد القيروانى. وتوفي في إشبيلية سنة ٥٦٦ هـ (٣). ومحمد بن عبد العزيز بن علي بن عيسى بن مختار الغافقي، من أهل قرطبة، ويعرف بالشقورى لأن أصله من شقورة. كان معنيا بصناعة الحديث، بصيراً بطرائقه، وكان فوق ذلك حافظا لأخبار الأندلس متمكنا من الفقه والأحكام. ولى قضاء شقورة بلده الأصلى، فحمدت سيرته، واشتهر بالعدل والنزاهة، وحدث وأخذ عنه الناس، وتوفي في المحرم سنة ٥٧٩ هـ (٤).
وأحمد بن يوسف بن عبد العزيز بن محمد القيسي الوراق من أهل قرطبة أخذ عن ابن عتاب وابن رشد والقاضي عياض وغيرهم من أقطاب عصره، وكان عالما بالحديث، حدث وأخذ عنه جماعة كبيرة، وكان أصم، وتوفي بمراكش سنة ٥٨٢ هـ (٥).
وأحمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة الخزرجي من أهل قرطبة، وسكن غرناطة وقتا، ثم نزح إلى بجاية، وكان محدثاً متمكناً من الرواية. وكتب في أحكام النبى كتابا سماه " آفاق الشموس وأعلاق النفوس " وكتابا آخر عنوانه " مقامع الصلبان ومراتع رياض أهل الإيمان "، وتوفي بمدينة فاس في شهر ذي الحجة سنة ٥٨٢ هـ (٦).
стр. 2375
وبيبش بن محمد بن علي بن بيبش العبدرى من أهل شاطبة، درس الفقه والحديث والتفسير مع مشاركة في النحو ومارس الشورى والفتيا زمنا، وعرف بمقدرته وكفايته. ثم تولى قضاء شاطبة بلده. وألف في التعليق على صحيح البخاري كتابين، وأخذ عنه جماعة من أعلام عصره، توفي في جمادى الأولى سنة ٥٨٢ هـ (١). وكان من أعظم فقهاء هذا العصر وحفاظه، ابن الجد الفهرى، وهو محمد ابن عبد الله بن يحيى بن فرج بن الجد، وأصله من لبلة وبها ولد سنة ٤٩٦ هـ، وتلقى بها دراسته الأولى ثم درس بقرطبة، وأخذ فيها عن ابن عتاب، وابن رشد، وأخذ في إشبيلية عن أبي بكر بن العربى وغيره، وعنى لأول أمره بدراسة العربية فبرع فيها، وعزم على التخصص فيها، والتصدر لإقرائها، ولكنه مال بعدئذ بتوجيه أستاذه ابن رشد إلى دراسة الفقه والحديث، فبرع في هذا الميدان وبلغ فيه الذروة، وانتهت إليه رياسة عصره في الحفظ والفيتا، وقدم للشورى بإشبيلية مع أبي بكر بن العربى ونظرائه من الفقهاء البارزين يومئذ، وكان في عصره فقيه الأندلس والمغرب وحافظهما دون منافس ولا منازع، كما كان أبرع أهل عصره في التمكن من مذهب مالك. وكان فوق ذلك فصيحاً، وخطيباً مفوهاً، وذاع صيته في المغرب والأندلس، وتبوأ ذروة النفوذ والجاه في ظل الدولة الموحدية، ولكنه لم يترك من قلمه آثارا ذات شأن، وتوفي بإشبيلية في الرابع عشر من شوال سنة ٥٨٦ هـ عن تسعين عاما، ولبثت أسرته عصراً تحتفظ بمكانتها ونفوذها، وتولى حفيده الفقيه أبو عمرو بن الجد زعامة إشبيلية وقتا، أيام الانهيار والفتنة، وتوفي قتيلا قبل سقوط إشبيلية بوقت قصير (٢).
ومن الفقهاء والمتكلمين، صالح بن أبي صالح خلف بن عامر الأنصارى الأوسى من أهل مالقة، درس بها على أعلام عصره ثم رحل إلى تلمسان، ثم إلى تونس، والمهدية، وأخذ عن أقطابها سماعا وإجازة. وكان فقيهاً متمكناً من علم الكلام. وروى عنه الأخوان أبو محمد وأبو سليمان إبنا حوط الله، وتوفي في رمضان سنة ٥٨٦ هـ (٣).
