← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

على أن ابن الأحمر لم يكن يعتزم المضى فى ذلك المسلك المؤلم المهين إلى النهاية، فقد كانت نفسه الوثابة تحدثه من وقت إلى آخر، بأن يحطم هذه الأغلال الشائنة التى صفدته بها محالفة النصارى، وكان كلما آنس ازدياد قوته ورسوخ سلطانه صلبت قناته وذكا عزمه، وكان يتجه ببصره إلى ما وراء البحر، إلى إخوانه فى الدين فى عدوة المغرب، وكان جرياً على السياسة الأندلسية المأثورة يرى فى ملوك العدوة، عضداً له قيمته فى مغالبة النصارى، وكانت حوادث المغرب تتمخض فى ذلك الحين بالذات عن قيام دولة جديدة قوية هى دولة بنى مرين. ومع أن الكفاح بين دولة الموحدين المحتضرة وبين دولة بنى مرين الناشئة (١)، كان يحول دون إنجاد الأندلس بصورة فعالة، فإن كتائب المجاهدين من بنى مرين والمتطوعة من أهل المغرب، لم تلبث أن هرعت إلى غوث الأندلس. وعبر القائد أبو معرف محمد بن إدريس بن عبد الحق المرينى وأخوه الفارس عامر، البحر فى نحو ثلاثة آلاف مقاتل، جهزهم أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق سلطان بنى مرين. وكانت حوادث الأندلس المؤسية تحدث وقعها العميق فى المغرب، وكانت رسائل الأندلس تترى إلى أمراء المغرب وأكابرهم بالصريخ مما تكابده من عدوان النصارى واستطالتهم، والاستنصار بأهل العدوة إخوانهم فى الدين، وكان علماء المغرب وخطباؤه وشعراؤه يبثون دعوة الغوث والإنجاد، ومن ذلك قصيدة مؤثرة وضعها أبو الحكم مالك بن المُرَحِّل، وقرئت فى جامع القرويين بفاس فى يوم جمعة من أيام سنة ٦٦٢ هـ، وبكى الناس تأثراً لسماعها ومما جاء فيها: استنصر الدين بكم فاستقدموا ... فإنكم إن تسلموه يسلم لاذت بكم أندلس ناشرة ... برحم الدين ونعم الرحم فاسترحمتكم فارحموها إنه ... لا يرحم الرحمن من لا يرحم ما هى إلا قطعة من أرضكم ... وأهلها منكم وأنتم منهم (٢). وكان لاهتمام المغرب بإنجاد الأندلس صداه. وكان ابن الأحمر قد بدأ فى الوقت نفسه يشعر بمقدرته على مواجهة النصارى والخروج على طاعتهم، وحماية مملكته الفتية من عدوانهم. ولما فاتحه النصارى بالعدوان وغزوا أراضيه فى سنة ٦٦٠ هـ (١٢٦١ م)، استطاع بمعاونة قوات من المتطوعة والمجاهدين الذين

стр. 2522

وفدوا من وراء البحر، أن يهزمهم وأن يردهم عن أراضيه، وبذلك ظهرت الأندلس على عدوها فى ميدان الحرب لأول مرة منذ انهيار دولة الموحدين. ولما عبرت الكتائب المرينية بعد ذلك بقليل (٦٦٢ هـ)، استطاع قائدهم الفارس عامر ابن إدريس أن ينتزع مدينة شريش من يد النصارى، ولكن لمدى قصير فقط (١)، وقد كانت هذه بارقة أمل متواضعة. ولكن الحوادث ما لبثت أن تجهمت للأندلس مرة أخرى. ذلك أن ملك قشتالة (ألفونسو العاشر) خشى هذه البادرة على خططه وغزواته، وخشى بالأخص أن تتضاعف الأمداد من وراء البحر فيشتد ساعد أمير غرناطة، ومن ثم فقد عول أن يضاعف أهبته وضغطه على القواعد الأندلس الباقية. ففى أواخر سنة ٦٦٢ هـ (١٢٦٣ م) نزل ابن يونس صاحب مدينة إستجة عنها إلى النصارى (٢)، ودخلها دون خيل قائد القشتاليين، فأخرج أهلها المسلمين منها، وقتل وسبى كثيراً منهم وذلك بالرغم من تسليمها بالأمان. وفى العام التالى (٦٦٣ هـ) ظهرت نيات ملك قشتالة واضحة فى العمل على افتتاح ما بقى من القواعد الأندلسية، وسرى الخوف إلى نواحى الأندلس، وعادت الرسائل تترى على أمراء المغرب وزعمائه، بالمبادرة إلى إمداد الأندلس، وإغاثتها قبل أن يفوت الوقت، خصوصاً وقد بدأ عدوان النصارى يحدث أثره، وبدأت هزائم قوات ابن الأحمر فى ذلك الوقت على يد دون نونيو دى لارا (دوننه) صهر ملك قشتالة وقائده الأكبر (٦٦٣ هـ - ١٢٦٤ م). وكتب الفقيه أبو القاسم العزفى صاحب سبتة رسالة طويلة إلى قبائل المغرب، يستنصرهم فيها ويحثهم على الجهاد فى سبيل الأندلس، وفيها يقول: "ولا تخلدوا بركون إلى سكون، والدين يدعوكم لنصره، وصارخ الإسلام قد أسمع أهل عصره، والصليب قد أوعب فى حشده، فالبدار البدار، بإرهاب الجد وأعمال الجهاد فى نيل الجد .. " (٣). وتكرر مثل هذا الصريخ إلى سائر أمراء إفريقية، وأعلن ابن الأحمر بيعته للملك المستنصر بالله الحفصى صاحب تونس، فبعث إليه المستنصر

стр. 2523

هدية ومالا لمعاونته (١). ولكن هذه المساعى لم تسفر عن نتيجة سريعة ناجعة، وبقيت الأندلس أعواماً أخرى تواجه عدوها القوى بمفردها وتتوجس من سوء المصير. ولما تفاقم عدوان القشتاليين وضغطهم، لم ير ابن الأحمر مناصاً من أن يخطو خطوة جديدة فى مهادنة ملك قشتالة ومصادقته، فنزل له فى أواخر سنة ٦٦٥ هـ (١٢٦٧ م) عن عدد كبير من البلاد والحصون، منها شَريش والمدينة والقلعة وغيرها. وقيل إن ما أعطاه ابن الأحمر يومئذ من البلاد والحصون المسورة للنصارى بلغ أكثر من مائة موضع، ومعظمها فى غرب الأندلس (٢)، وبذا عقد السلم بين الفريقين مرة أخرى (٣). وهكذا فقدت الأندلس معظم قواعدها التالدة فى نحو ثلاثين عاماً فقط (٦٢٧ - ٦٥٥ هـ) فى وابل مروع من الأحداث والمحن، واستحال الوطن الأندلسى الذى كان قبل قرن فقط، يشغل نحو نصف الجزيرة الإسبانية، إلى رقعة متواضعة هى مملكة غرناطة. وقد أثارت هذه المحن التى توالت على الأندلس، فى تلك الفترة المظلمة من تاريخها لوعة الشعر والأدب، ونظم شاعر العصر أبو الطيب صالح بن شريف الرندى، مرثيته الشهيرة، التى مازالت تعتبر حتى اليوم من أروع المراثى القومية وأبلغها تأثيراً فى النفس، وفيها يبكى قواعد الأندلس الذاهبة، ويستنهض همم المسلمين أهل العدوة لإنجاد الأندلس وغوثها، وإليك بعض ما جاء فى هذه المرثية الشهيرة التى خلدت ذكر ناظمها على كر الأحقاب: لكل شىء إذا ما تم نقصان ... فلا يغر بطيب العيش إنسان هى الأمور كما شاهدتها دول ... من سرَّه زمن ساءته أزمان وهذه الدار لا تبقى على أحد ... ولا يدوم على حال لها شان يمزق الدهر حتما كل سابغة ... إذا نبت مشرفيات وخرصان ...

стр. 2524

فجائع الدهر أنواع منوعة ... وللزمان مسرات وأحزان وللحوادث سلوان يهونها ... وما لما حل بالإسلام سلوان دهى الجزيرة أمر لا عزاء له ... هوى له أحد وانهد ثهلان فاسأل بلنسيةً ما شأن مرسية ... وأين شاطبة أم أين جيَّان وأين قرطبة دار العلوم فكم ... من عالم قد سما فيها له شان وأين حمص وما تحويه من نزه ... ونهرها العذب فيّاض وملآن قواعد كن أركان البلاد فما ... عسى البقاء إذا لم تبق أركان تبكى الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الإلف هيمان على ديار من الإسلام خالية ... قد أقفرت ولها بالكفر عمران حيث المساجد قد صارت كنائس ما ... فيهن إلا نواقيس وصلبان حتى المحاريب تبكى وهى جامدة ... حتى المنابر ترثى وهى عيدان ... أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ... أسرى وقتلى فما يهتز إنسان ماذا التقاطع فى الإسلام ينكم ... وأنتم يا عباد الله إخوان (١). ... وقضى ابن الأحمر الأعوام القليلة الباقية من حكمه، فى توطيد مملكته وإصلاح

стр. 2525

شئونها؛ وكان مذ شعر باستقرار الأمور فى مملكته، قد اختار لولاية عهده ولده الأمير أبا سعيد فرج بن محمد بن يوسف، ولكن هذا الأمير توفى فى سنة ٦٥٢ هـ، فاختار مكانه لولاية العهد ولده محمداً أكبر أولاده من بعده. وهكذا أسبغ ابن الأحمر على رياسة بنى نصر صفة الملوكية الوراثية (١). ولم تقع فى تلك الفترة حوادث ذات شأن، فقد لزم النصارى السكينة حيناً. ولكن ظهرت عندئذ أعراض الانتقاض على بنى أشقيلولة أصهار ابن الأحمر ومعاونيه؛ وكان ابن الأحمر قد زوج فى سنة ٦٦٤ هـ إحدى بناته لابن عمه الرئيس أبى سعيد بن اسماعيل بن يوسف ووعده بولاية مالقة، فنمى ذلك إلى واليها أبى محمد بن أشقيلولة، وهو أيضاً زوج ابنته، فغضب لذلك وأعلن العصيان والاستقلال بحكم المدينة، فسار ابن الأحمر لقتاله تعاونه قوة من حلفائه النصارى، وحاصروا مالقة ثلاثة أشهر، ولكنهم ارتدوا عنها خائبين (٦٦٥ هـ - ١٢٦٦ م). وعاد ابن الأحمر فسار إلى مالقة مرة أخرى فى سنة ٦٦٨ هـ، ولكنه لم ينل منها مأرباً (٢). وفى تلك الآونة عاد النصارى إلى التحرك والتحرش بالمملكة الإسلامية، وسار ملك قشتالة ألفونسو العاشر إلى الجزيرة الخضراء فعاث فيها، وعاد ابن الأحمر يتوجس شراً من نيات النصارى، فبعث إلى أمير المسلمين السلطان أبى يوسف المرينى ملك المغرب يطلب منه الغوث والإنجاد، ونصرة إخوانه المسلمين فيما وراء البحر، ويخبره بما بدا من عدوان النصارى ونيتهم فى القضاء على ما بقى من ديار الأندلس، ولكن ابن الأحمر لم يعش ليرى نتيجة هذه الدعوة، إذ توفى بعد ذلك بقليل. وكان محمد بن الأحمر يتمتع بخلال باهرة من الشجاعة والإقدام، وشغف الجهاد، والمقدرة على التنظيم، إلى جم التواضع والبساطة. ويقدم لنا ابن الخطيب مؤرخ الدولة النصرية عنه هذه الصورة المؤثرة: "كان هذا الرجل آية من آيات الله فى السذاجة والسلامة والجمهورية، جندياً ثغرياً، شهماً، أيِّداً، عظيم التجلد، رافضاً للدعوة والراحة، مؤثراً للتقشف والاجتزاء باليسر، متبلغاً بالقليل، بعيداً عن التصنع، جافى السلاح، شديد العزم، مرهوب الإقدام،

