← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

ابن سليمان الحميرى الكلاعى من أهل بلنسية، وأصله من بعض ثغورها الشرقية. درس القراءات والحديث، وأخذ وروى عن جماعة كبيرة من شيوخ عصره، مثل أبي العطاء بن نذير وأبي القاسم بن حبيش وأبي بكر بن الجد، وأبي الوليد بن رشد وأبي محمد بن الفرس وغيرهم. وبرع في الحديث والفقه والأدب. وكان حسبما يصفه تلميذه ابن الأبار " إماما في صناعة الحديث، بصيراً، حافظا حافلا، عارفا بالجرح والتعديل، ذاكراً للمواليد والوفيات، يتقدم أهل زمانه في ذلك وفي حفظ أسماء الرجال، مع الاستبحار في الأدب والاشتهار في البلاغة، فرداً في إنشاء الرسائل، مجيداً في النظم، خطيباً فصيحاً مفوهاً ". ويصفه ابن عبد الملك بأنه " بقية الأكابر من أهل العلم بصقع الأندلس الشرقي، حافظا للحديث مبرزاً في نقده، ضابطا لأحكام أسانيده، كاتباً بليغاً شاعراً مجيداً، خطيباً مصقعاً ". تولى الخطبة بجامع بلنسية غير مرة، وقدم إلى سماعه الطلاب من كل صوب. وكتب عدة مصنفات في الحديث والسير والآداب، منها حلية الأمانى في الموافقات العوالى، وتحفة الرواد في الغوالى البدلية والإسناد، والمسلسلات من الأحاديث، وكتاب الاكتفاء في مغازى رسول الله، ومغازى الثلاثة الخلفاء، وكتاب حافل في معرفة الصحابة والتابعين لم يكمله، وبرنامج مروياته، وجنى الرطب في سنى الخطب، جمع فيه طائفة كبيرة من خطبه، ومؤلفات أخرى في الأدب، ومجموع رسائله، وغير ذلك، وجمع شعره في ديوان. ومما يؤثر عنه أنه كان ينحى باللائمة على الإمام الغزالي في اختيار عنوان كتابه " إحياء علوم الدين " ويقول متى ماتت العلوم حتى نقول بإحيائها، فهى مازالت حية وسوف تبقى كذلك. وكان فوق علمه الغزير، مجاهداً من أولى الإقدام والبسالة، وثبات الجأش. يحضر الغزوات والوقائع، ويشترك بنفسه في القتال، ويبلى البلاء الحسن، وكانت آخر وقيعة اشترك فيها هي وقيعة أنيشة التي اضطرمت بين المسلمين والنصارى في ظاهر بلنسية في اليوم العشرين من ذي الحجة سنة ٦٣٤ هـ، ودارت فيها الدائرة على المسلمين، واستشهد منهم عدد جم بينهم كثير من الفقهاء والعلماء. وكان أبو الربيع في مقدمة من استشهد وهو يخوض المعمعة، ويحث إخوانه على القتال، وذلك حسبما سبق أن ذكرناه في موضعه. وقد رثاه تلميذه ابن الأبار، ومن سقط معه من علماء بلنسية،، بقصيدته الشهيرة التي مطلعها: ألمّا بأشلاء العلى والمكارم ... تقد بأطراف القنا والصوارم

стр. 2382

وعوجا عليها مأربا وحفاوة ... مصارع غصت بالطلى والجماجم وهي في نحو مائة بيت. وكان مولد أبي الربيع بن سالم في قرية من قرى مرسية في شهر رمضان سنة ٥٦٥ هـ (١). ومن الفقهاء الذين نبغوا في الأصول وعلم الكلام، محمد بن ابراهيم المهرى من أهل بجاية، وأصله من إشبيلية. رحل إلى المشرق، وأخذ عن جمهرة من أقطاب المحدثين، وبرز في علم الكلام، وأصول الفقه، حتى اشتهر بالأصولى، وكان علم وقته في هذا الميدان. وولي قضاء بجاية غير مرة، وعنى بإصلاح كتاب "المستصفى" لأبي حامد الغزالى، ورحل إلى الأندلس، واتصل بابن رشد وكان يدرس معه " علوم الأوائل ". ولما امتحن ابن رشد سنة ٥٩٣ هـ، محنته المشهورة، التي سبق ذكرها في موضعها، امتحن معه المهرى، ونفى مثله من قرطبة، إلى بعض الجهات، ثم عفى عنه، وكف بصره في أواخر حياته، وتوفي سنة ٦١٢ هـ (٢). ومنهم عبد الله بن باديس بن عبد الله بن باديس اليحصبى من أهل جزيرة شقر، نشأ في بلنسية، ورحل إلى إشبيلية فأخذ بها عن أقطابها، ثم عبر البحر إلى فاس، وتبحر في الأصول وعلم الكلام على أشياخها، ثم عاد إلى بلنسية، وتصدر للتدريس بالمسجد الجامع، ونوظر في " المستصفى " لأبي حامد الغزالى، وكان من أساتذة ابن الأبار، أخذ عليه وصحبه وقتا، وتزهد في آخر حياته، وتوفي في شعبان سنة ٦٢٢ هـ (٣). ومنهم محمد بن محمد بن سعيد .. بن مجاهد الأنصارى من أهل إشبيلية ويعرف بابن زرقون، وأصلهم من بطليوس، أخذ عن أقطاب عصره، وفي مقدمتهم أبو بكر بن الجد، وأبو جعفر بن مضاء. وكان فقيهاً مالكياً متبحراً في المذهب، متعصباً له، وأخذ عنه أهل عصره، وكان فوق ذلك يشارك في الأدب مشاركة طيبة، وينظم اليسير من الشعر. ومن مؤلفاته " الكتاب المعلى في الرد على المُحَلّى لابن حزم " وكتاب " قطب الشريعة في الجمع بين الصحيحين " واختصر كتاب " الأموال " لأبي عبيد، وغير ذلك. وكانت وفاته بإشبيلية في شوال سنة ٦٢١ هـ، ومولده بها في سنة ٥٣٩ هـ (٤).

стр. 2383

- ٢ - وهنالك طائفة كبيرة من علماء الدين، الذين نبغوا في الفقه أو الحديث والقراءات، ونبغوا في نفس الوقت في الأدب والشعر أو اللغة، وقد رأينا أن نذكرهم مجتمعين في هذا القسم على النحو الآتي: ْكان من هؤلاء عبيد الله بن عمر بن هشام الحضرمي، أصله من إشبيلية، ونزح أهله إلى قرطبة، وبها ولد ونشأ. ودرس القراءات والحديث، والعربية والآداب، على أقطاب عصره، وتحول في حواضر الأندلس في طلب الاستزادة والتمكن. وكان مقرئاً، نحوياً، أديباً شاعراً. عبر البحر إلى المغرب، وتصدر للإقراء وتعليم الآداب والعربية، وتنقل بين مراكش ومكناسة وتلمسان. ثم قفل إلى الأندلس، ونزل ألمرية حينا، ثم غادرها إلى مرسية وولي الخطبة بجامعها، وله تصانيف عدة، منها " كتاب الإفصاح في اختصار المصباح " وكتاب في " شرح مقصورة ابن دريد ". وكان انفصاله عن مرسية في سنة ٥٥٠ هـ، ولا يعرف كم عاش بعدها. ومولده في سنة ٤٨٩ هـ (١). وعبد الله بن محمد عبد الله الصنهاجي المعروف بابن الأشيري، نسبة إلى أشير من أعمال المغرب الأوسط. درس الحديث والفقه بالأندلس، وأخذ بها عن أبي بكر بن العربى، وابن عساكر، وشريح بن محمد، وأبي الفضل عياض، وأبي الوليد بن الدباغ وغيرهم. وكان أديبا، وكاتبا بليغا، كتب لصاحب المغرب (وهو فيما يرجح علي بن يوسف)، فلما توفي استتر وغادر المغرب إلى المشرق وحج، وجاور حينا بمكة، ثم توجه في أواخر حياته إلى حلب، وحدث بها وهنالك توفي في سنة ٥٦١ هـ (٢). ومحمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس العبدري، من أهل قرطبة. درس الفقه والحديث على أقطاب عصره، مثل ابن عتاب، وابن رشد، وابن مغيث، وابن العربى، وابن الباذش وغيرهم، وبرع بنوع خاص في علم اللغة، وكان مشاركا في فنون كثيرة، حافظا متمكنا، وشاعراً محسناً. غادر قرطبة أيام الفتنة وعبر البحر إلى المغرب، ونزل بمراكش، فاقرأ بها العربية والآداب، وله شرح مشهور " لجمل الزجاجي "، ومعشرات في الغزل، ونظم في الزهد،

стр. 2384

وتوفي بمراكش سنة ٥٦٧ هـ (١). ومحمد بن أحمد بن محرز بن عبد الله بن أميه، من أهل بطليوس، واستوطن إشبيلية ويعرف بالمنتانجشى نسبة إلى حصن منتانجش. عنى بالقراءات والفقه والحديث، ودرس العربية على أبي عبد الله بن أبي العافية وأبي بكر بن القبطورنة وغيرهما، وكان فقيهاً مشاوراً، حافظاً، له حظ من الأدب والكتابة. وقد أخذ عنه عدة من الجلة مثل ابن خير، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي الخطاب بن واجب وغيرهم، وتوفي في آخر سنة ٥٦٩ هـ، ومولده في سنة ٤٧٩ هـ سنة الزلاقة (٢). ومنهم وهو من أنبغهم، محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي، مولى ابراهيم بن محمد بن يغمور اللمتونى من أهل إشبيلية. ودرس بها وبقرطبة وألمرية وغيرها، وشغف بالقراءات والحديث والفقه، وبرع فيها، وعنى عناية كبيرة بتقييد الرواية والآثار، وأخذ عن جمهرة كبيرة من أقطاب عصره، منهم أبو مروان الباجى، وأبو بكر بن العربى. وأبو اسحاق بن حبيش، وأبو القاسم ابن بقى، وابن مغيث، وابن أبي الخصال، وأبو الفضل عياض وغيرهم. وقد اشتهر بالإتقان والضبط، وكان فوق ذلك أديباً كبيراً، بارعاً في اللغة والنحو. وفي أواخر حياته ولى الصلاة بجامع قرطبة وتوفي بها في ربيع الأول سنة ٥٧٥ هـ، ومولده في سنة ٥٠٢ هـ. وقد اشتهر ابن خير بنوع خاص بفهرسه الجامع الذي ألفه عن شيوخه، وعن الكتب التي رواها وقرأها، عنهم، ومن هذا الثبت الحافل، نستطيع أن نكون فكرة جامعة عن الكتب الدراسية وكتب النصوص، التي كانت متداولة بمدارس الأندلس في القرن السادس الهجري (٣). ومنهم محمد بن عبيد الله بن أحمد .. بن نصر بن سالم الخشنى، من أهل رندة وسكن مالقة، ودرس بها، وبقرطبة، وبرع في القراءات واللغة والنحو، وأنفق حياته في إقراء القرآن وتعليم العربية، وكان كذلك محدثا حافظا، حدث، وأخذ عنه الكثيرون. وتوفي بمالقة في سنة ٥٧٦ هـ (٤). وعبد الله بن محمد بن عيسى الأنصاري، ويعرف بابن المالقي، لأن أصله

стр. 2385

من مالقة، ودرس بإشبيلية وغيرها، ثم نزح إلى العدوة وسكن مراكش وكان فقيهاً متمكناً، وخطيباً مفوهاً، وأديباً كبيراً محسناً، ندبه الخليفة أبو يعقوب يوسف لرياسة طلبة الحضرة، ونال في ظل رعايته جاها ودنيا عريضة. وتوفي بمراكش في سنة ٥٧٤ هـ، وعلى قول آخر في سنة ٥٧٣ هـ (١). وعبد الله بن يحيى بن عبد الله بن فتوح الحضرمي النحوي من أهل دانية، ويعرف بابن صاحب الصلاة. درس القراءات والعربية والأدب، ونزح إلى شاطبة فدرس بها الأدب والنحو زمانا، وكان أديبا متمكنا، مبرزاً في صناعة العربية، استدعاه ابن سعد أمير الشرق إلى بلنسية، وذلك لتأديب أولاده، وأخذ عنه كثير من أهل عصره، ومنهم أعلام مثل أبي الربيع بن سالم، وكان له كذلك حظ من قرض الشعر. ومن ذلك قوله: وعجل شيبي أن ذا الفضل مبتلى ... بدهر غدا ذو النقص فيه مؤمّلا ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... بها الحر يشقى واللئيم ممولا وتوفي ببلنسية في شهر رجب سنة ٥٧٨ هـ ثم حمل إلى بلده دانية، ودفن بها. ومولده في سنة ٥١٧ هـ (٢). وأحمد بن محمد بن مفرج الأموي أصله من سرقسطة، ونزل مرسية، ويعرف بالملاّحى، عنى بالقرآن والحديث والعربية وبرع فيها، وأقرأ القرآن بمرسية، وحدث وأخذ عنه، وعلم العربية زمنا، وتوفي في سنة ٥٨٢ هـ (٣). والحسن بن أحمد بن يحيى بن عبد الله الأنصاري، من أهل قرطبة، ونزل مالقة، درس القراءات والحديث وبرع في الرواية، وأخذ عن عدة من أقطاب عصره، ومنهم أبو القاسم بن بشكوال، أخذ عنه كتاب الصلة، وكان متمكنا من العربية ومن علم العروض. وحدث عنه أهل عصره. وتوفي بمالقة في رمضان سنة ٥٨٥ هـ، ومولده في سنة ٥١٨ هـ (٤). ومحمد بن خلف بن محمد بن عبد الله بن صاف اللخمي من أهل إشبيلية. عنى بالقراءات والعربية، ودرس ببلده إشبيلية، ثم رحل إلى جيان، فدرس على أبي بكر بن مسعود الخشني. واشتهر ببراعته في القراءات والعربية، وله شرح في أشعار الستة وفي تغلب. وكتاب في ألفات الوصل والقطع، وشروح