ومنهم أحمد بن محمد بن أخلف بن عبد العزيز الكلاعي، من أهل إشبيلية
стр. 2376
ويعرف بالحوفي. درس الفقه والحديث، وسمع من أبي بكر بن العربي وغيره، وتولى قضاء إشبيلية، وعنى بنوع خاص بعلم الفرائض، وألف فيه كتابا حسنا وتوفي في شعبان سنة ٥٨٨ هـ (١).
وأبو بكر بن خلف الأنصاري، من أهل قرطبة، ويعرف بالموافق، درس الحديث والفقه، ونزح إلى مدينة فاس، واشتهر بغزارة الحفظ، وتولى تدريس الفقه عصراً، واشتهر بمقدرته وتبحره، وعنى في الحديث بالتعليل والبحث عن الأسانيد والرجال، ولم يعن بالرواية، والتحق وقتا بخدمة الخليفة في مراكش، ونال جاهاً وثراءً، ثم ولى قضاء فاس، فلبث فيه حتى توفي في شوال سنة ٥٩٠ هـ (٢).
ومحمد بن ابراهيم بن خلف بن أحمد الأنصاري من أهل مالقة، وأصله من بلنسية، ويعرف بابن الفخار. كان إماما في الحديث، مقدما فيه، وفي المعرفة بسرد المتون والأسانيد، وتمييز الرجال. سمع من أبي بكر بن العربى، وأكثر عنه واختص به، وعن أبي مروان بن بونه، وأبي جعفر البطروجى، وشريح ابن محمد، وأبي طاهر السلفى. وكانت له فوق ذلك مشاركة في اللغة ومعرفة الشروط، وكان يتولى عقدها بباب قنتنالة، وكان يحفظ " صحيح مسلم "، وكان شديد الورع، جليل القدر، شديد التمسك بالعدل، مكرما لطلاب العلم. واستدعى في أواخر حياته من الخليفة يعقوب المنصور إلى مراكش ليسمع عليه بها، فقصد إليها، ولكنه توفي بها بعد قليل في شعبان سنة ٥٩٠ هـ، ومولده بمالقة سنة ٥١١ هـ (٣).
وعبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن ذي النون الحجري، من أهل ألمرية، وأصلهم القديم من طليطلة، ولهم فيما يبدو صلة رحم ببنى ذي النون سادة طليطلة أيام الطوائف. درس الحديث والفقه ثم رحل إلى قرطبة، ثم إلى إشبيلية، ودرس فيهما على أعلام عصره، ولاسيما أبي القاسم بن بقى، وابن مغيث، وأبي بكر بن العربى، وشريح بن محمد، واشتهر بتبحره وغزارة حفظه. وكان آية في الصلاح والورع والفضل والعدالة، وولي الخطبة والصلاة بجامع بلده ألمرية، ودعى إلى القضاء، فاعتذر. ولما غلب النصارى على ألمرية في سنة
стр. 2377
٥٤٢ هـ (١١٤٧ م) غادرها إلى مرسية، وعاش بها وقتا في خمول وضعة، ثم غادرها إلى مالقة، ولكنه لم يجد بها طيب المستقر، فعبر البحر إلى العدوة، ونزل بمدينة فاس وأقام بها مدة، ثم انتقل منها إلى سبتة، فاستوطنها، وهو عاكف على إقراء القرآن وتدريس الحديث، وسار ذكره، وبعد صيته، حتى قصد إليه الناس من كل صوب للأخذ عنه، واستدعاه الخليفة، أبو يعقوب يوسف، إلى مراكش، ليسمع بها، فقصد إليها وأقام بها مدة، ثم استأذن في العود إلى سبتة وقضى بها بقية حياته. حدث عنه عدد كبير من جلة العلماء من الأندلس والمغرب. وكان مولده بحصن قنجاير على مقربة من ألمرية في سنة ٥٠٥ هـ، وتوفي بسبتة في شهر المحرم، وقيل في صفر سنة ٥٩١ هـ (١).
