من أهل قرطبة. درس الفقه والحديث على أقطاب عصره. وبرع في الأدب، وكان كاتبا بليغا وشاعراً مجيداً، كتب لبعض الولاة، وولي قضاء بعض الكور. وتوفي بالجزيرة الخضراء سنة ٦٣٥ هـ (١).
ومن أشهرهم أيضاً علي بن عبد الرحمن بن حزمون، أصله من مرسية. وكان شاعراً مجيداً، متمكناً من الآداب والتواريخ، وكان بارع التصرف في النظم، مقذع الهجاء. قال ابن عبد الملك في الذيل والتكملة " وكان شديد القنا، وارد الأنف، أزرق حاد النظر، أسيل الوجه، بادى الشر، مهيبا ". ووقعت بينه وبين بعض أدباء عصره مخاطبات ومساجلات تشهد بتقدمه وتمكنه. دخل مراكش غير مرة، جاء في آخرها متظلما إلى الخليفة المستنصر من المجريطى والي مرسية، لاضطهاده، والاعتداء عليه وضربه بالسياط. ولما ظهرت براءته مما نسب إليه من هجو المجريطي، أصدر المستنصر أمره بإنصافه، وإعدايه على المجريطي، وتمكينه منه، حتى ينتصف لنفسه، وعاد ابن حزمون إلى الأندلس، يحمل أمر المستنصر بإنصافه، ولكنه ما كاد يصل إلى مرسية حتى ورد الخبر بوفاة المستنصر، وتحطم بذلك أمله من الانتصاف لنفسه، ومن نظمه قوله:
يا من له بالأنام أنسى ... وهو إلى اللهو ذو التفات
استغفر الله من ذنوب ... أنابها نازل الصفات
وقوله وهو مطلع قصيدته في الشكوى إلى الخليفة:
إليك إمام الحق جبت المفاوز ... وخلفت خلفى صبية وعجائزا
يرجين سبب الله ثم حنانكم ... إمام الهدى حتى يمتن عجائزا
وتوفي ابن حزمون حول سنة ٦٣٠ هـ (٢).
ومن ألمعهم أيام الانهيار، إبراهيم بن سهل الإشبيلي، وقد كان يهوديا واعتنق الإسلام، وبرع في الشعر ولاسيما في الموشحات. ومن أبدع قصائده، قصيدة نظمها في مدح النبى. وقد توفي غريقاً في النهر وهو شاب في عنفوانه، وذلك في سنة ٦٤٩ هـ. ومن شعره، حينما حاصر النصارى إشبيلية في سنة ٦٤٥ هـ واشتدت الحال بأهل إشبيلية، قصيدة مؤثرة، يحثهم فيها على الصبر والثبات، وفيها يقول:
стр. 2417
ورداً فمضمون نجاح المصدر ... هي عزة الدنيا وفوز المحشر
نادى الجهاد بكم بنصر مضمر ... يبدو لكم بين القنا والضمر
خلوا الديار لدار عز واركبوا ... عبر العجاج إلى النعيم الأخضر
وتسوغوا كدر المناهل في السرى ... ترووا بماء الحوض غير مكدر
ومن شعره قوله:
مضى الوصل إلا منية تبعث الأسى ... أدارى بها همى إذا الليل عسعسا
أتانى حديث الوصل زورا على النوى ... أعد ذلك الزور اللذيذ المؤنسا
ويا أيها الشوق الذي جاء زائرا ... أصبت الأمانى خذ قلوبا وأنفسا
وقوله:
ليل الهوى يقظان ... والحب مترب السهر
والصبر لي خوان ... والنوم من عينى برى (١).
ومنهم أحمد بن محمد بن عيسى .. بن عبد الرحمن بن حجاج اللخمى من أهل إشبيلية، ويعرف بالأفيلح تصغير الأفلح وهو المشقوق الشقة السفلى، كان أديبا بارعا وشاعراَّ مجيداً، وزر للمتوكل ابن هود، وخاض معه حوادث إمارته، وحظى لديه. وله أرجوزة مخمسة في السير عنوانها " نظم الدرر ونثر الزهر " وهي من أحسن ما نظم في موضوعها. وله شعر جيد، وعدة مدائح في أمراء بني عبد المؤمن، ومن ذلك قوله يهنىء المأمون أبا العلاء إدريس.
هنأ الله بلاد العرب ... ما تتمناه بلاد المشرق
طلع المأمون فيها أمل ... الراجى وأمن التق
وكساها من سنا أنواره ... رونقا يدهش نور الحدق (٢).
ومالك بن عبد الرحمن بن علي، يكنى أبا الحكم ويعرف بابن المرحل، درس الفقه والأدب، وامتهن صناعة التوثيق حيناً، وولي القضاء بغرناطة وغيرها، وكان شاعراً رقيقاً مطبوعاً، وله شعر كثير أورد لنا منه ابن الخطيب في الإحاطة عدة قصائد. ولد سنة ٦٠٤ هـ وتوفي عن سن عالية في سنة ٦٩٩ هـ (٣).
ومن شعراء الخلافة الموحدية الأثيرين، شاعران، اختصا عصراً بمدائح
стр. 2418
الخلفاء الموحدين، منذ عصر أبي يعقوب يوسف حتى عصر الناصر، وهما أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي، وأبو بكر بن عبد الجليل بن مُجبر، وقد سبق أن أشرنا في غير موضع إلى مدائح هذين الشاعرين. وكان الجراوى، وأصله من تادلا، وسكن مراكش، شاعراً مبرزاً، عالماً بالآداب، حافظاً لأصول البلاغة، ورحل إلى الأندلس مراراً. وقد وضع للخليفة المنصور كتابه الذي سماه " صفوة الأدب وديوان العرب " في مختار الشعر، وانتشر هذا الديوان في المغرب انتشارا عظيما، وكان لديهم ككتاب الحماسة عند أهل المشرق (١). وكذلك جمعت مدائح بن مجبر للمنصور في ديوان وأورد لنا منها ابن خلكان قصيدته التي مطلعها: أتراه يترك الغزلا ... وعليه شب واكتهلا
كلف بالغيد ما عقلت ... نفسه السلوان مذ عقلا (٢).
ومن شعراء الخلافة الموحدية أيضاً أبو الحسن الرعيني، وأبو زيد الفازازى،
وعبد الرحمن الجزولي وغيرهم. وقد أورد لنا صاحب البيان المغرب كثيراً من
مدائح هؤلاء الشعراء للخلفاء الموحدين في غير موضع (٣).
ولدينا ثبت آخر من أكابر الشعراء، مثل ابن طفيل الوادي آشى، وابن الأبار القضاعى، وأبي المطرف بن عميرة المخزومي، ولكنا رأينا أن نضع هؤلاء في مواضع هم أكثر ارتباطا بها وألصق، فابن الأبار، بالرغم من إنتاجه الشعرى الرائع، أكثر انتسابا إلى ميدان التاريخ، وابن عميرة أكثر انتسابا إلى الكتابة، وابن طفيل موضعه الحقيقي بين الفلاسفة والعلماء.
- ٣ -
ولنعرض الآن إلى أكابر الكتاب خلال العصر الموحدي. ولدينا من ذلك ثبت حافل يصعب علينا أن نستوعبه في هذا المقام المحدود، ولكنا سوف نحاول أن نذكر ألمعهم في هذا الميدان.
كان من هؤلاء أبو القاسم محمد بن ابراهيم بن خيرة، ويعرف بالمواعينى من أهل قرطبة، وسكن إشبيلية. سمع ابن مغيث، وابن مكى، وابن العربي،
стр. 2419
وابن أبي الخصال وغيرهم، وبرع في الأدب، وكان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً. كتب أولا للسيد أبي اسماعيل الوالي بغرناطة، ثم كتب من بعده للسيد أبي جعفر بن عبد المؤمن وحظى عنده، ونال جاها عريضا. وله عدة مؤلفات تاريخية وأدبية منها: " ريحان الإعراب وريعان الشباب " و " الوشاح المفصل " وكتاب في " الأمثال السائرة "، وكتاب في الأدب نحى فيه منحى ابن عبد البر في " بهجة المجالس ". وتوفي بمراكش سنة ٥٦٤ هـ، أو نحو سنة ٥٧٠ هـ، وفقاً لرواية ابن الأبار (١).
وأبو الحكم إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن محمد الأنصاري، أصله من وادي آش وسكن مالقة، ويعرف بابن هرَوْدس. كان عالما متمكنا، وكاتبا بليغا، وله حظ من قرض الشعر. كتب أيام الفتنة لأحمد بن ملحان الطائى القائم بوادي آش، إلى جانب العلامة ابن طفيل. وتوفي في سنة ٥٧٣ هـ (٢). ومنهم أبو عبد الرحمن بن طاهر، زعيم مرسية أيام الفتنة، وقد سبق أن أتينا على ترجمته بين الكتاب الذين ظهروا في العصر المرابطي (٣).
ومنهم علي بن ابراهيم بن محمد عيسى بن سعد الخير الأنصاري من أهل بلنسية، وأصله من بلدة قشتيل من أعمالها، كان إماما بارعا في علوم اللسان والأدب وكاتباً بليغاً وشاعراً محسناً، بديع التشبيه. وكتب عن السيد أبي الربيع سليمان ابن عبد الله بن عبد المؤمن. وله مصنفات أدبية عديدة منها اختصاره للعقد الفريد، وجمع طرر أبي الوليد الوقشى، وكتاب مشاهير الموشحين بالأندلس، وهم عشرون، ذكرهم بصفاتهم ومحاسنهم، على طريقة الفتح في القلائد والمطمح، وابن بسام في الذخيرة. وله رسائل عديدة. وسار إلى إشبيلية مع مخدومه السيد أبي الربيع، حينما قدم إليها مهنئا ابن عمه الخليفة المنصور بفتح شلب، وارتجاعها من أيدي البرتغاليين، وهنالك توفي في شهر ربيع الآخر سنة ٥٩١ هـ (٤).
والحسن بن حجاج بن يوسف الهوارى التجيبى، أصله من بجاية وسكن مراكش، ودخل الأندلس مرارا. وولي الخطبة بإشبيلية. وكان أديباً مبرزاً
стр. 2420
وكاتبا بليغا، أخذ عن أقطاب العصر، وأخذ عنه عدة من الجلة، منهم أبو الربيع ابن سالم، وتوفي بمدينة فاس سنة ٥٩٨ هـ (١).
ومنهم أبو الفضل محمد بن علي بن طاهر بن تميم القيسي من أهل بجاية، ويعرف بابن محشرة. كان عالما متمكنا، وأديبا بارعا، وكاتباً مجيداً، وكان تلميذاً لأبي القاسم القالمي. استدعاه الخليفة أبو يعقوب يوسف ليتولى كتابة السر، فظهر في هذا المنصب بمقدرته، وروعة أسلوبه وبيانه. ولما توفي أبو يعقوب، كتب من بعده لولده الخليفة يعقوب المنصور. وفي مجموعة الرسائل الموحدية، عدد من الرسائل مدبجة بقلمه، تشهد بتفوقه، وتفننه في أساليب البلاغة، وكانت وفاته في سنة ٥٩٨ هـ (٢).
ونستطيع أن نضع بين أعلام كتاب الأندلس في العصر الموحدي، الرحالة ابن جبير، وهو محمد بن أحمد بن جبير بن محمد بن جبير الكنانى، أصله من بلنسية، ونزل أبوه شاطبة، وانتقل إلى غرناطة. ودرس ابن جبير القراءات والحديث، وبرع في الآداب، وبرز في الكتابة والنظم، وكتب في شبابه بسبتة للسيد أبي سعيد عثمان بن عبد المؤمن، ثم كتب لوالى غرناطة، ونال جاها وثراء. ثم تزهد ورحل إلى المشرق لأول مرة في سنة ٥٧٨ هـ، لقضاء فريضة الحج، وسمع الحديث بمكة على أبي حفص اليانشى، وأخذ مقامات الحريرى بدمشق عن أبي طاهر الخشوعى. ثم عاد إلى الأندلس وأخذ بها عليه ما كان عنده، وحُمل عنه شعره في الزهد، وهو كثير. وقام برحلته الثانية إلى المشرق سنة ٥٨٥ هـ، وعاد إلى المغرب. ثم رحل رحلته الثالثة بعد سنة ٦٠١ هـ ودرس بمكة والقدس، وحدث هناك وأخذ عنه. وتوفي بالإسكندرية في شهر شعبان سنة ٦١٤ هـ، ومولده ببلنسية، أو شاطبة سنة ٥٤٠ هـ (٣). ومن أشهر آثار ابن جبير رحلته القيمة المسماة " اعتبار الناسك، في ذكر الآثار الكريمة، والمناسك " أو بعبارة أخصر " رحلة ابن جبير " وفيها يدون مشاهداته وملاحظاته بأسلوب قوي شائق.
