صفحتان من كتاب " الإحاطة في أخبار غرناطة " لابن الخطيب، من ترجمته لنفسه. مخطوط الإسكوريال رقم ١٦٧٣ الغزيرى.
стр. 2487
الصفحتان الأوليان من رسالة " أسنى المتاجر فيمن غلب النصارى على وطنه ولم يهاجر " وهي توجد ضمن مجموعة مخطوطة بالإسكوريال رقم ١٧٥٨ الغزيرى.
стр. 2488
تاريخ مملكة غَرناطة
٦٣٥ - ٨٩٧ هـ: ١٢٣٨ - ١٤٩٢ م .
стр. 2489
الكِتابُ الأول ممْلكة غَرناطة
منذ قيامها حتى ولاية السّلطان أبي الحسن
٦٣٥ - ٨٦٨ هـ: ١٢٣٨ - ١٤٦٣ م
стр. 2490
الفصل الأوّل الأندلس الغاربة
دول الطوائف. المرابطون والموحدون. سياسة الإسترداد النصرانية. سقوط القواعد الأندلسية في يد النصارى. موجة الاسترداد الغامرة في القرن السابع. شعور أهل الأندلس بمصيرهم. مدينة غرناطة. صفتها أيام الدولة الإسلامية. ما بقى من خططها ومعالمها الأندلسية.
- ١ -
يقدم إلينا تاريخ الأندلس في مراحله الأولى، صفحات باهرات من ضروب المجد الحربى والسياسى، وآيات ساطعات من ضروب التمدن والعرفان. ولكنه يقدم إلينا في مراحله الأخيرة، صفحات مشجية مؤثرة من تقلب الجدود، وتعاقب المحن، والانحدار البطىء المؤلم، إلى معترك الهزيمة، والذلة والسقوط.
ولا تمثل قصة الأندلس، سوى الحقيقة التاريخية الخالدة. وليس مجرى التاريخ سوى تعاقب الأجيال والأمم، وتبدل الحضارات والدول. ولكن الصراع الطويل المضطرم، الذي خاضته الأمة الإسلامية في الأندلس، قبل أن تستسلم إلى قدرها المحتوم، يبدو فضلا عما يحف به من ألوان البطولة الخالدة، صفحة رائعة من الاستشهاد المؤثر، قلما يقدمها إلينا تاريخ أمة من الأمم، التي اشتهرت بالذود عن حياتها وحرياتها.
وقد سقطت قواعد الأندلس الشهيرة، في سلسلة من المعارك والمحن الطاحنة، التي تقلبت فيها الأمة الأندلسية، منذ انهار صرح الخلافة الأموية في الأندلس، في أواخر القرن الرابع الهجري، وقامت دول الطوائف الصغيرة المفككة، على أنقاض دولة عظيمة شامخة. وكان سقوط كل قاعدة من هذه القواعد الشهيرة التي كانت تسطع بمجتمعاتها وحضارتها الزاهرة، خلال حلك العصور الوسطى، يمثل ضربة مميتة للدولة الإسلامية في الأندلس، ويحدث أعمق صدى في جنبات الدول الإسلامية في الشرق والغرب، وينتزع من وحى النثر والنظم أروع المراثى. وكانت الأمة الأندلسية، كلما سقطت قاعدة من قواعدها الشهيرة، في يد عدوتها القديمة المتربصة بها - إسبانيا النصرانية - ألفت عزاءها في قواعدها الأخرى،
стр. 2491
وهرع معظم السكان المسلمين إلى تلك القواعد الإسلامية الباقية، إستبقاء لحرياتهم ودينهم وكرامتهم، حتى لم يبق من تلك القواعد الشهيرة سوى غرناطة وأعمالها، تؤلف مملكة إسلامية صغيرة، ولكن أبية ساطعة، استطاعت عبقرية بناتها النصريين، أن تسير بها خلال العاصفة أكثر من مائتى عام.
والحقيقة أن مصير الأندلس، كان يهتز في يد القدر، مذ فشلت ريح دول الطوائف، وغلب عليها الخلاف والتفرق، وانحدرت إلى معترك الحرب الأهلية، تفسح لعدوها الخطر مجال التفوق عليها، والضرب والتفريق بينها. وقد استطاع بعض ذوى النظر الثاقب من رجالات الأندلس، حتى في ذلك العصر، الذي كان الإسلام يسيطر فيه على معظم أنحاء شبه الجزيرة الإسبانية، أن يستشفوا ما وراء هذا التفرق من الخطر الداهم. فنرى ابن حيان مؤرخ الأندلس في القرن الخامس الهجري، يقول لنا بعد أن يصف حوادث سقوط بربشتر، من أعمال الثغر الأعلى (أراجون)، في يد النصارى (النورمان) في سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٣ م) وما اقترن بسقوطها من القتل والسبى وشنيع الاعتداء: "وقد استوفينا في شرح هذه الفادحة مصائب جليلة، مؤذنة بوشك القلعة، طالما حذر أسلافنا لحاقها، مما احتملوه عمن قبلهم من آثاره. ولاشك عند أولى الألباب، أن ذلك مما دهانا من داء التقاطع، وقد أخذنا بالتواصل والألفة، فأصبحنا من استشعار ذلك والتمادى عليه، على شفا -جرف يؤدى إلى الهلكة لا محالة، إذ قدر الله زماننا هذا بالإضافة إلى ما عهدنا في القرن الذي سلخه من آخر أمد الجماعة، على إدراك ما لحق الذي قبله، فمثل دهرنا هذا -لا قدس- بهيم الشبه، ما أن يباهى بعرجه، فضلا عن نزوح خيره، قد غربل ضمائرهم، فاحتوى عليهم الجهل، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء، ولا على معالى الغى بأقوياء. نشأ من الناس هامل يعللون أنفسهم بالباطل، من أول الدلائل على فرط جهلهم، اغترارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصية نبيهم، وغفلتهم عن سد ثغرهم، حتى أطل عدوهم الساعى لإطفاء نورهم، يتبجح عراص دورهم، ويستقرى بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم طرفا، ويبيد أمة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكراهم، لهاة عن بثهم " (١)، ولم يكن هذا التنديد من
стр. 2492
جانب المؤرخ الأندلسى الكبير، بتواكل أهل الأندلس، وتخاذلهم عن نصرة دينهم وإخوانهم، إلا معبراً عن حقيقة راسخة مؤلمة، ظهرت بأروع مظاهرها، في عصر الطوائف. بل لقد لاح مدى لحظة، حينما سقطت طليطلة أول قاعدة إسلامية كبيرة، في يد اسبانيا النصرانية في سنة ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م)، أن الأندلس أضحت على وشك الفناء، وأن دول الطوائف المنهوكة الممزقة، سوف تسقط تباعاً في يد عدوها القوى، وأن دولة الإسلام في اسبانيا سوف تطوى وتختتم حياتها المجيدة في شبه الجزيرة. وقد ساد الفزع والتوجس يومئذ جنبات الأندلس كلها، حتى قال شاعرهم حينما سقطت طليطلة:
يا أهل أندلس شدوا رحالكم ... فما المقام بها إلا من الغلط
السلك ينثر من أطرافه وأرى ... سلك الجزيرة منثوراً من الوسط
من جاور الشر لا يأمن بوائقه ... كيف الحياة مع الحيات في سفط
ولكن الدرس كان عميق الأثر، فجنح زعماء الطوائف إلى الرشاد، وجمعت المحنة منهم الكلمة، وارتدوا إلى ما وراء البحر، يلتمسون الغوث إلى "المرابطين" إخوانهم في الدين. وكان المرابطون يومئذ في عنفوان دولتهم، وأميرهم يوسف ابن تاشفين يبسط سلطانه القوى على أمم المغرب، من المحيط غرباً حتى تونس شرقاً. فاستجاب المرابطون إلى صريخ الطوائف، وعبروا البحر إلى الأندلس في قوات ضخمة، والتقت الجيوش الإسلامية المتحدة بقيادة يوسف بن تاشفين، بالجيوش النصرانية المتحدة بقيادة ألفونسو السادس زعيم اسبانيا النصرانية، في سهول الزلاّقة في رجب سنة ٤٧٩ هـ (أكتوبر سنة ١٠٨٦ م) فأحرز المسلمون نصراً عظيماً حاسماً. وكانت موقعة الزلاّقة من أيام الأندلس المشهورة، وانتعشت دول الطوائف، وقويت نفوس الأمة الأندلسية، وبدأت الأندلس حياة جديدة. ولكن سرعان ما انقلب المرابطون على إخوانهم وحلفائهم، واجتذبتهم نعماء الأندلس وثرواتها، فحطموا دول الطوائف، وبسطوا حكمهم على الأندلس زهاء نصف قرن. ولما سقطت دولتهم في المغرب، وقامت على أنقاضها دولة الموحدين، جاشت مختلف القواعد الأندلسية بالثورة على المرابطين، وعبر الموحدون البحر إلى اسبانيا، واستولوا تباعا على القواعد الأندلسية الكبرى وبسطوا على الأندلس حكمهم زهاء قرن آخر. وفي ظل الموحدين أحرزت الجيوش الإسلامية كما أحرزت في الزلاّقة أيام المرابطين، نصرها الحاسم ضد اسبانيا
стр. 2493
النصرانية، بقيادة الخليفة الموحدى يعقوب المنصور، وذلك في موقعة الأرك الشهيرة (٥٩١ هـ - ١١٩٥ م) (١). ولكنها ما لبثت أن لقيت هزيمتها الحاسمة، بعد ذلك بقليل على يد اسبانيا النصرانية، في عهد الخليفة محمد الناصر ولد المنصور في موقعة العقاب المشئومة التي فنى فيها معظم الجيوش الموحدية والأندلسية (٦٠٩ هـ - ١٢١٢ م) (٢). وكانت هزيمة العقاب ضربة شديدة لسلطان الموحدين ولاسبانيا المسلمة، فعاد شبح الفناء يلوح للأندلس قوياً منذراً، وسرى هذا التوجس إلى كتاب العصر وشعرائه، وظهر واضحاً في رسائلهم وقصائدهم. ومن ذلك ما قاله أبو اسحق ابراهيم بن الدباغ الإشبيلى معلقاً على موقعة العقاب:
وقائلة أراك تطيل تفكراً ... كأنك قد وقفت لدى الحساب
فقلت لها أفكر في عقاب ... غدا سبباً لمعركة العقاب
فما في أرض أندلس مقام ... وقد دخل البلا من كل باب (٣).
وفي خلال ذلك كانت الأندلس تضطرم بأشنع ضروب الخلاف والفتن، والقواعد والثغور يتناوبها الزعماء والمتغلبون، واسبانيا النصرانية تنزل بالأندلس ضرباتها المتوالية، وتستولى تباعاً على القواعد والثغور.