ومحمد بن عبد الكريم الفندلاوى من أهل مدينة فاس، ويعرف بابن الكتانى، كان إماما في علم الكلام وأصول الفقه، وعكف على تدريسهما طول حياته، وكان له معرفة بالآداب، وله رجز في أصول الفقه، وروى عنه جماعة من أهل المغرب، وتوفي سنة ٥٩٦ هـ (٢).
وأحمد بن سلمة بن أحمد بن يوسف بن سلمة الأنصارى من أهل لورقة، وسكن تلمسان، ويعرف بابن الصيقل. درس الحديث وبرع في صناعته، وروى عن ابن الدباغ، وابن بشكوال، وابن خير، وابن الجد، وغيرهم من الأقطاب، وكان من أهل الضبط والإتقان. حدث، وسمع منه الكثير، وذكر لنا ابن الأبار أن شيخه أبا الربيع بن سالم كبير علماء بلنسية في عصره، كان يطنب في الثناء عليه. وتوفي في المحرم سنة ٥٩٨ هـ (٣).
ومحمد بن أحمد بن عبد الملك بن موسى بن محمد بن مروان بن خطاب ابن عبد الجبار، ويعرف بابن أبي جمرة، من أهل مرسية. درس الفقه والحديث على أقطاب عصره، وعنى بالرأى وحفظه، وولي خطة الشورى، وهو شاب في الحادية والعشرين أيام إمامة القاضي ابن أبي جعفر، ثم في ظل إمارة محمد بن سعد، واستمر فيها وقتا، وكان أول من شاوره من القضاة أبو الحسن بن برطلة. ثم ولى قضاء مرسية وبلنسية وشاطبة وأوريولة في أوقات مختلفة. وكان حافظاً متقناً، وفقيهاً بارعاً، بصيراً بمذهب مالك، متخصصاً في تدريسه، عدلاً دقيقاً في
стр. 2378
أحكامه، فصيحاً، حسن البيان. ومن مؤلفاته، كتاب " نتائج الأبكار، ومناهج النظار، في معانى الآثار "، ألفه بعد سنة ٥٨٠ هـ، حينما قام الخليفة المنصور بمطاردة أهل الرأي، وأمر بإحراق المدونة وغيرها، من كتبه، وكتاب " إقليد التقليد المؤدى إلى النظر السديد ". وله برنامج عدد فيه الأعلام من علماء أسرته. وقد حمل عليه وعلى أسلافه بعض علماء عصره، ودافع عنه ابن الأبار، في ترجمته بالتكملة، ونوه بفضل بعض الأعلام من سلفه، تأييداً لدفاعه، واستشهد كذلك بأقوال بعض شيوخه مثل أبي عمر بن عات، وأبي سليمان بن حوط الله، وأبي بكر ابن وضاح وغيرهم. وكانت وفاته بمرسية مصروفا عن القضاء، في اليوم الثلاثين من المحرم سنة ٥٩٩ هـ (١).
ومحمد بن علي بن مروان بن جبل الهمداني، من أهل وهران، وأصله أندلسي، ونشأ بتلمسان، ودرس بها، وولي قضاءها، ثم ولى قضاء الجماعة بمراكش في سنة ٥٨٥ هـ، بعد أبي جعفر بن مضاء، ثم نقل إلى قضاء إشبيلية عام ٥٩٢ هـ، ثم أعيد ثانية إلى قضاء مراكش بعد إقالة أبي القاسم بن بقى، وكان فقيهاً متمكناً، حميد السيرة، شديد الهيبة، عارفا بالأحكام، ميالا إلى العدل، وتوفي سنة ٦٠١ هـ. ويقول لنا صاحب التكملة إن أحداً لم يجلد طوال ولايته للقضاء، مما يدل على أن عقوبة الجلد، كانت مستعملة في هذا العصر، للمعاقبة على الذنوب التي يقضى فيها بالتعزير (٢).
