" الفرنتيرة " النصرانى ضد مليكه ألفونسو الحادى عشر، وتحالف مع سلطان غرناطة وعاون بذلك فى رد النصارى عن جبل طارق، وكانوا على وشك الاستيلاء عليه. ولما نشبت الثورة ضد ولده بيدرو القاسى (دون بطره) ونزع عن عرشه، ونشبت بينه وبين خصومه موقعة مونتيل الفاصلة لسنة ١٣٦٧ م، كان إلى جانبه فرقة من الفرسان المسلمين، أمده بها حليفه الغنى بالله ملك غرناطة (١). وهكذا كان التعاون السياسى والحربى يجرى بين الفريقين من آونة إلى أخرى، حتى فى تلك العصور التى مال فيها نجم الأندلس إلى الأفول، ولم تكن تحول دون عقده عوامل القومية أو الدين؛ وكانت العلائق التجارية أيام السلم تجرى بانتظام، وتنظم بمعاهدات ودية بين الفريقين، ومن ذلك معاهدة الصداقة والتحالف التى عقدها محمد بن يوسف ملك غرناطة مع مرتين ملك أراجون لتنظيم العلائق والمبادلات الحرة، وتنظيم التحالف السياسى بين المملكتين (سنة ١٤٠٥ م) (٢).
هذا ويجب ألا ننسى، ما كان هنالك من علائق المودة والتفاهم بين جماعات الفرسان من الفريقين، وقد كانت الفروسية الإسبانية فى العصور الوسطى تقتبس كثيراً من تقاليد الفروسية الإسلامية وخلالها الرفيعة، وتنظر إليها بعين التقدير والاحترام. وكانت مباريات الفروسية تجمع بين أنبل الفرسان من الجانبين، وكثيراً ما كانت تعقد فى العاصمة الإسلامية فى جو من العطف والحماسة، ويهرع إلى شهودها ألوف من المسلمين والنصارى، وكانت هذه الاجتماعات المثالية البهجة التى تجمع بين العنصرين الخصيمين، أبعد ما يكون عن الاعتبارات القومية والدينية، وقد كانت غرناطة التى اشتهرت بفروستها النبيلة البارعة، مسرحاً لكثير من هذه المباريات الشهيرة.
تلك هى الصورة المتباينة، التى تقدمها إلينا معركة السلطان والقوة، ومعركة الحياة والموت، والحرية والاستعباد، بين الأندلس واسبانيا النصرانية. ذلك أن بواعث الدين والقومية، لم تكن دائماً كل شىء، فى هذا الصراع المضطرم الطويل الأمد. ومع ذلك فقد كانت النزعة الدينية أو الصليبية، تبدو كلما لاح شبح الخطر الداهم على كيان أحد الفريقين، أو كلما اتخذ النضال بين الفريقين صبغة حاسمة. ولما شعرت اسبانيا النصرانية أنها أضحت بعد الاستيلاء على القواعد
стр. 2557
الأندلسية الكثيرة، وتضاؤل المملكة الإسلامية، فى مركز التفوق والغلبة، لم يكن ثمة ما يدعو لأن تتخذ حرب الإسترداد التى تلت بعد ذلك، بين اسبانيا النصرانية وبين مملكة غرناطة، ألوانا دينية أو قومية عميقة. ذلك أن معركة السلطان قد بُتّ فيها نهائيا بظفر اسبانيا النصرانية، وأضحى القضاء على الأندلس مسألة وقت فقط. وكانت اسبانيا النصرانية كلما حاولت أن تتعجل تحقيق هذه الغاية القومية الخطيرة، عاقتها المنازعات والثورات الداخلية، أو ردها تدخل الدولة الإسلامية القوية فيما وراء البحر. على أنه ما كاد يبدو تفكك المملكة الإسلامية قوياً واضحاً، وما كادت حرب الإسترداد تدخل فى طورها الأخير، حتى بدت النزعة القومية والدينية واضحة قوية، فى جهود اسبانيا النصرانية للقضاء على مملكة غرناطة. ولما اتحدت اسبانيا النصرانية نهائيا، وتم اندماجها فى مملكة موحدة بزواج فرناندو ملك أراجون وإيسابيلا ملكة قشتالة، اتخذت حروب غرناطة الأخيرة لوناً صليبياً عميقاً، يذكيها ويزيد فى ضرامها حماسة هذه الملكة الورعة المتعصبة، ومن حولها الأحبار المتعصبون، وأسبغ على فرناندو لقب "الكاثوليكى" وعلى إيسابيلا لقب "الكاثوليكية"، وكان أول عمل قام به الجند القشتاليون حينما دخلوا غرناطة فى الثانى من يناير سنة ١٤٩٢، أن رفعوا الصليب فوق أبراج الحمراء، ورفعوا إلى جانب علم قشتالة علم القديس ياقب، وأقام الرهبان القدّاس داخل قصر الحمراء، ودفنت الملكة إيسابيلا وزوجها الملك فرناندو فى كتدرائية غرناطة التى أقيمت فوق أنقاض المسجد الجامع، تنويهاً بظفرهما على الإسلام. وكانت سياسة اسبانيا النصرانية إزاء الأمة الأندلسية المغلوبة، منذ إكراهها على التنصير فى عصر فرناندو حتى مأساة النفى النهائى فى عصر فيليب الثالث، تقوم على بواعث دينية وصليبية محضة، يصوغها ويمليها أحبار الكنيسة، ويدعمها ديوان التحقيق بقضائه الكنسى المروع ووسائله الدموية؛ وعلى الجملة فقد كانت جهود اسبانيا النصرانية فى القضاء على الأمة الأندلسية، تمثل منذ بدايتها إلى نهايتها مأساة من أروع وأشنع مآسى التعصب الدينى والقومى التى عرفها التاريخ.
وتلك المأساة التى استطالت منذ قيام مملكة غرناطة زهاء مائتين وخمسين عاماً هى التى نستعرض حوادثها وظروفها فيما يلى من فصول هذا الكتاب.
стр. 2558
الفصْل الخامسُ
تاريخ اسبانيا النصرانية منذ أوائل القرن الحادى عشر حتى قيام مملكة غرناطة
انقسام اسبانيا النصرانية فى القرن الحادى عشر. تنافس الإمارات النصرانية. القضاء على مملكة نافار وعودها. اتحاد قطلونية وأراجون. الممالك النصرانية خلال القرن الثانى عشر. تنافسها وتنابذها. اجتماع كلمتها فى الصراع ضد المسلمين. قشتالة وأراجون. القيصر الفونسو ريمونديس. تحالف قشتالة وأراجون ضد نافار. اختفاؤها كمملكة مستقلة. فرناندو الثالث ملك قشتالة. اندماج مملكة ليون فى قشتالة. غزو فرناندو الثالث للأراضى الإسلامية. استيلاؤه على أبدة وقرطبة ومرسية. غزوه لأراضى ابن الأحمر. استيلاؤه على إشبيلية. وفاته وتلقيبه بالمقدس. مملكة أراجون. ملكها خايمى. غزوه للجزائر الشرقية. استيلاؤه على ميورقة. حصاره لبلنسية وسقوطها. استيلاؤه على دانية. وفاته وتلقيبه بالفاتح.
- ١ -
لما انهارت الدولة الإسلامية الكبرى بالأندلس، فى أوائل القرن الحادى عشر الميلادى، وانتثرت إلى عدة دول وإمارات صغيرة متنافسة هى دول الطوائف، كانت اسبانيا النصرانية تجوز حالة مماثلة من تعدد الإمارات والدول، وإن لم تبلغ ما بلغته اسبانيا المسلمة من الإنقسام والتفرق. والحقيقة أن اسبانيا النصرانية كانت قد اتحدت فى أوائل القرن الحادى عشر تحت سلطان ملك قوى، هو سانشو الثالث الملقب بسانشو الكبير (شانجُه) ملك نافار (نبرَّة أو بلاد البشكنس)، وكانت المملكة النصرانية تمتد يومئذ، من جبال البرنيه شرقاً إلى شانت ياقب غرباً، ومن خليج بسكونية شمالا إلى نهر دويرة جنوباً. فلما توفى سانشو فى سنة ١٠٣٥ م، قسمت مملكته الكبيرة بين أولاده الأربعة، فاختص ولده فرناندو بقشتالة وغرسية بنافار؛ وحكم راميرو رقعة ضيقة تمتد جنوباً بشرق باسم مملكة أراجون، فكان هذا مولد هذه المملكة النصرانية التى نمت بسرعة ولعبت فيما بعد أعظم دور فى تاريخ النضال بين اسبانيا المسلمة واسبانيا النصرانية. وحكم ولده الرابع كونثالو ولاية سوبرابى فى أواسط البرنيه. وأما مملكة ليون وجلّيقية فى الغرب فكان يحكمها صهره برمودو الثالث. وكانت تقوم ثمة فى الشرق على
стр. 2559
شاطىء البحر إمارة قطلونية المستقلة ويحكمها آل برنجير (١). وهكذا انقسمت المملكة النصرانية إلى عدة وحدات متنافسة. وكان من حسن طالع المسلمين أن يقع هذا الإنقسام، فى الوقت الذى انهارت فيه الدولة الإسلامية الكبرى، وتقاسمت أشلاءها دول الطوائف الضعيفة، وبذا قام مدى حين نوع من التوازن بين القوتين المتداعيتين. على أنه بينما استمرت الأندلس فريسة الاضطراب والتفرق، إذا باسبانيا النصرانية تسير بخطوات متعاقبة فى سبيل الإتحاد والتوطد. ومع أن هذه الخطوات لم تكن دائما ثابتة الأثر، فإنها كانت تعمل بمضى الزمن على توحيد قوى الممالك النصرانية لمواجهة العدو المشترك أعنى اسبانيا المسلمة. وكانت قشتالة تعمل باستمرار لضم مملكة ليون إليها، وقد نجحت غير مرة فى تحقيق مشروعها بالعنف لمدى قصير. وكانت أراجون تتوق إلى ضم إمارة قطلونية التى كانت تحجبها عن البحر، وكانت المملكتان تعملان معاً للقضاء على مملكة نافار الصغيرة، وقد ائتمرتا بالفعل على اقتسامها بالعنف، فاستولت قشتالة على القسم المحاذى لنهر إيبرو، واستولت أراجون على القسم الواقع على جبال البرنيه، وبذلك اختفت مملكة نافار مدى حين (١٠٧٦ م). ولكن هذه المملكة الصغيرة الباسلة عادت فاستردت استقلالها بعد ذلك بنحو ستين عاماً. وذلك أنه حينما توفى ألفونسو المحارب ملك أراجون وتولى الملك مكانه أخوه الراهب راميرو سنة ١١٣٤ م، رفع النافاريون على العرش أميراً من سلالة ملوكهم القدماء هو غرسية راميرس، وانفصلت نافار بذلك عن أراجون وقشتالة، واستأنفت حياتها المستقلة حقبة أخرى. ولكن أراجون وقطلونية أتيح لهما أن يتحدا غير بعيد فى مملكة موحدة، وذلك أن ريمون برنجير أمير قطلونية تزوج بترونلا ابنة راميرو ملك أراجون، ولما توفى راميرو دون عقب تولى ريمون برنجير أيضاً ملك أراجون واتحدت المملكتان تحت تاج واحد، وقامت مملكة أراجون الكبيرة من ذلك الحين (١١٣٧ م) (٢).
كانت الممالك الإسبانية النصرانية خلال القرن الثانى عشر خمساً، هى قشتالة
стр. 2560
وليون وأراجون ونافار والبرتغال، وكانت البرتغال قبل ذلك ولاية من ولايات جلِّيقية أو إمارة تخضع لها، ولم تفز باستقلالها إلا فى منتصف القرن الثانى عشر، فى عهد أول ملوكها المستقلين ألفونسو هنريكيز (١). وكانت هذه الممالك النصرانية الخمس دائمة الخلاف والتنافس، هذا فضلا عما كان يعانيه كل منها من الثورات والحروب الداخلية حول وراثة العرش. بيد أن هذه الممالك المتنافسة، كانت تجتمع دائماً تحت علم واحد هو علم النضال ضد اسبانيا المسلمة، فنرى جيوشها تجتمع متحدة فى موقعة الفزلاَّقة للقاء الجيوش الإسلامية المتحدة (٤٧٩ هـ - ١٠٨٦ م). وبالرغم من أن جيوش قشتالة بقيادة ألفونسو الثامن، لقيت بمفردها جيوش الموحدين بقيادة يعقوب المنصور فى موقعة الأرك الشهيرة (٥٩٣ هـ - ١١٩٥ م)، وهى التى ظفر الموحدون فيها بالنصر الباهر، فإنه لم تمض خمسة عشر عاما أخرى، حتى عادت اسبانيا النصرانية تشعر كلها بشعور واحد، هو شعور الخطر المشترك إزاء العدو المشترك. ومن ثم فإنه لما نشبت موقعة العقاب (٦٠٩ هـ - ١٢١٢ م) وهى ثالثة المواقع العظيمة الحاسمة بين الإسلام والنصرانية فى اسبانيا منذ الزلاقة، اجتمعت جيوش الممالك الاسبانية النصرانية كلها - قشتالة وأراجون ونافار - فى قواتهم، ومعهم أمداد كبيرة من ليون ومن البرتغال، للقاء الجيوش الموحدية بقيادة محمد الناصر ولد يعقوب المنصور، وفيها أصيب المسلمون بهزيمة مروعة، كانت بدء الإنحلال العام فى قوى الموحدين وقوى الأندلس. وهكذا كانت اسبانيا النصرانية تبدو إزاء اسبانيا المسلمة، كلما جدّ الخطر، موحدة الرأى والقوى. على أن الممالك النصرانية كانت تشعر فوق ذلك، أن هذا التقسيم الجغرافى المتعدد يفت فى قواها، ولا يلائم مصالحها القومية. وكانت قشتالة وجارتها الشرقية أراجون، هما أقوى الممالك النصرانية وأكبرهما رقعة، وكانت كلتاهما تطمح إلى التوسع وضم ما يليها من أراضى الممالك الصغرى، فكانت أراجون تطمح بعد انضمام قطلونية إليها، إلى انتزاع ولايات نافار المجاورة لها، وكانت قشتالة تطمح إلى ضم قرينتها وجارتها القديمة ليون، وإلى انتزاع ما بقى من ولايات نافار المجاورة لها، وهى ولايات البشكنس؛ وكانت إمارة البرتغال
стр. 2561
الصغيرة الناشئة تدافع عن كيانها واستقلالها بصعوبة، خلال هذه الأطماع المضطرمة، وقد استطاع ملك قشتالة القوى ألفونسو ريمونديس (١١١٧ - ١١٥٧ م) الذى تلقب بالقيصر، أن يبسط على اسبانيا النصرانية فى أواخر حكمه حماية عامة، على أنه لم يحكم بالفعل سوى قشتالة وليون وجلِّيقية.