стр. 2386

لآيات من القرآن، وأجوبة لأهل طنجة في مسائل القراءات والنحو. حدث، وأخذ عنه جماعة. وتوفي في سنة ٥٨٥ هـ وقيل في ٥٨٦ هـ، ومولده سنة ٥١٢ هـ (١). ومحمد بن جعفر بن أحمد بن خلف بن حميد بن مأمون الأموي، من أهل بلنسية. درس القراءات بإشبيلية وغرناطة على أقطاب عصره، ورحل إلى جيان فدرس بها العربية والآداب على أبي بكر بن مسعود. ثم رحل إلى ألمرية فدرس على من كان بها من أقطاب العصر. ثم قفل إلى بلده، وقد ذاع صيته، واشتهر بغزير علمه، فأقرأ وحدث وعلم العربية. ثم ندب لقضاء بلنسية فقضى في منصبه عدة أعوام، واشتهر بنزاهته وعدالته وحسن تصريفه، وهو في نفس الوقت يقرىء القرآن والعربية، مع حظ وافر من البلاغة والبيان والبديع. وانتقل إلى مرسية في أواخر حياته، وتولى بها الصلاة والخطبة، وتوفي في جمادى الأولى سنة ٥٨٦ هـ ومولده في سنة ٥١٣ هـ (٢). ومحمد بن سعيد بن أحمد بن سعيد بن عبد البر بن مجاهد الأنصاري، من أهل إشبيلية ويعرف بابن زرقون. درس على أبيه، وعلى عدد من الجلة، مثل أبي محمد ابن عبدون، وأبي بكر بن القبطورنة، وأبي الفضل عياض، واختص به ولازمه كثيراً، وكتب له أيام ولايته لقضاء غرناطة. وكان متمكنا من الحديث والفقه، مع براعته في الأدب وقرض الشعر. ولى قضاء شلب، ثم قضاء سبتة، فحمدت سيرته، واشتهر بكفايته ونزاهته. وله عدة مؤلفات منها كتاب الأنوار، جمع فيه بين المنتقى والاستذكار، وجمع أيضاً بين مصنف الترمذى وسنن أبي داود، وكان الطلاب يرحلون إليه لعلو روايته. وتوفي بإشبيلية في رجب سنة ٥٨٦ هـ. ومولده بشريش سنة ٥١٢ هـ (٣). ومفوز بن طاهر بن حيدرة المعافري، من أهل شاطبة، درس القراءات والفقه، وبرع فيهما، وكان فقيهاً مشاوراً، ولى قضاء شاطبة، زمنا فحمدت سيرته، وكان فوق ذلك متمكنا من الأدب، بليغاً حسن البيان، وله حظ من قرض الشعر، ومن نظمه: وقفت على الوادي المنعم دوحه ... فأرسلت من دمعى هنالك واديا وغنمت به ورق الحمام عشية ... فأذكرنا أياما مضت ولياليا

стр. 2387

وتوفي بشاطبة في شعبان سنة ٥٩٠ هـ، ومولده في سنة ٥١٧ هـ (١). ونجبة بن يحيى بن خلف .. بن نجبة الرعيني من أهل إشبيلية، درس على أقطاب عصره مثل أبي مروان الباجي، وأبي بكر بن العربي، وأبي بكر بن طاهر، وأبي القاسم بن الرماك، وغيرهم. وكان إماما في القراءات والعربية، وقد تصدر لإقراء القرآن، وتعليم العربية زمانا، ثم عبر إلى المغرب، ونزل بمراكش استجابة لدعوة الخليفة، وهنالك أقرأ القرآن بالحاضرة الموحدية، وكان يرافق حملات الغزو الموحدية. وقد حدث عنه جماعة من الشيوخ، وتوفي على مقربة من شريش سنة ٥٩١ هـ، وهو مرافق لجيش المنصور المتجه إلى الغزو، وحمل إلى إشبيلية ودفن بها، ومولده في سنة ٥٢٠ هـ (٢). وأحمد بن عبد الرحمن بن محمد .. ابن مضاء بن مهند بن عمير اللخمى، من أهل قرطبة، وأصله من شذونة، درس القراءات والحديث والعربية، وأخذ عن عدة من الجلة، مثل ابن أبي الخصال، وابن مسرة، وأبي بكر بن مدبر، وأبي بكر بن سمجون، وأخذ العربية بإشبيلية عن أبي القاسم بن الرماك، وسمع من أبي بكر بن العربى، وسمع بألمرية أبا محمد عبد الحق بن عطية، وأبا الفضل عياض، ومال إلى العربية وبرع فيها، ثم عبر إلى المغرب والتحق بخدمة الخلافة، وولي قضاء فاس، ثم نقل إلى قضاء الجماعة بمراكش. وكان له حظ وافر من الأدب، والبيان والشعر، وله في العربية كتاب سماه " بالمشرق " وكتاب " تنزيه القرآن عما لا يليق من البيان ". وتوفي بإشبيلية مصروفا عن القضاء في جمادى الأولى سنة ٥٩٣ هـ، ومولده بقرطبة سنة ٥١١ هـ (٣). وعبيد الله بن عبد الرحمن .. بن عيسى بن عبد الملك بن قزمان، من أهل قرطبة، واستوطن أشونة من أعمالها. درس الحديث والفقه، وسمع من عدة من الأقطاب، منهم أبوه القاضي أبو مروان، وأبو جعفر البطروجى، وأبو إسحق ابن فرقد، وغيرهم. وولي القضاء بعدة بلاد من أعمال قرطبة، وكان فقيهاً متمكناً بصيراً بالأحكام، وكان فوق ذلك أديباً محسناً وشاعراً، من بيت علم وأدب ونباهة. توفي بأشونة سنة ٥٩٣ هـ، أو ٥٩٤ هـ (٤).

стр. 2388

ومنهم من علماء المغرب عبد الله بن محمد بن عيسى التادلى، من أهل فاس، ودخل الأندلس في أواخر العهد المرابطي، ودرس بإشبيلية، وسمع من القاضي عياض، وأجاز له ابن بشكوال، وتلقى الحديث عن ابن عتاب، وأبي بحر الأسدى، وكان فقيهاً متمكناً، أديباً محسناً، وله رسائل وأشعار عديدة، وولي قضاء بلده فاس في أواخر أيام الخليفة أبي يعقوب يوسف. وحدث عنه جماعة من أقطاب الأندلس، مثل أبي محمد بن حوط الله، وأبي الربيع بن سالم. وتوفي بمكناسة سنة ٥٩٧ هـ. ومولده في سنة ٥١١ هـ (١). ومنهم أحمد بن عتيق بن الحسن بن زياد بن فرج، أصله من ألمرية، وسكن بلنسية، ويعرف بالذهبى، درس القراءات والفقه والآداب والعربية، ومهر في عدة فنون، وكان فقيهاً مبرزاً في علم الأصول، متبحراً في علوم الأوائل، ماهراً في العربية، وكان آية في الحفظ والذكاء والفهم، وحسن الاستنباط، والغوص على المعانى الدقيقة. حدث وأقرأ العربية، واستدعاه الخليفة المنصور إلى مراكش فحظى لديه، وكان من أبرز أعضاء مجلسه العلمى، وكان يتلقى عليه بعض العلوم النظرية. وقدمه للشورى والفتوى، فأبدى في هذا الميدان ما يشهد بتمكنه وغزارة علمه. ولما امتحن ابن رشد وزملاؤه محنتهم المشهورة في سنة ٥٩١ هـ، اختفى ابن فرج حينا خشية توجيه الاتهام إليه، ثم ظهر وطمأنه المنصور، وحظى بعد المنصور لدى ولده محمد الناصر، ونال جاها وثراء. وله تآليف، منها كتاب الإعلام بفوائد مسلم للمهدى الإمام، وكتاب حسن العبارة في فضل الخلافة والإمارة. وكانت وفاته بتلمسان في شوال سنة ٦٠١ هـ، أثناء مرافقته الجيش الموحدي المتجه إلى إفريقية (٢). والحسن بن علي بن خلف الأموي من أهل قرطبة، وسكن إشبيلية، ويعرف بالخطيب، أخذ عن عدة من أقطاب عصره، مثل ابن مغيث، وأبي بكر بن العربى، وابن مسرة، وأبي بكر بن مسعود، وابن أبي الخصال، وبرع في القراءات والحديث والأدب. وتولى الخطابة ببعض جهات إشبيلية، وله عدة مصنفات نفيسة، منها كتاب روضة الأزهار، وكتاب في الأنواء، وكتاب اللؤلؤ المنظوم في معرفة الأوقات بالنجوم، وكتاب روضة الحقيقة في بدء الخليقة، وكتاب تهافت

стр. 2389

الشعراء وغيرها. توفي بإشبيلية سنة ٦٠٢ هـ، ومولده بقرطبة سنة ٥١٤ هـ (١). ومحمد بن يوسف بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن أبي زيد، من أهل لرية من عمل بلنسية، ويعرف بابن عياد. أخذ عن أبيه أبي عمر، وعدة من الأقطاب مثل أبي الحسن بن النعمة، وأبي عبد الله بن الفرس، وأبي القاسم ابن حبيش، وغيرهم، وعنى أشد العناية بالرواية، وتقييد الآثار والأخبار، والتواريخ. وكان له حظ وافر من الآداب والعربية، وله مشاركة في النظم، وحدث وأخذ عنه البعض، وله مجموع في مشيخة أبيه أبي عمر. توفي ببلده سنة ٦٠٣ هـ، ومولده في سنة ٥٤٤ هـ (٢). وموسى بن حسين بن موسى بن عمران القيسي، الميرتلي، نزيل إشبيلية، درس القراءات والآدب، وبرع فيهما، وصحب أبا عبد الله بن المجاهد، واختص به وسلك طريقته في الزهد والورع والعزلة والعبادة، وكان في ذلك منقطع القرين. وكان يلازم مسجده داخل إشبيلية، يقرىء ويعلم، وله حظ وافر من قرض الشعر، ومعظمه في الزهد والتخويف من سطوة الله. توفي في أوائل سنة ٦٠٤ هـ، وقد تجاوز الثمانين. ومن نظمه قوله: سليخة وحصير ... لبيت مثلى كثير وفيه، شكراً لربى ... خبز وماء نمير وفوق جسمى ثوب ... من الهواء ستير إن قلت أني مقل ... إنى إذاً لكفور قررت عينا بعيشى ... فدون حالى الأمير (٣). وأحمد بن محمد بن أحمد بن مقدام الرعيني، من أهل إشبيلية، أخذ عن ابن العربى، وأبي القاسم بن الرماك، وأبي الحسن بن عظيمة، وغيرهم، ومهر في القراءات والأدب، وكان أديبا حافظا، يستظهر شعر المعرى المدون بسقط الزند، ولما توجه ابن العربى على رأس وفد إشبيلية إلى مراكش لمقابلة الخليفة عبد المؤمن، صحبه في رحلته، وحضر وفاته عند عوده بفاس، وتوفي في أواخر سنة ٦٠٤ هـ، ومولده سنة ٥١٦ هـ (٤). وإدريس بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التجيبي من أهل مرسية

стр. 2390

درس الحديث والفقه والأدب، وكان في مقدمة من أخذ عنهم أبو العباس بن الحلاّل صاحب الأحكام بمرسية، وكان ماهراً في شئون الوثائق والعقود، وولي قضاء شاطبة، ثم ولى الخطابة والصلاة بجامعها، وكانت له مشاركة طيبة في الأدب وله موجز في السيرة لابن إسحاق سماه " بالإشراق " وتوفي في سنة ٦٠٦ هـ (١). وأحمد بن عبد الودود بن عبد الرحمن .. بن صالح الهلالى، من أهل غرناطة وسكن المنكب حينا. ويعرف بابن سمجون. أخذ عن أبيه أبي محمد، وعدة من أقطاب عصره. وبرع في الحديث والفقه، وولي قضاء المنكب، ثم تولى الخطبة، بجامع قرطبة وقتا. وكان فوق ذلك أديبا محسنا في النثر والنظم، حدث وأخذ عنه بعض الشيوخ الجلة. وتوفي بغرناطة، في أوائل سنة ٦٠٨ هـ، ومولده في سنة ٥٢٨ هـ (٢). ومحمد بن أيوب بن محمد بن وهب .. بن نوح الغافقي من أهل بلنسية، ودار سلفه بسرقسطة. وكان من أشهر وأنبغ الفقهاء الذين جمعوا بين الفقه والأدب في تلك الفترة. درس القراءات والفقه والأدب، وأخذ عن عدة من الأقطاب، واستظهر المدوّنة، وأخذ العربية والآداب عن ابن النعمة. ولى خطة الشورى ببلنسية في حياة شيوخه، وتفوق عليهم في الحفظ والتحصيل، ولم يكن في وقته بشرقى الأندلس، أغزر منه علماً وتبحراً، وانتهت إليه الرياسة يومئذ في عقد الشروط والفتيا. وكان فوق براعته في الفقه والقراءات والتفسير، أديبا متمكنا، ماهراً في الغريب من اللغة، حافظا للأنساب والأخبار، متقنا لما استغلق من معانى الأشعار الجاهلية والإسلامية، مشاركا في فنون كثيرة أخرى. وولي بعد الشورى، قضاء بعض الكور ببلنسية، وخطب بجامعها وقتا. وكان له حظ متوسط من النظم. أسمع الحديث ودرس الفقه وعلوم العربية والآداب وأخذ عنه كثير من الناس، وسمع منه جلة من الشيوخ، ودرس عليه ابن الأبار، وهو يقول لنا إنه كان " أغزر من لقيت علماً، وأبعدهم صيتاً ". توفي في شوال سنة ٦٠٨ هـ، ومولده سنة ٥٣٠ هـ (٣). ومنهم، ومن أشهرهم، أبو عمر أحمد بن هارون بن أحمد بن جعفر بن عات النفزي، من أهل شاطبة، أخذ عن أبيه وغيره من شيوخ وقته، ورحل إلى