ومحمد بن أبي خالد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن .. بن محمد بن أبي زمنين عدنان بن بشير بن كثير المرّى الإلبيرى، من أهل غرناطة، كان من ألمع فقهاء عصره، وأخذ عن أبي مروان بن قزمان، وأبي الحسن الزهرى، وأبي القاسم بن بشكوال، وغيرهم من أقطاب عصره. ولى قضاء غرناطة، ثم قضاء مالقة، وكان فوق براعته في الفقه، محدثاً متقناً، بارعاً في الرواية، عارفاً بتاريخ من نزل بالأندلس قديماً من العرب. وحدث عنه جماعة ممن تبوؤوا الطليعة فيما بعد، ومنهم أبو سليمان بن حوط الله، وأبو القاسم الملاّحى، وأبو الربيع ابن سالم وغيرهم. توفي مصروفا عن القضاء في شهر ربيع الأول سنة ٦٠٢ هـ. وكان مولده بغرناطة سنة ٥٣٣ هـ (٣).
стр. 2379
وإسحاق بن ابراهيم بن يعمر الجابري، من مدينة فاس، ودرس بها، ودرس كذلك بسبتة، ثم رحل إلى الأندلس، ودرس الفقه بمرسية. وولي قضاء فاس وسبتة، وكان متبحراً في الفقه المالكى، حافظا متقنا، ويقال إنه كان يستظهر المدونة. وولي قضاء بلنسية في أواخر عمره سنة ست وستمائة، ثم ولى قضاء جيان، وفقد في موقعة العقاب في شهر صفر سنة ٦٠٩ هـ (١).
وأحمد بن علي بن يحيى بن عون الله الأنصاري، ويعرف بالحصّار. أصله من دانية وسكن بلنسية، ودرس القراءات وبرع فيها، وتبوأ رياستها في عصره، ولم يكن أحد يدانيه في صناعته في الضبط والتجويد والإتقان. وكان يقصده الطلاب من كل صوب للأخذ عنه، ويصفه تلميذه ابن الأبار، الذي ننقل عنه هذه الترجمة، بأنه كان " آخر المقرئين " بشرق الأندلس. وكانت وفاته ببلنسية في الثالث من شهر صفر سنة ٦٠٩ هـ، قبيل كارثة العقاب بأيام قلائل، وقد قارب الثمانين من عمره (٢).
وعبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري من أهل مالقة، ويعرف بابن القرطبي، لأن أصلهم من قرطبة. ودرس الحديث، وبرع فيه، وأخذ عنه جمهرة من أقطاب عصره مثل أبي بكر بن الجد، وابن زرقون، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي عبد الله بن الفخار، وعنى بالرواية عناية شديدة، وأكثر من الرحلة في لقاء الشيوخ، وطلب العلم، وكان من أشهر أهل عصره في صناعة الحديث، والتصرف في فنونه، ولم يكن أحد يدانيه في حفظ التاريخ، إلا القلائل من أهل عصره، وكان فوق ذلك له مشاركة طيبة في علم العربية والآداب، إلا أن شهرته في الحديث كانت هي الغالبة عليه. وقد حدث ودرس وأخذ عنه الكثير، وألف مجموعة في " تلخيص أسانيد الموطأ " توفي بمالقة في شهر ربيع الآخر سنة ٦١١ هـ (٣).
وكان من أبرز أقطاب الحديث والفقه في أواخر العصر الموحدي بالأندلس، الأخوان عبد الله وداود، إبنا حوط الله الأنصاري الحارثي. وأكبرهما عبد الله، وهو عبد الله بن سليمان بن داود بن عبد الرحمن بن سليمان بن عمرو بن خلف ابن حوط الله الأنصاري الحارثي، ولد بأندة من أعمال بلنسية في سنة ٥٤٩ هـ،
стр. 2380
وهي موطنهم وأصل دارهم، ودرس ببلنسية ومرسية وقرطبة. وتجول في سائر قواعد الأندلس الأخرى. وبرز في الحديث، والقراءات، وأخذ عن جمهرة من أقطاب العصر، منهم بمرسية أبو القاسم بن حبيش، وبقرطبة أبو القاسم ابن بشكوال، وأبو العباس المجريطي، وأبو الوليد بن رشد، وبإشبيلية أبو بكر ابن الجد، وأبو اسحق بن ملكون، وبمالقة أبو عبد الله بن الفخار وأبو القاسم السهيلى، وغير هؤلاء. وكان إماما في صناعة الحديث، متفوقاً في الرواية والضبط، حافظاً لأسماء الرجال، متمكناً من التعديل والتجريح، ولم يكن في وقته أبعد صيتا منه، ومن أخيه أبي سليمان في هذا الميدان، وكان فوق ذلك متفوقاً في علم العربية، كاتباً بليغاً، وخطيباً مقتدراً، وشاعراً محسناً. استدعاه الخليفة المنصور لتأديب بنيه فحظى لديه، ونال جاها ودنيا عريضة. وتولى في أوقات مختلفة قضاء قرطبة وإشبيلية ومرسية وسبتة وسلا وغيرها، وألف كتاباً في " تسمية شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود والنسائى والترمذى " ولكنه لم يكمل، ووضع فهرسا حافلا لشيوخه. حدث وسمع منه الكثيرون من أعلام عصره. وتوفي بغرناطة، وهو في طريقه إلى مرسية، وذلك في الثاني من شهر ربيع الأول سنة ٦١٢ هـ، ثم نقل إلى مالقة ودفن فيها (١).
