يتجولون فى مختلف الأنحاء، لتقصى أخبار الكفرة والقبض عليهم ومعاقبتهم، وكانت تعقد لذلك مجالس كنسية مؤقتة كانت هى النواة الأولى لمحاكم التحقيق، تعمل حيث يوجد الكفرة والملاحدة، ثم تحل متى تمت مهمة مطاردتهم والقضاء عليهم.
ثم أنشئت بعد ذلك مراكز ثابتة لمحاكم التحقيق، أقيم معظمها فى أديار الآباء الدومنيكيين والفرنسيسكانيين. ولم تك ثمة فى هذه العصور سجون خاصة أو مراكز خاصة لمحاكم التحقيق، وإنما كان يتخذ من أى مكان صالح مركزاً أو سجناً. وكان الأساقفة يتولون رياسة هذه المحاكم، ولهم سلطة مطلقة. وكانت التحقيقات والمرافعات تجرى بطريقة سرية، وتصدر الأحكام على المتهمين نهائية غير قابلة للطعن. وكان يسمح للنساء والصبية والعبيد بالشهادة ضد المتهم وليس له، ويؤخذ الإعتراف من المتهم بالخديعة والتعذيب. وكان التعذيب يعتبر طبقاً للقوانين الكنسية وسيلة غير مشروعة للاعتراف، ولكن البابوية لم تجد بأساً من إقرار هذه الوسيلة. وكانت السجون التى يستعملها ديوان التحقيق مظلمة رهيبة، يموت فيها الكثيرون من المرض والآلام النفسية. وكان السجناء يصفدون عادة بالأغلال الثقيلة. وكانت العقوبات الرئيسية هى السجن المؤبد والإعدام والمصادرة. وكانت السلطات الدينية والبابوية تحصل على أوفر نصيب من الأموال المصادرة، وتحصل السلطات المدنية أيضاً على نصيبها منها. وألفى ديوان التحقيق ميداناً خصباً لنشاطه فى مطاردة الألبيين (١) وغيرهم من الملاحدة الذين ظهروا منذ أوائل القرن الثالث عشر فى جنوب فرنسا. وفى عهد لويس التاسع ملك فرنسا وضع أول قانون ينظم إجراءات هذه المحاكم الكنسية الجديدة. وكان ديوان التحقيق فى تلك العصور يصدر أيضاً أحكامه ضد الكتب المحرمة، ويأمر بإحراقها، ومن ذلك أحكام صدرت بإحراق التلمود وبعض كتب أرسطو وغيرها من كتب الفلسفة فى العهد القديم.
ثم اتسع اختصاص محاكم التحقيق بمضى الزمن، فلم تبق مهمتها قاصرة على مطاردة الكفر، والزيغ فى العقيدة، بل تعدته إلى مطاردة السحر والسحرة والعرافة والعرافين، وشبه هؤلاء بالكفرة. وجاء بعد ذلك دور اليهود، فاتهموا بسب النصرانية وأخذت عليهم مزاولة الربا، وتتبعهم ديوان التحقيق بالمطاردة والعقاب. على أن الديوان لم ينس دائماً أن مهمته الأصلية تنحصر فى مطاردة الكفر والزيغ، والمحافظة على سلامة العقيدة الكاثوليكية ونقائها.
стр. 2802
- ٢ -
تلك هى الظروف التى قامت فيها محاكم التحقيق الأولى، فى مختلف أنحاء أوربا، فى إيطاليا وألمانيا وفرنسا. ويرجع قيام ديوان التحقيق الإسبانى إلى نفس البواعث الدينية، ولكنه نشأ مع ذلك نشأة مستقلة، وأحاطت بقيامه ظروف خاصة.
وقد أنشئت محاكم التحقيق فى مملكة أراجون منذ أوائل القرن الثالث عشر، ووضعت لها فى سنة ١٢٤٢ م إجراءات جديدة، كان لها فيما بعد أكبر الأثر فى صوغ نظم ديوان التحقيق الإسبانى. وعرف هذا الديوان الأرجونى بالديوان القديم وعكف حيناً على مطاردة طوائف الألبيين، وإخماد دعوتهم فى أراجون، ولم يلبث أن غدا سلطانه، وغدت وسائله وإجراءاته مثار الرهبة والروع.
على أن هذه لم تكن سوى بداية محدودة المدى لنشاط ديوان التحقيق الإسبانى. ذلك أن ظروف اسبانيا النصرانية فى ذلك العصر، واضطرام الصراع الأخير بينها وبين اسبانيا المسلمة، ورجحان كفتها فى ميدان الحرب والسياسة، كانت كلها تذكى النزعة الصليبية، التى كانت تجيش بها اسبانيا دائماً. وكانت الأمة الأندلسية قد استحالت منذ القرن الرابع عشر، إلى طوائف كبيرة من المدجنين فى مهاد عزها القديم، فى قشتالة وأراجون، ولم تبق منها سوى بقية أخيرة تحتشد فى مملكة غرناطة الصغيرة، التى كان مصيرها المحتوم يلوح قوياً فى الأفق. وكان تفوّق اسبانيا النصرانية ونصرها المضطرد، يذكى عوامل التعصب الدينى الذى تبثه الكنيسة وترعاه، وتتخذه اسبانيا الظافرة يومئذ شعارها المفضل فى ميدان السياسة. وكانت موجة من التعصب تضطرم فى هذا الوقت بالذات، حول طوائف المتنصرين من اليهود ( Conversos) ؛ وكان أولئك المحدثون فى النصرانية، قد سما شأنهم ووصل كثير منهم إلى المناصب الكنسية الكبيرة، وإلى مجلس الملك، وتبوأوا بأموالهم ونفوذهم مكانة قوية فى الدولة والمجتمع، وكان أحبار الكنيسة ينظرون إليهم بعين الريب، ويعتبرونهم شراً من اليهود الخلص أنفسهم، ويتهمونهم بالإلحاد والزيغ، ومزاولة شعائرهم القديمة سراً. ولما تفاقم الإتهام من حولهم صدر فى سنة ١٤٦٥ م فى عهد الملك هنرى الرابع ملك قشتالة، أمر ملكى إلى الأساقفة، بالاستقصاء والبحث فى دوائرهم، وتتبع هذا اللون من المروق والزيغ ومعاقبة المارقين، وتلا ذلك موجة من الاضطهاد اتخذت صورة المحاكمات الدينية،
стр. 2803
وأحرق عدد من أولئك المتنصرين. ولكن قشتالة التى شغلت يومئذ بمشاكلها الداخلية، لم تعن بأمر المتنصرين ولم تزعجهم. وهنا تدخل البابا سكستوس الرابع، وحاول أن يدخل نظام التحقيق فى قشتالة، فأرسل إليها مبعوثاً بابوياً مزوداً بكل السلطات، للتحقيق والقبض على المارقين ومعاقبتهم. ولكن فرناندو وإيسابيلا وقفا فى وجه هذه المحاولة حرصاً على سلطانهما، وحداّ من سلطة الكنيسة، وأغضت إيسابيلا مدى حين عن تحريض الأحبار، على مطاردة الكبراء المنتمين إلى أصل يهودى إذ كانت تثق بهم وبصادق نياتهم وغيرتهم فى خدمة الدولة والعرش.
