١
رسالة الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن
إلى أخيه السيد أبي سعيد عثمان وأصحابه الطلبة بقرطبة، يوصى فيها بأن تجرى الأحكام وفقاً للعدل وتحرى الدقة، وألا يقضى في أمر الدماء إلا بعد رفعه إلى الخليفة، من إنشاء الوزير الكاتب أبي الحسن بن عياش، ومؤرخة في شهر رمضان سنة ٥٦١ هـ:
(منقولة عن كتاب " المن بالإمامة " لابن صاحب الصلاة مخطوط أكسفورد لوحات ٧٩ ب - ٨٢ ب. ونشرها العلامة جولدسيهر في بحثه:
Materialien zur Kenntniss der Almohaden Bewegung p. ١٣٤-١٣٨)
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله وسلم والحمد لله وحده
من الأمير يوسف بن أمير المؤمنين أيدهم الله بنصره، وأمدهم بمعونته، إلى الشيخ الأجل أخينا الأعز علينا، الأكرم لدينا، أبي سعيد وأصحابه، الطلبة الذين بقرطبة أعزهم الله، ودام كرامتهم بتقواه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد فإنا نحمد اليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونشكره على آلاته ونعمه، ونصلى على محمد نبيه المصطفى ورسوله، ونرضى عن الإمام المعصوم المهدي المعلوم نجله وسليله، ونوالى الدعاء لسيدنا أمير المؤمنين القائم بأمره والداعى إلى سبيله. وإنا كتبناه إليكم أكرمكم الله بتقواه، وكلأ جانبكم وحماه، من حضرة مراكش حرسها الله. والذى نوصيكم به تقوى الله تعالى، والعمل بطاعته والاستعانة به والتوكل عليه، وموالاة شكره على ما هدى أولياء أمره، وأنصار دعوته، وحماة كلمته، من صرف أعنة المحبة والاهتمام، وإحكام منابر الأحكام، فيما وكله إليهم من أمور الإسلام، إلى أن تجرى على السداد، وتنسق على سبيل الإرشاد، وتستقيم على المهيع، وتمضى على المنهج، وتسير في الواضح، وتهتدى على اللاحب، ويسلك بها في الجدد، الذي من سلكه أحمدت منه الآثار وأمن عليه العثار، وارتضى له الإيراد والإصدار، فيكون العمل فيها على اليقين، الهادى إلى الصراط المستبين، المأمون في سلوكه من المزلة والضلال، المرجو في الاهتداء به حسن العاقبة وصلاح الحال، فنسئله تعالى جده عونا من قبله على هذا الغرض العام الجدوى يصاحب، وتوفيقاً من لدنه في هذا النظر الشامل المنفعة يجاور ويصاقب، وأنه أدام الله
стр. 2452
كرامتكم، لما كان مبانى هذا الأمر العزيز أدامه الله على التقوى مؤسسة، وأوامره ونواهيه على أمر الله ورسوله جرية مترقبة، وإليها في الأخذ والتركة مستندة، وبمقتضياتها في جميع الأحكام آخذة عاملة، إذ هي نور الحق وسراجه، وعمود الصدق ومعراجه، وسبيل الفوز ومنهاجه، ورائد الثواب وبشيره، وقائد العقاب ونكيره، فمن ائتم بكتاب الله، الذي هو الإمام المنادى والحق الواضح البدى، وبسنة رسوله ﷺ ، التي جعل العمل بها كالعمل بكتابه، والوقوف عند حدها كالوقوف عند حده، أمن من الغوائل، في العاجل والآجل، وبلغ من السلامة في الحالين إلى أقصى أمد الآمل، ولم يوجد للباطل إليه سبيلا، ولم يتمكن للشيطان أن يجد في تضليله واستهواءه صرفاً ولا حويلا، فتوفرت الدواعى على الدعاء إليها، وحمل الكافة عليها، وأخذ الجميع مما يفقههم لديها، وقد أمر الله تعالى، من أمر الناس بطاعته، أن يحكموا بالعدل، ويضعوا للعبد موازين القسط، فلم يكن لهم بد من امتثال أمره، والاستناد إلى حكمه، وكانت الوجوه التي تفضى إلى الحق، في فصل قضايا العباد متنقبة، والطرق المؤدية إلى مغنى الصدق ومعناه ملتبسة ومتشعبة، فخرج فيها بُنَيات تخطىء الصراط المستقيم، وتضل الضلال البعيد، فصار امضاءها من غير استناد إلى هذا الهدى المتبوع، والعلم المرفوع، خطراً على ممضيها، وإنفاذها على غير هذا السنن غررا على منفذيها، ولما كان الأمر كذلك، تعين ووجب وثبت وترقب، أن نخاطب جميع عمال بلاد الموحدين أعزهم الله، شرقاً وغربا وبعداً وقربا، خطابا يتساوى فيه جميعهم، ويتوازى في العمل فيه كافتهم، بألاّ يحكموا في الدماء حكماً من تلقائهم، ولا يريقوها بباد أو رأى من آرائهم، ولا يقدموا على سفكها بما يظهر إليهم، ويتقرر فيما يروقه لديهم، إلا بعد أن تُرفع إلينا النازلة على وجهها، وتؤدى على كنهها، وتشرح حسب ما وقعت عليه، وتنتهى بالتوثق والبيان إلى ما انتهت إليه، وتقيد بالشهود العدول، المعروفين في مواضعهم بالعدل والرضا، الموجبين للقبول، وتكتب أقوال المظلومين وحججهم، وإقرارهم واعترافهم، وحجج الظالمين في مقالاتهم واستظهارهم في بيناتهم، مُعطًى كل جانب حقه، موفى كل قائد قوله، فتكون مخاطبتكم أعزكم الله، ومخاطبة من يتناول هذا الكتاب وتوجه إليه هذا القصد، خطاب من تَحَمَّل الشهادة ويؤدى فيها الأمانة، على ما يجب من البيان الذي لا يعتوره التباس ولا يطمس وجهه إشكال، ويتوثقون في المطلوبين بالدماء بسجنهم
стр. 2453
وتثقيفهم، ويتوكفون ما تصلكم به المخاطبة، فتقفون عند مقتضاه، ولا يعدلون عن شىء من معناه، مراقبا كل منكم إلاهه ومولاه، علما بأنه يعلم سره ونجواه، وأنه يسمعه ويراه، واعلموا وفقكم الله وأسعدكم، أن هذا الحكم عام في جميع النوازل، التي أطلقت السُّنَة فيها القتل وسنته، وحكمت به وشرعته، كمن قتل نفساً وأقر بالقتل، أو شهد العدول عليه به، ومن بدَّل دينا وارتد عنه، ومن أتى الفاحشة بعد الإحصان، باعتراف أو دليل أو شهادة مقبولة، وما خيّر الأئمة فيه من قتل المحاربين والساعين في الأرض بالفساد، والمتأملين أمر الله بالاستهزاء والعناد، سواء سُنّ ذلك كله أو وقع فيه ضرب يشاكله مجراه، واحد في التوقف عن امضاءه، والتأخر عن تنفيذه، إلا بعد المطالعة، وتعرف وجه العمل من المجاوبة. وكذلك وفقكم الله يكون التوقف فيما عدا المذكور من النوازل، التي يكون [فيها] أحكام دون النفوس من قتل الخطأ وديات الشّجاج، وعقول الأعضاء، وأورش الجراحات، ووجه القصاص، والقطع في السرقات، إلى غير ذلك من القضايا المشكلة في الأموال وإطلاقها واستحقاقها، وفي الرقاب وإعتاقها واسترقاقها، وملتبسات المناكحات والمعاملات، وما أشبهها من الأمور التي الإقدام على الحكم فيها تهجم، والعمل فيها بغير استناد إلى ما يجب تسور، فتوقفوا أعزكم الله عن جميع ما فُسّر لكم، ولو أخفه توقف الساعى في نجاته، العامل لدنياه وآخرته، وقد ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله من الحظر الوكيد، والوعيد الشديد، في إراقة الدماء، واستباحة الأموال، واستحلال الحرمات إلا بوجه صحيح، لا يسلم إلا من طريق العصمة، ولا تهتدى إليه إلا أنوار الحكمة، ما يزع العقلاء، ويكف الألباء، ويحذرهم من سطو الله وعقابه، ويخوفهم من ألم عذابه، فعولوا على ما رسم في هذا الكتاب، من التعريف بما يبطن، وانهاء كل ما ينزل، ليتصلكم من التوقيف، والبيان والتعريف، لما يظهر لكم به بركة الاقتداء، وتستبرق منه عليكم أنوار الائتمام والاهتداء، ويتراءى لكم به الحق في صوره الصادقة، ومثله المطابقة، ومناظره الموافقة، ومطالعه المشرقة، بفضل الله ورحمته، وملاك ما يسدد مقاصدكم في جميع أحوالكم، ويوجب لكم الرضا في كافة أقوالكم وأفعالكم، تقوى الله في السر والجهر، وخيفته في الباطن والظاهر، وقدع النفس عن هواها، وكبحها بلجام النهى عن الركض، في ميدان رداها، وطاعة أمره العظيم والجرى على سننه المستقيم، فذلك عصمة من الزلل،
стр. 2454
وتوفيق في القول والعمل بفضل الله، وقد وجب أكرمكم الله لهذا الكتاب، بما انطوى عليه من الأغراض الشاملة المنفعة، العامة المصلحة، أن يعطى حقه من الإشاعة والتشهير، وينهض مقتضاه إلى الصغير والكبير، ويجمع الناس لقراءته وتلقى مضمنه، ويساوى فيه بين الغائب والشاهد، والبادى والحاضر، بإسماع من حضر ومخاطبة من غاب، ممن يتعلق بنظركم ويدخل تحت عملكم، فتوجهون بنسخ منه إلى كل جهة من جهاتكم، وعمل من أعمالكم، ليأخذ الجميع بقسطه من المسرة، وتعرف بركته واستشعار عائدته، وأنسه بما أمر به هذا الأمر العزيز، من إفاضة العدل، وبسط الدعة والأمن، وإقامة أمر الله تعالى على وجهه المتعين، وسننه الواضح المبين، إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، كتب في الثالث من شهر رمضان المعظم سنة إحدى وستين وخمسمائة.
٢
بيعة أهل إشبيلية للخليفة أبي يعقوب يوسف
استكتبها ولده والي إشبيلية السيد أبو إبراهيم إسماعيل، ووجهها إلى الحضرة مع بعض أشياخ إشبيلية، وهي من إنشاء الفقيه أحمد بن محمد، ومؤرخه في جمادى الآخرة سنة ٥٦٣ هـ
(منقولة عن كتاب " المن بالإمامة "، مخطوط اكسفورد لوحة ١٠١ أوب. ونشرها العلامة جولدسيهر في بحثه الذي سبق ذكره ص ١٣٩ - ١٤٠).