стр. 2526

عظيم التشمير، محتقراً للعظيمة، مصطعناً لأهل بيته، فضاً فى طلب حظه، حامياً لقرابته وأقرانه وجيرانه، مباشراً للحروب بنفسه، تتغالى الحكايات فى سلاحه وزينة ديابوزه، يخصف النعل، ويلبس الخشن، ويؤثر البداوة، ويستشعر الجد فى أموره " (١). وكان يعرف بالشيخ ويلقب بأمير المسلمين، وهو اللقب الذى غلب على سلاطين غرناطة فيما بعد. وهو الذى ابتنى حصن الحمراء الشهير، وجعله دار الملك، وجلب له الماء، وسكنه بأهله وولده. وأما تسميته بابن الأحمر فقد اختلفت فى شأنها الرواية. ويقال إن هذه التسمية ترجع إلى نضارة وجهه واحمرار شعره؛ ويرى البعض أنها أُسبغت عليه لإنشائه حصن الحمراء، ولكن سوف نرى عند الكلام على تاريخ الحمراء، أن هذا الاسم أقدم من الدولة النصرية ببضعة قرون، وأنه لا صلة بين هذا الإسم الذى أطلق على الحصن والقصور الملكية، التى أنشأها محمد بن يوسف وبنوه من بعده، وبين تلقيبهم ببنى الأحمر، كما أنه ليس ثمة بين القبائل العربية أية قبيلة تحمل هذا اللقب، ويمكن أن ينسب إليها بيت غرناطة الملكى (٢). وكان ابن الأحمر يباشر الأمور بنفسه، ويدقق فى جمع الأموال والجبايات حتى امتلأت خزائنه بالمال والسلاح. وكان يعقد للناس مجالس عامة يومين فى الأسبوع، يستمع فيها إلى الظلامات وذوى الحاجات، ويستقبل الوفود، وينشده الشعراء. وكان يجرى فى تصريف شئون الملك على قاعدة الشورى، فيعقد مجالس يحضرها الأعيان والقضاة ومن إليهم من ذوى الرأى، للاسترشاد برأيهم، ونصحهم (٣). وكان فى مقدمة وزرائه أبو مروان عبد الملك بن يوسف بن صناديد زعيم جيّان، وهو الذى مكنه من التغلب عليها، والقائد أبو عبد الله محمد بن محمد الرميمى ولد صاحب المرية السابق. وكان بين كتابه المحدث الشهير أبو الحسن على بن محمد بن سعيد اليحصبى اللوشى. وكان من شعرائه أبو الطيب الرندى

стр. 2527

صاحب المرثية الشهيرة، وهو الذى سبقت الإشارة إليه. وكان أثيراً لديه، وقد نظم فى مدحه بعض غرر قصائده. وإليك كيف يصور النقد الغربى الحديث خلال منشىء مملكة غرناطة وظروف مملكته: "كان محمد بن الأحمر من أبرع أولئك الأمراء الذين كان لهم فضل خلال العصور المضطربة، فى الدفاع عن الإسلام ومجد المسلمين، وكان جريئاً بعيد الغور، ولكن مكره لم يكن راجعاً إلى طبيعة خبيثة وضيعة، ولكن إلى خلق خصومه الذين كان مرغماً على مقارعتهم. ففى العصور الوسطى كان قانون الأمم وعقد المعاهدات، ومجاملات الفروسية وشروط السلم الشريف، تفهم بطريقة ناقصة، وكثيراً ما تنتهك بعمد، وكانت معظم نقائص هذا الأمير العظيم، ترجع إلى أخلاق العصر المنحلة، وكانت بوادر خضوعه لأعدائه الألداء مظاهر فقط لسياسة محكمة التدبير، أقدم عليها لإحراز ملكه وتوطيد سلطانه، وكان تقدم الغزو المستمر يرهق مملكته، ولكنها كانت تغدو أقوى ويغدو الدفاع عنها أيسر، كلما انكمشت حدودها. وكان القشتاليون كلما احتلوا مدينة جديدة، هرعت منها جمهرة من المهاجرين العاملين إلى غرناطة، فتزيد سكانها كثرة على كثرة، يحملون معهم ثروات عظيمة، وصفات هى أثمن من الثروة لدولة منحلة: النشاط والاقتصاد، والمقدرة على هضم الظروف الجديدة، وذكرى المظالم السابقة، وآلام المطاردة المحزنة، وأمل الانتصاف، وشعور لا يقهر ببغض النصرانية. وكان الاندماج السياسى لهذه الجماعات المنفية المضطهدة، فى حماية الجبال التى تظلل ملاذها الأخير، هو الذى عاون فى حفظ مملكة غرناطة الزاهرة لمجدها المستقبل ومحنتها الغامرة " (١). وتوفى محمد بن الأحمر فى التاسع والعشرين من جمادى الثانية سة ٦٧١ هـ (ديسمبر ١٢٧٢ م) على أثر سقطة من جواده، حين عوده من معركة رد فيها جمعاً من الخوارج الذين حاولوا الزحف على الحمراء فى منتصف جمادى الثانية من العام المذكور، فحمل جريحاً إلى القصر وتوفى بعد ذلك بأسبوعين، وقد قارب الثمانين من عمره، ودفن بالمقبرة العتيقة بأرض السبيكة (٢). وكانت مملكة

стр. 2528

غرناطة قد توطدت دعائمها نوعاً، واستقر بها ملك بنى نصر الفتىّ على أسس ثابتة. وكان من حسن الطالع أنه لم يظهر فى مملكة غرناطة فى بداية أمرها زعماء خوارج ينازعون بنى نصر زعامتهم. ولذا لم نشهد فى هذه الأندلس الجديدة مأساة الطوائف مرة أخرى، وإن كان تاريخ الدولة النصرية لم يخل من ثورات وانقلابات محلية عديدة. وقد كان من غرائب القدر أن هذه المملكة الإسلامية الصغيرة، استطاعت غير بعيد، أن تعيد لمحة من مجد الأندلس الذاهب، كما استطاعت بكثير من الشجاعة والجلد، أن تسهر على تراث الإسلام فى الأندلس، زهاء مائتين وخمسين عاماً أخرى.

стр. 2529

الفصل الثالث طوائف الأمة الأندلسية فى عصر الانحلال مملكة غرناطة وحدودها. عناصر سكانها. المدجنون. تاريخهم وحياتهم فى ظل الممالك النصرانية. وثائق هامة تلقى ضوءاً على أحوالهم. الأحكام الشرعية فى شأنهم. اضطهادهم على يد الكنيسة. نشاطهم وتفوقهم. النصارى المعاهدون وأحوالهم فى ظل الحكومة الإسلامية. تعصبهم وخياناتهم. هجرة الأندلسيين من مختلف القواعد إلى غرناطة. عناصر الأمة الأندلسية. المولدون. اليهود. الشعب الغرناطى. صفاته وخلاله. كانت مملكة غرناطة عند قيامها فى أواسط القرن السابع الهجرى تشمل القسم الجنوبى من الأندلس القديمة، وتمتد فيما وراء نهر الوادى الكبير إلى الجنوب، حتى شاطىء البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق، ويحدها من الشمال ولايات جيّان وقرطبة وإشبيلية، ومن الشرق ولاية مرسية وشاطىء البحر المتوسط الممتد منها إلى الجنوب، ومن الغرب ولاية قادس وأرض الفرنتيرة. وكانت تشتمل عندئذ على ثلاث ولايات كبيرة، وهى ولاية غرناطة الواقعة فى الوسط، والممتدة جنوباً حتى البحر، وأهم مدنها العاصمة غرناطة، ووادى آش وبسطة وأشكر وحصن اللوز ولوشة والحامة وأرحبة والمنكب وشلوبانية. وولاية ألمريَّة وهى تمتد من ولاية مرسية حتى البحر، وأهم مدنها ثغر ألمرية وبيرة والمنصورة وبرشانة وبرجة ودلاية وأندَرَش. وولاية مالقة، وهى تقع على البحر غربى غرناطة، وأهم مدنها ثغر مالقة، وبلِّش مالقة وطرُّش وقمارش وآرشدونة وأنتقيرة ورندة ومربلة. ويلحق بها منطقة جبل طارق والجزيرة الخضراء وطريف. وتخترق مملكة غرناطة من الوسط جبال سيرّا نفادا (جبل شلير) الشاهقة، وهضاب البشرّات الوعرة وبسائطها الخضراء، كما تخترقها عدة أنهار منها شَنيل فرع الوادى الكبير ونهر أندرش الصغير، وفى الشرق نهر المنصورة. وكانت خواصها الطبيعية التى تجمع بين مزيج مدهش من المروج والوديان الخصبة، والجبال والهضاب الوعرة، تمدها بثروات زراعية ومعدنية حسنة، ينميها

стр. 2530

ويضاعفها الشعب الأندلسى الموهوب بذكائه ونشاطه وبراعته المأثورة. وهكذا كانت مملكة غرناطة الصغيرة، تستمد من مواردها الطبيعية، أسباب القوة والمنعة والرخاء. وقد رأينا فيما تقدم أن كورة إلبيرة، وهى التى غدت فيما بعد كورة غرناطة، كانت منذ الفتح منزل قبائل الشام، وقد لبثت أعقاب هذه البطون مدى عصور كثيرة فى تلك الولاية. ولما اضطرمت الفتن بالأندلس عقب انهيار الدولة الأموية، تقاطر البربر من الضفة الأخرى من البحر على قواعد غرناطة، ثم غدت مدينة غرناطة مدى حين إمارة بربرية، وأصبح البربر عنصراً بارزاً فى سكان هذه المقاطعة. وكانت الثغور الجنوبية بطبيعة الحال، منزل البربر كلما عبروا إلى الأندلس، وخصوصاً أيام المرابطين والموحدين. وكانت طوائف كبيرة من الغزاة، تتخلف فى هاتيك الوديان النضرة وتستقر فيها، يجذبهم خصبها ونعماؤها. ولما أخذت قواعد الأندلس الشرقية والوسطى تسقط تباعاً فى أيدى النصارى، كان يهرع إلى القواعد والثغور الجنوبية كثير من الأسر المسلمة الكريمة، التى آثرت الهجرة إلى أرض الإسلام، على التّدجُّن والبقاء تحت سلطان النصارى. على أنه بقيت فى القواعد والثغور التى استولى عليها النصارى جموع كبيرة من المسلمين، الذين حملتهم ظروف الأسرة ودواعى العيش على البقاء فى الوطن القديم، تحت حكم الإسبان سادتهم الجدد. وأولئك هم المدجَّنون (١) (أو بالإسبانية Mudéjares) أو أهل الدجن. وقد شاع استعمال هذا اللفظ بالأندلس منذ أوائل القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) أو بعبارة أخرى مذ كثر استيلاء النصارى، على أراضى المسلمين، وكثر عدد الرعايا المسلمين الذين تضمهم اسبانيا النصرانية ففى هذه الفترة بالذات سقطت معظم قواعد الأندلس فى أيدى النصارى، وسقطت منها فى الشرق، بلنسية وشاطبة ودانية، ولقنت، وأوريولة، ثم مرسية، وسقطت فى الوسط قرطبة وجيان، وسقطت فى الغرب ماردة وبطليوس وإشبيلية وقرمونة ولبلة وغيرها - سقطت هذه القواعد الأندلسية التالدة كلها فى أيدى النصارى فى النصف الأول من القرن السابع الهجرى، وبقيت من أهلها المسلمين طوائف كبيرة تحت حكم الإسبان، وهى التى غدت مجتمع المدجنين. وكان أكثر

стр. 2531

المدجنين احتشاداً فى شرقى الأندلس فى منطقتى بلنسية ومرسية. ولهذا المجتمع الإسلامى الإسبانى تاريخ طويل مؤثر. فقد لبث المدجنون عنصراً، يتمتعون فى ظل ملوك قشتالة وأراجون، بنوع من الطمأنينة والرخاء والأمن، فكان يسمح لهم بالاحتفاظ بدينهم وشريعتهم ومساجدهم ومدارسهم، وكان لهم فى العصور الأولى قضاة منهم يحكمون فى سائر المنازعات التى تقع فيما بينهم وفقاً للشريعة الإسلامية؛ أما المنازعات التى تقع بين مسلم ونصرانى، فكان ينظرها أحياناً قاض نصرانى أو تنظرها محكمة مختلطة من قضاة من المذهبين. وكان من امتيازاتهم، أن لا يدفعوا من الضرائب غير ما كانوا يؤدونه من قبل لملوكهم، ثم ترك هذا الامتياز بمضى الزمن، وأصدر الفونسو العاشر فى سنة ١٢٥٤ م لسكان إشبيلية، امتيازاً يخولهم حق شراء الأراضى من المسلمين فى منطقتهم، مما يدل على أنه قد سمح للمسلمين بالاحتفاظ بأراضيهم، وكان لهم حق البيع والشراء فى العقارات. فلما تطورت الحوادث، وغلبت النزعة الرجعية فى أواخر القرن الثالث عشر، صدر قانون يحرم على المسلمين واليهود شراء الأراضى من النصارى، ولكن ترك هذا القانون فيما بعد. وكان يسمح للمدجنين أيضاً بحمل السلاح، ويلزمون بتأدية الخدمة العسكرية، ويعتبر الإعفاء منها امتيازاً خاصاً. ثم أعفى المدجنون بعد ذلك من الخدمة العسكرية نظير جزية سنوية يؤدونها، وكان انضمامهم إلى الجيوش النصرانية يقع فى حدود نسبتهم العددية. ولما توالى استيلاء الإسبان على القواعد والثغور الأندلسية، كان يخصص للمدجنين فى كل مدينة مفتوحة حىّ خاص لإقامتهم، يفصل بينه وبين أحياء النصارى سور ضخم، وكان هذا هو شأن اليهود أيضاً حيث كانوا يلزمون بالإقامة فى حىّ خاص بهم (١). وتوجد فى كتدرائية سرقسطة مجموعة من وثائق عربية تلقى ضوءاًَ على تاريخ المدجنين وأحوالهم فى مملكة أراجون منذ القرن العاشر الميلادى إلى القرن الخامس عشر. وهى عبارة عن طائفة من عقود البيع والشراء والوديعة وغيرها التى عقدت بين أفراد من المدجنين وبين المدجنين والنصارى، وفيها وثائق محررة فى تواريخ متأخرة فى سنة ١٤٨٢، وسنة ١٤٩٦. ويستفاد من تلاوتها أن المدجنين فى مملكة أراجون، كانوا إلى هذا العصر المتأخر، حتى بعد سقوط غرناطة فى يد الإسبان،