على أن هذه المقاومة لم تلبث طويلا. ذلك أن كل الظروف كانت تمهد لظفر السياسة الكنسية، فلم تلبث أن غلبت مساعى الأحبار، وقبل الملكان إنشاء ديوان التحقيق فى قشتالة، ليضطلع بمثل المهام الخطيرة التى يضطلع بها فى أراجون. وهنا يقال إن الفضل فى إقناع الملكة إيسابيلا بتحقيق هذه الفكرة يرجع إلى القس توماس دى تُركيمادا رئيس دير الآباء الدومنيكان فى سانتا كروث بشقوبية، وقد كان معترف الملكة وله عليها نفوذ قوى، فقيل إنه استطاع أن يحصل منها قبل اعتلائها العرش، على وعد بأنها متى ظفرت بالملك، فإنها تكرس حياتها لسحق الكفر وحماية الكثلكة، وأنه كان أكثر العاملين على إقناعها بالموافقة على إنشاء ديوان التحقيق. وفى سنة ١٤٧٨ أرسل فرناندو وإيسابيلا سفيرهما إلى البابا، للحصول على المرسوم البابوى، وصدر المرسوم بالفعل فى نوفمبر من هذا العام بالتصريح بإنشاء ديوان التحقيق فى قشتالة، وتعيين المحققين "لمطاردة الكفر ومحاكمة المارقين"، واتخذت الخطوة الحاسمة لتنفيذ المرسوم فى سبتمبر سنة ١٤٨٠، حيث ندب المحققون الثلاثة الأول، وأنشئت محكمة التحقيق الأولى فى إشبيلية. وهكذا بدأ ديوان التحقيق الإسبانى نشاطه المروع فى قشتالة.
- ٣ -
وبدأ الديوان أعماله فى إشبيلية بإصدار قرارات يحث فيها كل شخص أن يساعد الديوان، فى البحث عن الملحدين والكفرة، وكل من فى عقيدتهم زيغ، وفى جمع الأدلة على إدانتهم، وفى التبليغ عنهم بأية وسيلة، وانقضت العاصفة بالأخص على اليهود المتنصرين، وكانت منهم طائفة كبيرة فى إشبيلية، فلم يمض عام حتى بلغت ضحاياهم ألوفاً أحرق منهم عدد كبير، وعوقب الكثيرون بالسجن والغرامات الفادحة، والمصادرة والتجريد من الحقوق المدنية
стр. 2804
وحاول كثير من المتنصرين النجاة بالفرار إلى ضياع الأشراف، فصدر أمر ملكى بتسليم الهاربين إلى محكمة التحقيق، وهدد الأشراف بفقد وظائفهم والنفى من الكنيسة، إذا تخلوا عن تنفيذ الأمر. وحاول بعض أكابر المتنصرين فى الوقت نفسه تدبير مؤامرة، لمقاومة محكمة التحقيق والفتك بأعضائها، ولكن المؤامرة اكتشفت وقبض على كثير منهم، وقضى بإعدام البعض حرقاً، وبذا سحقت كل مقاومة لنشاط الديوان الجديد.
واتسع نشاط الديوان بسرعة، واستصدر الملكان من البابا مرسوماً بتعيين سبعة من "المحققين" الجدد (فبراير سنة ١٤٨٢)، وأنشئت على أثر ذلك محاكم التحقيق فى قرطبة وجيان وشقوبية وطليطلة وبلد الوليد، وشمل نشاط الديوان سائر أنحاء المملكة الإسبانية (قشتالة وأراجون).
وكان فرناندو وإيسابيلا يرميان إلى أن تسبغ الصفة القومية على ديوان التحقيق، وأن يكون سلطانه مستمداً من العرش، أكثر مما هو مستمد من البابوية. ولتحقيق هذه الغاية رؤى أن ينظم الديوان على أسس جديدة. وكان الديوان قد غدا فى الواقع أداة هامة مرهوبة الجانب، ولابد لهذه الأداة من سلطة عليا تقوم بالتوجيه والإرشاد.
ومن ثم فقد صدر المرسوم البابوى فى سنة ١٤٨٣ بإنشاء مجلس أعلى لديوان التحقيق ( Suprema) له اختصاص مطلق فى كل ما يتعلق بشئون الدين، ويتألف من أربعة أعضاء منهم الرئيس، وأطلق على منصب الرئيس منصب "المحقق العام" Inquisitor General، وصدر المرسوم البابوى فى أكتوبر سنة ١٤٨٣ بتعيين القس توماس دى تركيمادا معترف الملكين، فى هذا المنصب الخطير، وخول فى الوقت نفسه سلطة مطلقة فى وضع دستور جديد للديوان المقدس.
وكان تركيمادا حبراً شديد التعصب، وافر البأس والعزم، فبذل فى تنظيم الديوان وتوطيد سلطانه جهوداً عظيمة، وبث إليه روحاً من الصرامة. وكان جل غايته أن يجعل من ديوان التحقيق الإسبانى، أداة قومية تعمل وفقاً لحاجات اسبانيا، وقد وفق فى تحقيق هذه الغاية إلى أبعد حد. وبدىء بوضع دستور الديوان الجديد فى سنة ١٤٨٥، على يد جمعية من المحققين العامين عقدت فى إشبيلية، ووضعت طائفة من القرارات واللوائح، ثم عقدت بعد ذلك جمعية أخرى فى بلد الوليد سنة ١٤٨٨ ووضعت عدة لوائح جديدة، وعقدت جمعية ثالثة فى آبلة سنة ١٤٩٨.
وتولى المجلس الأعلى (السوبريما) بعد ذلك صياغة اللوائح وتنقيحها. وكان هذا
стр. 2805
التنظيم عظيم الأثر فى تطور ديوان التحقيق الإسبانى. ذلك أنه غدا من ذلك الحين محكمة قومية مستقلة، وغدا سلطة يخافها أعظم العظماء فى اسبانيا، ويرتجف لذكرها الفرد العادى، وأضحى نشاطها الرهيب، وقضاؤها المدمر، عنصراً بارزاً فى التاريخ الإسبانى، يقوم بدوره الفعال فى دفع اسبانيا إلى شفا المنحدر، الذى لبثت تتردى فى غمره زهاء ثلاثة قرون.
ولبث تُركيمادا فى منصب المحقق العام حتى توفى فى سنة ١٤٩٨. وفى عهده اشتد نشاط محاكم التحقيق واتسعت أعمالها، وكان هذا القس المتعصب بالرغم من تقشفه، يعتبر بعد العرش أعظم سلطة فى اسبانيا، ويعيش فى قصور باذخة، وله حرس كبير من الفرسان والمشاة. وكان من جراء شدته وعسفه أن ندب البابا سنة ١٤٩٤ إلى جانبه خمسة من المحققين العامين، يتمتع كل منهم بنفس سلطته. ولما توفى خلفه فى منصب المحقق العام ديجو ديسا أسقف جيان، واستمر فى منصبه حتى سنة ١٥٠٧ م.
- ٤ -
ونقدم الآن عرضاً موجزاً لإجراءات ديوان التحقيق. وسنرى أنها بأصولها وتفاصيلها، أبعد ما يكون عن مبادىء المنطق والعدالة، وأشد ما يكون عسفاً وقسوة وهمجية.
تبدأ قضايا الديوان أو محاكماته الفرعية، بالتبليغ أو ما يقوم مقامه، كورود عبارة فى قضية منظورة تلقى شبهة على أحد ما. ولا فرق بين أن يكون التبليغ مع شخص معين أو يكون غفلا. ففى الحالة الأولى يدعى المبلغ ويذكر أقواله وشهوده، وتعتبر أقوال المبلغ وشهوده "تحقيقاً تمهيدياً". كذلك يمكن التبليغ بواسطة "الإعتراف" الذى يتلقاه القسس، ولهم أن يبلغوا عما يقعون عليه من حالات الإشتباه فى العقائد، ولا توضح لهم الوقائع التى يُسئلون عنها بل يسئلون بصفة عامة، عما إذا كانوا قد رأوا أو سمعوا شيئاً يناقض الدين الكاثوليكى أو حقوق الديوان. ويقوم الديوان فى الوقت نفسه بإجراء التحريات السرية المحلية عن المبلغ ضده. ثم تعرض نتيجة التحقيق التمهيدى على " الأحبار المقررين " ليقرروا ما إذا كانت الوقائع والأقوال المنسوبة إلى المبلغ ضده تجعله مرتكباً لجريمة الكفر أو تلقى عليه فقط شبهة ارتكابها.