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله وسلم
الحمد لله الذي جعل الإمامة قواما للحق، ونظاما للخلق، وتماما على الذي أحسن رعاية العدل والرفق، وأوجب الاعتصام بطاعتها، والانتظام بجماعها، والصلاة على محمد نبيه المبتعث بنور الحق، الساطع الأضواء، المبلغ عن الله سبحانه بأكمل وجوه التبليغ والإنهاء، وعلى آله وأصحابه الذين والوه بالنصر والإيواء، والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، المخصوص بأثرة الاصطفاء والاجتباء، والدعاء لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين الخليفة المرتضى، متمم أنوار الهدى، ومجلى غياهب الظلماء، والإمام الأعدل الأهدى، سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أبي يعقوب بن أمير المؤمنين بدوام النصر والاستيلاء، واستصحاب الظهور والاعتلاء. أما بعد فإنه لما اجتمعت طائفة التوحيد، وهم الذين يحضرهم من الله حاضرة التوفيق، وينظر إليهم نظر الاقتداء والاهتداء من وراءهم من أهل الحق والتحقيق، على تجديد البيعة المباركة لسيدنا ومولانا
стр. 2455
أمير المؤمنين أبي يعقوب بن أمير المؤمنين خلد الله أمرهم، وأعز نصرهم بالإسم المبارك الكريم، الذي أول من دعى به الفاروق رضوان الله تعالى عليه، فعرف الله من يمنه ما فتح لملة الإسلام شرقاً وغربا، وأحال الدلو بيد ساقيهم فاستحالت غربا، حتى ضرب الدين بجرانه، وألقى الناس بعطن من يمنه وأمانه، جددنا من بيعته على الإسمية المباركة، فرضا أوجبه الشرع وجوب الإلزام، واقتضى الوفاء بشروطه المؤكدة على الكمال والتمام، فبايعنا على السمع والطاعة بيعة أمان وإيمان وعدل وعبادة، والتزمنا بها، في اليسر والعسر، والمنبسط والمكروه، واعتقدناها عصمة ديننا، وذخر معادنا، وتمسكنا بها بالعروة الوثقى، والعصمة التي من يعلق بحبلها، وأوى إلى ظلها، فقد اعتصم بالجانب الأمنع الأوفى، علما أنها البيعة الرضوانية، والدعوة التي تتكفل بنصرها وإعلاء أمرها، العناية الربانية، علينا بذلك عهد الله الأوكد الألزم، وميثاقه الأغلظ الأعظم، وذمته التي لا يقطع حبلها على مرور الزمان ولا يصرم، مستبصرين في هذه البيعة الكريمة بنور الاهتداء، سالكين في التزام الطاعة على الحجة البيضاء، عارفين بما أمر الله سبحانه من طاعة الخلفاء، والله سبحانه يحفظ بها أكناف الإسلام، ويجعلها كلمة باقية على مرور الأيام، بفضل الله ويمنه، وعلى مضمن ما نص فوق هذا، التزم أهل إشبيلية كافة، وكتبوا على ذلك شهادتهم في النصف من جمادى الآخرة سنة ثلث وستين وخمس ماية.
٣
رسالة من الخليفة أبي يعقوب يوسف
إلى الطلبة الذين بغرناطة، يشير فيها إلى وصول بيعتهم مع أشياخ غرناطة، وينوه بولائهم ووفائهم، ويوصى بإكرامهم وبرهم.
(منقولة عن كتاب " المن بالإمامة " مخطوط أكسفورد لوحة ١٠٥ ب).
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله وسلم
والحمد لله وحده. من أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين أيده الله بنصره، وأعزه بمعونته. إلى الطلبة الذين بأغرناطة أكرمهم الله بتقواه. سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ونشكره
стр. 2456
على آلايه ونعمه، ونصلى على محمد نبيه المصطفى ورسوله، ونسأله الرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، القايم بأمر الله، والداعى إلى سبيله، ونوالى الدعاء لصاحبه وخليفته الإمام أمير المؤمنين مسنى أمره العزيز إلى غاية تتميمه وتكميله، فإنا كتبناه إليكم أكرمكم الله بتقواه من حضرة مراكش حرسها الله. والذى نوصيكم به تقوى الله والعمل بطاعته، والاستعانة به والتوكل عليه. وقد وصلنا كتابكم من عند الشيوخ من إغْرناطة، حرسها الله والموحدين، وفق الله جميعهم، ووفقنا عليه، ورأينا ما تحملوه عن الموحدين بأغرناطة وجيرانهم من انعقاد إجماعهم على ما أجمع عليه شيوخ أهل [الهدى] وأعيانهم من الأمر الذي أوجبوا على أنفسهم المبايعة عليه، وأعطاه صفقة اليد فيه، وقد وفقهم الله لما وفق إليه أهل أمره، وذوى العصمة من طايفته، والله تعالى يتقبل منهم عملهم ويعرفهم بركة ما التزموه، ويعينهم على القيام بواجبهم والوفاء بحقه. وقد انصرف هؤلاء الأشياخ المذكورين بعد إقامتهم بهذه الحضرة ونيلهم بركاتنا، ما يجدون أثره في أحوالهم [وسريان] الانتفاع به في أقوالهم وأعمالهم، فاعرفوا لهم حق وفادتهم ومكان رفادتهم وأحملوهم .. خيراً بهم على الرعاية المتصلة، والمبرة الحافلة المشتملة، إن شاء الله تعالى، والله ولى عونكم وصوبكم، لا رب غيره، والسلام الكريم العميم عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب في الثاني عشر من شوال عام ثلثة وستين وخمس مائة.
٤
رسالة موجهة من السيد أبي اسحق إبراهيم بن الخليفة أبي يعقوب يوسف إلى الحافظ أبي عبد الله بن أبي ابراهيم والي غرناطة يبلغه فيها بدخول ابن همشك في الدعوة الموحدية وهي من إنشاء ابن مصادق.
(منقولة عن كتاب " المن بالإمامة " مخطوط أكسفورد لوحة ١٢٧ أوب و ١٢٨ أ).
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله وسلم
الشيخ الأجل الحافظ الأعلى ولينا في الله تعالى، أبو عبد الله محمد بن ابراهيم أدام الله عزه وكرامته بتقواه.
وليكم في الله تعالى ابراهيم بن أمير المؤمنين، سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد حمد الله على ما أولى ومنح، والصلاة على محمد نبيه الذي تبين
стр. 2457
به دين الحق ووضح، والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، معيد دين الله، بعد ما عفى رسمه ومضى، والدعاء لسيدنا أمير المؤمنين خليفته الذي طهر بعدله البلاد وفتح، ولسيدنا أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين الذي أثمر سعيه وأنجح، وكمل فيمن جلا فيه الأمور الدينية وأصلح، فكتبناه إليكم أدام الله كرامتكم بتقواه، من قرطبة حرسها الله، ولا جديد إلا ما عود الله بركة هذا الأمر العزيز من فتح، لا تزال تفتح أبوابه وتتصل أعتابه، وترفع قبابه، وتتعرف مع كل حين انهلال ما فيه وإسكانه. والحمد لله على ذلك حمداً كثيراً، يصفو به سربال إحسانه وجلبابه. وإن من النعم التي ببركة هذا الأمر العزيز حديدها، واقتضى بسعادته مزيدها، واتبع بطريقها تأييدها، وانجر فيها لأولياء الأمر العزيز الموعود، ووافقهم فيها الجد المصحب المسعد. وإن الشيخ أبا اسحق ابراهيم بن همشك وفقه الله، كشف له عن وجه هداه، وجلى عن موارد رواه، وتبين له أن هذا الأمر العزيز هو المركب المنجى، السابق له السعادة الباقية المزجى، الذي لا يؤخر عثار من صدف عنه ولا يرجى، فبادر إلى الدخول فيه بدار من خلصت سرائره، وطويت على موعبة ضمايره، ورأى أن ذلك يمحى به خطاياه ويغفر جرايره. وأذاع الدعوة المهدية في جميع بلاده، وأعلن بها، وأبدى الاعتلاق بعصمتها، والتمسك بسننها، ولقى الموحدين أيدهم الله بتقواه، ملاقاة اللايذ بظلهم، المتمسك بحبلهم، المستنيم، المستسلم، المنطوى على الولاء الأخلص، والود الأسلم، والحمد لله على ذلك حمداً تتوالى به فتوحه، ويتصل به مبذول إحسانه وممنوحه، وخاطبناكم بذلك أدام الله كرامتكم لتجروا شكر الله تعالى على ما أسبغ من نعمه وأولى، وتسلكوا معه سبيلا يكون أحرى بازديادها، ما من عفا وولي، والله تعالى يوالى لديكم آلاه، ويسبغ عليكم ظاهره وباطنه نعماه، والسلام الأتم عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
كتب في شهر رمضان المعظم عام أربعة وستين وخمس ماية.
٥
رسالة الخليفة أبي يعقوب يوسف
إلى الطلبة والموحدين بجزيرة الأندلس، ينبههم فيها باهتمامه بأمر الأندلس، والعمل على نصرتها، ومجاهدة أعدائها، ويطمئنهم على تنفيذ هذا العزم، بما بعثه
стр. 2458
من عسكر موحدى تحت إمرة الشيخ أبي حفص، تمهيدا لجواز الموحدين إليها، من إنشاء أبي الحسن بن عياش، ومؤرخة في ربيع الآخر سنة ٥٦٤ هـ.
(منقولة عن كتاب " المن بالإمامة " مخطوط أكسفورد لوحات ١٢٠ - ١٢٢).
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم
والحمد لله وحده. من أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين أيده الله بنصره، وأمده بمعونته. إلى الطلبة والموحدين الذين بجزيرة الأندلس أدام الله توفيقهم وكرامتهم. سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. أما بعد فانا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونشكره على آلايه ونعمه، ونصلى على محمد نبيه المصطفى ورسوله، ونسأله الرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، القايم بأمر الله تعالى، والداعى إلى سبيله، ونوالى الدعاء لصاحبه وخليفته الإمام أمير المؤمنين، ممشى أمره العزيز إلى غاية تتميمه وتكميله. وأنا كتبناه إليكم وصل الله توفيقكم وكرامتكم بتقواه، من حضرة مراكش حرسها الله. والذى نوصيكم به تقوى الله تعالى والعمل بطاعته، والاستعانة به، والتوكل عليه. وهذا الأمر العزيز بما وعده الله من النصر، وضمن له من التأييد، وتكفل له من التمكين، وزاد من تبسطه وامتداد علوايه، واتصال مضماره وخلوصه، إلى كافة الأرجاء، وتغلغله في كل الأنحاء، لإكمال دينه وإتمام نوره، وبث دعوته وتصديق وعده، لا تزال [موارده] الحافظة لصوره، المبقية لأثره، المثبتة لأركانه، الممكنة لقواعده، تشيع من الأسباب القوية واللطائف المنهضة، والمعانى المعينة على سريانه، المزعجة لتشربه وجريانه، مما يؤذن له بإنجازه موعوداته، وتتبع مضموناته، حتى يستوى على مداه الذي لا غاية بعده، ويقف على منتهاه الذي لا مطلع وراءه، يقينا اطمأنت بمقدمات العابه القلوب، وقرت على ظهور براهينه النفوس، وعضدته الآيات البينة، ونطقت به الآثار المفصحة، وناقدت شد أحواله لمن ألقى السمع وهو شهيد ..