وفى أواخر القرن الثانى عشر، عادت الحرب الأهلية تعصف بالممالك النصرانية، وتضطرم بين نافار وبين قشتالة وأراجون. ونراها تضطرم عقب موقعة الأرك، بين قشتالة وبين نافار وليون المتحالفين على قتالها. وكانت نافار المملكة الصغيرة الباسلة تدافع عن استقلالها إزاء أطماع جيرانها الأقوياء دفاعاً متواصلا، ولاسيما فى عهد ملكها سانشو السابع آخر ملوكها الأقوياء، وكان سانشو ينظر إلى تحالف جارتيه قشتالة وأراجون بعين الجزع، ويستشعر منه الخطر الداهم على ملكه واستقلال أمته، ولم يكتف بالتحالف مع ليون وهى المملكة الصغيرة الأخرى التى تخشى على استقلالها من أطماع قشتالة، بل حاول أن يستمد عون سلطان خليفة الموحدين الظافر يعقوب المنصور، وأن يعقد معه محالفة دفاعية، وسار فى بطانته إلى إشبيلية يحاول لقاءه، ولكن الخليفة المنصوركان قد توفى فى ذلك الحين. ولما عاد سانشو ألفى جاريه القويين بيدرو الأول ملك أراجون وألفونسو الثامن ملك قشتالة، قد انقضا فى غيابه على نافار يحاولان اقتسامها؛ وبالرغم مما أبداه النافاريون من الدفاع الباسل فقد استطاع ألفونسو أن ينتزع ولايات بسكونية وأن يضمها إلى مملكته (سنة ١٢٠٠ م)، واستطاع بيدرو أن ينتزع بعض الأراضى المجاورة لأراجون، ولم يبق من مملكة نافار القديمة سوى جزئها الشمالى. ولم تمض فترة قصيرة أخرى حتى ذهب هذا الجزء إلى حوزة حكام فرنسا الجنوبيين بطريق المصاهرة والوراثة (١٢٣٤ م). وبذلك اختفت هذه المملكة الصغيرة الباسلة من بين ممالك اسبانيا النصرانية.
ولم يمض قليل على ذلك حتى اختفت مملكة ليون القديمة، جارة قشتالة من الغرب. وذلك أنه لما توفى ألفونسو الثامن (النبيل) ملك قشتالة فى سنة ١٢١٤ م، خلفه ولده الطفل هنرى، وكانت كبرى بناته الأميرة برنجيريا قد تزوجت بألفونسو التاسع ملك ليون، ثم طلقت منه بعد أن رزقت بعدة أولاد أكبرهم فرناندو. وثار فى قشتالة مدى حين نزاع على وصاية الملك الطفل هنرى، ثم توفى قبل أن يبلغ رشده قتيلا فى حادث. وكان ألفونسو النبيل قد قرر فى وصيته أنه إذا انقرض
стр. 2562
عقبه من الذكور، فإن العرش يؤول عندئذ إلى ابنته الكبرى برنجيريا ثم إلى أعقابها الشرعيين، وهكذا قدر لفرناندو ولد برنجيريا من ألفونسو التاسع ملك ليون، أن يرقى عرش قشتالة باسم فرناندو الثالث، وهو الذى غدا فيما بعد من أعظم ملوك قشتالة. ولما توفى أبوه ألفونسو التاسع ملك ليون وجليقية فى سنة ١٢٣٠ م، خلفه أيضاً فى ملك ليون باعتباره وارث العرش الشرعى، وبذلك اتحدت مملكتا قشتالة وليون تحت تاج واحد، واختفت مملكة ليون وجليقية القديمة من عداد الممالك الإسبانية النصرانية، وأضحت قشتالة بهذا الاتحاد أقوى الممالك الإسبانية، وأوسعها رقعة وأغناها موارد، واستطاع فرناندو الثالث بفضله أن يحرز التفوق على المسلمين، وأن يفتتح قواعد الأندلس العظيمة قرطبة وجيان وإشبيلية، وهى التى عجز عن افتتاحها جميع أسلافه من الملوك النصارى.
وهكذا غدت الممالك الإسبانية النصرانية منذ أوائل القرن الثالث عشر، ثلاثا فقط، هى قشتالة وأراجون والبرتغال، وبينما قنعت البرتغال بالعمل على توطيد استقلالها وافتتاح الأراضى الإسلامية الواقعة فى جنوبها، وهى التى تعرف بولاية الغرب، إذا بقشتالة وأراجون تعملان معا للمضى فى تحقيق الغاية القومية والدينية الكبرى، التى تعمل لها اسبانيا النصرانية منذ قرون، وهى القضاء على الدولة الإسلامية بالأندلس واستخلاص تراث الوطن القديم.
- ٢ -
فى الوقت الذى انهارت فيه دولة الموحدين بالأندلس، على أثر انهيارها فى المغرب، وملك ابن هود مرسية وشرقى الأندلس، وغلب ابن الأحمر على بعض القواعد الجنوبية والوسطى، مثل وادى آش وبسطة وجيان، وغلب بعض الزعماء على إشبيلية وقواعد ولاية الغرب، وأخذ هؤلاء الزعماء المسلمون يتربص بعضهم ببعض ويحاول كل منهم أن ينتزع ما فى يد الآخر من القواعد والحصون، شعرت مملكة قشتالة المتحدة القوية بأن الفرصة قد سنحت لتسديد ضربتها المميتة إلى الأندلس وبادر ملكها فرناندو الثالث بغزو الأراضى الإسلامية. وكانت معظم القواعد والحصون المتاخمة لقشتالة دون دفاع يذكر، فافتتح عدداً من الحصون واستولى على مدينة أُبَّدة فى سنة ١٢٣٢ م (٦٣١ هـ). وفى أوائل سنة ١٢٣٣ م سار فرناندو لغزو قرطبة عاصة الخلافة القديمة، وكانت أثناء الحرب الأهلية قد انضوت تحت لواء ابن هود ونادت بطاعته، وهاجم القشتاليون قصبتها الشرقية بشدة، وضربوا
стр. 2563
خريطة:
الأنْدلس بَعْد الانْهيار، مملكة غرناطة والممالك النصرانية الإسْبانية فى القرن الرابع عشر.
стр. 2564
حولها الحصار، وكان ابن هود يضع خططه يومئذ لغزو بلنسية وقد وصله عندئذ صريخ أميرها زيان حينما هاجمه خايمى ملك أراجون، فلم يشأ إنجاد المدينة المحصورة بالرغم من مسيره إليها، خصوصاً وقد علم أن النصارى هاجموها بقوات كبيرة، فترك قرطبة لمصيرها، ودافع أهل قرطبة عن مدينتهم أعظم دفاع، واشتبكوا مع النصارى خارج المدينة وفى داخلها فى عدة معارك دموية شديدة، ولكن هذه البسالة لم تغن شيئاً، وسقطت عاصمة الأندلس القديمة، ودخلها القشتاليون فى ٢٩ يونيه سنة ١٢٣٦ م (٢٣ شوال سنة ٦٣٣ هـ) ورفعوا الصليب فى الحال فوق مسجدها الجامع تنويها بظفر النصرانية، وكان سقوط قرطبة نذيراً بما انتهت إليه الأندلس من بالغ الضعف والفوضى.
ولما اشتدت الحرب الأهلية بين المسلمين فى شرقى الأندلس، بعث فرناندو الثالث ولده ألفونسو إلى مرسية، واستولى عليها صلحا فى سنة ١٢٤٣ م (٦٤٠ هـ). ثم التفت إلى إمارة غرناطة الناشئة التى أخذت تنمو ويشتد ساعدها فى ظل ابن الأحمر فانتزع منها حصن أرجونة وعدة حصون أخرى، ووصلت قواته إلى أحواز غرناطة، ثم أرسل جيشه لمحاصرة جيَّان فى العام التالى (سنة ١٢٤٥ م)، وشعر ابن الأحمر أنه عاجز عن صد هذا السيل الجارف، فاضطر إلى عقد الصلح والانضواء تحت حماية ملك قشتالة حسبما فصلنا من قبل، وبلغ فرناندو الثالث بذلك ذروة القوة والسلطان، وأضحت الأندلس الجنوبية كلها تحت حمايته ورهن مشيئته.
وأخذ فرناندو فى الوقت نفسه يتأهب لافتتاح إشبيلية أعظم قواعد الأندلس، وفى سنة ١٢٤٧ م (٦٤٤ هـ) بث قواته فى أحواز إشبيلية فاستولت على معظم الحصون القريبة منها، وسير فرناندو فى الوقت نفسه أسطولا فى مياه الوادى الكبير لكى يحول دون وصول الأمداد والمؤن إلى المدينة من ناحية البحر؛ وكان يتولى الدفاع عن إشبيلية نفر من الزعماء البواسل. وأبدى المسلمون إصراراً وجلداً فى الدفاع عن مدينتهم، ولكن النصارى أحكموا حصارها، واستمر الحصار طول الشتاء، ثم حشد فرناندو فى العام التالى حولها قوات جديدة، وسارع إلى نجدته كثير من المتطوعة النصارى من أراجون والبرتغال ومنهم كثير من الأحبار والرهبان، واضطر ابن الأحمر صاحب غرناطة إلى معاونة حليفه وحاميه فرناندو ببعض قواته، وذلك كله حسبما فصلناه من قبل. وفى النهاية اضطرت الحاضرة
стр. 2565
الإسلامية الكبيرة إلى التسليم، ودخلها النصارى فى ٢٣ ديسمبر سنة ١٢٤٨ (أوائل رمضان سنة ٦٤٦ هـ)، وفى الحال حولوا مسجدها الجامع إلى كنيسة جرياً على سنتهم، وبذلك وقعت معظم القواعد الإسلامية الكبرى فى يد النصارى، ولاح شبح الفناء للأندلس واضحا منذراً.
وتوفى فرناندو الثالث فى مايو سنة ١٢٥٢ م، بعد أن حكم قشتالة خمسة وثلاثين عاما، ودفن فى إشبيلية آخر فتوحه، وقد غدت منذ افتتاحها عاصمة لقشتالة مكان طليطلة، وقد أسبغت عليه فيما بعد صفة القداسة، فسمى بسان فرناندو (القديس فرناندو) وذلك تنويها بما تم على يديه من ظفر عظيم للنصرانية.
...
وأما مملكة أراجون فقد تخلفت حينا عن قرينتها قشتالة فى مناهضة المسلمين، وكان ملكها بيدرو الثانى، الذى خلف أباه ألفونسو على العرش فى سنة ١١٩٦ م، أميراً وافر الشجاعة والفروسة، ولكنه شغل بتنظيم شئون مملكته الداخلية ومقاومة سلطان الأشراف، ثم حج إلى رومة ليتلقى تاجه من يد البابا. ولما عاد إلى أراجون شغل حينا بمحاربة الألبيين وغيرهم من الملاحدة فى جنوب فرنسا، وتوفى قتيلا فى إحدى المعارك (سنة ١٢٢٤ م). فخلفه ولده خايمى (يعقوب) طفلا بالرغم من معارضة عميه سانشو وفرناندو، وثارت من جراء ذلك فى أراجون حرب أهلية استمرت عدة أعوام، ولكنها انتهت بفوز خايمى وحزبه على الثوار، فعاد إلى الجلوس على العرش دون منازع وذلك فى سنة ١٢٢٧ م.
وما كاد خايمى (١) يستقر فى عرشه، حتى اعتزم أن ينزل ميدان الحرب ضد المسلمين، وأن يحاول الفوز بنصيبه من الأراضى الأندلسية، فبدأ بغزو الجزائر الشرقية (جزائر البليار) القريبة من شواطىء أراجون، وسير إليها فى سنة ١٢٢٩ م (٦٢٦ هـ) حملة بحرية قوية. وكانت ميورقة وباقى الجزائر الشرقية يومئذ تابعة لإمارة بلنسية التى يسيطر عليها الأمير أبو جميل زيان بن مدافع بن مردنيش، ويحكمها من قبله أبو يحيى بن يحيى أو محمد بن على بن موسى وفق رواية أخرى، فنزل النصارى إلى الجزيرة، ولكنهم لقوا داخلها مقاومة عنيفة، ودافع المسلمون
стр. 2566
عن جزيرتهم بمنتهى الشدة والبسالة، ولكنهم اضطروا فى النهاية إلى التسليم (صفر سنة ٦٢٧ هـ). ومع ذلك فقد استمرت المقاومة فى شُعَب الجزيرة بعد ذلك حينا، واضطر خايمى أن يعود إليها مرتين حتى أتم إخضاعها فى سنة ١٢٣٣ م، وسلمت منورقة وهى ثانية الجزائر للنصارى بعد ذلك ببضع سنين (١).