والحقيقة أن الجهد المضطرم الذي بذلته اسبانيا النصرانية يومئذ، لانتزاع القواعد الأندلسية لم يكن سوى الذروة في مرحلة طال أمدها، من حركة الفتح والاسترداد النصرانية La Reconquista. وقد بدأ هذا الاسترداد من جانب اسبانيا النصرانية لأراضيها المفتوحة منذ عصر مبكر جداً، أعنى مذ قامت المملكة النصرانية الشمالية عقب الفتح الإسلامى بقليل في حمى الجبال الشمالية، واشتد ساعدها بسرعة، واستطاعت منذ منتصف القرن الثامن الميلادي أن تدفع حدودها تباعاً نحو الجنوب. وكانت أولى القواعد الإسلامية التي سقطت هي "لُك" في أقصى الشمال الغربي لشبه الجزيرة، وأسترقة في شمال نهر دويرة، وسمورة وشلمنقة وشقوبية وآبلة في الناحية الأخرى من دويرة. ولم تتأثر الأندلس المسلمة
стр. 2494
كثيراً بفقد هذه القواعد الأولى لنأيها وقربها من المملكة النصرانية. ولكن الأندلس شعرت بالخطر الحقيقى منذ استطاع النصارى عبور نهر التاجُه متوسط شبه الجزيرة في غزوات قوية، واستيلائهم بعد ذلك على طليطلة ثالثة القواعد الأندلسية الكبرى بعد قرطبة وإشبيلية. ووضع نصر الزلاّقة، وقيام سلطان المرابطين في شبه الجزيرة، حداً مؤقتاً لتقدم النصارى في وسط شبه الجزيرة وشرقيها. ولكن موجة جديدة من الغزو النصرانى اجتاحت شمال شرقى الأندلس منذ بداية القرن السادس الهجري، فسقطت سرقسطة في يد النصارى (٥١٢ هـ - ١١١٨ م)، وكانت تطيلة حصنها الأمامى قد سقطت قبل ذلك بعام، ثم تلتها بقية قواعد الثغر الأعلى، لاردة وإفراغة ومكناسة وطرطوشة (٥٤٣ هـ - ٥٤٤ هـ) (١١٤٨ - ١١٤٩ م). وفي تلك الآونة ذاتها بدأ سقوط القواعد الإسلامية في غربي شبه الجزيرة أعنى في البرتغال، فسقطت أشبونة وشنترة وشنترين في يد النصارى في سنة ١١٤٧ م (٥٤٢ هـ)، وسقطت باجة بعد ذلك بقليل في سنة ١١٦١ م (٥٥٦ هـ)، ثم تلتها يابرة في سنة ١١٦٥ م (٥٦١ هـ).
ولما توطد سلطان الموحدين بالأندلس في أواخر القرن السادس الهجري، توقفت حركة الإسترداد النصرانى مدى حين، ثم عادت تضطرم قوية بعد إحراز اسبانيا النصرانية لفوزها الحاسم على الموحدين في موقعة العقاب (٦٠٩ هـ). ومنذ أوائل القرن السابع الهجري تجتاح اسبانيا المسلمة موجة عاتية من الغزو النصرانى وتسقط قواعد الأندلس التالدة شرقاً وغرباً في يد النصارى. وهكذا سقطت جزيرة ميورقة (٦٢٧ هـ - ١٢٢٩ م)، وبياسة (٦٢٣ هـ - ١٢٢٦ م) وأبَّدة (٦٣٠ هـ - ١٢٣٣ م) ثم قرطبة (٦٣٣ هـ - ١٢٣٦ م) وإستجة والمدور (٦٣٣ هـ - ١٢٣٦ م) وبلنسية (٦٣٦ هـ - ١٢٣٨ م) ودانية ولقنت (٦٤١ هـ - ١٢٤٤ م) وأوريولة وقرطاجنة (٦٤٣ هـ - ١٢٤٥ م) وشاطبة (٦٤٤ هـ - ١٢٤٦ م) ومرسية (٦٤٠ هـ - ١٢٤٣ م) وجيان (٦٤٣ هـ - ١٢٤٦ م)، ثم إشبيلية (٦٤٦ هـ - ١٢٤٨ م). واجتاحت غرب الأندلس في الوقت نفسه موجة مماثلة من الغزو النصرانى، فسقطت بطليوس (٦٢٧ هـ - ١٢٣٠ م) وماردة (٦٢٨ هـ - ١٢٣١ م) وشلب (٦٤٠ هـ - ١٢٤٢ م) وشنتمرية الغرب (٦٤٧ هـ - ١٢٤٩ م) ولبلة وولبة (٦٥٥ هـ - ١٢٥٧ م). ثم سقطت قادس في سنة ١٢٦١ م، وتلتها شريش في سنة ١٢٦٤ م. وهكذا لم يأت منتصف القرن
стр. 2495
السابع الهجري (القرن الثالث عشر الميلادي) حتى كانت ولايات الأندلس الشرقية والوسطى كلها، قد سقطت في يد اسبانيا النصرانية، ولم يبق من تراث الدولة الإسلامية بالأندلس، سوى بضع ولايات صغيرة في طرف اسبانيا الجنوبى.
وأخذت الأندلس عندئذ، تواجه شبح الفناء مرة أخرى، وطافت بالأمة الأندلسية التي احتشدت يومئذ في الجنوب في بسيطها الضيق، ريح من التوجس والفزع، وعاد النذير يهيب بالمسلمين، أن يغادروا ذلك الوطن الخطر، الذي يتخاطف العدو أشلاءه الدامية، وسرى إلى الأمة الأندلسية شعور عميق بمصيرها المحتوم.
ولكن شاء القدر أن يرجىء هذا المصير بضعة أجيال أخرى، وشاء أن يسبغ على الدولة الإسلامية بالأندلس. حياة جديدة في ظل مملكة غرناطة، التي استطاعت أن تبرز من غمر الفوضى ضئيلة في البداية، وأن توطد دعائم قوتها شيئاً فشيئاً، وأن تذود عن الإسلام ودولته الباقية بنجاح، أكثر من قرنين. وكان من حسن طالع هذه المملكة الإسلامية الصغيرة، أن شغلت عدوتها القوية اسبانيا النصرانية مدى حين، بمنازعاتها وحروبها الداخلية، فلم توفق إلى تحقيق غايتها الكبرى، وهي القضاء على دولة الإسلام في الأندلس، وعلى الأمة الأندلسية بصورة نهائية، إلا بعد أن تهيأت لذلك جميع الظروف والأسباب. ولم يكن ذلك قبل مائتين وخمسين عاماً، عاشتها مملكة غرناطة الصغيرة أبية كريمة، ترفع لواء الإسلام عالياً في تلك الربوع، التي افتتحها الإسلام قبل ذلك بعدة قرون، وأنشأ بها المسلمون حضارتهم العظيمة التي حفلت بأرقى نظم للحياة المادية والأدبية، وأرفع ضروب العلوم والفنون التي عرفت في العصور الوسطى.
- ٢ -
كانت غرناطة وقت افتتاح الأندلس، مدينة صغيرة من أعمال ولاية "إلبيرة" تقع على مقربة من مدينة إلبيرة قاعدة الولاية، من الناحية الجنوبية (١)، افتتحها المسلمون عقب انتصارهم على القوط، بقيادة طارق بن زياد فاتح الأندلس، في موقعة شَريش في رمضان سنة ٩٢ هـ. (يوليه سنة ٧١١ م). ولما اضطرمت الفتنة بالأندلس، ودب الخلاف بين القبائل، عقب موقعة بلاط الشهداء (٧٣٢ م)
стр. 2496
واشتد التنافس على الإمارة بين الشاميين من ناحية، والعرب والبربر من ناحية أخرى، رأى أمير الأندلس أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبى، أن يعمل على تهدئة الفتنة بتمزيق عصبة الشاميين، ففرقهم في أنحاء الأندلس، وأنزل جند الشام بكورة إلبيرة، وجند حمص بإشبيلية، وجند فلسطين بشذونه والجزيرة، وجند الأردن بريُّه، وهكذا نزل الشاميون منذ البداية بولاية إلبيرة، وغدوا بمضى الزمن كثرة فيها. واستمرت مدينة إلبيرة قاعدة لهذه الولاية ومركز قضائها في ظل الدولة الأموية، حتى أواخر القرن الرابع حينما انهارت الخلافة الأموية وتعاقبت الفتن، وعاث البربر في النواحى، وخربت مدينة إلبيرة شيئاً فشيئاً، حتى غدت غرناطة قاعدة الولاية مكانها، وغلب اسم غرناطة على الولاية نفسها، ومن ذلك الحين يختفى اسم إلبيرة كقاعدة من قواعد الأندلس، ويذكر مكانها اسم غرناطة. والواقع أن إلبيرة وغرناطة تعتبران في معظم الأحيان ولاسيما في المراحل الأولى لتاريخ الأندلس، إسمين لمكان واحد، وقد جرى كثير من المؤرخين والجغرافيين على المزج بينهما (١).
وغَرناطة أو إغرناطة اسم قديم يرجع إلى عهد الرومان والقوط، وقد اختلفت آراء الباحثين في أصل هذه التسمية، فيرى البعض أنه مشتق من الكلمة الرومانية Granata أى الرمانة، وأنها سميت كذلك لجمالها، ولكثرة حدائق الرمان التي تحيط بها (٢)، ويرى البعض الآخر أن التسمية ترجع إلى أصل قوطى أو أنها ترجع إلى أصل بربرى مشتق من اسم إحدى القبائل (٣). والواقع أن غرناطة تتمتع بموقع فائق في الحسن، فهى تقع في واد عميق يمتد من المنحدر
стр. 2497
الشمالى الغربي لجبال سيرّا نفادا، وتظللها الآكام العالية من الشرق والجنوب، ويحدها من الجنوب نهرث شَنيل فرع الوادى الكبير (١)، وهو ينبع من جبال سيرّا نفادا، ويخترقها فرعه المسمى نهر حدرُّه أو هدره El-Darro، ويلتقى به عند جنوبى المدينة. وقد كان شنيل وفرعه حدره أيام المسلمين يفيض بالماء، ولاسيما في الصيف حين تذوب الثلوج، وكانت ضفافهما خضراء يانعة تغص بالحدائق الغناء. أما اليوم فقد جف مجرى شنيل، وقلما يجرى فيه الماء سوى القليل أيام الشتاء. وأما فرعه حدرُّه فيخترق المدينة من الشرق عند سفح التل الذي تقع عليه "الحمراء" ويتصل بشنيل عند القنطرة الأندلسية القديمة. وهو يكاد يختفى اليوم ولم يبق من مجراه سوى الجزء الصغير المجاور لتل الحمراء. وأما جزؤه الذي كان يخترق وسط المدينة فقد غطى اليوم بشارعها الرئيسى الأوسط المسمى "شارع الملكين الكاثوليكيين"، وامتداده في الميدان الكبير حتى قنطرة شنيل.
وتشرف غرناطة من الجنوب الغربي، على بسيط شاسع أخضر وافر الخصب، هو المرج أو الفحص الشهير La Vega (٢) الذي يمتد غرباً حتى مدينة لَوْشة، ومن الجنوب الشرقى على جبال سيرّا نفادا Sierra Nevada ( جبل شُلير أو جبل الثلج) (٣) التي تغطى آكامها الثلوج الناصعة.
وكانت غرناطة أيام الدولة الإسلامية، جنة من جنات الدنيا، تغص بالرياض والبساتين اليانعة، التي كانت لوفرة خصبها وروعة نضرتها، تعوف "بالجنات"، فيقال للمزرعة أو البستان "جنة كذا" أو جنة فلان، مثل جنة الحرف، وجنة العرض، وجنة الحفرة، ومدرج نجد، ومدرج السبيكة، وجنة ابن عمران وجنة العريف وغيرها. وقد ذكر ابن الخطيب أن هذه الجنات الغرناطية الشهيرة كانت تبلغ في عصره زهاء المائة، كما ذكر لنا أن منطقة غرناطة، كانت تضم زهاء ثلاثمائة قرية عامرة، منها ما كان يبلغ سكانه الألوف ومنها ما كان يملكه
стр. 2498
مالك واحد أو ملاك قلائل. هذا عدا الأملاك السلطانية والحصون (١). وبذلك نستطيع أن نقدر أن مدينة غرناطة، كانت تضم أيام أن كانت عاصمة للدولة الإسلامية، أكثر من نصف مليون من الأنفس. وأما خارج المدينة فيصفه ابن الخطيب في قوله:
"ويحف بسور المدينة المعصومة بدفاع الله تعالى، البساتين العريضة المستخلصة، والأدواح الملتفة، فيصير سورها خلف ذلك كأنه من دون سياج كثيفة، تلوح نجوم الشرفات البيض أثناء خضرايه، فليس تعرى جنباته من الكروم والجنات جهة". وأما المرج الشهير أو الفحص La Vega فقد كان بسيطاً رائع الخضرة يشبهونه بغوطة دمشق، وتخترقه الجداول والأنهار، ويغص بالقرى والجنات، ويهرع إليه الرواد في ليالى الربيع والصيف فيغدو مسرح الأسمار والأنس.