стр. 2532

يحتفظون بدينهم الإسلامى، وأنه كانت ما تزال ثمة بعض مساجد قائمة فى بعض أنحاء ولاية سرقسطة. (١) ومن ذلك وثيقة مؤرخة فى شهر ربيع الأول سنة ٦٤٤ هـ (١٢٤٦ م) تبدأ بالبسملة والصلاة على النبى، وهى عقد شراء، يشترى بمقتضاه "أحمد المران" من "محمد بن سلمة البرتيالى" جميع ما له من أملاك وديار ببطرة قرية ابتورة ... بثمن مبلغه وعدته تسعون دنيراً قناشر من القناشر الجارية بسرقسطة ... وذلك كله على سنة المسلمين فى طيبات بيوعاتهم ومرجع أدركهم وارتضاء ذلك البيعة المذكورة الشنيور من القرية المذكورة القسيس الأجل دون برتُلماوو شنت جيل عن إذن الأقسة من الكنيسة المذكورة، شهد على إشهاد المتبايعان المذكوران من أشهداه، وسمع منهما، وعرفهم، والجميع بحالة الصحة والجواز فى شهر ربيع الأول من سنة أربعة وأربعين وستمائة". (٢) ووثيقة مؤرخة فى ٩ أغسطس سنة ١٤٨٤، ورد فيها ما يأتى: "الحمد لله وحده، أشهد على نفسه الكريم فرج الطليطلى الساكن بموضع قلعة التراب شهداء هذا الكتاب قولا بالحق وانقياداً إليه، أن عليه وفى ذمته وماله من المكرمان برول وكبلتة من شنت مرى لميور والسبداد ذاسرغوس وديعة محضة وأمان مؤتمن وذلك خمسون قفزاً قمح طيباً نقياً من مكايل مدينة سرقسطة ... ". وكتب هذه الوثيقة: "محمد بن محمد الأزقة فقيه وخادم مسجد قلعة التراب". (٣) ووثيقة مؤرخة فى شهر فبراير عام إحدى وتسعمائة (١٤٩٦ م) تبدأ أيضاً بالبسملة والصلاة على النبى. وهى عبارة عن إقرار كل من "موسى الحسن وابن عبد الله محمد بن فرج المجه الساكنون فى بلدة الحمام بأنهم يحبسون وديعة قمح" لمن يدعى "أبو باكر ابن أبو باكر، من أهل قلعة التراب". وكاتب الوثيقة هو: "ابراهيم البساتنى الينى هليجى خديم جامع البلد المذكور" (١). وعثرنا فى متحف بلدية بنبلونة على وثيقة عربية وحيدة مؤرخة فى " التاسع من شهر أبريل عام احدى وثمانمائة" (١٣٩٨ م) وهى عبارة عن إشهاد بالدين

стр. 2533

صورة وثيقة مدجنية Mudéjar محفوظة بمتحف بلدية بنبلونة وهى عبارة عن إشهاد بالدين ومؤرخة فى سنة ٨٠١ هـ (١٣٩٨ م).

стр. 2534

مستهلة بالبسملة والصلاة على النبى ومحررة أمام "القاضى الأروع الأورع أبى الحسن على القريشى". وقد جاء فيها ما يأتى: "أشهدوا على أنفسهم أبو الحجاج يوسف الحضرمى ومحمد بن محمد بن جعفر الزهرى، ويوسف بن زيد، وأحمد بن المكحل، ويوسف شداد بن دجنبر مسلمان ساكنان فى ربض المسلمين ببلدة برجة حاضرون بغايبون كل واحد منهم عنه وعن الكل، بأنهم دانوا الاشتراك الشابلى إسراييل ساكن بلدة المذكورة أو لمن ظهر هذا العقد عنده ثلثماية واثنين وثلثين فلريناش ذهباً قالب أرغون من سكة طيبة موزونة ... الخ" وفى ذيلها عدة من أسماء الشهود المسلمين. وفيما أوردناه من نص هذه الوثيقة، ما يدل على أنه كانت توجد فى تلك المنطقة النائية من شمال اسبانيا، فى بلاد نافار، أقليات مسلمة لها أحياء خاصة حيث وجدت، وتتمتع بالتعامل بلغتها القومية أمام قاضيها الخاص، وذلك فى هذا العصر المتأخر، فى أواخر القرن الرابع عشر، أعنى بعد مرور أكثر من ثلاثة قرون على استيلاء النصارى على سائر القواعد الإسلامية فى تلك الأنحاء. وكانت مسألة التدجن هذه وبقاء المسلمين فى الأرض التى يفتتحها النصارى تثير كثيراً من المسائل الفقهية، وكان بعض الفقهاء يرمى أولئك المدجنين بالمروق عن الإسلام لبقائهم تحت حكم النصارى. وقد عثرت خلال بحوثى فى مكتبة الإسكوريال على رسالة مخطوطة تتناول هذه المسألة، وهى عبارة عن فتوى طلبها أحد الفقهاء عن حكم الشرع فيمن آثر من المسلمين الأندلسيين الهجرة من دار الإسلام إلى الأراضى المفتوحة ليعيش تحت حكم النصارى، والمقصود بهؤلاء بنوع خاص أولئك الذين هاجروا من القواعد الأندلسية المفتوحة إلى بلاد المغرب، ثم لم يجدوا بها ما أملوا من رخاء ويسر فى العيش، وترتب على ذلك أنهم ندموا على هجرتهم، وتمنوا العودة إلى ديارهم القديمة تحت حكم ملك قشتالة، وتتضمن الرسالة الأسئلة الآتية: "ما حكم من تمادى من المسلمين فى ذلك؟ وما حكم من عاد منهم إلى دار الكفر بعد حصوله فى دار الإسلام؟ وهل يجب وعظ هؤلاء أو يعرض عنهم ويترك كل واحد منهم لما اختاره؟ وهل من شرط الهجرة أن لا يهاجر أحد إلا إلى دنيا مضمونة يصيبها عاجلا عند وصوله، جارية على وفق غرضه حيث حل من نواحى الإسلام، أو ليس ذلك بشرط بل تجب عليهم الهجرة من دار الكفر إلى دار

стр. 2535

الإسلام، إلى حلو أو مر أو وسع أو ضيق أو عسر أو يسر بالنسبة لأحوال الدنيا، وإنما القصد بها سلامة الدين والأهل والولد، والخروج من حكم الملة الكافرة إلى حكم الملة المسلمة، إلا ما شاء الله من حلو أو مر أو ضيق عيش أو سعة ونحو ذلك من أحوال الدنيا. وقد رد الفقيه المسئول، وهو أحمد بن يحيى التلمسانى الونشريشى عن هذه المسائل بما خلاصته: ١ - أن الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة، وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل. وهو يؤيد قوله بطائفة من الأحاديث النبوية. ٢ - ولا يُسقط هذه الهجرة الواجبة على هؤلاء الذين استولى الطاغية على معاقلهم وبلادهم، ولا يتصور العجز عنها بكل وجه وحال، لا الوطن ولا المال، فإن ذلك كله ملغى فى نظر الشرع. وأما المستطيع بأى وجه كان وبأى حيلة تمكنت، فهو غير معذور وظالم لنفسه إن أقام. والظالمون أنفسهم إنما هم التاركون للهجرة مع المقدرة عليها حسبما تضمنه قوله تعالى: "ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ... ". والمعاقب عليه إنما هو من مات مصراً على هذه الإقامة. ٣ - وتحريم هذه الإقامة تحريم مقطوع به من الدين، كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وقتل النفس بغير حق ... ومن جوّز هذه الإقامة واستخف أمرها، واستسهل حكمها فهو مارق من الدين، ومفارق لجماعة المسلمين، ومحجوج بما لا مدفع فيه لمسلم، ومنبوذ بالإجماع الذى لا سبيل إلى مخالفته وخرق سبيله. قال زعيم الفقهاء القاضى أبو الوليد بن رشد ﵀ فى أول "كتاب التجارة، إلى أرض الحرب"، من مقدماته: فرض الهجرة غير ساقط بل الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة، وأجاب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الحرب أن لا يقيم بها حيث تجرى عليه أحكام المشركين، وأن يهجره ويلحق بدار المسلمين حيث تجرى عليه أحكامهم. ٤ - ثم لما نبعت هذه الموالاة النصرانية فى الماية الخامسة وما بعدها من تاريخ الهجرة وقت استيلاء ملاعين النصارى دمرهم الله على جزيرة صقلية وبعض كور الأندلس، سئل فيها بعض الفقهاء، واستُفهموا عن الأحكام الفقهية المتعلقة بمرتكبها، فأجاب بأن أحكامهم جارية مع أحكام من أسلم ولم يهاجر، وألحقوا

стр. 2536

هؤلاء المسئول عنهم والسكوت عن حكمهم بهم، وسووا بين الطائفتين فى الأحكام الفقهية المتعلقة بأموالهم وأولادهم ولم يروا فيها فرقاً بين الفريقين" (١). على أن هذه الاعتبارات الدينية لم تحل دون بقاء طوائف كبيرة من المسلمين فى الأراضى التى يقتطعها النصارى تباعاً من الوطن الأندلسى. وكانت الإعتبارات الدنيوية، وظروف الأسرة، ودواعى العيش، تغلب على كل الاعتبارات الأخرى. وكان تسامح النصارى فى البداية، وتركهم رعاياهم المسلمين، يتمتعون بتطبيق شريعتهم وأحكام دينهم فيما بينهم حسبما تقدم، يخفف عن أولئك المدجَّنين مرارة الانسلاخ عن مجتمعهم القديم، والانتماء إلى المجتمع النصرانى. وهكذا لبث المدجنون عصراً، يتمتعون فى ظل الحكم الإسبانى بامتيازات كثيرة، ويعيشون فى نوع من الأمن والدعة، بعيداً عن عصف الأهواء السياسية والقومية العنيفة. ولكن هذه الحال أخذت فى التبدل منذ اتسع نطاق الفتوحات النصرانية فى أراضى الأندلس، وزاد بذلك عدد المدجنين فى مختلف المناطق المفتوحة. وكانت الكنيسة تبغض هذه الطوائف الإسلامية، القائمة فى قلب المجتمع النصرانى، وتنقم على المدجنين هذه الدعة وهذا التسامح، وترى فى احتفاظهم بدينهم ولغتهم نوعاً من التحدى المذموم، وتأخذ على ملوك قشتالة وأراجون تسامحهم فى معاملتهم، وتسعى جاهدة لتحريضهم على اتباع سياسة الإنتقام والعنف، إزاء أولئك الرعايا المسالمين. ومنذ أوائل القرن الثالث عشر، تتوالى أوامر البابوية وقراراتها ضد المدجنين، والحض على استرقاقهم أو تنصيرهم، ومن ذلك ما أمر به البابا إنوسان الرابع فى سنة ١٢٤٨ م، ملك أراجون خايمى الأول من وجوب استرقاق المسلمين فى الجزائر الشرقية. ولكن خايمى لم يأبه لذلك الأمر. ولما فتح ثغر بلنسية فى سنة ٦٣٦ هـ (١٢٣٨ م)، سمح للمسلمين أن يبقوا فيها كمدجنين. وكان ملوك قشتالة وأراجون يعارضون هذه السياسة العنيفة، لبواعث وأسباب تتعلق بمصالحهم القومية ورخاء بلادهم. ذلك لأن المدجنين كانوا بين رعاياهم، أفضل العناصر وأنشطها،