وما كاد ملك أراجون يستولى على جزيرة ميورقة حتى وجه عنايته إلى فتح بلنسية، وسار إلى غزوها فى جيش ضخم فى سنة ١٢٣٨ م، (رمضان سنة ٦٣٥ هـ) واستطاع أن ينتزع الحصون الواقعة حولها تباعا. وكانت بلنسية قد سادها الاضطراب والفوضى من جراء الحرب الأهلية، ومع ذلك فقد تأهبت بقيادة أميرها أبى جميل زيان لمقاومة النصارى، وطوق النصارى المدينة من البر والبحر، وبعث الأمير أبو جميل وزيره وكاتبه ابن الأبَّار القضاعى إلى أمير إفريقية (تونس) أبى زكريا الحفصى يستغيث به، وألقى ابن الأبار بين يديه قصيدته الشهيرة التى مطلعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
وبادر الأمير أبو زكريا بإغاثة بلنسية، وبعث إليهم بعض الأمداد والمؤن فى عدة سفن، ولكنها لم توفق إلى الاتصال بالمدينة المحصورة، واستمر الحصار أشهراً واشتد الكرب بالمسلمين، وضاعف النصارى هجماتهم حتى اضطرت المدينة المحصورة فى النهاية إلى التسليم بشرط أن يؤمّن أهلها فى النفس والمال، وأن يغادرها من شاء منهم، وكان سقوط بلنسية فى يد النصارى فى ٢٨ سبتمبر سنة ١٢٣٨ م (١٧ صفر سنة ٦٣٦ هـ).
وعلى أثر سقوط بلنسية تابع خايمى غزواته لباقى الأراضى الإسلامية المجاورة لها، واستولى على دانية ولقنت فى سنة ١٢٤٤ م (٦٤١ هـ). ثم استولى على شاطبة وأوريولة فى سنة ١٢٤٦ م (آخر سنة ٦٤٤ هـ). وقرر خايمى أن يجلى جميع السكان المسلمين عن الأراضى التى تم افتتاحها، فهرعت منهم جموع غفيرة إلى مملكة غرناطة حتى ضاقت بسكانها، وهاجر الكثير منهم إلى إفريقية،
стр. 2567
وأخذت القواعد والثغور الإسلامية القديمة تتحول تباعا إلى مدن نصرانية، وأخذت الكثرة المسلمة تتحول بسرعة إلى أقلية من المدجنين، تعيش فى ظل الحكم الإسبانى فى ذلة وخضوع.
وعنى خايمى بعد ذلك بإصلاح الشئون الداخلية، وتمت فى عهده عدة إصلاحات تشريعية خطيرة. ووضع مشروعا لتقسيم المملكة بعد وفاته بين أولاده الأربعة، ولكنه لم يتحقق لوفاة أكبر أولاده ألفونسو، ولما أثاره من اضطراب فى أنحاء المملكة. وتوفى خايمى بعد حكم طويل حافل فى سنة ١٢٧٤ م، وقد أسبغت عليه فتوحاته فى الأراضى الإسلامية لقب "الفاتح".
стр. 2568
الفصل السادس
مملكة غرناطة عقب وفاة ابن الأحمر وعصر الجهاد المشترك بين بنى الأحمر وبنى مرين
ولاية محمد الفقيه. تربص النصارى بالأندلس. بنو مرين ومبدأ أمرهم. القتال بينهم وبين الموحدين. ولاية أبى يحيى المرينى. ولاية أبى يوسف يعقوب. انهيار دولة الموحدين. استغاثة الأندلس ببنى مرين. استجابة السلطان أبى يوسف لصريخ الأندلس. إرساله حملة إلى الأندلس ثم عبوره إليها. موقف بنى أشقيلولة. غزو أبى يوسف لبسائط الفرنتيرة. موقعة إستجة وغزوات أبى يوسف. عوده إلى المغرب. توجس ابن الأحمر وعتابه لأبى يوسف. عبور أبى يوسف إلى الأندلس للمرة الثانية. توغله فى أراضى النصارى. اللقاء بينه وبين ابن الأحمر. استيلاء ابن الأحمر على مالقة. تفاهمه مع ملك قشتالة. انتصار المغاربة فى البحر. زحفهم على مربلة. القتال بينهم وبين ابن الأحمر. توجس أبى يوسف من العواقب. عود التفاهم بينه وبين ابن الأحمر. أثر غرناطة وبنى مرين فى شئون قشتالة. ألفونسو العالم ملك قشتالة. ثورة ولده سانشو عليه. التجاؤه إلى السلطان أبى يوسف المنصور. عبور المنصور لنصرته وغزوه لأراضى قشتالة. تفاهم ابن الأحمر مع سانشو. عود التفاهم بين ابن الأحمر والمنصور. توجس ابن الأحمر من المغاربة. عبور المنصور إلى الأندلس للمرة الرابعة. غزواته فى أرض النصارى. سانشو ملك قشتالة يذعن للصلح. خطة مشيخة الغزاة. وفاة المنصور وولاية ولده أبى يعقوب. خروج أبى الحسن بن أشقيلولة فى وادى آش. استرداد ابن الأحمر لوادى آش. إغارة ملك قشتالة على أراضى الأندلس. سير الجيوش المغربية إلى الأندلس. هزيمة المغاربة فى البحر. عبور السلطان أبى يعقوب إلى الأندلس. غزوه لأراضى النصارى. توجس ابن الأحمر من نيات أبى يعقوب وتفاهمه مع ملك قشتالة. انتزاع سانشو لطريف من المغاربة. نكثه لعهوده لابن الأحمر. سعيه للتفاهم مع أبى يعقوب وعبوره إلى المغرب. معاهدة تحالف بين غرناطة وأراجون. وفاة ابن الأحمر وخلاله. ولاية محمد الملقب بالمخلوع. غلبة وزيره ابن الحكيم عليه. اضطراب العلائق بين محمد والسلطان أبى يعقوب. استيلاء محمد على سبتة. مصرع أبى يعقوب. زحف عثمان بن أبى العلاء على المغرب. ولاية السلطان أبى ثابت لعرش المغرب. مسيره إلى الشمال ووفاته. ولاية السلطان أبى الربيع. هزيمة الأندلسيين ومقتل عثمان. الثورة فى غرناطة. اضطراب الأحوال فى عهد نصر. غزو القشتاليين لأرض الأندلس. مشروع فرناندو لغزو جبل طارق. حصار ألمرية وهزيمة النصارى. سقوط جبل طارق. الصلح بين ملك غرناطة وبنى مرين. مصانعة نصر لملك قشتالة. تعهده بأداء الجزية. الثورة فى غرناطة. هزيمة نصر وعزله.
لما توفى محمد بن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة. خلفه فى الملك ولده وولى عهده أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف الملقب بالفقيه لعلمه وتقواه. وكان مولده بغرناطة سنة ٥٣٣ هـ (١٢٣٥ م). وهو الذى رتب رسوم الملك للدولة النصرية،
стр. 2569
ووضع ألقاب خدمتها، ونظم دواوينها وجبايتها، وخلع عليها بذلك صفتها الملوكية الزاهية. وكان يتمتع بكثير من الخلال الحسنة، من قوة العزم، وبعد الهمة وسعة الأفق، والبراعة السياسية. وكان عالماً أديبا يقرض الشعر، ويؤثر مجالس العلماء، والأدباء (١). ولأول عهده نشط ملك قشتالة ألفونسو العاشر الملقب بالعالم أو الحكيم إلى محاربة المسلمين، وكان مثل أبيه فرناندو الثالث، يرى أن دولة الإسلام بالأندلس قد دنت نهايتها، ويتربص الفرصة بالمملكة الإسلامية الفتية، ويحاول أن يعمل كأبيه للقضاء عليها قبل استفحال أمرها. ولم يكن ملك غرناطة بغافل عن الخطر الذى يتهدده من مشاريع قشتالة. وكان محمد بن الأحمر قد أوصى ولده بالحرص على محالفة بنى مَرِين، ملوك العُدوة والاستنجاد بهم كلما لاح شبح الخطر الداهم (٢). وكان بنو مَرِين وهم الذين استولوا على ملك الموحدين بعد ذهاب دولتهم، يومئذ فى عنفوان قوتهم، وكانت مملكتهم الفتية، تشغل فى نظر الأندلس ونظر اسبانيا النصرانية، نفس الفراغ الذى تركه ذهاب دولة المرابطين ثم دولة الموحدين، وكان من الطبيعى أن تؤدى هذه الدولة الجديدة فى ميدان السياسة والحرب نحو الجزيرة الإسبانية، نفس الدور الذى أدته المملكتان المغربيتان الذاهبتان.
وبنو مَرِين بطن من بطون قبيلة زناتة البربرية الشهيرة، التى ينتمى إليها عدة من القبائل التى لعبت أدواراً بارزة فى تاريخ المغرب، مثل مغراوة ومغيلة ومديونة وجراوة وعبد الواد وغيرهم. ومع ذلك فإن بنى مرين يرجعون نسبتهم إلى العرب المضرية، وذلك بالانتساب إلى بر بن قيس عيلان بن مضر بن نزار. وجدهم الأعلى جرماط بن مرين بن ورتاجى بن ماخوخ (٣). وكانت القبائل المرينية فى بداية أمرها من العشائر البدوية المتنقلة، تجول فى صحارى المغرب الأوسط وهضابه وتسير نحو المغرب الأقصى أيام الصيف. وفى فاتحة القرن السابع الهجرى، نشبت الحرب بينهم وبين بنى عبد الواد، فتوغلوا فى هضاب المغرب، ونزلوا بوادى ملوية الواقع بين المغرب والصحراء وأقاموا هنالك حينا. وكانت قوى الموحدين قد تضعضعت منذ موقعة العقاب (٦٠٩ هـ) (٤)، وسرت إلى دولتهم عوامل
стр. 2570
التفكك والانحلال. ولما توفى ملكهم الناصر، وهو المهزوم فى موقعة العقاب، سنة ٦١٠ هـ، ولى بعده ولده يوسف المستنصر، وكان فتى حدثاً ضعيف الهمة والخلال، فانكب على لهوه وساءت أمور المملكة وسرت إليها الفوضى. ففى تلك الآونة التى بدأ فيها ملك الموحدين يهتز فى يد القدر، نفذ بنو مرين إلى المغرب، وتوغلوا فى جنباته، واشتبكوا مع الموحدين لأول مرة فى سنة ٦١٣ هـ، إذ حاول الملك المستنصر أن يقضى عليهم، فأرسل جيوشه لقتالهم ولكنها هزمت، ووصل بنو مرين إلى أحواز فاس؛ وكان أمير بنى مرين يومئذ أبو محمد عبد الحق بن خالد ابن محيو، ولكنه قتل فى بعض المواقع فى سنة ٦١٤ هـ، فخلفه فى الإمارة ولده أبو سعيد عثمان، واستمر يقود قومه فى ميدان النضال ضد الموحدين (١).
وفى سنة ٦٣٩ هـ (١٢٤١ م) سير الرشيد خليفة الموحدين جيشاً لقتال بنى مرين فهزم الموحدون هزيمة شديدة، واستولى المرينيون على معسكرهم. وتوفى الرشيد فى العام التالى. فخلفه فى الملك أخوه أبو الحسن السعيد، واعتزم أن يضاعف الجهد للقضاء على بنى مرين، فسير لقتالهم فى سنة ٦٤٢ هـ (١٢٤٤ م) جيشاً ضخماً ونشبت بين الموحدين وبين بنى مرين موقعة هائلة، هزم فيها بنو مرين وقتل أميرهم أبو معرِّف محمد بن عبد الحق، وكانت ضربة شديدة هدّت من عزائمهم مدى حين.
وتولى إمارة بنى مرين بعد مقتل أبى معرف، أخوه أبو بكر بن عبد الحق الملقب بأبى يحيى. وفى عهد اشتد ساعد بنى مرين واستولوا على مكناسة (٦٤٣ هـ) ثم زحفوا على فاس واستولوا عليها بعد حصار شديد (٦٤٨ هـ - ١٢٥٠ م). وكان سقوط فاس حاضرة المغرب القديمة، أعظم ضربة أصابت دولة الموحدين، وكان نذير الإنهيار النهائى. ثم استولوا على سجلماسة ودرعة (٦٥٥ هـ). ولما توفى أبو يحيى سنة ٦٥٦ هـ، تولى أخوه أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق من بعده رياسة بنى مرين وجعل مدينة فاس حاضرة ملكه. وفى سنة ٦٥٧ هـ نشبت الحرب بين بنى مرين وبين الأمير يَغْمُراسن بن زيان ملك المغرب الأوسط وزعيم بنى عبد الواد، فهزم يغمراسن وارتد إلى تلمسان. وفى العام التالى (٦٥٨ هـ) هاجم النصارى (الإسبان) فى سفنهم ثغر سلا فجأة، وقتلوا وسبوا كثيراً من أهله، فبادر أبو يوسف بإنجاده، وحاصر النصارى بضعة أسابيع حتى جلوا عنه.