وكانت المدينة ذاتها نموذجاً بديعاً للعمارة الإسلامية، تغص بالصروح والأبنية الفخمة، وتتخللها الميادين والطرقات الفسيحة. وكانت مدينة الحمراء أو دار الملك أروع ما فيها، تطل على أحيائها "في سمت من القبلة، تشرف عليه منها الشرفات البيض، والأبراج السامية والمعاقل المنيعة، والقصور الرفيعة، تغشى العيون، وتبهر العقول" (٢).
وقد أشاد بذكر محاسن غرناطة وفضائلها كتاب الأندلس وشعراؤها؛ وانتهت إلينا من منظومهم ومنثورهم فيها تراث حافل، ينم بالرغم مما يحمله أحياناً من طابع المبالغة، عما كانت تثيره غرناطة في نفوسهم من عميق الإعجاب والحب. وقد أورد لنا ابن الخطيب في "الإحاطة" والمقرى في "نفح الطيب"، و "أزهار الرياض" كثيراً من هذه القصائد والرسائل، وإليك بعض نماذج منها: قال ابن الخطيب:
بلد تحف به الرياض كأنه ... وجه جميل والرياض عذاره
وكأنما واديه معصم غادة ... ومن الجسور المحكمات سواره
стр. 2499
وقال أبو الحجاج يوسف بن سعيد:
أغرناطة العلياء بالله خبرى ... أَلِلْهائم الباكى إليك طريق
وما شاقنى إلا نضارة منظر ... وبهجة واد للعيون تروق
تأمل إذا أملت " حوز مؤمل " (١) ... ومد من الحمراء عليك شقيق
وأعلامه نجد والسبيكة قد علت ... وللشفق الأعلى تلوح بروق
وقد سل شَنيل فرندا مهندا ... يضىء فوق درٍّ ذُرَّ فيه عقيق
وقال آخر:
غرناطة ما لها نظير ... ما مصر ما الشام ما العراق
ما هي إلا العروس تجلى ... والأرض من جملة الصداق
أما اليوم فقد غدت غرناطة مدينة متواضعة لا يزيد سكانها على مائة وثلاثين ألفاً. وهي عاصمة الولاية الأندلسية المسماة بنفس الإسم. وبالرغم من أنها قد فقدت بهاءها السالف، فإنها مازالت، تتشح بطابع خاص من التحفظ والنبل المؤثر. وقد اختفت معظم خططها الإسلامية، وقامت على أنقاضها مدينة أوربية حديثة. بيد أن غرناطة مازالت مع ذلك تحتفظ ببقية من صروحها ومعالمها الأندلسية، وتجتمع هذه البقية بالأخص في قسمها الشرقى حيث تربض أبراج "الحمراء" فوق هضبتها العالية، وأعظم آثارها الإسلامية الباقية هو بلا ريب قصر الحمراء الملكى الذي مازال يحتفظ بكثير من روعته القديمة، وقصر "جنة العريف" El Generalife الواقع في شرقه على مسافة قليلة، وقد كان مصيفاً لملوك غرناطة، وبقية ضئيلة من "قصر شنيل" Alcazar Genil (٢) ، وهي تقع في ضاحية أرملة (أرمليا) على مقربة من شنيل، و "الخان" Alhondiga، وهو ذو عقد عربى رائع، ويقع على مقربة من دار البريد القديمة. أما المسجد الجامع وبقية المساجد الأخرى فقد هدمت جميعاً وقامت على أنقاضها الكنائس. وأما ما بقى من خططها الإسلامية، فهو ظاهر بالأخص في "حي البيازين" Albaicia الواقع في شمالها
стр. 2500
الغربي، والميدان الكبير الذي مازال يحمل اسمه القديم "رحبة باب الرملة" Plaza de Bibrambla، وإلى جواره القيسرية القديمة Alcaicaria. هذا فضلا عما يبدو في كثير من دروبها الضيقة الصاعدة، ومنازلها العديدة ذات الطراز الأندلسى، من الملامح الأندلسية الواضحة.
كذلك بقيت قطعة كبيرة من أسوار غرناطة الإسلامية، وبضعة من أبوابها القديمة مثل باب البنود وباب إلبيرة وباب البيازين وباب فحص اللوز، وباب الشريعة وهو مدخل الحمراء الرئيسى. هذا ومازالت "قنطرة شنيل"، قائمة على النهر عند التقائه بفرعه "حدرُّه"، وتحمل اسمها الإسلامى القديم Puente Genil.
وتوجد في متحف غرناطة الأثرى طائفة كبيرة من اللوحات والنقوش والتحف الأندلسية.
ولغرناطة منزلة خاصة في نفوس الإسبان وفي التاريخ الإسبانى. فهى إلى كونها خاتمة الفتوح المظفرة التي توجت حروب الإسترداد الإسبانية La Reconquista تعتبر بتاريخها المؤثر أنبل المدن الأندلسية، ويعتبر سقوطها في أيدى الإسبان فاتحة عصر اسبانيا الذهبى. ومن ثم فقد اتخذت مثوى أبدياً لفاتحيها الملكين الكاثوليكيين فرناندو وإيسابيلا، حيث يرقدان في كنيستها العظمى التي أقيمت فوق موقع المسجد الجامع. ونالت غرناطة حظوة خاصة لدى ملوك اسبانيا المتوالين فحبوها بمختلف المنشآت وضروب الإصلاح والتجميل؛ وحرص الإسبان على أن تبقى عاصمة الأندلس القديمة كما كانت مركز العلوم في جنوبى اسبانيا، فأنشئت جامعة غرناطة الشهيرة في سنة ١٥٣١ م، في عصر الإمبراطور شرلكان، وهي اليوم من أهم وأقدم الجامعات الإسبانية، ويوجد ضمن معاهدها الخاصة، معهد لدراسة عصر الملكين الكاثوليكيين فاتحى غرناطة، ومدرسة للدراسات العربية. وفي غرناطة معاهد علمية وثقافية عديدة أخرى، وعدة متاحف فنية أثرية.
стр. 2501
الفصل الثاني
نشأة مملكة غرناطة وقيام الدولة النصرية
غرناطة منذ عهد الفتنة حتى عهد الموحدين. اضمحلال دولة الموحدين بالأندلس والمغرب. النزاع حول عرش الخلافة الموحدية. قيام العادل ثم المأمون. ظهور ابن هود وثورته على الموحدين. استيلاؤه على مرسية. دعوته للخلافة العباسية. انهيار الدولة الموحدية. الحرب بين ابن هود وبين النصارى. هزيمة ابن هود. زحف النصارى على قرطبة. استغاثتها بابن هود. ابن هود يؤثر السير إلى بلنسية. حصار قرطبة وسقوطها في يد النصارى. وفاة ابن هود. غزو ملك أراجون لبلنسية واستيلاؤه عليها. استيلاء القشتاليين على مرسية. أحوال جنوبى الأندلس. ظهور محمد بن الأحمر. طاعة القواعد الجنوبية له. دعوته لصاحب إفريقية. تحالفه مع الباجى وغدره به. دخول جيان ومالقة وشريش في طاعته. الثورة في غرناطة. دعوتها لابن الأحمر واستيلاؤه عليها. استيلاؤه على ألمرية. بنو أشقيلولة أصهار ابن الأحمر. قيام مملكة غرناطة. افتراق كلمة الأندلس. خضوع القواعد الشرقية للنصارى. غزو ابن الأحمر لمرتش. غزو فرناندو الثالث لأراضى ابن الأحمر وحصاره لغرناطة. خضوع ابن الأحمر لفرناندو وتعهده بأداء الجزية. سقوط القواعد الغربية في يد النصارى. تأهب فرناندو لافتتاح إشبيلية. استيلاؤه على قرمونة. حصار إشبيلية. معاونة ابن الأحمر للنصارى. قصيدة ابن سهل في استصراخ أهل العدوة. سقوط إشبيلية في يد النصارى. سقوط باقى القواعد الغربية. ابن الأحمر ودقة موقفه. اتجاهه إلى عون بني مرين. الحرب بينه وبين النصارى. سقوط إستجة. هزيمة ابن الأحمر. صدى صريخ الأندلس في المغرب. نزول ابن الأحمر عن شريش والقلعة وغيرهما. صدى سقوط القواعد الأندلسية. مرثية أبي الطيب الرندى. ثورة بني أشقيلولة بمالقة. غزو النصارى للجزيرة الخضراء. صفات ابن الأحمر وخلاله. كيف يصورها النقد الحديث. وفاة ابن الأحمر.
لبثت غرناطة في ظل الدولة الأموية، قاعدة متواضعة من قواعد الأندلس الجنوبية، وهي تحتل مكان إلبيرة شيئاً فشيئاً، حتى كانت أيام الفتنة عقب انهيار الدولة الأموية في أواخر القرن الرابع، فأخذت القواعد الجنوبية تغدو، بعد تخريب قرطبة، ونأى القواعد والثغور الشرقية والشمالية، مركز التجاذب والتنافس بين زعماء الفتنة. ووقعت غرناطة يومئذ في نصيب البربر، واستولى عليها زعيم صنهاجة زاوى بن زيرى واتخذها دار ملكه، وقامت في قرطبة دولة بني حمود الإدريسية. واستمرت الحرب والفتنة مدى حين، سجالا بين المتغلبين من فلول بني أمية وبنى عامر، وفتيانهم ومواليهم، وبين زعماء البربر. ولما ظهر المرتضى، وهو من عقب
стр. 2502
بني أمية، ودعا لنفسه بالخلافة، سار في عصبة الأمويين والموالى إلى غرناطة، لانتزاعها واتخاذها دار ملكه، فرده عنها صاحبها زاوى الصنهاجى في موقعة دموية (٤٠٨ هـ). واستقر زاوى في حكم غرناطة وأعمالها بضعة أعوام، ثم غادرها إلى دار قومه في تونس، واستخلف عليها ابن أخيه حبوس بن ماكسن، فحكمها حتى توفى في سنة ٤٢٩ هـ. وخلفه في ولايتها ولده باديس وتلقب بالمظفر، واستولى على مالقة من يد الأدارسة (بني حمُّود)، واتسع ملكه، ولبث طول حكمه الذي استطال حتى سنة ٤٦٧ هـ، في قتال مستمر مع بني عباد أمراء إشبيلية، أعظم وأقوى ملوك الطوائف يومئذ. ولما توفى باديس المظفر، خلفه في حكم غرناطة وأعمالها، حفيده عبد الله بن بُلُكِّين بن باديس، واستمر في حكمها إلى أن عبر المرابطون البحر إلى الأندلس في سنة ٤٨٣ هـ، بقيادة عاهلهم يوسف بن تاشفين، واستولوا عندئذ على غرناطة، كما استولوا على قواعد الأندلس الأخرى، وانتهت بذلك دول الطوائف، التي قامت على أنقاض الخلافة الأموية، وعاشت زهاء ستين عاماً.
واستمر المرابطون في حكم الأندلس وقواعدها، زهاء ستين عاماً أخرى؛ وتعاقب في حكم غرناطة عدة من أمراء اللمتونيين (١) وسادتهم، من قرابة يوسف بن تاشفين. فلما انهارت دولتهم في المغرب، جاز الموحدون المتغلبون على دولتهم إلى الأندلس في سنة ٥٤١ هـ (١١٤٧ م)، وأخذوا يستولون تباعاً على القواعد والثغور، واستولوا أولا على قواعد المغرب، شلب وميرتلة وباجة، ثم استولوا على إشبيلية في أواخر سنة ٥٤١ هـ، فقرطبة في سنة ٥٤٣ هـ، واعتصم المرابطون بغرناطة بضعة أعوام أخرى، ثم اضطروا أخيراً إلى تسليمها إلى الموحدين وذلك في سنة ٥٥١ هـ (١١٥٦ م).
ولبثت غرناطة كباقى القواعد الأندلسية في أيدى الموحدين، يتناوب حكمها الأمراء والسادة من بني عبد المؤمن وقرابته، حتى كانت ثورة أبي عبد الله محمد ابن يوسف بن هود سليل بني هود أمراء سرقسطة السابقين، على الموحدين، وانتزاعه معظم قواعد الأندلس من أيديهم.