стр. 2391

المشرق، فأدى فريضة الحج، وسمع بمصر أبا طاهر السلفى، وغيره من الأقطاب وكان آية في الحفظ، يسرد المتون والأسانيد ظاهراً، ولا بخل بشىء منها، مع مشاركة طيبة في النظم والنثر، وكان موصوفا بالدراية والرواية، يغلب عليه الزهد والورع، حدث عنه بعض الشيوخ الجلة، وكان من العلماء المرافقين للجيش الموحدي في موقعة العقاب، وفيها لقى حتفه، وذلك يوم الاثنين منتصف صفر سنة ٦٠٩ هـ، ومولده سنة ٥٤٢ هـ (١). وحيان بن عبد الله بن محمد بن هشام .. بن حيان الأنصاري الأوسى من أهل بلنسية، وأصلهم من أروش من عمل قرطبة، درس القراءات والنحو، وأقرأ وقتا بجامع بلنسية، وكان نحويا بارعا، متقنا لكتاب سيبويه، لغوياً، أديباً شاعراً ماهراً في الكتابة، يميل إلى استعمال العويص من اللغة، وكان من أساتذة ابن الأبار وتوفي سنة ٦٠٩ هـ (٢). ومحمد بن أحمد بن خلف بن عياش الأنصاري الخزرجي، من أهل قرطبة، ويعرف بالشنتيالى، درس على أبي القاسم بن بشكوال، وأبي القاسم بن غالب الشراط، وأبي إسحاق بن طلحة، وأبي الحسن بن بقى، وأبي بكر بن خير، وأبي القاسم السهيلى وغيرهم، وبرع في علم القراءات، والحديث والفقه، والنحو، وكانت له كذلك مشاركة في الفرائض والحساب، تولى الصلاة بجامع قرطبة نحواً من ثلاثين سنة، وأقرأ به القرآن، وحدث زمنا، وأخذ عنه عدد من الشيوخ، وكان من أهل العلم والعمل، والصلاح والتواضع، توفي في شعبان سنة ٦٠٩ هـ. ومولده في سنة ٥٣٢ هـ (٣). وأحمد بن محمد بن إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم بن خلصة الحميري، من أهل قرطبة، درس القراءات والعربية والآداب واللغة، وبرع فيها، وعين خطيبا للجامع الأعظم، وتصدر للإقراء به مدة طويلة، وعكف بالأخص على تدريس علوم اللغة، وكان متمكناً منها متفوقاً فيها، وكان له حظ من قرض الشعر. لبث دهراً يدرس علوم اللسان بجامع قرطبة، وتولى به الخطبة نحو ثلاثة أعوام وكانت وفاته وهو قائم يخطب فوق منبر الجامع الأعظم، وذلك في شهر صفر

стр. 2392

سنة ٦١٠ هـ، ومولده في سنة ٥٢٤ هـ (١). ومحمد بن محمد بن سليمان بن محمد بن عبد العزيز الأنصاري النحوى، من أهل بلنسية، وأصله من سرقسطة. عنى بالحديث والرواية، وبرع في علم اللسان والعربية، وكان من شيوخه عدة من الجلة مثل أبي الخطاب بن واجب، وأبي عمر ابن عات، وأبي بكر عتيق بن علي. وكان غزير العلم والمعرفة، حافظاً متمكناً، متفوقاً في صناعة العربية عاكفا على إقرائها وتعليمها، وكان فوق ذلك شاعراً مجيداً، حسن التصرف والذوق. وكانت وفاته في ربيع الأول سنة ٦١٠ هـ، ومولده في سنة ٥٦٣ هـ (٢). وعبد الله بن عمرو بن محمد بن يوسف الخزرجى من أهل قرطبة، ونشأ بتلمسان، درس القراءات والعربية، وكان أديبا كاتبا بليغا، نزح إلى قرطبة، وعاش بها، وخدم بعض ولاتها الموحدين بالكتابة عنهم. ثم ولى القضاء وظهر بكفايته ونزاهته. وتوفي بقرطبة في رمضان سنة ٦١٣ هـ، وقد نيف على السبعين (٣). ومحمد بن أحمد بن عبد العزيز بن سعادة من أهل شاطبة، درس القراءات والحديث، وأخذ عن أبي الحسن بن هذيل، وأبي بكر بن سيدبونه، وأخذ العربية والآداب عن أبي الحسن بن النعمة، وغيره من أقطاب العصر. وكان مقرئا بارعا، ونحويا متمكنا، ولغوياً محققاً. وقد أخذ عنه ابن الأبار وجماعة من أصحابه. وتوفي سنة ٦١٤ هـ (٤). وإبراهيم بن علي بن ابراهيم .. بن أغلب الخولاني، من أهل إسطبة من عمل قرطبة، يعرف بالزواتى، درس بأشونة على أبي مروان بن قزمان، وبإشبيلية على ابن فرقد، وأخذ كذلك عن ابن النعمة، وابن سعادة، وأبي الحسن الزهرى، وغيرهم. وتجول في مختلف البلاد في طلب العلم، وعنى بالأخص بالآداب واشتهر ببراعته فيها. وولي قضاء ألش من أعمال مرسية، وحدث وأخذ عنه. وكانت وفاته بمراكش في آخر سنة ٦١٦ هـ، ومولده في سنة ٥٤٠ هـ (٥). ومحمد بن طلحة بن محمد بن عبد الملك .. بن حزم الأموي النحوى، سكن إشبيلية، وأصلهم من يابرة من أعمال الغرب (البرتغال)، عنى بالقراءات

стр. 2393

والعربية، وأخذ عن أبي بكر بن صاف، وأبي اسحاق بن ملكون، وأبي بكر ابن الجد، وأبي زيد السهلى، وغلب عليه التخصص في العربية، والتمكن منها، والتحقق من غوامضها، فعكف على تعليمها، واعتبر في هذا الميدان أستاذ إشبيلية الذي لا يبارى، وقد انتفع به عدد من الشيوخ اللاحقين، مثل أبي على الشلوبين وغيره، وغلب عليه في أواخر حياته حب العزلة، فاعتكف عن الناس، وتوفي في صفر سنة ٦١٨ هـ. ومولده بيابرة في سنة ٥٤٥ هـ (١). وسليمان بن حكم بن محمد بن أحمد بن علي الغافقي من أهل قرطبة، درس القرآن والحديث واللغة، وأخذ عن جمهرة من أقطاب عصره، منهم ابن الفخار، وأبو عمر بن عات، وأبو القاسم بن بشكوال، وأبو جعفر بن يحيى وغيرهم. امتهن عقد الشروط بقرطبة مدة، وكان متقناً مبرزاً في العدالة والضبط، عارفاً بالأحكام، أديباً كاتباً وشاعراً مبرزاً في النظم، وضع أرجوزة جيدة في الفقه. وله غير ذلك من النظم. ولد بقرطبة سنة ٥٤٦ هـ، وتوفي بها في ربيع الآخر سنة ٦١٨ هـ (٢). وأحمد بن عبد المؤمن بن موسى بن عبد المؤمن القيسي، من أهل شريش. درس الحديث والعربية على شيوخ عصره. عكف زمنا على تدريس اللغة. وله في هذا الميدان عدة مصنفات نفيسة، منها شرح الإيضاح للفارسى، والمجمل للزجاجى، وله تأليف في العروض، ومجموع في مشاهير قصائد العرب، ومختصر لنوادر أبي على القالى، ولكنه اشتهر بنوع خاص بشرحه لمقامات الحريرى. وله في ذلك ثلاث نسخ، كبرى، ووسطى، وصغرى. وأخذ عنه عدد من أقطاب العصر، ومنهم ابن الأبار حسبما يحدثنا في ترجمته. وقد نشرت شروحه على هامش المقامات مراراً، وما تزال هي عمدتنا في فهم غوامضها. وكانت وفاته ببلدته شريش سنة ٦١٩ هـ (٣). وعبد الله بن أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر القضاعى، وهو والد ابن الأبار صاحب التكملة، أصله من أندة وسكن بلنسية، درس القراءات والأدب، وكان حسبما يصفه لنا ولده، " مقدما في حملة القرآن،

стр. 2394

كثير التلاوة له، والتهجد به، ذاكراً للقراءات، مشاركاً في حفظ المسائل، آخذاً فيما يستحسن من الأدب معدَّلا عند الحكام ". وقد كان أول أساتذة ابنه في القراءات والأدب، وقد اطلع على جميع كتبه، وشاركه في الأخذ عن معظم شيوخه، وتوفي بأندة في ربيع الأول سنة ٦١٩ هـ، وولده المؤرخ يومئذ ببطليوس، ومولده بأندة سنة ٥٧١ هـ (١). - ٣ - وظهرت من هذه الطبقة التي تجمع بين علوم الدين، وبين اللغة أو الأدب أو الشعر، إلى جانب من تقدم ذكرهم، جمهرة كبيرة أخرى، ممن نبغوا في أواخر العصر الموحدي، وفي خلال عهد الفتنة والانهيار بالأندلس نذكرهم فيما يلي: كان من هؤلاء عبد الله بن حامد بن يحيى بن سليمان بن أبي حامد المعافرى من أهل مرسية، درس الحديث على أبي القاسم بن حبيش، وأبي محمد بن حوط الله وغيرهما من أعلام عصره، ثم درس العربية وبرع فيها، وصحب الأديب الكبير أبا بحر صفوان بن إدريس، وغيره. وكان له حظ من قرض الشعر، والبراعة في الكتابة، وكان في وقته من رؤساء مرسية وأعيانها. وكانت وفاته في سنة ٦٢١ هـ (٢). ومحمد بن يخلفتن بن أحمد بن تنفليت الجنفيسي الفازازي التلمساني، نزح من المغرب إلى الأندلس، ودرس على عدة من الأعلام، وكان فقيهاً متمكناً، وأديباً مبرزاً، وكاتباً بليغاً، وشاعراً محسناً، ولى قضاء مرسية ثم قضاء قرطبة، وقيل إنه كان يحفظ صحيح البخاري أو معظمه. وتوفي بقرطبة سنة ٦٢١ هـ (٣). وأحمد بن يزيد بن عبد الرحمن .. بن بقى بن مخلد بن يزيد الأموي، من أهل قرطبة، ومن أعرق بيوتاتها في العلم والنباهة، درس على جمهرة من أقطاب عصره ومنهم ابن بشكوال، وابن مضاء، وابن فرقد وغيرهم، وبرع في الفقه والحديث والأدب. وتولى قضاء الجماعة بمراكش حينا، وكذلك خطتى المظالم والكتابة العليا. وكان من أعلم رجالات عصره، وأوفرهم سراوة وجلالا. وعاش بمراكش معظم حياته، ثم غادرها إلى الأندلس وولي قضاء قرطبة قبل وفاته بيسير. وكان فوق تضلعه في الفقه أديباً كبيراً، وشاعراً مجيداً. وتوفي بقرطبة في شهر رمضان

стр. 2395

سنة ٦٢٥ هـ، ومولده في سنة ٥٣٧ هـ (١). واسماعيل بن أحمد بن عبد الرحمن الأنصاري من أهل إشبيلية، ويعرف بابن السراج، درس القراءات والحديث، ودرس العربية على أبي اسحاق بن ملكون أستاذ عصره في ذلك الميدان، وولي قضاء بعض الكور، وكان عاكفا على عقد الشروط خبيراً بصناعتها. وتوفي بإشبيلية في حدود سنة ٦٢٥ هـ (٢). وإبراهيم بن عيسى بن محمد بن أصبغ الأزدي من أهل قرطبة. درس الحديث والفقه، وأخذ العربية عن أبي ذر الخشنى، وبرع فيها وفي النحو، وولي قضاء دانية، ثم صرف عنه لما اضطرمت الفتنة ببلنسية في سنة ٦٢١ هـ، وسيق إلى بلنسية، واعتقل بها وقتا، ثم أطلق سراحه، فعبر البحر إلى مراكش. وله مؤلف حسن في " مسائل الخلاف بين النحويين "، وولي في أواخر حياته قضاء سجلماسة، وتوفي بها سنة ٦٢٧ هـ (٣). وثابت بن محمد بن يوسف بن خيار الكلاعي من أهل لبلة بغرب الأندلس ونزل جيان، ثم سكن غرناطة. درس القراءات والحديث والفقه، وسمع بقرطبة، وإشبيلية، ووادي آش وغيرها، وأخذ عن عدة من الأقطاب مثل أبي القاسم بن بشكوال، وأبي بكر بن بيبش، وأبي بكر بن خطاب، وأبي الحسن بن كوثر، ودرس العربية والنحو وبرع فيهما. وأقرأ القرآن والعربية بجيان وغرناطة، وبها توفي سنة ٦٢٨ هـ (٤). وأحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد الأزدي، من أهل لقنت من أعمال مرسية، عنى بالقراءات والفقه وولي القضاء بجزيرة شقر، ثم ولى قضاء دانية، وكان فوق ذلك أديباً، متحققاً من العربية. وتوفي في ربيع الأول سنة ٦٢٩ هـ (٥). ومحمد بن جابر بن علي بن سعيد الأنصاري من أهل إشبيلية، ويعرف بالسقطى. درس القرآن والحديث وأخذ في ذلك عن نجبة بن يحيى، وأبي الوليد بن نام، وأبي ذر الخشنى وغيرهم، ودرس العربية والأدب، وكان من أهل العناية بالرواية ولقاء الرجال، رحل إلى شرق الأندلس، وأخذ عن أبي الخطاب بن واجب وغيره ببلنسية. وكان يقرىء القرآن والعربية، وقد حُدث عنه. وتوفي بعد سنة ٦٣٠ هـ (٦).