وما زلنا وفقكم الله، على أتم العناية بتلكم الجزيرة مهدها الله، والحرص على غوثها، والانتواء لنصرتها، والعمل على قصد ذلك بالمباشرة والمشاهدة إشفاقا على ما استضام منها جيرتها الأعداء، وأبناؤها الأغفاء، مجمعين وردها، وما كادوها به من التلف والتحفيف والتنقيض، وفغر الأفواه، وكسر الثبوب والأرصاد، لغيض ما فض فيها من نور التوحيد، وخفض ما نصب من أعلام هذا الأمر، والمناصبة للمنحاشين إليه، المتعلقين بأسبابه، المستذمين بذمته، ممن صح
стр. 2459
ولاؤه، وصدقت طاعته، وخلص على السبك، ونصح على السبر، ونجعل لها من الفكر حظا، يستحق الصدق على ما سواه، من الأفكار، ويأخذ السبق على غيره من معنيات الأمور، ونراه من الأهم الأغنى، والأول الأولى، قياما بحق الله في جهاد أعدايها ومكابرى مناويها، ومن لم تنفعه العبر على مرورها على بصره، وتواردها على مشاهدته، وإدايتها به، ولم يرع سمعا دعوة الحق التي ملأت الخافقين، وقرع صوتها مسامع الثقلين، وتمكن أسباب التفرغ لذلك، والتوسع فيه، والنظر في أحكامه، فيعترض من أهل هذه المغارب، شواغب يثيرها الجهال، ويبغيها النعقة الضلال، فلا يسمع أسمالها، ولا يسوغ الإضراب عنها، قياما بحق الدين، وتوقياً من استشراء الشر، وتوقد أسباب الفتنة، فينصرف إليها من الالتفات والقصد، لحسم عللها، وإبراء أدوائها، ما يقشع غياباتها، ويطهر أقذاءها، ويفضى إلى المقصود الأول من التفرغ للجزيرة مهدها الله، والتوطيد لأمرها دوما .. الاشتغال بهذا الغرب يلط بأرجائه، ويشتمل على جوانبه، ويتخلل زواياه، وينتظم أوعاره وسهوله، حتى صفى الله مشاربه، وخلص من الشوب مشارعه. ووقف بأهل الانتزاء من أصناف مشغبية على تايب أنات بقلبه، وندم على ما فرط من ذنبه، وعلى شقى تمادى في غلوايه، ولج في تمرده فولى كل ما استحق، وسهم خطة ما رضى، ووجد التايب برد الأمان، وتبوأ كنف الإحسان، وحقت على العاصى كلمة العذاب، وأخذه التياب، والصيرورة إلى سوء المآل، وشر المآب، وما ربك بظلام للعبيد. ولما تولى الله هذه الجهات منة التمهيد، وبسط لها نعمة التمكين والتوطيد، انعطف النظر إلى محل مثاره، وسال سيل الاعتقاد إلى قراره، وتوجه حفل الاشتغال إلى الجزيرة مهدها الله، وتوفرت دواعى الاستعداد لنصرتها وجهاد عدوها، ورأينا في أثناء ما نحاوله من مروم هذه الغزوة المتممة المباشرة، أن نقدم بين أيدينا عسكراً مباركاً من الموحدين أعانهم الله، صحبة الشيخ الأجل أبي حفص أعزه الله، يكون تقدمه لجواز جمهور الموحدين، ومؤديا بما عزمنا عليه، والله المستعان، من التحرك لجملة أهل التوحيد، والقصد لهذا الغزو الميمون، الذي جعلناه نصب العين، وتجاه الخاطر، فتتعاونون مع إخوانكم الواصلين على بركة الله إليكم، على جهاد أعدايكم، إلى أن يوافيكم إن شاء الله هذا العزم، ويلم بكم هذا القصد، ويعتمدكم هذه الحركة المحكمة أسبابها، المبرمة أغراضها، التي انعقدت بها النية،
стр. 2460
واحتدمت لها في ذات الله الحمية، واستعانت بتوفيق الله في تأصيل أصولها الفكرة الموجهة والروية، وإنا لنرجو من المبلغ لآمال القلوب، المتفضل بإدراك كل مطلوب، أن يهب فيها من العون ما يتمم مبدأها، ويكمل منشأها، وتشفى به صدور أوليائه، بالنعمة في أعدايه، وإن فضله تعالى ليسمح ببلوغ هذه الأمنية، والإطلال منها على كل شرف وثنية، فما ذلك على الله بعزيز، وإذا طالعتم وفقكم الله هذه الأنباء، واستعلمتم ما في ضمنها من البشائر، وعنوانات الفتوح، وآثار هذه القصود، وحملتم ذلك على الثقة مما وعد الله هذا الأمر، والتلفت إلى ما عودة رأيتموها نعمى تحولتكم، ورحمى انتحتكم وأتتكم، وشرحتم لها صدوركم، وعمرتهم بها أحناكم، وشغلتم بها مشاهدكم، وسررتم بها غايتكم وشاهدكم، وأذعتموها إذاعة تثلج بها صدور الأولياء، وتحرج منها صدور الأعداء، ويكون للمؤمنين منها مطلع أمل، وللكافر مطلع هول ووجل، عرفكم الله شكر النعمة بها، وأعانكم على أداء واجبها، وبلغكم الغاية الجميلة منها بمنه ويمنه. وإذا وصلكم هذا الكتاب، فأشيعوه قراءة على من حضركم من أصناف الناس، وإرسالا بنسخه إلى من نأى عنكم، حتى يجد أثر الاستبشار به، ويترقب بمودعه الغايب والشاهد والحاضر والناءى إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب في الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمس ماية.
٦
ظهير الخليفة الرشيد بإسكان المهاجرين من أهل بلنسية
وجزيرة شقر وشاطبة وغيرهم من بلاد الشرق في مدينة رباط الفتح من إنشاء كاتبه أبي المطرِّف بن عميرة المخزومي.
(منقولة من كتاب " زواهر الفكر " مخطوط الإسكوريال رقم ٥٢٠ الغزيرى لوحة ١١٥ و ١١٦)
هذا ظهير كريم أمر به أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين بن أمير المؤمنين، أيدهم الله تعالى بنصره، وأمدهم بمعونته ويسره، للمنتقلين من أهل بلنسية وجزيرة شقر وشاطبة، ومن جرى من ساير بلاد الشرق مجراهم، وعراه من عبر الأيام ما عراهم، حين أنهى ذو الوزارتين الشيخ الأجل الأكرم، الأعز، الأفضل، أبو علي ابن الشيخ الأجل الأكرم، أبي جعفر بن خلاص، أدام الله تعالى أثرته وكرامته، ما أصابهم من البلاء، ْودهاهم من أمر الأعداء، وسعى لهم سعى من يقضى فيهم .. ، ويلتمس لهم
стр. 2461
مكانا للقرار، ومنزلا لإلقاء عصى التسيار. وعند ذلك أذن لهم، أعلى الله تعالى إذنه، وجدد مجده ويمنه، في النقلة إلى رباط الفتح عمره الله تعالى، بقضيضهم وقضهم، وأن يتخذوا مساكنه وأرضه بدلا من مساكنهم وأرضهم، ويعمروا منه بلداً بقبل منهم أولى من قبل، ويحملهم إن شاء الله تعالى، وخير البلاد ما حمل، فإنه مناخ التاجر والفلاح، وملتقى الحادي الملاح، والمرافق من بر أو بحر، موجودة في فصول السنة، مؤذنة لقاطنه بالمعيشة الهنية، والحال الحسنية، ولهم أفضل ما عهده رعايا هذا الأمر العزيز، أدامه الله تعالى، من التوسعة على قويهم، كى يزداد قوة، والرفق بضعيفهم حتى ينال يسارا وثروة، وأن يتوسعوا في الحرث، ففي أرضه هنالك متسع، ويتبسطوا في كل ما لهم منه مكافىء وبه منتفع، ويغرسوا الكروم وأنواع .. على عادتهم ببلادهم، ويتأثلوا الأملاك لأنفسهم وأولادهم، وأولاد أولادهم، وكل ما يعمرون من الضياع، ويقتنون من الأصول والركاع، فله حكم .. على الإطلاق والدوام، لا يلزمون فيه شيئاً من وجوه الإلزام، ولا يطلبون بغير حقوق الشرع، التي جعلها الله تعالى في أموال أهل الإسلام، وأقوالهم في مقاديرها مصدقة، وأمانيهم كلها لهم، واللاحقين بهم محققة، والولاة والعمال حفظهم الله تعالى، مأمورون بأن يحفظوهم من كل أذى يلم بجانب من جوانبهم، ويعوق عن مأرب صغير أو كبير من مآربهم، وأن يكرموا غاية الإكرام، نبهائهم وأعيانهم، ويولونهم من حسن الجوار، ما ينسيهم أوطانهم، حتى تدفع عنهم كل شبهة من شبه الحيف، ويجمع لهم بين الرعاية حرمة البلوى، والعناية بحق الضيف. احتسب منه على الله تعالى أمره، وأوزع شكره، ينسحب على جماعتهم وأفرادهم، ويحملهم على موجب اعتلامهم بهذا الأمر العلى، أدامه الله تعالى وملاه بهم، فمن وقف عليه من المكانة والعمال، أكرمهم الله تعالى، فليعمل بحسبه، ولا يعدل عن كريم مذهبه، إن شاء الله تعالى، وهو تعالى المستعان، لا رب سواه. كتب في الحادي والعشرين لشعبان المكرم من سنة سبع وثلاثين وستماية.
٧
رسالة الخليفة المرتضى لأمر الله إلى البابا إنوصان الرابع
ينوه في بدايتها بدحض نظرية التثليث، ويشير فيها إلى ما ورد من كتب البابا إلى الخلافة الموحدية، ويرجوه أن يكون اختيار الحبر المكلف بالنظر في شئون
стр. 2462
النصارى بالمغرب من ذوى العقل الراجح، والأخلاق الحميدة، والنزاهة
الوافرة. مؤرخة في الثامن عشر من ربيع الأول سنة ٦٤٨ هـ.
(وتحفظ الرسالة المذكورة بمحفوظات مكتبة الفاتيكان الرسولية برومة برقم A. A. I. XVIII (١٨٠٢)
وهي الوثيقة الوحيدة من نوعها وعصرها، التي تحتفظ بها مكتبة الفاتيكان).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله وحده من عبد الله عمر أمير المؤمنين بن سيدنا الأمير أبي ابراهيم بن أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين أيدهم الله تعالى بنصره، وأمدهم بمعونته. إلى مطاع ملوك النصرانية ومعظم عظماء الأمة الرومية، وقيم الملة المسيحية ووارث رياستها الدينية، البابه إينه سانس أش، أنار الله تعالى بصيرته بتوفيقه وإرشاده، وجعل التقوى التي أمر بها عدته لمحياه ومعاده، وأناله من سابق الهداية ما يفضى لمدى الغاية، بأتم انفساحه وامتداده، تحية كريمة نراجع بها ما تقدم من تحياتكم الواردة علينا، ويترجم لكم أرجها عما تعتمدكم به البار لدينا.