ثم كانت الموقعة الحاسمة بين الموحدين وبنى مرين، ففى أواخر سنة ٦٦٧ هـ
стр. 2571
(١٢٦٩ م) سار الواثق بالله المعروف بأبى دبوس خليفة الموحدين من مراكش لقتال بنى مرين، والتقى الجمعان فى وادى غفّو بين فاس ومراكش، فهزم الموحدون بعد معركة شديدة، وقتل منهم عدد جم فى مقدمتهم الواثق، واستولى أبو يوسف على معسكرهم ومؤنهم وخزائنهم، ثم سار إلى مراكش فدخلها فى التاسع من المحرم لسنة ٦٦٨ هـ، وتسمى بأمير المسلمين، وبذلك انتهت دولة الموحدين فى المغرب، كما انتهت فى الأندلس، بعد أن عاشت زهاء قرن وثلث قرن، وقامت مكانها دولة بنى مرين تسيطر على أنحاء المغرب الأقصى كله، وتستقبل عهداً جديداً من القوة والسلطان (١).
إلى تلك الدولة الجديدة الفتية، كانت تتجه أنظار الأندلس كلما لاح لها شبح الخطر الداهم. وقد شاء القدر أن تلعب دولة بنى مرين وريثة المرابطين والموحدين، فى حوادث الأندلس الداخلية والخارجية أعظم دور. ولم تفت مؤسس مملكة غرناطة أهمية التحالف مع بنى مرين والاستنصار بهم، فبعث قبيل وفاته بقليل حسبما رأينا إلى السلطان أبى يوسف يعقوب بن عبد الحق الملقب بالمنصور يطلب إليه غوث الأندلس وإنجادها. وكان السلطان أبو يوسف حينما وصله صريخ ابن الأحمر فى سنة ٦٧٠ هـ يسير إلى غزو تلمسان، فلما وقف من الرسل على حال الأندلس وما يهددها من الأخطار، جمع أشياخ القبائل، واتفق الجميع على وجوب إنجاد الأندلس والجهاد فى سبيل الله، وأرسل السلطان إلى الأمير يَغْمُراسن صاحب تلمسان يعرض عليه عقد الصلح، لكى يتمكن من العبور إلى الأندلس، فأبى واقتتل الفريقان على مقربة من وَجْدة، فى شهر رجب سنة ٦٧٠ هـ (١٢٧٢ م) فهزم يغمراسن وفر جريحا (٢)، وعاد أبو يوسف مظفراً إلى المغرب، وهو يعتزم استجابة دعوة الأندلس وإنجادها.
على أنه مضى أكثر من عامين، قبل أن تسنح له الفرصة المرجوة. فلما تولى محمد الفقيه، أرسل عقب ولايته بقليل وفداً من أكابر الأندلس إلى ملك
стр. 2572
المغرب يحمل إليه رسالة استغاثة مؤثرة، فشرحوا له حال الأندلس من الضعف ونقص الأهبة، وتكالب العدو القوى عليها، واستصرخوه للغوث والجهاد ومما جاء فى رسالة ابن الأحمر إلى أبى يوسف بعد الديباجة:
مرين جنود الله أكبر عصبة ... فهم فى بنى أعصارهم كالمواسم
مشنفة أسماعهم لمدائح ... مسورة إيمانهم بالصوارم
"تطول علينا بمعلوم حدك ومشهود جدك، قد جعلك الله رحمة تحيى عيشها بجيوشك السريعة، وخلفك سُلَّما إلى الخير وذريعة، فقد تطاول العدو النصرانى على الإسلام، واهتضم جناحه كل الاهتضام، وقد استخلص قواعدها، ومزق بلدانها، وقتل رجالها وسبى ذراريها ونساءها، وغنم أموالها. وقد جاء بإبراقه وإرعاده، وعدده وإيعاده، وطلب منا أن نسلم له ما بقى بأيدينا من المنابر والصوامع والمحاريب والجوامع، ليقيم بها الصلبان، ويثبت بها الأقسة والرهبان. وقد وطأ الله لك ملكا عظيما شكرك الله على جهادك فى سبيله، وقيامك بحقه، وإجهادك فى نصر دينه وتكميله، ولديك من نية الخير، فابعث باعث بعثك إلى نصر مناره، واقتباس نوره، وعندك من جنود الله من يشترى الجنات بنفسه، فإن شئت الدنيا فالأ، دلس قطوفها دانية، وجناتها عالية، وإن أردت الآخرة بها جهاد لا يفتر، وهذه الجنة ادخرها الله لظلال سيوفكم، واحتمال معروفكم، ونحن نستعين بالله العظيم وبملائكته المسومين، ثم بكم على الكافرين" (١).
ثم تتابعت رسل ابن الأحمر وبنى أشقيلولة إلى السلطان أبى يوسف، ينوهون بالخطر الداهم الذى يهدد الأندلس، ويلتمسون إليه المبادرة بالإسعاف والإمداد، فاستجاب السلطان أخيراً لدعوتهم، وكتب إلى ابن الأحمر يطمئنه، ويعرب عن عزمه على الجواز إلى الأندلس فى فاتحة سنة أربع وسبعين، ومما جاء فى رسالته:
"وإنا لنرجو أن نصلكم بنفوس صلح جهرها وسرها، ونسقى بماء الثلج واليقين غرها، ونقدم عليكم بما يبسط نفوسكم ويسرها، ويطلع لها الفرح من المكاره ويذهب عسرها، فلتطب نفوسكم برحمة الله وعونه، ولتفرحوا بفضل الله وصونه، ونحن قادمون عليكم فى إثر هذا إن شاء الله، ووعدنا بوفاء يعين الله على أعدائه" (٢).
стр. 2573
وهكذا اعتزم السلطان أبو يوسف أن يؤدى رسالة المغرب التاريخية فى إنجاد الأندلس ونصرتها، وكان بنو مرين فى عنفوان دولتهم يجيشون بنزعة الجهاد الفتية.
وخرج السلطان من فاس فى رمضان سنة ٦٧٣ هـ برسم الجهاد فى الأندلس، وأرسل للمرة الثانية إلى الأمير يَغْمُراسن صاحب تلمسان، يعرض الصلح توحيداً للكلمة وتعضيداً للجهاد. فقبل يغمراسن وتم الصلح. وبادر السلطان فجهز ولده أبا زيان (١) فى خمسة آلاف مقاتل، فعبر البحر من قصر المجاز (قصر مصمودة) إلى الأندلس، ونزل بثغر طريف فى شهر ذى الحجة سنة ٦٧٣ هـ (١٢٧٥ م)، ونفذ إلى أرض النصارى حتى شَريش، وعاث فيها وعاد مثقلا بالسبى والغنائم، وقدَّم إليه ابن هشام وزير ابن الأحمر ثغر الجزيرة فنزل فيه، وجاز ابن هشام إلى العدوة فلقى السلطان أبا يوسف فى معسكره على مقربة من طنجة. وكان السلطان قد استكمل أهبته، فعبر من قصر المجاز إلى الأندلس فى صفر سنة ٦٧٤ هـ (يوليه ١٢٧٥ م)، فى جيش كثيف من البربر، داعيا إلى الجهاد على سنة أسلافه المرابطين والموحدين. وكان أبو يوسف قد اشترط على ابن الأحمر حينما استنجد به، أن ينزل له عن بعض الثغور والقواعد الساحلية، لتنزل بها جنوده فى الذهاب والإياب. فنزل له عن رندة وطريف والجزيرة، ونزل أبو يوسف بجيشه فى طريف، وهرع ابن الأحمر وبنو أشقيلولة إلى لقائه، واهتزت الأندلس كلها لعبور ملك المغرب. ولكن ابن الأحمر ما لبث أن غادره مغضبا لما رأى من تدخله فى شئون الأندلس بصورة مريبة. ذلك أن بنى أشقيلولة أصهار بنى الأحمر، وفى مقدمتهم محمد بن أشقيلولة زعيم الأسرة وزوج أخت محمد بن الأحمر، وأخوه أبو الحسن زوج ابنته، كانوا يجيشون نحو عرش غرناطة بأطماع خفية. وكان أبو محمد ممتنعاً بمالقة مغاضبا لملك غرناطة حسبما قدمنا. فلما عبر أبو يوسف إلى الأندلس، سار إليه وانضوى تحت لوائه، ولم يفلح أبو يوسف فى التوفيق بين ابن الأحمر وبين أصهاره، وخشى ابن الأحمر عاقبة هذا التحالف بين أصهاره وبين أبى يوسف، فارتد إلى غرناطة حذرا متوجسا.
ونفذ السلطان أبو يوسف بجيشه إلى بسائط الفرنتيره (٢) وكانت فى يد النصارى
стр. 2574
وعاث فيها. تم توغل غازيا، ينتسف الضياع والمروج ويسبى السكان، حتى وصل إلى حصن المقورة وأبدة على مقربة من شرقى قرطبة. وعندئذ عول القشتاليون على لقائه دفاعا عن أراضيهم. وخرج القشتاليون فى جيش ضخم، تقدره الرواية الإسلامية بنحو تسعين ألف مقاتل (١)، وعلى رأسهم قائدهم الأشهر صهر ملك قشتالة الدون نونيو دى لارا، الذى تسميه الرواية الإسلامية "دونونه أو دننه أو ذنونه".
وكان أبو يوسف قد ارتد عندئذ بجيشه إلى ظاهر إستجة، ومعه حشد عظيم من الغنائم والأسرى، فأغلقت المدينة أبوابها، واستعدت للقتال، ووضع أبو يوسف الغنائم فى ناحية تحت إمرة حرس خاص حتى لا تعيق حركاته، وعقد لولده أبى يعقوب على مقدمته، وخطب جنده وحثىعلى الجهاد والموت فى سبهلي الله. ثم تاقدم لملاقاة النصارى، ومعه بعض قوات الأندلس برياسة بنى أشقيلولة. ووقع اللقاء بين المسلمين والنصارى، على مقربة من إستجة جنوب غربى قرطبة، فى اليوم الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٧٤ هـ (٩ سبتمبر ١٢٧٥ م)، فنشبت بين الفريقين معركة سريعة هائلة، هزم النصارى على أثرها هزيمة شديدة، وقتل قائدهم الدون نونيو دى لارا وعدة كبيرة منهم (٢). وكان نصراً عظيما أعاد إلى الأذهان، ذكريات موقعة الزلاَّقة وموقعة الأرك، وكان أول نصر باهر يحرزه المسلمون على النصارى، منذ موقعة العقاب، ومنذ انهيار الدولة الإسلامية بالأندلس، وسقوط قواعدها العظيمة. وتبالغ الرواية الإسلامية فى تقدير خسائر النصارى، فتقول إنه قتل منهم فى الموقعة ثمانية عشر ألفاً، جمعت رؤوسهم وأذَّن عليها المؤذن لصلاة العصر، هذا فى حين أنه وفقاً لقولها أيضاً، لم يقتل من المسلمين سوى أربعة وعشرين رجلا (٣).
وبعث السلطان أبو يوسف برأس دون نونيو إلى ابن الأحمر، فقيل إنه بعثها بدوره إلى ملك قشتالة مضمخة بالطيب، مصانعة له وتوددا إليه. وكتب أبو يوسف إلى العُدوة رسالة يشرح فيها حوادث الموقعة، وما انتهت إليه من نصر باهر، فقرئت على المنابر، وكتب رسالة مماثلة إلى ابن الأحمر، فرد عليه بالشكر والدعاء. ورفع
стр. 2575
ابن أشقيلولة إلى أمير المسلمين أبى يوسف، قصيدة يهنئه فيها بالنصر جاء فيها:
هبت بنصركم الرياح الأربع ... وسرت بسعدكم النجوم الطلع
وأتت لنصركم الملائك سيفا ... حتى أضاق بها الفضاء الأوسع
واستبشر الفلك الأثير تيقنا ... أن الأمور إلى مرادك ترجع
وأمدك الرحمن بالفتح الذى ... ملأ البسيطة نوره المتشعشع
ولبث أبو يوسف بالجزيرة الخضراء بضعة أسابيع، قسمت فيها الغنائم واستراحت الجند. ثم خرج للمرة الثانية فى جمادى الأولى سنة ٦٧٤ هـ، وتوغل غازيا فى أراضى قشتالة حتى وصل إلى أحواز إشبيلية؛ فأغلقت المدينة أبوابها. وعاث أبو يوسف فى تلك الأنحاء، ثم سار إلى شَريش فضرب حولها الحصار، فخرج إليه زعماء المدينة ورهبانها وطلبوا إليه الأمان والصلح، فأجابهم إلى طلبهم وعاد إلى قواعده مثقلا بالغنائم والسبى. وقضى بضعة أسابيع أخرى بالجزيرة الخضراء، ثم عبر البحر إلى المغرب فى أواخر شهر رجب ٦٧٤ هـ، بعد أن قضى بالأندلس زهاء خمسة أشهر.