وقرارهم يحدد الطريقة التى تتبع فى سير القضية. ويقسم المقررون يمين الكتمان أيضاً، وكان معظم أولئك المقررين من القسس الجهلاء المتعصبين، ومن ثم فقد كانت
стр. 2806
أخلاقهم وآراؤهم، بل ذمتهم وشرفهم مثاراً للريب، وكان رأيهم الإدانة دائماً إلا فى أحوال نادرة.
وعلى أثر صدور هذا التقرير، يصدر النائب أمره بالقبض على المبلغ ضده وزجه إلى سجن الديوان السرى. وكانت سجون الديوان المخصصة لاعتقال المتهمين بالكفر أو الزيغ، وهى المعروفة بالسجون السرية، غاية فى الشناعة والروعة، تتصل مباشرة بغرف التحقيق والعذاب، عميقة مظلمة رطبة تغص بالحشرات والجرذان. ويصفد المتهمون بالأغلال (١). ويقول لورنتى مؤرخ ديوان التحقيق الإسبانى إن أفظع ما فى أمر هذه السجون هو أن من يزج إليها، يسقط فى الحال فى نظر الرأى العام، وتلحقه وصمة لا تلحقه من أى سجن آخر مدنى أو دينى، وفيها يسقط فى غمار حزن لا يوصف وعزلة عميقة دائمة، ولا يعرف إلى أى مدى وصلت قضيته، ولا ينعم بتعزية مدافع عنه. غير أن لورنتى ينفى تصفيد المتهمين بالأغلال الثقيلة فى أرجلهم وأيديهم وأعناقهم، ويقول إن هذا الإجراء لم يكن يتبع إلا فى أحوال نادرة (٢). ويقول الدكتور لى: "كان القبض الذى يجريه ديوان التحقيق فى ذاته عقوبة خطيرة. ذلك أن أملاك السجين كلها تصادر وتصفى على الفور، وتقطع جميع علائقه بالعالم حتى تنتهى محاكمته. وتستغرق المحاكمة عادة من عام إلى ثلاثة، لا يعرف السجين أو أسرته خلالها شيئاً عن مصيره، وتدفع نفقات سجنه من ثمن أملاكه المصفاة، وكثيراً ما تستغرقه المحاكمة" (٣).
ولا يخطر المتهم بالتهم المنسوبة إليه، ولكنه يمنح عقب القبض عليه ثلاث جلسات فى ثلاثة أيام متوالية، تعرف بجلسات الرأى أو الإنذار، وفيها يطلب إليه أن يقرر الحقيقة، ويوعد بالرأفة إذا قرر وفق ما ينسب إليه، وينذر بالشدة والنكال إذا كذب أو أنكر، لأن "الديوان المقدس" لا يقبض على أحد دون قيام الأدلة الكافية على إدانته، وهى طريقة غادرة محيرة. فإذا اعترف المتهم بما ينسب إليه ولو كان بريئًا، اختصرت الإجراءات وقضى عليه بعقوبة أخف، ولكنه إذا اعترف بأنه كافر مطبق، فإنه
стр. 2807
لا ينجو من عقوبة الموت، مهما كانت الوعود التى بذلت له بالرأفة والعفو.
فإذا أبى المتهم الاعتراف بعد الجلسات الثلاث، وضع النائب له قرار الإتهام طبقاً لما ورد فى التحقيق من الوقائع، وذلك مهما كانت الأدلة المقدمة من الركاكة والضعف. بيد أن أفظع ما يحتويه القرار هو إحالة المتهم على التعذيب، وغالباً ما يطلب النائب هذه الإحالة، وذلك بالرغم من اعتراف المتهم بما ينسب إليه، لأنه يفترض دائماً أنه أخفى أو كذب فى اعترافه. وتصدر المحكمة قرار التعذيب مجتمعة بهيئة غرفة مشورة. وكان قرار التعذيب فى العصور الأولى يصدر عقب الاشتباه والقبض فوراً. وقد استعمل التعذيب فى محاكم التحقيق للحصول على الإعتراف، منذ منتصف القرن الثالث عشر. وكان التعذيب فى قشتالة إجراء يسوغه القضاء العادى، وكان يعتبر وسيلة مشروعة لنيل الإعتراف، فلم يكن غريباً أن يدمجه ديوان التحقيق فى دستوره. وقد نوه كثير من المؤرخين بروعة الإجراءات والوسائل التى كانت تلجأ إليها محاكم التحقيق فى توقيع العذاب. ويعلق عليها دون لورنتى بقوله: "لست أقف لأصف ضروب التعذيب التى كان يوقعها ديوان التحقيق على المتهمين، فقد رواها بما تستحق من الدقة كثير من المؤرخين، ولكنى أصرح أن أحداً منهم لا يمكن أن يتهم بالمبالغة فيما روى. ولقد تلوت كثيراً من القضايا، فارتجفت لها اشمئزازاً وروعاً، ولم أر فى "المحققين " الذين التجأوا إلى تلك الوسيلة إلا رجالا بلغ جمودهم حد الوحشية" (١). بيد أن مؤرخاً حديثاً لديوان التحقيق هو الدكتور لى يرى فى هذه الأقوال مبالغة، ويقول لنا إن ديوان التحقيق لم يكن فى إجراءاته الخاصة بالتعذيب، أكثر قسوة أو إرهاقاً من القضاء العادى، وأن ديوان التحقيق الرومانى، كان فى إجراءاته أشد قسوة وفظاعة من الديوان الإسبانى (٢).
وكان معظم أنواع التعذيب المعروفة فى العصور الوسطى، تستعمل فى محاكم التحقيق، ومنها تعذيب الماء، وهو عبارة عن توثيق المتهم فوق أداة تشبه السلم وربط ساقيه وذراعيه إليها، مع خفض رأسه إلى أسفل، ثم توضع فى فمه من زلعة جرعات كبيرة، وهو يكاد يختنق، وقد يصل ما يتجرعه إلى عدة لترات. وتعذيب "الجاروكا" وهو عبارة عن ربط يدى المتهم وراء ظهره، وربطه بحبل حول راحتيه وبطنه، ورفعه وخفضه معلقاً، سواء بمفرده أو مع أثقال تربط معه،
стр. 2808
وتعذيب الأسياخ المحمية للقدم، والقوالب المحمية للبطن العجز، وسحق العظام بآلات ضاغطة، وتمزيق الأرجل، وفسخ الفك، وغيرها من الوسائل البربرية المثيرة.
ولم يك ثمة حدود مرسومة لروعة التعذيب وآلامه. ولما كان التعذيب يعتبر خطراً لا يؤمن عواقبه، نظراً لاختلاف المتهمين فى قوة البنية والاحتمال المادى والعقلى، فإنه لم يك ثمة قواعد معينة تتبع فى إجراء التعذيب، بل كان الأمر يترك لتقدير القضاة وحكمهم وضمائرهم (١). ولا يحضر التعذيب سوى الجلاد والأحبار المحققون، والطبيب إذا اقتضى الأمر، ولا يخطر المتهم بأسباب إحالته على التعذيب، ولا يسئل ليقرر وقائع معينة، بل يعذب ليقرر ما شاء، ويمكن الطعن فى القرار بطريق الاستئناف أمام المجلس الأعلى (السوبريما) إلا فى أحوال استثنائية. ولكن الطعن لا يقبل ولا ينظر، حيثما كان القانون صريحاً فى وجوب إجراء التعذيب. وقد يأمر الطبيب بوقف التعذيب إذ رأى حياة المتهم فى خطر، ولكن التعذيب يستأنف متى عاد المتهم إلى رشده أو جف دمه، فإذا اعترف المتهم واعتبر القضاة اعترافه صحيحاً، بمعنى أنه يتضمن عنصر التوبة، كف عن تعذيبه، وإذا استطاع المتهم احتمال العذاب وأصر على الإنكار، لم يفده ذلك شيئاً، لأن القضاة يتخذون غالباً من الوقائع المنسوبة للمتهم أدلة على الإدانة، ويحكم عليه طبقاً لهذا الاعتبار. ويجب أن يؤيد المعترف ما قاله وقت التعذيب، باعتراف حر يقرره فى اليوم التالى، وذلك حتى يؤكد صحة الإعتراف، فإذا أنكر أو غيّر شيئاً أعيد إلى التعذيب.