أما بعد فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو، حمد من علم أنه الرب الواحد، الذي دلت على وحدانيته البراهين القاطعة والشواهد، ونزهته العقول الراجحة عن أن يكون له ولد أو يدعى أنه الوالد، تعالى الملك الرحمن عما يقول المثلث والمشبه والجاحد، ونصلى على سيدنا محمد رسوله المصطفى الكريم، الذي وضحت به للنجاة المذاهب والمقاصد، وخرقت له بظهور المعجزات الباهرة على يديه العوايد، ونصر بالرعب فألقى له يد الاستسلام كل من كان ينادى ويعاند، وعلى آله وصحبه الكرام، الذين ازدانت بهم المحاضر والمشاهد، ووصلت صوارمهم في مواقف الحروب السواعد، وأنجزت لهم في استيلاء الإسلام على مشارق الأرض ومغاربها المواعد. ونسئل الله رضاه عن الإمام المعصوم المهدي المعلوم، الذي جذبه لدين الله تعالى الشباب المعاود، وأهلت بهدايته بعد إقفارها المعاهد، وباء بالخسران المخاتل لأمره والمكايد، وعن الخلفاء الراشدين المهتدين، الذين تولى منهم إتمام بدايته الإمام الراشد فالراشد، وعلت بهم لأمر الله تعالى المراقى والمصاعد، وعن سيدنا الأمير الطاهر أبي إبراهيم بن سيدنا الخليفة أمير المؤمنين بن سيدنا الخليفة أمير المؤمنين الذي طابت منه العناصر والمحاتد، واشتق من نبعة للخلافة مذ أورق نضارة وغضارة قنتها المآئد، وزهد
стр. 2463
في الدنيا الفانية، ورغب في الأخرى الباقية، فنعم الراغب الزاهد.
وبعد كتابنا كتب الله تعالى لنا حظوظا من رضاه، تزكو وتتوفر، واستعملنا وإياكم بكل ما نتهيأ به لإحراز الفوز لديه ونتيسر، من حضرة مراكش حرسها الله تعالى، ودين الله عال مسماه ومصعده، والتوحيد حال بالظهور جيده ومقلده، والسعى معمل في ابتغاء [منِّ] الله تعالى موفقه ومسدده، والحمد لله رب العالمين حمداً يتوالى على الألسنة تكرره وتردده، ونستدعى به من مزيد النعماء أفضل ما وعد به تعالى من يشكره ويحمده، وإلى هذا يسر الله تعالى بتوفيقه إسعادكم، وجعل في طاعته التي تعبّد بها خلقه إصدار [كم] وإيرادكم، فإنه سبقت منا إليكم مراجعات عن كتبكم الموثرة الواصلة إلينا [وأرسلنا] نحوكم من الجواب عنها، ما تممنا به بركم ووفينا، وعرفناكم أنا نوجب لمنصبكم الذي أبز في ملتكم على المناصب، وأقر لرتبتكم فيه أهل دينكم، بالشفوف على سائر ما لهم من المراتب، فأنتم عندنا لذلكم بالتكرمة الحفيلة ملحوظون، وبالعناية الجميلة محظوظون، نؤكد من أسباب المواصلة لكم ما حقه أن يؤكد، ونجدد من عهود الحفاية بكم ما شأنه أن يجدد، ونشكر لكم ما توالى علينا من حسن إيثاركم لجانبنا وتردد. وفي سالف هذه الأيام انصرف عن حضرة الموحدين أعزهم الله، البِشُب الذي كان قد وصل بكتابكم إلينا، انصرافا لم يعده منا فيه بر وإكرام، ولم يغبه فيه اعتناء به واهتمام، كما أنه في المدة التي قضى له فيها لدينا بالمقام، لم نزل نتعهده أثناءها بالإحسان والإنعام، وتحمّل كتابنا إليكم تعريفاً بما اختار من انصرافه، وتوخياً في ما آثره من ذلك لإسعافه، وما قصر له في حالى مقامه ورحيله، ولا عدل به عن حفى البر وحفيله، وسنى المن وجزيله، ذهابا لتكريم إشارتكم السابقة في حقه، وسلوكاً به من البر على أوضح طرقه، والله تعالى يرشد في كل الأحوال لأزكى الأعمال لديه، وينجد من الأقوال والأفعال على ما يقرب إليه بمنه. ومتى سنح لكم أسعدكم الله تعالى بتقواه، أن توجهوا لهاولاء النصارى المستخدمين ببلاد الموحدين أعزهم الله، من ترونه برسم ما يصلحهم في دينهم ويجريهم على معتاد قوانينهم، فتخيروه من أهل العقل الراجح، والسمت الحسن وممن يستلذ في النزاهة على واضح السنن، وممن يتميز في الخدمة بالمذهب المستجاد والقصد المستحسن، وذلكم هو الذي إذا تعين من قبلكم مستجمعاً للصفات المذكورة، ومتحلياً بالخلال المشكورة، حسن في كل ما يستخدم، وتسنى له
стр. 2464
بذلك أجزل الخير وأوفره، وأنتم تفون بهذا المقصود في ما تعملون من اختياركم، متى ظهر لكم التوجيه بهذا الرسم لأحد، وتعتمدون فيه أجمل معتمد، وشكرنا لكم على كل ما تذهبون إليه في جانبنا من تمشية الأغراض والمذاهب، وتحتفلون فيه من المساعدة الصادرة فيكم عن كرم الضرايب، وتبادرون إلى بذله من المكارمة المناسبة لما لكم في نحلتكم من إناقة المناصب، مما نكافىء به صدق مصادقتكم، ونتوخى فيه ما لا يعدل عن موافقتكم، جزاء لبركم بأمثاله، واعتناء بما يقضى لولائكم بدوامه واتصاله، بحول الله تعالى وقوته، وهو سبحانه ييسرنا لنيل الحسنى، والزيادة من فضله، ويأخذ ما في ديننا ودنيانا على أقوم سبله، ويجعلنا وإياكم بما يمنحنا من التوفيق، في أول رعيل من حزب الحق وأهله، بمنه وكرمه، لا رب سواه. وكتب في الثامن عشر من شهر ربيع الأول عام ثمانية وأربعين وستمائة.
٨
كتاب بتقليد خطة الشورى
صادر من أبي جعفر بن أبي جعفر بن أبي جعفر أمير مرسية إلى الفقيه أبي بكر بن أبي جمرة
هذا كتاب تنويه وترفيع، وإنهاض إلى مرقى رفيع، أمر بكتبه الأمير الناصر للدين، أبو جعفر بن أبي جعفر أدام الله تأييده ونصره، للوزير الفقيه الأجل المشاور الحسيب الأكمل، أبي بكر بن أبي جمرة أدام الله عزه، أنهضه به إلى الشورى، ليكون عند ما يقطع لأمر، أو يحكم في نازلة، يجرى الحكم بها على ما يصدر عن مشورته ومذهبه، لما علمه من فضله وذكائه، وجده في اكتساب العلم واقتنائه، ولكون هذه المرتبة ليست طريقة له، بل تليدة متوارثة عن أسلافه الكريمة وآبائه، فليتحملها تحمل المستقبل بأعبائها المحسن بأنبائها، العالم بمقاصدها المتوخاة المعتهدة وانحائها، والله يزيده تنويهاً وترفيعاً، ويبوئه من حظوته وتمجيده مكانا رفيعاً. وكتب في التاسع لذى حجة سنة ٥٣٩، الثقة بالله (١).
стр. 2465
استدراك
- ١ -
جاء في القسم الأول من هذا المؤلف (عصر المرابطين وبداية الدولة الموحدية) ص ٣٥٢ عند الكلام عن مصرع الكاتب الشاعر أبي جعفر بن عطية، أنه كان عند مصرعه فتى في السادسة والعشرين. وهذا ما نقلناه عن " الإحاطة " لابن الخطيب، وعلقنا عليه في حاشية أبدينا فيها أن ما يذكره ابن الخطيب عن سن ابن عطية لا يتفق مع مراحل حياته. وقد وقفنا بعد ذلك على رواية أخرى هي رواية ابن الأبار، وهي أن ابن عطية كان وقت مصرعه في السادسة والثلاثين من عمره، وأن مولده في سنة ٥١٧ هـ (١) لا في سنة ٥٢٧ هـ حسبما يقول لنا ابن الخطيب. وهذه الرواية أكثر تناسقاً واتفاقاً مع حياة ابن عطية، إذ يقال لنا إنه تولى الكتابة عن أمير المسلمين، علي بن يوسف، ثم عن ولده تاشفين، ثم عن حفيده ابراهيم.
- ٢ -
قرأنا في مقدمة ابن خلدون عن ابن قسى زعيم ثوار الغرب ودعوته، فقرة فاتنا أن نشير إليها عند كلامنا عنه (ص ٣٧٧ و ٤٦٦ من القسم الأول من كتابنا). ويقول لنا ابن خلدون في حديثه في الفصل الذي عنوانه " فصل في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم " ما يأتي:
" وهذا لما قدمناه من أن كل أمر تحمل عليه الكافة، فلا بد له من العصبية. وفي الحديث الصحيح كما مر: " ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه ". وإذا كان هذا في الأنبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد، فما ظنك بغيرهم أن لا تخرق له العادة في الغلب بغير عصبية. وقد وقع هذا لابن قسى شيخ الصوفية، وصاحب كتاب " خلع النعلين " في التصوف، ثار بالأندلس داعياً إلى الحق، وسمى أصحابه بالمرابطين قبيل دعوة المهدي. فاستتب له الأمر قليلا لشغل لمتونة بما دهمهم من أمر الموحدين. ولم تكن هناك عصائب ولا قبائل يدفعونه في شأنه، فلم يلبث حين استولى الموحدون على الغرب أن أذعن لهم، ودخل في دعوتهم، وكان أول داعية لهم بالأندلس، وكانت ثورته تسمى ثورة المرابطين (المقدمة ص ١٣٣).
стр. 2466
ثبت المراجع
- ١ -
تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر (بولاق ١٢٨٤ هـ).
مقدمة ابن خلدون (بولاق).
تاريخ ابن الأثير (الكامل) المطبعة الأهلية (١٣٠٣ هـ).
نهاية الأرب للنويرى (القسم التاريخي) طبعة جسبار ريميرو Rev. del Cent.)
(de Est. Hist. Granada ١٩١٩
صبح الأعشى للقلقشندى (طبعة دار الكتب المصرية ١٣٣٢ هـ).
وفيات الأعيان لابن خلكان (بولاق ١٢٩٩ هـ).
فوات الوفيات لابن شاكر الكتبى (بولاق ١٢٩٩ هـ).
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقرى (القاهرة ١٣٠٢ هـ).
أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض للمقرى (القاهرة ١٩٣٩).
الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، لابن أبي زرع الفاسى المنشور بعناية كارل تورنبرج (أبسالة ١٨٤٣). الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية (طبع تونس).
الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية (طبع الجزائر ١٩٢٠).
المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي (القاهرة ١٣٣٢ هـ).
الإحاطة في أخبار غرناطة لإبن الخطيب (القاهرة سنة ١٩٠٤ و ١٩٥٦).