وظهر في أواسط العصر الموحدي في ميدان الكتابة بنو عيّاش، وهم من
стр. 2421
أقطاب الكتاب البلغاء. وهم أسرة أندلسية نزحت إلى المغرب، وكان أول من ظهر منهم في خدمة الخلافة الموحدية أبو الحسن بن عياش من كتاب الخليفة عبد المؤمن، ثم ولده الخليفة أبي يعقوب يوسف. ومحمد بن عبد العزيز بن عياش، كاتب الخليفة يعقوب المنصور، ثم ولده الناصر. وأبو الحسن علي بن عياش ابن عبد الملك كاتب الخليفة الناصر وولده يوسف المستنصر. وكان أنبههم، وأشهرهم، هو أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عياش التجيبى، وأصله من برشانة من أعمال ألمرية (١). ونزح إلى المغرب، وسكن مراكش، وبرع في الآداب وعلوم اللغة، وكان قطب عصره في البيان والبلاغة، خطيباً مصقعاً، وله حظ من قرض الشعر. وقد وصفه ابن عبد الملك في التكملة بقوله: " كان كاتباً بارعاً، فصيحاً، مشرفاً على علوم اللسان، حافظاً للغات والآداب، كبير المقدار، حسن الخلق، كريم الطباع، دفاعاً مجاهداً، كثير الاعتناء بطلبة العلم، والسعى الجميل لهم "، وتولى ابن عياش منصب الكتابة للخليفة المنصور، وظهر فيه برسائله المشرقة، وبيانه الرائع، عن أحوال الخلافة الموحدية ومراسيمها، وتحركاتها (٢). وهو الذي دبج بقلمه المنشور الصادر بأمر المنصور ضد الفيلسوف ابن رشد وزملائه. ولما توفي المنصور، تولى منصب الكتابة لولده الخليفة الناصر، ثم ولده الخليفة يوسف المستنصر. وكان من آثر رجال الدولة، وأرفعهم مكانة لدى الخلافة الموحدية. وكان صديقاً شخصياً للخليفة المنصور، وله معه أخبار كثيرة. وتوفي أبو عبد الله ابن عياش بمراكش في شهر جمادى الآخر سنة ٦١٨ هـ، ومولده ببرشانة سنة ٥٥٠ هـ (٣). وتولى ولده، أحمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عياش، منصب الكتابة للخليفة يوسف المستنصر ثم للخليفة المأمون، وتولى قضاء تلمسان وسبتة، وكان كذلك كاتبا محسنا، مشرق البيان، بارع الطريقة، وتوفي في محرم سنة ٦٢٩ هـ (٤). ومن أشهر كتاب الأندلس في هذا العصر، الذي اضطرمت فيه الفتنة في كل
стр. 2422
ناحية، أبو بكر عزيز بن عبد الملك بن محمد بن خطاب القيسى، وهو سليل آل خطاب أعيان مرسية ورؤسائها أحيانا منذ القرن الرابع الهجرى. وكانت له كأسلافه مشاركة في العلوم، وتمكن من النثر والنظم. ولما تغلب ابن هود على مرسية في سنة ٦٢٥ هـ، اختاره لرياستها نائبا عنه، فلبث على ولايتها حتى توفي ابن هود في أوائل سنة ٦٣٥ هـ، وعندئذ، استبد عزيز بمرسية، ولكن لم يمض سوى قليل حتى تغلب عليه أبو جميل زيان أمير بلنسية السابق، وانتهى الأمر باعتقاله ثم قتله في رمضان سنة ٦٣٦ هـ. قال ابن عبد الملك في حقه " كان وجيه أهل بلده وصدرهم المعظم لديهم، مشهور الفضل لديهم، أجمل الناس صورة، وأحسنهم شارة، زاهدا ورعا ناسكا عابدا .. حريصاً على نشر العلم، مثابراً على التدريس مستبحراً في المعارف، إلى بيان في الخطابة وبلاغة في النظم والنثر ". وكان يميل إلى طرائق الصوفية وله نظم حسن، ورسائل نثرية بليغة (١).
ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الأنصاري المعروف بابن الجنّان وهو من أهل مرسية، وكان محدثا راوية، وكاتبا بليغا، وشاعراً محسناً، ظهر بنثره البارع، وكتب لابن هود أيام إمارته، ثم استكتبه الرئيس أبو جميل زيان، أيام تغلبه على مرسية. ولما تغلب النصارى على مرسية سنة ٦٤٠ هـ، غادرها إلى أوريولة، واستقر بها وقتاً، ثم نزح إلى إفريقية، مع من نزح إليها من أهل الشرق، ونزل ببجاية، وكانت بينه وبين كتاب عصره أمثال أبي المطرف بن عميرة وغيره مراسلات بليغة، ظهرت فيها براعة أسلوبه. وكانت وفاته ببجاية سنة ٦٥٠ هـ (٢). وأحمد بن محمد بن عبد الرحمن .. بن علي القضاعى ثم البلوى، من أهل إشبيلية، كان كاتبا مطبوعا بارعا في النثر والنظم. كتب في شبابه لبعض ولاة الأندلس من أبناء الخليفة عبد المؤمن وأحفاده، ثم ترك الكتابة، واشتغل بكتب الشروط. ونزح إلى مراكش في أيام الناصر، واستقر بها وقتا، وغادرها إلى إشبيلية، ثم عاد إلى مراكش مع وفد إشبيلية الذي يحمل بيعة أهلها إلى الخليفة السعيد، ومدحه بقصيدة فريدة وخطبة بارعة، وحظى لديه، وتوفي بمراكش سنة ٦٥٧ هـ (٣).
стр. 2423
وعلي بن محمد بن علي بن هيصم الرعينى من أهل إشبيلية، كان محدثاً، وكاتباً بليغاً، مشاركاً في علوم كثيرة، وغلبت عليه الكتابة السلطانية، فبرع فيها، وانقطع لها، وكتب عن عدة من أمراء الأندلس والعدوة، فكتب للمتوكل ابن هود، ثم كتب بعد وفاته لمحمد بن الأحمر صاحب غرناطة، ووقعت مساجلات أدبية بينه وبين أبي عبد الله بن الجنان، وأبي المطرِّف بن عميرة، ينقلها إلينا صاحب التكملة. ثم نزح من الأندلس إلى العدوة، فكتب عن أمير سبتة، ثم عن الأواخر من الخلفاء الموحدين، خلفاً لشيخه أبي زيد الفازازى، وكان من شيوخ ابن عبد الملك صاحب الذيل والتكملة وتوفي بمراكش سنة ٦٦٦ هـ (١).
ونستطيع أن نختتم هذا الثبت من الكتاب، بكاتب من أبرع وألمع كتاب الأندلس، في عصر الانهيار، هو أبو المطرِّف أحمد بن عبد الله بن الحسين بن عميرة المخزومي. وأصله من جزيرة شقر من أعمال بلنسية وبها ولد سنة ٥٨٢ هـ. وسكن بلنسية ودرس بها الحديث والفقه، ولكنه شغف باللغة وعلومها، وبالأدب، وبرع في النثر. قال ابن عبد الملك: " وتفنن في العلوم، ونظر في العقليات وأصول الفقه، ومال إلى الأدب، فبرع فيه براعة عد بها في كبار مجيدى النظم. وأما الكتابة، فهو علمها المشهور، وواحدها الذي عجزت عن ثانيه الدهور "، وقال ابن الخطيب في وصفه " كان نسيج وحده إدراكا وتفننا، بصيراً بالعلوم، محدثاً مكثراً، راوية ثبتاً، متبحراً في التاريخ والأخبار، قائماً على العربية واللغة، جم العيون، غزير المعانى والمحاسن " (٢). وأخذ ابن عميرة عن عدة من أقطاب عصره، منهم أبو الخطاب بن واجب، وأبو الربيع بن سالم، وأبو علي الشلوبين وأبو عمر بن عات، وأبو محمد بن حوط الله. وولي لأول أمره القضاء بأوريولة ثم شاطبة، ولكنه ظهر في ميدان الكتابة والترسل، وكتب عن الأمير أبي جميل زيان، وصدرت عنه في تلك الفترة المدلهمة من تاريه شرق الأندلس رسائل عديدة، منها ما هو موجه منه، وهو قاض بشاطبة إلى المتوكل بن هود، وما كتبه عن أبي جميل زيان أيام ولايته لمرسية إلى ملك قشتالة، وإلى أبي زكريا الحفصى أمير إفريقية، ومنها ما تبادله مع زميله وصديقه وقرينه في الشهرة والبراعة ابن الأبار
стр. 2424
القضاعى. وقد انتهى إلينا عدد كبير من هذه الرسائل التي دبجها ابن عميرة في تلك الفترة، وكلها تدلى بروعة بيانه، ومقدرته الفائقة في الترسل (١). وكان مما نقله إلينا صاحب " صبح الأعشى " من رسائله، رسالة كتبها عن " صاحب أرغون " إلى الخليفة الموحدي يوسف المستنصر، يخبره فيها بأن صاحب أرغون، قد وقع بينه وبين بلده خلاف، انتهى بنكبته، وإخراجه من بلاده، ففكر في " أن يلجأ إلى المقام الباهر الأنوار، العزيز الجوار، فقدم إلى بلنسية، التي صدرت منها هذه الرسالة، وبأنه إن وجد من الأمر العالي تأييداً، واستطاع أن ينتصر على خصومه، كانت لذلك نتائج هامة، خصوصاً وأن له في " أرغون " كثير من الزعماء والأقارب والفرسان المناصرين له " (٢). وقد ظن بعض الباحثين أن ابن عميرة التحق بخدمة ملك أراجون، وكتب عنه هذه الرسالة وهو في خدمته. والحقيقة كما يبدو من نص الرسالة الواضح، أن ابن عميرة، كان وقت كتابة الرسالة مقيما ببلده بلنسية، وربما كان عندئذ يتولى الكتابة لواليها السيد أبي زيد، أما " صاحب أرغون "، الذي كتبت عنه هذه الرسالة، فالمرجح أنه الدون فرناندو الأرجونى عم ملك أراجون الصبي " خايمى "، وكان يحاول مع جماعة من أعيان أراجون أن يناوئه، وأن ينتزع العرش لنفسه (٣)، ومن ثم كان قدومه إلى بلنسية، وتوجيه رسالة منها إلى الخليفة الموحدي، وكان ذلك، فيما يبدو حوالى سنة ٦١٨ هـ (١٢٢٠ م)، في أواخر عهد المستنصر. ولما تفاقمت الحوادث في شرقي الأندلس، وشعر ابن عميرة أنه لم يبق له ثمة أمل في البقاء في الوطن المنكوب، عبر البحر إلى المغرب، والتحق بخدمة الخليفة الموحدي الرشيد، وكتب عنه في أواخر عهده. ثم ولى بعد ذلك قضاء سلا ومكناسة. ولما قتل الخليفة المعتضد (السعيد) لحق بسبتة، وهنالك انقض عليه جمع من بني مرين وسلبوه كل أمواله، فارتد في أسوأ حال إلى إفريقية، وسكن بجاية حينا، ثم رحل إلى تونس، وحظى لدى أميرها المستنصر بالله، فولاه قضاء قسنطينة ثم قضاء
стр. 2425
قابس، ثم كتب حينا عن المستنصر. وقد كان ابن عميرة إلى جانب براعته في الكتابة، شاعراً مجيداً له النظم الرائق. وله تأليف في " كائنة ميورقة " وسقوطها في أيدي النصارى، نحى فيه بأسلوبه المسجع منحى العماد الأصفهانى في الفتح القدسى. وكتاب في التعقيب على فخر الدين الرازى في كتاب المعالم في أصول الفقه، ومختصر في " ثورة المريدين " وغيرها. وجمع ابن هانىء السبتى رسائل ابن عميرة وشعره في كتاب في سفرين، وسماه " بغية المستطرف وغنية المتطرف، من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرِّف ". والخلاصة أن القاضي ابن عميرة، مثل زميله ابن الأبار، يمثل كلاهما، بشعره ونثره نفثة من نفثات الأندلس المحتضرة، ويودع كلاهما رسائله أنفس نماذج تراثها الأدبى الأخير. وتوفي ابن عميرة بتونس عن سن عالية، في شهر رمضان سنة ٦٥٨ هـ، وقيل في ذي الحجة سنة ٦٥٦ هـ (١).
- ٤ -
وأما عن الرواة والمؤرخين الذين ظهروا في العصر الموحدي، فليس لدينا منهم سوى القليل، بيد أنه قد انتهى إلينا من تراث هذه الحقبة، عدد من المصادر القيمة الهامة، وفي مقدمتها تلك السلسلة النفيسة من تراجم العصرين المرابطي والموحدى، وهي التي بدأت بكتاب " الصلة " لابن بشكوال. وقد سبق أن ترجمنا لابن بشكوال ضمن مؤرخي العصر المرابطي، وجاء ابن الأبار القضاعى فوضع معجمه " التكملة " ليتم به معجم " الصلة " وليصل بما يتضمنه من التراجم إلى ما بعد سنة ٦٥٠ هـ بقليل، وليقدم لنا بذلك ثبتاً حافلاً ضخماً من أعلام الفكر الأندلسي، في سائر ميادينه، خلال العصر الموحدي. وجاء من بعد ابن الأبار، العلامة المغربى الثقة، ابن عبد الملك المراكشي المتوفى أواخر القرن السابع، فوضع معجمه الضخم " الذيل والتكملة لكتابى الموصول والصلة " تكملة لهذه السلسلة النفيسة. مستدركا فيها الكثير مما فات سلفيه، ومتوسعا في كثير من التراجم المشتركة، هذا إلى ما يقدمه إلينا خلال هذه التراجم عن أحداث العصر الموحدي، سواء بالمغرب أو الأندلس من نبذ تاريخية قيمة، ومن وثائق فريدة أحيانا. وقد عاش ابن عبد الملك في أواخر العصر الموحدي، وأدرك نهايته، ثم توفي بعد ذلك بنحو ثلث قرن. وجاء أخيراً من بعد ابن عبد الملك
стр. 2426
راوية ومؤرخ أندلسي، ولد في أواخر العصر الموحدي بالأندلس، هو أبو جعفر ابن الزبير المتوفى في سنة ٧٠٨ هـ، فوضع لنا معجماً جديداً من التراجم الأندلسية والمغربية، سماه " صلة الصلة "، وبه يضيف إلى سلسلة المعاجم السابقة، مرحلة أخرى من تراجم العصر الموحدي.