стр. 2537

وأكثرها دأبا ومثابرة، وأوفرها تأدية للضرائب، وكانوا ساعد النبلاء الأيمن فى زراعة أراضيهم واستغلالها. وكانوا يستأثرون بالتفوق فى العلوم والفنون والمهن. وكانوا أبرع الأطباء والمهندسين والبنائين. وكان لهم الفضل الأول، فى إدخال محاصيل عديدة فى اسبانيا النصرانية، مثل القصب والقطن والأرز والحرير والتين والبرتقال واللوز وغيرها، وما زالت مشاريع الرى التى أنشأوها، ولاسيما فى مناطق اسبانيا الشرقية والشمالية الشرقية تشهد بعبقريتهم فى هذا المضمار. وهم الذين وضعوا أسس الصناعة الإسبانية، وكانوا أساتذة الصناعات الدقيقة، وكانت صناعاتهم ولاسيما المنسوجات القطنية والحريرية، والفخار والخزف والجلود، نماذج بارعة تحذو حذوها الصناعة الأوربية، فلم يك ثمة أشهر من خزف مالقة، ولا أقمشة مرسية، ولا حرير ألمرية وغرناطة، ولا أسلحة طليطلة، ولا منتجات قرطبة الجلدية. وكانت بلنسية التى تضم كتلة كبيرة من المدجنين، تعتبر من أغنى ثغور أوربا بما تنتجه من السكر والنبيذ وغيرهما من المنتجات العديدة. وكان المدجَّنون مثال النشاط والدأب، يزاولون التجارة بنجاح وشرف، وكانوا أفضل التجار وأوفرهم أمانة ونزاهة، ولم يكن بينهم متسولون إذ كانوا يعولون فقراءهم. وكانوا مثلا للنظام والسكينة، يحسمون منازعاتهم بأنفسهم. وعلى الجملة فقد كانوا يؤلفون أصلح عنصر بين السكان الذين يمكن أن تحتويهم أى البلاد (١). ويلخص لنا المؤرخ الإسبانى خانير أحوال المدجَّنين فى عصور التسامح والتزمت معاً على النحو الآتى: "كان ثمة معاهدات من كل ضرب، تحترم بإخلاص فى سائر نقطها الجوهرية وتعتبر أساساً للحقوق والتعهدات المدنية للأندلسيين المدجنين، ويختلف بعضها عن بعض، سواء فى قشتالة أو أراجون، وفقاً لتباين النقط التى تتعلق بالامتيازات المختلفة. فهنا مثلا تطبق بنوع من التوسع، أو بروح يقل أو يكثر من الحرية أو التزمت، وذلك وفقاً لما نصت عليه اتفاقات تُطيلة أو طرطوشة، وقوانين قيجاطة أو عسقلونة، أو قلعة أيوب أو طليطلة، أو امتيازات بلنسية أو قرطبة أو إشبيلية، أو امتيازات القرى أو المزايا التى منحت للأحياء أو الضياع التى

стр. 2538

يسكنها كلها المسلمون. ومن أمثال التوسع والتسامح التى يقدمها إلينا التاريخ، وهو واحد من عدة كثيرة، الإمتياز الذى منحه خايمى الفاتح إلى مسلمى "وادى أوشو"، بأن يسكنوا فيه، وأن يقيلهم من الجرائم التى ارتكبت فيه، والعقوبات التى وقعت بسببها، ومن الديون التى عليهم لليهود، وأن يستمروا فى تطبيق شريعتهم، وأن يعلموا القرآن جهراً لأولادهم، وأن يقوموا جهراً بسائر شعائرهم الإسلامية، وأن يتعاملوا فى كل شىء داخل المنطقة كلها، ويدفعوا الضرائب المعتادة، باستثناء السنة الأولى حيث يعفون منها، وأخيراً بأن يحكموا فى قضاياهم الخاصة، وأن يقوموا بإدارة إيراد المساجد، وتعيين القضاة والعلماء وفقاً لتقاليدهم القديمة، ثم ولا يسمح لنصرانى أو متنصر أن يقيم بينهم دون إذن خاص منهم، وأن يحصلوا على عهد بتأمين أنفسهم وأموالهم، سواء بالنسبة لهم أو بالنسبة لأعقابهم، وهم يتعهدون من جانبهم بأن يؤدوا العشور، وأن يتعاونوا مع الدولة ومع باقى الرعايا من جيرانهم، وألا يقتربوا مطلقاً من الأماكن التى توجد بها الحرب، وألا يساعدوا أعداء ملوك أراجون. بيد أنه كان ثمة طوائف أخرى من المدجنين أقل حظاً، فى بعض القرى التى أخضعت لبعض الفروض، ذلك أنه بالرغم من منحهم حرية التعبد، وضمان أملاكهم، فإنه نص مع ذلك على ألا يتخذوا الرقيق أو الخدم من النصارى، وألا يأكلوا أو يستحموا مع النصارى، وألا يقوموا بعلاجهم حال المرض، وألا يدفنوهم فى مدافنهم؛ كذلك حرم عليهم أن يقوموا علناً بشعائر دينهم، وألا يتخذوا مسائل الدين المسيحى موضعاً للمناقشة. ويلاحظ، أنه خلال هذه القيود العادلة التى كانت تقتضيها كرامتنا، فى عصر كانت الحروب الدينية تلهب فيه حماسة الكافة، أن حالة المدجَّنين كانت أفضل بكثير من حالة اليهود. وأن المدجنين قد استحقوا الثقة فى عهودهم. وقد كان المدجنون واليهود كلاهما يعاونون الدولة بدفع العشور من مواردهم، وكان هذا مما يرضى العرش، أو السادة، أو الأحبار الذين يتبعونهم. ونحن متى تدبرنا ذلك التنوع الذى يقدمه لنا التشريع النصرانى للجنس المغلوب خلال عصر الإسترداد، يجب ألا نعتقد أننا نستطيع أن نكتشف نظاماً سياسياً معيناً، يقصد إلى استغراق السكان المسلمين مباشرة، سواء بالقوة أو بالمصانعة، ويفضى تدريجياً إلى الوحدة، التى حققت فى النهاية فى المملكة، وكان واجباً أن

стр. 2539

تحققها الأمة الإسبانية فى الدين كما تحققت فى شكل الحكومة. والواقع أنه إذا لم يكن ثمة نظام معين -كان من المستحيل تحقيقه أيام الاسترداد- فإنا نجد مع ذلك من خلال التعامل السلمى بين النصارى والمدجنين، والحرية المطلقة فى التعبد، ميولا واضحة للتوفيق قدر الإمكان بين الأجناس دون قوة ودون عنف. وهكذا فإنه مع ترك المساجد للمسلمين، كان الظافرون يخصصون أحدها فقط، وهو المسجد الجامع للعبادة النصرانية، كما حدث فى جيّان وقرطبة وإشبيلية. ولنفس هذه الغاية أنشأ الفونسو العالم فى سنة ١٢٤٥ م فى إشبيلية دراسات لاتينية وعربية، وأمر أن تُرفع بعض الضرائب عن الأشخاص الذين ينتظمون فى دراستها. ويكفى للتدليل على روح التسامح التى كانت سائدة بين الأمتين أن نذكر التحية التى أداها ملك غرناطة المسلم لذكرى وفاة سان فرناندو، حيث أرسل فى سنة ١٢٦٠ م، إلى الاحتفالات الدينية التى أقيمت بهذه المناسبة فى كتدرائية إشبيلية، طائفة من الفرسان من حاشيته، ومائة من المسلمين، حملوا فى أيديهم مع كثيرين آخرين شموعاً بيضاء. وفى خلال حرب غرناطة، أيام الملكين الكاثوليكيين، وهو عصر عظيم فى تاريخنا، كانت فيه القسوة تمتزج بالبطولة، سقطت أماكن كثيرة فى أيدى النصارى، بفضل ما أبداه هذان الملكان من الكياسة والحكمة السياسية، وما منحاه من ضروب الرحمة، والمنح الأخرى إلى المغلوبين، الذين فتحوا أبوابهم طوعاً، فى حين أنهم لو قاوموا حتى النهاية، لفرض الأسر على السكان، وبيعوا كالرقيق، ولم يمنحوا عهداً ما" (١). وقد لبث ملوك قشتالة عصوراً يحرصون على الانتفاع بنشاط المدجنين وحمايتهم. ونستطيع أن نقول على ضوء الوثائق التى سبقت الإشارة إليها إنه كانت ثمة طوائف كبيرة منهم حتى القرن الخامس عشر، تعيش فى أنحاءكثيرة من اسبانيا النصرانية محتفظة بدينها ولغتها وتقاليدها (٢). وكانت البابوية تسير على خطتها، من التحريض

стр. 2540

عليهم والمطالبة بتجريدهم من دينهم، والعمل على تنصيرهم بطريق الاضطهاد والعنف، وتردد الكنيسة الإسبانية من جانبها هذا التحريض. ولكن هذه السياسة الباغية لم تحدث أثرها إلا ببطىء، ولم يتسع نطاقها إلا فى أواخر القرن الخامس عشر عندما أشرفت الدولة الإسلامية فى غرناطة على نهايتها. وكان قيام مملكة غرناطة فى ذاته، عنصراً من عناصر تكييف السياسة الإسبانية إزاء المدجنين. ذلك أن ملوك اسبانيا فوق ما كان يحدوهم من رغبة المحافظة على مصالحهم وسكينة بلادهم بإيثار الرفق فى معاملة المدجنين، كانوا أيضاً يخشون سياسة الانتقام من النصارى المقيمين فى غرناطة، وفيما وراء البحر فى بلاد المغرب، بل وفى الممالك الإسلامية الأخرى مثل مصر وتركيا. على أن العوامل الاجتماعية والمحلية كانت من جهة أخرى تحدث أثرها فى مجتمع المدجنين. ذلك أنه بالرغم من جميع الفوارق التى كانت تفصل بينهم وبين النصارى، فقد جنح الكثير منهم إلى التشبه بجيرانهم، وانتهوا بمضى الزمن وأثر الاختلاط والتزاوج إلى فقد دينهم ولغتهم، ومميزاتهم الجنسية والقومية، والاندماج شيئاً فشيئاً فى المجتمع الذى يعيشون فيه؛ وهكذا أصبحوا بالتدريج قشتاليين ونصارى، وأضحى علماؤهم يكتبون كتب الدين والشريعة بالقشتالية

стр. 2541

للرجوع إليها. وقام أيضاً بين المدجنين أدب قشتالى، استمر عصوراً حتى بعد إخراج العرب المتنصرين من اسبانيا (١). على أن المدجنين لبثوا بالرغم من هذا الاندماج الاجتماعى تطبعهم مسحة خاصة تباعد بينهم وبين المجتمع النصرانى القديم (٢). كان نظائر هؤلاء الأندلسيين المدجنين، جمهرة من النصارى الإسبان يعيشون فى القواعد والثغور الإسلامية، ويعرفون بالنصارى المعاهدين أو المستعربين (وبالإسبانية Mozarabes) . وقد لبثوا عصوراً يتمتعون فى ظل الحكم الإسلامى بضروب الرعاية والتسامح. وكانت الحكومات الأندلسية، حتى فى أزهى عصورها، تحافظ على سياسة التسامح التى اتبعت إزاءهم منذ الفتح، وتعاملهم بالرفق، وتحترم شعائرهم الدينية وتقاليدهم القومية، وتجانب أية محاولة لإرغامهم على اعتناق الإسلام. وكان من ضروب هذه الرعاية، أن أنشىء فى ظل حكومة قرطبة منذ عهد الحكم بن هشام، ديوان خاص للنظر فى شئون أهل الذمة (النصارى واليهود)، يتولاه كبير من الأحبار النصارى يطلق عليه " قومس أهل الذمة". وهكذا استطاعوا دائماً أن يحتفظوا بدينهم ولغتهم، ومميزاتهم القومية والاجتماعية. وكانت حال النصارى فى ظل الحكم الإسلامى، أفضل بكثير مما كانت عليه أيام القوط، وكثيراً ما كان يعهد إليهم بمناصب القيادة والوزارة، أو ينتظمون فى البلاط والحرس الملكى. ومع ذلك فقد كانت منهم دائماً طوائف متعصبة تسىء استعمال هذا التسامح، وتحاول بمختلف الوسائل أن تكيد للإسلام ودولته ومن ذلك ما حدث فى عهد عبد الرحمن بن الحكم (أواسط القرن التاسع الميلادى) من الحوادث الدموية التى أثارها تعصب النصارى (٣). وهكذا فإن النصارى المعاهدين، لم يشعروا دائماً بالولاء والإخلاص للدولة الإسلامية. التى يعيشون فى ظلها، والتى توليهم كثيراً من رعايتها ورفقها، وكانوا دائماً يتربصون بها، وينتهزون الفرص لمناوأتها والكيد لها، ويستعدون عليها الوطن القديم، كلما اضطربت شئونها. وعصفت بها عواصف الثورة والحرب الأهلية. وكانت أعظم