وذلك أنه لما توفى أبو يعقوب يوسف المستنصر بالله خليفة الموحدين، في سنة ٦٢٠ هـ دون عقب، أقام الموحدون مكانه السيد أبا محمد عبد الواحد
стр. 2503
خريطة:
الأندلس والممالك النّصرانية الإسبانيّة في أواخر عصْر الموحّدين (أوائل القرن الثالث عشر) .
стр. 2504
ابن يوسف بن عبد المؤمن، الملقب بالمخلوع، ولكن الأمور لم تهدأ بذلك ولم تستقر، إذ ظهر بالأندلس، مدع جديد للخلافة، هو السيد أبو محمد عبد الله ابن يعقوب المنصور، والى مرسية، وأعلن نفسه خليفة للموحدين باسم العادل، وذلك في شهر صفر سنة ٦٢١ هـ. وأيدته في دعوته معظم القواعد الكبرى، وكان ولاة قرطبة وغرناطة ومالقة، وإشبيلية، يومئذ من أخوته، أولاد المنصور. ثم سار العادل إلى إشبيلية، وهنالك وصلته بيعات أهل مراكش وبلاد المغرب. وقام أشياخ الموحدين بمراكش بخلع الخليفة أبي محمد عبد الواحد، ثم دبروا قتله غيلة (شعبان ٦٢١ هـ) وعندئذ قرر العادل العبور إلى المغرب، وترك أخاه السيد أبا العلاء إدريس بن المنصور والياً لإشبيلية، وهي يومئذ قاعدة الحكم الموحدى بالأندلس.
وعبر العادل البحر إلى المغرب في أواخر سنة ٦٢٢ هـ. وتربع على كرسى الخلافة. وكانت أحوال الدولة الموحدية قد ساءت يومئذ ومزقتها الأهواء والفتن، وتضعضع سلطانها في معظم أنحاء المغرب والأندلس. ولم يمض قليل على قيام العادل في الخلافة حتى خرج عليه بالأندلس، أخوه أبو العلاء إدريس والى إشبيلية، ودعا لنفسه، وتسمى بالمأمون، وكان من أعداء هذه الحركة الجديدة في مراكش أن قام الموحدون بقتل العادل، ولكنهم لم يعلنوا بيعة المأمون، بل أقاموا مكانه في الخلافة ولد أخيه، يحيى بن الناصر (شوال ٦٢٤ هـ) ولما علم المأمون بذلك، استشاط سخطاً، وقصد إلى فرناندو الثالث ملك قشتالة، وطلب إليه العون على انتزاع العرش من ابن أخيه، وقدم إليه عدداً من الحصون الأندلسية الهامة، ودفع إليه مبلغاً طائلا من المال، وتعهد بأن يمنح النصارى في مراكش امتيازات عديدة، وأن يسمح لهم ببناء كنيسة لهم، وفي نظير ذلك أمده ملك قشتالة بفرقة من جنوده ليستعين بها على مقاتلة خصمه. وعبر المأمون إلى المغرب في حشوده من العرب والموحدين والقشتاليين، وذلك في أواخر سنة ٦٢٦ هـ (١٢٢٨ م)، وقصد تواً إلى مراكش. وخرج الخليفة يحيى بن الناصر للقائه في قواته. ونشبت بين الفريقين معركة هزم فيها يحيى، وفر ناجياً بنفسه، ودخل المأمون مراكش، وتربع على كرسى الخلافة.
وكان المأمون، أميراً وافر الهمة والعزم، يجيش بمشاريع وأطماع عظيمة. فقضى الأعوام القلائل التالية في العمل على توطيد سلطانه بالمغرب، واستبد بالحكم
стр. 2505
واستعمل الشدة والعنف، في قمع كل نزعة إلى الخروج، وقضى بمرسومه الشهير، على رسوم المهدى ابن تومرت وتعاليمه ونظام حكومته، باعتبارها نظماً رجعية، لا تتفق مع روح الدين الصحيح، وفتك بخصومه والناكثين لبيعته من الموحدين وغيرهم. فسرت روح السخط إلى معظم القبائل، وأخذ الزعماء المتوثبون يرقبون الفرص. ثم مرض المأمون وتوفى فجأة، وهو في إبان سطانه ومشاريعه، وذلك في شهر ذى الحجة سنة ٦٢٩ هـ (١٢٣٢ م)، فخلفه ولده الفتى أبو محمد عبد الواحد الملقب بالرشيد.
وبينما كان المغرب يضطرم بعوامل الثورة والانتقاض على هذا النحو، وكرسى الخلافة الموحدية يهتز إزاء أطماع الخوارج والمتوثبين، كان سلطان الموحدين بالأندلس يهتز في الوقت نفسه، ويتداعى بسرعة، وينهار حكمهم تباعا. ففي تلك الآونة، ظهر زعيم أندلسى جديد، ينتمى إلى بيت عريق في الزعامة والملوكية، هو محمد بن يوسف بن هود الجذامى، وهو سليل بني هود ملوك سرقسطة القدماء، وكان يومئذ فتى متواضعاً من أهل مرسية من طوائف الجند. ظهر يدعو إلى دعوة جديدة، تمثل فيها روح الأندلس الحقيقية، وهي وجوب العمل على تحرير الأندلس من نير الموحدين والنصارى معا. وكان تحالف المأمون مع ملك قشتالة، وتنازله له عن الحصون الأندلسية، وتعهده بأن يمنح النصارى في أراضيه امتيازات خاصة، وذلك مقابل عونه له بالجند على محاربة خصومه: كان ذلك يسبغ على دعوة ابن هود قوة خاصة، ويدفع الأندلسيين إلى الانضواء تحت لوائه. وظهر ابن هود لأول مرة في أحواز مرسية في سنة ٦٢٥ هـ (١٢٢٨ م)، في الوقت الذي أخذ فيه سلطان الموحدين، يضطرب ويتصدع في الثغور والنواحى، ثم أغار على مرسية في عصبته القليلة، واستطاع أن ينتزعها من يد حاكمها الموحدى السيد أبي العباس. وأخذ نجمه يتألق من ذلك الحين، فأعلن أنه يعتزم تحرير الأندلس من الموحدين والنصارى معاً، والعمل على إحياء الشريعة وسننها، ودعا للخلافة العباسية، وكاتب الخليفة المستنصر العباسى ببغداد، فبعث إليه بالخلع والمراسيم، وتلقب بالمتوكل على الله. ولم يمض سوى قليل حتى دخلت في طاعته عدة من قواعد الأندلس، ومنها جيان وقرطبة وماردة وبطليوس. ثم استطاع أن ينتزع غرناطة
стр. 2506
قصبة الأندلس الجنوبية، من المأمون وذلك في سنة ٦٢٨ هـ (١٢٣١ م) (١).
وفي العام التالى (٦٢٩ هـ) توفى المأمون خليفة الموحدين حسبما تقدم، وهو في طريقه إلى مراكش، ليعمل على إنقاذ عرشه من المتغلبين عليه. وبينما كان سلطان الموحدين بالأندلس يدنو سراعاً من نهايته، كانت دولتهم بالمغرب تدخل في دور الانحلال وتجوز مراحلها الأخيرة. وبالرغم من أنه لاح مدى لحظة، في ظل الخليفة أبي الحسن على السعيد (٦٤٠ - ٦٤٦ هـ)، الذي خلف الرشيد، أن الدولة الموحدية سوف تنهض من كبوتها، وتسترد قوتها، وتصمد أمام هجمات بني مَرين المتوالية، فإن مصرع السعيد الفجائى في الحرب ضد أمير تلمسان، قضى على هذه البارقة. ثم جاء الخليفة المرتضى بالله (٦٤٦ - ٦٦٥ هـ)، فضمت الخلافة الموحدية في ظله سراعاً إلى المنحدر، ثم اختتمت حياتها، بعد ذلك بقليل في فاتحة سنة ٦٦٨ هـ (سبتمبر ١٢٦٩ م)، على يد آخر خلفائها الواثق أبي دبوس، لتقوم على أنقاضها دولة بني مرين الفتية الشامخة.
وقد خاض ابن هود، قبل أن تستقر دعوته، مع الموحدين والنصارى معارك متوالية. فأما عن صراعه مع الموحدين، فقد بذل الخليفة المأمون قبل عبوره إلى المغرب محاولة لإخماد حركة ابن هود في المشرق، فلم يفلح (٦٢٦ هـ)، وكان من أثر هذا الفشل، أن تمكنت دعوة ابن هود، وقامت إشبيلية عاصمة الأندلس الموحدية بالدخول في طاعته. على أن ابن هود لم يحرز مثل ذلك التوفيق في محاربة النصارى. ذلك أن ألفونسو التاسع ملك ليون، رأى أن ينتهز فرصة اضطراب الأحوال في الأندلس، وانهيار سلطان الموحدين في شبه الجزيرة، فخرج في قواته إلى منطقة الغرب الأندلسية، وزحف على مدينة ماردة، وضرب حولها الحصار. ولما علم ابن هود بذلك، سار في بعض قواته نحو الغرب لينقذ المدينة المحصورة، واشتبك مع الليونيين في معركة هزم فيها، واستولى الليونيون على ماردة، ثم احتلوا بعد ذلك بقليل مدينة بطليوس، وذلك في أواسط سنة ٦٢٧ هـ (١٢٣٠ م). وكان فرناندو الثالث ملك قشتالة، وهو ولد ألفونسو التاسع ملك ليون، يرقب الفرصة في نفس الوقت، لينتزع ما يمكن انتزاعه من أراضى الأندلس المتاخمة لقشتالة. فسير قواته لمقاتلة ابن هود، وقد كان يبدو في نظره
стр. 2507
يومئذ زعيم الأندلس الحقيقى. وكان ابن هود قد استطاع في تلك الآونة، أن يبسط سلطانه على الولايات والشواطىء الجنوبية، فيما بين الجزيرة الخضراء وألمرية، وفيما بين قرطبة وغرناطة، وكان يرى في مقاتلة النصارى عاملا لتدعيم دعوته وسلطانه. فسار للقائهم والتقى الجيشان في فحص شريش على ضفاف نهر وادى لكه، ولكن ابن هود هزم للمرة الثانية بالرغم من تفوقه في العدد (أواخر ٦٣٠ - ١٢٣٣ م)، وسار فرناندو بعد ذلك لاجتياح أبدة، فسقطت في يده بعد حصار قصير (٦٣١ هـ - ١٢٣٤ م).