وسوف نحاول التعريف بأولئك الرواة المؤرخين، أصحاب المعاجم المذكورة خلال حديثنا عن المؤرخين الذين ظهروا خلال العصر الموحدي.
كان من هؤلاء مؤرخان لا ينتميان فقط إلى العصر الموحدي، ولكن يعتبر كلاهما من أولياء الدولة الموحدية ومؤرخيها الأوائل، هما ابن صاحب الصلاة، وعبد الواحد المراكشي.
فأما ابن صاحب الصلاة، فهو عبد الملك بن محمد بن أحمد بن محمد بن ابراهيم الباجى، ويكنى أبا مروان وأبا محمد، ويعرف بابن صاحب الصلاة وصاحب التاريخ. وقد سبق أن أتينا على ترجمته، ووصف أثره التاريخى الهام عن الدولة الموحدية وهو كتاب " المن بالإمامة "، كما أشرنا إلى ما يوجد من خلاف حول تاريخ وفاته، وإلى ما يبدو بالرجوع إلى بعض شذور تاريخية من كتابه من أنه قد عاش حتى أواخر القرن السادس الهجرى، وتوفي فيما يرجح حوالى سنة ٦٠٥ هـ (١).
وأما المراكشي فهو أبو محمد عبد الواحد بن علي التميمى المراكشي، ولد بمدينة مراكش، حسبما يحدثنا في سنة ٥٨١ هـ، وغادرها في صباه إلى فاس، وهناك درس القرآن والنحو، ثم عبر إلى الأندلس في سنة ٦٠٣ هـ، وتجول بها حيناً، وعاد إلى مراكش، وبقى بها حتى سنة ٦١١ هـ، ثم عبر إلى الأندلس مرة أخرى وهناك اتصل ببعض الولاة الموحدين، وغادرها في أواخر سنة ٦١٣ هـ إلى المشرق، وقضى بمصر حيناً. وكتب كتابه " المعجب في تلخيص أخبار المغرب "، وفيه يتحدث عن تاريخ الأندلس بإيجاز، ثم تاريخ المغرب خلال عصر المرابطين والموحدين، في شىء من التفصيل، ويبدى عناية خاصة بسرد أخبار الموحدين ويبدى في سردها إعجاباً وعطفاً، لما كان يربطه قبل مغادرته الأندلس والمغرب، من أواصر المودة ببعض الولاة والأمراء الموحدين. وبالرغم مما يبدو في تاريخه من ثغرات كثيرة، فإنه يعتبر من المصادر القيمة لتاريخ الدولة الموحدية، لما يحتويه من إشارات ونبذ قيمة عن تاريخ الخلافة الموحدية، منذ عهد عبد المؤمن
стр. 2427
حتى محمد الناصر. ولم نعثر على تاريخ وفاته (١).
ومنهم محمد بن سعيد بن محمد .. بن مدرك الغسانى من أهل مالقة، درس الحديث والفقه على عدة من أعلام عصره، ومنهم أبو بكر بن العربي، وبرع في الرواية والتاريخ وتحقيق الأنساب، وكان يقتنى مكتبة من أكبر مكتبات بلده. ولم يذكر له تاريخ وفاة (٢).
وأحمد بن محمد الأزدي المؤرخ من أهل قرطبة، كان من تلاميذ ابن بشكوال وأخذ عنه كثيراً، وكان يلازم المسجد الجامع، متعبداً متبتلاً، وقيد كثيراً من التواريخ والمواليد والوفيات، ولكن لم يصلنا من آثاره شىء، وتوفي سنة ٦١١ هـ (٣).
ومن أشهر مؤرخي العصر الموحدي بالأندلس، أبو القاسم محمد بن عبد الواحد بن ابراهيم بن مفرج بن حريث بن مروان الغافقي، من أهل غرناطة ويعرف بالملاّحى نسبة إلى " الملاحة " وهي قرية من أعمال إلبيرة على مقربة من غرناطة، وكان بها منزل سلفه. درس الحديث وشغف بالرواية والأدب والسير، وأخذ عن عدة من أقطاب عصره، مثل أبي الحسن بن كوثر، وأبي محمد ابن الفرس، وأبي عبد الله بن بونه، وأبي بكر بن أبي زمنين وغيرهم، وكان محدثا وراوية متقنا، وأديبا مؤرخا بارعا. وله عدة مؤلفات أشهرها كتابه " تاريخ علماء إلبيرة وأنسابهم وأنبائهم "، وهو مؤلف يقتبس منه المتأخرون بكثرة مثل ابن الخطيب وغيره. ومن مؤلفاته أيضاً " كتاب الشجرة في أنساب الأمم العرب والعجم " وكتاب " الأربعين حديثا "، وله استدراك على كتاب الصحابة لأبي عمر ابن عبد البر. توفي في شهر شعبان سنة ٦١٩ هـ، ومولده سنة ٥٤٩ هـ (٤).
ومنهم عيسى بن سليمان بن عبد الله بن عبد الملك الرعيني، ويعرف بالرندى، لأن أصله من رندة وسكن مالقة. عنى بالإسناد والرواية، وأخذ بالأندلس عن عدة من الأشياخ، ورحل إلى المشرق وحج، وأخذ هنالك عن كثيرين، وأنفق في المشرق نحو عشرين عاما، ثم عاد إلى بلده مالقة، وأخذ عنه الكثيرون، وكان ضابطا متقنا، عارفا بالرجال والأسانيد، وألف كتابا في " الصحابة " ووضع معجم أشياخه. وتوفي سنة ٦٣٢ هـ (٥).
стр. 2428
ومحمد بن عبد الله بن ابراهيم بن عبد الله بن قسوم اللخمى من أهل إشبيلية، كان أديباً شاعراً راوية. وعكف على الزهد والعبادة، فطار ذكره، وقصر شعره على الزهد والمراثى، وأخذ البعض عنه. وعنى بالسير، وألف كتابا سماه " محاسن الأبرار في معاملة الجبار " يشتمل على أخبار الصالحين من أهل إشبيلية. وتوفي في ذي الحجة سنة ٦٣٩ هـ (١).
على أن أعظم أقطاب الرواية والتاريخ، في هذه الفترة القاتمة من تاريخ الأندلس، هو بلا ريب أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعى المعروف بابن الأبار. وقد آثرنا أن نضع هذا المفكر الأندلسي العظيم بين المؤرخين، لأن تراثه التاريخى هو أقيم ما انتهى إلينا من آثاره العديدة. ذلك أن ابن الأبار، هو علامة متعددة الجوانب، فهو فقيه راسخ، وكاتب بلغ ذروة البيان، وشاعر مبدع مبكى، ثم هو بعد ذلك كله مؤرخ محقق، وكان مولده بثغر بلنسية في سنة ٥٩٥ هـ، في بيت علم ونبل، وأصلهم من أندة على مقربة من غربي بلنسية. ودرس ابن الأبار على أبيه عبد الله، وعلى عدة من أقطاب عصره، منهم أبو عبد الله ابن نوح، وأبو جعفر الحصار، وأبو الخطاب بن واجب، وأبو سليمان بن حوط الله، وكبير محدثى الأندلس يومئذ أبو الربيع بن سالم، وقد لازمه ابن الأبار أكثر من عشرين سنة، وهو الذي أشار عليه فيما بعد أن يضع معجمه الشهير " التكملة لكتاب الصلة ". وبرع ابن الأبار في اللغة والأدب، وشغف بالأخبار والسير، ورحل في مطلع شبابه إلى غربي الأندلس، فزار قرطبة، ثم إشبيلية، وهو يأخذ أينما حل عن أساتذة العصر. وتولى ابن الأبار في شبابه قضاء دانيه (٢)، ولكن القدر كان يدخره لمهام أخطر. ذلك أنه تولى منصب الكتابة للسيد أبي زيد والي بلنسية الموحدي، ولما اضطرمت الثورة ببلنسية ضد الموحدين وغلب على بلنسية الرئيس أبو جميل زيان بن مردنيش، تولى ابن الأبار له منصب الكتابة، ولكنه لم يمكث طويلا في ذلك المنصب، وشاء القدر أن تسقط بلنسية في أيدي النصارى سنة ٦٣٦ هـ، وأن يكون ابن الأبار يوم تسليمها إلى جانب أميره، وأن يقوم هو بتحرير شروط التسليم، وكان ذلك بعد أن عبر ابن الأبار البحر سفيراً إلى تونس يطلب إلى أميرها باسم أميره، وباسم الإسلام في الأندلس، الإنجاد
стр. 2429
والغوث، وينشد بين يديه قصيدته السينية الرائعة التي مطلعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
وقد أتينا على ذلك كله مفصلا في موضعه. ونود أن نضيف هنا أن ابن الأبار هزته هذه المحنة إلى الأعماق، فلم يطق البقاء في الوطن المنكوب، وغادر الأندلس وعبر البحر مرة أخرى إلى تونس، فوصلها في أواخر سنة ٦٣٦ هـ (١). وعاش حيناً في كنف أميرها أبي زكريا الحفصى يتولى له كتابة العلامة، ثم أخذ يتردد بين تونس وبجاية يدرس هنا وهناك. ولما توفي الأمير أبو زكريا في سنة ٦٤٧ هـ، وخلفه ولده المستنصر بالله، التحق ابن الأبار ببطانته العلمية، ولكنه لم يكن قريراً مطمئناً إلى هذه الحياة، لما كان يتخللها من غضب السلطان بسبب دسائس خصومه أحيانا، وبسبب تصرفاته الشخصية النزقة أحيانا أخرى. واستطاع خصوم ابن الأبار في النهاية أن يوقعوا به، ورفعت إلى السلطان بعض أقوال وأبيات شعر نسبت إليه طعناً في السلطان وتعريضاً به، فأمر المستنصر بجلده ثم بقتله، فجلد بالسياط، ثم قتل طعناً بالرماح، وأخذت كتبه وأحرقت في موضع قتله. ووقع مصرع ابن الأبار على هذا النحو المؤسى في الحادي والعشرين من شهر المحرم سنة ٦٥٨ هـ (٨ يناير سنة ١٢٦٠ م)، واختتمت بذلك حياة أعظم شخصية في الأدب الأندلسي في القرن السابع الهجرى.
وقد ترك لنا ابن الأبار تراثا حافلا من المنثور والمنظوم، والمصنفات التاريخية الجليلة. وأقوى وأروع ما صدر عن ابن الأبار من نثر ونظم، هو ما كتبه أيام المحنة، أيام انهيار الأندلس، وأيام سقوط وطنه بلنسية، من القصائد والرسائل، التي مازالت تحتفظ حتى يومنا برنينها المبكى، الذي يتفطر له الفؤاد، وقد أشرنا إلى بعضها فيما تقدم من فصول هذا الكتاب. وأما تراثه التاريخي، فهو من أنفس ما انتهى إلينا عن تاريخ الأندلس، وتاريخ رجالاتها، ولاسيما في القرن السادس الهجرى، وأوائل القرن السابع، وقد كان ابن الأبار وزيراً وكاتباً، ومعاصراً لكثير من الحوادث التي يرويها. وأهم مصنفاته التاريخية هو بلا ريب كتاب " التكملة لكتاب الصلة " وهو موسوعة حافلة في التراجم، يتخللها كثير من النبذ التاريخية الهامة، وقد وضعه ابن الأبار تنفيذاً لإشارة أستاذه أبي الربيع بن سالم كبير علماء الشرق الأندلسي يومئذ، وأريد به أن يكون " تكملة " لكتاب الصلة
стр. 2430
لابن بشكوال القرطبي، ويقول لنا ابن الأبار إنه كان قد انتهى من وضع كتاب " التكملة " في سنة ٦٣٦ هـ (١)، وهنالك ما يدل على أنه لبث ينقحها ويزيد فيها حتى أواخر سنة ٦٥٥ هـ أعني إلى ما قبل وفاته بنحو عامين (٢). وظاهر من محتويات " التكملة " أن ابن الأبار يعنى عناية خاصة بعلماء شرقي الأندلس، وأحداثه التاريخية، وهي المنطقة التي ولد فيها، وسلخ فيها شبابه، واكتمل نضجه، واتصل بالعدد الجم من علمائها. وكتاب " الحلة السيراء " وهو أيضاً مجموعة نفيسة من تراجم رجال الأندلس والمغرب وغيرهم، تبدأ من المائة الأولى للهجرة حتى أوائل المائة السابعة، وكتاب " المعجم في أصحاب القاضي أبي على الصدفى السرقسطى " ينحو نحو القاضي عياض في وضعه لمعجم شيوخه (٣)، وهذه هي معاجم التراجم الكبيرة، التي انتهت إلينا من تراث ابن الأبار، وهناك ما يدل خلال بعض تراجم التكملة أن الأبار قد وضع معجما لشيوخه، ومعجما آخر في أصحاب ابن العربي. وانتهت إلينا من قلمه مجموعة صغيرة أخرى من التراجم عنوانها " إعتاب الكتاب " تشتمل على تراجم طائفة من كتاب الأندلس وبعض الكتاب المشارقة (٤)، ولابن الأبار مؤلفات أخرى لم تصل إلينا منها كتاب " درر السمط في أخبار السبط "، وهو مؤلف يشير إليه المقري في نفح الطيب ويقتبس منه (٥)، وكتاب " معدن اللجين في مراثى الحسين (٦). ويوجد بمكتبة الإسكوريال كذلك مخطوط عنوانه " تحفة القادم " من تأليف ابن الأبار، يوصف بأنه " مقتضب من كتاب تحفة
стр. 2431
القادم " وهو حسبما يصفه ابن الأبار في الديباجة " اقتضاب من بارع الأشعار" وفيه يورد ابن الأبار تراجم بعض الشعراء الأندلسيين والغرباء، ومختارات من أشعارهم (١). وذكر لنا ابن الأبار في الحلة أن له مؤلفا آخر عنوانه " إيماض البرق في أدباء الشرق " (٢).