على أن هذا النصر الباهر، الذى أحرزه السلطان أبو يوسف المرينى على النصارى، لم يحدث أثره المنشود فى بلاط الأندلس. ذلك أن محمد بن الأحمر، جنح إلى الارتياب فى نيات ملك المغرب، وخصوصاً مذ أسبغ السلطان حمايته على بنى أشقيلولة، وغيرهم من الخوارج على ملك غرناطة، ومثلت بذهنه مأساة الطوائف وغدر المرابطين بهم (١). وبعث ابن الأحمر إلى السلطان قبيل مغادرته الجزيرة، يعاتبه على تصرفه فى حقه بقصائد مؤثرة يستعطفه فيها ويستنصره، والسلطان يجيبه عنها بقصائد مثلها. ومن ذلك قصيدة من نظم أبى عمران بن المرابط كاتب ابن الأحمر هذا مطلعها:
هل من معينى فى الهوى أو منجدى ... من متهم فى الأرض أو من منجد
هذا الهوى داع فهل من مسعف ... بإجابة وإنابة أو مسعد
ومنها فى الاستغاثة:
أفلا تذوب قلوبكم إخواننا ... مما دهانا من ردًى أو من ردى
أفلا تراعون الأذمة بيننا ... من حرمة ومحبة وتودد
أكذا يعيث الروم فى إخوانكم ... وسيوفكم للثار لم تتقلد
стр. 2576
يا حسرتى لحمية الإسلام قد ... خمدت وكانت من قبل ذا تتوقد
أبنى مرين أنتم جيراننا ... وأحق من فى صرخة بهم ابتدى
أبنى مرين والقبائل كلها ... فى المغرب الأدنى لنا والأبعد
كتب الجهاد عليكم فتبادروا ... منه إلى القرض الأحق الأوكد
أنتم جيوش الله ملىء فضائه ... تأسون للدين الغريب المفرد (١).
وفى أوائل سنة ٦٧٦ هـ توفى أبو محمد بن أشقيلولة صاحب مالقة، فعبر ولده محمد إلى المغرب ونزل عنها للسلطان، فبعث إليها السلطان حاكما من قبله، فزاد ذلك فى توجس ابن الأحمر، وأرسل وزيره أبا سلطان عزيز الدانى فى بعض قواته إلى مالقة، ليحاول الاستيلاء عليها، فلم يوفق. ولم تمض أشهر قلائل على ذلك حتى عبر السلطان أبو يوسف المنصور البحر إلى الأندلس للمرة الثانية فى سنة ٦٧٧ هـ (١٢٧٨ م)، ونزل بمالقة فاحتفل به أهلها، ثم توغل بجيشه فى أرض النصارى يعيث فيها، ومعه بنو أشقيلولة فى جندهم، حتى أحواز إشبيلية. واجتنب القشتاليون لقاءه. ثم دعا ابن الأحمر إلى لقائه، فوافاه عند قرطبة والريب يملأ نفسه، وتبادل الملكان عبارات العتاب والتعاطف، ولكن ابن الأحمر لم تطمئن نفسه، وعاد السلطان إلى المغرب دون أن تصفو القلوب.
وزاد توجس ابن الأحمر لحوادث مالقة وانحيازها إلى السلطان، وجال بخاطره أن التفاهم مع ملك قشتالة خير وأبقى. وفى أواخر سنة ٦٧٧ هـ استطاع ابن الأحمر أن يستولى أخيراً على مالقة. وذلك بإغراء صاحبها بالنزول عنها، والاستعاضة بالمنكَّب وشلوبانية (٢). ثم سعى إلى التفاهم مع ملك قشتالة والتحالف معه، على منع السلطان المنصور من العبور إلى الأندلس. ونزلت القوات القشتالية بالفعل فى الجزيرة. وكاتب ابن الأحمر أيضاً الأمير يَغْمُراسن ملك المغرب الأوسط، وخصم السلطان المنصور، يسأله العون والتحالف. وعلم المنصور بذلك فأراد العبور توا إلى
стр. 2577
الأندلس، ولكن عاقته حوادث المغرب حينا. وفى أوائل سنة ٦٧٨ هـ (١٢٧٩ م) بعث ولده الأمير أبا يعقوب إلى الأندلس فى أسطول ضخم، ونشبت بينه وبين أسطول النصارى المرابط شرق المضيق معركة هائلة، هزم النصارى على أثرها واستولى المسلمون على سفنهم، ونزلوا بالجزيرة، فغادرها النصارى فى الحال.
وأراد الأمير أبو يعقوب أن يتبع نصره، بعقد الصلح مع ملك قشتالة والتحالف معه على قتال ابن الأحمر ومهاجمة غرناطة، فأنكر عليه أبوه السلطان ذلك، ثم زحف جند المغرب على ثغر مربلَّة، وهو من أملاك ابن الأحمر تريد الاستيلاء عليه، فامتنع عليهم. وانتهز القشتاليون تلك الفرصة، فزحفوا على غرناطة ومعهم بنو أشقيلولة، فلقيهم ابن الأحمر وردهم على أعقابهم (٦٧٩ هـ). بيد أنه بالرغم من هذا النصر المؤقت أخذ يشعر بدقة موقفه، وخطورة القوى التى يواجهها، سواء من جانب القشتاليين، أو من جانب الجيوش المغربية، التى استدعيت فى الأصل لتكون له سنداً وغوثاً، فانقلبت إلى مناوأته وقتاله. ومن جهة أخرى فقد كان السلطان المنصور يخشى عاقبة هذا التصرف على مصير المسلمين؛ وعلى ذلك فقد بعث إلى ابن الأحمر فى وجوب عقد المودة والتفاهم، فلقى لديه مثل رغبته، وبادر السلطان إلى عقد أواصر الصلح والتحالف بين المسلمين، على أن ينزل ابن الأحمر عن مالقة للسلطان المنصور، لتكون له قاعدة للعبور والغزو.
وصفا جو العلائق على أثر ذلك بين ابن الأحمر وبنى مرين، وشغل السلطان المنصور حينا بمحاربة الخوارج عليه.
...
ولم يمض قليل على ذلك، حتى عادت شئون الأندلس تستغرق اهتمام المنصور؛ وكانت شئون الأندلس قد غدت فى الواقع عنصراً بارزا فى سياسة بنى مرين، وكانت مملكة غرناطة حتى فى ذلك الوقت الذى انكمشت فيه الدولة الإسلامية فى الأندلس، تلعب دورها فى شئون اسبانيا النصرانية كلما اضطربت فيها الحوادث. ولما سطع نجم الدولة المرينية فيما وراء البحر، اتجه إليها اهتمام النصارى، وكانت كلما وقعت فى قشتالة حرب أهلية، لجأ هذا الفريق أو ذاك إلى مؤازرة غرناطة أو بنى مرين، على غرار ما كان يحدث فى الماضى. ومن ذلك ما حدث فى سنة ٦٦٩ هـ (١٢٧٠ م) من خروج الإنفانت فيليب على أخيه ألفونسو العاشر مع جماعة من النبلاء، والتجائهم إلى السلطان المنصور فى طلب العون واستجابته
стр. 2578
لدعوتهم، واتخاذهم غرناطة قاعدة لجنودهم. وكادت تنشب من جراء ذلك حرب بين المسلمين والنصارى، لولا تدخل فيولا ملكة قشتالة، واسترضائها للخوارج بمختلف المنح. ولابد لنا أن نذكر هنا أن ألفونسو العاشر ملك قشتالة هذا، هو ألفونسو العالم أو الحكيم El Sabio، وكانت له صلات وثيقة بعلماء الأندلس، ومنهم تلقى الكثير وتأثر بمناهجهم فى التفكير والدرس. وقد وضع ألفونسو جداوله الفلكية الشهيرة المسماة بالجداول "الألفونسية"، على يد جماعة من العلماء المسلمين واليهود
صورة: الملك ألفونسو العالم
والنصارى، كما وضع تاريخاً عنوانه Cronica General de Espana " تاريخ اسبانيا العام" وقد اعتمد فيه على مصادر عربية كثيرة. ومع أنه لا يخلو من كثير من الأساطير والروايات المغرقة، فإنه يعتبر من أهم مصادر التاريخ الإسبانى فى العصور الوسطى. وكان ألفونسو العاشر يحب جيرانه المسلمين، ويقدر علمهم ورفيع ثقافتهم، وكان هذا من أسباب السخط عليه فى مملكته. وكان من جراء اشتغاله بالعلوم والآداب، فى عصر لا تنهض الممالك فيه إلا بالحرب والسياسة، أن اضطربت شئون المملكة.
стр. 2579
وفى سنة ١٢٨٢ م (أوائل ٦٨١ هـ) ثار عليه ولده سانشو وآزره معظم النبلاء، واستطاع أن ينتزع العرش لنفسه. فاتجه أبوه الملك المخلوع إلى السلطان أبى يوسف المنصور، وأرسل إليه بالمغرب وفدا من الأحبار يستمد منه الغوث والعون ضد ولده. فاستجاب السلطان لصريخه، وعبر البحر فى قواته إلى الأندلس فى ربيع الثانى سنة ٦٨١ هـ، وهرع ألفونسو إلى لقائه بمحلته بالجزيرة على مقربة من رندة، مستجيراً به، ملتمساً لنصرته، وقدم إليه تاجه رهنا لمعونته. فأمده السلطان بمائة ألف من الذهب، ليستعين بها على حشد الجند. قال ابن خلدون، وقد رأى هذا التاج ببلاط بنى مرين أيام أن كان فى خدمتهم: "وبقى بيدهم فخراً للأعقاب لهذا العهد" (١). وغزا أبو يوسف أراضى قشتالة وحاصر قرطبة، ثم زحف على طليطلة، وعاث فى نواحيها، ووصل فى زحفه إلى حصن مجريط (٢). وتحاشى ابن الأحمر فى البداية لقاء السلطان لفتور العلائق بينهما، ولتوجسه من محالفته لألفونسو، ورأى من جانبه أن يتفاهم مع سانشو ملك قشتالة الجديد، وزحف على المنكَّب وهى من الثغور التى تحتلها قوات المغرب، فغضب السلطان وارتد لقتاله. وكادت تنشب بين الملكين المسلمين فتنة مستطيرة، لولا أن خشى ابن الأحمر العاقبة، وعاد إلى التفاهم مع المنصور، وصفا الجو بينهما نوعا. وعاث المنصور فى أراضى قشتالة مرة أخرى، وغص جيشه بالسبى والغنائم، ثم عاد إلى المغرب بعد أن ولّى على الجزيرة حاكما من قبله.
واستمرت الحرب الأهلية أثناء ذلك فى قشتالة بين الإبن والأب، ولبث هذا النضال الدموى زهاء عامين، حتى توفى ألفونسو العاشر طريداً مهزوما فى سنة ١٢٨٤ م (٦٨٣ هـ)، فكان لوفاته وقع عميق فى غرناطة والمغرب، وأرسل كل من الملكين المسلمين عزاءه فى الملك العالم المنكود إلى بلاط قشتالة. وكان موقف المملكتين الإسلاميتين غريباً إزاء حوادث قشتالة، إذ كان ملك المغرب يؤازر الملك المخلوع، وكان ملك غرناطة بالرغم من عطفه على ألفونسو العاشر، يؤازر ولده الخارج عليه. والحقيقة أن ابن الأحمر كان يشهد تقاطر الجيوش البربرية إلى
стр. 2580
الجزيرة الخضراء بعين الجزع، ويتوجس شراً من وجودهم بها، وقد كانوا يحتلون معاقلها وثغورها، ويظاهرون الخوارج عليه فى مالقة والمنكب وغيرهما من القواعد الجنوبية، وكان يتوقع أسوأ العواقب من تدخل ملك المغرب فى شئون الأندلس على هذا النحو، وكان مثل المرابطين ومأساة الطوائف عبرة خالدة. تساوره دائماً، وتذكى جزعه. على أن موت ألفونسو العاشر، وانتهاء الحرب الأهلية فى قشتالة، خفف من هذا التوتر بين المملكتين. وكان ابن الأحمر يذكر فى الوقت نفسه، غدر ملك قشتالة، وخطر النصارى على مملكته، فيجنح بعد التأمل إلى إيثار التفاهم مع ملك المسلمين.
وفى صفر سنة ٦٨٤ هـ (١٢٨٥ م) عبر السلطان المنصور إلى الأندلس للمرة الرابعة، وزحف على أراضى النصارى، وغزا مدينة شَريش؛ وسار ولده أبو يعقوب إلى أحواز إشبيلية فعاث فيها. ثم زحف المنصور على قرمونة والوادى الكبير، وخرب جنده بسائط إشبيلية ولبلة وإستجة والفرنتيره. وسُرّ ابن الأحمر لاجتياح أراضى قشتالة على هذا النحو، وبعث إلى السلطان مددا من غرناطة، وجاءت الأساطيل المغربية، فطاردت أساطيل العدو فى مياه المضيق واحتلته، ورأى سانشو ملك قشتالة تفاقم الأمر وعقم المقاومة، فجنح إلى طلب السلم، وبعث إلى السلطان وفداً من الأحبار يطلب الصلح، ويفوض السلطان فى اشتراط ما يراه، فاستجاب السلطان لرغبتهم، واشترط عليهم مسالمة المسلمين كافة، وأن يمتنع النصارى عن كل اعتداء على الأندلس، وعلى أراضى المسلمين ومرافقهم، وأن ترفع الضريبة عن التجار المسلمين بدار الحرب (بلاد الأعداء)، وأن تنبذ قشتالة سياسة الدس بين الأمراء المسلمين، فقبل النصارى جميع الشروط المطلوبة، وتعهدوا بتنفيذها. وقدم سانشو بنفسه إلى معسكر السلطان، فاستقبله المنصور بحفاوة، وقدم إليه طائفة من الهدايا، وتعهد سانشو بتحقيق شروط الصلح كاملة.