стр. 2542

خيانة ارتكبوها من هذا النوع، فى أواخر أيام المرابطين، حينما دعوا ألفونسو الأول ملك أراجون الملقب بالمحارب عقب استيلائه على سرقسطة، إلى أن يسير إلى غزو الأندلس، بعد ما لاح من انحلال سلطان المرابطين فيها، واستجاب ملك أراجون لتحريضهم، وسار مخترقاً الأندلس بجيوشه، والنصارى المعاهدون فى كل قاعدة ينهضون إلى معاونته بوسائلهم، وذلك فى سنة ٥١٩ هـ (١١٢٥ م)، ْحتى انتهى إلى فحص غرناطة وحاصرها حيناً، ثم غادرها إلى الجنوب، ونشب القتال بينه وبين المرابطين فهزمهم. ولبث حيناً يعيث فى تلك الأنحاء، والنصارى المعاهدون يهرعون إلى شد أزره، ويمدونه بالأقوات والمؤن. ثم عاد ثانية إلى اختراق الأندلس إلى أراجون، وقد انضم إلى جيشه آلاف من النصارى المعاهدين. ولفتت هذه الغزوة أنظار المسلمين إلى خطر بقاء أولئك المعاهدين فى الثغور والقواعد الأندلسية، فانقلبت الحكومة الإسلامية إلى مطاردتهم، وأفتى القاضى أبو الوليد ابن رشد الجد بإدانتهم فى نقض العهد والخروج على الذمة، ووجوب تغريبهم وإجلائهم عن الأندلس، وأخذ أمير المرابطين علىّ بن يوسف بهذه الفتوى، وغرّبت ألوف من النصارى المعاهدين إلى إفريقية، وفرقوا هنالك فى أماكن مختلفة، وهلك الكثير منهم بسبب الطقس وتغير وسائل التغذية، وضم السلطان كثيراً منهم إلى حرسه الخاص، وكانت هذه المحنة سبباً فى تمزيق عصبتهم وإضعاف شوكتهم (١). وقد كان مجتمع المستعربين أو النصارى المعاهدون، حتى فى القواعد الأندلسية التى سقطت تى يد اسبانيا النصرانية، وبسط عليها النصارى حكمهم، يتأثر بمجتمع المدجنين، وبأحواله وتقاليده، حتى أنهم كانوا يتخذون اللغة العربية لغة التعامل، ولغة التخاطب أحياناً، إلى جانب لسانهم القومى. وقد قمنا بدراسة مجموعة من الوثائق العربية المحفوظة بدار المحفوظات التاريخية بمدريد، والمنقولة إليها من دير سان كلميمنتى بطليطلة، وهى مجموعة ضخمة، كلها عقود تعامل من بيع وشراء وهبة وإيجار ووصية وغيرها، ومعظمها مكتوب فى القرن الثالث عشر الميلادى، وبعضها فى القرن الثانى عشر. وهى محررة على الأغلب بين المستعربين وأحياناً بينهم وبين المدجنين، بأسلوب عربى لا بأس به، وكلها تستهل بالبسملة مقرونة أحياناً بعبارة " وبه نستعين " أو " الحمد لله وحده "، وعلى كثير منها شهود مسلمون

стр. 2543

مدجنون إلى جانب الشهود النصارى، ومما يلفت النظر أن أسماء المستعربين النصرانية قد عربت فيها تعريباً حسناً، وإليك ملخص لبعض ما جاء فيها: (١) من ذلك وثيقة مؤرخة فى "شهر دجنبر من عام سبعة وثمانين وماية وألف من تاريخ الصفر" (١١٨٧ م) وبمقتضاها " باعت الراهبة دونة بويابيه وأختها كرشتينة بنتى تمام الرطلقى ومرتين ودمنغة إبنى بشتة بنت تمام الرطلقى ومريّة ولوقاذة بنتى دمنغة بنت تمام الرطلقى من دون ردريق مينوس ومن زوجته دونه سسيلية نصف الضيعة المعلومة لتمام الرطلقى بقرية دليش مالمزنوفه من عمل طليطلة حرسها الله وذلك سهم ونصف والحنان كله الذى فيه البير إذ تبقت عواضه البيوت المعلومة لتمام المذكور بالقرية المذكورة .. بثمن عدته عشرون مثقالاونصف ذهباً مرابطية دفع المبتاعان بجميع الثمن إلى البائعين وقبضوه منهما ... " وعلى الوثيقة أسماء شهود مدجنين مثل دمنغة بن عبد العزيز، واشتامن بن حسان، وشهود من النصارى. (٢) ووثيقة مؤرخة فى شهر "أغشت من سنة ثلاث وسبعين وماية وألف لتاريخ الصفر" (١١٧٣ م) بمقتضاها" اشترى الوزير دون ميقايال بيطس أعزه الله من بهلول وأخيه بيطرة ابنى مرتين بن بهلول ﵀ جميع الدار الكبيرة، والقرال المتصل بها من جهة الغرب والقبلاريسة المتصلة بها أيضاً من جهة القبلة حدود جميع ذلك كله فى الشرق الطريق السالك وإليه يشرع الباب، وفى الغرب دار ابن طورينه المسلم أمين الفخارين، وفى القبلة دار بيطرة البنا بن بهلول، وفى الجوف دار تبقت بيد البائعين، ودار سلمة بن حسان ... بثمن عدته ثمانون مثقال ذهباً مرابطية ... " وتحمل الوثيقة أسماء عدة شهود مسلمين مثل عبد الله ابن داود، وعامر بن تمام، وعلى بن عياش. (٣) ووثيقة مؤرخة فى "العشر الأخر من شهر أكتوبر سنة خمس وأربعين ومايتين وألف للصفر " بمقتضاها " اشترى الوزير دون شانجه شقورة الفرايلى أدام الله عزته من دون خوان دمنغة بن الصباغ ومن زوجته دونة مريّة بنت تيان بيطر من جميع الكرم الكبير الذى لهما بحومة خندق عقرون من أحواز مدينة طليطلة حرسها الله، وحده فى الشرق كرم لورثة دون أندراش البرجمانس وفى الغرب مخدع سالك من نهر تاجه إلى الحقل وفى القبلة أرض بنضل لدون فرنندة بن بوارى عبد الملك وفى الجوف كرم كان للوزير المتشرف أبى عمر بن جوفار

стр. 2544

ومنزل الآن للقاضى دون يليان افمانس ... والثمن مبلغه وعدته ستون مثقالا ذهباً من الذهب الأذفونشى الضرب دفع المبتاع المذكور جميع الثمن للبايعين المذكورين وقبضاه منه ... وخلص بذلك للمبتاع المذكور ملك جميع المبيع الموصوف ... الخ " وعلى الوثيقة شهود مسلمون ونصارى. ونحن نكتفى بإيراد ما تقدم من هذه الوثائق. وهذه العقود تدلى بكثير من الحقائق التاريخية، فمنها يستدل أولا على أنه كانت توجد بطليطلة حتى أواخر القرن الثالث عشر، أقلية مسلمة هامة من المدجنين. ونحن نعرف أن طليطلة سقطت فى أيدى النصارى منذ سنة ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م). ومنها نعرف الكثير عن خطط طليطلة فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر للميلاد، ومنسوب أثمان العقارات، ونوع العملة المستعملة فى التعامل، وفيها ما يدل بوضوح على توثق أواصر المودة والتفاهم بين المدجنين والنصارى (١). على أن الكثرة الغالبة من المسلمين فى القواعد الأندلسية الذاهبة، كانت تؤثر الالتجاء إلى أرض الإسلام والتشبث بلواء الدولة الإسلامية. وهكذا أخذت مملكة غرناطة، تموج منذ أواسط القرن السابع الهجرى بسيول الوافدين عليها، من بلنسية ومرسية وقرطبة وإشبيلية وجيان وبياسة وغيرها، وهكذا غدت المملكة الصغيرة تضيق بسكانها المسلمين، بعد أن احتشدت بقايا الأمة الأندلسية المتداعية فى تلك المنطقة الضيقة. ومن المرجح أن مملكة غرناطة كانت تضم فى عصورها الأخيرة، زهاء خمسة أو ستة ملايين من الأنفس، وكانت غرناطة وحدها تضم أكثر من نصف مليون نفس، وقد كانت هذه الهجرة الغامرة من مختلف القواعد الأندلسية فى الشرق والغرب، إلى ذلك الوطن الأندلسى الجديد، تضفى على التكوين العنصرى لسكان مملكة غرناطة طابعاً خاصاً. وبالرغم من أن العناصر الأساسية التى تتكون منها الأمة الأندلسية، وهى العرب والبربر والمولدون - وهم أعقاب الإسبان الذين أسلموا منذ الفتح - لبثت على كر العصور

стр. 2545

صورة وثيقة مستعربية Mozarabe من مجموعة دير سان كلميمنتى بطليطلة، وهى عبارة عن عقد شراء مؤرخ فى شهر " أغشت " سنة ١١٧٣ م، وقد وقع عليها شهود مسلمون مدجنون إلى جانب المتعاقدين النصارى.

стр. 2546

دون تغيير، فإنه يلاحظ أن الجموع الوافدة على المملكة الإسلامية الجديدة، كانت تضم كثيراً من العناصر التى صقلتها حضارة أرقى، ومن ثم فإنه يمكن القول بأن الأمة الإسلامية الجديدة، كانت تمثل أطيب وأثمن ما بقى من القيم العنصرية والحضارية للأندلس القديمة. وكان المولدون يمثلون فى المجتمع الأندلسى الجديد مثولا قوياً. وكان أولئك المولدون قد نموا بمضى الزمن حتى غدوا عنصراً هاماً بين سكان الأمة الأندلسية. وكان العرب والبربر ينظرون إليهم وبشىء من الريب. وكانوا بالرغم من تمتعهم فى ظل الحكومات الإسلامية المتعاقبة بنفس الحقوق التى يتمتع بها باقى المسلمين، ينزعون إلى الثورة فى أحيان كثيرة، وقد كان لهم شأن يذكر، فى إضرام بعض الثورات الخطيرة التى اضطرمت ضد حكومة قرطبة، مثل ثورة الربض، وثورة طليطلة أيام الحكم بن هشام، وثورة بنى قسىّ فى الثغر الأعلى، وقد كان جدهم الكونت قسىّ قوطياً نصرانياً. وكان المولدون أعوان ابن حفصون أعظم وأخطر ثوار الأندلس، وهو الذى استطاع بمؤازرتهم ومؤازرة النصارى المعاهدين، أن ينشىء مدى حين مملكة مستقلة فى منطقة رندة (أواخر القرن التاسع الميلادى). وكان ابن حفصون مولداً يرجع إلى أصل نصرانى. على أن المولدين كان لهم موقف آخر ضد الغزاة القادمين من إفريقية. فقد وقفوا إلى جانب مواطنيهم الأندلسيين ضد المرابطين ثم الموحدين، وكان عماد الثورة ضد المرابطين فى غربى الأندلس زعيم من المولدين هو الفقيه المتصوف أحمد بن قسىّ شيخ المريدين، وكان زعيم الثورة ضد الموحدين فى شرقى الأندلس زعيم من المولدين هو محمد بن سعد بن مردنيش أمير بلنسية ومرسية. وكان يتحدث القشتالية ويلبس الملابس الإفرنجية، ويحشد فى جيشه كثيراً من الضباط والجند النصارى (١). ولم يكن للعاطفة الدينية فى تلك العصور وفى تلك الظروف دائماً كبير أثر، بل كانت تغلب فى معظم الأحيان عواطف القومية والمصلحة الخاصة. ويبدو ذلك بنوع خاص فى سياسة زعيم مثل ابن مردنيش كانت سياسته تقوم على مصادقة النصارى، والاستعانة بهم على تنفيذ خططه (٢). كذلك كان يمثل بين سكان غرناطة أقلية يهودية قوية، معظمهم من طائفة " السفرديم " القديمة أو اليهود الإسبان. وكان لليهود فى ظل معظم

стр. 2547

الحكومات الإسلامية نفوذ يذكر. وكان منهم أعلام فى العلوم والآداب مثل الرئيس موسى بن ميمون القرطبى، الذى غادر الأندلس إلى المشرق فى أواسط القرن السادس الهجرى، فراراً من اضطهاد الموحدين، وكان لهم مثل هذا النفوذ فى مملكة غرناطة، ومنهم معظم أطباء البلاط والخاصة. وكانت العروبة تغلب على السكان المدنيين فى مملكة غرناطة، ولاسيما بعد أن نزح إليها على أثر سقوط القواعد الأندلسية فى أيدى النصارى، كثير من سادة البطون العربية القديمة. ويذكر لنا ابن الخطيب عشرات من الأنساب العربية العريقة التى كان ينتمى إليها أهل غرناطة. بيد أنها كانت عروبة من نوع خاص، صقلتها الأمة الأندلسية، وأضفت عليها طابعها وألوانها الخاصة. ويصف ابن الخطيب الغرناطيين بوسامة الوجوه، واعتدال القدود، وسواد الشعر، ونضرة اللون، وإناقة الملبس، وحسن الطاعة والإباء، يتحدثون بعربية فصيحة تغلب عليها الإمالة. ويصف نساءهم بالجمال والرشاقة والسحر، ونبل الخلال، ولكنه ينعى عليهن المبالغة فى التفنن فى الزينة والتبهرج فى عصره. أما الجند فكانت فيهم كثرة ظاهرة من البربر، ولا سيما من قبائل زناتة ومغراوة وبنى مرين. ويرجع ذلك إلى أن طوائف البربر التى تخلفت منذ عهد المرابطين والموحدين بالأندلس، كان أغلبها من الجند، وقد بقيت على عهدها تؤثر الجندية على الزراعة والمهن والفنون المدنية (١). وهكذا كان الشعب الأندلسى حين آذنت شمسه بالمغيب، كما كان يوم مجده، يتكون من هذا المزيج العربى الإفريقى الإسبانى الذى أطلق عليه الغربيون عبارة "عرب الأندلس" أو "مسلمى الأندلس" (٢). وكانت الأمة الأندلسية تتمتع حتى فى عصورها الأخيرة بحضارة زاهرة، كانت مثار التقدير والإعجاب فى سائر الأمم الأوربية، وكان يحج إلى معاهدها العلمية كثير من الطلاب من مختلف أنحاء أوربا. وكان الشعب الغرناطى من أهل السنة يدين بمذهب مالك، وهو المذهب الذى غلب على الأمة الأندلسية منذ أواخر القرن الثانى الهجرى، أعنى منذ عصر هشام بن عبد الرحمن الداخل، ولم تتأثر غرناطة فى نزعتها المذهبية ولا تقاليدها الدينية السمحة، بما توالى عليها من سيادة المرابطين والموحدين حيناً من الدهر.