على أن سقوط قرطبة كان أعظم ضربة نزلت يومئذ بالأندلس. وكان ابن هود عقب هزيمته في شريش، قد جمع قواته، وسار لقتال خصمه ومنافسه الجديد محمد بن الأحمر في أحواز غرناطة، وألفى النصارى من جانبهم الفرصة سانحة للزحف على قرطبة. وكانت عاصمة الخلافة القديمة، بالرغم من دخولها في طاعة ابن هود، تعانى من حالة مؤلمة من الاضطراب والفوضى، ولم يكن لها حاكم أو زعيم يجمع الكلمة أو يتزعم حركة الدفاع ضد النصارى. وكان القشتاليون في الحصون القريبة، يشعرون بضعف العاصمة التالدة، وإمكان مهاجمتها، فاجتمعت بعض قوى الفرسان القشتالية المرابطة في حصون الحدود، وسارت نحو قرطبة، وهاجمت قسمها الشرقى المسمى " بالشرقية"، واقتحمته ليلا، وعلى غرة من أهله، واستطاعوا الاستيلاء على بعض أبراجه، ولكنهم رأوا أن الاستيلاء على المدينة ذاتها ليس بالأمر السهل، ولابد لتحقيقه من قوات ضخمة. وعلم فرناندو الثالث، وهو في طريقه إلى ليون بما تم من استيلاء قواته على بعض أبراج المدينة، وبما تبين من ضعف وسائل الدفاع عنها، فارتد إليها مسرعاً تلاحقه قواته من سائر الأنحاء، وضرب الحصار حول المدينة، وبادر أهل قرطبة بالتأهب للدفاع عن مدينتهم، وأرسلوا إلى ابن هود أميرهم الشرعى، يطلبون الغوث والإنجاد. وقدر ابن هود خطورة الموقف، واعتزم في الحال أن يسير إلى إنجاد المدينة المحصورة، فسار في قواته نحو قرطبة، ونزل في إستجة على مقربة منها، ولكنه لبث جامداً لا يحاول الاشتباك مع النصارى. وفي بعض الروايات أن ابن هود رأى جيش القشتاليين يفوقه في الأهبة والكثرة، فنكل عن الاشتباك معه. وفي البعض الآخر، أن ابن هود، وصله وهو على مقربة قرطبة صريخ أبي جميل
стр. 2508
زيان زعيم بلنسية لمعاونته ضد خايمى (١) ملك أراجون، الذي اشتد في مناوأته وإرهاقه؛ ولاح له أن السير إلى بلنسية التي كان يطمح إلى امتلاكها أيسر وأجدى، فترك قرطبة لمصيرها، مؤملا أن يصمد أهلها للدفاع عنها، أو يستطيع إنقاذها فيما بعد. ولبث النصارى على حصار قرطبة بضعة أشهر، ودافع القرطبيون عن مدينتهم وعن دينهم وحرياتهم، أعنف دفاع وأروعه، ولكنهم اضطروا في النهاية، وبعد أن أرهقهم الحصار، وفقدوا كل أمل في الغوث والإنقاذ، إلى التسليم. ودخل القشتاليون قرطبة في ٢٣ شوال سنة ٦٣٣ هـ (٢٩ يونيه سنة ١٢٣٦ م)، وفي الحال حولوا مسجدها الجامع إلى كنيسة (٢). وقد كان هذا شعارهم كلما دخلوا قاعدة أندلسية، وذلك إيذاناً بظفر النصرانية على الإسلام. وكان لسقوط العاصمة الخلافية التالدة، أعظم وقع في الأندلس وفي سائر جنبات العالم الإسلامى، وكان ضربة مميتة أخرى صوبتها اسبانيا النصرانية، إلى قلب الأندلس المفككة المنهوكة القوى (٣).
ولم يلبث ابن هود أن توفى بعد ذلك بقليل في أوائل سنة ٦٣٥ هـ (١٢٣٧ م). وكانت وفاته في ثغر ألمرية، في ظروف غامضة. وكان قد سار إليها معتزماً أن ينقل بعض قواته في البحر لإنجاد أمير بلنسية، فقيل إن وزيره ونائبه في ألمرية أبا عبد الله محمد بن عبد الله الرميمى استضافه في قصره، ودبر قتله غيلة، وزعم في اليوم التالى أنه توفى مصروعاً. وكان الرميمى قد قام بدعوته في ألمرية ووفد عليه في مرسية، فقدر ابن هود عونه، وولاه وزارته وعينه حاكماً لألمرية، ثم تغير
стр. 2509
عليه فيما يقال من أجل جارية نصرانية رائعة الحسن، كان يودعها لديه وقد أغراها الرميمى واستأثر بها، فسار إلى ألمرية لمعاقبته، وخشى الرميمى العاقبة فدبر مصرعه، ولجأ إلى الجريمة احتفاظاً بسلطانه. وكان مصرع ابن هود على هذا النحو في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٦٣٥ هـ (٢١ يناير ١١٣٨ م) (١).
وهكذا توفى ابن هود وهو في ذروة سلطانه ومشاريعه، ولم تطل وثبته التي لبثت إلى الأندلس مدى لحظة قصيرة أملا خلباً، سوى بضعة أعوام، فانهارت بوفاته دولته التي لم يتح لها كثير من أسباب الاستقرار والتوطد (٢).
وكان المتوكل بن هود أميراً شجاعاً، كريم الصفات، يضطرم إخلاصاً وغيرة للقضية التي نصب نفسه للاضطلاع بها، ولكنه لم يكن بصفاته وموارده كفؤا لتلك المهمة العظيمة، وكانت تعتور جهوده نفس المثالب القديمة التي كانت تصدع دائماً من جهود الزعماء الأندلسيين، والتي تتلخص في مصانعة النصارى، ومداراتهم، ومساومتهم على حساب المصالح القومية.
وعلى أثر وفاة ابن هود وانهيار دولته، بادر خايمى ملك أراجون بانتهاز الفرصة السانحة فغزا ولاية بلنسية. وكان قد استولى قبل ذلك بأعوام قلائل على الجزائر الشرقية (جزائر البليار) في سنة ٦٢٧ - ٦٣٢ هـ (١٢٣٠ - ١٢٣٥ م).
وكانت بلنسية، في الوقت الذي اضطرم فيه شرقى الأندلس بثورة ابن هود، ما تزال في أيدى الموحدين، ويحكمها واليها السيد أبو زيد عبد الرحمن بن محمد ابن يوسف بن عبد المؤمن. ولما استولى ابن هود على مرسية، خرج السيد أبو زيد في قواته لمحاربته، ولكنه ارتد مهزوما إلى بلنسية. فكان لذلك وقع عميق في بلنسية ذاتها، ونهض الشعب البلنسى ليحطم نير الموحدين، وشعر السيد أبو زيد بحرج الموقف، ونهض في نفس الوقت زعيم من آل مردنيش، زعماء بلنسية السابقين، هو الأمير أبو جميل زيان بن مردنيش، يحاول انتزاع السلطة، والتف حوله الشعب البلنسى، وعندئذ بادر السيد أبو زيد، وغادر بلنسية في أهله وأمواله والتجأ إلى أحد الحصون القريبة، ولكنه لما رأى تفاقم الموقف، اعتزم أمره
стр. 2510
سار ملتجئاً إلى خايمى الأول ملك أراجون (٦٢٦ هـ)، وعقد معه معاهدة تعهد فيها بأن يعطيه جزءاً من الحصون والأراضى الإسلامية التي يستردها أو يفتتحها، ثم زاد على ذلك، بأن اعتنق النصرانية، وانضم بكليته إلى أعداء أمته ودينه، وأخذ يسير مع حلفائه النصارى في غزواتهم المتوالية لأراضى بلنسية. وأخذ الملك خايمى يستولى تباعا على حصون بلنسية الأمامية، ثم هزم البلنسيين، بقيادة أميرهم زيان، هزيمة شديدة في موقعة أنيشة (ذى الحجة ٦٣٤ - أغسطس ١٢٣٧). ولم تمض على ذلك أشهر قلائل، حتى سار خايمى في قواته صوب بلنسية وضرب حولها الحصار (رمضان ٦٣٥ هـ)، وأخذ يضربها بالآلات المخربة. ودافع البلنسيون عن مدينتهم أشد دفاع، وبعث الأمير أبو جميل كاتبه الفقيه الشاعر المؤرخ، ابن الأبار القضاعى بصريخه سفيراً إلى الأمير أبي زكريا الحفصى عاهل إفريقية، وألقى ابن الأبار بين يديه قصيدته السينية الرائعة التي نشير إليها فيما بعد، وبعث الأمير أبو زكريا عدة من السفن محملة بالعتاد والأموال إنجادا للمدينة المحصورة ولكنها لم تستطع اختراق الحصار، واضطر البلنسيون آخر الأمر إلى التسليم بعد أن استنفذوا كل وسائل الدفاع، وسقطت بلنسية في أيدى الأرجونيين، وذلك في اليوم السابع والعشرين من شهر صفر سنة ٦٣٦ هـ (٩ أكتوبر سنة ١٢٣٨ م) (١)، وانهارت بذلك سائر خطط الدفاع عن شرقى الأندلس. وأتبع خايمى فتح بلنسية بالاستيلاء على شاطبة ودانية ولقنت وأوريولة وقرطاجنة، وذلك في سنة ٦٤١ - ٦٤٤ هـ. وأما ولاية مرسية فقد استولى عليها في البداية الأمير أبو جميل زيان، عقب فقده لبلنسية، ولكن الزعماء المحليين آثروا الانضواء تحت حماية ملك قشتالة، فتقدموا إليه يلتمسون مهادنته ومحالفته على الوضع المأثور، وهو أن يسمح لهم باستبقاء مدنهم في طاعته وتحت حمايته، فأجابهم فرناندو ملك قشتالة إلى ملتمسهم، وبعث إليهم ولده ألفونسو. ودخل النصارى مرسية صلحاً سنة ٦٤٠ هـ (١٢٤٣ م). وبذلك سقطت ولاية بلنسية ومرسية وشرقى الأندلس كله في أيدى النصارى في أعوام قلائل فقط، وكانت نفس المأساة تتكرر في ذلك الوقت نفسه، بصورها وأوضاعها المحزنة، في غربي الأندلس حسبما نفصل بعد (٢).
стр. 2511
- ٢ -
وفي تلك الآونة العصيبة، التي أخذت فيها قواعد الأندلس العظيمة: قرطبة، وبلنسية ومرسية وإشبيلية، تسقط تباعاً في يد النصارى، والتي أخذت الأندلس تواجه فيها شبح الفناء من جديد كما واجهته أيام الطوائف، كانت عناصر الفتنة والفوضى تتمخض عن قيام مملكة إسلامية جديدة في جنوبى الأندلس هي مملكة غرناطة. وقيام هذه المملكة في الطرف الجنوبى للدولة الإسلامية القديمة، يرجع إلى عوامل جغرافية وتاريخية واضحة. ذلك أن القواعد والثغور الجنوبية التي تقع فيما وراء نهر الوادى الكبير آخر الحواجز الطبيعية، بين اسبانيا النصرانية وبين الأندلس المسلمة، كانت أبعد المناطق عن متناول العدو وأمنعها، وكانت في الوقت نفسه أقربها إلى الضفة الأخرى من البحر، إلى عُدوة المغرب وشمال إفريقية حيث تقوم دول إسلامية شقيقة، وحيث تستطيع الأندلس وقت الخطر الداهم، أن تستمد الغوث والعون من إخوانها في الدين. وقد كان لها في ذلك منذ أيام الطوائف أسوة، بل لقد كان صريخ الأندلس يتردد في تلك الآونة ذاتها على لسان شاعرها وسفيرها ابن الأبار القضاعى، حينما دهم العدو بلنسية في سنة ٦٣٥ هـ (١٢٣٧ م)، وكان الصريخ موجهاً من أميرها أبي جميل زيان، إلى أبي زكريا الحفصى ملك إفريقية (تونس)، وهو الذي ردده الشاعر في قصيدته الشهيرة التي مطلعها: (١)
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست ... فلم يزل عز النصر منك ملتمسا
وحاش مما تعانيه حشاشتها ... فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
يا للجزيرة أضحى أهلها جزراً ... للحادثات وأمسى جدها تعسا
في كل شارقة إلمام بائقة ... يعود مأتمها عند العدا عرسا
وكل غاربة إجحاف نائبة ... تثنى الأمان حذاراً والسرور أسى
تقاسم الروم لا نالت مقاسمهم ... إلا عقائلها المحجوبة الأنسا
وفي بلنسية منها وقرطبة ... ما ينسف النفس أو ما ينزف النَّفسا
مدائن حلها الإشراك مبتسما ... جذلان وارتحل الإيمان مبتئسا
وصيرتها العوادى العابثات بها ... يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا
стр. 2512
وفي قول الشاعر يتمثل هذا المغزى التاريخى. الذي لبث أحقاباً يربط بين الأندلس وبين الدول الإسلامية الشقيقة في عدوة المغرب، وقد كان يتمثل واضحاً كلما اشتد الخطر بالأمة الأندلسية، ولاح لها شبح الفناء في جزيرتها المنقطعة قوياً رهيباً.