وسأله السلطان أن يرسل إليه قدراً من الكتب العربية، التى استولى عليها النصارى من القواعد الأندلسية، فأرسل إليه "ثلاثة عشر حملا" منها، وأرسلها السلطان إلى فاس، فكانت نواة المكتبة السلطانية. واتخذ المنصور أهباته الأخيرة نحو شئون الأندلس، وندب ابنه الأمير أبا زيان للنظر على الثغور الأندلسية، وأوصاه بألا يتدخل فى شئون ابن الأحمر. وكان من آثار التفاهم بين ابن الأحمر والمنصور، أن أفسح ابن الأحمر لقرابة السلطان من بنى مرين النازحين إلى الأندلس مجال
стр. 2581
السلطان والنفوذ فى بلاطه. وكان عدة من هؤلاء من خاصة الفرسان ومشاهير الغزاة، فأسند ابن الأحمر إليهم رياسة الجند فى منصب عرف فى الخطط الغرناطية "بمشيخة الغزاة"، ويحتله بالأخص رئيس من بنى العلاء المرينيين يسمى "شيخ الغزاة"، وتولى بنو العلاء قيادة الجيوش الأندلسية عصراً، وكانت لهم فى ميدان الحرب والجهاد مواقف مشكورة (١).
ولابد لنا أن نذكر كلمة عن أصل مشيخة الغزاة هذه، التى لبثت عصراً أهم المناصب العسكرية فى مملكة غرناطة، ولبثت فى الوقت نفسه دهراً وقفاً على القادة من بنى مرين. وذلك أنه لما اتجه بنو الأحمر إلى الاستنجاد بإخوانهم فيما وراء البحر، ملوك بنى مرين، جريا على سنة الأندلس القديمة منذ عهد المرابطين، استجاب لندائهم عاهل بنى مرين السلطان أبو يوسف بن عبد الحق، وعبرت إلى الأندلس النجدات المرينية الأولى بقيادة أبى معرف محمد بن إدريس بن عبد الحق وأخيه عامر، وهما من خاصة قرابة السلطان، وانتزعت مدينة شريش من النصارى، وذلك حسبما تقدم ذكره. وكان السلطان أبو يوسف يخشى من انتقاض فريق من القرابة وأبناء العمومة، تجديداً للخصومة القديمة بين فرعى بنى مرين الملكيين، وهما بنو عسكر وبنو حمامة، فلم يجد خيراً من إرسال من يخشى بأسهم من هؤلاء إلى الأندلس باسم الجهاد، وكان ابن الأحمر يستقبلهم بترحاب ومودة، فاجتمع لديه عدة من أولاد بنى عبد الحق؛ وكان ابن الأحمر يستقبلهم بترحاب ومودة، فاجتمع المجاهدين من زناتة، وبنى مرين. وكان أول من عقد له القيادة منهم، موسى ابن رحُّو، ثم عقد لأخيه عبد الحق، ثم لغيرهما من القرابة (٢) وكان أول من استعملهم لقيادة الغزاة على هذا النحو السلطان محمد بن الأحمر الملقب بالفقيه. تم توالى عبور هؤلاء القادة إلى الأندلس. وكان معظمهم من قرابة السلطان والخارجين عليه. وكان فى مقدمة من نزح إلى شبه الجزيرة، أبو العلاء ورحُّو ابنا عبد الحق، وأولاد أبى يحيى بن عبد الحق وأولاد عثمان بن عبد الحق. واستقروا جميعاً بالأندلس فى كنف سلطان غرناطة، وكانوا يرجعون فى رياستهم إلى كبيرهم عبد الله بن أبى العلاء. وعقد له ابن الأحمر محمد الفقيه على جند زناتة إلى أن هلك فى إحدى الغزوات ضد النصارى وذلك فى سنة ٦٩٣ هـ، ثم عقد ابن الأحمر،
стр. 2582
السلطان أبو عبد الله المخلوع، القيادة لأخيه عثمان بن أبى العلاء على حامية مالقة وغربيها، وكانت لنظر الرئيس أبى سعيد فرج بن إسماعيل. فلبث فى منصبه إلى أن وقع الخلاف بين سلطان غرناطة وسلطان المغرب أبى يوسف المرينى، وقام عثمان بن أبى العلاء فى ذلك بدور كبير، سوف نأتى على تفاصيله فى موضعه (١).
وقفل السلطان المنصور راجعاً إلى الجزيرة ليستجم ثم يعود إلى المغرب، ولكن لم تمض أشهر قلائل حتى أدركه المرض، وتوفى بالجزيرة فى المحرم سنة ٦٨٥ هـ (مارس سنة ١٢٨٥ م)، بعد حياة حافلة بصنوف الجهاد المستمر، سواء بالمغرب أو الأندلس.
وكان السلطان أبو يوسف المنصور من أعظم ملوك المغرب قاطبة، وكان يعيد بشغفه بالجهاد، ووفرة جيوشه وأهبته الحربية، ذكرى أسلافه العظام، من أمثال يوسف بن تاشفين، وعبد المؤمن، ويعقوب المنصور. وقد وصفه مؤرخ معاصر فيما يلى: "أبيض اللون، تام القد، معتدل الجسم، حسن الوجه، واسع المنكبين، كامل اللحية، معتدلها، أشيب، كأن لحيته من بياضها قطعة ثلج، سمح الوجه، كريم اللقاء، شديد الصفح، كثير العفو، حليما، متواضعا شفيعاً كريماً، سمحاً، جواداً، مظفراً، منصور الراية" (٢).
...
فخلفه على عرش المغرب ولده الأمير أبو يعقوب، وكان مثل أبيه معنياً بشئون الأندلس خبيراً بها. واستمرت علائق بلاط غرناطة وبنى مرين أعواماً أخرى على حالها من المودة والصفاء، وزادت توطيداً حينما قبل سلطان المغرب، أن ينزل لابن الأحمر طوعاً عن وادى آش. وذلك أن محمداً الفقيه كان قد عين صهره أبا إسحاق ابن أبى الحسن بن أشقيلولة حاكماً على قُمارش ووادى آش، فلما توفى أبو إسحاق سنة ٦٨٢ هـ استرد ابن الأحمر قمارش، وخرج عليه أبو الحسن ولد أبى إسحاق فى وادى آش، وتحالف أولا مع قشتالة، فلما عقد السلم بين المسلمين والنصارى، أعلن أبو الحسن انضواءه تحت لواء ملك المغرب، وأغضى ابن الأحمر حيناً عن تصرفه. فلما اتصلت وشائج المودة من جديد، بينه وبين السلطان أبى يعقوب، سأله التنازل عن وادى آش، فأجابه إلى سؤله، ورحل عنها الثائر أبو الحسن إلى المغرب
стр. 2583
ملتجئاً إلى بلاط فاس. وبذا استطاع ابن الأحمر أن يبسط سلطانه على الأندلس كلها (١).
وفى أوائل سنة ٦٩٠ هـ (١٢٩١ م) أغار سانشو ملك قشتالة على الثغور الأندلسية ناكثاً لعهده، فأرسل السلطان أبو يعقوب إلى قائده على الثغور أن يغزو شريش وأرض النصارى، فزحف عليها وعاث فيها. وأعلن أبو يعقوب الجهاد، وتقاطرت بعوث المجاهدين إلى الأندلس، فبعث سانشو أسطوله إلى مياه المضيق ليحول دون وصول الأمداد، فبعث السلطان أسطوله لمهاجمة السفن القشتالية، ونشبت بين المسلمين والنصارى معركة بحرية هزم فيها المسلمون (أغسطس سنة ١٢٩١ م). ولكن هذه الهزيمة لم تثن ملك المغرب عن عزمه، فبعث أسطولا آخر لمقاتلة النصارى، وانسحب النصارى هذه المرة. وعبر السل طان أبو يعقوب إلى الأندلس فى قواته فى رمضان سنة ٦٩٠ هـ، واقتحم أرض النصارى، وغزا شَريش ووصل فى زحفه حتى أحواز إشبيلية وعاث فيها، ثم عاد إلى الجزيرة، وارتد عائداً إلى المغرب فى أوائل سنة ٦٩١ هـ.
وتوجس ملك قشتالة من مشاريع سلطان المغرب، فسعى إلى محالفة ابن الأحمر وحذره من نيات المغاربة، واستيلائهم على الثغور الأندلسية، ولاسيما ثغر طريف مدخل الجزيرة، وتفاهم الملكان على انتزاع هذا الثغر من المغاربة، واشترط ابن الأحمر أن تسلم إليه طريف عقب انتزاعها. وسير سانشو أسطوله إلى مياه المضيق ليحاصر طريف من ناحية البحر، وليحول دون وصول الأمداد إليها. وعسكر ابن الأحمر فى قواته بمالقة على مقربة منها، يعاون النصارى بالأمداد والمؤن، وصمدت حامية طريف أربعة أشهر، ولكنها اضطرت فى النهاية إلى التسليم للنصارى (سبتمبر سنة ١٢٩٢ م). وهنا طالب ابن الأحمر سانشو بتسليمها فأبى وأعرض عنه، مع أنه نزل له مقابلها عن عدد من الحصون الهامة؛ فأدرك ملك غرناطة عندئذ خطأه فى الركون إلى وعود ملك قشتالة، وفى مغاضبة ملك المغرب حليفه الطبيعى، وسنده المخلص فى رد عدوان النصارى.
وعاد ابن الأحمر يخطب ود بنى مرين مرة أخرى، وأوفد ابن عمه الرئيس أبا سعيد فرج بن إسماعيل ووزيره أبا سلطان عزيز الدانى على رأس وفد من كبراء الأندلس، إلى السلطان أبى يعقوب فى طلب المودة، وتجديد العهد، والاعتذار عن مسلكه فى شأن طريف، فأكرم السلطان وفادتهم، وأجابهم إلى طلب الصلح،
стр. 2584
ولما عاد الوفد إلى غرناطة، سُر ابن الأحمر من كرم السلطان ونبل مسلكه، واعتزم الرحلة للقائه بنفسه، وتأكيد المودة والاعتذار، فعبر البحر إلى العدوة فى أواخر سنة ٦٩٢ هـ (١٢٩٢ م) ومعه طائفة من الهدايا الفخمة، ونزل بطنجة حيث استقبله بعض أبناء السلطان، ثم جاء السلطان بنفسه إلى طنجة، وتلقاه بمنتهى الإكرام والحفاوة، ونزل له ابن الأحمر عن الجزيرة ورندة وأراضى الغربية، وعدة من الحصون كانت من قبل فى طاعة ملك المغرب. وعاد ابن الأحمر مغتبطاً بنجاح مهمته؛ وأرسل السلطان معه حملة لغزو طريف بقيادة وزيره عمر بن السعود، فحاصرتها حيناً ولكنها لم تظفر بافتتاحها (١).
وكان لمحمد الفقيه، بالرغم من سمته العلمية، وقائع طيبة فى ميدان الجهاد ضد النصارى. ففى المحرم سنة ٦٩٥ هـ (أواخر ١٢٩٥ م) على أثر وفاة سانشو ملك قشتالة، زحف جيشه على أراضى قشتالة، وغزا منطقة جيَّان، ونازل مدينة قيجاطة (٢) واستولى عليها، وعلى عدة من الحصون التابعة لها، وأسكن بها المسلمين. وفى صيف سنة ٦٩٩ هـ (١٢٩٩ م)، غزا أراضى قشتالة مرة أخرى، وزحف على مدينة القبذاق الواقعة جنوب غربى جيان، ودخل قصبتها وتملكها، وأسكن بها المسلمين (٣).
واستمر محمد بن محمد بن الأحمر أو محمد الفقيه فى حكم غرناطة أعواماً أخرى، وهو ثابت العهد مقيم على صداقة بنى مرين. ومما هو جدير بالذكر أنه قبيل وفاته بقليل عقد معاهدة صلح وتحالف مع ملك أراجون خايمى الثانى ضد قشتالة، وذلك تجديداً وتعديلا لمعاهدة صلح سابقة عقدت بينهما فى سنة ٦٩٥ هـ (١٢٩٩ م). وقد نص فى هذه المعاهدة الجديدة على عقد "صلح ثابت وصحبة صادقة" وأن يلتزم كل من الفريقين عدم الإضرار بالآخر على يد أحد من رعاياه، وأن تكون أراجون معادية لأعداء غرناطة سواء من المسلمين أو قشتالة، وأن يفتح بلد كل من الفريقين لمن يقصده من تجار البلد الآخر مؤمنين فى أنفسهم وأموالهم، وأخيراً يتعهد ملك غرناطة بمعاونة أراجون ضد ملك قشتالة، وألا يعقد معه صلحاً إلا
стр. 2585
صورة وثيقة التحالف والصلح المعقودة بين محمد بن الأحمر (محمد الثانى) ملك غرناطة وخايمى الثانى ملك أراجون فى ربيع الثانى سنة ٧٠١ هـ (ديسمبر ١٣٠١) ومحفوظة بدار محفوظات التاج الأرجونى ببرشلونة برقم ١٤٨.