وأما أخوه داود بن سليمان بن داود، فقد ولد بأندة سنة ٥٦٠ هـ، ودرس الحديث على أبيه وأخيه كبيره عبد الله، وبرع مثله في الحديث، وطاف بقواعد الأندلس طلباً للعلم، وأخذ من الجلة أينما حل، ورحل كذلك إلى سبتة وغيرها من بلاد العدوة، وكان خبيراً بعقد الشروط. وكان ممن أخذ عنهم أبو العباس المجريطى، وابن بشكوال، وأبو بكر بن الجد، وأبو عبد الله بن زرقون، وأبو عبد الله بن الفخار، وأبو العباس بن مضاء، وابن الفرس، وأبو بكر بن أبي زمنين وغيرهم وغيرهم. وتولى قضاء سبتة وألمرية والجزيرة الخضراء، ثم تولى قضاء بلنسية، ومالقة، وعرف أينما حل بالعلم والحلم والنزاهة، وكان ورعا متواضعا، لين الجانب، يشاطر أخاه الشهرة وعلو المكانة. وتوفي بمالقة في سادس ربيع الآخر سنة ٦٢١ هـ، ودفن بسفح جبل فاره إلى جانب أخيه (٢).
ونختتم هذا الثبت من علماء الحديث والحفاظ بذكر إمامهم وشيخهم في وقته، العلامة الحافظ أبو الربيع بن سالم. وهو سليمان بن موسى بن سالم بن حسان
стр. 2381
ابن سليمان الحميرى الكلاعى من أهل بلنسية، وأصله من بعض ثغورها الشرقية. درس القراءات والحديث، وأخذ وروى عن جماعة كبيرة من شيوخ عصره، مثل أبي العطاء بن نذير وأبي القاسم بن حبيش وأبي بكر بن الجد، وأبي الوليد بن رشد وأبي محمد بن الفرس وغيرهم. وبرع في الحديث والفقه والأدب. وكان حسبما يصفه تلميذه ابن الأبار " إماما في صناعة الحديث، بصيراً، حافظا حافلا، عارفا بالجرح والتعديل، ذاكراً للمواليد والوفيات، يتقدم أهل زمانه في ذلك وفي حفظ أسماء الرجال، مع الاستبحار في الأدب والاشتهار في البلاغة، فرداً في إنشاء الرسائل، مجيداً في النظم، خطيباً فصيحاً مفوهاً ". ويصفه ابن عبد الملك بأنه " بقية الأكابر من أهل العلم بصقع الأندلس الشرقي، حافظا للحديث مبرزاً في نقده، ضابطا لأحكام أسانيده، كاتباً بليغاً شاعراً مجيداً، خطيباً مصقعاً ". تولى الخطبة بجامع بلنسية غير مرة، وقدم إلى سماعه الطلاب من كل صوب. وكتب عدة مصنفات في الحديث والسير والآداب، منها حلية الأمانى في الموافقات العوالى، وتحفة الرواد في الغوالى البدلية والإسناد، والمسلسلات من الأحاديث، وكتاب الاكتفاء في مغازى رسول الله، ومغازى الثلاثة الخلفاء، وكتاب حافل في معرفة الصحابة والتابعين لم يكمله، وبرنامج مروياته، وجنى الرطب في سنى الخطب، جمع فيه طائفة كبيرة من خطبه، ومؤلفات أخرى في الأدب، ومجموع رسائله، وغير ذلك، وجمع شعره في ديوان. ومما يؤثر عنه أنه كان ينحى باللائمة على الإمام الغزالي في اختيار عنوان كتابه " إحياء علوم الدين " ويقول متى ماتت العلوم حتى نقول بإحيائها، فهى مازالت حية وسوف تبقى كذلك.