وقد قامت مملكة غرناطة، التي شاء القدر أن تكون ملاذ الأمة الأندلسية دهراً طويلا آخر، في ظروف متواضعة. وذلك أنه لما ضعف أمر الموحدين بالأندلس، وخرج عليهم محمد بن يوسف بن هود الملقب بالمتوكل كما قدمنا، وأخذت قواعد الأندلس تخرج من قبضتهم تباعاً، ينتزع بعضها ابن هود وثوار النواحى، والبعض الآخر ينتزعه النصارى، كان من الزعماء الذين ظهروا أثناء الفتنة محمد بن يوسف النصرى المعروف بابن الأحمر سليل بني نصر، وهم في الأصل سادة حصن أرجونة (١) من أعمال ولاية جيّان. وهو محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن خميس بن نصر ابن قيس الخزرجى. ويُرجع بنو نصر نسبتهم إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج وأحد أكابر الصحابة، فهم بذلك من أعرق البطون العربية. وقد أشار إلى هذه النسبة بعض مؤرخى الأندلس ومنهم الرازى (٢). وكان لبنى نصر وجاهة وعصبية. وولد محمد بن يوسف في أرجونة سنة ٥٩٥ هـ (١١٩٨ م) ونشأ في مهاد الفضيلة والتقشف جندياً وافر الجرأة والعزم، يتزعم قومه، ويقودهم إلى مواطن النضال، وكان بالرغم من تقشفه وتواضعه يجيش بأطماع كبيرة، وكانت حوادث الأندلس يومئذ تقدم لأولى العزم والإقدام كثيراً من فرص الظهور والمغامرة، فلما تفاقمت الفتنة، واضطربت الشئون في الثغور والنواحى، وكثرت غزوات النصارى لقواعد الأندلس، وظهر ابن هود على الموحدين في الثغور الشرقية، لاحت لمحمد ابن يوسف فرصة العمل. وكان هذا الزعيم المتواضع الموهوب معاً، يبدو لكثير من الزعماء وذوى الرأى، معقد الآمال في إنقاذ ما بقى من تراث الأندلس، فالتفت حوله الصحب والأنصار، أولا في أرجونة موطن أسرته وعصبته، وفي الجهات المجاورة لها. وبينما كان ابن هود يعمل لتوطيد سلطانه في شرقى الأندلس وجنوبها، كان محمد بن يوسف يعمل من جانبه في الأنحاء الوسطى، ولم يلبث
стр. 2513
أن أطاعته جيّان وبسطة ووادى آش وما حولها من البلاد والحصون، وبسط حكمه على تلك الأنحاء بالرغم من معارضة ابن هود. ثم اتجه ببصره إلى القواعد والثغور الجنوبية باعتبارها أقرب ميدان للعمل، وأبعد الأماكن عن متناول العدو، ورأى في الوقت نفسه، أن يستظل بدعوة أحد الأمراء المسلمين الظاهرين، فدعا للأمير أبي زكريا الحفصى صاحب إفريقية (تونس) وتلقى منه بعض العون. وقيل أيضاً إنه حذا حذو ابن هود في الدعاء للخليفة المستنصر بالله العباسى؛ ونادت قرمونة وقرطبة وإشبيلية بطاعته لمدى قصير وذلك في أواسط سنة ٦٢٩ هـ، ثم عدلت قرطبة وإشبيلية عنه إلى طاعة ابن هود. ولما اضطرمت الثورة في إشبيلية، واستطاع زعيمها القاضى أبو مروان الباجى أن يبسط حكمه عليها، وأن يخرج منها عامل ابن هود، بادر محمد بن يوسف إلى محالفته على معارضة ابن هود ومقاتلته، وهزماه سوياً في بعض المواقع. ولكن محمداً غدر بعد ذلك بالباجى ليخلو له الجو ودس عليه من قتله. ولم يمض قليل على ذلك حتى أطاعته شَريش ومالقة، وكثير من القواعد والحصون القريبة (سنة ٦٣٠ هـ). أما إشبيلية وقواعد غربي الأندلس فقد احتفظت باستقلالها في ظل بعض الزعماء المحليين. وهرع إلى لوائه كثير من المسلمين الذين غادروا المدن التي وقعت في يد النصارى، واستطاع أن يحشد جيشاً كبيراً من الفرسان والرجالة، يؤازره في تنفيذ خططه ومشاريعه (١).
ولما قويت دعوة ابن هود، وامتد سلطانه نحو الغرب والجنوب، واستولى على غرناطة وأقره الخليفة العباسى على دعوته، رأى محمد بن يوسف (ابن الأحمر) مصانعته والانضواء تحت لوائه، فانحاز إليه وجاهر بطاعته (٦٣١ هـ) ولكن ابن هود ما لبث أن توفى في أوائل سنة ٦٣٥ هـ وانهارت دولته كما قدمنا.
وعندئذ بادر محمد بن يوسف إلى العمل، لاجتناء تراثه في الأنحاء الوسطى. وكان ابن هود قد ولى على غرناطة عتبة بن يحيى المغيلى، وكان خصما لابن الأحمر يأمر بسبه على المنابر، وكان ظلوماً جائراً، فلما اشتدت وطأته على أهل غرناطة، ثار عليه جماعة من أشرافها بزعامة ابن خالد، واقتحموا القصبة والقصر في عصبتهم، وقتلوا عتبة وأعلنوا طاعتهم لابن الأحمر، وبعثوا إليه يستدعونه؛ فسار ابن الأحمر إلى غرناطة ودخلها عند مغيب الشمس في يوم من أواخر رمضان
стр. 2514
سنة ٦٣٥ هـ (أبريل سنة ١٢٣٨ م)، وهو يرتدى ثياباً خشنة وحلة مرقعة، ونزل بجامع القصبة وأم الناس لصلاة المغرب، ثم خرج من المسجد إلى قصر باديس، والشموع بين يديه، ونزل فيه مع خاصته، وبذا غدت غرناطة حاضرته ومقر حكمه، وكان ذلك لأشهر قلائل فقط من وفاة ابن هود (١).
وما كاد ابن الأحمر يستقر في حاضرته الجديدة، حتى عول على افتتاح ألمرية وسحق ابن الرميمى وزير ابن هود وقاتله، فسار إليها في بعض قواته وحاصرها مدة، فلما اشتد عليها الحصار غادرها الرميمى من جهة البحر بأهله وماله في سفينة خاصة، وسار إلى تونس مستظلا بحماية أميرها أبي زكريا الحفصى، وملك ابن الأحمر ألمرية وامتد بذلك سلطانه إلى سائر الشواطىء الجنوبية.
وكان من أعظم أعوان محمد بن يوسف في تلك المعركة التي انتهت بتحقيق رياسته، أصهاره بنو أشقيلولة وهم أسرة قوية نابهة من المولدين. وكان كبيرهم أبو الحسن بن أشقيلولة من رجالات الأندلس وزعمائها وقت الفتنة، وكان من خصوم ابن هود ومن المقاومين لحركته، فانحاز إلى محمد بن يوسف منذ الساعة الأولى، وعاونه على مقاومة خصومه، وتوثقت أواصر الزعيمين بالمصاهرة، إذ تزوج أبو الحسن أخت محمد بن يوسف وتزوج ولده أبو محمد عبد الله بن أشقيلولة من ابنته. ولما استقام الأمر لابن الأحمر، ندب صهره أبا الحسن لحكم وادى آش، وندب أبا محمد لحكم مالقة. ولما توفى أبو الحسن خلفه في حكم وادى آش ولده أبو إسحق. وتمكن نفوذ بني أشقيلولة في الرياسة وكانوا عضداً لابن الأحمر، ولكن أطماعهم كانت تتجاوز حكم المدن، وكان ابن الأحمر في أواخر عهده يستريب بهم ويخشى بأسهم، وقد ظهرت أعراض انتقاضهم غير بعيد (٢).
ويرى المستشرق الإسبانى دى لاس كاخيجاس، أن قيام مملكة غرناطة في ظل بني نصر، يبدو لغزاً حقيقياً. ذلك أنها ولدت في ظروف غير ملائمة، بل ضعيفة ذابلة، ونشأ ابن الأحمر، لا كابن هود أو ابن مردنيش؛ وكلاهما ينتمى إلى أسرة حكمت ولاياتها منذ أيام الموحدين، ولكن وحيداً في بلده أرجونة
стр. 2515
كحدث غير عادى، بل ودون رسوخ محلى. وقد كانت قوته الحقيقية، فضلا عن جرأة حركته، تتركز في أسرته الخاصة، وفي جمع من الأصدقاء والحلفاء مثل بني أشقيلولة المولدين.
ثم يبدى دهشته من أن مملكة غرناطة بالرغم من تكوينها من هضاب وبسائط يغلب عليها القفر أكثر مما يغلب الخصب، وامتداد رقعتها من جيّان شمالا إلى الجزيرة جنوباً، وبالرغم من أن الجند النصارى كانوا في أحيان كثيرة يخترقونها يسهولة حتى مرج غرناطة، فإن هذه العوامل كلها لم تكن شيئاً إزاء الحوادث المستقبلة. ولم يمنع تردد مؤسسها وتقلبه، ولا ظروفها الجغرافية والاقتصادية السيئة، من تقدمها وازدهارها، ومن بقائها مدى قرنين ونصف سليمة موطدة، وهي خلال هذا المدى الطويل تستأثر بأطماع النصارى الفتحية. ثم يقول: "حقاً إن ذلك كله لغريب، بل إنه لينبو عن الإيضاح" (١).