стр. 2586
بموافقة حليفه، ويتعهد ملك أراجون لسلطان غرناطة بمثل ما تقدم، كما يتعهد السلطان بمعاونة حليفه بفرسان من عنده فى أرض مرسية إذا احتاج إلى هذا العون، وألا يعترض سلطان غرناطة على ما يأخذه ملك أراجون من أراضى قشتالة، إلا المواضع التى كانت لغرناطة، فهذه ترد إليها. وقد وقعت هذه المعاهدة فى آخر ربيع الثانى سنة ٧٠١ هـ (٣١ ديسمبر سنة ١٣٠١ م) (١)؛ ولم يمض على عقدها بضعة أشهر حتى توفى السلطان فى شعبان سنة ٧٠١ هـ (مايو سنة ١٣٠٢ م) بعد أن حكم أكثر من ثلاثين عاماً، وقد زاد ملك بنى الأحمر فى عهده توطداً واستقراراً، بالرغم مما توالى فيه من الأحداث الخطوب. وكان وزيره فى أواخر عهده الكاتب والشاعر الكبير أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكيم اللخمى وهو من مشايخ رندة، وكان من قبل من كتابه فى ديوان الإنشاء، وكان رجلا وافر العزم قوى الشكيمة، ولقب بذى الوزارتين لجمعه بين الكتابة والوزارة، وكان لحزمه وقوة نفسه أكبر أثر فى استقرار الأمور فى هذا العهد (٢).
- ٢ -
وخلف محمداً الفقيه ولده أبو عبد الله محمد الملقب بالمخلوع، وكان ضريراً، وكان ذا نباهة وعزم، عالماً شاعراً يؤثر مجالس العلماء والشعراء، ويصغى إليهم ويجزل صلاتهم، محباً للإصلاح والإنشاء. وكان بين منشآته المسجد الأعظم بالحمراء، فهو الذى أمر ببنائه على أبدع طراز، وزوده بالعمد والنقوش والثريات الفخمة؛ ولكنه لم يحسن تدبير شئون الملك والسياسة، وغلب عليه كاتبه ووزيره ووزير أبيه من قبل أبو عبد الله محمد بن الحكيم اللخمى، فاستبد بالأمر دونه وحجر عليه، فاضطربت الأمور، وأخذت عوامل الانتقاض تجتمع وتبدو فى الأفق.
وفى عهده القصير، اضطربت علائق مملكة غرناطة وبنى مرين مرة أخرى. والواقع أنه حاول فى بداية عهده، أن يعمل على إحكام المودة بينه وبين بنى مرين،
стр. 2587
فأرسل وزير أبيه أبا سلطان عزيز الدانى ووزيره ابن الحكيم إلى سلطان المغرب، ليجددا عهد المودة والصداقة، فوفدا عليه وهو بمعسكره محاصراً لتلمسان، فأكرم وفادتهما وطلب إليهما إمداده ببعض جند الأندلس الخبراء فى منازلة الحصون، فأرسلت إليه قوة منهم أدت مهمتها أحسن أداء. ولاح أن أواصر المودة أضحت أشد ما يكون توثقاً بين الفريقين، ولكن ابن الأحمر عرض له فجأة أن يعدل عن محالفة سلطان المغرب، وأن يعود إلى محالفة ملك قشتالة، فغضب السلطان أيو يعقوب لذلك، ورد جند الأندلس (٧٠٣ هـ). وبدأ ابن الأحمر أعمال العدوان، بأن أوعز إلى عمه وصهره الرئيس أبى سعيد فرج بن إسماعيل صاحب مالقة، أن يحرض أهل سبتة فى الضفة الأخرى من البحر، على خلع طاعة السلطان، واستعد ابن الأحمر فى الوقت نفسه لمحاربة السلطان، إذا عنَّ له أن يعبر إلى الأندلس، وجهز الرئيس أبو سعيد حملة بحرية فى مياه مالقة بحجة مدافعة النصارى، ثم سيرها فجأة إلى المغرب، وذلك فى شوال سنة ٧٠٥ هـ (١٣٠٦ م). وكانت الحملة بقيادة عثمان بن أبى العلاء المرينى. فاستولت على سبتة، وجاء الرئيس أبو سعيد فاستبد بأمرها، وأعلن انضواءها تحت لواء ابن الأحمر، وقبض على ابن العزفى حاكمها من قبل السلطان وآله، وأرسل إلى غرناطة. ووقف السلطان أبو يعقوب على هذه الحوادث وهو تحت أسوار تلمسان، فوجد لذلك الغدر، وبعث حملة بقيادة ولده أبى سالم إلى سبتة فحاصرها حيناً، ولكنه أخفق فى الاستيلاء عليها وارتد أدراجه، وخرج فى إثره عثمان بن أبى العلاء فى جند الأندلس، وعاث فى أحواز سبتة وما جاورها (سنة ٧٠٦ هـ).
وكان لتطور الحوادث على هذا النحو أسوأ وقع فى نفس السلطان أبى يعقوب، فاعتزم أن يسير بنفسه إلى استرداد سبتة، ولكن حدث بينما كان يجد فى الأهبة أن اغتاله كبير الخصيان، فى مؤامرة دبرها الخصيان للتخلص منه خوفاً من أن يبطش بهم، فتوفى قتيلا فى ذى القعدة سنة ٧٠٦ هـ (أبريل سنة ١٣٠٧ م)؛ ونشبت عقب مصرع السلطان حرب أهلية حول العرش بين ولديه أبى ثابت وأبى سالم، هزم فيها أبو سالم وقتل، واستقر أبو ثابت على العرش.
وفى ذلك الحين كانه عثمان بن أبى العلاء المرينى، يتوغل بجنده فى شمال المغرب، وكان هذا الجندى الجرىء يتجه بأطماعه نحو عرش المغرب، ويعتمد فى تحقيق مشروعه على أنه سليل بنى مرين. ولما توغل بجنده جنوبا، دعا لنفسه بالملك
стр. 2588
واستولى على بعض الحصون، وأيدته بعض القبائل، وهزم عساكر السلطان أبى يعقوب حينما تصدت لوقفه وانتهز فرصة مصرع السلطان ونشوب الحرب الأهلية بين ولديه، فزاد إقداما وتوغلا واستفحل أمره، ولاح الخطر يهدد ملك بنى مرين.
وما كاد السلطان أبو ثابت يستقر فى عرش أبيه، حتى اعتزم أمره للقضاء على تلك الحركة الخطيرة، واسترداد سبتة، فسار إلى الشمال على رأس جيش ضخم فى شهر ذى الحجة سنة ٧٠٧ هـ، ولما شعر عثمان بن أبى العلاء بوفرة قوته وأهبته، بادر بالفرار مع جنده خشية لقائه، وزحف السلطان على الحصون الخارجة عليه فأثخن فيها واستولى عليها، ثم سار إلى طنجة؛ وامتنع عثمان بن أبى العلاء بقواته فى سبتة، فسار إليها السلطان وضرب حولها الحصار الصارم، وأمر ببناء بلدة تيطاوين (تطوان) لنزول عسكره، ولكنه مرض أثناء ذلك وتوفى فى صفر سنة ٧٠٨ هـ (يوليه سنة ١٣٠٨ م) (١).
فخلفه فى الملك أخوه السلطان سليمان أبو الربيع، وارتد بالجيش إلى فاس تاركا سبتة لمصيرها. فخرج فى أثره عثمان بن أبى العلاء فى قواته، ونشبت بين الفريقين معركة هزم فيها عثمان، وقتل من الأندلسيين عدد جم، وخشى عثمان العاقبة فعاد مع آله إلى الأندلس ولحق بغرناطة، وتابع السلطان أبو الربيع سيره إلى فاس واستقام له الأمر.
ولم تمض على ذلك أشهر قلائل حتى وقعت بالأندلس حوادث هامة. ذلك أن عوامل الإنتقاض التى لبثت بضعة أعوام تعمل عملها فى ظل محمد المخلوع، تمخضت فى النهاية عن نشوب الثورة. وكان مدبرها ومثير ضرامها أخوه أبو الجيوش نصر بن محمد الفقيه، ومن ورائه رهط من أكابر الدولة، سئموا نظام الطغيان الذى فرضه محمد المخلوع ووزيره ابن الحكيم. واضطرمت الثورة فى يوم عيد الفطر سنة ٧٠٨ هـ (أوائل سنة ١٣٠٩ م). ووثب الخوارج بالوزير ابن الحكيم فقتلوه، واعتقلوا السلطان محمداً، وأرغموه على التنازل عن العرش. وتربع أخوه نصر مكانه فى الملك، ونفى السلطان المخلوع إلى حصن المنكَّب، حيث قضى خمسة أعوام فى أصفاد الأسر، ثم أعيد بعد ذلك مريضاً إلى غرناطة حيث توفى فى سنة ٧١٣ هـ (٢).
ووقف سلطان المغرب على حوادث الأندلس؛ وبلغه أن أهل سبتة قد سئموا
стр. 2589
نير الأندلسيين، فبعث إليها حملة بقيادة تاشفين بن يعقوب، فلما وصلت إليها ثار أهل البلد، وطردوا منها جند ابن الأحمر وعماله، ودخلتها فى الحال جند المغرب واستولوا عليها، وذلك فى شهر صفر سنة ٧٠٩ هـ (يوليه ١٣٠٩ م).
واغتبط السلطان لانتهاء هذه المغامرة التى شغلت بنى مرين بضعة أعوام.
وكان سلطان غرناطة الجديد يوم جلوسه فتى فى الثالثة والعشرين من عمره، وكان ولوعاً بالأبهة والمظاهر الملوكية. وكان فى الوقت نفسه أديباً عالماً بارعاً فى الرياضة والفلك، وقد وضع جداول فلكية قيمة. ولكنه لم يحسن السيرة، ولم يوفق فى تدبير الأمور. وسرعان ما سخط عليه الشعب كما سخط على أخيه من قبل. فاضطربت الأحوال، وتوالت الأزمات، وكانت حوادث سبتة نذيراً بتفاقم التوتر بين بلاط غرناطة وبلاط فاس. ومن جهة أخرى فقد ساءت العلائق بين غرناطة وقشتالة، وانتهز القشتاليون كعادتهم فرصة اضطراب الأحوال فى غرناطة، فغزوا أرض المسلمين فى أوائل سنة ٧٠٩ هـ (١٣٠٩ م)، ووضع فرناندو الرابع ملك قشتالة مشروعا جريئاً للاستيلاء على جبل طارق. وكانت الأمداد المغربية قد انقطعت منذ استولى النصارى على طريف، وشغل بنو مرين بالحوادث، والثورات الداخلية، وساءت علائقهم ببنى الأحمر. ورأى فرناندو الرابع أن الفرصة سانحة ليضرب ضربته المفاجئة، فغزا الجزيرة الخضراء، وبعث أسطوله لحصار جبل طارق من البحر، وأوعز فى الوقت نفسه إلى خايمى ملك أراجون أن يحاصر ثغر ألمرية لكى يشغل قوات الأندلس فاستجاب لتحريضه، وذلك بالرغم من معاهدة التحالف والصداقة التى كانت تربطه بسلطان غرناطة. وبدأ حصار ألمرية وجبل طارق فى وقت واحد فى أوائل سنة ٧٠٩ هـ، وبذل النصارى للاستيلاء على ألمرية جهوداً فادحة، ونصبوا على أسوارها الآلات الضخمة، وحفروا فى أسفل السور نفقاً واسعاً لدخولها، فلقيهم المسلمون تحت الأرض وردوهم بخسارة فادحة؛ ونشبت على مقربة من ألمرية معركة بين جند الأندلس بقيادة عثمان بن أبى العلاء وجند أراجون، فهزم النصارى واضطروا إلى رفع الحصار، ونجت ألمرية من خطر السقوط (١). ولكن ثغر جبل طارق كان أسوأ طالعا. فقد شدد النصارى حوله الحصار من البر والبحر، وبالرغم من هزيمتهم أمام المسلمين على مقربة من جبل طارق، فقد لبثوا على حصاره بضعة أشهر حتى
стр. 2590
أضنى الحصار المسلمين وأرغموا على التسليم. وسقط الثغر المنيع فى يد النصارى فى أواخر سنة ٧٠٩ هـ (مارس سنة ١٣١٠ م) فكان لسقوطه وقع عميق فى الأندلس والمغرب معا؛ فقد كان باب الأندلس من الجنوب، وكان صلة الوصل المباشر بين المملكتين الإسلاميتين.
وأدرك ابن الأحمر على أثر هذه النكبة، فداحة الخطأ الذى ارتكبه بمجافاة بنى مرين، فبادر بإرسال رسله إلى السلطان أبى الربيع يبدى أسفه على ما سلف، ويسأله الصفح والصلح؛ فأجابه السلطان إلى طلبه، ونزل ابن الأحمر للسلطان عن الجزيرة ورندة وحصونها ترضية له وترغيباً فى الجهاد، واقترن بأخت السلطان توثيقاً لوشائج المودة، وأرسل السلطان إليه المدد والأموال، وعادت علائق التفاهم والتحالف بين غرناطة وفاس إلى سابق عهدها.