أعمال الأعلام لابن الخطيب (طبع بيروت ١٩٥٦).
اللمحة البدرية في تاريخ الدولة النصرية لابن الخطيب (١٣٤٧ هـ). المغرب في حلى المغرب لابن سعيد الأندلسي المنشور بعناية الدكتور شوقى ضيف (القاهرة ١٩٥٣).
قلائد العقيان للفتح بن خاقان (القاهرة ١٢٨٣).
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بسام الشنترينى (طبعة جامعة القاهرة).
البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب (القسم الثالث) لابن عذارى المراكشي (المنشور بعناية معهد مولاى الحسن بتطوان ١٩٦٠ - ١٩٦٤)
стр. 2467
كتاب محمد بن تومرت أو كتاب " أعز ما يطلب " المطبوع بالجزائر سنة ١٩٠٣،
مع مقدمة فرنسية للعلامة المستشرق إجناس جولد سيهر.
كتاب موطأ الإمام المهدي (ابن تومرت) المطبوع بالجزائر سنة ١٩٠٥.
أخبار المهدي ابن تومرت وابتداء دولة الموحدين لأبي بكر الصنهاجي المكنى
بالبيذق، ومنشور بعناية الأستاذ ليفى بروفنسال (باريس ١٩٢٨).
تاريخ الدولتين الموحدية والحفصية للزركشى (تونس ١٢٨٩ هـ).
مجموع رسائل موحدية المنشور بعناية الأستاذ ليفى بروفنسال (الرباط ١٩٤١).
الإستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى للسلاوى (القاهرة ١٣٠٦ هـ).
المؤنس في أخبار إفريقية وتونس لابن دينار (طبع تونس).
المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، المشتق من كتاب المسالك والممالك لأبي عبيد البكرى (طبعة دي سلان).
وصف المغرب وأرض السودان ومصر والأندلس المشتق من كتاب نزهة المشتاق للإدريسي (طبعة دوزي).
الروض المعطار (صفة جزيرة الأندلس) لإبن عبد المنعم الحميري المنشور بعناية الأستاذ ليفى بروفنسال (القاهرة ١٩٣٧).
الاستبصار في عجائب الأمصار المنشور بعناية الدكتور سعد زغلول (جامعة الإسكندرية ١٩٥٨).
رحلة التجّانى (أبو محمد عبد الله بن محمد) المطبوعة بعناية المطبعة الرسمية بتونس ١٩٥٨.
رحلة ابن جبير المنشورة بعناية الدكتور حسين نصار (القاهرة ١٩٥٥).
الروضتين في تاريخ الدولتين (القاهرة ١٢٨٧ هـ).
مفرج الكروب في أخبار بني أيوب المنشور بعناية الدكتور جمال الدين الشيال (القاهرة ١٩٥٣).
الرسالة المصرية لإبن أبي الصلت المنشورة بعناية الأستاذ عبد السلام هارون (القاهرة ١٩٥١).
المطرب من أشعار أهل المغرب لإبن دحية البلنسى (القاهرة ١٩٥٤).
رسالة ابن عبدون في الحسبة المنشورة بعناية الأستاذ بروفنسال (طبع المعهد الفرنسى بالقاهرة)
стр. 2468
الفِصَل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم القرطبي (القاهرة ١٣٢١ هـ).
الملل والنحل للشهرستانى، المنشور على هامش كتاب " الفصل ".
المنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالى (القاهرة ١٣٠٩ هـ).
كتاب الحلة السيراء لابن الأبار (طبعة دوزى ١٨٥١).
كتاب الصلة لابن بشكوال (طبع القاهرة ١٩٥٥).
كتاب التكملة لابن الأبار (طبع القاهرة ١٩٥٦)، وضمن المكتبة الأندلسية
(مدريد ١٨٨٦).
المعجم في أصحاب القاضي أبي على الصدفى لابن الأبار (ضمن المكتبة الأندلسية).
بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس للضبى (ضمن المكتبة الأندلسية).
كتاب صلة الصلة لابن الزبير المنشور بعناية الأستاذ بروفنسال (الجزائر ١٩٣٧).
عنوان الدراية لأبي العباس الغبرينى (الجزائر ١٣٢٨ هـ).
جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام بمدينة فاس لابن أبي العافية (فاس ١٣٠٩ هـ).
إخبار العلماء بأخبار الحكماء لجمال الدين القفطى (القاهرة ١٣٢٦ هـ).
تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين لأشباخ (الترجمة العربية ١٩٥٨).
دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي لمحمد عبد الله عنان (القاهرة ١٩٦٠)
نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين لمحمد عبد الله عنان (القاهرة ١٩٥٨).
الآثار الأندلسية الباقية لمحمد عبد الله عنان (القاهرة ١٩٦١).
صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد (المجلدان السابع والثامن).
المصادر المخطوطة
سبق أن تناولنا في بداية القسم الأول من هذا الكتاب في الفصل الذي عقدناه بعنوان "بيان عن المصادر " أهم المصادر المخطوطة التي اعتمدنا عليها وانتفعنا بها، وذكرنا أوصافها، وأماكن وجودها. ولذا لا نرى حاجة لتكرار ذكرها في هذا الثبت.
- ٢ -
F. Codera: Decadencia y Disparicion de los Almoravides en
Espana (Zaragoza ١٨٩٩) .
Primera Cronica General, Ed. M. Pidal (Madrid ١٩٥٦) .
Mariana: Historia General de Espana.
Sandoval: Historia de los Reyes de Castilla y de Leon.
Florez: Historia de las Reinas Catolicas.
Chronicon Lusitanum (Espana Sagrada Vol. XXIV) .
Chronique Latine des Rois de Castille
стр. 2469
M. Lafuente: Historia General de Espana.
A. de los Rios: Trofeos Militares de la Reconquista (Madrid ١٨٩٣) .
F. J. Simonet: Historia de los Mozarabes de Espana (Madrid ١٨٩٦) .
Pons Boigues: Historiadores y Geograficos Arabigo-Espanoles
(Madrid ١٨٩٨) .
R. Altamira: Historia de Espana y de Civilizacion Espanola
(Barcelona ١٩٠٠) .
A. Campaner y Fuertes: Bosquejo Historico de la Dominacion
Islamita en las Islas Baleares (Palma ١٨٨٨) .
P.y Vives: Los Reyes de Taifas (Madrid ١٩٢٦) .
G. Palencia y M. Alarcon: Miscelenea de Estudios y Textos Arabes
(Madrid ١٩١٦) .
A. P. Ibars: Valencia Arabe (Valencia ١٩٠١) .
M. Gaspar Remiro: Historia de Murcia Musulmana (Zaragoza ١٩٠٣) .
A. Huici Miranda: Historia Politica del Imperio Almohade (Tetuan
١٩٥٧) .
A. H. Miranda: Las Grandes Batallas de la Reconquista (Madrid ١٩٥٦) .
J. Gonzalez: Las Conquistas de Fernando III en Andalucia
(Madrid ١٩٤٦) .
Is. de las Cagigas: Sevilla Almohade y Ultimos Anos de su Vida
Musulmana (Madrid ١٩٥١) .
La Orden de Calatrava (Ciudad Real ١٩٥٩) .
Al-Andalus: Revista de las Escuelas de Estudios Arabes de Madrid
y Granada.
M. Amari: Storia Dei Musulmani di Sicilia (Fierenze ١٨٦٧) .
R. Dozy: Histoire des Musulmans d'Espagne (Leiden ١٩٣٢) .
R. Dozy: Recherches sur l'Histoire et Littérature de l'Espagne
pendant le moyen age (Leiden ١٨٨١) .
Alfred Bel: Les Benou Ghania (Paris ١٩٠٣) .
A. Muller: Der Islam im Morgen und Abendland (Berlin ١٨٨٥) .
I. Goldziher: Materialien zur Kenntniss der Almohaden Bewegung
(Z. der Morg. Gesell. ١٨٨٧) .
I. Goldziher: Le Livre de Mohamed ibn Toumert (Alger ١٩٠٣) , Intro-
duction.