стр. 2548

الفصل الرابع طبيعة الصراع بين الأندلس واسبانيا النصرانية المعركة الخالدة بين الأندلس واسبانيا النصرانية. تضاؤل قوة الأندلس. قيام مملكة غرناطة. مرحلة جديدة فى الصراع. طبيعة هذا الصراع. العوامل القومية والدينية. نزعة الجهاد عند المسلمين. النزعة الصليبية عند النصارى. قيام الجماعات الدينية المحاربة فى اسبانيا. ضعف العامل الدينى فى بداية النضال. السيد الكمبيادور. المرتزقة النصارى فى الجيوش الإسلامية. التجاء الأمراء النصارى إلى حماية الملوك المسلمين. زواج الأمراء المسلمين بنساء من النصارى. ابن مردنيش. التحالف بين المسلمين والنصارى. التعاون بينهما أيام السلم. الفروسة وعلائق المودة. طبيعة حرب الإسترداد. صبغتها الدينية فى مراحلها الأخيرة. يبدأ بقيام مملكة غرناطة فوق أنقاض الدولة الإسلامية الكبرى فى اسبانيا، طور جديد من أطوار الصراع الخالد بين الأندلس واسبانيا النصرانية، أو بعبارة أخرى طور جديد فيما يمكن أن نسميه فى تلك المرحلة المتأخرة من تاريخ الأندلس حرب الإسترداد القومية. وقد بدأت اسبانيا النصرانية حرب الاسترداد القومية La Reconquista منذ منتصف القرن الخامس الهجرى، أعنى حينما انهارت الدولة الإسلامية القوية، وانتثرت إلى عدة دويلات صغيرة متنافسة هى دول الطوائف. وبلغت الأندلس أيام الطوائف من التفرق والضعف مبلغاً عظيماً، حتى لاح لاسبانيا النصرانية أن عهد الدولة الإسلامية أوشك على الزوال، وأن الفرصة قد سنحت لتضرب ضربتها الحاسمة. وكانت مملكة قشتالة تتزعم اسبانيا النصرانية، وتقودها فى ميدان الصراع مع المسلمين، وكان ملكها أيام الطوائف ألفونسو السادس، يعمل بذكاء لاستغلال منافسة الدول الإسلامية وتفرق كلمتها، ويغلب أميراً على أمير، حتى انتهى بالاستيلاء على مدينة طليطلة من يد صاحبها يحيى بن ذى النون، وذلك فى صفر سنة ٤٧٨ هـ (مايو سنة ١٠٨٥ م). وكانت طليطلة أول قاعدة إسلامية عظيمة تسقط فى يد اسبانيا النصرانية. ويعتبر بعض الباحثين سقوطها ختام مرحلة التفوق السياسى الذى احتفظت به الدولة الإسلامية فى شبه الجزيرة منذ الفتح، وبدأ مرحلة التفوق السياسى لإسبانيا النصرانية (١) وعلى أى حال فقد كان سقوط

стр. 2549

طليطلة نذيراً خطيراً للأمة الأندلسية، يذكرها بقوة العدو المتربص بها، ويحذرها عاقبة التنابذ والتفرق، فاجتمعت كلمة أمراء الطوائف يومئذ على الاستعانة بإخوانهم فيما وراء البحر، فى عدوة المغرب. وكان المرابطون يومئذ قد بسطوا سلطانهم على سائر بلاد المغرب، وبدت دولتهم قوية شامخة، فاستجاب زعيمهم يوسف بن تاشفين إلى صريخ الأندلس. وعبر البحر بقواته إلى الأندلس. وكانت هزيمة اسبانيا النصرانية على يد جيوش المغرب والأندلس فى موقعة الزلاّقة (٤٧٩ هـ - ١٠٨٦ م) فاتحة حياة جديدة للأمة الأندلسية. وبالرغم من أن المرابطين استولوا على الأندلس بعد ذلك بأعوام قلائل وبسطوا حكمهم عليها، فقد استمد الإسلام فى اسبانيا من قوتهم قوة جديدة، وعاد الصراع الخالد بين الدولة الإسلامية وبين اسبانيا النصرانية، يضطرم فى نوع من تكافىء القوى. ولما اضمحل سلطان المرابطين فى الأندلس بعد ذلك بنحو ستين عاماً، وخلفهم الموحدون فى ملك المغرب والأندلس، لبثت الدولة الإسلامية حقبة أخرى فى شبه الجزيرة عزيزة قوية الجانب نوعاً، وإن كانت قد فقدت فى تلك الفترة بعض قواعدها التالدة، مثل سَرقُسطة التى سقطت فى يد النصارى سنة ٥١٢ هـ (١١١٨ م) وبقية قواعد الثغر الأعلى التى سقطت بعد ذلك بفترة قصيرة. وأحرز الإسلام للمرة الثانية على النصرانية نصراً حاسما فى موقعة الأرك الشهيرة، التى انتصرت فيها جيوش يعقوب المنصور خليفة الموحدين على جيوش ألفونسو الثامن ملك قشتالة (٥٩٣ هـ - ١١٩٥ م)، وانكمشت اسبانيا النصرانية مدى حين، ولكنها عادت فاجتمعت كلمتها تحت لواء ألفونسو الثامن، وسارت الجيوش النصرانية المتحدة إلى لقاء المسلمين بقيادة خليفة الموحدين محمد الناصر ولد يعقوب المنصور، وأصيب المسلمون فى موقعة العقاب بهزيمة فادحة (٦٠٩ هـ - ١٢١٢ م) وأخذ سلطان الموحدين فى الأندلس يتداعى من ذلك الحين، وبدأ مصير الأندلس يهتز فى يد القدر، وبدت اسبانيا النصرانية يومئذ فى أوج سلطانها وقوتها. ولم تمض فترة وجيزة أخرى حتى بدأت قواعد الأندلس العظيمة، تسقط تباعاً فى يد النصارى: قرطبة (٦٣٣ هـ) فبلنسبة (٦٣٦ هـ) فمرسية (٦٤١ هـ) فشاطبة ودانية (٦٤٤ هـ) فإشبيلية (٦٤٦ هـ). وهكذا سقطت عدة من قواعد الأندلس التالدة ومنها عاصمة الخلافة القديمة فى يد اسبانيا النصرانية فى مدى عشرة أعوام فقط، ولقيت الأندلس أعظم محنها فى تلك الفترة العصيبة، ولاح لاسبانيا mmmmmm

стр. 2550

النصرانية أن حرب الإسترداد القومية لن تلبث حتى تتوج فى أعوام قلائل أخرى، بالقضاء على ما بقى من تراث الإسلام فى الأندلس. ولكن شاء القدر أن تتمخض هذه المحنة، التى غمرت الأندلس فى أوائل القرن السابع الهجرى، عن قيام مملكة إسلامية جديدة هى مملكة غرناطة، تتمتع بالرغم من صغرها بكثير من عناصر الفتوة والحيوية. وفى الوقت الذى خيل فيه لاسبانيا النصرانية أنها أضحت على وشك الإجهاز على المملكة الإسلامية، كانت بذور صراع مرير طويل الأمد تنمو وتتوطد، وإذا بالنهاية المرجوة تستحيل إلى بداية جديدة. ولقد استطالت هذه المرحلة الأخيرة من حرب الاسترداد زهاء مائتين وخمسين عاماً، صمدت فيها المملكة الإسلامية لهجمات اسبانيا النصرانية المستمرة، وعملت على استغلال كل فرصة للمطاولة والمقاومة، وأبدت فى النضال على صغر رقعتها وضآلة مواردها، بسالة عجيبة. وكانت كلما شعرت بالخطر الداهم يكاد ينقض عليها ويودى بحياتها، استغاثت بجارتها المسلمة من وراء البحر، أو عصفت بإسبانيا النصرانية ريح الخلاف والتفرق فشغلتها عن إرهاق المملكة الإسلامية حيناً، حتى شاء القدر بعد طول النضال أن تنتهى هذه المعركة القاسية الطويلة إلى نهايتها المحتومة، وأن تنهار المملكة الإسلامية الصغيرة أمام ضغط القوة القاهرة، وأن تختتم حياتها المجيدة أبية كريمة. وهنا يجدر بنا أن نحاول أن نلقى شيئاً من الضياء، على طبيعة هذا النضال، الذى استمر قروناً بين الأمة الأندلسية وبين اسبانيا النصرانية , وإلى أى حد كانت تحدوه العوامل القومية أو الدينية. كانت العوامل القومية والدينية، تمتزج بأدوار هذا النضال فى معظم أطواره، وكانت تشتد حيناً وتخبو حيناً تبعاً لتطور الحوادث. ولما فتح العرب اسبانيا، وسيطرت الدولة الإسلامية على معظم أنحائها، قامت المملكة الإسبانية النصرانية الناشئة فى قاصية الشمال، ترقب الفرص للتوطد والتوسع. بيد أنها لم تجرؤ على تحدى المملكة الإسلامية والنزول إلى ميدان النضال قبل أواخر القرن التاسع، ففى ذلك الحين اضطرمت الأندلس بالفتن والثورات الداخلية، وشغلت حكومة قرطبة بأمر الثوار والنواحى. وكانت غزوات النصارى للأراضى الإسلامية يومئذ غزوات عيث يغلب عليها حب الانتقام والغنم. ولم يكن يطبعها شىء من تلك الروح الدينية العميقة، التى جمعت أوربا النصرانية تحت لواء كارل مارتل mmmmmm

стр. 2551

لمحاربة العرب على ضفاف اللوار، والتى حفزت شارلمان فيما بعد إلى عبور جبال البرنيه وغزو الأندلس أيام عبد الرحمن الداخل. غير أنه لما اشتد ساعد الأندلس أيام عبد الرحمن الناصر (أوائل القرن العاشر الميلادى) وظهرت المملكة الإسلامية فى أوج قوتها وظفرها، ونفذت الجيوش الإسلامية غير مرة إلى أعماق المملكة النصرانية، وشعر النصارى بالخطر الداهم على كيانهم، أخذت العوامل الدينية والقومية تستيقظ من سباتها، واتحدت المملكتان النصرانيتان ليون ونافار (نبرّة) على مقاومة الخطر الإسلامى. وكانت المعارك التى نشبت فى تلك الفترة فى عهد أردونيو الثانى وولده راميرو بين المسلمين والنصارى، تحدوها من الجانبين، فوق نزعتها القومية، نزعة دينية واضحة؛ فكانت غزوات المسلمين تحمل طابع الجهاد، ويهرع أهل الثغور إلى مرافقة الجيش لمقاتلة النصارى، وكان يرافق الجند النصارى إلى القتال جموع غفيرة من الأحبار ورجال الدين، يسقطون إلى جانب الفرسان فى ساحة الوغى. وكانت هذه الصبغة القومية الدينية تبدو كلما اشتد الخطر من الجنوب على اسبانيا النصرانية. ففى أواخر القرن العاشر فى عهد الحاجب المنصور، حينما اشتدت وطأة الأندلس على اسبانيا النصرانية، وغزا المسلمون أقصى وأمنع معاقلها الشمالية، اتحدت الممالك النصراية الثلاثة ليون وقشتالة ونافار ضد المسلمين فى جبهة دفاعية موحدة؛ وبدت كذلك موحدة الرأى والقوى، حينما عبرت جموع البربر إلى الأندلس تحت لواء المرابطين، لتنقذ الأندلس من خطر الفناء الذى كان يهددها، من جراء تفوق ملوك الطوائف. وكانت موقعة الزلاّقة تحمل فى نظر المسلمين طابع الجهاد فى سبيل الله، وتطبعها فى نظر النصارى صبغة صليبية واضحة، ولم يكن نصر الزلاّقة نصراً للأندلس على خصيمتها اسبانيا فقط، ولكنه كان نصر الإسلام على النصرانية أيضاً. وكذا كان نصر الموحدين فى موقعة الأرك، ثم هزيمتهم بعد ذلك فى موقعة العقاب، يحمل كلاهما من الجانبين هذا الطابع الدينى العميق. ويجب أن نذكر أن الحروب الصليبية، قد بدأت فى المشرق بعد موقعة الزلاّقة بقليل، واستمرت تضطرم بين المسلمين والنصارى فى مصر والشام زهاء قرنين، وبلغت ذروتها أيام الملك الناصر صلاح الدين معاصر الخليفة يعقوب المنصور الظافر فى معركة الأرك. ولم يك ثمة شك فى أن النزعة الصليبية التى دفعت بجحافل الغرب إلى الشرق الإسلامى، كانت تحدث صداها قوياً فى اسبانيا النصرانية وفى الغرب الإسلامى.