على أن هذا التحسن فى علائق المملكتين الإسلاميتين، لم يثن النصارى عن مشاريعهم تجاه غرناطة. ذلك أن الجيوش المغربية لم تعد تعبر إلى الجزيرة بكثرة. وكانت أحوال المغرب تعوق بنى مرين عن استئناف الجهاد فى الأندلس على نطاق واسع، وكانت أحوال غرناطة، من جهة أخرى تشجع النصارى على التحرش بها والإغارة على أراضيها. ولما رأى السلطان نصر تفاقم الأمور واشتداد بأس النصارى، لم ير وسيلة لاجتناب الخطر الذى يهدده سوى مصانعة فرناندو الرابع ملك قشتالة والتعهد له بأداء الجزية. وكان ذلك مما زاد فى سوء سيرته وفى سخط الشعب عليه. ولم تلبث أعراض الثورة أن ظهرت فى الجنوب حيث أعلن الرئيس أبو سعيد فرج بن إسماعيل النصرى صاحب مالقة وابن عم أبى السلطان، الخروج والعصيان. ورشح الخوارج للملك مكان نصر، أبا الوليد اسماعيل وهو حفيد لإسماعيل أخى محمد بن الأحمر رأس الأسرة النصرية. ولم يمض سوى قليل حتى استطاع أبو سعيد وشيعته التغلب على ألمرية وبلّش وغيرهما من القواعد الجنوبية. وفى أوائل سنة ٧١٢ هـ (١٣١٣ م) سار فى قواته إلى غرناطة، وهرع السلطان نصر إلى لقائه فكانت الهزيمة على نصر، فلجأ إلى غرناطة؛ ولكنه لم يلبث أن أذعن واضطر إلى التنازل عن العرش، وسار بأهله إلى وادى آش، وتولى حكمها حتى توفى سنة ٧٢٢ هـ (١٣٢٢ م) (١).
стр. 2591
الفصل السابع
مملكة غرناطة فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى وذروة الصراع بين بنى مرين واسبانيا النصرانية
ولاية السلطان أبى الوليد اسماعيل. زحف القشتاليين على غرناطة. هزيمتهم ومقتل أمرائهم. سوء الأحوال فى قشتالة. تجديد الصلح بين غرناطة وأراجون. غزوات المسلمين فى أراضى النصارى. مقتل السلطان إسماعيل وخلاله. ولاية ولده أبى عبد الله محمد. بطشه بوزيره ابن المحروق. الخلاف بينه وبين شيوخ الغزاة. الحاجب أبو النعيم رضوان. استنجاد ملك غرناطة بملك المغرب. أبو الحسن يرسل الأمداد مع ولده. غزو الأندلسيين للجزيرة الخضراء. حصارهم لجبل طارق واسترداده من النصارى. المؤامرة على السلطان ومصرعه. السلطان أبو الحجاج يوسف. نكبته لبنى العلاء. الحاجب رضوان وخلاله. استئثاره بالسلطة. نفيه وعوده إلى الوزارة. الوزير ابن الجياب. بداية ظهور ابن الخطيب. تحرش القشتاليين بالمسلمين. قدوم الأمداد من المغرب. هزيمة المغاربة ومقتل قائدهم. عبور السلطان أبى الحسن إلى الأندلس. موقعة سالادو وهزيمة المسلمين. سقوط طريف والجزيرة الخضراء فى يد النصارى. مسير السلطان أبى الحسن للمرة الثانية. هزيمته فى البر والبحر. تبادل المكاتبة والسفارة بين أبى الحسن وسلطان مصر. تجديد الصلح مع أراجون. الوباء الكبير. عود القشتاليين إلى الغزو. حصارهم لجبل طارق. تفشى الوباء بين النصارى ومصرع ملك قشتالة. نجاة جبل طارق. أقوال ابن الخطيب. وصف ابن بطوطة لحوادث الأندلس وأحوالها. مصرع السلطان أبى الحجاج يوسف. وصف ابن الخطيب للحادث. خلال يوسف. استعراض للعلائق بين بنى الأحمر وبنى مرين.
جلس السلطان أبو الوليد اسماعيل على عرش غرناطة فى شوال سنة ٧١٣ هـ (١٣١٤ م)، وامتاز عصره بتوطد الملك، واستقرار الأمور، وإحياء عهد الجهاد. وفى أوائل عهده غزا القشتاليون كعادتهم بسائط غرناطة واستولوا على عدة من القواعد والحصون، وهزموا المسلمين هزيمة شديدة فى وادى فرتونة (٧١٦ هـ).
ولما رأى القشتاليون نجاح غزوتهم اعتزموا منازلة الجزيرة الخضراء والاستيلاء عليها ليحولوا دون وصول الأمداد إلى المسلمين من عدوة المغرب. ولكن السلطان إسماعيل بادر إلى تحصينها وجهز الأساطيل لحمايتها من البحر، فعدل القشتاليون عن مشروعهم، وعولوا على مهاجمة الحاضرة الإسلامية ذاتها. وبادر ابن الأحمر بطلب الغوث والإمداد من السلطان أبى سعيد سلطان المغرب، فنكل عن معاونته،
стр. 2592
وطالب بتسليم عثمان بن أبى العلاء لما كان منه فى حق بنى مرين، فأبى ابن الأحمر خشية العواقب؛ وزحف القشتاليون على غرناطة بجيش ضخم، يقوده الدون بيدرو (دون بطره) والدون خوان الوصيان على ألفونسو الحادى عشر ملك قشتالة، ومعهما عدة من الأمراء القشتاليين، وفرقة من المتطوعة الإنجليز بقيادة أمير إنجليزى، فبادر المسلمون إلى لقائهم فى هضبة إلبيرة على مقربة من غرناطة. وكان الجيش الغرناطى لا يجاوز ستة أو سبعة آلاف جندى منهم نحو ألف وخمسمائة فارس، ولكنهم صفوة المقاتلة المسلمين، وكان قائده شيخ الغزاة أبو سعيد عثمان بن أبى العلاء، جنديا جريئاً وافر العزم والبسالة، فلم ترعه كثرة الجيش المهاجم، وعول فى الحال على لقائه فى معركة حاسمة. وفى ٢٠ من ربيع الثانى سنة ٧١٨ هـ (مايو سنة ١٣١٨ م) التقى فرسان الأندلس بطلائع النصارى وردوهم بخسارة فادحة. ثم زحف أبو سعيد فى نخبة من جنده، ونشبت بين الفريقين موقعة شديدة، كانت الدائرة فيها على القشتاليين، فمزقوا شر ممزق، وقتل منهم عدد جم، بينهم دون بيدرو ودون خوان، ورهط كبير من الأمراء والنبلاء والأحبار، وغرق منهم عند الفرار فى نهر شنيل عدة كبيرة، وأسر منهم بضعة آلاف، واستمر القتال والأسر فيهم ثلاثة أيام. وخرج أهل غرناطة فرحين مستبشرين، يجمعون الأسلاب والأسرى، وظفر المسلمون بغنائم عظيمة، منها مقادير كبيرة من الذهب والفضة. وكان على العموم نصراً مشهوداً أعاد ذكرى الجهاد المجيد. وكان معظم الفضل فى إحرازه يرجع إلى الجند المغاربة وإلى شيوخهم بنى العلاء الذين تزعموا الجيوش الأندلسية، وتولوا قيادتها فى تلك الفترة حسبما أسلفنا. ويعلل ابن خلدون ظهور القادة والجند المغاربة فى ميدان الجهاد بقرب عهدهم بالتقشف والبداوة. ووضع المسلمون جثة الدون بيدرو فى تابوت من ذهب على سور الحمراء تنويهاً بالنصر، وتخليداً لذكرى الموقعة (١).
والواقع أن مملكة قشتالة كانت فى أوائل القرن الرابع عشر فى حالة سيئة، وقد نفدت مواردها من الرجال والأمول، بسبب الحروب والثورات المتواصلة، والمرض والقحط، وكان إسراف البلاط وبذخ الخلائل، واختلاس الموظفين، ومطالب رجال الدين، وجشع الأشراف، تستنفد الأموال العامة، وكانت
стр. 2593
صورة معاهدة الصلح التى عقدت بين السلطان أبى الوليد اسماعيل بن فرج بن نصر ملك غرناطة، وخايمى الثانى ملك أراجون فى ربيع الثانى سنة ٧٢١ هـ (مايو ١٣٢١ م) وهى محفوظة بدار محفوظات التاج الأرجونى ببرشلونة برقم ١٥١.
стр. 2594
الإدارة المالية فى يد اليهود ورجال الكنيسة وكلاهما يناوىء الآخر، ويعمل على إحباط مساعيه؛ وكانت الوصايات المتعاقبة، وما تعمد إليه من اغتصاب الأموال، وسوء استعمال السلطة، وفساد القضاء، وتطاول الخلائل الملكية، وسحق الحقوق العامة والخاصة، وتفشى الجريمة، تثير غضب الشعب وسخطه؛ وكان اللون الصليبى للحروب الإسبانية فى ذلك العصر يوطد نفوذ جماعات الفرسان الدينية العديدة، وهى التى كانت فى الواقع توجه مصاير الحرب والسياسة، بيد أنها كانت تخفى تحت ستار الدين رذائل كثيرة من الفجور والجشع والارتشاء وغيرها (١).
وفى سنة ٧٢١ هـ (١٣٢١ م) جدد السلطان إسماعيل معاهدة الصلح مع ملك أراجون خايمى الثانى وذلك تحقيقاً لرغبته؛ ونص فى المعاهدة الجديدة على أن يعقد بين الفريقين صلح ثابت لمدة خمسة أعوام، تؤمن خلالها أرض المسلمين بالأندلس وأرض أراجون تأميناً تاماً براً وبحراً، وأن تباح التجارة لرعايا كل من الفريقين فى أرض الآخر، وأن يتعهد كل من الملكين بمعاداة من يعادى الآخر، وأن لا يأوى له عدواً أو يحميه، وأن تكون سفن كل فريق وشواطئه ومراسيه آمنة، وأن يسرح كل فريق من يؤسر فى البحر من رعايا الفريق الآخر. وتضمنت المعاهدة أيضاً نصاً خاصاً بتعهد ملك أراجون بألا يمنع خروج المدجّنين من أراضيه إلى أرض المسلمين بأهلهم وأولادهم وأموالهم، وهو نص يلفت النظر، إذ كان المدجنون فى هذا العصر يؤلفون أقليات كبيرة فى بلنسية ومرسية وشاطبة وغيرها من القواعد الشرقية، وكان ملوك أراجون يحرصون على بقائهم وعدم هجرتهم لأسباب اقتصادية وعمرانية (٢).
وعلى أثر موقعة إلبيرة تعاقبت غزوات المسلمين فى أراضى النصارى وعادت الدولة الإسلامية الفتية تجوز عهداً من القوة بعد أن لاح أنها شارفت طور الفناء.
ففى سنة ٧٢٤ هـ (١٣٢٤ م) زحف السلطان إسماعيل على مدينة بيَّاسة الحصينة وحاصرها بشدة، وأطلق المسلمون عليها الحديد والنار من آلات قاذفة تشبه المدافع حتى سلمت. وفى رجب من العام التالى (٧٢٥ هـ) سار اسماعيل إلى مرتش واستولى عليها عنوة، وكانت أعظم غزواته، وامتلأت أيدى المسلمين بالسبى والغنائم. ثم عاد السلطان إلى غرناطة مكللا بغار النصر. بيد أنه لم تمض على عوده
стр. 2595
ثلاثة أيام حتى قتل بباب قصره غيلة، وكان قاتله ابن عمه محمد بن إسماعيل صاحب الجزيرة، وقد حقد عليه لأنه انتزع منه جارية رائعة الحسن، ظفر بها فى موقعة مرتش، وبعث بها إلى حريمه بالقصر. ولما عاتبه محمد رده بجفاء وأنذره بمغادرة البلاط، فتربص به وطعنه بخنجره وهو بين وزرائه وحشمه، فحمل جريحاً حيث توفى على الأثر، وكان مصرعه فى السادس والعشرين من رجب سنة ٧٢٥ هـ (يونيه سنة ١٣٢٥ م).
وكان السلطان إسماعيل يتمتع بخلال باهرة، وكان يشتد فى إخماد البدع وإقامة الحدود. وفى عهده حرمت المسكرات وطورد الفساد الأخلاقى، وحرم جلوس الفتيات فى ولائم الرجال، وعومل اليهود بشىء من الشدة، وألزموا أن يتخذوا لهم شعاراً خاصاً بهم، وهو عبارة عن العمائم الصفراء (١).
فخلفه ولده أبو عبد الله محمد وهو فتى يافع لم يجاوز الحادية عشرة من عمره، وكانت أمه نصرانية تدعى علوة، وأخذ له البيعة وزير أبيه أبو الحسن بن مسعود، وقام بكفالته بضعة أشهر حتى توفى، ثم خلفه فى الوزارة وكيل أبيه محمد بن أحمد ابن المحروق، فاستبد بالأمور واستأثر بكل سلطة؛ فحقد عليه السلطان الفتى وكان رغم حداثته مقداما قوى النفس، ولم يلبث أن بطش بوزيره المتغلب عليه، فقتل بأمره فى المحرم سنة ٧٢٩ هـ.
وكان من أوائل أعماله تجديد معاهدة الصداقة مع أراجون، وكان ملكها خايمى الثانى قد أوفد إليه سفيره يطلب إليه تجديد معاهدة الصلح والصداقة التى عقدت بينه وبين أبيه، وانقضى أجلها المحدد بانقضاء أعوامها الخمسة، فوافق السلطان على تجديدها بسائر نصوصها وشروطها، ووقعت المعاهدة الجديدة فى جمادى الثانية سنة ٧٢٦ هـ (مايو سنة ١٣٢٦ م) (٢).
ولأول عهده نشب الخلاف بينه وبين شيوخ الغزاة المغاربة، وعلى رأسهم عثمان بن أبى العلاء، وامتنعوا ببعض الثغور الجنوبية ولاسيما ألمرية، وانضم إليهم عم السلطان، محمد بن فرج بن إسماعيل، فقاموا بدعوته، ونشبت بين الفريقين عدة مواقع محلية، كان النصر فيها سجالا بينهما. وانتهز القشتاليون كعادتهم تلك