وبعد فهذه لمحة في التعريف بابن الأبار وتراثه، حسبما وسع هذا المقام المحدود. وقد خلدت لنا آثار ابن الأبار صوراً حية من محنة الأندلس، وعوامل انهيارها، لم يستطع كاتب آخر من معاصريه، أن يقدم إلينا شيئاً يدانيها. ومازالت هذه الآثار حتى يومنا، أهم وأوثق مصادرنا عن تلك الفترة المشجية من التاريخ الأندلسي (٣).
ومن الأدباء المؤرخين الذين نبغوا في تلك الفترة، علي بن موسى بن سعيد الأندلسي، المعروف بابن سعيد المغربى، وأصله من سادة قلعة يحصب من أعمال شمالي غرناطة، وهو أديب ورحالة وسليل أسرة من الأدباء والمؤرخين، تعاقب منها قبله خمسة في مدى قرن، على تصنيف مؤلف ضخم في فضائل مدن الأندلس والمغرب والمشرق، بضم كتابين كبيرين هما " كتاب المشرق في حلى المشرق "، وكتاب " المغرب في حلى المغرب " وأتمه علي بن موسى آخر من نبغ من هذه الأسرة. وقد ولد بغرناطة سنة ٦١٠ هـ، وتجول بقواعد الأندلس، والمغرب والمشرق، وتوفي بدمشق سنة ٦٧٣ هـ، ومؤلفه أثر أدبى كبير، تاريخى جغرافي، بارع الأسلوب. وله كتب أخرى منها " المرقص والمطرب " و " ملوك الشعر "، و " الطالع السعيد في تاريخ بني سعيد "، و " لذة الأحلام في تاريخ أمم الأعجام "، و " نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب "، وغيرها (٤).
ومن المؤرخين المغاربة في العصر الموحدي، أحمد بن يوسف بن أحمد ابن يوسف بن فُرتون السلمي، من أهل مدينة فاس، واستوطن سبتة، ويعرف
стр. 2432
بابن فرتون، عنى بالتاريخ والسير، وتراجم الرجال، إلى جانب عنايته بالحديث، وألف مجموعا في التراجم عنوانه " الذيل "، وتوفي بسبتة في شعبان سنة ٦٦٠ هـ (١).
ونبغ في أواخر العصر الموحدي، وتجاوزه بقليل عدة من المؤرخين، وأصحاب المعاجم والسير، التي كانت من أخصب مصادرنا في كتابة تاريخ العصر الموحدي وتراجم رجاله، وفي مقدمة هؤلاء أبو عبد الله محمد المراكشي المعروف بابن عذارى صاحب الموسوعة الجليلة في تاريخ المغرب والأندلس، " البيان المغرب "، وهي التي كانت من أهم وأوثق مصادرنا. وقد أشرنا إليها وإلى أهميتها في بداية هذا الكتاب، في الفصل الذي كتبناه عن " المصادر ". أما عن حياة ابن عذارى فلسنا نعرف الكثير، ولا نعرف إلا أنه عاش في النصف الثاني من القرن السابع وأوائل القرن الثامن، وكان حيا في سنة ٧١٢ هـ، حسبما يذكر لنا ذلك في مؤلفه، وربما توفي بعد ذلك بقليل (٢).
وابن القطان صاحب كتاب " نظم الجمان "، وقد كان حيا في عصر الخليفة المرتضى، وقد أشرنا إلى ذلك في فصل المصادر.
وأحمد بن ابراهيم بن الزبير بن الحسن بن الحسين بن الزبير، الشهير بابن الزبير، وهو أندلسي من أهل جيان ولد بها سنة ٦٢٧ هـ، وتوفي بغرناطة سنة ٧٠٨ هـ، وكان محدثا متقنا. وقد ترك لنا مجموعة نفيسة من التراجم عنوانها ْ" صلة الصلة " مذيلا بها على صلة ابن بشكوال، ومنها كثير من التراجم لرجال العصرين المرابطي والموحدي (٣). وأبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد الأنصاري الأوسي، المراكشي، وقد كان فقيهاً جليلاً، ومؤرخاً ثقة، تولى قضاء الجماعة حينا. ويصفه ابن الخطيب خلال ترجمته لولده " بقاضى القضاة، نسيج وحده الإمام العالم التاريخى المتبحر في الأدب " (٤)، وقد ترك لنا ابن عبد الملك موسوعة من أجل موسوعات التراجم لرجالات المغرب والأندلس، تشغل عدة مجلدات كبيرة، وتوجد منها نحو خمسة مجلدات، مبعثرة بالمتحف البريطاني، والمكتبة الوطنية
стр. 2433
بباريس، ودار الكتب المصرية، ومنها قطعة بالإسكوريال، وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل الخاص بالمصادر. أما عن حياة مؤلفها فلسنا نعرف الكثير، ولا نعرف إلا أنه عاش في النصف الثاني من القرن السابع الهجرى، وتوفي أواخر هذا القرن وربما في أوائل القرن الثامن (١).
وتسمى موسوعة ابن عبد الملك " بالذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة " أي لكتابي " ابن الفرضي وصلة ابن بشكوال " وقد كتبت تراجمها بلغة أدبية ونقدية قوية، وتخللتها نبذ تاريخية عديدة هامة، انتفعنا بالكثير منها.
стр. 2434
الفصل الرابع الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي
القسم الثالث
إزدهار العلوم في ظل الدولة الموحدية. أعلام الطب في العصر الموحدي. أبو جعفر الغافقي القرطبي. ابن غلندة الأموي. أبو مروان بن جريول. محمد بن عبد الملك بن زهير. أبو جعفر ابن حسان القضاعى. عبيد الله بن الوليد المذحجى. محمد بن علي القرشى الزهرى. علماء النبات. أبو علي ابن مفرج البكرى الأشبونى. جودى بن عدنان القيسى. ابن مفرج الأموي المعروف بابن الرومية. ابن البيطار المالقي. علماء الرياضيات. ابن سهل الضرير. أبو اسحق البطروجى المراكشي. عبد الله ابن محمد بن حجاج. محمد بن بكر الفهرى. الحسن بن علي المراكشي. أبو بكر الرقوطى المرسى. العالم الزراعى ابن العوام الإشبيلي. عباقرة الطب والفلسفة. أبو بكر بن طفيل القيسى. رسالة " حى ابن يقظان ". أبو الوليد ابن رشد. تصانيفه الفلسفية والطبية. اتهامه ونكبته أيام المنصور. الرئيس موسى بن ميمون القرطبي. الفنون في ظل العهد الموحدي. تحول الخلافة الموحدية إلى ملك دنيوى باذخ. الإتجاه إلى استكمال مظاهر الأبهة الملوكية. إنشاء مدينة جبل طارق. رعاية الدولة الموحدية للفنون المعمارية. المنشآت الموحدية بإشبيلية. القصور الموحدية والجامع الأعظم وصومعته. قصر السيد أبي يحيى بقرطبة. قصر السيد أبي اسحق بغرناطة. بعض أقطاب الهندسة والفن في هذا العصر. صدى هذه الحركة العمرانية والفنية في العاصمة الموحدية. ضاحية الصالحة. صومعة الكتبية. الموسيقى وإغفال شأنها. فن كتابة المصاحف. تفوق الفنون الموحدية في المنشآت الدفاعية.
بقى علينا أن نستعرض من الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدي، ناحية من أهم نواحيها، وهي ناحية العلوم والفنون. ففي هذا الميدان ميدان العلوم والفنون، تصل الحركة الفكرية الأندلسية إلى ذروة قوتها وازدهارها، وتسطع خلالها أسماء من أعظم شخصيات التفكير الأندلسي، بل من أعظم شخصيات التفكير الإسلامي، على الإطلاق، ويكفى أن يكون من بينها، عبقريات مثل ابن طفيل، وابن زهر، وابن رشد، وابن الرومية، وابن البيطار.
لم تكن الدولة الموحدية، بالرغم من صفتها الدينية الراسخة، من الناحية الفكرية، كالدولة المرابطية، دولة رجعية تطارد العلوم والفلسفة، بل كانت بالعكس حسبما بينا من قبل، دولة تفسح للتفكير مجالاته، لما كان يتصف به
стр. 2435
مؤسسها الروحى وخلفاؤه من الصفات العلمية البارزة، وإذا استثنينا بعض حوادث المطاردة الفكرية، مثل حادث اتهام ابن رشد وزملائه أيام المنصور، فإنا نستطيع أن نصف الدولة الموحدية، بأنها كانت دولة حامية للعلوم، كما كانت حامية للآداب، حامية للفنون في نفس الوقت، حماية تشهد بها منشآتها العمرانية العظيمة في المغرب والأندلس.
ولدينا في الواقع ثبت حافل، من أكابر العلماء الذين نبغوا في ذلك العصر في مختلف العلوم، في الطب والنبات والرياضة والفلك والهندسة وغيرها، وإذا كان هذا الثبت ليس مرتفعا من الناحية العددية، كما هو الشأن في ميدان العلوم الدينية والنظرية، فإنه يضم أقطابا من الطراز الأول، من أساتذة الطب والفلسفة والنبات في العصور الوسطى.
- ١ -
ولنبدأ بذكر أعلام الطب في هذا العصر، وقد كانت منهم ثمة جمهرة كبيرة، وأقطاب عظام.
كان من هؤلاء أبو جعفر أحمد بن محمد الغافقي القرطبي، برع في الطب والنبات، وتجول في أنحاء الأندلس وإفريقية، وجمع منها أصنافا عديدة من النباتات الطبية، وقام بتصنيفها من الناحية العلمية، وسجلها بأسمائها العربية واللاتينية والبربرية، وكان كتابه " الأدوية المفردة " من أهم المراجع الطبية في عصره. وتوفي سنة ٥٦١ هـ.
وعبيد الله بن غَلِندة الأموي، أصله من سرقسطة، وسكن إشبيلية. غادر أهله سرقسطة حين تغلب عليها النصارى في سنة ٥١٢ هـ، ونزلوا أولا بقرطبة، وبها درس عبيد الله، ثم رحل منها إلى إشبيلية واستقر بها، وبرع في الأدب والشعر. ولكنه برع في الطب في نفس الوقت، وذاع صيته كطبيب ماهر في العلاج. وفي أواخر حياته عبر البحر إلى المغرب، واستقر بمدينة مراكش، وبها توفي في سنة ٥٨١ هـ، وقد بلغ السابعة والتسعين من عمره (١).
ومنهم أبو مروان عبد الملك بن محمد بن جُرُّيول من أهل بلنسية، وسكن قرطبة ويعرف بابن كنبراط، كان من المبرزين في معرفة الطب، المتقدمين في صناعته، وعنه أخذ كثير من أقطاب العصر، وفي مقدمتهم العلامة
стр. 2436
أبو الوليد بن رشد، وغيره. ولم يذكر تاريخ لوفاته (١).
وعبد الله بن سيد أمير اللخمي من أهل شِلب، من ناحية الغرب، برع في الحديث والنحو وكانت له مشاركة في علم الطب عرف بها، وانتفع به (٢).
ومنهم، ومن أشهرهم وألمعهم، أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زهر ابن عبد الملك بن زهر الأيادى، سليل الأسرة الإشبيلية الشهيرة، ولد العلامة والطبيب العظيم أبي مروان عبد الملك، وحفيد أبيه وقرينه في النبوغ أبي العلاء ابن زهر. وقد سبق أن قمنا بالتعريف بالأب والجد في القسم الأول من هذا الكتاب (٣). ودرس أبو بكر علم الطب على أبيه وجده، وبرع في نفس الوقت في الحديث والأدب واللغة، ولكنه تفوق في صناعة الطب، وبلغ الغاية منها، وحظى لدى حكومة الموحدين، منذ أيام أبي يعقوب يوسف، وتولى في بلده إشبيلية بعض المناصب الإدارية الهامة، ثم عين فيما بعد طبيباً خاصاً للخليفة أبي يعقوب المنصور، وبلغ في ظل الخلافة الموحدية ذروة الجاه والنفوذ، وتوفي بمراكش في أواخر شهر ذي الحجة سنة ٥٩٥ هـ، وصلى عليه الخليفة (محمد الناصر) ودفن بروضة الأمراء، ومولده في سنة ٥٠٧ هـ (٤).