стр. 2396

وأحمد بن مليك بن غالب بن سعيد بن عبد الرحمن التجيبى من أهل أبدّة ويعرف بابن السقاء. درس القراءات والحديث، وأخذ عن جمهرة من أقطاب عصره مثل أبي محمد بن غلبون، وأبي الخطاب بن واجب، وابن عات، وابن بقى وغيرهم، وأخذ العربية واللغات عن أبي عبد الله بن يربوع وبرع فيها، وتصدر ببلده للإقراء والتدريس، ولما استولى القشتاليون على أبدة، غادرها إلى غرناطة واستوطنها، وتوفي بها بعد سنة ٦٣٠ هـ (١). وبسام بن أحمد بن حبيب .. بن شاكر الغافقي، من أهل جيان، وسكن مالقة، أخذ الحديث والفقه عن جماعة من الأقطاب مثل أبي عبد الله بن الفخار، وأبي جعفر بن مضاء، وأبي القاسم بن بشكوال وغيرهم، ودرس العربية والأدب، وولي قضاء ثغر المنكب وغيره، وكان له أيضاً حظ من قرض الشعر. توفي بمالقة في شعبان سنة ٦٣١ هـ، ومولده في سنة ٥٥٧ هـ (٢). ومن هؤلاء الذين جمعوا بين علوم الدين واللغة والأدب والشعر أحيانا، جمهرة أخرى، ظهرت وقت انهيار سلطان الموحدين، ثم انهيار الأندلس الكبرى، وسقوط قواعدها، نذكرهم فيما يلي: كان من هؤلاء المتأخرين، عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي يحيى بن مطروح التجيبى من أهل بلنسية، وأصله من سرقسطة. درس القراءات والفقه والعربية والآداب، وكان من أساتذته أقطاب مثل أبي عبد الله بن نوح، وأبي ذر الخشنى، وأبي الخطاب بن واجب، وأبي محمد بن حوط الله وغيرهم. وكان فقيها متمكنا عارفا بالأحكام، من أهل الشورى والفتيا. ولى القضاء بعدة كور من بلنسية، ثم ولى قضاء دانية، وكان فوق ذلك أديباً شاعراً، راوية. وكانت وفاته ببلنسية، أثناء حصار النصارى لها، في شهر ذي القعدة سنة ٦٣٥ هـ ومولده سنة ٥٧٤ هـ (٣). ومحمد بن ابراهيم بن محمد بن عبد الجليل .. بن غالب بن حمدون الأنصاري الخزرجى، من أهل ألش من عمل بلنسية. أخذ بمرسية وشاطبة عن أقطاب الشرق، مثل أبي الخطاب بن واجب، وأبي عمر بن عات، وأقطاب الغرب مثل أبي القاسم ابن بقى، وأبي سليمان بن حوط الله، وأبي القاسم الملاّحي، وغيرهم، وعنى

стр. 2397

بالحديث والفقه أتم عناية، وكان له حظ من الأدب واللغة. ولى قضاء ألمرية، وتوفي بغرناطة في شهر صفر سنة ٦٣٦ هـ (١). ومحمد بن علي بن خضر بن هارون الغساني، من أهل مالقة، يعرف بابن عسكر، كان في مقدمة أعلام عصره في الفقه واللغة والأدب، فكان فقيهاً متمكناً، ماهراً في عقد الشروط، وكان حافظا للغة، أديبا، وكاتبا بليغا، وله كذلك حظ من قرض الشعر. ولى قضاء بلده مالقة مرتين. وكتب عدة كتب قيمة في اللغة والأدب منها كتاب " المشرع المروى في الزيادة على غريبى الهروى " وكتاب " نزهة الناظر في مناقب عمار بن ياسر " وكتاب " الجزء المختصر في السلو عن ذهاب البصر ". وله رسالة في الزهد عنوانها " ادخار الصبر في افتخار القصر والقبر ". وتوفي وهو يتولى قضاء مالقة في جمادى الآخرة سنة ٦٣٦ هـ. ومولده في نحو سنة ٥٨٤ هـ (٢). وابراهيم بن محمد بن ابراهيم، من أهل بطليوس، ونزح إلى إشبيلية، ويعرف بالأعلم. درس القرآن والحديث والعربية، وبرع فيها، وتصدر لإقرائها. وله شروح قيمة في كتب الإيضاح والجمل، والكامل، والأمالى، وغيرها. وألف أيضاً كتاباً في " آداب أهل بطليوس ". وتوفي في سنة ٦٣٧ هـ (٣). وإسماعيل بن سعد السعود بن أحمد بن هشام .. بن عفير الأموي، من أهل لبلة، وسكن إشبيلية، وينتسب إلى موالى بني أمية، عنى بالحديث والفقه ودرس بقرطبة، وأخذ بها عن أبي بكر بن خير، وابن بشكوال، وابن فرقد، وغيرهم، وكان فقيها متمكنا، ولى قضاء مراكش أيام الفتنة. ثم صرف عنه وعاد إلى إشبيلية. وكان في نفس الوقت أديبا بارعا، وتوفي سنة ٦٣٧ (٤). ومحمد بن اسماعيل بن محمد بن اسماعيل بن خميس الجمحي، من أهل قسنطانة من عمل دانية، درس الحديث والفقه، وصحب أبي عبد الله بن نوح ولازمه، وكتب للقضاة، ثم ولى قضاء بلنسية أيام الفتنة. وكان فوق براعته في الفقه، أديبا متمكنا له حظ من قرض الشعر، بصيراً في الأحكام وعقد الشروط، ثم غادر بلنسية مصروفا عن القضاء، وقدم إلى قضاء شاطبة، وكان من أساتذة ابن الأبار. وتوفي بشاطبة في صفر سنة ٦٣٩ هـ (٥).

стр. 2398

وسهل بن محمد سهل بن ملك الأزدري من أهل غرناطة. أخذ ببلده عن أبي عبد الله بن عروس، وأبي الحسن بن كوثر، وعبد المنعم بن الفرس، وأخذ بمالقة عن أبي عبد الله بن الفخار، وبإشبيلية عن أبي بكر بن الجد وأبي عبد الله بن زرقون وأبي العباس بن مضاء وأبي الوليد بن رشد، وأخذ عن غيرهم من أقطاب العصر. وبرع في الفقه والأصول والعربية، وكان كاتباً مقتدراً وشاعراً محسناً. نفى من وطنه غرناطة إلى مرسية بسعى بعض خصومه، وبقى بها حتى توفي المتوكل ابن هود بألمرية في سنة ٦٣٥ هـ، فعندئذ سرح إلى بلده. وقد صدر عنه كثير من النثر والنظم الجيد، وصنف في العربية كتابا رتب الكلام فيه على أبواب كتاب سيبويه. ولد سنة ٥٥٩ هـ، وتوفي بغرناطة سنة ٦٣٩ هـ (١). ومحمد بن عبد الله بن عمر بن علي بن اسماعيل بن عمر الأنصاري الأوسي الضرير، من أهل قرطبة، ويعرف بابن الصفار. أخذ عن أبي القاسم بن بشكوال، وأبي بكر ابن الجد، وأبي عبد الله بن زرقون، وابن مضاء، وأبي ذر الخشنى، وغيرهم من أعلام العصر، وبرع في القراءات والحديث. ورحل إلى المشرق وأخذ عن بعض أقطابه، ثم عاد إلى المغرب، وسكن مراكش، وكان يقرىء العربية والآداب، ويسمع الحديث، واستقر أخيراً بمدينة تونس، وبها توفي سنة ٦٣٩ هـ (٢). وعلي بن ابراهيم بن علي بن عبد الرحمن المعروف بابن الفخار من أهل أركش، درس الحديث والفقه على جماعة من أهل عصره مثل ابن الغزال وابن زرقون وغيرهما، وكان حافظاً متقناً، ذاكراً لأسماء الرجال وأحوالهم، بارعاً في الفقه والأدب، وكان على قول ابن عبد الملك " أعجوبة زمانه في حضور الذكر لذلك كله "، وكان مشاركاً في النظم. تولى القضاء برندة والجزيرة الخضراء وغيرهما، وتوفي بشريش في صفر سنة ٦٤٢ هـ (٣). وأحمد بن محمد بن القيسي من أهل قرطبة، ويعرف بابن أبي حجة. أخذ عن أقطاب عصره، وفي مقدمتهم ابن بشكوال، وابن مضاء، وأبي العباس المجريطى، وبرع في علوم القرآن والعربية، وتصدر لإقرائها. وله عدة تآليف، منها كتاب منهاج العبادة، وكتاب تفهيم القلوب في آيات علام الغيوب، وكتاب

стр. 2399

تسديد اللسان لذكر أنواع البيان، وغيرها. ولما سقطت قرطبة في أيدي النصارى غادرها إلى إشبيلية، وسكن بها حينا، ثم غادرها متجها إلى ميورقة، وأسرته الروم في البحر، وامتحن بالتعذيب، وتوفي على أثر ذلك بميورقة في سنة ٦٤٣ هـ (١). وأحمد بن محمد بن وهب البكرى من أهل شاطبة، أخذ عن ابن نوح وابن عات وغيرهما، وبرع في الفقه والعربية، ومهر في عقد الشروط. وغادر شاطبة عند إجلاء النصارى لأهلها المسلمين، وذلك في سنة ٦٤٥ هـ، وقصد إلى أوريولة، وهناك توفي في أواخر هذا العام (٢). وأحمد بن علي بن أحمد .. بن عبد الله الأنصاري من أهل قرطبة، درس الفقه والأدب بقرطبة وإشبيلية وجيان، وولي الأحكام ببعض الكور، وعنى بعقد الشروط، وكتب لوالى قرطبة وقتا. ولما سقطت قرطبة في أيدي النصارى غادرها، وعبر البحر إلى تونس، ونزل بها. وكان يقرىء بها اللغة والأدب، وممن أخذ عنه بها ابن الأبار، وكان قد استقر بها كذلك. ثم قصد إلى المشرق لتأدية فريضة الحج، ولكنه توفي بقوص وذلك في رجب سنة ٦٤٦ هـ (٣). وعبد الله بن قاسم بن عبد الله بن محمد بن خلف اللخمي من أهل إشبيلية ويعرف بالحرار وبالحريرى. أخذ عن أبي الحسن الشقورى، وأبي محمد بن حوط الله وأبي القاسم الملاّحى، وابن زرقون، وابن عات، وغيرهم من الأقطاب. وبرع في الحديث، والأدب، وقرض الشعر. وله عدة مؤلفات منها، " حديقة الأنوار " وهو في تذييل " اقتباس الأنوار " في الأنساب للرشاطى، وكتاب " المنهج المرضى، في الجمع بين كتابى ابن بشكوال وابن الفرضى ". وكانت وفاته بإشبيلية خلال حصار النصارى لها في أوائل سنة ٦٤٦ هـ، ومولده بجزيرة شقر، بلد أسلافه في سنة ٥٩١ هـ (٤). ومحمد بن محمد بن أحمد .. بن سليمان الزهري، من أهل بلنسية، ويعرف بابن محرز، درس على جماعة من أقطاب الشرق، مثل أبي عبد الله بن نوح، وأبي بكر بن جمرة، وأبي العطاء بن نذير، وغيرهم، وكان متمكنا من الحديث والفقه والأدب واللغة وحفظ الغريب، وله شعر رائق. ولما استولى النصارى على بلنسية، عبر البحر إلى إفريقية، ونزل ببجاية، واستوطنها وأخذ يقرىء بها