وبعد انتهاء التعذيب يحمل المتهم ممزقاً دامياً إلى قاعة الجلسة، ليجيب عن التهم التى توجه إليه لأول مرة، ويسئل عند تلاوة كل تهمة عن جوابه عنها مباشرة، ثم يسئل عن دفاعه. وكان مبدأ الدفاع أمراً مقرراً من الوجهة النظرية، فإن كان له دفاع، اختارت المحكمة له محامياً من المقيدين فى سجل الديوان للدفاع عنه، وقد يسمح للمتهم باختيار محام من الخارج فى بعض الأحوال الاستثنائية، ويقسم المحامى اليمين بأن يؤدى مهمته بأمانة، وألا يعرقل الإجراءات بسوء نية، وأن يتخلى عن موكله إذا تبين له فى أية مرحلة من مراحل الدعوى، أن الحق ليس فى جانبه. على أن الدفاع لم يكن فى الغالب سوى ضرب من السخرية، ولم يكن عملا مأمون العاقبة، ولم يكن يسمح للمحامى أن يطلع على أوراق القضية الأصلية، أو يتصل المتهم
стр. 2809
على انفراد، بل تقدم إليه خلاصة التحقيق مرفقة بقرار الإحالة وقرار الإتهام. وكان المحامى الذى يبدى فى تأدية مهمته غيرة خاصة، يخاطر بأن يقع تحت سخط الديوان.
وبعد المرافعة واستجواب المتهم، تحال القضية على الأحبار المقررين ليبدوا فيها رأيهم من جديد. وكانت هذه خطوة حاسمة فى الواقع، لأنها تمهيد إلى الحكم النهائى. ويصدر الأحبار المقررون قرارهم، وقلما كان يختلف عن القرار الأول. فإذا كان الحكم بالإدانة، كان للمتهم فرصة الاستئناف أمام المجلس الأعلى (السوبريما). بيد أنها كانت على الأغلب فرصة عقيمة، إذ قلما كان المجلس الأعلى ينقض حكماً من الأحكام. وكان للمتهم أيضاً أن يلتمس العفو من الكرسى الرسولى. وكانت الخزانة البابوية تغنم من هذه الإلتماسات أموالا طائلة، فكانت فرصة لا يستفيد منها سوى ذوى الغنى الطائل.
وقلما كان يصدر حكم البراءة أو "الإقالة"، إذ أن أقل شك فى براءة المتهم براءة مطلقة، كان يوجب اعتباره مذنباً من النوع الخفيف de Levi، وعندئذ تصدر عليه عقوبات تتناسب مع ذنبه، ويقضى عليه أن يتطهر من كل شبهة للكفر وفقاً لإجراءات معينة. وإذا قضى بالبراءة وهو ما يندر وقوعه، أطلق سراح المتهم، وأعطيت له شهادة بطهارته من الذنوب، وهى كل ما يعوض به، عما أصابه فى شخصه وفى شرفه وماله، من ضروب الأذى والألم.
وأما إذا قضى بالإدانة، فإن الحكم لا يبلغ إلى المتهم إلا عند التنفيذ، وهو إجراء من أشنع الإجراءات الجنائية التى عرفت، فيؤخذ المتهم من السجن دون أن يدرى مصيره الحقيقى، ويجوز رسوم الإيمان "الأوتودافى" Auto-da-fé وهى الرسوم الدينية التى تسبق التنفيذ، وخلاصتها أن يلبس الثوب المقدس، ويوضع فى عنقه حبل وفى يده شمعة، ويؤخذ إلى الكنيسة ليجوز رسوم التوبة، ثم يؤخذ إلى ساحة التنفيذ، وهنالك يتلى عليه الحكم لأول مرة. وقد يكون الحكم فى حالة المتهم الخطيرة بالسجن المؤبد والمصادرة، أو بالإعدام حرقاً فى حالة "الكفر الصريح"، وقد يكون فى حالة الذنوب الخفيفة، بالسجن لمدة محدودة أو بالغرامة، وهو ما يسمى حكم "التوفيق". وكانت أحكام الإعدام، هى الغالبة فى عصور الديوان الأولى فى قضايا الكفر. وكان التنفيذ يقع فى ساحات المدن الكبيرة، وفى احتفال رسمى يشهده الأحبار والكبراء بأثوابهم الرسمية، وقد يشهده الملك. وكان يقع على الأغلب جملة،
стр. 2810
فينفذ حكم الحرق فى عدد من المحكوم عليهم، قد يبلغ العشرات أحياناً، وينتظم الضحايا فى موكب (الأوتودافى) Auto-da-fé التى اشتهرت فى اسبانيا منذ القرن الخامس عشر، والتى كانت بالرغم من كل مناظرها الرهيبة من الحفلات العامة، التى تهرع لشهودها جموع الشعب. ومما يذكر فى ذلك، أن فرناندو الكاثوليكى كان من عشاق هذه المواكب الرهيبة، وكان يسره أن يشهد حفلات الإحراق، وكان يمتدح الأحبار المحققين كلما نظمت حفلة منها (١).
وكان قضاء محاكم التحقيق بطيئاً، يبث اليأس فى النفوس، وكان الأمر يترك لهوى القضاة فى تحديد مواعيد دعوة المتهم، والسير بإجراءات الدعوى، وكانت الإجراءات والمرافعات تستغرق وقتاً طويلا، وقد تستغرق الأعوام أحياناً، وقد يموت المتهم فى سجنه قبل أن يصدر الحكم فى قضيته.
وكان دستور ديوان التحقيق يجيز محاكمة الموتى والغائبين. وتصدر الأحكام فى حقهم وتوقع العقوبات عليهم كالأحياء، فتصادر أموالهم وتعمل لهم تماثيل تنفذ فيها عقوبة الحرق، أو تنبش قبورهم وتستخرج رفاتهم، لتحرق فى موكب "الأوتودافى"، وكذلك يتعدى أثر الأحكام الصادرة بالإدانة من المحكوم عليه إلى أسرته وولده، فيقضى بحرمانهم من تولى الوظائف العامة، وامتهان بعض المهن الخاصة، وبذا يؤخذ الأبرياء بذنب المحكوم عليه (٢).
- ٥ -
هذا استعراض موجز لإجراءات تلك المحاكم الكنسية الشهيرة، التى سودت بقضائها المروع صحف التاريخ الإسبانى زهاء ثلاثة قرون.
وقد بث ديوان التحقيق منذ قيامه بقضائه وأساليبه، حوله جواً من الرهبة والروع. ولما ذاع بطشه وعسفه، عمد كثير من النصارى المحدثين من يهود ومسلمين إلى الفرار، حتى اضطرت الحكومة إلى أن تصدر فى سنة ١٥٠٢، قراراً يحرم على ربان أية سفينة وأى تاجر، أن ينقل معه نصرانياً محدثاً دون ترخيص خاص، وقبض بهذه الصورة على كثيرين من النصارى المحدثين، فى مختلف الثغور الإسبانية، وأحيلوا إلى محاكم التحقيق.