وكان فوق علمه الغزير، مجاهداً من أولى الإقدام والبسالة، وثبات الجأش. يحضر الغزوات والوقائع، ويشترك بنفسه في القتال، ويبلى البلاء الحسن، وكانت آخر وقيعة اشترك فيها هي وقيعة أنيشة التي اضطرمت بين المسلمين والنصارى في ظاهر بلنسية في اليوم العشرين من ذي الحجة سنة ٦٣٤ هـ، ودارت فيها الدائرة على المسلمين، واستشهد منهم عدد جم بينهم كثير من الفقهاء والعلماء. وكان أبو الربيع في مقدمة من استشهد وهو يخوض المعمعة، ويحث إخوانه على القتال، وذلك حسبما سبق أن ذكرناه في موضعه. وقد رثاه تلميذه ابن الأبار، ومن سقط معه من علماء بلنسية،، بقصيدته الشهيرة التي مطلعها:
ألمّا بأشلاء العلى والمكارم ... تقد بأطراف القنا والصوارم
стр. 2382
وعوجا عليها مأربا وحفاوة ... مصارع غصت بالطلى والجماجم
وهي في نحو مائة بيت. وكان مولد أبي الربيع بن سالم في قرية من قرى مرسية في شهر رمضان سنة ٥٦٥ هـ (١).
ومن الفقهاء الذين نبغوا في الأصول وعلم الكلام، محمد بن ابراهيم المهرى من أهل بجاية، وأصله من إشبيلية. رحل إلى المشرق، وأخذ عن جمهرة من أقطاب المحدثين، وبرز في علم الكلام، وأصول الفقه، حتى اشتهر بالأصولى، وكان علم وقته في هذا الميدان. وولي قضاء بجاية غير مرة، وعنى بإصلاح كتاب "المستصفى" لأبي حامد الغزالى، ورحل إلى الأندلس، واتصل بابن رشد وكان يدرس معه " علوم الأوائل ". ولما امتحن ابن رشد سنة ٥٩٣ هـ، محنته المشهورة، التي سبق ذكرها في موضعها، امتحن معه المهرى، ونفى مثله من قرطبة، إلى بعض الجهات، ثم عفى عنه، وكف بصره في أواخر حياته، وتوفي سنة ٦١٢ هـ (٢).
ومنهم عبد الله بن باديس بن عبد الله بن باديس اليحصبى من أهل جزيرة شقر، نشأ في بلنسية، ورحل إلى إشبيلية فأخذ بها عن أقطابها، ثم عبر البحر إلى فاس، وتبحر في الأصول وعلم الكلام على أشياخها، ثم عاد إلى بلنسية، وتصدر للتدريس بالمسجد الجامع، ونوظر في " المستصفى " لأبي حامد الغزالى، وكان من أساتذة ابن الأبار، أخذ عليه وصحبه وقتا، وتزهد في آخر حياته، وتوفي في شعبان سنة ٦٢٢ هـ (٣).
ومنهم محمد بن محمد بن سعيد .. بن مجاهد الأنصارى من أهل إشبيلية ويعرف بابن زرقون، وأصلهم من بطليوس، أخذ عن أقطاب عصره، وفي مقدمتهم أبو بكر بن الجد، وأبو جعفر بن مضاء. وكان فقيهاً مالكياً متبحراً في المذهب، متعصباً له، وأخذ عنه أهل عصره، وكان فوق ذلك يشارك في الأدب مشاركة طيبة، وينظم اليسير من الشعر. ومن مؤلفاته " الكتاب المعلى في الرد على المُحَلّى لابن حزم " وكتاب " قطب الشريعة في الجمع بين الصحيحين " واختصر كتاب " الأموال " لأبي عبيد، وغير ذلك. وكانت وفاته بإشبيلية في شوال سنة ٦٢١ هـ، ومولده بها في سنة ٥٣٩ هـ (٤).