ومنهم أحمد بن داود بن يوسف الجذامى من أهل باغة من عمل غرناطة، كان أديباً نحوياً عالماً باللغة ومن العارفين بصناعة الطب. ومن مؤلفاته الأدبية شرحه لكتاب آداب الكتاب لابن قتيبة، وبدأ في وضع شرح لمقامات الحريرى ولم يتمه. وتوفي في سنة ٥٩٨ هـ (٥).
وأبو جعفر بن الحسن بن أحمد بن الحسين بن حسان القضاعى، أصله من أندة من عمل بلنسية، وولد بمرسية، ودرس الحديث، ورحل إلى المشرق مرافقاً لابن جبير في رحلته، وسمع معه في دمشق وبغداد وغيرهما، وعاد معه إلى المغرب وكانت أبرز خلة لدى أبي جعفر هي براعته في صناعة الطب، وتحققه من دقائقها، وقد وضع فيها تأليفاً مفيداً لم يذكر لنا عنوانه. وتوفي بمراكش سنة ٥٩٩ هـ (٦).
وعبيد الله بن محمد بن عبيد الله .. بن ابراهيم بن الوليد المذحجى، من أهل باغة، وسكن قرطبة ودرس بها الحديث والأدب والطب، وأخذ الطب بنوع
стр. 2437
خاص عن أبي مروان عبد الملك بن جُرُّيول البلنسى، وأبي نصر بن الحجام، ومحمد بن ظهير وغيرهم، وعنى بلقاء الشيوخ من المحدثين والأطباء، وكان فوق مهارته في الطب أديبا يجيد النظم والنثر. وذكر ابن الطيلسان أنه سليل أسرة من الأطباء تعاقب أبناؤها في المهنة منذ عهد عبد الرحمن الداخل. وتوفي ابن الوليد في ربيع الآخر سنة ٦١٢ هـ (١).
ومحمد بن علي بن أحمد بن عبد الرحمن القرشي الزهري من أهل إشبيلية، درس الحديث والرواية، ولكنه شغف بالطب، ومهر فيه، وكان يقصده الحكام والكبراء للعلاج، ولما مرض والي إشبيلية الموحدي، كان ممن شاركوا في علاجه، توفي سنة ٦٢٣ هـ، وقد جاوز التسعين من عمره (٢).
وأحمد بن عتيق بن علي بن خلف .. بن سعيد، من سلالة عبد الرحمن الداخل، أصله من سرقسطة. كان عالماً نابهاً متقناً للطب وعلوم الأوائل. ولى القضاء بشريش حيناً. ثم اتصل بأبي العلى المأمون أيام ولايته لإشبيلية فحظى لديه، ولما دعا المأمون لنفسه بالخلافة، وجهه إلى قبائل العدوة ليستميل شيوخها إلى بيعته، فنجح في مهمته. ثم صحب المأمون إلى العدوة، ولكنه لما شعر باضطراب الأحوال استأذن المأمون في العودة إلى الأندلس، ونزل بمالقة، فألفاها قد خلعت طاعة الموحدين وانضمت إلى ابن هود. واتجهت إليه الريبة عندئذ بأنه حضر إلى مالقة ليروج بها دعوة المأمون واعتقله الوالي، ولكن العامة ألحوا عليه في إخراجه وهددوه فأخرجه إليهم فقتلوه، وذلك في ربيع الآخر سنة ٦٢٧ هـ (٣).
ومحمد بن علي بن سليمان بن رفاعة من أهل شريش، عنى بالحديث والرواية والأدب، وكانت له مشاركة في الطب، وكان من أساتذته أبو بكر بن زهر، وتوفي سنة ٦٣٦ هـ (٤).
وعبد الله بن أحمد عبد الله .. بن حفص الأنصاري من أهل دانية، وسكن شاطبة، درس الحديث والعربية والأدب، ورحل إلى المشرق فسمع بالإسكندرية ودمشق والموصل، ومال إلى علم الطب وعنى به، ومهر فيه. وعاد من رحلته الأولى إلى المغرب ونزل بتونس حيناً، ثم رحل ثانية إلى المشرق، وتوفي بالقاهرة في سنة ٦٤٦ هـ (٥).
стр. 2438
هؤلاء هم طائفة من الأطباء الذين ظهروا في العصر الموحدي، ولم نذكر من بينهم أقطاب الطب العظام مثل ابن طفيل، وابن رشد، وابن ميمون، لأننا آثرنا أن نذكر هؤلاء بين الفلاسفة، وهي الصفة الغالبة عليهم بالرغم من مثولهم بين أعظم الأطباء في العصور الوسطى.
- ٢ -
ونبغ في هذا العصر عدة من علماء النبات، منهم اثنان من أعظم النباتيين في العصور الوسطى، وهما ابن الرومية الإشبيلي، وابن البيطار المالقي، ونحن نذكرهم فيما يلي: كان منهم أبو علي حسن بن أحمد بن عمر بن مفرج البكرى الأشبونى، لأن أصله من أشبونة عاصمة البرتغال الإسلامية، وسكن الجزيرة الخضراء، يعرف بالزرقالة، درس الحديث والأدب، ولكنه مهر في الطب والعلاج، وفي تمييز النبات والعشب، وفاق في ذلك أهل عصره، وكان يقرض الشعر في نفس الوقت وتوفي سنة ٦١٣ هـ (١).
وجودى بن عبد الرحمن بن جودى .. بن عدنان القيسى من أهل وادي آش، درس القرآن والعربية على جماعة من أقطاب عصره مثل أبي جعفر بن حكم، وأبي بكر بن أبي زمنين، وأبي القاسم بن سمجون وغيرهم، وكانت له معرفة بالنبات وتمييزه، مع اشتهاره بالأدب في نفس الوقت. وتوفي ببلده سنة ٦٣١ هـ (٢).
على أن أعظم النباتيين والعشابين في العصر الموحدي، بل أعظم النباتيين المسلمين في سائر العصور، هو أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج الأموي، المعروف بابن الرومية، وبالعشاب، والنباتى. ولد بإشبيلية في المحرم سنة ٥٦١ هـ، وأصلهم من قرطبة، ودرس الحديث على جماعة من أقطاب العصر مثل أبي بكر ابن الجد وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي الوليد بن عفير، وعبد المنعم بن الفرس، وأبي ذر الخشنى وغيرهم، وتجول في طلب العلم، وسماع الحديث، حتى صار فيه إماماً حافظاً، ناقداً، ذاكراً تاريخ المحدثين وأنسابهم وموالدهم، ووفياتهم، وتعديلهم وتجريحهم. ومال إلى علم النبات ودراسته، وتمييزه، وتصنيفه، وتجول من أجل ذلك في ربوع الأندلس، والمغرب وإفريقية، ثم رحل إلى المشرق، بعد سنة ٥٨٠ هـ، وتجول في مصر والشام والعراق والحجاز، فدرس الكثير من أصناف النباتات غير المعروفة، ووقف على كثير من غوامضها، قال
стр. 2439
ابن عبد الملك " حتى وقف من ذلك على ما يقف عليه غيره، ممن تقدم في الملة الإسلامية، فصار واحد عصره فرداً، لا يجاريه فيه أحد بإجماع ذلك الشأن " ووصفه ابن الخطيب بأنه " عجيبة نوع الإنسان في عصره، وما قبله، وما بعده في معرفة علم النبات، وتمييز العشب، وتحليلها، وإثبات أعيانها، على اختلاف أطوار منابتها بمشرق أو بمغرب، حساً، ومشاهدة وتحقيقاً، لا مدافع له في ذلك ولا منازع، حجة لا ترد ولا تدفع. قام على الصنعتين لوجود القدر المشترك بينهما وهما الحديث والنبات، إذ موادهما الرحلة والتقييد، وتصحيح الأصول وتحقيق المشكلات اللفظية، وحفظ الأديان والأبدان وغير ذلك ".
وكان ابن الرومية فقيهاً ظاهرى المذهب، من أنصار ابن حزم، وانتشرت على يديه تصانيف ابن حزم، بما أبداه من غيرة وعناية في إظهارها واستنساخها والإنفاق عليها، وكان إلى ذلك ورعا، زاهدا، وكان بعد أن عاد من رحلاته الدراسية بالمشرق قد استقر ببلده إشبيلية، وافتتح متجراً لبيع الأعشاب الطبية. قال ابن الأبار: " وهناك رأيته ولقيته غير مرة ".
ولإبن الرومية تصانيف عديدة في الحديث والنبات، منها في الحديث، رجالة المعلم بزوائد البخاري على مسلم، واختصار حديث مالك للدارقطنى، ونظم الدرارى فيما تفرد به مسلم عن البخاري، والحافل في تدليل الكامل وغيرها. ومن مصنفاته في النبات " شرح حشائش دياسقوريدس وأدوية جالينوس، والتنبيه على أوهام ترجمتها " و" التنبيه على أغلاط الغافقي "، و " الرحلة النباتية " و " المستدركة " وغيرها، وله كتاب في " الأدوية المفردة " على نمط كتب بني زهر في ذلك. ويعتبر ابن الرومية أعظم العشابين والنباتيين في العصور الوسطى، ولا يتقدمه أحد في هذا الشأن من القدماء سوى دياسقوريديس اليونانى، الذي عاش في القرن الأول للميلاد، والذى وضع ابن الرومية شرحه لحشائشه.
وتوفي ابن الرومية بإشبيلية في شهر ربيع الآخر سنة ٦٣٧ هـ، قبل سقوطها في أيدي القشتاليين بنحو تسعة أعوام (١).
وجاء بعد ابن الرومية تلميذه ابن البيطار المالقي، فكان أعظم علماء النبات بعد أستاذه، وهو ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد، ولد بمالقة في أواخر القرن السادس الهجرى، ودرس على أستاذه ابن الرومية وبرع مثله في النبات
стр. 2440
والوسائل العلاجية، ثم غادر الأندلس، وطاف بأنحاء المغرب باحثا عن الفصائل النباتية دارسا لخصائصها، ثم قصد إلى مصر أيام الملك الكامل فدخل طبيبا في خدمته، ثم خدم ابنه الملك الصالح من بعده، وعنى بدراسة النبات والأعشاب في مصر والشام وآسيا الصغرى، وبلاد اليونان. ووضع في ذلك كتابين، هما: " كتاب الجامع في الأدوية المفردة " تناول فيه الأدوية النباتية المعروفة في عصره، ورتبها على حروف المعجم، " وكتاب المغنى في الأدوية المفردة " وهو مرتب على أبواب معالجة الأعضاء. وله أيضاً كتاب " الأفعال الغريبة والخواص العجيبة ". وكان ممن تتلمذ على ابن البيطار ودرس عليه، العلامة الطبيب ابن أبي أصيبعة صاحب معجم طبقات الأطباء، وقد أشاد ببراعته وغزارة علمه، ودقة فهمه لكتب الأقدمين. وتوفي ابن البيطار بدمشق سنة ٦٤٦ هـ (١).
ونبغ في تلك الفترة كذلك عدة من علماء الرياضيات والفلك، نذكر منهم: عبد الله بن محمد بن سهل الضرير، من أهل غرناطة. درس القراءات والحديث، وبرع في العربية والآداب. ولكنه مال كذلك إلى العلوم الرياضية، وأخذها من بعض أصحاب أبي بكر بن الصائغ (ابن باجة). واستدعاه الأمير محمد بن سعد أمير الشرق لتأديب ولده فسكن مرسية وقتا. ولما تفاقمت الحوادث شغل عنه، فبقى مضاعا إلى أن توفي بها في أواخر سنة ٥٧١ هـ (٢).
وأبو اسحق نور الدين البطروجي المراكشي، تلميذ الفيلسوف ابن طفيل، وقد برع في العلوم الطبيعية والفلك، وحاول أن يصحح أخطاء الطريقة البطلمية في الأفلاك بوضع شرح جديد للدورة الفلكية، ويعرف البطروجى عند علماء الغرب باسمه اللاتينى Alpetragius، وقد توفي بإشبيلية في سنة ٦٠١ هـ.
وعبد الله بن محمد بن حجاج من أهل فاس، ويعرف بابن الياسمين، وهو من قبيلة أساسة البربرية النازلة في أحواز فاس، أخذ عن أبيه عبد الله بن قاسم علم الحساب والعدد وبرع فيه، وعبر إلى الأندلس فأتم بها دراسته. وله أرجوزة في علم الجبر، وخدم البلاط الموحدي بمراكش، وكانت له فيه حظوة. وتوفي قتيلا بمراكش سنة ٦٠١ هـ (٣).
ومحمد بن بكر بن محمد عبد الرحمن بن بكر الفهري من أهل بلنسية، كان
стр. 2441
إماما في الحديث، ودرس على أقطاب عصره مثل أبي عبد الله بن نوح، وأبي الخطاب ابن واجب، وأبي عمر بن عات، وامتاز ببراعته في علم الحساب، وتحققه من مسائله، وكان فضلا عن ذلك مشاركا في الطب، حافظا للتواريخ، وتوفي سنة ٦١٨ هـ (١).