стр. 2811
وكان أعضاء محاكم التحقيق يتمتعون بحصانة خارقة، وسلطان مطلق تنحنى أمامه أية سلطة، وتحمى أشخاصهم وتنفذ أوامرهم بكل وسيلة. وكان من جراء هذه السلطة المطلقة، وهذا التحلل من كل مسئولية، أن ذاع فى هذه المحاكم العسف وسوء استعمال السلطة، والقبض على الأبرياء دون حرج، بل كثيراً ما وجد بين المحققين رجال من طراز إجرامى، لا يتورعون عن ارتكاب الغصب والرشوة وغيرها لملء جيوبهم، وكانت أحكام الغرامة والمصادرة أخصب مورد، لاختلاس المحققين والمأمورين وعمال الديوان وقضاته، وكانت الخزينة الملكية ذاتها تغنم مئات الألوف من هذا المورد، هذا بينما يموت أصحاب هذه الأموال الطائلة فى السجن جوعاً (١).
وكان يبلغ من عسف الديوان أحياناً أن يبسط حكم الإرهاب فى بعض المناطق، وهذا ما حدث فى قرطبة على يد المحقق العام لوسيرو، الذى يعتبر من أشد المحققين قسوة وإجراماً. ففى عهده ذاعت جرائم النهب واغتصاب البنات والزوجات، وتعالت الصيحة بالشكوى من هذا العدوان الفظيع، الذى يجرى باسم الديوان المقدس، وفى ظله، والذى يصم اسم الديوان والحكومة، واستغاث كبراء قرطبة بالملك، وجرت فى الموضوع تحقيقات طويلة انتهت بالقبض على المحقق العام وعزله (٢).
وكان العرش يعلم بأمر هذه الآثام المثيرة، التى تصم سمعة الديوان والمحققين، ولا يستطيع دفعاً لها، لما بلغه الديوان من السلطان الذى لا يناهضه سلطان آخر، ولأن العرش كان يرى فيه فى الوقت نفسه، أصلح أداة لتنفيذ سياسته فى إبادة الموريسكيين. وفى الوصية التى تركها فرناندو الكاثوليكى عند وفاته فى يناير سنة ١٥١٦، لحفيده شارل الخامس (كارلوس كنتو أو شرلكان)، ما يلقى ضياء على هذه الحقائق، ففيها يحث على حماية الكثلكة والكنيسة، واختيار المحققين ذوى الضمائر الذين يخشون الله، لكى يعملوا فى عدل وحزم، لخدمة الله وتوطيد الدين الكاثوليكى، كما يجب أن يضطرموا حماسة لسحق طائفة محمد (٣).
ولما توفى فرناندو، كان المحقق العام هو الكردينال خمنيس مطران طليطلة، الذى أبدى من الحماسة فى مطاردة المسلمين وتنصيرهم، ما سبقت الإشارة إليه، وقد حاول خمنيس أن يطهر قضاء الديوان وسمعته، فعزل كثيراً من المحققين الذين
стр. 2812
لا يُرغب فيهم، ولكنه لم يعش طويلا ليتم برنامجه فى الإصلاح، فعادت المساوىء القديمة أشد ما كانت، وسار الديوان فى قضائه المدمر وأساليبه المثيرة، لا يلوى على شىء. ولما جلس شارل الخامس على العرش كتب إليه مجلس قشتالة يقول: إن سلام المملكة وتوطيد سلطانه، يتوقفان على تأييده لديوان التحقيق. ولم ير شارل بعد فترة من التردد، إلا أن ينزل عند هذا النصح، وأن يفسح الطريق لسلطان الديوان القاهر، وذهبت كل الجهود للحد من عسف الديوان وعبثه سدى، وتوطد سلطان الديوان بقشتالة مدى قرون ثلاثة، كانت فى الواقع أخطر ما فى حياة الشعب الإسبانى (١).
- ٦ -
وقد رأينا كيف أنشىء ديوان التحقيق الإسبانى فى الأصل، لمطاردة الكفر وحماية الكثلكة من شبه المروق والزيغ، وكان إنشاؤه فى قشتالة قبيل انهيار مملكة غرناطة بقليل، وكان اليهود الذين تمتعوا عصوراً بالحرية والأمن، فى ظل الحكم الإسلامى، أول ضحايا سياسة الإرهاق والمحو التى رسمتها اسبانيا الجديدة. ذلك أنه ما كادت تسقط غرناطة فى أيدى الملكين الكاثوليكيين وما كاد اليهود ينتقلون إلى الحكم الجديد، حتى شهرت عليهم السياسة الإسبانية حربها الصليبية، وأصدر الملكان قرارهما الشهير فى ٣٠ مارس سنة ١٤٩٢، وهو يقضى بأن يغادر سائر اليهود -الذين لم يتنصروا- من أى سن وظرف، أراضى قشتالة فى ظرف أربعة أشهر من تاريخ القرار، وألا يعودوا إليها قط، ويعاقب المخالفون بالموت والمصادرة، ويجب ألا يقوم أحد من سكان مملكة قشتالة على حماية أو إيواء أى يهودى أو يهودية سراً أو جهراً متى انتهى هذا الأجل، ولليهود أن يبيعوا أملاكهم خلال هذه المدة، وأن يتصرفوا فيها وفق مشيئتهم (٢). فأذعن كثير من اليهود للتنصير إشفاقاً على الوطن والمال، وهلك كثير منهم فى سجون الديوان المقدس ومحارقه، أو شردوا فى مختلف الأقطار بعد التجريد والحرمان. بل لم ينج المتنصرون منهم، من المطاردة والإرهاق لأقل الشبه حسبما قدمنا. ولقيت طوائف المدجنين من بقايا الأمة الأندلسية، وهى التى بقيت فى بعض مدن قشتالة وأراجون فى ظل الحكم النصرانى، نفس المصير المحزن. وبدأ ديوان التحقيق نشاطه فى قشتالة منذ
стр. 2813
سنة ١٤٨٠، قبيل انهيار مملكة غرناطة بقليل، وأقيمت محارقه الأولى فى إشبيلية عاصمة المملكة. فلما سقطت غرناطة، وطويت بسقوطها صفحة الدولة الإسلامية فى الأندلس، ووقع ملايين المسلمين فى قبضة اسبانيا النصرانية، ولما أكره المسلمون على التنصير، واستحالت بقايا الأمة الأندلسية إلى طوائف الموريسكيين، ألفى ديوان التحقيق فى هذا المجتمع النصرانى المحدث أخصب ميدان لنشاطه، وغدت محاكم التحقيق يد الكنيسة القوية فى تحقيق غايتها البعيدة. ذلك أن هذه المحاكم الشهيرة كانت تضطلع بمهمة مزدوجة دينية وسياسية معاً، فكانت تعمل باسم الدين لتحقيق أغراض السياسة، وكان للسياسة الإسبانية بعد ظفرها النهائى بإخضاع الأمة الأندلسية أمنية أخطر وأبعد مدى، هى القضاء على بقايا هذه الأمة المسلمة، وسحق دينها وكل خواصها الجنسية والاجتماعية، وإدماجها فى المجتمع النصرانى. ولم تشأ السياسة الإسبانية، أن تترك تحقيق هذه الغاية لفعل الزمن والتطور التاريخى، بل رأت نزولا على وحى الكنيسة وتوجيهها المباشر، أن تعجل بإجراءات التنصير والقمع، وأن تذهب فى ذلك إلى حدود من الإسراف والغلو، هى التى أسبغت على مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين صبغتها المفجعة، كما أسبغت على السياسة الإسبانية المعاصرة وصمة عار، لم يمحها إلى اليوم كر الأجيال والعصور.