стр. 2383
- ٢ -
وهنالك طائفة كبيرة من علماء الدين، الذين نبغوا في الفقه أو الحديث والقراءات، ونبغوا في نفس الوقت في الأدب والشعر أو اللغة، وقد رأينا أن نذكرهم مجتمعين في هذا القسم على النحو الآتي:
ْكان من هؤلاء عبيد الله بن عمر بن هشام الحضرمي، أصله من إشبيلية، ونزح أهله إلى قرطبة، وبها ولد ونشأ. ودرس القراءات والحديث، والعربية والآداب، على أقطاب عصره، وتحول في حواضر الأندلس في طلب الاستزادة والتمكن. وكان مقرئاً، نحوياً، أديباً شاعراً. عبر البحر إلى المغرب، وتصدر للإقراء وتعليم الآداب والعربية، وتنقل بين مراكش ومكناسة وتلمسان. ثم قفل إلى الأندلس، ونزل ألمرية حينا، ثم غادرها إلى مرسية وولي الخطبة بجامعها، وله تصانيف عدة، منها " كتاب الإفصاح في اختصار المصباح " وكتاب في " شرح مقصورة ابن دريد ". وكان انفصاله عن مرسية في سنة ٥٥٠ هـ، ولا يعرف كم عاش بعدها. ومولده في سنة ٤٨٩ هـ (١).
وعبد الله بن محمد عبد الله الصنهاجي المعروف بابن الأشيري، نسبة إلى أشير من أعمال المغرب الأوسط. درس الحديث والفقه بالأندلس، وأخذ بها عن أبي بكر بن العربى، وابن عساكر، وشريح بن محمد، وأبي الفضل عياض، وأبي الوليد بن الدباغ وغيرهم. وكان أديبا، وكاتبا بليغا، كتب لصاحب المغرب (وهو فيما يرجح علي بن يوسف)، فلما توفي استتر وغادر المغرب إلى المشرق وحج، وجاور حينا بمكة، ثم توجه في أواخر حياته إلى حلب، وحدث بها وهنالك توفي في سنة ٥٦١ هـ (٢).
ومحمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس العبدري، من أهل قرطبة. درس الفقه والحديث على أقطاب عصره، مثل ابن عتاب، وابن رشد، وابن مغيث، وابن العربى، وابن الباذش وغيرهم، وبرع بنوع خاص في علم اللغة، وكان مشاركا في فنون كثيرة، حافظا متمكنا، وشاعراً محسناً. غادر قرطبة أيام الفتنة وعبر البحر إلى المغرب، ونزل بمراكش، فاقرأ بها العربية والآداب، وله شرح مشهور " لجمل الزجاجي "، ومعشرات في الغزل، ونظم في الزهد،
стр. 2384
وتوفي بمراكش سنة ٥٦٧ هـ (١).
ومحمد بن أحمد بن محرز بن عبد الله بن أميه، من أهل بطليوس، واستوطن إشبيلية ويعرف بالمنتانجشى نسبة إلى حصن منتانجش. عنى بالقراءات والفقه والحديث، ودرس العربية على أبي عبد الله بن أبي العافية وأبي بكر بن القبطورنة وغيرهما، وكان فقيهاً مشاوراً، حافظاً، له حظ من الأدب والكتابة. وقد أخذ عنه عدة من الجلة مثل ابن خير، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي الخطاب بن واجب وغيرهم، وتوفي في آخر سنة ٥٦٩ هـ، ومولده في سنة ٤٧٩ هـ سنة الزلاقة (٢).