وكان من أبرع علماء الفلك في أواخر العصر الموحدي، أبو علي الحسن بن علي ابن عمر المراكشي من أهل مراكش، اشتهر بكتابه المسمى " جامع المبادىء والغايات " وهو موسوعة جليلة في الفلك، وتشتمل كذلك على أوصاف الآلات الفلكية التي كانت معروفة في عصره، وبه جداول فلكية، وفهرس للنجوم عن سنة ٦٢٢ هـ، وشروح لخطوط الطول والعرض لكثير من الأماكن. وبالجملة فقد كان أبو علي آية عصره في علمه وفنه، وتوفي في أواخر العصر الموحدي في سنة ٦٦١ هـ (١٢٦٢ م).
ومن أواخر علماء شرق الأندلس أبو بكر محمد بن أحمد الرقوطى المرسى، وكان آية في المعرفة والبراعة، في المنطق والهندسة والرياضيات والطب والموسيقى، وكان فوق ذلك فيلسوفاً وطبيباً ماهراً، يتقن عدة لغات، وكان قد بقى في وطنه مرسية بعد تغلب النصارى عليها (٦٦٤ هـ - ١٢٦٦ م) ولم يقبل أن يغادرها فيمن غادرها من بني وطنه، وقدر المتغلب (خايمى الأول) قدره، وابتنى له مدرسة، يعلم فيها المسلمين والنصارى واليهود، وحاول عبثا أن يغريه باعتناق النصرانية، ثم غادر مرسية أخيراً، تلبية لدعوة ابن الأحمر سلطان غرناطة، فنزل بها، وأقبل عليه طلابها، وكان يدرس الطب، والرياضة والفلك وغيرها، ولم يذكر لنا تاريخ وفاة الرقوطى، ولكن المرجح أنه توفي أواخر القرن السابع (٢). ونستطيع أن نضيف إلى هذا الثبت من علماء الرياضة والفلك، اسم عالم من علماء الزراعة، هو أبو زكريا يحيى بن أحمد بن العوام الإشبيلي، وقد عاش في إشبيلية في أواخر القرن السادس الهجرى (أواخر القرن الثاني عشر الميلادى) واشتهر بكتابه " الفلاحة " وقد اعتمد فيه بالأخص على كتاب الفلاحة لابن بصال الطليطلى، ويقدم إلينا ابن العوام في مؤلفه الضخم عرضا مستفيضا للفنون الزراعية وكيفية العمل في الزراعة والغراسة، وتسميد الأرض وإصلاحها، واختيار البذور والغراس الصالحة، والمواسم الملائمة لزراعة كل صنف،
стр. 2442
وغير ذلك مما يؤدي إلى جودة الأرض ووفرة الإنتاج (١).
- ٣ -
ونعود الآن إلى ذكر عباقرة الطب خلال العصر الموحدي، وهم الذين غلبت عليهم صفة الفلسفة قبل كل شىء، بالرغم من نبوغهم في الطب، واعتبارهم من أعظم الأطباء في العصور الوسطى.
هؤلاء هم ثلاثة، أبو بكر بن طفيل، وأبو الوليد بن رشد، وموسى بن ميمون القرطبي.
فأما ابن طفيل، فهو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن طفيل القيسى، من أهل وادي آش. ولسنا نعرف تاريخ مولده بالتحقيق، وربما ولد في الأعوام الأولى من القرن السادس الهجرى. ودرس ابن طفيل الحديث والفقه واللغة، على أبي محمد الرُّشاطى، وعبد الحق بن عطية، وغيرهما من أقطاب العصر. ولكنه مال إلى الحكمة وعلوم الأوائل، ودرس الحكمة على أبي بكر ابن الصائغ (ابن باجة) وغيره، وبرع في الفلسفة والطب، وكان عالماً محققاً، شغوفاً بالحكمة المشرقية، متصوفاً، طبيباً ماهراً في أصول العلاج، وفقيهاً بارع الإعراب. وكاتباً بليغاً، ناظماً ناثراً، مشاركاً في عدة فنون. وبدأ ابن طفيل حياته العامة بخدمة المتغلب على بلده وادي آش، أحمد بن ملحان الطائى في سنة ٥٤٠ هـ. ولما سقطت حكومة ابن ملحان بعد ذلك بأعوام قلائل، انتقل ابن طفيل إلى خدمة الموحدين، وكتب لوالى غرناطة الموحدي. ولما ولى السيد أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن حكم إشبيلية، التف حوله جماعة من العلماء والمفكرين، كان منهم ابن طفيل. وكان الأمير يشغف بمجالس العلم، ويؤثر العلماء بصحبته. ولما تولى هذا الأمير الخلافة عقب وفاة أبيه في سنة ٥٥٨ هـ، عين ابن طفيل طبيبه الخاص وكان فضلا عن ذلك يندبه لبعض المهام الخلافية الدقيقة، ومن ذلك أن عهد إليه بالسعى لتأليف طوائف العرب، وترغيبهم في الجهاد، وفي سبيل ذلك وضع ابن طفيل، وكان إلى جانب علمه الغزير، شاعراً مجيداً، قصيدته الشهيرة، يهيب فيها بالعرب أن ينهضوا للمشاركة في الجهاد، ومطلعها:
أقيموا صدور الخيل نحو المضارب ... لغزو الأعادى واقتناء الرغائب
стр. 2443
ولما عبر الخليفة أبو يعقوب يوسف إلى الأندلس في أواخر سنة ٥٦٦ هـ، واستطالت إقامته في إشبيلية بضعة أعوام، التف حوله رهط من صفوة العلماء، كان في مقدمتهم ثلاثة من أعظم الأطباء والفلاسفة المسلمين، هم طبيبه الخاص ابن طفيل، وتلميذه القاضي الفيلسوف أبو الوليد بن رشد، والعلامة الطبيب أبو بكر ابن زهر. وقد سبق أن أشرنا إلى شغف الخليفة أبي يعقوب يوسف بالدراسات الفلسفية، وشغفه بملازمة ابن طفيل، والأخذ عليه، كما أشرنا إلى الدور الذي قام به ابن طفيل في الإيعاز إلى تلميذه ابن رشد بعمل تلخيص جديد لشروح أرسطو. وكان ابن طفيل يقوم بمهمة السفارة بين الخليفة وبين العلماء، ويدعوهم باسمه من مختلف الأقطار، وينبه على أقدارهم لديه، ويحثه على إكرامهم والتنويه بهم، وهو الذي نوه بفضل تلميذه ابن رشد وبراعته لدى الخليفة حتى علت مكانته لديه. ولما توفي الخليفة أبو يعقوب يوسف في ربيع الآخر سنة ٥٨٠ هـ، عقب نكبة جيشه في موقعة شنترين، استمر ابن طفيل في منصبه طبيبا خاصا لولده الخليفة الجديد أبي يوسف يعقوب المنصور، ولكنه لم يعش بعد ذلك طويلا إذ توفي بمراكش في أواخر سنة ٥٨١ هـ (١١٨٥ م)، وحضر الخليفة جنازته (١). وأشهر مؤلفات ابن طفيل رسالة " حى بن يقظان " أو " أسرار الحكمة المشرقية " و " الأرجوزة الطبية المجهولة " و " رسالة في النفس " وغيرها من مؤلفات ورسائل لم تصل إلينا. وقد انتهت إلينا لحسن الحظ رسالة " حى بن يقظان " وهي تلخيص فلسفى رائع لأسرار الطبيعة والخليقة، عرضت خلال حياة وأعمال طفل، خلق من " بطن الأرض " في جزيرة مجهولة من جزائر الهند جنوبي خط الإستواء، وهذا الطفل هو " حى ". وقد استطاع بالملاحظة والتأمل التدريجى لظروف الحياة، ومظاهرها الطبيعية، أن يصل إلى أسرار الطبيعة، وأسرار الحكمة العليا، وأن يتقرب في تأمله وصومه من الله. وبالرغم من صغر حجم هذه الرسالة الفلسفية، وهو لا يزيد عن خمسين صفحة، فقد لفتت بروعتها أنظار النقد الحديث، وترجمت إلى اللاتينية منذ القرن السابع عشر، كما ترجمت بعد ذلك إلى لغات أخرى (٢). وأما ابن رشد، فهو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد
стр. 2444
ابن رشد، وهو سليل بيت من بيوتات العلم والنباهة العريقة بقرطبة، وبها ولد سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م)، ودرس بها دراسة حسنة، وأخذ الحديث عن أبيه أبي القاسم، وابن بشكوال، وأبي مروان بن مسرة، وغيرهم. درس الطب أولا على أبي مروان بن جرُّيول البلنسى، ثم بعد ذلك على أستاذه الأثير عبد الملك بن زهر، ودرس الفقه والأصول والكلام على أقطاب عصره. وبرع ابن رشد بالأخص في الحكمة والطب. ولما بلغ الثلاثين من عمره غادر موطنه قرطبة إلى إشبيلية، وكانت دولة المرابطين قد انهارت يومئذ، وخلفتها دولة الموحدين، وكان والي إشبيلية الموحدي يومئذ، هو حسبما قدمنا الأمير العالم، السيد أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، فاتصل به ابن رشد، وحظى برعايته، وكان من آثار هذه الرعاية أن وُلى ابن رشد قضاء مدينة إشبيلية، ثم ولى بعد ذلك قضاء قرطبة بعض الوقت. وكان من أنفس ما حظى ابن رشد خلال إقامته بإشبيلية، دراسته المستفيضة على أستاذه العلامة الطبيب العبقري عبد الملك ابن زهر، وهو الذي وصفه ابن رشد فيما بعد بأنه أعظم طبيب بعد جالينوس.
ولما تولى أبو يعقوب يوسف الخلافة، وقدم إلى إشبيلية وأقام بها، زادت مكانة ابن رشد وتوطدت في البلاط الموحدي، ولاسيما عن طريق أستاذه ابن طفيل طبيب الخليفة الخاص، وصديقه وناصحه الأثير لديه، وكان من آثار هذه الرعاية، أن عين الخليفة ابن رشد، طبيباً خاصاً له إلى جانب ابن طفيل. وكان ابن رشد ينتقل معظم الوقت مع بلاط الخليفة سواء بالمغرب أو الأندلس، ولما توفي الخليفة أبو يعقوب يوسف في سنة ٥٨٠ هـ، وخلفه ولده الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور، بقى ابن رشد في منصب الطبيب الخاص. ولما توفي ابن طفيل، انفرد ابن رشد بمنصب الطبيب الخاص. وكان الخليفة المنصور صنو أبيه في الشغف بالعلوم والفنون، ومن ثم لقى ابن رشد لديه نفس التقدير والرعاية، ولبث على مكانته المرموقة في هذا الجو العلمي الرفيع.
وكان ابن رشد خلال ذلك قد بلغ ذروة مجده العلمي، وكتب كثيراً من مصنفاته الفلسفية والطبية. وأهم مؤلفات ابن رشد الفلسفية، هي شروح فلسفة أرسطو، ويقال إن الذي أوعز إليه بكتابتها أستاذه ابن طفيل (١)، وهي تشغل عدة مؤلفات ورسائل، هي جوامع كتب أرسطوطاليس في الطبيعيات والإلهيات،
стр. 2445
وتلخيص كتاب ما بعد الطبيعة، وتلخيص كتاب الأخلاق، وتلخيص كتاب البرهان، وتلخيص كتاب السماع الطبيعي، وشرح كتاب النفس وغيرها. وتشمل مؤلفات ابن رشد الطبية كذلك عدة مصنفات، منها شرح أرجوزة الطب للشيخ الرئيس ابن سينا، وتلخيص عدة كتب لجالينوس، منها كتاب المزاج، وكتاب القوي الطبيعية، وكتاب العلل والأعراض، وكتاب الحميات، وكتاب الأدوية المفردة، وغيرها. بيد أن أشهر مصنفات ابن رشد الطبية هي كتابه " الكليات " وفيه يتناول أبواب الطب الكلية أو الرئيسية، وذلك مقابل التفاصيل الجزئية التي يتناولها أستاذه عبد الملك بن زهر في كتابه " التيسير " (١). وله كتاب في الحيوان. ولإبن رشد كذلك، في الفقه والأصول عدة مصنفات، منها كتاب " تهافت التهافت " وفيه يرد على كتاب " التهافت " للغزالى، وكتاب " منهاج الأدلة في علم الأصول "، ورسالة في " فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال "، وكتاب " المقدمات "، وكتاب " بداية المجتهد في الفقه "، وغيرها. وله فضلا عن ذلك عدة رسائل أخرى في الفلسفة والطب والأصول والمنطق لا يتسع المقام لذكرها. وقد عرف التفكير الغربي ابن رشد في عصر مبكر، وعرفه بالأخص فيلسوفا وطبيبا من أعظم الفلاسفة والأطباء المسلمين، بل من أعظم الفلاسفة والأطباء في كل قطر، وكل عصر، واشتهر ابن رشد في الغرب بالأخص بشروحه لفلسفة أرسطو، وهي شروح ترجمت إلى اللاتينية، وذاعت في دوائر التفكير الغربي منذ القرن الثالث عشر الميلادى.