стр. 2400

الحديث والفقه واللغة. وكانت له بين علمائها مكانة رفيعة، وبها توفي في سنة ٦٥٥ هـ. ومولده سنة ٥٦٩ هـ (١). ومحمد بن ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن المفرح الأوسي المعروف بابن الدباغ الإشبيلي، برع في الفقه، وكان أوحد عصره في حفظ مذهب مالك، وفي عقد الوثائق، وكان في الوقت نفسه، عارفا بالنحو واللغة، أديبا بارعا، مشاركا في النظم والتاريخ. انتقل إلى غرناطة ولبث يقرىء بجامعها حينا، وتوفي في سنة ٦٦٨ هـ (٢). ... وازدهرت في هذا العصر، الذي توالت فيه المحن على الأندلس، ومالت شمسها إلى الغروب، حركة التصوف، وظهر عدة من أكابر المتصوفة نذكرهم فيما يلي: كان من هؤلاء أحمد بن عمر المعافرى من أهل مرسية، وأصله من طبيرة من ولاية الغرب، ويعرف بابن إفرندو، أخذ عن أبي علي بن سكرة، وأبي بكر بن العربي، وأبي محمد الرُّشاطى وغيرهم، ورحل إلى المشرق، وأخذ عن بعض أقطابه، ومنهم بعض أصحاب الإمام الغزالى وكان محدثاً حافظاً، ومال إلى الزهد والتصوف، وأخذ عنه بعض أعلام العصر، مثل أبي الخطاب بن واجب وغيره. ولم نقف على تاريخ وفاته (٣). ومنهم ابراهيم بن محمد بن خلف بن سوار بن أحمد بن حزب الله، بن أبي العباس بن مرداس السلمى من أهل بلفيق من أعمال ألمرية، وبها ولد ونشأ، ويعرف بابن الحاج. درس القراءات والحديث، وأخذ في ذلك عن أبي محمد البسطى الخطيب، وابن كوثر، وابن عروس، وابن أبي زمنين وغيرهم. وكان فوق براعته في علوم السنة، مشاركا في الأدب، ومال إلى التصوف، وشغف به، وأقبل الناس إليه من كل صوب، وكثر الازدحام عليه، فنفاه الوالي إلى المغرب، وتوفي بمراكش في جمادى الآخرة سنة ٦١٦ هـ (٤). ومحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن العربي المعافري، من أهل إشبيلية ومن بيت القاضي أبي بكر بن العربي، درس بإشبيلية وقرطبة، ورحل إلى المشرق، فأخذ عن أبي طاهر السلفي بالإسكندرية، ورحل إليه ثانية، ودخل الشام،

стр. 2401

والعراق وبغداد، وأخذ عن أكابر علمائها، وجاور بمكة، وسمع الحديث من أكابر حفاظها. وعاد من رحلته الثانية إلى إشبيلية سنه ٦٠٤ هـ، وأخذ عنه الطلاب عندئذ بإشبيلية وقرطبة. ثم رحل إلى المشرق للمرة الثالثة سنة ٦١٢ هـ، وجاور بالحرمين عدة أعوام، وحج مراراً، وسلك طريقة التصوف، وغلب عليه الزهد، وتوفي في طريق العود، بثغر الإسكندرية سنة ٦١٧ هـ (١). ومن أشهرهم وأبعدهم صيتا، جعفر بن عبد الله بن محمد بن سيدبونه الخزاعى العابد، من أهل قسنطانة من عمل دانية. درس القراءات والحديث، وأخذ عن ابن هذيل، وابن النعمة، ورحل إلى المشرق، فأدى فريضة الحج، ودخل الإسكندرية فسمع السلفى، ثم عاد إلى بلده، ولزم العزلة والزهد، والإعراض عن الدنيا، وسلك طريقة التصوف، وكان شيخ المتصوفة بالأندلس في وقته، وعلا صيته، وذاع ذكره، في الزهد والورع، وتوفي عن نحو مائة عام في شهر ذي العقدة سنة ٦٢٤ هـ، ولبث قبره حينا مزارا يتبرك به الناس (٢). ومنهم محمد بن عبد الله بن محمد بن خلف بن قاسم الأنصاري من أهل بلنسية، وأصلهم من قلعة أيوب بالثغر الأعلى. درس القراءات والفقه والعربية والآداب، وأخذ عن أبي العطاء بن نذير، وأبي عبد الله بن نوح، وأبي الخطاب ابن واجب وغيرهم. وعنى لأول أمره بعقد الشروط، ثم اعتزل الحياة وتزهد، وانقطع للعلم والعبادة، وتصدر لإقراء التفسير بجامع بلنسية، وغلب عليه التصوف. وألف كتاب " نسيم الصبا " في الوعظ، وكتاب " النفوس الزكية في الخطب الوعظية "، وكان من أساتذة ابن الأبار، أخذ عنه وكتب عنه بعض كتبه. ولما وقع حصار النصارى لبلنسية، وجهه أميرها إلى مرسية لاستنهاض همم أهلها. وتوفي بأوريولة في رجب سنة ٦٤٠ هـ (٣). ومحمد بن مفضل بن حسن بن عبد الرحمن بن محمد بن مهيب اللخمى، أصله من طبيرة من أعمال الغرب، وسكن ألمرية. كان فقيهاً وأديباً وشاعراً، مائلاً إلى التصوف، ولى الخطبة بقصبة ألمرية حيناً، ثم نزح إلى تونس، ثم إلى سبتة وبها توفي سنة ٦٤٥ هـ، ومن مؤلفاته كتاب " الجواهر الثمينة " (٤). ونختتم هذا الثبت القصير من متصوفة الأندلس في أواخر العهد الموحدي،

стр. 2402

بذكر قطبهم الأكبر الشيخ محيى الدين الطائي، الذي يعتبر شيخ المتصوفة على الإطلاق. وهو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله، الشيخ محيى الدين الطائى الحاتمى، ويكنى أبا محمد وأبا بكر، ويعرف بابن عربي تمييزاً له من العلامة أبي بكر بن العربي. ولد في شهر رمضان سنة ٥٦٠ هـ بمدينة مرسية، وسكن إشبيلية وقتا، وأخذ بمرسية عن أشياخها، ومنهم ابن بشكوال، وكان يقيم بها يومئذ، وعبر إلى المغرب ونزل بجاية في رمضان سنة ٥٩٧ هـ، وأخذ عن أشياخها، ثم رحل إلى المشرق حاجا، فأدى الفريضة، ولم يرجع بعدها إلى وطنه، وسمع بمكة وبغداد ودمشق، ودرس الحديث ومال إلى التصوف، وشغف به، حتى ملك عليه كل جوارحه، وكان ظاهرى المذهب، وكان يحدث بالإجازة العامة عن أبي طاهر السلفى. واشتهر ابن عربي، بانقطاعه إلى التصوف وتبحره في مذاهبه وطرائقه، حتى وصفه بعض مترجميه " بالبحر الزاخر في المعارف الإلهية "، وله ثبت حافل من المؤلفات الجليلة التي تدل على غزير علمه وسمو معارفه، نذكر منها " الفتوحات المكية " وهو مؤلف ضخم يعالج فيه طرائق الصوفية علاجا شاملا، " والتدبيرات الإلهية " و " فصوص الحكم "، " وتاج الرسائل ومنهاج الوسائل " و " كتاب العظمة "، و " المتجليات " و " مفاتيح الغيب "، و " كتاب الحق "، و " مراتب علوم الوهب "، و " الإعلام بإشارات أهل الإلهام "، و " العبادة والخلوة "، و " المدخل إلى معرفة الأسماء "، و " أسرار الخلوة "، و " عقيدة أهل السنة "، و " ناصحة النفس واليقين "، و " مشكاة الأنوار "، وكثير غيرها. وقد ذكر منها صاحب فوات الوفيات أكثر من خمسين مؤلفا. وكان ابن عربي يجاهر بكثير من الآراء الحرة التي تؤخذ عليه أحيانا، وتعتبر من ضروب الإلحاد، حتى أنه حينما كان بمصر، وصدرت عنه تلك الآراء أو الشطحات كما كان يصفها ابن عربي، اشتد العلماء المصريون في محاسبته، ورموه بالإلحاد والكفر، وطالبوا بإهدار دمه، لولا أن شفع له بعضهم ونجا من تلك المحنة. وكان ابن عربي آية في الذكاء والحافظة وسرعة الخاطر، فصيحا، بارع البيان، وعلى الجملة فقد كان قطبا من أعظم أقطاب عصره، وكان صيته يطبق أنحاء المشرق والمغرب. وتوفي ابن عربي في دمشق في نحو الثمانين من عمره، وقد اختلف في تاريخ وفاته، فذكر صاحب فوات الوفيات أنه توفي في الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة ٦٣٨ هـ. وذكر ابن الأبار أنه توفي بعد الأربعين وستمائة

стр. 2403

وعنى كثير من أكابر المستشرقين بدراسة حياة ابن عربي وتراثه، ومن هؤلاء آسين بلاثيوس، وجولد سيهر، ومكدونالد. وكان ابن عربي، فوق براعته في التصوف، شاعراً جزلاً ينظم الشعر الرقيق الجيد، ومن ذلك قوله في التعبير عن الشوق: سلام على سلمى ومن هل بالحمى ... وحق لمثلى رقة أن يسلما وماذا عليها أن ترد تحية ... علينا ولكن لا احتكام على الدمى سروا وظلام الليل أرخى سدوله ... فقلت لها صبّا غريبا متيما فأبدت ثناياها وأومض بارق ... فلم أدر من شق الحنادس منهما وقالت أما يكفيه أني بقلبه ... يشاهدنى من كل وقت أما أما وقوله: درست عهودهم وإن هواهم ... أبدا جديد في الحشا ما يدرس هذى طلولهم وهذى الأدمع ... ولذكرهم أبدا تذوب الأنفس ناديت خلف ركابهم من حبهم ... يا من غناه الحسن ها أنا مفلس يا موقدا نارا رويدا هذه ... نار الصبابة شأنكم فلتقبسوا (١).

стр. 2404

الفصل الثالث الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي القسم الثاني علماء اللغة والنحو والأدب. ابن سمحون الأنصاري. عبد الرحمن بن محمد السلمي. داود بن يزيد السعدى. ابن طاهر الأنصاري النحوي. ابن ملكون الحضرمي، عبد الله بن محمد بن عبيد البكرى. سليمان الحضرمي النحوي. أبو ذر الخشني. ابن خروف. ابن سعدون الأزدي. ابن وهب البكري. ابن البرذعي. ابن عامر الجزيري. أبو علي الشلوبين. نهضة الشعر الأندلسي خلال العصر الموحدي. أثر المحنة في اضطرابه. ابن حبوس. ابن أبي العافية الأزدي. ابن مغاور. ابن غلبون. ابن غالب البلنسي الرصافي. شىء من شعره. ابن عياض القرطبي. أبو بحر صفوان بن إدريس التجيبي. محمد ابن أحمد الصابونى. ابن المناصف. ابن حريق. محمد بن إدريس مرج الكحل، شىء من شعره. ابن حزمون. ابراهيم بن سهم الإشبيلي. شىء من شعره. أحمد بن محمد بن حجاج اللخمى. أبو العباس الجراوى. أبو بكر بن مجبر. أعلام الكتاب في العصر الموحدي. أبو القاسم بن خيرة المواعينى. ابن هرودس ابن سعد الخير الأنصاري. الحسن بن حجاج الهوارى. أبو الفضل بن محشرة. الرحالة ابن جبير. بنو عياش. أبو الحسن بن عياش. محمد بن عبد العزيز بن عياش. أبو الحسن علي بن عياش. أحمد بن عبد العزيز بن عياش. عزيز بن عبد الملك بن خطاب. أبو عبد الله بن الجنان. أحمد بن محمد القضاعى البلوى. ابن هيصم الرعينى. أبو المطرف بن عميرة المخزومي. الرواة والمؤرخون في العصر الموحدي. صلة ابن بشكوال ثم تكملة ابن الأبار ثم الذيل والتكملة، ثم صلة الصلة. عبد الملك بن صاحب الصلاة. عبد الواحد المراكشي. ابن مدرك الغسانى. أحمد بن محمد الأزدي. أبو القاسم الملاحى. عيسى بن سليمان الرعينى. ابن قسوم اللخمى. ابن الأبار القضاعى. آثاره وتراثه. ابن سعيد الأندلسي. بن فرتون السلمى. ابن عذارى المراكشي. ابن القطان. ابن الزبير. ابن عبد الملك المراكشي. استعرضنا في الفصل السابق طائفة كبيرة من أعلام الفكر الأندلسي، ممن نبغوا في العلوم الدينية، ومن جمعوا بينها وبين اللغة والأدب، ومن برزوا في ميدان التصوف، خلال العصر الموحدي، وهم حسبما بينا فيما تقدم، الكثرة الغالبة في ميدان التفكير الأندلسي في ذلك العصر، الذي قدر أن تجوز فيه الأندلس محنتها الكبرى، بانهيار صرحها القديم الشامخ، وسقوط معظم قواعدها الكبرى، في يد اسبانيا النصرانية

стр. 2405

ونريد الآن أن نستعرض بقية أعلام الفكر الأندلسي في تلك الحقبة ممن ظهروا في ميادين التفكير الأخرى. (١) ونبدأ في ذلك بذكر طائفة من علماء اللغة والنحو والأدب وما إليها، وهم ليسوا من الناحية العددية كثرة تلفت النظر، ولكن ظهرت منهم شخصيات بارزة، لا تقل عن مثيلاتها في أي عصر، من عصور النهضة والاستقرار. كان من هؤلاء، أحمد بن محمد القيسي، من أهل جيان ويعرف بالفندرى. درس ببلده، ثم نزح إلى مرسية، ودرس بها الآداب والعربية، وبرع فيها ثم انتقل إلى بلدة ألش من أعمالها، واستقر بها وقتا، وكانت له إلى جانب ذلك مشاركة في علم الطب، وتوفي بمرسية في شهر ربيع الأول سنة ٥٥٩ هـ (١). وأبو بكر بن سليمان بن سمحون الأنصاري، من أهل قرطبة، درس القراءات والعربية والآداب، وبرع في علم النحو حتى فاق سائر أقرانه، وكان يوصف بأنه أعلم معاصريه بالنحو، وكان يدرس العربية، وله مشاركة في علم الحساب، وأخذ عنه عدة من أعلام عصره، مثل أبي جعفر بن مضاء، وأبي محمد عبد الحق بن محمد الخزرجى، وأبي القاسم بن بقى، وتوفي بقرطبة سنة ٥٦٣ هـ (٢). وعبد الرحمن بن محمد السلمي من أهل شرق الأندلس، وبه نشأ، ويعرف بالمكناسى. درس على أقطاب صقعه، وبرع في الآداب واللغات، ومعرفة أيام العرب ورجالها، وكان كاتبا جيد النظم، مقتدرا في إنشاء الرسائل اللزومية، وله منها طائفة جليلة. وتوفي بمراكش سنة ٥٧١ هـ (٣). وداود بن يزيد بن عبد الله السعدى النحوى، من أهل قلعة يحصب من عمل غرناطة، درس بغرناطة وأخذ بها عن أبي الحسن بن الباذش، واختص به، ثم رحل إلى قرطبة فسمع من أقطابها، وكان أستاذ النحويين في وقته، وكان ممن أخذ عنه أعلام، مثل أبي بكر بن أبي زمنين، وأبي الحسن بن خروف، وأبي القاسم الملاّحي، وتوفي عن سن عالية في سنة ٥٧٣ هـ (٤). وعبد الله بن أحمد بن علي بن قرشى الحجري، من أهل قرطبة، ونشأ