ومنهم وهو من أنبغهم، محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي، مولى ابراهيم بن محمد بن يغمور اللمتونى من أهل إشبيلية. ودرس بها وبقرطبة وألمرية وغيرها، وشغف بالقراءات والحديث والفقه، وبرع فيها، وعنى عناية كبيرة بتقييد الرواية والآثار، وأخذ عن جمهرة كبيرة من أقطاب عصره، منهم أبو مروان الباجى، وأبو بكر بن العربى. وأبو اسحاق بن حبيش، وأبو القاسم ابن بقى، وابن مغيث، وابن أبي الخصال، وأبو الفضل عياض وغيرهم. وقد اشتهر بالإتقان والضبط، وكان فوق ذلك أديباً كبيراً، بارعاً في اللغة والنحو. وفي أواخر حياته ولى الصلاة بجامع قرطبة وتوفي بها في ربيع الأول سنة ٥٧٥ هـ، ومولده في سنة ٥٠٢ هـ. وقد اشتهر ابن خير بنوع خاص بفهرسه الجامع الذي ألفه عن شيوخه، وعن الكتب التي رواها وقرأها، عنهم، ومن هذا الثبت الحافل، نستطيع أن نكون فكرة جامعة عن الكتب الدراسية وكتب النصوص، التي كانت متداولة بمدارس الأندلس في القرن السادس الهجري (٣).
ومنهم محمد بن عبيد الله بن أحمد .. بن نصر بن سالم الخشنى، من أهل رندة وسكن مالقة، ودرس بها، وبقرطبة، وبرع في القراءات واللغة والنحو، وأنفق حياته في إقراء القرآن وتعليم العربية، وكان كذلك محدثا حافظا، حدث، وأخذ عنه الكثيرون. وتوفي بمالقة في سنة ٥٧٦ هـ (٤). وعبد الله بن محمد بن عيسى الأنصاري، ويعرف بابن المالقي، لأن أصله
стр. 2385
من مالقة، ودرس بإشبيلية وغيرها، ثم نزح إلى العدوة وسكن مراكش وكان فقيهاً متمكناً، وخطيباً مفوهاً، وأديباً كبيراً محسناً، ندبه الخليفة أبو يعقوب يوسف لرياسة طلبة الحضرة، ونال في ظل رعايته جاها ودنيا عريضة. وتوفي بمراكش في سنة ٥٧٤ هـ، وعلى قول آخر في سنة ٥٧٣ هـ (١).
وعبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فتوح الحضرمي النحوي من أهل دانية، ويعرف بابن صاحب الصلاة. درس القراءات والعربية والأدب، ونزح إلى شاطبة فدرس بها الأدب والنحو زمانا، وكان أديبا متمكنا، مبرزاً في صناعة العربية، استدعاه ابن سعد أمير الشرق إلى بلنسية، وذلك لتأديب أولاده، وأخذ عنه كثير من أهل عصره، ومنهم أعلام مثل أبي الربيع بن سالم، وكان له كذلك حظ من قرض الشعر. ومن ذلك قوله:
وعجل شيبي أن ذا الفضل مبتلى ... بدهر غدا ذو النقص فيه مؤمّلا
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... بها الحر يشقى واللئيم ممولا
وتوفي ببلنسية في شهر رجب سنة ٥٧٨ هـ ثم حمل إلى بلده دانية، ودفن بها. ومولده في سنة ٥١٧ هـ (٢).
وأحمد بن محمد بن مفرج الأموي أصله من سرقسطة، ونزل مرسية، ويعرف بالملاّحى، عنى بالقرآن والحديث والعربية وبرع فيها، وأقرأ القرآن بمرسية، وحدث وأخذ عنه، وعلم العربية زمنا، وتوفي في سنة ٥٨٢ هـ (٣).
والحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري، من أهل قرطبة، ونزل مالقة، درس القراءات والحديث وبرع في الرواية، وأخذ عن عدة من أقطاب عصره، ومنهم أبو القاسم بن بشكوال، أخذ عنه كتاب الصلة، وكان متمكنا من العربية ومن علم العروض. وحدث عنه أهل عصره. وتوفي بمالقة في رمضان سنة ٥٨٥ هـ، ومولده في سنة ٥١٨ هـ (٤).
ومحمد بن خلف بن محمد بن عبد الله بن صاف اللخمي من أهل إشبيلية. عنى بالقراءات والعربية، ودرس ببلده إشبيلية، ثم رحل إلى جيان، فدرس على أبي بكر بن مسعود الخشني. واشتهر ببراعته في القراءات والعربية، وله شرح في أشعار الستة وفي تغلب. وكتاب في ألفات الوصل والقطع، وشروح