وقد اضطلع ديوان التحقيق الإسبانى بأعظم قسط من هذه الإجراءات الهمجية التى أريد بها تنفيذ حكم الإعدام فى أمة بأسرها، وأخضعت غرناطة لقضاء ديوان التحقيق منذ سنة ١٤٩٩، أعنى مذ أكره المسلمون على التنصير، ولكنها جُعلت من اختصاص محكمة التحقيق فى قرطبة، وهكذا بدأ الديوان المقدس أعماله فى غرناطة، بحماسة يذكيها احتشاد الضحايا من حوله. ولم تغفل الرواية الإسلامية أن تشير إلى محارق ديوان التحقيق، أو إحراق المسلمين بتهمة المروق أو الزيغ، ولم يجد المسلمون الذين آثروا البقاء فى الوطن القديم، وأكرهوا على التنصير واعتناق الدين الجديد، ملاذاً أو عاصماً من الإضطهاد والمطاردة. ذلك أن الموريسكيين أو العرب المتنصرين لبثوا دائماً موضع البغض والريب، وأبت اسبانيا النصرانية بعد أن أرغمتهم على اعتناق دينها، أن تضمهم إلى حظيرتها، وأبت الكنيسة الإسبانية أن تؤمن بإخلاصهم لدينهم الجديد، ولبثت تتوجس من رجعتهم وحنانهم لدينهم القديم، وترى فيهم دائماً منافقين مارقين. وهكذا كانت السياسة الإسبانية، كما كانت الكنيسة الإسبانية، أبعد من أن تقنع بتنصير المسلمين الظاهرى، وإنما كانت
стр. 2814
ترمى إلى إبادتهم، ومحو آثارهم ودينهم وحضارتهم، وكل ذكرياتهم.
والواقع أن الموريسكيين لبثوا بالرغم من تنصرهم، نزولا على حكم القوة والإرهاب، مخلصين فى سرائرهم لدينهم القديم، ولم تستطع الكنيسة بالرغم من جهودها الفادحة أن تحملهم على الولاء لدين قاسوا فى سبيل اعتناقه ضروباً مروعة من الآلام النفسية والاضطهاد المضنى، وإليك ما يقوله فى ذلك مؤرخ إسبانى كتب قريباً من ذلك العصر، وأدرك الموريسكيين وعاش بينهم حيناً فى غرناطة: " كانوا يشعرون دائماً بالحرج من الدين الجديد، فإذا ذهبوا إلى القداس أيام الآحاد، فذلك فقط من باب مراعاة العرف والنظام، وهم لم يقولوا الحقائق قط خلال الاعتراف. وفى يوم الجمعة يحتجبون ويغتسلون ويقيمون الصلاة فى منازلهم المغلقة، وفى أيام الآحاد يحتجبون ويعملون. وإذا عُمد أطفالهم، عادوا فغسلوهم سراً بالماء الحار، ويسمون أولادهم بأسماء عربية، وفى حفلات الزواج متى عادت العروس من الكنيسة بعد تلقى البركة، تنزع ثيابها النصرانية وترتدى الثياب العربية، ويقيمون حفلاتهم وفقاً للتقاليد العربية" (١).
وقد انتهت إلينا وثيقة عربية هامة تلقى ضوءاً كبيراً على أحوال الموريسكيين فى ظل التنصير، وتعلقهم بدينهم القديم، وكيف كانوا يتحايلون لمزاولة شعائرهم الإسلامية خفية، ويلتمسون من جهة أخرى سائر الوسائل والأعذار الشرعية التى يمكن أن تبرر مسلكهم، وتشفع لهم لدى ربهم، مما يرغمون على اتباعه من الشعائر النصرانية.
وهذه الوثيقة هى عبارة عن رسالة وجهت من أحد فقهاء المغرب إلى جماعة العرب المتنصرين ممن يسميهم "الغرباء" يقدم إليهم بعض النصائح التى يعاون اتباعها على تنفيذ أحكام الإسلام خفية، وبطريق التورية والتستر. وتاريخ هذه الرسالة هو غرة رجب سنة ٩١٠ هـ، (٢٨ نوفمبر سنة ١٥٠٤). وإليك نص هذه الوثيقة:
"الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. إخواننا القابضين على دينهم، كالقابض على الجمر، من أجزل الله ثوابهم، فيما لقوا فى ذاته، وصبروا النفوس والأولاد فى مرضاته، الغرباء القرباء إن شاء الله، من مجاورة نبيه فى الفردوس الأعلى من جناته، وارثو سبيل السلف الصالح،
стр. 2815
فى تحمل المشاق، وإن بلغت النفوس إلى التراق، نسأل الله أن يلطف بنا، وأن يعيننا وإياكم على مراعات حقه، بحسن إيمان وصدق، وأن يجعل لنا ولكم من الأمور فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً. بعد السلام عليكم، من كاتبه إليكم، من عبيد الله أصغر عبيده، وأحوجهم إلى عفوه ومزيده، عبيد الله تعالى أحمد ابن بوجمعة المغراوى ثم الوهرانى، كان الله للجميع بلطفه وستره، سائلاً من إخلاصكم وغربتكم حسن الدعاء، بحسن الخاتمة والنجاة من أهوال هذه الدار، والحشر مع الذين أنعم الله عليهم ( F. ٢) من الأبرار، ومؤكدًا عليكم في ملازمة دين الإسلام آمرين به من بلغ من أولادكم. إن لم تخافوا دخول شر عليكم من إعلام عدوكم بطويتكم، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وإن ذاكر الله بين الغافلين كالحىّ بين الموتى؛ فاعلموا أن الأصنام خشب منجور، وحجر جلمود لا يضر ولا ينفع، وأن المُلك الله ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله. فاعبدوه، واصطبروا لعبادته، فالصلاة ولو بالإيماء، والزكاة ولو كأنها هدية لفقيركم أو رياء؛ لأن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم، والغسل من الجنابة ولو عومًا في البحور، وإن منعتم فالصلاة قضاء بالليل لحق النهار، وتسقط في الحكم طهارة الماء؛ وعليكم بالتيمم ولو مسحًا بالأيدى للحيطان، فإن لم يمكن فالمشهور سقوط الصلاة وقضاؤها لعدم الماء ( F. ٣-١) والصعيد إلا أن يمكنكم الإشارة إليه بالأيدى والوجه إلى تراب طاهر أو حجر أو شجر مما يتيمم به، فاقصدوا بالإيماء، نقله ابن ناجى في شرح الرسالة لقوله ﵇: فأتوا منه ما استطعتم. وإن أكرهوكم فى وقت صلاة إلى السجود للأصنام أو حضور صلاتهم فأحرموا بالنية، وانووا صلاتكم المشروعة، وأشيروا لما يشيرون إليه من صنم، ومقصودكم الله، وإن كان لغير القبلة تسقط في حقكم كصلاة الخوف عند الالتحام؛ وإن أجبروكم على شرب خمر، فاشربوه لا بنية استعماله، وإن كلفوا عليكم خنزيرًا فكلوه ناكرين إياه بقلوبكم، ومعتقدين تحريمه، وكذا إن أكرهوكم على محرّم، وإن زوجوكم بناتهم، فجائز لكونهم أهل الكتاب، وإن أكرهوكم ( F. ٣-٢) على إنكاح بناتكم منهم، فاعتقدوا تحريمه لولا الإكراه، وأنكم ناكرون لذلك بقلوبكم، ولو وجدتم قوة لغيرتموه. وكذا إن أكرهوكم على رباً أو حرام فافعلوا منكرين بقلوبكم، ثم ليس عليكم إلا رؤوس أموالكم، وتتصدقون بالباقى، إن تبتم لله تعالى. وإن أكرهوكم على كلمة الكفر، فإن أمكنكم التورية والإلغاز
стр. 2816
فافعلوا، وإلا فكونوا مطمئنى القلوب بالإيمان إن نطقتم بها ناكرين لذلك، وإن قالوا اشتموا محمدًا فإنهم يقولون له مُمَد، فاشتموا مُمَدًا، ناوين أنه الشيطان أو ممد اليهود فكثير بهم اسمه. وإن قالوا عيسى ابن الله، فقولوها إن أكرهوكم، وانووا إسقاط مضاف أى عبد اللاه مريم معبود بحق. وإن قالوا قولوا المسيح ابن الله فقولوها إكراهًا، وانووا بالإضافة للملك كبيت الله لا يلزم أن يسكنه أو يحل به؛ وإن قالوا قولوا مريم زوجة له فانووا بالضمير ابن عمها الذي تزوجها في بنى إسرائيل ثم فارقها قبل البناء. قاله السهيلى في تفسير المبهم من الرجال في القرآن. أو زوجها الله منه بقضائه وقدره. وإن قالوا عيسى توفى بالصلب، فانووا من التوفية والكمال والتشريف من هذه، وإماتته وصلبه وإنشاد ذكره، وإظهار الثناء عليه بين الناس، وأنه استوفاه الله برفعه إلى العلو، وما يعسر عليكم فابعثوا ( F. ٤. I) فيه إلينا نرشدكم إن شاء الله على حسب ما تكتبون به، وأنا أسأل الله أن يديل الكره للإسلام حتى تعبدوا الله ظاهرًا بحول الله من غير محنة ولا وجلة، بل بصدمة الترك الكرام. ونحن نشهد لكم بين يدى الله أنكم صدقتم الله ورضيتم به. ولابد من جوابكم. والسلام عليكم جميعًا. بتاريخ غرة رجب عام عشرة وتسع مائة، عرف الله خيره".