стр. 2406

بشرق الأندلس، وأخذ عن أبي الحسن بن النعمة، وأبي الوليد بن الدباغ، وأبي عبد الله بن سعادة، ومهر في صناعة العربية والآداب، وضبط اللغات، وتصدر لإقرائها زمنا. وكان له إلى جانب ذلك حظ من النثر والنظم. وتوفي بقرطبة سنة ٥٧٥ هـ (١). ومحمد بن أحمد بن طاهر الأنصاري النحوي، من أهل إشبيلية. درس العربية على أبي القاسم بن الرماك، وأبي الحسن بن مسلم، وبرع فيها، وتفوق على أقران عصره، وعكف على تدريسها في مختلف البلاد. ودخل مدينة فاس محترفاً للتجارة، فرغب إليه أهلها في الإقراء، فاستجاب إليهم، وأقام بها وقتا، ثم رحل إلى المشرق ودرس بمصر وحلب والبصرة، وعاد بعد أداء الفريضة فنزل مدينة بجاية، وله تعليق جيد على كتاب سيبويه سماه " بالطرر ". وكان ممن أخذ عنه أقطاب مثل أبي ذر الخشني، وأبي الحسن بن خروف، وغيرهما. وتوفي ببجاية سنة ٥٨٠ هـ (٢). وابراهيم بن محمد بن منذر بن أحمد بن سعيد بن ملكون الحضرمي النحوى، من أهل إشبيلية، أخذ بها عن أقطاب العصر، مثل أبي مروان الباجي، وشريح ابن محمد، وأبي الوليد بن حجاج، وأبي القاسم بن الرماك، وبرز في علم العربية والآداب، ومهر فيها، وقام على إقرائها، وكان ممن أخذ عنه الخليفة أبو يعقوب يوسف وعدة من الجلة، وله في اللغة والنحو عدة مؤلفات قيمة منها " إيضاح المنهج " وقد جمع فيه بين كتابى ابن جنى، ووضع شرحا لكتاب الجمل للزجاجى، وشرحا آخر لكتاب التبصرة للصميرى وغيرها. وتوفي بإشبيلية سنة ٥٨١ هـ (٣). وعبد الله بن محمد بن أبي عبيد بن عبد العزيز البكري، من أهل قرطبة، وأصلهم من لبلة، ومن سادة جزيرة شلطيش أيام الطوائف، وجده أبو عبيد البكرى، وهو العلامة الجغرافى اللغوى الشهير صاحب المسالك والممالك، ومعجم ما استعجم. ونبغ عبد الله كجده في اللغة والآداب وغريبها، وأخذ على أبي عبد الله ابن مكى، وأبي جعفر البطروجى، وأبي بكر بن عبد العزيز وغيرهم. وأخذ عنه الجلة مصنفات جده، وكانت وفاته بقرطبة في جمادى الأول سنة ٥٨١ هـ، ومولده في سنة ٥٠٧ هـ (٤). ولب بن عبد الله بن لب بن أحمد الرُّصافي، نسبة إلى رُصافة بلنسية، أخذ

стр. 2407

العربية عن أبي الحسن بن النعمة وغيره، وبرع فيها، وقام بتعليمها، وبرع كذلك في النحو، وكان قائما على شرح ابن بابشاذ لجمل الزجاجى، وأخذ عنه كثير من شيوخ عصره، وتوفي نحو سنة ٥٩٠ هـ (١). وجابر بن محمد بن نام بن أبي أيوب، ويعرف بسليمان الحضرمي النحوى، من أهل إشبيلية. عنى بالحديث والرواية، ثم درس العربية على أبي القاسم ابن الرماك، وأبي الحسن بن مسلم، وبرع فيها وغاص على دقائقها وأسرارها، وتصدر لإقرائها، ولم يكن في وقته بإشبيلية أقدر منه على شرح كتاب سيبويه، وتوفي سنة ٥٩٦ أو ٥٩٧ هـ (٢). ومصعب بن محمد بن مسعود الخشني، من أهل جيان، ويكنى بأبي ذر، ويعرف بابن أبي ركب، درس العربية والآداب واللغات بالأندلس والمغرب دراسة مستفيضة، وكان في مقدمة أساتذته العلامة النحوى أبو اسحاق بن ملكون. وبرع في العربية وتبوأ رياستها في عصره، وقصده، الطلاب من كل صوب للأخذ عنه، هذا مع مشاركته في الآداب واللغات، وقرض الشعر. ولى الخطبة بجامع إشبيلية وقتا، وكان يقرىء العربية بمسجد ابن الرماك، ثم ولى قضاء جيان، واستوطن في أواخر حياته مدينة فاس. وتصدر بها لإقراء العربية، وله تأليف في " شرح غريب السير لأبي اسحاق "، ورسالة في العروض. وتوفي بمدينة فاس في شهر شوال سنة ٦٠٤ هـ (٣). وعلي بن محمد بن علي بن خروف الحضرمي النحوي من أهل إشبيلية، ويعرف بابن خروف. درس الكلام والأصول، وأخذ عن أبي مروان بن قزمان، وأبي إسحاق بن ملكون، وداود بن يزيد السعدى، وبرع في العربية، وانقطع لها، وأصبح من أئمتها البارزين، وتصدر لإقرائها طول حياته، بإشبيلية وقرطبة ورندة، وبالمغرب بفاس وسبتة. ورحل إلى المشرق، وأقام مدة بحلب. وتفوق بالأخص في شرح كتاب سيبويه، وأخذه عنه جمهرة من الجلة. وألف شرحه المشهور عليه، ويقال إنه حمل منه نسخة إلى الخليفة الناصر بمراكش، فوصله عنها بألف دينار، وألف كذلك شرحا لكتاب الجمل للزجاجي، وكانت له مشاركة في علم الفرائض وفي القراءات. وكان ذا أسلوب بارع في الدرس والمحاضرة والمناظرة.

стр. 2408

وأخذ عنه ولازمه كثير من شيوخ العصر. وتوفي بإشبيلية سنة ٦٠٩ هـ (١). وأحمد بن طلحة بن محمد بن عبد الملك الأموي، أصله من أهل يابرة، ونشأ بإشبيلية، أخذ العربية عن أخيه أبي بكر بن طلحة، وغيره، وبرع في الأدب والنحو والعروض، وله في ذلك تآليف وأخذ عنه. وتوفي في نحو سنة ٦٢٠ هـ (٢). وعبد الله بن محمد بن عبد العزيز .. بن سعدون الأزدي، من أهل بلنسية، درس العربية والآداب ومهر فيها، وكان من أهل المعرفة الكاملة بها وبفنونها، مبرزاً في العربية واللغة، متقناً، متحققاً، بديع الخط، وكان إلى جانب ذلك بارع النظم والنثر، وكتب عن بعض الرؤساء. وتوفي في آخر سنة ٦٢٢ هـ (٣). وأحمد بن محمد بن وهب البكري، من أهل شاطبة، أخذ عن عدة من أقطاب عصره مثل ابن نوح وابن عات وغيرهما. ومهر في صناعة العربية، إلى جانب مشاركته في حفظ المسائل، وعقد الشروط. قال ابن الأبار " وكان صاحبا لأبي ﵀، اشتركا في الأخذ عن ابن نوح، وانفرد هو بالأخذ عن أبي بكر ابن عتيق ". وغادر موطنه شاطبة حينما قام النصارى بإجلاء أهلها عنها بعد نقض هدنتهم وذلك في رمضان سنة ٦٤٥ هـ، وتوفي على أثر ذلك بمدينة أوريولة (٤). ومحمد بن يحيى بن هشام بن عبد الله بن أحمد الأنصاري الخزرجي، من أهل الجزيرة الخضراء ويعرف بابن البرذعى، درس القراءات والعربية، وأخذ العربية عن أبي ذر الخشنى، وأبي الحسن بن خروف، وأبي على الرندي وغيرهم، وأخذ كذلك عن القاضي ابن رشد، وأبي الحسن بن الصائغ، وأبي محمد بن حوط الله وأخيه، وأبي على الشلوبين وغيرهم، وكان إماما في صناعة العربية منقطعا إليها، مقدما فيها، وكان أستاذه الشلوبين يثنى عليه، ويشهد بتفوقه فيها، وله فيها عدة مؤلفات منها، " كتاب الإفصاح بفوائد الإيضاح " و " كتاب فصل المقال في تلخيص أبنية الأفعال "، وكتاب " غرة الإصباح في شرح أبيات الإيضاح ". وكان يشارك أيضاً في فنون شتى. ونزح في أواخر حياته إلى تونس، وهنالك لقيه ابن الأبار وأخذ عنه. وتوفي بتونس

стр. 2409

في شهر جمادى الأخرى سنة ٦٤٦ هـ (١). وإدريس بن محمد بن موسى الأنصاري، من أهل قرطبة، أخذ عن أبي جعفر بن يحيى الخطيب، وأبي محمد بن حوط الله، ومال إلى العربية والآداب، وبرع فيها، وتصدر لإقرائها بقرطبة، إلى أن تملكها القشتاليون في سنة ٦٣٣ هـ، فغادرها وعبر البحر إلى سبتة، واستأنف بها الإقراء، وكانت له مشاركة في النظم والنثر، وتوفي سنة ٦٤٧ هـ (٢). والحسن بن أحمد بن الحصين بن عطاف العقيلي، من أهل جيان، أخذ عن أبيه وغيره من أشياخ بلده، وبرع في اللغة والأدب، وكانت جيان من مناطق التفوق في دراسة العربية، وله شرح في " مقصورة ابن دريد ". ولم تذكر لنا تاريخ وفاته (٣). ومحمد بن محمد بن مخلد النحوى، من أهل شاطبة، درس العربية وبرع فيها، ثم انتقل من بلده إلى غرب الأندلس. وله كتاب في شرح " الجمل للزجاجي " ولم تذكر لنا تاريخ وفاته (٤). وموسى بن علي بن عامر من أهل إشبيلية يعرف بالجزيري، لأن أصله من الجزيرة الخضراء، درس القراءات والحديث والعربية، ومهر في العربية وكان عمدة في النحو في عصره، يؤخذ عنه، ويؤثر به. وله شرح في كتاب "لحن العامة " للزبيدى، وشرح لكتاب " التبصرة " للصميرى، وكتاب آخر عنوانه " الاستيضاح في شرح الإيضاح " ولم نعثر كذلك على تاريخ وفاته (٥). ونختتم هذا الثبت من علماء اللغة والنحو بذكر إمامهم وقطبهم الأكبر في ذلك العصر، وهو العلامة عمر بن محمد بن عمر بن عبد الله الأزدي الإشبيلي، أبو علي الشلوبين - قال ولده إنه سمى بالشلوبين، لأنه كان أشقر أزرق. وكان خبازا. ودرس الشلوبين القراءات والآداب واللغات وأخذ بقسط من رواية الحديث، وروى عن جمهرة من أقطاب عصره مثل ابن بشكوال، وأبي بكر بن زهر، وأبي محمد بن بونه، وأبي زيد السهلي، وابن مضاء، وابن حبيش، وابن كوثر وغيرهم. ولكن غلبت عليه دراسة العربية ونبغ فيها حتى غدا إمامها الذي لا يبارى، وتصدر لإقرائها بإشبيلية دهراً، وكانت تشد إليه الرحال من سائر