ولبث ابن رشد على حظوته في البلاط الموحدي أعواما طويلة، ولكن الفقهاء والطلبة الموحدين، الذين ضاقوا ذرعا بتفكيره الدينى والفقهى المستنير، وبحوثه الفلسفية الرفيعة، عملوا على مناوئته، والوشاية به لدى الخليفة المنصور، واتهامه بالانحراف والمروق، وانتهى المنصور، بالرغم مما كان يكنه لابن رشد من التوقير والتقدير، أن ينزل عند تحريضهم، وأن يصدر قراره الشهير بمحاكمة الفيلسوف وبعض زملائه وتلاميذه، وأن يقضى بنفيه إلى بلدة اليسّانة على مقربة من غرناطة (سنة ٥٩١ هـ)، وصدر إلى جانب ذلك بيان للمنصور بقلم كاتبه أبي عبد الله بن عياش، بالحملة على ابن رشد وزملائه، واتهامهم بالمروق والزيغ.
стр. 2446
وقضى ابن رشد في منفاه في اليسّانة نحو ثلاثة أعوام، ثم عفا عنه المنصور، ورده إلى سابق منصبه وحظوته (٥٩٤ هـ). وعاد ابن رشد إلى مراكش، ولكنه لم يمكث بها سوى فترة يسيرة، وتوفي في التاسع من شهر صفر سنة ٥٩٥ هـ (١٠ ديسمبر سنة ١١٩٨ م) وهو في الخامسة والسبعين من عمره. وقد سبق أن أفضنا القول في اتهام ابن رشد ونكبته، وأوردنا نص المرسوم الموحدي الصادر بشأن اتهامه (١).
وكان من أعلام المفكرين والفلاسفة الأندلسيين في أوائل العهد الموحدي، العلامة اليهودي، موسى بن ميمون، واسمه العربي، أبو عمران موسى بن ميمون ابن عبد الله القرطبي الأندلسي الإسرائيلى، واسمه اليهودى موسى بن ميمون، وقد ولد بقرطبة سنة ٥٣٠ هـ (١١٣٥ م) ودرس بها علوم الأوائل والرياضيات والفلسفة على أقطاب عصره، وبرع في الطب والفلسفة والدراسات التلمودية. ولما غلب الموحدون على الأندلس، وأصدر الخليفة عبد المؤمن في أواخر عهده قراره الشهير بنفى النصارى واليهود من المغرب والأندلس، إلا من اعتنق الإسلام منهم، ومن بقى ولم يعتنق الإسلام، حل ماله ودمه، تظاهر كثير من النصارى واليهود الذين آثروا البقاء باعتناق الإسلام، وكان من هؤلاء موسى بن ميمون وأسرته. وعبر ابن ميمون البحر إلى المغرب في سنة ٥٥٧ هـ، وأنفق بضعة أعوام في فاس حاضرته العلمية، وهو يزاول مهنة الطب التي اشتهر بها، ويستتر في نفس الوقت بمزاولة شعائر الإسلام، ولكنه كان يرقب الفرصة لمغادرة المغرب إلى بلاد أوسع آفاقا ورزقا. فلما سنحت هذه الفرصة، سار مع أهله إلى مصر، ونزل بالقاهرة (سنة ٥٦١ هـ)، وأقام بالفسطاط بين أبناء دينه اليهود، مظهراً دينه الحقيقي، وأخذ يرتزق بتجارة الجوهر، وتزوج أختا لرجل يهودى من كتاب السلطان يدعى أبا المعالى، واتصل بواسطته بالبلاط، وأسبغ عليه القاضي الفاضل رعايته لما كان يتصف به من علم غزير وبراعة في الطب. وعين ابن ميمون طبيباً خاصاً للسلطان صلاح الدين، وغدا عميد الجالية اليهودية بالقاهرة. وكان يلقب بالرئيس لمكانته العلمية البارزة. ولما توفي صلاح الدين،
стр. 2447
خدم طبيبا لولده الملك الأفضل، وأخذ عليه بالقاهرة كثير من علمائها وأطبائها، ومنهم العلامة الطبيب عبد اللطيف البغدادى، وكان يقيم وقتئذ بالقاهرة، وتوفي ابن ميمون في سنة ٦٠٢ هـ (١٢٠٤ م). ويعتبر ابن ميمون من أعظم المفكرين اليهود في العصور الوسطى، ومن أعظم شراح الشريعة اليهودية، وقد ترك تراثاً حافلاً من المؤلفات الدينية والفلسفية والطبية، من ذلك شرح للتلمود، وعدة شروح لكتب جالينوس، " ودلالات الحائرين " في شرح فلسفة أرسطو، وهو أعظم كتبه الفلسفية، وتهذيب كتاب الإستكمال لابن هود في الرياضيات، ومقالة في صناعة المنطق، وكثير غيرها في أبواب الشريعة اليهودية. وكان لكتابات ابن ميمون الدينية والفلسفية تأثير عظيم في التفكير الأوربى في العصور الوسطى.
- ٤ -
هذا، ونختتم هذا الحديث الطويل عن الحركة الفكرية الأندلسية وأعلامها، بكلمة موجزة عن سير الفنون خلال العصر الموحدي.
لقد امتاز العصر الموحدي بالأندلس والمغرب، بظهور حركة فنية مستقلة، تتمثل بالأخص في الصروح والمنشآت العظيمة، التي أقيمت خلال هذا العصر، سواء بالمغرب أو الأندلس، وتميزت بخصائصها المعمارية والفنية الخاصة، والتي بقيت منها حتى اليوم آثار عديدة، تشهد بتقدم العلوم الهندسية والفنون المعمارية في هذا العصر. وقد نشأت الدولة الموحدية في البداية على أسس دينية محضة، تباعد بينها وبين المظاهر الدنيوية البراقة. بيد أنه لما تحولت الخلافة الموحدية، على يد عبد المؤمن إلى ملك دنيوى باذخ، كان من الطبيعي أن تتجه الدولة الموحدية إلى استكمال مظاهر الفخامة والأبهة الملوكية. وبدأ ذلك الاتجاه منذ أواخر عهد عبد المؤمن بإقامة مدينة جبل طارق الملوكية، لتكون منزلا للخليفة أو السادة، عند عبورهم في جيوشهم إلى الأندلس، وكان هذا العمل الإنشائى العظيم مسرحا لظهور عبقرية بعض أعلام المهندسين الأندلسيين، الذين اقترن اسمهم فيما بعد بأعمال إنشائية جليلة أخرى، مثل الحاج يعيش المالقي. وظهرت رعاية الدولة الموحدية للفنون المعمارية بالأخص بمدينة إشبيلية، عاصمة الأندلس خلال العصر الموحدي، وهي التي كانت مسرحا لأعظم وأجمل المنشآت العمرانية الموحدية بالأندلس. وقد سبق أن تحدثنا عن إنشاء القصور الموحدية الفخمة خارج إشبيلية أمام باب جهور أيام الخليفة أبي يعقوب يوسف، وعن بساتينها اليانعة، كما
стр. 2448
تحدثنا عن إنشاء جامع إشبيلية الأعظم على يد الخليفة أبي يعقوب يوسف ثم ولده الخليفة أبي يوسف يعقوب المنصور، وعناية المنصور بإقامة صومعته العظيمة، (وهي التي يسميها الإسبان اليوم لاخيرالدا). وأقام الموحدون كذلك عدداً من المنشآت العمرانية بقرطبة عاصمة الخلافة القديمة، من قصور وغيرها. وكان قصر السيد أبي يحيى بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن خارج قرطبة على النهر الأعظم تحمله أقواس. وأنشأ ولده السيد أبو إبراهيم اسحق أيام أن كان واليا لغرناطة، قصره الفخم على مقربة من ضفة شَنيل، ومازالت تقوم حتى اليوم بعض أطلاله وعقوده (١). وقد كانت الخلافة الموحدية تبتعد في البداية عن مظاهر الترف والزخرف في منشآتها العمرانية، وتكتفى بمراعاة المتانة والجلال، ولكنها لما بلغت ذروة عظمتها الدنيوية أيام المنصور، أخذت تغدق على منشآتها أعظم مظاهر الفخامة والزخرف، فنرى المنصور يزود جامع إشبيلية بمنبره الفخم المرصع بالصندل المجزع والعاج وبصفائح الذهب والفضة، وبمقصورته المزينة بالفضة، ونراه يزود صومعة هذا الجامع بتفافيحها الذهبية الشهيرة (٢). وفي خلال هذه الحركة العمرانية والفنية العظيمة، نرى عدداً من أقطاب الهندسة والفن مثل الحاج يعيش المالقي المتقدم الذكر، والعريف أحمد بن باسُه، والمعلم أبو الليث الصقلي، وغيرهم ممن اقترنت أسماؤهم بهذه المنشآت العظيمة، يتزعمون بالأندلس خلال العصر الموحدي حركة فنية زاهرة، ونرى أصداء هذه الحركة العمرانية والفنية الزاهرة، تتردد في نفس الوقت في المغرب، وفي عاصمة الخلافة الموحدية مدينة مراكش العظيمة، في إنشاء الخليفة المنصور في بداية عهده لضاحية الصالحة الملوكية، وقصورها الفخمة، جنوبي مراكش، وفي إنشاء أو إتمام صومعة جامع الكتبية، على نمط صومعة جامع إشبيلية العظيمة، وإنشاء صومعة حسان بمدينة رباط الفتح، وهي صومعة لم تكمل، وماتزال هذه الصوامع العظيمة، وهي من أبرز آثار العصر الموحدي الفنية، قائمة إلى يومنا، ومنها صومعة جامع إشبيلية التي تحول فقط جزؤها الأعلى، إلى برج للأجراس لكنيسة إشبيلية العظمى، التي أنشئت فوق موقع الجامع، بيد أنها لم تفقد بالرغم من ذلك سمتها الإسلامية، ومازالت زخارفها العربية، في مشارفها ونوافذها السفلى، تشهد بروعة الفنون الزخرفية خلال العصر الموحدي.
стр. 2449
ولم نجد في أخبار العصر الموحدي ما يدلنا على تطور الموسيقى الأندلسية، ومن المعروف أن الموحدين مهما بلغ تسامحهم وتشجيعهم، نحو فنون العمارة والزخارف المعمارية، فإنهم لم يكونوا بطبيعة نظامهم، وتزمتهم الدينى، حماة للفنون الجميلة المحضة من الموسيقى غيرها، ومن ثم فإننا لم نعثر على أحد من نبغ في الموسيقى في تلك الحقبة، اللهم إلا محمد بن أحمد الرَّقوطى المرسى، الذي جمع إلى براعته في الهندسة والمنطق، والفلسفة والطب، براعته في الموسيقى، وكان ظهوره في الشرق عقب انهيار سلطان الموحدين، وانهيار شرقي الأندلس، وسقوط قواعده في أيدي النصارى (١).
بيد أنه كان ثمة فن من الفنون الجميلة ازدهر خلال العصر الموحدي، هو فن كتابة المصاحف وتنميقها وزخرفتها، ونستطيع أن نذكر عدة ممن نبغوا في هذا الفن، فمنهم محمد بن عبد الله بن سهيل الأنصاري البلنسى المعروف بابن غطوس، والمتوفى في سنة ٦١٠ هـ، فقد وهب ابن غطوس حياته لكتابة كتاب الله، وبرع في تنميق المصاحف وزخرفتها براعة عظيمة، جعلت الملوك والأمراء يتنافسون في اقتنائها (٢). ومنهم محمد بن محمد بن يحيى بن حسين من أهل جزيرة شقر، المتوفى نحو سنة ٦٣٠ هـ، وكان أبرع أهل وقته في كتابة المصاحف (٣)، ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز المعروف بابن حمنال، من أهل مرسية والمتوفى سنة ٦٣٣ هـ (٤)، ومنهم موسى بن عيسى اللخمى القرطبي المعروف بابن الفخار، وقد توفي في سنة ٦٢١ هـ (٥)، وغير هؤلاء.
هذا وقد سبق أن أشرنا إلى تفوق الهندسة والفنون الموحدية، في إقامة المنشآت الدفاعية، من حصون وأسوار وأبراج، مازالت تشهد بروعتها حتى اليوم أطلال قصبة بطليوس، وقلعة جابر، وأسوار إشبيلية ولبلة الموحدية (٦).