M. Muller: Beitrage zur Geschichte des Wesentlichen Araber
стр. 2470
فهرس الموضوعات
تصدير ................................................................ ٣
الكتاب السادس
عصر الخليفة أبى يعقوب يوسف
الفصل الأول: عصر الخليفة أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ........... ١٠
الفصل الثانى: حوادث الأندلس وسقوط مملكة الشرق .................. ٣٣
الفصل الثالث: حركة الجهاد بالأندلس والإخفاق فى غزوة وبذة ......... ٥٨
الفصل الرابع: أحداث الأندلس والمغرب ................................ ٩٤
الفصل الخامس: غزوة شنترين ومصرع الخليفة أبى يعقوب يوسف ...... ١١٣
الكتاب السابع
عصر الخليفة يعقوب المنصور
حتى موقعة العقاب
الفصل الأول: عصر الخليفة يعقوب المنصور وبداية ثورة بنى غانية ........ ١٤٠
الفصل الثانى: حوادث الأندلس وإفريقية ................................. ١٦٩
الفصل الثالث: موقعة الأرك ............................................. ١٩٦
الفصل الرابع: ما بعد الأرك حتى وفاة المنصور ............................ ٢٢٢
الفصل الخامس: عصر الخليفة محمد الناصر ............................... ٢٤٩
الفصل السادس: موقعة العقاب .......................................... ٢٨٢
الكتاب الثامن
الدولة الموحدية
فى طريق الانحلال والتفكك
الفصل الأول: عصر الخليفة يوسف المستنصر بالله وأوائل ظهور بنى مرين ... ٣٢٨
الفصل الثانى: أبو محمد عبد الواحد والعادل وثورة البياسى بالأندلس ........ ٣٤٨
الفصل الثالث: عصر الخليفة أبى العلى المأمون - إلغاء رسوم المهدى
ابن تومرت وقيام الدولة الحفصية بإفريقية .................................... ٣٦٧
стр. 2471
الكتاب التاسع
إنهيار الأندلس
وسقوط قواعدها الكبرى
الفصل الأول: الثورة فى مرسية وبلنسية ونذر الإنهيار الأولى .......... ٣٨٨
الفصل الثانى: ابن هود وابن الأحمر وسقوط قرطبة .................... ٤١٠
الفصل الثالث: سقوط بلنسية وقواعد الشرق ........................ ٤٣٧
الفصل الرابع: سقوط إشبيلية وقواعد الغرب ......................... ٤٦٥
الكتاب العاشر
نهاية الدولة الموحدية
الفصل الأول: عصر الخليفة أبى محمد عبد الواحد الرشيد ............... ٤٩٦
الفصل الثانى: عصر الخليفة أبى الحسن على السعيد ..................... ٥١٦
الفصل الثالث: عصر الخليفة المرتضى لأمر الله .......................... ٥٢٨
الفصل الرابع: نهاية الدولة الموحدية .................................... ٥٦١
الكتاب الحادى عشر
الممالك الإسبانية النصرانية
خلال العصر الموحدى
الفصل الأول: قشتالة وليون منذ عهد ألفونسو الثامن حتى عهد
فرناندو الثالث .......................................................... ٥٨٢
١ - مملكة قشتالة ....................................................... ٥٨٣
٢ - مملكة ليون ......................................................... ٥٩٣
٣ - قشتالة وعهد فرناندو الثالث ........................................ ٥٩٧
الفصل الثانى: أراجون ونافارا والبرتغال، منذ أواخر القرن
الثانى عشر إلى أواخر القرن الثالث عشر ................................... ٦٠٠
١ - مملكة أراجون ....................................................... ٦٠١
٢ - مملكة نافارا (نبرّة) ................................................... ٦٠٧
٣ - مملكة البرتغال ....................................................... ٦٠٩
стр. 2472
الكتاب الثانى عشر
نظم الدولة الموحدية
وخواص العهد الموحدى
الفصل الأول: الحكومة الموحدية بالمغرب والأندلس وأوضاعها
السياسية والعسكرية والإدارية ........................................ ٦١٤
١ - نظم الحكم الموحدى ............................................ ٦١٩
٢ - تطور الأساس الروحى للخلافة الموحدية ......................... ٦٣٠
٣ - النظم العسكرية ................................................. ٦٣٢
٤ - الحكومة الموحدية بالأندلس ...................................... ٦٤٠
الفصل الثانى: الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدى-القسم الأول. ٦٤٤
الفصل الثالث: الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدى-القسم الثانى. ٦٨١
الفصل الرابع: الحركة الفكرية الأندلسية خلال العصر الموحدى-القسم الثالث. ٧١١
وثائق موحدية
١ - رسالة الخليفة أبى يعقوب يوسف بن عبد المؤمن بالتوصية بأن تجرى
الأحكام وفقاً للعدل، وبأن يرفع إليه أمر الدماء قبل البت فيه ........... ٧٢٨
٢ - بيعة أهل إشبيلية للخليفة أبى يعقوب يوسف ....................... ٧٣١
٣ - رسالة الخليفة أبى يعقوب يوسف إلى الطلبة الذين بغرناطة ........... ٧٣٢
٤ - رسالة للسيد أبى إسحق ابراهيم يبلغ فيها عن دخول ابن همشك
فى الدعوة الموحدية ...................................................... ٧٣٣
٥ - رسالة الخليفة أبى يعقوب يوسف إلى الطلبة والموحدين بالأندلس
ينبئهم فيها باهتمامه بأمر الأندلس والعمل على نصرتها ..................... ٧٣٤
٦ - ظهير الخليفة الرشيد بإسكان المهاجرين من شرق الأندلس بمدينة
رباط الفتح ............................................................... ٧٣٧
٧ - رسالة الخليفة المرتضى لأمر الله إلى البابا إنوصان الرابع ................ ٧٣٨
٨ - كتاب بتقليد خطة الشورى .......................................... ٧٤١
استدراك .................................................................. ٧٤٢
ثبت المراجع ............................................................... ٧٤٣
стр. 2473
فهرست الخرائط والصور
١ - مواقع غزوات الموحدين لمملكة الشرق وغزوة وبذة ............... ٤٩
٢ - خط سير الجيش الموحدى والأسطول الموحدى إلى غزوة شنترين .. ١٢٠
٣ - مواقع معركة شنترين ............................................ ١٢٠
٤ - إفريقية والمغرب الأوسط، ومواقع الصراع بين بنى غانية والموحدين ١٦٣
٥ - مواقع موقعة الأرك .............................................. ٢٠١
٦ - رسم تخطيطى لميدان معركة الأرك حسبما يبدو اليوم .............. ٢٠٥
٧ - كنيسة الأرك - مجموعة أطلال قلعة رباح ........................ ٢٠٧
٨ - صومعة جامع المنصور بإشبيلية (لاخيرالدا) ........................ ٢٣١
٩ - مواقع موقعة العقاب ............................................. ٢٩٩
١٠ - أطلال حصن العقاب ........................................... ٣٠٣
١١ - نهر مجانيا كما يبدو فى أسفل الجبال .............................. ٣٠٤
١٢ - منحدر دسبنيابروس ............................................ ٣٠٤
١٣ - ممر بورتو دل مورادال .......................................... ٣٠٧
١٤ - بسيط مائدة الملك (ميسا دل رى) ............................... ٣٠٧
١٥ - رسم تخطيطى لموقعة العقاب خلال جبال سيرّا مورينا ............. ٣٠٩
١٦ - صورة سهام أرضية عثر بها المؤلف فى ميدان الموقعة ............... ٣١٦
١٧ - صورة العلم الموحدى الذى غنمه الإسبان ........................ ٣١٩
١٨ - خطط قرطبة الإسلامية .......................................... ٤١٩
١٩ - قطاع بلنسية ومرسية ومواقع الفتوحات الأرجونية ............... ٤٤١
٢٠ - مواقع حصار بلنسية ............................................. ٤٤٥
٢١ - قطاع إشبيلية وأحوازها ومواقع الغزو القشتالى ................... ٤٧٥
٢٢ - حصار إشبيلية .................................................. ٤٧٩
٢٣ - خريطة تبين انهيار الأندلس وما كسبته الممالك النصرانية ........... ٤٩١
٢٤ - صورة فتوغرافية لخطاب الخليفة المرتضى إلى البابا إنوصان الرابع ... ٥٣٩
٢٥ - خريطة تبين تفكك الدولة الموحدية والدول التى قامت مكانها ...... ٥٦٩
стр. 2474
فهرست الشعر
أبو عمر بن حربون ..... بسعدك أضحى الدين جذلان باسما ............ ٣٩
أبو بكر بن طفيل ..... أقيموا صدور الخيل نحو المضارب ............... ٦٠
أبو الحسن بن عياش ..... أقيموا إلى العلياء عوج الرواحل .............. ٦١
أبو بكر بن المنخل ..... شرف الخلافة أن ملكت زمامها ................ ٦٧
أبو بكر بن طفيل ..... ولما انقضى الفتح الذى كان يرتجى ............. ١٠٩
ابن صاحب الصلاة ..... خير البشائر صوغت حمل المنى ............... ١٠٩
شاعر من الجزائر ..... سلام على قبر الإمام الممجد .................... ١١٠
أبو بكر بن مجبر ..... أسائلكم لمن جيش لهام ........................... ١٦٥
أبو العباس الجراوى ..... نار من الفتنة العمياء أطفأها .................. ١٨٠
أبو عبد الله الجزيرى ..... فى أم رأسى سر ............................. ١٨٠
عبد الرحمن بن منقذ ..... سأشكر بحراً ذا عباب قطعته ................. ١٨٥
أبو العباس الجراوى ..... إياب الإمام حياة الأمم ....................... ١٨٩
...... " ....... " .... بشائر نصر الله جاءتك سافرة ...................... ٢١٢
...... " ....... " .... هو الفتح أعيى وصفه النظم والنثرا ................. ٢١٦
على بن حزمون ..... حيتك معطرة النفس ............................. ٢١٦
أبو بكر بن مجبر ..... أتراه يترك الغزلا .................................. ٢٤٤
عبد الرحمن بن الفرس ..... قولوا لأبناء عبد المؤمن بن على .............. ٢٥٦
ابن يخلفتن الفازازى ..... هذى فتوح تفتحت أزهارها ................... ٢٧٥
شاعر مرسى ..... موقعة عفص وطلياطة ................................ ٣٥٥
ابن الأبار القضاعى ..... الحمد لله لا أهل ولا ولد ....................... ٣٩٦
سعيد بن حكم الأموى ..... لا تمنع المعروف يوما معرضاً ومعرضا ....... ٤٠٩
ابن الأبار القضاعى ..... ألما بأشلاء العلا والمكارم ........................ ٤٤٢
....... " ....... " ... أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ......................... ٤٤٦
أبو المطرف بن عميرة ..... ما بال دمعك لا ينى مدراره ................... ٤٥٤
стр. 2475
شاعر من جيان ..... أودعكم أودعكم جيانى ........................... ٤٦٩
إبراهيم بن سهل الإشبيلى ..... ورداً فمضمون نجاح المصدر ............. ٤٨٢
أبو موسى بن هرون ..... يا حمص أقصدك المقدور حين رمى ............. ٤٨٢
الخليفة المرتضى لأمر الله ..... وافى ربيع قد تعطر نفحه .................. ٥٦٠
...... " ...... " .......... ولما مضى العمر إلا الأقل ....................... ٥٦٠
عبد الله بن فتوح الحضرمى ..... وعجل شيبى أن ذا الفضل مبتلى ........ ٦٦٢
مفوز بن حيدرة المعافرى ..... وقفت على الوادى المنعم دوحه ........... ٦٦٣
موسى بن حسين الميرتلى ..... سليخة وحصير ........................... ٦٦٦
الشيخ محيى الدين بن عربى ..... سلام على سلمى ومن هل بالحمى ........ ٦٨٠
...... " ....... " ........... درست عهودهم وأن هواهم .................. ٦٨٠
ابن أبى العافية الأزدى ..... يا سرحة الحى يا مطول ....................... ٦٨٨
عبد الرحمن بن مغاور ..... أيها الواقف اعتباراً بقربى ....................... ٦٨٩
ابن غالب البلنسى ..... لو جئت نار الهدى من جانب الطور ............... ٦٨٩
....... " ..... " .... ومهول الشطين تحسب أنه .............................. ٦٨٩
....... " ..... " .... وفتيان صدق كالنجوم تألقوا ........................... ٦٨٩
....... " ..... " .... خليلى ما لليد قد عبقت نسرا ........................... ٦٩٠
ابن عياض القرطبى ..... كم من أخ فى فؤاده دغل .......................... ٦٩٠
ابن الصابونى الصدفى ..... أهلا بطيف خيال منك منساب ................... ٦٩١
ابن حريق ..... يا صاحبى وما البخيل بصاحبى ............................... ٦٩٢
مرج الكحل ..... مثل الرزق الذى تطلبه ................................... ٦٩٢
.... " ... " .... عرج بمنعرج الكثيب الأخضر .................................. ٦٩٢
عبد الرحمن بن حزمون ..... يا من له بالأنام أنسى ............................ ٦٩٣
...... " ...... " ........ إليك إمام الحق جبت المفاوز ........................... ٦٩٣
إبراهيم بن سهل الإشبيلى ..... مضى الوصل إلا منية تبعث الأسى ............ ٦٩٤
...... " ...... " ............ ليل الهوى يقظان .................................. ٦٩٤
ابن حجاج اللخمى ..... هنأ الله بلاد العرب .................................. ٦٩٤
أبو العباس الجراوى ..... أتراه يترك الغزلا .................................... ٦٩٥
стр. 2476
دولة الإسلام في الأندلس
تأليف محمَّد عبد الله عِنَانْ
العصْر الرّابع
نهَايَةُ الأَنْدَلُسْ وَتَارِيخ العَرَبْ المتنَصِّرِين
стр. 2477
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الرابعة
١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م
رقم الإيداع: ٨٩٨٨/ ٩٠
الترقيم الدولي: ٤ - ٠٨٢ - ٥٠٥ - ٩٧٧
مطبعة المَدَنِي
المؤسسة السعودية بمصر
٦٨ شارع العباسية-القاهرة-ت: ٤٨٢٧٨٥١
стр. 2478
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة (١)
صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في سنة ١٩٤٩، وصدرت طبعته الثانية في سنة ١٩٥٨، مدعمة بكثير من المراجع والوثائق التي أتيح لي أن أجمعها خلال رحلاتي وبحوثي العديدة في إسبانيا والمغرب وغيرهما.