"يصل إلى الغرباء إن شاء الله تعالى" (١).
ومن ثم فقد لبث الموريسكيون، شغلا شاغلا للكنيسة وللسياسة الإسبانية، فهم عنصر بغيض فى المجتمع الإسبانى، وهم خطر على الدولة وعلى الوطن، وهم بالرغم من ردتهم مازالوا خونة مارقين، ومازالوا أعداء للدين فى سريرتهم. وكان يذكى هذا البغض والتحامل ضد الموريسكيين كل تذمر من جانبهم. فلما دفعهم اليأس إلى الثورة فى مفاوز البشرّات، ولما آنست السياسة الإسبانية أن هذه البقية الممزقة من الأمة الأندلسية القديمة، مازالت تجيش برمق من الحياة والكرامة،
стр. 2817
رأت أن تضاعف إجراءات القمع والمطاردة، ضد هذا الشعب المهيض الأعزل، حتى لا ينبض بالحياة مرة أخرى.
وكانت ثورة البشرات نذير فورة جديدة، من هجرة الموريسكيين إلى ما وراء البحر، فجازت منهم إلى إفريقية جموع عظيمة كما قدمنا، ولكن الكثرة الغالبة منهم بقيت فى الوطن القديم، هدفاً للاضطهاد المنظم، والقمع الذريع المدنى والدينى، فإلى جانب الأوامر الملكية بمنع الهجرة، وحظر التصرف فى الأملاك أو حمل السلاح وغيرها من القوانين المقيدة للحقوق والحريات، كان ديوان التحقيق من جانبه، يشدد الوطأة على الموريسكيين، ويرقب كل حركاتهم وسكناتهم، ويغمرهم بشكوكه وريبه، ويتخذ من أقل الأمور والمصادفات ذرائع لاتهامهم بالكفر والزيغ، ومعاقبتهم بأشد العقوبات وأبلغها. وقد نقل إلينا الدون لورنتى مؤرخ ديوان التحقيق الإسبانى، وثيقة من أغرب الوثائق القضائية، تضمنت طائفة من القواعد والأصول التى رأى الديوان المقدس أن يأخذ بها العرب المتنصرين، فى تهمة الكفر والمروق، وإليك ما ورد فى تلك الوثيقة الغربية:
"يعتبر الموريسكى أو العربى المتنصر قد عاد إلى الإسلام، إذا امتدح دين محمد، أو قال إن يسوع المسيح ليس إلهاً، وليس إلا رسولا، أو أن صفات العذراء أو اسمها لا تناسب أنه، ويجب على كل نصرانى أن يبلغ عن ذلك، ويجب عليه أيضاً أن يبلغ عما إذا كان قد رأى أو سمع، بأن أحداً من الموريسكيين يباشر بعض العادات الإسلامية، ومنها أن يأكل اللحم فى يوم الجمعة، وهو يعتقد أن ذلك مباح، وأن يحتفل يوم الجمعة بأن يرتدى ثياباً أنظف من ثيابه العادية، أو يستقبل المشرق قائلا بسم الله، أو يوثق أرجل الماشية قبل ذبحها، أو يرفض أكل تلك التى لم تذبح، أو ذبحتها امرأة، أو يختن أولاده أو يسميهم بأسماء عربية، أو يعرب عن رغبته فى اتباع هذه العادة، أو يقول إنه يجب ألا يعتقد إلا فى الله وفى رسوله محمد، أو يقسم بأيمان القرآن، أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله، ولا يأكل ولا يشرب إلا عند الغروب، أو يتناول الطعام قبل الفجر (السحور)، أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، أو يقوم بالوضوء والصلاة، بأن يوجه وجهه نحو الشرق ويركع ويسجد ويتلو سوراً من القرآن، أو أن يتزوج طبقاً لرسوم الشريعة الإسلامية، أو ينشد الأغانى العربية، أو يقيم حفلات الرقص والموسيقى العربية، أو أن يستعمل النساء الخضاب فى أيديهن أو شعورهن، أو يتبع
стр. 2818
قواعد محمد الخمس، أو يملس بيديه على رؤوس أولاده أو غيرهم تنفيذاً لهذه القواعد، أو يغسل الموتى ويكفنهم فى أثواب جديدة، أو يدفنهم فى أرض بكر، أو يغطى قبورهم بالأغصان الخضراء، أو أن يستغيث بمحمد وقت الحاجة منعتاً إياه بالنبى ورسول الله، أو يقول إن الكعبة أول معابد الله، أو يقول إنه لم ينصر إيماناً بالدين المقدس، أو إن آباءه وأجداده قد غنموا رحمة الله لأنهم ماتوا مسلمين ... الخ" (١).
كانت هذه الشبه وأمثالها، تتخذ ذريعة للتنكيل بالموريسكيين، بالرغم من تنصرهم وانتمائهم إلى دين سادتهم الجدد. ومن الطبيعى أن يكون موقف المسلمين الذين آثروا الاحتفاظ بدينهم أدق وأخطر، وكانت قد بقيت منهم جماعات كبيرة فى غرناطة وبلنسية وغيرها، يعيشون فى غمرة من الجزع الدائم، وكانت محارق ديوان التحقيق تلتهم الكثير من هؤلاء وهؤلاء، لأقل الشبه والوشايات. ولقد كان الإسراف فى مطاردة المسلمين والموريسكيين، نذير السخط فالثورة، ولكن الثورة أخمدت، ولم تعدل السياسة الإسبانية عن مسلكها، وضاعفت محاكم التحقيق إجراءات القمع والتنكيل. وقد انتهت إلينا عن تلك الفترة الدقيقة من تاريخ الموريسكيين وثيقة عربية ذات أهمية خاصة، كتبها فيما يظهر أندلسى متنصر (موريسكى) إلى بايزيد الثانى سلطان الترك العثمانيين، يستغيث به ويستصرخه، لنصرة إخوانه العرب المتنصرين، ويصف له فى شعر ركيك ولكن قوى التعبير، ما تنزله اسبانيا النصرانية برعاياها الجدد، وما يصيب المتنصرين من عسف ديوان التحقيق، ورائع مطاردته وعقوباته. وإليك بعض ما ورد فى تلك القصيدة المؤثرة، فى وصف أنواع الاضطهاد والعسف، التى نزلت بالعرب المتنصرين، وذلك بعد ديباجة نثرية، وديباجة شعرية طويلة فى تحية السلطان بايزيد:
فلما دخلنا تحت عقد ذمامهم ... بدا غدرهم فينا بنقض العزيمة
وخان عهوداً كان قد غرّنا بها ... ونصرنا كرهاً بعنف وسطوة
وكل كتاب كان فى أمر ديننا ... ففى النار ألقوه بهزء وحقرة
ولم يتركوا فيها كتاباً لمسلم ... ولا مصحفاً يخلى به للقراءة
ومن صام أو صلى ويعلم حاله ... ففى النار يلقوه على كل حالة
стр. 2819
ومن لم يجىء منا لموضع كفرهم ... يعاقبه اللباط شر العقوبة
ويلطم خديه ويأخذ ماله ... ويجعله فى السجن فى سوء حالة
وفى رمضان يفسدون صيامنا ... بأكل وشرب مرة بعد مرة
وقد أمرونا أن نسب نبينا ... ولا نذكرنه فى رخاء وشدة
وقد سمعوا قوماً يغنون باسمه ... فأدركتهم منهم أليم المضرة
وعاقبهم حكامهم وولاتهم ... بضرب وتغريم وسجن وذلة
وقد بدلت أسماؤنا وتحولت ... بغير رضا منا وغير إرادة
فآها على تبديل دين محمد ... بدين كلاب الروم شر البرية
وآهاً على تلك الصوامع علقت ... نواقيسهم بها نظير الشهادة
وآها على تلك البلاد وحسنها ... لقد أظلمت بالكفر أعظم ظلمة
وصارت لعبادة الصليب معاقلا ... وقد أمنوا فيها وقوع الإغارة
وصرنا عبيداً لا أسارى نفتدى ... ولا مسلمين نُطقهم بالشهادة
فلو أبصرت عيناك ما صار حالنا ... إليه لجادت بالدموع الغزيرة
فياولنا يا بؤس ما قد أصابنا ... من الضر والبلوى وثوب المذلة (١).