стр. 2410

الآفاق للأخذ عنه، والتضلع عليه، وذاع صيته في سائر أنحاء الأندلس والمغرب، وكان إمام العربية بالمشرق والمغرب دون مدافع، وكان ذا معرفة بنقد الشعر وغيره، بارعا في التعليم والإلقاء، أخذ عنه كثير من الجلة مثل القاضي أبي عبد الله ابن عياض، وأبي العباس الأزدي، وأبي بكر بن رشيق، وأبي عمر بن حوط الله وغيرهم. وكان منقطعاً بإشبيلية إلى ابن زهر. عبر البحر إلى مراكش أيام المنصور، وعاد إلى بلده، وكرس حياته للعربية، وقد لبث يقرئها زهاء ستين عاما، وله شرح للكراسة المنسوبة للجزولى، وألف كتاب التوطئة، إتماما للكراسة المذكورة. ولد بإشبيلية سنة ٥٦٢ هـ، وتوفي بها في أواخر صفر سنة ٦٤٥ هـ، أثناء حصار القشتاليين إياها (١). - ٢ - ازدهر الشعر خلال العصر الموحدي بالأندلس والمغرب معا، وكان الخلفاء الموحدون يتذوقون الشعر الجيد، ويقدرون أثر الإشادة والمديح، في تأييد هيبة الدولة والخلافة، ومن ثم فقد أسبغوا رعايتهم على الشعراء، وأغدقوا عليهم الصلات. وكان للخلافة الموحدية شعراؤها الأثيرون لديها مثل الجراوى، وابن حزمون، وابن مجبر، وغيرهم، ينظمون قصائدهم في مختلف المواطن، والمناسبات السعيدة، من ولاية وفتوح ومقدم وإبلال وغيرها، يشيدون فيها بقوة الخلافة الموحدية ومجدها وسعدها. وبلغ الشعر في الأندلس في تلك الفترة مستوى عاليا من الازدهار والقوة في ظل الخلافة الموحدية، التي قدرت قدره، وأظلته برعايتها، وتبارى الشعراء الأندلسيون، منذ عهد عبد المؤمن في مديح الخلافة الموحدية، والإشادة بذكرها. على أن نهضة الشعر الأندلسي، في أوائل العصر الموحدي لم تكن سوى امتداد طبيعى لنهضتها القديمة منذ الطوائف، وذلك إذا استثنينا عهد المرابطين القصير الذي لم يحظ فيه الشعر بشىء من التقدير والرعاية، من الدولة المرابطية. ولم تخب النهضة الشعرية القوية، حتى في عصر الانهيار، في أواخر العهد الموحدي، بل بالعكس فقد زادتها المحنة قوة واضطراما. وصدرت في الصريخ من المحنة وفي الأندلس ورثاء قواعدها الذاهبة، وشعبها المغلوب، من غرر القصائد المبكية، ما يشهد بأن الشعر

стр. 2411

الأندلسي، قد بلغ في تلك الفترة المؤسية من حياة الأمة الأندلسية، ذروة قوته وروعته. وسوف نستعرض فيما يلي، أهم الشعراء، الذين ظهروا في العصر الموحدي سواء بالأندلس أو المغرب، وقد كانت الخلافة الموحدية تجذبهم إليها أينما حلت، ولم تكن الأندلس يومئذ، سوى قطر من أقطار الدولة الموحدية الكبرى. كان في مقدمة هؤلاء الشعراء، أبو عبد الله محمد بن حسين بن عبد الله ابن حبوس، وهو من أهل فاس، وكان عالماً محققاً، وشاعراً كبيراً، يقول لنا المراكشي إن طريقته في الشعر كانت على نحو طريقة ابن هانىء الأندلسي في تخير الألفاظ الرائعة. وظهر ابن حبوس في ميدان الشعر منذ أيام المرابطين، ومدح بعض أمرائهم، ولكن نقلت إليهم عنه بعض تهم وحماقات خشى منها على نفسه، ففر إلى الأندلس ونزل مدينة شلب حيناً، ولما غلب أمر الموحدين، انضوى تحت لوائهم، ولقى الخليفة عبد المؤمن بجبل طارق مع باقي الشعراء، وامتدحه بقصيدته التي أشرنا إليها في موضعها. وكثرت مدائحه من بعده لولده الخليفة أبي يعقوب يوسف، وأمراء بني عبد المؤمن. وجمع شعره في ديوان حافل، يدل على جزالته، وقوة شاعريته. وكانت وفاته في سنة ٥٧٠ هـ عن سبعين عاما (١). ومحمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز بن أبي العافية الأزدي، من أهل غرناطة، ويعرف بالكتندى لأن أصله من كتندة. كان أديباً كاتباً شاعراً، متمكناً من العربية، أخذ عن أقطاب عصره، وحدث عنه أبو سليمان بن حوط الله، وأبو القاسم الملاّحي وغيرهما، ومن شعره: يا سرحة الحي يا مطول ... شرح الذي بيننا يطول ماضٍ من العيش كان فيه ... ملبسنا ظلك الظليل زال، وماذا عليك ماذا ... يا سرح، لو لم يكن يزول حيَّا عن المدنف المُعنى ... منبتك القطر والقبول وتوفي الكتندى سنة ٥٨٣ هـ (٢). ومنهم عبد الرحمن بن محمد بن مغاور بن حكم بن مغاور من أهل شاطبة، كان من العلماء المحققين، وأخذ عن أبي على الصدفي وغيره، وكان من الكتاب البلغاء، والشعراء المجيدين، ومن شعره في الزهد:

стр. 2412

أيها الواقف اعتبارا بقربى ... استمع فيه قول عظيم رميم أودعونى بطن الضريح وخافوا ... من ذنوب كلومها بأديم قلت لا تجزعوا على فإنى حسن ... الظن بالرؤوف الرحيم وتوفي ابن مغاور في صفر سنة ٥٨٧ هـ (١). وأبو رجال بن غلبون من أهل مرسية، وكان أيضاً كاتباً شاعراً بليغاً يجيد النثر والنظم، وأخذ عنه الأدب جماعة من الأقطاب، مثل أبي بحر صفوان، وأبي الربيع بن سالم، وكان يحمل عن أبي اسحاق بن خفاجة ديوان شعره ويرويه ويؤخذ عنه، وتوفي سنة ٥٧٩ هـ (٢). وكان من أعلام الشعر في تلك الفترة من أوائل العصر الموحدي، وأعظمهم شأنا، أبو عبد الله محمد بن غالب البلنسى الرفاء المعروف بالرُّصافى، نسبة إلى رُصافة بلنسية. ولد ببلنسية، وسكن غرناطة ومالقة، وبرع في الشعر والأدب، وكان ظهوره في أواخر العصر المرابطي. وكان ممن مدح الخليفة عبد المؤمن عند وفوده على جبل طارق سنة ٥٥٦ هـ، وألقى بين يديه قصيدته الغراء التي مطلعها: لو جئت نار الهدى من جانب الطور ... قبست ما شئت من علم ومن نور من كل زهراء لم ترفع ذؤابتها ... ليلا لسار ولم تشبب لمغمور وقد أشرنا إليها في موضعها. وكان الرصافى يومئذ فتى في عنفوانه، ولكنه كان قد لمع في ميدان الشعر وكان له فيه افتنان وإبداع، ومع ذلك فقد كان كثير التواضع، لا يحب أن يشتهر بشعره، مع إجادته في كثير منه. وكان عزيز النفس موفور الكرامة، يعيش من صناعة الرفو، ولا يبتذل نفسه في خدمة أحد، ولا يتجر بشعره ولا يتخذه سبيلا إلى الزلفى، أو التقرب من أحد. ومن نظمه يصف نهر إشبيلية (الوادي الكبير): ومهول الشطين تحسب أنه ... متسايل من درة لصفائه فاءت عليه مع الهجيرة سرحة ... صدئت لفيأتها صفيحة مائه فتراه أزرق في غلالة سمرة ... كالدارع استلقى بظل لوائه ومن قوله: وفتيان صدق كالنجوم تألقوا ... على الناس من شتى بروج وآفاق

стр. 2413

على حين راق البرق في الجو مغمدا ... صباه ودمع المزن في جوه راق وحانت بعينى في الرياض التفاته ... حبست وكاساتى قليل على الساق على سطر خير ذكرتك فانثنى ... يميل بأعناق ويرنو بأحداق ومن قصائده المشهورة، قصيدة طويلة، يتشوق فيها إلى وطنه بلنسية ويشيد بمحاسنها وفيها يقول: خليلى ما لليد قد عبقت نسرا ... وما لرؤوس الركب قد رجحت سكرا أظنك مفتونا بمدرجة الصبا ... أم القوم أجروا من بلنسية ذكرا خليلى عوجابى قليلا فإنه ... حديث كبرد الماء في الكبد الحرّا قفا غير مأمورين ولتضربا على ... بقية للمزن فاستبقيا القطرا بجسر معان والرُّصافة أنه ... على القطران يسقى الرصافة والجسرا بلادى التي ريشت قويدمتى منها ... صريحا وأدوانى قرارتها وكرا لبسنا بها ثوب الشباب لباسها ... ولاكن عرينا من حلاه ولم تعرا وتوفي الرصافى بمالقه في شهر رمضان سنة ٥٧٢ هـ (١). ومنهم محمد بن عيسى بن عياض القرطبي، كان من أقطاب الأدب وأفذاذ الشعراء والكتاب، وإليه تنسب المقامة العياضية الغزلية. ومما ينسب إليه من الشعر قوله: كم من أخ في فؤاده دغل ... أخوف من كاشح تجاهده برء السقام الخفى أعسر من ... برء سقام بدت شواهده ولم يذكر له تاريخ وفاة (٢). وأبو بحر صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس التجيبى، من أهل مرسية، درس الحديث والأدب، وبرع في النثر والنظم، وكان من أقطاب الكتاب البلغاء، والشعراء المجيدين، وله رسائل عديدة وقصائد جليلة. وجمع ما صدر منها في كتاب سماه " عجالة المحتفز، وبداهة المستوفز "، وألف كتابا آخر عنوانه " زاد المسافر ". وتوفي شابا ببلده مرسية في شوال سنة ٥٩٨ هـ، ومولده سنة ٥٦١ هـ (٣). ومحمد بن أحمد بن الصابونى الصدفى من أهل إشبيلية. كان من أعظم أدباء

стр. 2414

عصره، وألمع شعرائه، ويقول ابن الأبار إن ابن الصابونى كان شاعر وقته، ويقول أيضاً إن الآداب ذهبت بذهابه، وختمت الأندلس شعراءها به. وهو قول يحمل طابع المبالغة. ورحل ابن الصابونى إلى المشرق فتوفى بالإسكندرية، وهو في طريقه إلى القاهرة، وذلك في سنة ٦٤٠ هـ. ومن نظمه قصيدته المشهورة في مدح عزيز بن عبد الملك بن خطاب والي مرسية، حين وفد عليه في سنة ٦٣٢ هـ، وهذا مطلعها: أهلا بطيف خيال منك منساب ... أزال عتبك عندى حين إعتابى ومنها: لا درّ درُّ ليالى البعد من زمن ... يطول فيه اجتراع الصب للصاب نابت صروف نبابى عندها وطنى ... قرعت بابى لها من رحلى الناب جوابة الأرض لا ألوى على سكن ... تشجى الركاب وتجرى بى لتجواب ومن قوله من قصيدة: أقسم فرق الليل عن سنة الضحى ... وأهبط خصر القاع من كفل الدعص إلى أن أرى يرقا إذا شمت وجهه ... رأيت جبين البدر مكتمل القرص (١). وطلحة بن يعقوب بن محمد بن خلف بن يونس بن طلحة الأنصاري من أهل شاطبة، وأصله من جزيرة شقر. كان كاتبا بليغا، وشاعراً مجيداً، أخذ عن أشياخ عصره، ورُوى عنه. وتوفي في رمضان سنة ٦١٨ هـ (٢). ومحمد بن عيسى بن محمد بن أصبغ .. بن عيسى بن أصبغ، ويعرف بابن المناصف، أصلهم من قرطبة، وخرج أبوه منها أيام الثورة على المرابطين، واستوطن إفريقية، وبها نشأ ولده هذا. وكان عالما متمكنا من الفقه مع حظ وافر من اللغة والأدب، وقرض الشعر الجيد. وله أراجيز في عدة فنون منها " الدرة السنية في المعالم السنية ". وألف كتاب " الإنجاد في الجهاد " وكتاب " الأحكام "، وفي أواخر حياته ولى قضاء بلنسية، ثم قضاء مرسية، ولما صرف عن القضاء عاد إلى المغرب وتوفي بمراكش في شهر ربيع الآخر سنة ٦٢٠ هـ (٣). وعلي بن محمد بن أحمد بن حريق من أهل بلنسية، كان بارعا في اللغة والأدب، حافظا لأشعار العرب، وأيامها، شاعراً مجيداً، وافر الإنتاج، ذاع

стр. 2415

شعره في الأندلس وتداوله الناس، وله عدة كتب في الأدب، ومن نظمه قوله: يا صاحبى وما البخيل بصاحبى ... هذى الخيام فأين تلك الأدمع أتمر بالعرصات لا تبكى بها ... وهي المعاهد منهم والأربع يا سعد ما هذا القيام وقد نأوا ... أتقيم من بعد القلوب الأضلع هيهات لا ريح اللواعج بعدهم ... زهر ولا طير الصبابة وقع وتوفي ابن حريق ببلده بلنسية في سنة ٦٢٢ هـ (١). ومحمد بن علي بن حماد بن عيسى الصنهاجي، أصله من قلعة بني حماد، وسكن بجاية، وأخذ عن أشياخها ثم دخل الأندلس، فسمع بها، وولي قضاء الجزيرة الخضراء ثم قضاء سلا، وكان كاتبا بليغا، وشاعراً مجيداً، وله ديوان شعر معروف. وله أيضا كتاب " الإعلام بفوائد الأحكام " وشرح لمقصورة ابن دريد. وتوفي سنة ٦٢٨ هـ (٢). ومنهم ومن أشهرهم وألمعهم، محمد بن إدريس بن علي بن ابراهيم بن القاسم من أهل جزيرة شقر، ويعرف بمرج الكحل، وكان من أعظم شعراء عصره مقدرة على الإبداع والتوليد والتجويد، وبرع في الأخص في الغزل، والشعر الوصفى المبتكر، وعاش حينا في غرناطة، وذاع صيته في سائر أنحاء الأندلس. وأخذ عنه عدة من أشياخ العصر، مثل أبي الربيع بن سالم، وأبي عبد الله بن أبي البقاء، وابن عسكر، ومترجمه ابن الأبار وغيرهم. ومن شعره قوله: مَثَل الرزق الذي تطلبه ... مَثَل الظل الذي يمشى معك أنت لا تدركه متَّبعا ... فإذا وليت عنه أتَّبعك وقوله يصف عشة بنهر الفنداق الذي يمر بلوشة: عرج بمنعرج الكثيب الأخضر ... بين الفرات وبين شط الكوثر ولنغتبقها قهوة ذهبية ... من راحتى أحوى المراشف أحور والروض ما بين مفضض ومذهب ... والزهر بين مدرهم ومدنر والنهر مرقوم الأباطح والربا ... بمصندل من زهره ومعصفر وتوفي مرج الكحل ببلده في شهر ربيع الأول سنة ٦٣٤ هـ (٣). ومنهم أبو بكر بن هشام بن عبد الله بن هشام .. بن عبد الغافر الأزدرى