стр. 2552

وفى الوقت الذى كانت جيوش الصليبيين تحاول فيه أن تغزو مصر حصن الإسلام فى المشرق، فى أوائل القرن السابع الهجرى، كانت قواعد الأندلس الكبيرة تسقط فى أيدى النصارى، وكانت اسبانيا النصرانية تبدو يومئذ إزاء الأندلس، موحدة الرأى والقوى، كما كانت الجيوش الأوربية الصليبية تسير إلى المشرق متحدة لتحقيق الغرض المشترك. وقد ظهر صدى النزعة الصليبية فى اسبانيا فى شكل آخر، هو قيام الجماعات الدينية المحاربة. ونحن نعرف أن جماعات الفرسان الدينية قامت فى المشرق فى ظل الصليبيين، واشتهر منهم بالأخص جماعة فرسان المعبد أو "الداوية" كما تسميهم الرواية العربية، وفرسان القديس يوحنا أوالأسبتارية. وكانت هذه الجماعات الدينية المحاربة، تشد أزر الأمراء النصارى وتؤدى للصليبيين أثناء الحرب والسلم خدمات جليلة. وكما أن قيامها فى المشرق كان أثراً من آثار المعارك الصليبية، فكذلك كان قيامها فى اسبانيا أثراً من آثار النضال بين اسبانيا النصرانية وبين اسبانيا المسلمة. ذلك أن بعض الفرسان والرهبان الورعين المتحمسين، كان يحزنهم تفرق الملوك النصارى وتخاذلهم أحياناً فى مقاتلة المسلمين، وكانوا يرون أنه لابد من قيام جماعات غيورة مخلصة من الفرسان، تنذر نفسها للدفاع عن الدين وعن الأراضى النصرانية. وكانت قدوتهم فى ذلك جماعات المسلمين من أهل الثغور والمرابطة، فقد كانت هذه الجماعات المجاهدة التى ترابط عند حدود الأراضى الإسلامية، تبدى فى محاربة النصارى بسالة منقطعة النظير، وتؤدى للجيوش الإسلامية أجلّ الخدمات. فلما أنشئت جماعة فرسان المعبد (الداوية) فى بيت المقدس سنة ١١١٩ م عقب قيام المملكة اللاتينية بقليل، كان لقيامها صدى عظيم فى اسبانيا، ولم تمض أعوام قلائل حتى قامت أول جمعية محاربة دينية فى أراجون فى عهد ألفونسو المحارب، فى صورة فرع لجماعة فرسان المعبد، وأبدى ألفونسو فى تأييدها حماسة، وانتظم فى سلكها الكونت ريمون برنجار أمير برشلونة، وأقطعت عدة حصون وأراض شاسعة على حدود أراجون، كما احتلت عدداً من الحصون فى قشتالة، ونمت بسرعة وأخذت تضطلع من ذلك الحين بدور هام فى سائر المواقع التى تنشب بين النصارى والمسلمين. وقامت فى قشتالة بعد ذلك بقليل أعظم الجمعيات الدينية المحاربة، ففى أواخر mmmmmm

стр. 2553

عصر القيصر ألفونسو ريمونديس أو ألفونسو السابع (١) ملك قشتالة، قامت حول سنة ١١٥٠ م جمعية فرسان دينية قوية فى بعض أديار منطقة شلمنقة، وسميت بجمعية القديس يوليان، ثم سميت بعد ذلك بجمعية فرسان القنطرة. وفى سنة ١١٥٨ م قامت جمعية دينية محاربة أخرى، ربما كانت أشهر وأقوى جماعات الفرسان التى ظهرت فى اسبانيا فى هذا العصر، وهى جمعية "فرسان قلعة رباح"، ونشأت لأول أمرها على يد بعض الرهبان الورعين المتحمسين الذين عملوا على حشد الجند النصارى للتطوع للدفاع عن تلك القلعة الحصينة ضد المسلمين، واتخذت قلعة رباح مركزاً لها (٢). وقامت أيضاً فى البرتغال عدة فروع لفرسان المعبد (الداوية) وفرسان القديس يوحنا (الأسبتارية). وظهرت هذه الجمعيات الدينية المحاربة ولاسيما فرسان القنطرة وفرسان قلعة رباح فى كثير من المعارك، التى نشبت فى تلك العصور بين المسلمين والنصارى، وكان تدخلهم فى كثير من الأحيان من عوامل النصر والإنقاذ للجيوش النصرانية، بيد أنهم بالرغم من صفتهم الدينية والصليبية كانت تحدوهم بواعث وأطماع دنيوية، وكان ظمأ الكسب واجتناء المغانم روحهم المسيرة، وكانوا يسيطرون على قلاع كثيرة وأراض واسعة، ويعيشون فى بذخ وترف، بما يحصلون عليه من الإقطاعات والهبات والنذور الوفيرة، وكان تدخلهم فى شئون السياسة والعرش يشتد أحياناً، ويفضى إلى أحداث وتطورات خطيرة. كانت اسبانيا النصرانية حينما بدأت حرب الإسترداد الحقيقية La Reconquista فى أواسط القرن الثالث عشر، عقب سقوط القواعد الأندلسية الكبيرة، تجيش إلى جانب نزعتها القومية بهذه النزعة الصليبية الواضحة. على أنه يمكن القول أن ظهور هذه النزعة القومية والدينية العميقة فى حروب اسبانيا النصرانية مع المسلمين، لم يكن ملحوظاً بصورة واضحة، حينما كان التفوق فى القوة لإسبانيا المسلمة أيام الدولة الأموية، وحينما كان ثمة نوع من توازن القوى السياسية والعسكرية بين الأندلس واسبانيا النصرانية أيام المرابطين والموحدين وتدل حوادث التاريخ الأندلسى حتى أواخر القرن الثانى عشر على أن التعصب

стр. 2554

القومى أو الدينى لم يكن دائماً ظاهرة بارزة، فى حروب المسلمين والنصارى. فقد كان الفريقان المتحاربان على وجه العموم يحترم بعضهم بعضاً، وكان التعصب الدينى قاصراً على جماعات الفقهاء من ناحية، وعلى القساوسة والأحبار من جهة أخرى؛ ويوصف المسلمون فى الأناشيد الإسبانية القديمة بأنهم خصوم شرفاء، ولا يجيش النصارى نحوهم ببغض أكثر مما كان يجيش به المسلمون أنفسهم، بعضهم نحو بعض فى الحروب الأهلية التى كانت تنشب فيما بينهم (١). يقول العلامة دوزى: "إن الفارس الإسبانى فى العصور الوسطى لم يكن يحارب من أجل دينه أو وطنه، بل كان مثل "السيِّد" يحارب لكسب عيشه، سواء فى ظل أمير مسلم أو أمير نصرانى. ولقد كان "السيِّد" نفسه أقرب إلى روح المسلم منه إلى الكاثوليكى" (٢). وفى حياة السيد الكمبيادور (الكنبيطور) (٣) نفسه أوضح مثل لاتجاهات الفروسة الإسبانية فى تلك العصور، فقد نشأ السيد وظهر فى كنف أمير مسلم، وتقلب فى خدمة الأمراء المسلمين والنصارى على السواء، بل لقد خدم الأمراء المسلمين أكثر مما خدم الأمراء النصارى، ولو لم يمت وهو فى خدمة الجانب النصرانى لما حفلت به الأساطير الإسبانية، ورفعته إلى مرتبة البطل القومى (٤). وفى أحيان كثيرة نرى المرتزقة من الفرسان والجند النصارى يعملون فى الجيوش الإسلامية. وفى مواطن عديدة من تاريخ اسبانيا النصرانية، نرى الملوك والأمراء النصارى خلال الحروب الأهلية يلوذون بحماية الأمراء المسلمين. فقد لجأ سانشو ملك ليون إلى حماية عبد الرحمن الناصر حينما استأثر أخوه أردونيو بالملك دونه، ولجأ ألفونسو السادس ملك قشتالة إلى حماية المأمون بن ذى النون

стр. 2555

أمير طليطلة، حينما تغلب عليه أخوه سانشو الثانى وعاش فى بلاطه حتى توفى أخوه؛ فلما ارتقى عرش قشتالة كان أعظم مشاريعه أن ينتزع طليطلة من يد القادر بن ذى النون ولد المحسن إليه. وفى سنة ٩٩٠ م قدّم برمودو (برمند) الثانى أخته زوجة لحاكم طليطلة المسلم. ولم يكن زواج الأمراء المسلمين من الأميرات والعقائل النصارى أمراً نادراً. وربما كان تاريخ بلنسية فى القرنين الحادى عشر والثانى عشر أسطع مثل لهذا الامتزاج والتفاهم بين الفريقين المتحاربين، ففيه يكثر التحالف بين المسلمين والنصارى ولاسيما أيام "السيد" وبعدها. وقد كان أمير بلنسية فى أواخر عهد المرابطين وأوائل عهد الموحدين محمد بن سعد المعروف بابن مردنيش ينتمى حسبما قدّمنا إلى أسرة من المولدين أعنى من أصل نصرانى، وكان يرتدى الثياب القشتالية، ويعتمد فى جيشه على الضباط والجند النصارى. ولم يحجم أمراء المرابطين فى الأندلس حينما انهارت دولتهم فى المغرب، وبدأ الموحدون فى انتزاع الأندلس من أيديهم، عن الإستعانة بألفونسو ريمونديس ملك قشتالة وحليفه غرسية ملك نافار على محاربة الموحدين. وهذا ما فعله بالأخص الأمير يحيى بن غانية آخر زعماء المرابطين بالأندلس حينما استعان بالقيصر ألفونسو السابع على الاحتفاظ برياسته لقرطبة. وهذا ما فعله أيضاً الخليفة الموحدى أبو العلاء المأمون حينما اتفق مع فرناندو الثالث ملك قشتالة، على معاونته بفرقة من الفرسان النصارى يستعين بها على استرداد العرش من خصومه. ولم ينقطع هذا التعاون بين المسلمين والنصارى حتى بعد أن بدأت مرحلة الإسترداد الأخيرة؛ فقد كان مؤسس مملكة غرناطة محمد بن الأحمر فى بداية أمره، ينضوى حسبما رأينا تحت حماية ملك قشتالة، ويتعهد بمعاونته فى حروبه ضد خصومه من المسلمين والنصارى. ونجد من الجانب الآخر أمراء النصارى، يلوذون من وقت إلى آخر بحماية المسلمين حتى فى ذلك العصر الذى تضاءلت فيه المملكة الإسلامية، فنرى الإنفانت فيلب حينما ثار على أخيه الملك ألفونسو العاشر، يلتجىء مع جماعة من النبلاء إلى حماية السلطان أبى يوسف المنصور المرينى ملك المغرب، ويستقرون ضيوفاً فى بلاط غرناطة، حتى انتهى ملك قشتالة إلى مصالحتهم واسترضائهم (١٢٧٠ م). وفى سنة ١٢٨٢ م اضطر ألفونسو العاشر نفسه حينما ثار عليه ولده سانشو وانتزع منه العرش، إلى الاستعانة بالسلطان أبى يوسف، وأرسل إليه تاجه مقابل ما ينفقه على معاونته، فاستجاب إليه وأمده بالمال والجند. وفى سنة ١٣٣٢ م ثار حاكم

стр. 2556

" الفرنتيرة " النصرانى ضد مليكه ألفونسو الحادى عشر، وتحالف مع سلطان غرناطة وعاون بذلك فى رد النصارى عن جبل طارق، وكانوا على وشك الاستيلاء عليه. ولما نشبت الثورة ضد ولده بيدرو القاسى (دون بطره) ونزع عن عرشه، ونشبت بينه وبين خصومه موقعة مونتيل الفاصلة لسنة ١٣٦٧ م، كان إلى جانبه فرقة من الفرسان المسلمين، أمده بها حليفه الغنى بالله ملك غرناطة (١). وهكذا كان التعاون السياسى والحربى يجرى بين الفريقين من آونة إلى أخرى، حتى فى تلك العصور التى مال فيها نجم الأندلس إلى الأفول، ولم تكن تحول دون عقده عوامل القومية أو الدين؛ وكانت العلائق التجارية أيام السلم تجرى بانتظام، وتنظم بمعاهدات ودية بين الفريقين، ومن ذلك معاهدة الصداقة والتحالف التى عقدها محمد بن يوسف ملك غرناطة مع مرتين ملك أراجون لتنظيم العلائق والمبادلات الحرة، وتنظيم التحالف السياسى بين المملكتين (سنة ١٤٠٥ م) (٢). هذا ويجب ألا ننسى، ما كان هنالك من علائق المودة والتفاهم بين جماعات الفرسان من الفريقين، وقد كانت الفروسية الإسبانية فى العصور الوسطى تقتبس كثيراً من تقاليد الفروسية الإسلامية وخلالها الرفيعة، وتنظر إليها بعين التقدير والاحترام. وكانت مباريات الفروسية تجمع بين أنبل الفرسان من الجانبين، وكثيراً ما كانت تعقد فى العاصمة الإسلامية فى جو من العطف والحماسة، ويهرع إلى شهودها ألوف من المسلمين والنصارى، وكانت هذه الاجتماعات المثالية البهجة التى تجمع بين العنصرين الخصيمين، أبعد ما يكون عن الاعتبارات القومية والدينية، وقد كانت غرناطة التى اشتهرت بفروستها النبيلة البارعة، مسرحاً لكثير من هذه المباريات الشهيرة. تلك هى الصورة المتباينة، التى تقدمها إلينا معركة السلطان والقوة، ومعركة الحياة والموت، والحرية والاستعباد، بين الأندلس واسبانيا النصرانية. ذلك أن بواعث الدين والقومية، لم تكن دائماً كل شىء، فى هذا الصراع المضطرم الطويل الأمد. ومع ذلك فقد كانت النزعة الدينية أو الصليبية، تبدو كلما لاح شبح الخطر الداهم على كيان أحد الفريقين، أو كلما اتخذ النضال بين الفريقين صبغة حاسمة. ولما شعرت اسبانيا النصرانية أنها أضحت بعد الاستيلاء على القواعد