وهكذا نشأت إمارة غرناطة الصغيرة، من غمر الفوضى التي سادت الأندلس، على أثر انهيار سلطان الموحدين، ولكنها كانت في حاجة إلى الاستقرار والتوطد، وكان محمد بن يوسف يواجه في سبيل هذه المهمة كثيراً من الصعاب، وكانت الأندلس قد مزقتها الحرب الأهلية شيعاً، وانتثرت إلى حكومات ومناطق عديدة، وكان ابن الأحمر يحظى بتأييد جمهرة كبيرة من الشعب الأندلسى ولا سيما في الجنوب. ولم يك ثمة ما يمنع من التفاف الأمة الأندلسية كلها حول لواء هذا الزعيم المنقذ، ولكن روح التفرق والتنافس كانت متأصلة في نفوس المتغلبين والطامعين، وكان أصاغر الزعماء والحكام يؤثرون الانضواء تحت لواء ملك النصارى، والاحتفاظ في ظله بمدنهم وقواعدهم، على مظاهرة ابن الأحمر والانضواء تحت لوائه. وحدث ذلك بنوع خاص في مرسية وشرقى الأندلس حسبما أشرنا من قبل، حيث ارتضى والى مرسية محمد بن على بن هود وحكام لقنت وأوريولة وقرطاجنة وجنجالة وغيرها، أن يعقدوا الصلح مع ملك قشتالة على أن يعترفوا بطاعته ويؤدوا له الجزية، وأن يبقوا متمتعين في ظله بحكم مدنهم ومواردهم. وعلى أثر ذلك سلمت مرسية ودخلها ألفونسو ولد فرناندو الثالث ملك قشتالة في احتفال فخم (شوال ٦٤٠ هـ - أبريل ١٢٤٣ م). وهكذا كان الخلاف بين أبناء الأمة الأندلسية في تلك الآونة العصيبة، ويذهب إلى حد التضحية
стр. 2516
بأقدس المبادىء وأسمى الاعتبارات، وكانت وشائج القومية والدين والخطر المشترك كلها، تغيض أمام الأطماع الشخصية الوضيعة، وكان فرناندو الثالث يرى فى ابن الأحمر بعد اختفاء ابن هود، زعيم الأندلس الحقيقى والخصم الذى يجب تحطيمه. وكان ابن الأحمر من جانبه يقدر خطورة المهمة التى ألقاها القدر على عاتقه، وكان يضطرم عزماً وإقداماً لمحاربة النصارى، واستخلاص تراث الوطن من أيديهم، فما كاد يستقر فى غرناطة حتى نشط إلى محاربة النصارى وكانوا قد عاثوا فى أحواز جيان وخربوها، وسار إلى قلعة مرتش (١) فى قوة كبيرة، وضرب حولها الحصار (٦٣٦ هـ)، ولكن النصارى قدموا لإنجادها بسرعة، واضطر ابن الأحمر إلى رفع الحصار، ثم اشتبك فى معركة حامية مع النصارى، وكان يقودهم ردريجو ألونسو وهو أخ غير شرعى لفرناندو الثالث، وهزمهم هزيمة شديدة، قتل فيها قائد مرتش، وعدة من أكابر الفرسان وأحبار قلعة رباح. على أن مثل هذه المعارك المحلية لم تكن حاسمة فى سير الحوادث. وكان فرناندو الثالث يرقب نهوض هذه القوة الأندلسية الجديدة بعين التوجس ويتأهب لمقارعتها، فما كاد ينتهى من إخضاع الثغور الشرقية والاستيلاء على مرسية، حتى عمد إلى مهاجمة ابن الأحمر، وكان يتوق إلى الانتقام لموقعة مرتش، وبعث لقتاله جيشاًَ قوياً بقيادة ولده ألفونسو. وعاث النصارى فى منطقة جيان واستولوا على حصن أرجونة موطن بنى نصر، وعدة حصون وأماكن أخرى من أملاك أمير غرناطة، تم حاصروا غرناطة نفسها (٦٤٢ هـ - ١٢٤٤ م)، ولكنهم ردوا عن أسوارها بخسائر فادحة. وفى العام التالى زحف النصارى على جيان وحاصروها، حتى كادت تسقط فى أيديهم. فلما رأى ابن الأحمر تفوق النصارى وعبث المقاومة، آثر مصانعة ملك قشتالة ومهادنته، فسار إلى لقائه فى معسكره، وقدم إليه طاعته، ويرى بعض الباحثين أن قدوم ابن الأحمر على هذا النحو إلى فرناندو، إنما كان تنفيذاً لاتفاق سابق، تم فيه التفاهم على تحديد مملكة غرناطة (٢). وعلى أى حال فقد تم الاتفاق على أن يحكم ابن الأحمر مملكته وأراضيه باسم ملك قشتالة وفى طاعته، وأن يؤدى له جزية سنوية، قدرها مائة وخمسون ألف قطعة من الذهب (دوبلاس)، وأن يعاونه فى حروبه ضد أعدائه، فيقدم إليه عدداً من الجند أينما طلب منه ذلك،
стр. 2517
وأن يشهد اجتماع مجلس قشتالة النيابى (الكورتيس)، باعتباره من الأمراء التابعين للعرش (١). وسلم ابن الأحمر إلى فرناندو جيّان وأرجونة وبركونة وبيغ والحجار وقلعة جابر (٢) رهينة بحسن طاعته، ونزل له عن أرض الفرنتيرة لعجزه عن الاحتفاظ بها (٣). وفى مقابل هذا الثمن الفادح عقد ملك قشتالة السلم مع ابن الأحمر لمدة عشرين سنة، وأقره على ما بقى بيده من القواعد والحصون (٦٤٣ هـ - ١٢٤٥ م) (٤). وهكذا أمنت غرناطة شر العدوان مدى حين، وقبل ابن الأحمر أن يضحى استقلاله السياسى وهيبته الأدبية احتفاظاً بأراضيه، وتطلعاً إلى ظروف أفضل يستطيع فيها النضال والصمود.
وفى تلك الفترة العصيبة، كانت الفتنة تمزق ما بقى من أوصال الأندلس، ويهرع الزعماء المسلمون الأصاغر، إلى مصانعة ملك قشتالة والانضواء تحت لوائه، وكانت اسبانيا النصرانية قد انتهت من الاستيلاء على الولايات الشرقية كلها، ولم يبق عليها سوى التهام الولايات الغربية. ولم يكن مثل ابن الأحمر وهو أعظم زعماء الأندلس يومئذ، مشجعاً على غير هذا المسلك المؤلم. ففى سنة ٦٤٥ هـ (١٢٤٧ م) نزل القاضى ابن محفوظ وهو من زعماء الغرب لملك قشتالة عن مدينة طبيرة، والعلى، وشلب، والخزا نة، ومرشوشة، وبطرنا، والحرة (٥). وكان فرناندو الثالث يتأهب فى تلك الآونة ذاتها، لافتتاح إشبيلية أعظم القواعد الأندلسية. وكان قد استطاع قبل ذلك بأشهر أن يستولى على مدينة قرمونة حصن إشبيلية الأمامى، وذلك بمعاونة محمد بن الأحمر، وفقاً للتحالف المعقود بينهما، ثم عمد
стр. 2518
بعد ذلك إلى افتتاح باقى الحصون القريبة من إشبيلية. واستطاع ابن الأحمر بنصحه وتدخله، أن يقنع معظم أصحابها بتسليمها لملك قشتالة، مقابل تعهده بأن يحقن دماء المسلمين، وأن يمنحهم شروطاً سخية. ولم تأت أواسط سنة ١٢٤٧ م (٦٤٥ هـ) حتى كان ملك قشتالة، قد استولى على جميع الحصون الأمامية لإشبيلية، وانتسف سائر البسائط والضياع القريبة منها.
وبدأ النصارى حصارهم لإشبيلية فى أغسطس سنة ١٢٤٧ م (جمادى الأولى سنة ٦٤٥ هـ). وحشد فرناندو حول المدينة المحصورة قوات عظيمة حشدت فى سائر أنحاء قشتالة، وتسابق الأمراء والأشراف والأحبار النصارى، فى الاشتراك فى هذه الحملة الصليبية الخطيرة، ورابط أسطول قشتالى قوى فى نهر الوادى الكبير إحكاماً لمحاصرة المدينة من جهة البحر، واضطر ابن الأحمر أن يقدم وفقاً لتعهده قوة من الفرسان للمعاونة فى حصار الحاضرة الإسلامية والاستيلاء عليها. وهكذا أرغم هذا الزعيم المسلم على أن يشرب الكأس المرة إلى الثمالة، فى محالفة أعداء وطنه ودينه. وتقول بعض الروايات الإسلامية، إن ابن الأحمر كان يرمى بمعاونة النصارى على هذا النحو، إلى الانتقام من أهل إشبيلية لخذلهم إياه ونكولهم عن طاعته (١). وصمم أهل إشبيلية على الدفاع عن مدينتهم جهد الاستطاعة، ولكن الموقف داخل المدينة كان غامضاً ومضطرباً. ذلك أن إشبيلية، مذ خلعت طاعة الموحدين، عند اضطراب أمرهم، وانهيار سلطانهم، كباقى القواعد الأندلسية، لم تقم بها زعامة موحدة، ولا تحدثنا الرواية الإسلامية عن أولئك الزعماء الذين ألقى القدر إليهم مهمة الدفاع عن إشبيلية فى تلك الآونة العصيبة، ولكنا نعرف بعض الأسماء من الرواية النصرانية المعاصرة، ومن بعض إشارات عابرة فى الرواية الإسلامية، فهى تذكر لنا قائد الفحص شقّاف، والرئيس ابن شعيب، ويحيى ابن خلدون، ومسعود بن خيار. وكان القائد شقاف، فى الواقع، هو الزعيم الحقيقى الذى يتولى أمر الدفاع، وعليه تعقد الآمال. وطال الحصار حول إشبيلية وأخذ يشتد يوماً بعد يوم، وكانت المدينة المحصورة تتلقى من وقت إلى آخر من عُدوة المغرب، بعض المؤن عن طريق الوادى الكبير. ولما تفاقمت أهوال الحصار وضع شاعر إشبيلية يومئذ إبراهيم بن سهل الإشبيلى الإسرائيلى، قصيدة مؤثرة يستصرخ فيها أهل العدوة، ويستحثهم على المبادرة إلى نصرة إخوانهم فى الدين وفيها يقول:
стр. 2519
وِرداً فمضمون نجاح المصدر ... هى عزة الدنيا وفوز المحشر
نادى الجهاد بكم بنصر مضمر ... يبدونكم بين القنا والضُّمَّر
خلوا الديار لدار عز واركبوا ... عبر العجاج إلى النعيم الأخضر
وتسوغوا كدر المناهل فى السرى ... ترووا بماء الحوض غير مكدر
يا معشر العرب الذين توارثوا ... شيم الحمية كابراً عن أكبر
إن الإله قد اشترى أرواحكم ... بيعوا ويهنئكم وفاء المشترى
أنتم أحق بنصر دين نبيكم ... ولكم تمهد فى قديم الأعصر
أنتم بنيتم ركنه فلتدعموا ... ذاك البناء بكل لدن أسمر (١).
وطال حصار إشبيلية زهاء ثمانية عشر شهراً، وأبدى المسلمون آيات من البسالة والجلد فى الدفاع عن حاضرتهم، ولكن هذه البسالة لم تغن شيئاً أمام عزم النصارى وتصميمهم. وأخيراً اضطر الإشبيليون إلى قبول مصيرهم المحتوم، وارتضوا تسليم المدينة، على أن يؤمن المسلمون فى أنفسهم وأموالهم، وأن يمهلوا شهراً لتسوية شئونهم وإخلاء دورهم والتأهب للرحيل، ووضع ملك قشتالة الترتيبات اللازمة لنقل أهل المدينة بالبر والبحر إلى الجهات التى يقصدونها. وفى ٢٣ ديسمبر سنة ١٢٤٨ م (أوائل رمضان سنة ٦٤٦ هـ) دخل فرناندو الثالث مدينة إشبيلية فى موكب فخم، وذلك بعد أن حكمها المسلمون أكثر من خمسة قرون، وحكمها الموحدون زهاء قرن. وفى الحال حوّل مسجدها الجامع إلى كنيسة، وأزيلت منها معالم الإسلام بسرعة، وتفرق معظم أهلها المسلمين فى الحواضر الإسلامية الباقية، ولا سيما غرناطة. وكان سقوط إشبيلية إيذاناً بسقوط سائر المدن والحصون الإسلامية الواقعة فيما بينها وبين مصب الوادى الكبير وفى المناطق المجاورة. وهكذا استولى للنصارى تباعاً على شريش وشذونة وقادس وشلوقة وغليانة وروضة أوروطة وأركش وثغر شنتمرية (٢)، وغيرها من قواعد الوادى
стр. 2520
وحصونه، وسلم ابن محفوظ فى الوقت نفسه للنصارى حصن اللقوة ووادى أنة وشنتل والحصين وشلطيش، على أن يستبقى حكم لبلة وأحوازها (١). وعاون ابن الأحمر النصارى فى الاستيلاء على ثغر قادس. وهكذا بسط القشتاليون سلطانهم على سائر الأراضى الإسلامية الواقعة غربى ولاية الأندلس، وأخذت رقعة الدولة الإسلامية تنكمش بسرعة مروعة (٢).
وكان موقف ابن الأحمر من هذه الحوادث موقفاً شاذاً مؤلماً، فقد كان يقف إلى جانب أعداء أمته ودينه، وكان يبذل للنصارى ما استطاع من العون َالمادى والأدبى، وكان معظم الزعماء المسلمين من حكام المدن والحصون الباقية، وقد أيقنوا بانهيار سلطان الإسلام فى الأندلس، يهرعون إلى احتذاء مثاله. وإلى الانضواء تحت لواء ملك قشتالة، وكانت هذه المناظر المؤلمة تتكرر فى تاريخ الأندلس منذ الطوائف، حيث نرى كثيراً من الأمراء المسلمين يظاهرون النصارى على إخوانهم فى الدين، احتفاظاً بالملك والسلطان. ولكن ابن الأحمر كان يقبل هذا الوضع المؤلم إنقاذاً لتراث لم يكتمل الرسوخ بعد، وتنفيذاً لأمنية كبيرة بعيدة المدى. ذلك أنه كان يطمح إلى جمع كلمة الأندلس تحت لوائه. وإدماج ما تبقى من تراثها وأراضيها فى مملكة موحدة، تكون مُلكاً له ولعقبه. ولم تكن تحدوه رغبة فى توسع يجعله إلى الأبد أسيراً لحلفائه النصارى، مثلما كان يفعل أسلافه زعماء الطوائف. بل كانت تحدوه قبل كل شىء رغبة فى الاستقلال، والتوطد داخل حدود إمارته المتواضعة. وقد لبث يعمل على تحقيق هذه الغاية فى ولاية غرناطة والولايات المجاورة، وهو يصانع النصارى ويتجنب الاشتباك معهم، ويشهد التهامهم لأشلاء الوطن الممزق، وقلبه يتفطر حزناً وأسى.