وقد قمت حتى اليوم باثنتى عشرة رحلة دراسية في شبه الجزيرة الإسبانية، وزرت سائر المدن الأندلسية القديمة في إسبانيا والبرتغال، وعنيت بدراسة سائر ما بها من الآثار والأطلال والنقوش الأندلسية، كما زرت سائر المدن الإسبانية النصرانية التي لها علاقة بتاريخ الأندلس، في قشتالة، ونافار، وليون وجليقية؛ ووقفت خلال هذا التجوال الشامل في أنحاء شبه الجزيرة، على كثير من خواصها وطبائعها الجغرافية والإقليمية، وكثير من تقاليدها وخواصها الاجتماعية والأدبية، وقد كان لذلك كله، أعمق الأثر في نفسي، وفى إمدادي بكثير من الآراء والفكر الجديدة، المتعلقة بتاريخ الأندلس والأمة الأندلسية.
وهناك حقيقة سبق أن نوهت بها في مقدمة الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وهي أن المصادر الإسلامية بالنسبة لهذه المراحل الأخيرة، من حياة الأمة الأندلسية قليلة ضنينة. أجل لقد انتهت إلينا عن تاريخ مملكة غرناطة وأحوالها طائفة من المراجع القيمة، في مقدمتها كتب الوزير ابن الخطيب، وما كتبه عنها ابن خلدون حتى حوادث عصره، وكذلك انتهت إلينا طائفة حسنة أخرى، عن تاريخ مملكة بني مرين، قرينة مملكة غرناطة، وعضدها الأيمن في الجهاد. ولكن هذه المراجع الإسلامية تقف بنا عند أواخر القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، ولا نكاد نظفر بعد ذلك، خلال القرن التاسع الهجري، وهو بالنسبة لمملكة غرناطة، عصر الانحلال والسقوط النهائي، بأية مراجع إسلامية ذات شأن،
стр. 2479
وليس لدينا من تراث الرواية الإسلامية عن تلك المرحلة القاتمة، من تاريخ دولة الإسلام في الأندلس، سوى رواية صاحب "أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر" عن سقوط غرناطة، وما نقله إلينا المقري من شذور قليلة متفرقة، في نفح الطيب، وفي أزهار الرياض، عن تلك المرحلة الأخيرة من حياة غرناطة.
أما عن مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين، وهم بقايا الأمة المغلوبة، فلسنا نظفر من الرواية الإسلامية إلا بأقوال وشذور يسيرة، معظمها أيضاً مما نقل إلينا المقري في كتابيه السابقين. ولهذا كان جل اعتمادنا في استعراض هذه المرحلة الأخيرة، من حياة الأمة الأندلسية، على المصادر الغربية، والإسبانية بنوع خاص، ومنها بعض المصادر المعاصرة، التي تروى لنا تفاصيل المأساة عن مشاهدة فعلية؛ وإذا كانت المصادر الإسبانية، يفيض معظمها بالمؤثرات القومية والدينية، فإنه لما يشهد للبحث الغربي بالاعتدال والروية، وروح الإنصاف، ما يبديه في مواطن كثيرة، من تقدير مؤثر لعبقرية الأمة المغلوبة وحضارتها، وروعة كفاحها للذود عن حياتها وكرامتها وتراثها، وما يبديه بالأخص من عطف على محنتها وآلامها، ومن استنكار لخطط السياسة الإسبانية، وأساليب محاكم التحقيق في العمل على إبادتها. ويكفي أن ننقل في هذا الموطن تلك العبارة الموجزة القوية، التي يجمل فيها الدكتور "لي"، وهو من أحدث الباحثين في هذا الموضوع، مأساة العرب المتنصرين، إذ يقول في مقدمة كتابه: "إن تاريخ الموريسكيين لا يتضمن فقط مأساة تثير أبلغ عطف، ولكنه أيضاً خلاصة لجميع الأخطاء والأهواء، التي اتحدت لتنحدر بإسبانيا في خلال قرن، من عظمتها أيام شارل الخامس، إلى ذلتها في عصر كارلوس الثاني".
...
ومن ثم فقد وطنت النفس على ألا أدخر وسعاً، في تقصي المصادر والوثائق المتعلقة بهذه المرحلة الغامضة القاتمة، من تاريخ الأمة الأندلسية -مرحلة الإنحلال والفناء- والسعي وراءها أينما وجدت، سواء منها العربية أو القشتالية، وأعتقد أنني بذلت في هذا السبيل جهد المستطاع، ووفقت إلى نتائج ذات شأن، سواء يالنسبة لتاريخ مملكة غرناطة، أو تاريخ الموريسكيين. ففي خلال الرحلات العديدة التي قمت بها حتى اليوم في شبه الجزيرة الإسبانية، لم أترك موطناً من
стр. 2480
مواطن البحث والدرس، أو مستودعاً من مستودعات المصادر والوثائق المخطوطة أو المطبوعة إلا قصدته، ونهلت منه؛ وقد أنفقت أوقاتاً عديدة في البحث في المجموعات العربية المخطوطة، التي تحتفظ بها مكتبة مدريد الوطنية، وأكاديمية التاريخ، والإسكوريال، وغرناطة، وأنفقت كذلك أوقاتاً أوفى في البحث والتنقيب وراء الوثائق المخطوطة، الأندلسية، والمغربية، والمدجنية، والمستعربية العربية، والوثائق المخطوطة القشتالية، وذلك سواء في دار المحفوظات التاريخية بمدريد، أو الإسكوريال، أو دار المحفوظات العامة في شنت منكش Simancas، أو محفوظات التاج الأرجوني ببرشلونة، أو محفوظات مملكة بلنسية، أو بلدية غرناطة، وكتدرائية سرقسطة، وبلدية بنبلونة، وغيرها من المجموعات المحلية الخاصة، وقد ظفرت من وراء ذلك كله بمجموعة زاخرة من الوثائق التي تلقي أعظم ضوء، على هذه المرحلة المشجية من تاريخ الأمة الأندلسية، ومنها وثائق عديدة لم تر الضياء من قبل، وهي تمدنا بكثير من الحقائق والتفاصيل.
وقد ألفيت بغيتي بنوع خاص، في دار المحفوظات الإسبانية العامة، في شنت منكش (سيمانقا)؛ وشنت منكش هي قلعة أندلسية قديمة تحيط بها محلة صغيرة، وتقع جنوب غربي مدينة بلد الوليد Valladolid، على قيد عشرة كيلومترات منها، وقد اتخذت منذ القرن السادس عشر داراً للمحفوظات الملكية الإسبانية، وهي ما تزال إلى يومنا مستودع هذه المحفوظات الشهيرة، التي تضم مجموعات عديدة زاخرة من أهم وأنفس الوثائق التاريخية والسياسية والقضائية، ومنها عدد من الوثائق الأندلسية والمغربية النادرة. وقد اطلعت فيها على عدد كبير من الوثائق الأندلسية والقشتالية المتعلقة بتاريخ مملكة غرناطة، ومجموعة كبيرة من المراسيم الملكية الصادرة إلى العرب المتنصرين، ومن وثائق ديوان التحقيق المتعلقة بهم وبمحاكماتهم، وحصلت على صور فوتوغرافية لهذه الوثائق، التي استقينا من محتوياتها خلال هذا الكتاب، كثيراً من الحقائق والتفاصيل، ونشرنا لوحات من بعضها. كما أوردت كثيراً من محتويات الوثائق المدجنية والمستعربية، التي استطعت الحصول عليها من مختلف المجموعات الإسبانية التي سبق ذكرها، وهي تلقى ضوءاً كبيراً على حياة المدجنين وأحوالهم في العصور المتأخرة، التي انقطعت فيها كل
стр. 2481
صلاتهم بماضيهم القديم، وبدينهم ولغتهم، وأمتهم الأصيلة.
وبالرغم من أن مجموعة الإسكوريال الأندلسية، لا تحتوي فيما يتعلق بتاريخ مملكة غرناطة، عدا كتب ابن الخطيب، على كثير من الآثار، ولم يكن بها من قبل عن المرحلة الأخيرة سوى نسخة مخطوطة من كتاب "أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر" الذي عنى بنشره المستشرق ميللر، ثم فقد بعد نشره، فإني وقفت خلال بحوثي بها على طائفة من النصوص الهامة، وردت في بعض الرسائل المغمورة، مثل رسالة "أسنى المتاجر" عن هجرة المدجنين، ورسالة ابن خاتمة عن الوباء الكبير. وقد ألفيت بالطبع في كتب ابن الخطيب -ومنها بالإسكوريال عدة- مادة نفيسة، وانتفعت بها في كثير من المواطن. بيد أني لم أجد مع الأسف هنالك شيئاً يتعلق بالموريسكيين أو العرب المتنصرين.
ووقفت خلال بحوثي بمكتبة الفاتيكان الرسولية برومة، على مؤلف مخطوط هام لرحالة ومؤرخ مصري، هو عبد الباسط بن خليل الحنفي، عنوانه "الروض الباسم في حوادث العمر والتراجم" وقد وردت به فقرات كثيرة عن حوادث غرناطة الأخيرة، وقد شهدها الرحالة المذكور، أو وقف عليها خلال زيارته لغرناطة أيام السلطان أبي الحسن. وعثرت هنالك فوق ذلك على وثيقة فقهية
هامة بها نصائح وتوجيهات دينية للعرب المتنصرين، وقله نشرت برمتها في موضعها من الكتاب.
كما وقفت خلال بحوثي بالمغرب على بعض النصوص المفيدة، ومنها رواية مخطوطة ضافية عن أحوال العرب المتنصرين وموقف السياسة الإسبانية منهم، كتبها موريسكي هاجر وعاد إلى الإسلام في أواخر العهد الموريسكي.
وقد كان لما تضمنته هذه الوثائق العديدة، وما تلقيه من أضواء هامة على كثير من الحوادث والتطورات، المتعلقة بالمرحلة الأخيرة من تاريخ مملكة غرناطة وتاريخ العرب المتنصرين، وحياتهم في ظل الإستعباد الإسباني المرهق، المدني والديني، نحو مائة عام - كان لذلك كله أثره العميق في تصحيح كثير من النصوص والروايات المتواترة، وفي إخراج قصة سقوط الأندلس، وقصة العرب المتنصرين واستشهادهم المؤثر، في ثوبها التاريخي الحق، المدعم بالأدلة والنصوص التي لاشك فيها.