стр. 2416

من أهل قرطبة. درس الفقه والحديث على أقطاب عصره. وبرع في الأدب، وكان كاتبا بليغا وشاعراً مجيداً، كتب لبعض الولاة، وولي قضاء بعض الكور. وتوفي بالجزيرة الخضراء سنة ٦٣٥ هـ (١). ومن أشهرهم أيضاً علي بن عبد الرحمن بن حزمون، أصله من مرسية. وكان شاعراً مجيداً، متمكناً من الآداب والتواريخ، وكان بارع التصرف في النظم، مقذع الهجاء. قال ابن عبد الملك في الذيل والتكملة " وكان شديد القنا، وارد الأنف، أزرق حاد النظر، أسيل الوجه، بادى الشر، مهيبا ". ووقعت بينه وبين بعض أدباء عصره مخاطبات ومساجلات تشهد بتقدمه وتمكنه. دخل مراكش غير مرة، جاء في آخرها متظلما إلى الخليفة المستنصر من المجريطى والي مرسية، لاضطهاده، والاعتداء عليه وضربه بالسياط. ولما ظهرت براءته مما نسب إليه من هجو المجريطي، أصدر المستنصر أمره بإنصافه، وإعدايه على المجريطي، وتمكينه منه، حتى ينتصف لنفسه، وعاد ابن حزمون إلى الأندلس، يحمل أمر المستنصر بإنصافه، ولكنه ما كاد يصل إلى مرسية حتى ورد الخبر بوفاة المستنصر، وتحطم بذلك أمله من الانتصاف لنفسه، ومن نظمه قوله: يا من له بالأنام أنسى ... وهو إلى اللهو ذو التفات استغفر الله من ذنوب ... أنابها نازل الصفات وقوله وهو مطلع قصيدته في الشكوى إلى الخليفة: إليك إمام الحق جبت المفاوز ... وخلفت خلفى صبية وعجائزا يرجين سبب الله ثم حنانكم ... إمام الهدى حتى يمتن عجائزا وتوفي ابن حزمون حول سنة ٦٣٠ هـ (٢). ومن ألمعهم أيام الانهيار، إبراهيم بن سهل الإشبيلي، وقد كان يهوديا واعتنق الإسلام، وبرع في الشعر ولاسيما في الموشحات. ومن أبدع قصائده، قصيدة نظمها في مدح النبى. وقد توفي غريقاً في النهر وهو شاب في عنفوانه، وذلك في سنة ٦٤٩ هـ. ومن شعره، حينما حاصر النصارى إشبيلية في سنة ٦٤٥ هـ واشتدت الحال بأهل إشبيلية، قصيدة مؤثرة، يحثهم فيها على الصبر والثبات، وفيها يقول:

стр. 2417

ورداً فمضمون نجاح المصدر ... هي عزة الدنيا وفوز المحشر نادى الجهاد بكم بنصر مضمر ... يبدو لكم بين القنا والضمر خلوا الديار لدار عز واركبوا ... عبر العجاج إلى النعيم الأخضر وتسوغوا كدر المناهل في السرى ... ترووا بماء الحوض غير مكدر ومن شعره قوله: مضى الوصل إلا منية تبعث الأسى ... أدارى بها همى إذا الليل عسعسا أتانى حديث الوصل زورا على النوى ... أعد ذلك الزور اللذيذ المؤنسا ويا أيها الشوق الذي جاء زائرا ... أصبت الأمانى خذ قلوبا وأنفسا وقوله: ليل الهوى يقظان ... والحب مترب السهر والصبر لي خوان ... والنوم من عينى برى (١). ومنهم أحمد بن محمد بن عيسى .. بن عبد الرحمن بن حجاج اللخمى من أهل إشبيلية، ويعرف بالأفيلح تصغير الأفلح وهو المشقوق الشقة السفلى، كان أديبا بارعا وشاعراَّ مجيداً، وزر للمتوكل ابن هود، وخاض معه حوادث إمارته، وحظى لديه. وله أرجوزة مخمسة في السير عنوانها " نظم الدرر ونثر الزهر " وهي من أحسن ما نظم في موضوعها. وله شعر جيد، وعدة مدائح في أمراء بني عبد المؤمن، ومن ذلك قوله يهنىء المأمون أبا العلاء إدريس. هنأ الله بلاد العرب ... ما تتمناه بلاد المشرق طلع المأمون فيها أمل ... الراجى وأمن التق وكساها من سنا أنواره ... رونقا يدهش نور الحدق (٢). ومالك بن عبد الرحمن بن علي، يكنى أبا الحكم ويعرف بابن المرحل، درس الفقه والأدب، وامتهن صناعة التوثيق حيناً، وولي القضاء بغرناطة وغيرها، وكان شاعراً رقيقاً مطبوعاً، وله شعر كثير أورد لنا منه ابن الخطيب في الإحاطة عدة قصائد. ولد سنة ٦٠٤ هـ وتوفي عن سن عالية في سنة ٦٩٩ هـ (٣). ومن شعراء الخلافة الموحدية الأثيرين، شاعران، اختصا عصراً بمدائح

стр. 2418

الخلفاء الموحدين، منذ عصر أبي يعقوب يوسف حتى عصر الناصر، وهما أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي، وأبو بكر بن عبد الجليل بن مُجبر، وقد سبق أن أشرنا في غير موضع إلى مدائح هذين الشاعرين. وكان الجراوى، وأصله من تادلا، وسكن مراكش، شاعراً مبرزاً، عالماً بالآداب، حافظاً لأصول البلاغة، ورحل إلى الأندلس مراراً. وقد وضع للخليفة المنصور كتابه الذي سماه " صفوة الأدب وديوان العرب " في مختار الشعر، وانتشر هذا الديوان في المغرب انتشارا عظيما، وكان لديهم ككتاب الحماسة عند أهل المشرق (١). وكذلك جمعت مدائح بن مجبر للمنصور في ديوان وأورد لنا منها ابن خلكان قصيدته التي مطلعها: أتراه يترك الغزلا ... وعليه شب واكتهلا كلف بالغيد ما عقلت ... نفسه السلوان مذ عقلا (٢). ومن شعراء الخلافة الموحدية أيضاً أبو الحسن الرعيني، وأبو زيد الفازازى، وعبد الرحمن الجزولي وغيرهم. وقد أورد لنا صاحب البيان المغرب كثيراً من مدائح هؤلاء الشعراء للخلفاء الموحدين في غير موضع (٣). ولدينا ثبت آخر من أكابر الشعراء، مثل ابن طفيل الوادي آشى، وابن الأبار القضاعى، وأبي المطرف بن عميرة المخزومي، ولكنا رأينا أن نضع هؤلاء في مواضع هم أكثر ارتباطا بها وألصق، فابن الأبار، بالرغم من إنتاجه الشعرى الرائع، أكثر انتسابا إلى ميدان التاريخ، وابن عميرة أكثر انتسابا إلى الكتابة، وابن طفيل موضعه الحقيقي بين الفلاسفة والعلماء. - ٣ - ولنعرض الآن إلى أكابر الكتاب خلال العصر الموحدي. ولدينا من ذلك ثبت حافل يصعب علينا أن نستوعبه في هذا المقام المحدود، ولكنا سوف نحاول أن نذكر ألمعهم في هذا الميدان. كان من هؤلاء أبو القاسم محمد بن ابراهيم بن خيرة، ويعرف بالمواعينى من أهل قرطبة، وسكن إشبيلية. سمع ابن مغيث، وابن مكى، وابن العربي،

стр. 2419

وابن أبي الخصال وغيرهم، وبرع في الأدب، وكان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً. كتب أولا للسيد أبي اسماعيل الوالي بغرناطة، ثم كتب من بعده للسيد أبي جعفر بن عبد المؤمن وحظى عنده، ونال جاها عريضا. وله عدة مؤلفات تاريخية وأدبية منها: " ريحان الإعراب وريعان الشباب " و " الوشاح المفصل " وكتاب في " الأمثال السائرة "، وكتاب في الأدب نحى فيه منحى ابن عبد البر في " بهجة المجالس ". وتوفي بمراكش سنة ٥٦٤ هـ، أو نحو سنة ٥٧٠ هـ، وفقاً لرواية ابن الأبار (١). وأبو الحكم إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن محمد الأنصاري، أصله من وادي آش وسكن مالقة، ويعرف بابن هرَوْدس. كان عالما متمكنا، وكاتبا بليغا، وله حظ من قرض الشعر. كتب أيام الفتنة لأحمد بن ملحان الطائى القائم بوادي آش، إلى جانب العلامة ابن طفيل. وتوفي في سنة ٥٧٣ هـ (٢). ومنهم أبو عبد الرحمن بن طاهر، زعيم مرسية أيام الفتنة، وقد سبق أن أتينا على ترجمته بين الكتاب الذين ظهروا في العصر المرابطي (٣). ومنهم علي بن ابراهيم بن محمد عيسى بن سعد الخير الأنصاري من أهل بلنسية، وأصله من بلدة قشتيل من أعمالها، كان إماما بارعا في علوم اللسان والأدب وكاتباً بليغاً وشاعراً محسناً، بديع التشبيه. وكتب عن السيد أبي الربيع سليمان ابن عبد الله بن عبد المؤمن. وله مصنفات أدبية عديدة منها اختصاره للعقد الفريد، وجمع طرر أبي الوليد الوقشى، وكتاب مشاهير الموشحين بالأندلس، وهم عشرون، ذكرهم بصفاتهم ومحاسنهم، على طريقة الفتح في القلائد والمطمح، وابن بسام في الذخيرة. وله رسائل عديدة. وسار إلى إشبيلية مع مخدومه السيد أبي الربيع، حينما قدم إليها مهنئا ابن عمه الخليفة المنصور بفتح شلب، وارتجاعها من أيدي البرتغاليين، وهنالك توفي في شهر ربيع الآخر سنة ٥٩١ هـ (٤). والحسن بن حجاج بن يوسف الهوارى التجيبى، أصله من بجاية وسكن مراكش، ودخل الأندلس مرارا. وولي الخطبة بإشبيلية. وكان أديباً مبرزاً

стр. 2420

وكاتبا بليغا، أخذ عن أقطاب العصر، وأخذ عنه عدة من الجلة، منهم أبو الربيع ابن سالم، وتوفي بمدينة فاس سنة ٥٩٨ هـ (١). ومنهم أبو الفضل محمد بن علي بن طاهر بن تميم القيسي من أهل بجاية، ويعرف بابن محشرة. كان عالما متمكنا، وأديبا بارعا، وكاتباً مجيداً، وكان تلميذاً لأبي القاسم القالمي. استدعاه الخليفة أبو يعقوب يوسف ليتولى كتابة السر، فظهر في هذا المنصب بمقدرته، وروعة أسلوبه وبيانه. ولما توفي أبو يعقوب، كتب من بعده لولده الخليفة يعقوب المنصور. وفي مجموعة الرسائل الموحدية، عدد من الرسائل مدبجة بقلمه، تشهد بتفوقه، وتفننه في أساليب البلاغة، وكانت وفاته في سنة ٥٩٨ هـ (٢). ونستطيع أن نضع بين أعلام كتاب الأندلس في العصر الموحدي، الرحالة ابن جبير، وهو محمد بن أحمد بن جبير بن محمد بن جبير الكنانى، أصله من بلنسية، ونزل أبوه شاطبة، وانتقل إلى غرناطة. ودرس ابن جبير القراءات والحديث، وبرع في الآداب، وبرز في الكتابة والنظم، وكتب في شبابه بسبتة للسيد أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن، ثم كتب لوالى غرناطة، ونال جاها وثراء. ثم تزهد ورحل إلى المشرق لأول مرة في سنة ٥٧٨ هـ، لقضاء فريضة الحج، وسمع الحديث بمكة على أبي حفص اليانشى، وأخذ مقامات الحريرى بدمشق عن أبي طاهر الخشوعى. ثم عاد إلى الأندلس وأخذ بها عليه ما كان عنده، وحُمل عنه شعره في الزهد، وهو كثير. وقام برحلته الثانية إلى المشرق سنة ٥٨٥ هـ، وعاد إلى المغرب. ثم رحل رحلته الثالثة بعد سنة ٦٠١ هـ ودرس بمكة والقدس، وحدث هناك وأخذ عنه. وتوفي بالإسكندرية في شهر شعبان سنة ٦١٤ هـ، ومولده ببلنسية، أو شاطبة سنة ٥٤٠ هـ (٣). ومن أشهر آثار ابن جبير رحلته القيمة المسماة " اعتبار الناسك، في ذكر الآثار الكريمة، والمناسك " أو بعبارة أخصر " رحلة ابن جبير " وفيها يدون مشاهداته وملاحظاته بأسلوب قوي شائق. وظهر في أواسط العصر الموحدي في ميدان الكتابة بنو عيّاش، وهم من
следующие страницы →