стр. 2521
على أن ابن الأحمر لم يكن يعتزم المضى فى ذلك المسلك المؤلم المهين إلى النهاية، فقد كانت نفسه الوثابة تحدثه من وقت إلى آخر، بأن يحطم هذه الأغلال الشائنة التى صفدته بها محالفة النصارى، وكان كلما آنس ازدياد قوته ورسوخ سلطانه صلبت قناته وذكا عزمه، وكان يتجه ببصره إلى ما وراء البحر، إلى إخوانه فى الدين فى عدوة المغرب، وكان جرياً على السياسة الأندلسية المأثورة يرى فى ملوك العدوة، عضداً له قيمته فى مغالبة النصارى، وكانت حوادث المغرب تتمخض فى ذلك الحين بالذات عن قيام دولة جديدة قوية هى دولة بنى مرين. ومع أن الكفاح بين دولة الموحدين المحتضرة وبين دولة بنى مرين الناشئة (١)، كان يحول دون إنجاد الأندلس بصورة فعالة، فإن كتائب المجاهدين من بنى مرين والمتطوعة من أهل المغرب، لم تلبث أن هرعت إلى غوث الأندلس. وعبر القائد أبو معرف محمد بن إدريس بن عبد الحق المرينى وأخوه الفارس عامر، البحر فى نحو ثلاثة آلاف مقاتل، جهزهم أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق سلطان بنى مرين. وكانت حوادث الأندلس المؤسية تحدث وقعها العميق فى المغرب، وكانت رسائل الأندلس تترى إلى أمراء المغرب وأكابرهم بالصريخ مما تكابده من عدوان النصارى واستطالتهم، والاستنصار بأهل العدوة إخوانهم فى الدين، وكان علماء المغرب وخطباؤه وشعراؤه يبثون دعوة الغوث والإنجاد، ومن ذلك قصيدة مؤثرة وضعها أبو الحكم مالك بن المُرَحِّل، وقرئت فى جامع القرويين بفاس فى يوم جمعة من أيام سنة ٦٦٢ هـ، وبكى الناس تأثراً لسماعها ومما جاء فيها:
استنصر الدين بكم فاستقدموا ... فإنكم إن تسلموه يسلم
لاذت بكم أندلس ناشرة ... برحم الدين ونعم الرحم
فاسترحمتكم فارحموها إنه ... لا يرحم الرحمن من لا يرحم
ما هى إلا قطعة من أرضكم ... وأهلها منكم وأنتم منهم (٢).
وكان لاهتمام المغرب بإنجاد الأندلس صداه. وكان ابن الأحمر قد بدأ فى الوقت نفسه يشعر بمقدرته على مواجهة النصارى والخروج على طاعتهم، وحماية مملكته الفتية من عدوانهم. ولما فاتحه النصارى بالعدوان وغزوا أراضيه فى سنة ٦٦٠ هـ (١٢٦١ م)، استطاع بمعاونة قوات من المتطوعة والمجاهدين الذين
стр. 2522
وفدوا من وراء البحر، أن يهزمهم وأن يردهم عن أراضيه، وبذلك ظهرت الأندلس على عدوها فى ميدان الحرب لأول مرة منذ انهيار دولة الموحدين. ولما عبرت الكتائب المرينية بعد ذلك بقليل (٦٦٢ هـ)، استطاع قائدهم الفارس عامر ابن إدريس أن ينتزع مدينة شريش من يد النصارى، ولكن لمدى قصير فقط (١)، وقد كانت هذه بارقة أمل متواضعة. ولكن الحوادث ما لبثت أن تجهمت للأندلس مرة أخرى. ذلك أن ملك قشتالة (ألفونسو العاشر) خشى هذه البادرة على خططه وغزواته، وخشى بالأخص أن تتضاعف الأمداد من وراء البحر فيشتد ساعد أمير غرناطة، ومن ثم فقد عول أن يضاعف أهبته وضغطه على القواعد الأندلس الباقية. ففى أواخر سنة ٦٦٢ هـ (١٢٦٣ م) نزل ابن يونس صاحب مدينة إستجة عنها إلى النصارى (٢)، ودخلها دون خيل قائد القشتاليين، فأخرج أهلها المسلمين منها، وقتل وسبى كثيراً منهم وذلك بالرغم من تسليمها بالأمان. وفى العام التالى (٦٦٣ هـ) ظهرت نيات ملك قشتالة واضحة فى العمل على افتتاح ما بقى من القواعد الأندلسية، وسرى الخوف إلى نواحى الأندلس، وعادت الرسائل تترى على أمراء المغرب وزعمائه، بالمبادرة إلى إمداد الأندلس، وإغاثتها قبل أن يفوت الوقت، خصوصاً وقد بدأ عدوان النصارى يحدث أثره، وبدأت هزائم قوات ابن الأحمر فى ذلك الوقت على يد دون نونيو دى لارا (دوننه) صهر ملك قشتالة وقائده الأكبر (٦٦٣ هـ - ١٢٦٤ م). وكتب الفقيه أبو القاسم العزفى صاحب سبتة رسالة طويلة إلى قبائل المغرب، يستنصرهم فيها ويحثهم على الجهاد فى سبيل الأندلس، وفيها يقول: "ولا تخلدوا بركون إلى سكون، والدين يدعوكم لنصره، وصارخ الإسلام قد أسمع أهل عصره، والصليب قد أوعب فى حشده، فالبدار البدار، بإرهاب الجد وأعمال الجهاد فى نيل الجد .. " (٣). وتكرر مثل هذا الصريخ إلى سائر أمراء إفريقية، وأعلن ابن الأحمر بيعته للملك المستنصر بالله الحفصى صاحب تونس، فبعث إليه المستنصر
стр. 2523
هدية ومالا لمعاونته (١). ولكن هذه المساعى لم تسفر عن نتيجة سريعة ناجعة، وبقيت الأندلس أعواماً أخرى تواجه عدوها القوى بمفردها وتتوجس من سوء المصير.
ولما تفاقم عدوان القشتاليين وضغطهم، لم ير ابن الأحمر مناصاً من أن يخطو خطوة جديدة فى مهادنة ملك قشتالة ومصادقته، فنزل له فى أواخر سنة ٦٦٥ هـ (١٢٦٧ م) عن عدد كبير من البلاد والحصون، منها شَريش والمدينة والقلعة وغيرها. وقيل إن ما أعطاه ابن الأحمر يومئذ من البلاد والحصون المسورة للنصارى بلغ أكثر من مائة موضع، ومعظمها فى غرب الأندلس (٢)، وبذا عقد السلم بين الفريقين مرة أخرى (٣).
وهكذا فقدت الأندلس معظم قواعدها التالدة فى نحو ثلاثين عاماً فقط (٦٢٧ - ٦٥٥ هـ) فى وابل مروع من الأحداث والمحن، واستحال الوطن الأندلسى الذى كان قبل قرن فقط، يشغل نحو نصف الجزيرة الإسبانية، إلى رقعة متواضعة هى مملكة غرناطة. وقد أثارت هذه المحن التى توالت على الأندلس، فى تلك الفترة المظلمة من تاريخها لوعة الشعر والأدب، ونظم شاعر العصر أبو الطيب صالح بن شريف الرندى، مرثيته الشهيرة، التى مازالت تعتبر حتى اليوم من أروع المراثى القومية وأبلغها تأثيراً فى النفس، وفيها يبكى قواعد الأندلس الذاهبة، ويستنهض همم المسلمين أهل العدوة لإنجاد الأندلس وغوثها، وإليك بعض ما جاء فى هذه المرثية الشهيرة التى خلدت ذكر ناظمها على كر الأحقاب:
لكل شىء إذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان
هى الأمور كما شاهدتها دول ... من سرَّه زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقى على أحد ... ولا يدوم على حال لها شان
يمزق الدهر حتما كل سابغة ... إذا نبت مشرفيات وخرصان
...
стр. 2524
فجائع الدهر أنواع منوعة ... وللزمان مسرات وأحزان
وللحوادث سلوان يهونها ... وما لما حل بالإسلام سلوان
دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وانهد ثهلان
فاسأل بلنسيةً ما شأن مرسية ... وأين شاطبة أم أين جيَّان
وأين قرطبة دار العلوم فكم ... من عالم قد سما فيها له شان
وأين حمص وما تحويه من نزه ... ونهرها العذب فيّاض وملآن
قواعد كن أركان البلاد فما ... عسى البقاء إذا لم تبق أركان
تبكى الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خالية ... قد أقفرت ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس ما ... فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكى وهى جامدة ... حتى المنابر ترثى وهى عيدان
...
أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ... أسرى وقتلى فما يهتز إنسان
ماذا التقاطع فى الإسلام ينكم ... وأنتم يا عباد الله إخوان (١).
...
وقضى ابن الأحمر الأعوام القليلة الباقية من حكمه، فى توطيد مملكته وإصلاح
стр. 2525
شئونها؛ وكان مذ شعر باستقرار الأمور فى مملكته، قد اختار لولاية عهده ولده الأمير أبا سعيد فرج بن محمد بن يوسف، ولكن هذا الأمير توفى فى سنة ٦٥٢ هـ، فاختار مكانه لولاية العهد ولده محمداً أكبر أولاده من بعده. وهكذا أسبغ ابن الأحمر على رياسة بنى نصر صفة الملوكية الوراثية (١). ولم تقع فى تلك الفترة حوادث ذات شأن، فقد لزم النصارى السكينة حيناً. ولكن ظهرت عندئذ أعراض الانتقاض على بنى أشقيلولة أصهار ابن الأحمر ومعاونيه؛ وكان ابن الأحمر قد زوج فى سنة ٦٦٤ هـ إحدى بناته لابن عمه الرئيس أبى سعيد بن اسماعيل بن يوسف ووعده بولاية مالقة، فنمى ذلك إلى واليها أبى محمد بن أشقيلولة، وهو أيضاً زوج ابنته، فغضب لذلك وأعلن العصيان والاستقلال بحكم المدينة، فسار ابن الأحمر لقتاله تعاونه قوة من حلفائه النصارى، وحاصروا مالقة ثلاثة أشهر، ولكنهم ارتدوا عنها خائبين (٦٦٥ هـ - ١٢٦٦ م). وعاد ابن الأحمر فسار إلى مالقة مرة أخرى فى سنة ٦٦٨ هـ، ولكنه لم ينل منها مأرباً (٢).
وفى تلك الآونة عاد النصارى إلى التحرك والتحرش بالمملكة الإسلامية، وسار ملك قشتالة ألفونسو العاشر إلى الجزيرة الخضراء فعاث فيها، وعاد ابن الأحمر يتوجس شراً من نيات النصارى، فبعث إلى أمير المسلمين السلطان أبى يوسف المرينى ملك المغرب يطلب منه الغوث والإنجاد، ونصرة إخوانه المسلمين فيما وراء البحر، ويخبره بما بدا من عدوان النصارى ونيتهم فى القضاء على ما بقى من ديار الأندلس، ولكن ابن الأحمر لم يعش ليرى نتيجة هذه الدعوة، إذ توفى بعد ذلك بقليل.
وكان محمد بن الأحمر يتمتع بخلال باهرة من الشجاعة والإقدام، وشغف الجهاد، والمقدرة على التنظيم، إلى جم التواضع والبساطة. ويقدم لنا ابن الخطيب مؤرخ الدولة النصرية عنه هذه الصورة المؤثرة: "كان هذا الرجل آية من آيات الله فى السذاجة والسلامة والجمهورية، جندياً ثغرياً، شهماً، أيِّداً، عظيم التجلد، رافضاً للدعوة والراحة، مؤثراً للتقشف والاجتزاء باليسر، متبلغاً بالقليل، بعيداً عن التصنع، جافى السلاح، شديد العزم، مرهوب الإقدام،