стр. 2482
ورأيت إلى جانب هذه الوثائق التاريخية، أن أتقصى المصادر القشتالية الكلاسيكية، ومنها بعض الروايات المعاصرة للمأساة أو القريبة منها، ولم أشأ أن أترك آراء المؤرخين القشتاليين وأحكامهم جانباً، بالرغم مما يشوب هذه الآراء والأحكام في كثير من الأحيان من التحامل. وقد انتفعت بثمار مراجعة دقيقة شاملة لأهم المصادر القشتالية، ونخص فيما يتعلق بالرواية التاريخية بالذكر ثلاثة منها هي: رواية هرناندو دي بايثا المعاصرة عن أحداث الأعوام الأخيرة لمملكة غرناطة؛ ورواية لويس دل مارمول المستفيضة عن سقوط غرناطة، وثورة العرب المتنصرين وقد كتب روايته بعد سقوط غرناطة بنحو ثمانين عاماً، وشهد ثورة العرب المتنصرين منذ بدايتها إلى نهايتها؛ وتاريخ غرناطة للمؤرخ الغرناطي لافونتي ألقنطرة، وقد كتب في القرن الماضي، وهو زاخر بالمعلومات والتفاصيل القيمة؛ ورجعت فيما يتعلق بالعرب المتنصرين ونفيهم، إلى عدة من أكابر المفكرين والمؤرخين الإسبان الذين يعتد بآرائهم في هذا الميدان، وفي مقدمتهم موديستو لافونتي، وخانير، وبيكاتوستي، ومننديث إي بلايو، ونقلت من تعليقاتهم على مأساة النفي ونتائجها فقرات طويلة، تعرض آراءهم وأحكامهم بوضوح، وحرصت على نقل آراء المؤيدين والمعارضين على السواء.
وقد عنيت عناية خاصة بالتجوال في مملكة غرناطة القديمة، فزرت سائر مدنها: غرناطة، وألمرية، والمنكب، وبسطة، ووادي آش، ومالقة، وبلش، ولوشة، والحامة، ورندة، وأركش، والجزيرة، وطريف، وجبل طارق، كما زرت كثيراً من بلدانها وقراها، وزرت مدينة غرناطة ذاتها عشر مرات، وشهدت في بسائطها ونجودها وأحيائها، كثيراً من الأماكن التي كانت مسرحاً لكثير من الحوادث والوقائع الشهيرة، وتجولت في مرجها الشهير، وعلى ضفاف نهرها القديم شَنيل، وصعدت إلى جبال سيرّا نفادا ذات الآكام الناصعة، وشهدت بمدينة الحمراء - وهي التي مازال قصرها المنيف، وأبهاؤها الرائعة، عنواناً لمجد غرناطة الإسلامية وحضارتها العظيمة - سائر الأماكن التي اختتمت فيها المأساة الأندلسية، والتي تذكرها الرواية في كثير من المناسبات المشجية.
وشغلت مدى أعوام، بدراسة هذه المجموعة الزاخرة من الوثائق والمصادر، وإعداد هذه الطبعة الجديدة من "نهاية الأندلس"، أو بعبارة أخرى بكتابة
стр. 2483
الكتاب من جديد، بعد أن اجتمعت لدى سائر هذه العناصر الحية. ولقد كان لهذا التجوال المستفيض في مواطن الحوادث، وهذه المشاهدات العديدة، للديار والربوع، أعمق الأثر في نفسي، وفي ذهني، وفي تكييف قلمي، حتى لقد كنت أشعر، حين تدوين الحوادث، وأمام مخيلتي تلك الأماكن والمشاهد، أنني كأنما قد عشت في تلك الأيام، وفي تلك الربوع، وبين أولئك الناس أبطال المأساة، الذين أتتبع سيرهم ومصايرهم.
ولهذا كله، وعلى ضوء كل ما تقدم من الوثائق والنصوص، العربية والقشتالية، التي اجتمعت لي منها أغزر مادة، يمكن أن تجتمع لباحث في هذا الميدان، أرجو أن أكون قد وفقت لأن أضع اليوم بين يدي القارىء، أوفى وأوثق رواية كتبت عن نهاية الأندلس. وعن مأساة العرب المتنصرين.
وإني لأنتهز هذه الفرصة لأقدم جزيل الشكر إلى الآباء المحترمين القائمين على إدارة مكتبة الإسكوريال لما لقيت من جميل عونهم وعنايتهم خلال زياراتي العديدة لهذه المكتبة الجليلة. وإني مازلت أذكر بالأخص بعميق العرفان ما قدمه إلى صديقى المرحوم الأب الجليل نمسيو موراتا أمين مكتبة الإسكوريال السابق، من معاونات قيمة، كما أقدم وافر شكري لمديري وأمناء دور المحفوظات في سيمانقا ومدريد وبرشلونة وبلنسية وغرناطة، ومدير وأمناء مكتبة مدريد الوطنية، لما لقيت من معاوناتهم القيمة خلال بحوثي بها مدى أعوام طويلة. وأود أخيراً أن أعرب عن وافر امتناني وعرفاني، لإخواني القائمين على معهدنا المصرى بمدريد، لما أسدوا إلي في مختلف المناسبات من معاونات قيمة، كان لها أكبر الأثر في تسهيل مهمتى.
صفر سنة ١٣٧٨
الموافق أغسطس سنة ١٩٥٨
محمد عبد الله عنان
стр. 2484
تصدير
صدرت الطبعة الثانية من هذا الكتاب في سنة ١٩٥٨، أعنى منذ نحو سبعة أعوام. والآن، وقد أنجزت كتابة مرحلة التاريخ الأندلسى، التي تسبق مرحلة الإنهيار والسقوط، وهي تاريخ "عصر المرابطين والموحدين" وتمت بذلك سلسلة تاريخ الأندلس، منذ الفتح حتى إخراج بقايا الأمة الأندلسية نهائياً من الأراضى الإسبانية، فإني أقدم هذه الطبعة الثالثة من "نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين".
وقد كان في مقدمة ما عنينا به في هذه الطبعة الجديدة، هو أن نراجع فصول الكتاب الأولى، المتعلقة بسقوط القواعد الأندلسية الكبرى، ونهوض محمد ابن يوسف بن الأحمر، ونشوء مملكة غرناطة، وأن نصل وأن ننسق بين هذه الفصول، وبين ما ورد عن نفس الموضوعات في القسم الثاني من كتابنا "عصر المرابطين والموحدين"، وهو "عصر الموحدين وانهيار الأندلس الكبرى". وقد اقتضى هذا التنسيق بعض التكرار في سرد هذه الحوادث، وهو تكرار يقصد به قبل كل شىء، المحافظة على استقلال هذا القسم الأخير من تاريخ الأندلس، بيد أننا توخينا الإيجاز في استعراض هذه الحوادث، تمهيداً لموضوعنا الأساسى، وهو نشوء مملكة غرناطة، آخر دول الإسلام بالأندلس، وتاريخها خلال حياتها الطويلة، هذا بينما تناولنا مرحلة انحلال الأندلس الكبرى وسقوط قواعدها، في كثير من الإسهاب والإفاضة في كتابنا "عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس" وهو الذي يسبق مباشرة كتاب "نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين"، وهو الحلقة الختامية في هذه السلسلة الكبرى من تاريخ "دولة الإسلام في الأندلس".
وقد أتيح لنا في نفس الوقت، أن نقوم بكثير من التعديلات والإضافات الجديدة، التي استطعنا أن نفيد الكثير منها، خلال بحوثنا في الأعوام الأخيرة
стр. 2485
في مدريد وفي المغرب. وبالرغم من أن هذه التعديلات والإضافات، ليست كثيرة، فإنها مع ذلك تضفى على الكتاب قيما وفوائد جديدة.
وإنا لنرجو أن تتوج هذه الطبعة الجديدة من "نهاية الأندلس" ذلك المجهود الطويل المضنى الذي بذلناه مدى خمسة وعشرين عاماً في كتابة هذه القصة المشجية - تاريخ الأمة الأندلسية- منذ بدايتها حتى نهايتها.
ربيع الأول سنة ١٣٨٦
الموافق يوليه سنه ١٩٦٦
محمد عبد الله عنان
стр. 2486
صفحتان من كتاب " الإحاطة في أخبار غرناطة " لابن الخطيب، من ترجمته لنفسه. مخطوط الإسكوريال رقم ١٦٧٣ الغزيرى.
стр. 2487
الصفحتان الأوليان من رسالة " أسنى المتاجر فيمن غلب النصارى على وطنه ولم يهاجر " وهي توجد ضمن مجموعة مخطوطة بالإسكوريال رقم ١٧٥٨ الغزيرى.
стр. 2488
تاريخ مملكة غَرناطة
٦٣٥ - ٨٩٧ هـ: ١٢٣٨ - ١٤٩٢ م .
стр. 2489
الكِتابُ الأول ممْلكة غَرناطة
منذ قيامها حتى ولاية السّلطان أبي الحسن
٦٣٥ - ٨٦٨ هـ: ١٢٣٨ - ١٤٦٣ م
стр. 2490
الفصل الأوّل الأندلس الغاربة
دول الطوائف. المرابطون والموحدون. سياسة الإسترداد النصرانية. سقوط القواعد الأندلسية في يد النصارى. موجة الاسترداد الغامرة في القرن السابع. شعور أهل الأندلس بمصيرهم. مدينة غرناطة. صفتها أيام الدولة الإسلامية. ما بقى من خططها ومعالمها الأندلسية.
- ١ -
يقدم إلينا تاريخ الأندلس في مراحله الأولى، صفحات باهرات من ضروب المجد الحربى والسياسى، وآيات ساطعات من ضروب التمدن والعرفان. ولكنه يقدم إلينا في مراحله الأخيرة، صفحات مشجية مؤثرة من تقلب الجدود، وتعاقب المحن، والانحدار البطىء المؤلم، إلى معترك الهزيمة، والذلة والسقوط.
ولا تمثل قصة الأندلس، سوى الحقيقة التاريخية الخالدة. وليس مجرى التاريخ سوى تعاقب الأجيال والأمم، وتبدل الحضارات والدول. ولكن الصراع الطويل المضطرم، الذي خاضته الأمة الإسلامية في الأندلس، قبل أن تستسلم إلى قدرها المحتوم، يبدو فضلا عما يحف به من ألوان البطولة الخالدة، صفحة رائعة من الاستشهاد المؤثر، قلما يقدمها إلينا تاريخ أمة من الأمم، التي اشتهرت بالذود عن حياتها وحرياتها.
وقد سقطت قواعد الأندلس الشهيرة، في سلسلة من المعارك والمحن الطاحنة، التي تقلبت فيها الأمة الأندلسية، منذ انهار صرح الخلافة الأموية في الأندلس، في أواخر القرن الرابع الهجري، وقامت دول الطوائف الصغيرة المفككة، على أنقاض دولة عظيمة شامخة. وكان سقوط كل قاعدة من هذه القواعد الشهيرة التي كانت تسطع بمجتمعاتها وحضارتها الزاهرة، خلال حلك العصور الوسطى، يمثل ضربة مميتة للدولة الإسلامية في الأندلس، ويحدث أعمق صدى في جنبات الدول الإسلامية في الشرق والغرب، وينتزع من وحى النثر والنظم أروع المراثى. وكانت الأمة الأندلسية، كلما سقطت قاعدة من قواعدها الشهيرة، في يد عدوتها القديمة المتربصة بها - إسبانيا النصرانية - ألفت عزاءها في قواعدها الأخرى،