стр. 2450
وثائق موحّديّة
стр. 2451
١
رسالة الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن
إلى أخيه السيد أبي سعيد عثمان وأصحابه الطلبة بقرطبة، يوصى فيها بأن تجرى الأحكام وفقاً للعدل وتحرى الدقة، وألا يقضى في أمر الدماء إلا بعد رفعه إلى الخليفة، من إنشاء الوزير الكاتب أبي الحسن بن عياش، ومؤرخة في شهر رمضان سنة ٥٦١ هـ:
(منقولة عن كتاب " المن بالإمامة " لابن صاحب الصلاة مخطوط أكسفورد لوحات ٧٩ ب - ٨٢ ب. ونشرها العلامة جولدسيهر في بحثه:
Materialien zur Kenntniss der Almohaden Bewegung p. ١٣٤-١٣٨)
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله وسلم والحمد لله وحده
من الأمير يوسف بن أمير المؤمنين أيدهم الله بنصره، وأمدهم بمعونته، إلى الشيخ الأجل أخينا الأعز علينا، الأكرم لدينا، أبي سعيد وأصحابه، الطلبة الذين بقرطبة أعزهم الله، ودام كرامتهم بتقواه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد فإنا نحمد اليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونشكره على آلاته ونعمه، ونصلى على محمد نبيه المصطفى ورسوله، ونرضى عن الإمام المعصوم المهدي المعلوم نجله وسليله، ونوالى الدعاء لسيدنا أمير المؤمنين القائم بأمره والداعى إلى سبيله. وإنا كتبناه إليكم أكرمكم الله بتقواه، وكلأ جانبكم وحماه، من حضرة مراكش حرسها الله. والذى نوصيكم به تقوى الله تعالى، والعمل بطاعته والاستعانة به والتوكل عليه، وموالاة شكره على ما هدى أولياء أمره، وأنصار دعوته، وحماة كلمته، من صرف أعنة المحبة والاهتمام، وإحكام منابر الأحكام، فيما وكله إليهم من أمور الإسلام، إلى أن تجرى على السداد، وتنسق على سبيل الإرشاد، وتستقيم على المهيع، وتمضى على المنهج، وتسير في الواضح، وتهتدى على اللاحب، ويسلك بها في الجدد، الذي من سلكه أحمدت منه الآثار وأمن عليه العثار، وارتضى له الإيراد والإصدار، فيكون العمل فيها على اليقين، الهادى إلى الصراط المستبين، المأمون في سلوكه من المزلة والضلال، المرجو في الاهتداء به حسن العاقبة وصلاح الحال، فنسئله تعالى جده عونا من قبله على هذا الغرض العام الجدوى يصاحب، وتوفيقاً من لدنه في هذا النظر الشامل المنفعة يجاور ويصاقب، وأنه أدام الله
стр. 2452
كرامتكم، لما كان مبانى هذا الأمر العزيز أدامه الله على التقوى مؤسسة، وأوامره ونواهيه على أمر الله ورسوله جرية مترقبة، وإليها في الأخذ والتركة مستندة، وبمقتضياتها في جميع الأحكام آخذة عاملة، إذ هي نور الحق وسراجه، وعمود الصدق ومعراجه، وسبيل الفوز ومنهاجه، ورائد الثواب وبشيره، وقائد العقاب ونكيره، فمن ائتم بكتاب الله، الذي هو الإمام المنادى والحق الواضح البدى، وبسنة رسوله ﷺ ، التي جعل العمل بها كالعمل بكتابه، والوقوف عند حدها كالوقوف عند حده، أمن من الغوائل، في العاجل والآجل، وبلغ من السلامة في الحالين إلى أقصى أمد الآمل، ولم يوجد للباطل إليه سبيلا، ولم يتمكن للشيطان أن يجد في تضليله واستهواءه صرفاً ولا حويلا، فتوفرت الدواعى على الدعاء إليها، وحمل الكافة عليها، وأخذ الجميع مما يفقههم لديها، وقد أمر الله تعالى، من أمر الناس بطاعته، أن يحكموا بالعدل، ويضعوا للعبد موازين القسط، فلم يكن لهم بد من امتثال أمره، والاستناد إلى حكمه، وكانت الوجوه التي تفضى إلى الحق، في فصل قضايا العباد متنقبة، والطرق المؤدية إلى مغنى الصدق ومعناه ملتبسة ومتشعبة، فخرج فيها بُنَيات تخطىء الصراط المستقيم، وتضل الضلال البعيد، فصار امضاءها من غير استناد إلى هذا الهدى المتبوع، والعلم المرفوع، خطراً على ممضيها، وإنفاذها على غير هذا السنن غررا على منفذيها، ولما كان الأمر كذلك، تعين ووجب وثبت وترقب، أن نخاطب جميع عمال بلاد الموحدين أعزهم الله، شرقاً وغربا وبعداً وقربا، خطابا يتساوى فيه جميعهم، ويتوازى في العمل فيه كافتهم، بألاّ يحكموا في الدماء حكماً من تلقائهم، ولا يريقوها بباد أو رأى من آرائهم، ولا يقدموا على سفكها بما يظهر إليهم، ويتقرر فيما يروقه لديهم، إلا بعد أن تُرفع إلينا النازلة على وجهها، وتؤدى على كنهها، وتشرح حسب ما وقعت عليه، وتنتهى بالتوثق والبيان إلى ما انتهت إليه، وتقيد بالشهود العدول، المعروفين في مواضعهم بالعدل والرضا، الموجبين للقبول، وتكتب أقوال المظلومين وحججهم، وإقرارهم واعترافهم، وحجج الظالمين في مقالاتهم واستظهارهم في بيناتهم، مُعطًى كل جانب حقه، موفى كل قائد قوله، فتكون مخاطبتكم أعزكم الله، ومخاطبة من يتناول هذا الكتاب وتوجه إليه هذا القصد، خطاب من تَحَمَّل الشهادة ويؤدى فيها الأمانة، على ما يجب من البيان الذي لا يعتوره التباس ولا يطمس وجهه إشكال، ويتوثقون في المطلوبين بالدماء بسجنهم
стр. 2453
وتثقيفهم، ويتوكفون ما تصلكم به المخاطبة، فتقفون عند مقتضاه، ولا يعدلون عن شىء من معناه، مراقبا كل منكم إلاهه ومولاه، علما بأنه يعلم سره ونجواه، وأنه يسمعه ويراه، واعلموا وفقكم الله وأسعدكم، أن هذا الحكم عام في جميع النوازل، التي أطلقت السُّنَة فيها القتل وسنته، وحكمت به وشرعته، كمن قتل نفساً وأقر بالقتل، أو شهد العدول عليه به، ومن بدَّل دينا وارتد عنه، ومن أتى الفاحشة بعد الإحصان، باعتراف أو دليل أو شهادة مقبولة، وما خيّر الأئمة فيه من قتل المحاربين والساعين في الأرض بالفساد، والمتأملين أمر الله بالاستهزاء والعناد، سواء سُنّ ذلك كله أو وقع فيه ضرب يشاكله مجراه، واحد في التوقف عن امضاءه، والتأخر عن تنفيذه، إلا بعد المطالعة، وتعرف وجه العمل من المجاوبة. وكذلك وفقكم الله يكون التوقف فيما عدا المذكور من النوازل، التي يكون [فيها] أحكام دون النفوس من قتل الخطأ وديات الشّجاج، وعقول الأعضاء، وأورش الجراحات، ووجه القصاص، والقطع في السرقات، إلى غير ذلك من القضايا المشكلة في الأموال وإطلاقها واستحقاقها، وفي الرقاب وإعتاقها واسترقاقها، وملتبسات المناكحات والمعاملات، وما أشبهها من الأمور التي الإقدام على الحكم فيها تهجم، والعمل فيها بغير استناد إلى ما يجب تسور، فتوقفوا أعزكم الله عن جميع ما فُسّر لكم، ولو أخفه توقف الساعى في نجاته، العامل لدنياه وآخرته، وقد ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله من الحظر الوكيد، والوعيد الشديد، في إراقة الدماء، واستباحة الأموال، واستحلال الحرمات إلا بوجه صحيح، لا يسلم إلا من طريق العصمة، ولا تهتدى إليه إلا أنوار الحكمة، ما يزع العقلاء، ويكف الألباء، ويحذرهم من سطو الله وعقابه، ويخوفهم من ألم عذابه، فعولوا على ما رسم في هذا الكتاب، من التعريف بما يبطن، وانهاء كل ما ينزل، ليتصلكم من التوقيف، والبيان والتعريف، لما يظهر لكم به بركة الاقتداء، وتستبرق منه عليكم أنوار الائتمام والاهتداء، ويتراءى لكم به الحق في صوره الصادقة، ومثله المطابقة، ومناظره الموافقة، ومطالعه المشرقة، بفضل الله ورحمته، وملاك ما يسدد مقاصدكم في جميع أحوالكم، ويوجب لكم الرضا في كافة أقوالكم وأفعالكم، تقوى الله في السر والجهر، وخيفته في الباطن والظاهر، وقدع النفس عن هواها، وكبحها بلجام النهى عن الركض، في ميدان رداها، وطاعة أمره العظيم والجرى على سننه المستقيم، فذلك عصمة من الزلل،
стр. 2454
وتوفيق في القول والعمل بفضل الله، وقد وجب أكرمكم الله لهذا الكتاب، بما انطوى عليه من الأغراض الشاملة المنفعة، العامة المصلحة، أن يعطى حقه من الإشاعة والتشهير، وينهض مقتضاه إلى الصغير والكبير، ويجمع الناس لقراءته وتلقى مضمنه، ويساوى فيه بين الغائب والشاهد، والبادى والحاضر، بإسماع من حضر ومخاطبة من غاب، ممن يتعلق بنظركم ويدخل تحت عملكم، فتوجهون بنسخ منه إلى كل جهة من جهاتكم، وعمل من أعمالكم، ليأخذ الجميع بقسطه من المسرة، وتعرف بركته واستشعار عائدته، وأنسه بما أمر به هذا الأمر العزيز، من إفاضة العدل، وبسط الدعة والأمن، وإقامة أمر الله تعالى على وجهه المتعين، وسننه الواضح المبين، إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، كتب في الثالث من شهر رمضان المعظم سنة إحدى وستين وخمسمائة.
٢
بيعة أهل إشبيلية للخليفة أبي يعقوب يوسف
استكتبها ولده والي إشبيلية السيد أبو إبراهيم إسماعيل، ووجهها إلى الحضرة مع بعض أشياخ إشبيلية، وهي من إنشاء الفقيه أحمد بن محمد، ومؤرخه في جمادى الآخرة سنة ٥٦٣ هـ
(منقولة عن كتاب " المن بالإمامة "، مخطوط اكسفورد لوحة ١٠١ أوب. ونشرها العلامة جولدسيهر في بحثه الذي سبق ذكره ص ١٣٩ - ١٤٠).
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله وسلم
الحمد لله الذي جعل الإمامة قواما للحق، ونظاما للخلق، وتماما على الذي أحسن رعاية العدل والرفق، وأوجب الاعتصام بطاعتها، والانتظام بجماعها، والصلاة على محمد نبيه المبتعث بنور الحق، الساطع الأضواء، المبلغ عن الله سبحانه بأكمل وجوه التبليغ والإنهاء، وعلى آله وأصحابه الذين والوه بالنصر والإيواء، والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، المخصوص بأثرة الاصطفاء والاجتباء، والدعاء لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين الخليفة المرتضى، متمم أنوار الهدى، ومجلى غياهب الظلماء، والإمام الأعدل الأهدى، سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أبي يعقوب بن أمير المؤمنين بدوام النصر والاستيلاء، واستصحاب الظهور والاعتلاء. أما بعد فإنه لما اجتمعت طائفة التوحيد، وهم الذين يحضرهم من الله حاضرة التوفيق، وينظر إليهم نظر الاقتداء والاهتداء من وراءهم من أهل الحق والتحقيق، على تجديد البيعة المباركة لسيدنا ومولانا
стр. 2455
أمير المؤمنين أبي يعقوب بن أمير المؤمنين خلد الله أمرهم، وأعز نصرهم بالإسم المبارك الكريم، الذي أول من دعى به الفاروق رضوان الله تعالى عليه، فعرف الله من يمنه ما فتح لملة الإسلام شرقاً وغربا، وأحال الدلو بيد ساقيهم فاستحالت غربا، حتى ضرب الدين بجرانه، وألقى الناس بعطن من يمنه وأمانه، جددنا من بيعته على الإسمية المباركة، فرضا أوجبه الشرع وجوب الإلزام، واقتضى الوفاء بشروطه المؤكدة على الكمال والتمام، فبايعنا على السمع والطاعة بيعة أمان وإيمان وعدل وعبادة، والتزمنا بها، في اليسر والعسر، والمنبسط والمكروه، واعتقدناها عصمة ديننا، وذخر معادنا، وتمسكنا بها بالعروة الوثقى، والعصمة التي من يعلق بحبلها، وأوى إلى ظلها، فقد اعتصم بالجانب الأمنع الأوفى، علما أنها البيعة الرضوانية، والدعوة التي تتكفل بنصرها وإعلاء أمرها، العناية الربانية، علينا بذلك عهد الله الأوكد الألزم، وميثاقه الأغلظ الأعظم، وذمته التي لا يقطع حبلها على مرور الزمان ولا يصرم، مستبصرين في هذه البيعة الكريمة بنور الاهتداء، سالكين في التزام الطاعة على الحجة البيضاء، عارفين بما أمر الله سبحانه من طاعة الخلفاء، والله سبحانه يحفظ بها أكناف الإسلام، ويجعلها كلمة باقية على مرور الأيام، بفضل الله ويمنه، وعلى مضمن ما نص فوق هذا، التزم أهل إشبيلية كافة، وكتبوا على ذلك شهادتهم في النصف من جمادى الآخرة سنة ثلث وستين وخمس ماية.
٣
رسالة من الخليفة أبي يعقوب يوسف
إلى الطلبة الذين بغرناطة، يشير فيها إلى وصول بيعتهم مع أشياخ غرناطة، وينوه بولائهم ووفائهم، ويوصى بإكرامهم وبرهم.
(منقولة عن كتاب " المن بالإمامة " مخطوط أكسفورد لوحة ١٠٥ ب).
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله وسلم
والحمد لله وحده. من أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين أيده الله بنصره، وأعزه بمعونته. إلى الطلبة الذين بأغرناطة أكرمهم الله بتقواه. سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ونشكره