стр. 2557

الأندلسية الكثيرة، وتضاؤل المملكة الإسلامية، فى مركز التفوق والغلبة، لم يكن ثمة ما يدعو لأن تتخذ حرب الإسترداد التى تلت بعد ذلك، بين اسبانيا النصرانية وبين مملكة غرناطة، ألوانا دينية أو قومية عميقة. ذلك أن معركة السلطان قد بُتّ فيها نهائيا بظفر اسبانيا النصرانية، وأضحى القضاء على الأندلس مسألة وقت فقط. وكانت اسبانيا النصرانية كلما حاولت أن تتعجل تحقيق هذه الغاية القومية الخطيرة، عاقتها المنازعات والثورات الداخلية، أو ردها تدخل الدولة الإسلامية القوية فيما وراء البحر. على أنه ما كاد يبدو تفكك المملكة الإسلامية قوياً واضحاً، وما كادت حرب الإسترداد تدخل فى طورها الأخير، حتى بدت النزعة القومية والدينية واضحة قوية، فى جهود اسبانيا النصرانية للقضاء على مملكة غرناطة. ولما اتحدت اسبانيا النصرانية نهائيا، وتم اندماجها فى مملكة موحدة بزواج فرناندو ملك أراجون وإيسابيلا ملكة قشتالة، اتخذت حروب غرناطة الأخيرة لوناً صليبياً عميقاً، يذكيها ويزيد فى ضرامها حماسة هذه الملكة الورعة المتعصبة، ومن حولها الأحبار المتعصبون، وأسبغ على فرناندو لقب "الكاثوليكى" وعلى إيسابيلا لقب "الكاثوليكية"، وكان أول عمل قام به الجند القشتاليون حينما دخلوا غرناطة فى الثانى من يناير سنة ١٤٩٢، أن رفعوا الصليب فوق أبراج الحمراء، ورفعوا إلى جانب علم قشتالة علم القديس ياقب، وأقام الرهبان القدّاس داخل قصر الحمراء، ودفنت الملكة إيسابيلا وزوجها الملك فرناندو فى كتدرائية غرناطة التى أقيمت فوق أنقاض المسجد الجامع، تنويهاً بظفرهما على الإسلام. وكانت سياسة اسبانيا النصرانية إزاء الأمة الأندلسية المغلوبة، منذ إكراهها على التنصير فى عصر فرناندو حتى مأساة النفى النهائى فى عصر فيليب الثالث، تقوم على بواعث دينية وصليبية محضة، يصوغها ويمليها أحبار الكنيسة، ويدعمها ديوان التحقيق بقضائه الكنسى المروع ووسائله الدموية؛ وعلى الجملة فقد كانت جهود اسبانيا النصرانية فى القضاء على الأمة الأندلسية، تمثل منذ بدايتها إلى نهايتها مأساة من أروع وأشنع مآسى التعصب الدينى والقومى التى عرفها التاريخ. وتلك المأساة التى استطالت منذ قيام مملكة غرناطة زهاء مائتين وخمسين عاماً هى التى نستعرض حوادثها وظروفها فيما يلى من فصول هذا الكتاب.

стр. 2558

الفصْل الخامسُ تاريخ اسبانيا النصرانية منذ أوائل القرن الحادى عشر حتى قيام مملكة غرناطة انقسام اسبانيا النصرانية فى القرن الحادى عشر. تنافس الإمارات النصرانية. القضاء على مملكة نافار وعودها. اتحاد قطلونية وأراجون. الممالك النصرانية خلال القرن الثانى عشر. تنافسها وتنابذها. اجتماع كلمتها فى الصراع ضد المسلمين. قشتالة وأراجون. القيصر الفونسو ريمونديس. تحالف قشتالة وأراجون ضد نافار. اختفاؤها كمملكة مستقلة. فرناندو الثالث ملك قشتالة. اندماج مملكة ليون فى قشتالة. غزو فرناندو الثالث للأراضى الإسلامية. استيلاؤه على أبدة وقرطبة ومرسية. غزوه لأراضى ابن الأحمر. استيلاؤه على إشبيلية. وفاته وتلقيبه بالمقدس. مملكة أراجون. ملكها خايمى. غزوه للجزائر الشرقية. استيلاؤه على ميورقة. حصاره لبلنسية وسقوطها. استيلاؤه على دانية. وفاته وتلقيبه بالفاتح. - ١ - لما انهارت الدولة الإسلامية الكبرى بالأندلس، فى أوائل القرن الحادى عشر الميلادى، وانتثرت إلى عدة دول وإمارات صغيرة متنافسة هى دول الطوائف، كانت اسبانيا النصرانية تجوز حالة مماثلة من تعدد الإمارات والدول، وإن لم تبلغ ما بلغته اسبانيا المسلمة من الإنقسام والتفرق. والحقيقة أن اسبانيا النصرانية كانت قد اتحدت فى أوائل القرن الحادى عشر تحت سلطان ملك قوى، هو سانشو الثالث الملقب بسانشو الكبير (شانجُه) ملك نافار (نبرَّة أو بلاد البشكنس)، وكانت المملكة النصرانية تمتد يومئذ، من جبال البرنيه شرقاً إلى شانت ياقب غرباً، ومن خليج بسكونية شمالا إلى نهر دويرة جنوباً. فلما توفى سانشو فى سنة ١٠٣٥ م، قسمت مملكته الكبيرة بين أولاده الأربعة، فاختص ولده فرناندو بقشتالة وغرسية بنافار؛ وحكم راميرو رقعة ضيقة تمتد جنوباً بشرق باسم مملكة أراجون، فكان هذا مولد هذه المملكة النصرانية التى نمت بسرعة ولعبت فيما بعد أعظم دور فى تاريخ النضال بين اسبانيا المسلمة واسبانيا النصرانية. وحكم ولده الرابع كونثالو ولاية سوبرابى فى أواسط البرنيه. وأما مملكة ليون وجلّيقية فى الغرب فكان يحكمها صهره برمودو الثالث. وكانت تقوم ثمة فى الشرق على

стр. 2559

شاطىء البحر إمارة قطلونية المستقلة ويحكمها آل برنجير (١). وهكذا انقسمت المملكة النصرانية إلى عدة وحدات متنافسة. وكان من حسن طالع المسلمين أن يقع هذا الإنقسام، فى الوقت الذى انهارت فيه الدولة الإسلامية الكبرى، وتقاسمت أشلاءها دول الطوائف الضعيفة، وبذا قام مدى حين نوع من التوازن بين القوتين المتداعيتين. على أنه بينما استمرت الأندلس فريسة الاضطراب والتفرق، إذا باسبانيا النصرانية تسير بخطوات متعاقبة فى سبيل الإتحاد والتوطد. ومع أن هذه الخطوات لم تكن دائما ثابتة الأثر، فإنها كانت تعمل بمضى الزمن على توحيد قوى الممالك النصرانية لمواجهة العدو المشترك أعنى اسبانيا المسلمة. وكانت قشتالة تعمل باستمرار لضم مملكة ليون إليها، وقد نجحت غير مرة فى تحقيق مشروعها بالعنف لمدى قصير. وكانت أراجون تتوق إلى ضم إمارة قطلونية التى كانت تحجبها عن البحر، وكانت المملكتان تعملان معاً للقضاء على مملكة نافار الصغيرة، وقد ائتمرتا بالفعل على اقتسامها بالعنف، فاستولت قشتالة على القسم المحاذى لنهر إيبرو، واستولت أراجون على القسم الواقع على جبال البرنيه، وبذلك اختفت مملكة نافار مدى حين (١٠٧٦ م). ولكن هذه المملكة الصغيرة الباسلة عادت فاستردت استقلالها بعد ذلك بنحو ستين عاماً. وذلك أنه حينما توفى ألفونسو المحارب ملك أراجون وتولى الملك مكانه أخوه الراهب راميرو سنة ١١٣٤ م، رفع النافاريون على العرش أميراً من سلالة ملوكهم القدماء هو غرسية راميرس، وانفصلت نافار بذلك عن أراجون وقشتالة، واستأنفت حياتها المستقلة حقبة أخرى. ولكن أراجون وقطلونية أتيح لهما أن يتحدا غير بعيد فى مملكة موحدة، وذلك أن ريمون برنجير أمير قطلونية تزوج بترونلا ابنة راميرو ملك أراجون، ولما توفى راميرو دون عقب تولى ريمون برنجير أيضاً ملك أراجون واتحدت المملكتان تحت تاج واحد، وقامت مملكة أراجون الكبيرة من ذلك الحين (١١٣٧ م) (٢). كانت الممالك الإسبانية النصرانية خلال القرن الثانى عشر خمساً، هى قشتالة

стр. 2560

وليون وأراجون ونافار والبرتغال، وكانت البرتغال قبل ذلك ولاية من ولايات جلِّيقية أو إمارة تخضع لها، ولم تفز باستقلالها إلا فى منتصف القرن الثانى عشر، فى عهد أول ملوكها المستقلين ألفونسو هنريكيز (١). وكانت هذه الممالك النصرانية الخمس دائمة الخلاف والتنافس، هذا فضلا عما كان يعانيه كل منها من الثورات والحروب الداخلية حول وراثة العرش. بيد أن هذه الممالك المتنافسة، كانت تجتمع دائماً تحت علم واحد هو علم النضال ضد اسبانيا المسلمة، فنرى جيوشها تجتمع متحدة فى موقعة الفزلاَّقة للقاء الجيوش الإسلامية المتحدة (٤٧٩ هـ - ١٠٨٦ م). وبالرغم من أن جيوش قشتالة بقيادة ألفونسو الثامن، لقيت بمفردها جيوش الموحدين بقيادة يعقوب المنصور فى موقعة الأرك الشهيرة (٥٩٣ هـ - ١١٩٥ م)، وهى التى ظفر الموحدون فيها بالنصر الباهر، فإنه لم تمض خمسة عشر عاما أخرى، حتى عادت اسبانيا النصرانية تشعر كلها بشعور واحد، هو شعور الخطر المشترك إزاء العدو المشترك. ومن ثم فإنه لما نشبت موقعة العقاب (٦٠٩ هـ - ١٢١٢ م) وهى ثالثة المواقع العظيمة الحاسمة بين الإسلام والنصرانية فى اسبانيا منذ الزلاقة، اجتمعت جيوش الممالك الاسبانية النصرانية كلها - قشتالة وأراجون ونافار - فى قواتهم، ومعهم أمداد كبيرة من ليون ومن البرتغال، للقاء الجيوش الموحدية بقيادة محمد الناصر ولد يعقوب المنصور، وفيها أصيب المسلمون بهزيمة مروعة، كانت بدء الإنحلال العام فى قوى الموحدين وقوى الأندلس. وهكذا كانت اسبانيا النصرانية تبدو إزاء اسبانيا المسلمة، كلما جدّ الخطر، موحدة الرأى والقوى. على أن الممالك النصرانية كانت تشعر فوق ذلك، أن هذا التقسيم الجغرافى المتعدد يفت فى قواها، ولا يلائم مصالحها القومية. وكانت قشتالة وجارتها الشرقية أراجون، هما أقوى الممالك النصرانية وأكبرهما رقعة، وكانت كلتاهما تطمح إلى التوسع وضم ما يليها من أراضى الممالك الصغرى، فكانت أراجون تطمح بعد انضمام قطلونية إليها، إلى انتزاع ولايات نافار المجاورة لها، وكانت قشتالة تطمح إلى ضم قرينتها وجارتها القديمة ليون، وإلى انتزاع ما بقى من ولايات نافار المجاورة لها، وهى ولايات البشكنس؛ وكانت إمارة البرتغال
следующие страницы →