وهذه الأبيات تنم بالرغم من ركاكتها عن دقة مدهشة، فى تتبع أعمال السياسة الإسبانية، لمطاردة العرب المتنصرين، وفى وصف إجراءات محاكم التحقيق وعقوباتها.
والظاهر أن صاحبها كان من الكبراء المتصلين بالشئون العامة. والمرجح أن هذه الرسالة وجهت إلى السلطان بايزيد الثانى، عقب ثورة البشرات وما تلاها من إجراءات القمع المشددة ضد العرب المتنصرين، وذلك حوالى سنة ١٥٠٥، وقد توفى السلطان بايزيد الثانى سنة ١٥١٢، فلابد أن تكون الرسالة قد وجهت إليه قبل ذلك. ونحن نعرف أنها لم تكن أول رسالة من نوعها، وجهها مسلمو الأندلس والعرب المتنصرون إلى قصور قسطنطينية ومصر والمغرب، فقد أشرنا فيما تقدم إلى سفارة السلطان أبى عبد الله الأيسر إلى سلطان مصر الملك الظاهر جقمق يستمد عونه، ثم إلى سفارة مولاى الزغل سلطان غرناطة إلى بلاط مصر وبلاط قسطنطينية، يستغيث بهما ويستصرخهما لإنجاده، وإلى ما قام به بلاط مصر من توجيه سفارته إلى فرناندو الخامس، يحذره من المضى فى إرهاق المسلمين، وينذره باضطهاد النصارى الذين
стр. 2820
يعيشون فى المملكة المصرية، وما كان من تكرار نذيره إلى ملك اسبانيا، حينما اشتدت وطأة التنصير على مسلمى الأندلس؛ ولكن تدخل مصر وقسطنطينية على هذا النحو لم يغن شيئا، وهذا ما يشير إليه صاحب القصيدة المذكورة فى قوله مخاطباً السلطان بايزيد:
وقد بلغ المكتوب منكم إليهم ... فلم يعملوا منه جميعاً بكلمة
وما زادهم إلا اعتداء وجرأة ... علينا وإقداماً بكل مساءة
وقد بلغت إرسال مصر إليهم ... وما نالهم غدر وهتك حرمة
وقالوا لتلك الرسل عنا بأننا ... رضينا بدين الكفر من غير قهرة
لقد كذبوا فى قولهم وكلامهم ... علينا بهذا القول أكبر فرية
ولكن خوف القتل والحرق ردنا ... نقول كما قالوه من غير نية
وقد كانت السياسة الإسبانية تتخذ من هذه الرسائل، التى يوجهها العرب المتنصرون إلى إخوانهم المسلمين فيما وراء البحر، كلما تفاقمت آلامهم ومحنتهم، ذريعة للاشتداد فى مطاردتهم، واعتبارهم خطراً على سلامة الدولة، لأنهم يأتمرون بها مع ملوك الدول الإسلامية أعداء اسبانيا النصرانية
стр. 2821
الفصل الثالث
ذروة الاضطهاد وثورة الموريسكيين
نظرة اسبانيا إلى الموريسكيين. وفاة فرناندو الكاثوليكى وخلاله. سياسة الرفق فى عهد شارل الخامس. عود الاضطهاد. قرار المحكمة الملكية فى ظلامة المسلمين. تعليق المؤرخ كوندى. ثورة المسلمين فى سرقسطة وبلنسية. تنصير المسلمين فى أراجون. القوانين والقرارات المرهقة. مساعى الموريسكيين فى بلنسية وغرناطة. مراسيم جديدة ضد الموريسكيين. تحريم الهجرة إلى الثغور. قرار بالعفو عن الموريسكيين فى مدينة دلكامبو. التردد بين الشدة والرفق فى عهد شارل الخامس. ولده فيليب الثانى. التنصير يعم الموريسكيين. تحريض الكنيسة لفيليب الثانى. تحريم السلاح على الموريسكيين. تحريم استعمال اللغة العربية والثياب والتقاليد العربية. إعلان القانون فى غرناطة. سخط الموريسكيين. فشل السعى إلى التخفيف. اضطراب الخواطر فى غرناطة. العزم على الثورة. خطة ابن فرج لإضرامها. قصيدة عربية فى وصف آلام الموريسكيين. استغاثتهم بأمراء المغرب. نذير الانفجار. محاولة ابن فرج لإثارة غرناطة. ارتداده إلى الهضاب الجنوبية. انتشار الثورة. فتك الموريسكيين بالنصارى. فرناندو دى فالور أو محمد بن أمية سلطان الموريسكيين. الفتك بالنصارى فى منطقة البشرات. أهبة الإسبان لقمع الثورة. مسير المركيز منديخار لمقاتلة الموريسكيين. اتساع نطاق الثورة. هزيمة الموريسكيين وفرار محمد بن أمية. معركة دامية أخرى. الفتك بالموريسكيين فى غرناطة. عود محمد بن أمية. استغاثته بأمراء المغرب وسلطان الترك. تشريد الموريسكيين فى البيازين. مصرع محمد بن أمية. ابن عبو أو مولا عبد الله يخلفه فى الرياسة. غارات الموريسكيين على أحواز غرناطة. تعيين دون خوان قائداً عاماً لغرناطة. مسيره إلى مقاتلة الثوار. المعارك الطاحنة بين الفريقين. الحكومة الإسبانية تجنح إلى اللين. محاولات الإسبان لعقد الصلح. المفاوضات بين الفريقين. خطاب لابن عبو. تصميم مولاى عبد الله على القتال. اجتياح الإسبان للمناطق الثائرة. مرسوم بنفى الموريسكيين إلى الداخل. الحوادث الدموية. قوانين جديدة مرهقة. مصرع مولاى عبد الله. انهيار الثورة الموريسكية.
لبث الموريسكيون فى عهد فرناندو الخامس (الكاثوليكى) زهاء عشرين عاماً، يتراوحون بين الرجاء واليأس، ويرزحون تحت غمر المطاردة المنظمة. وكان هذا الشعب المهيض الذى أدخل قسراً فى حظيرة النصرانية، والذى أنكرته مع ذلك اسبانيا سيدته الجديدة، وأنكرته الكنيسة التى عملت على تنصيره، يحاول أن يروض نفسه على حياته الجديدة، وأن يتقبل مصيره المنكود بإباء وجلد. ولكن اسبانيا النصرانية، لبثت ترى فى هذه البقية الباقية من الأمة الأندلسية، عدوها القديم الخالد، وتتصور أن هذا المجتمع المهيض الأعزل، الذى أحكمت أغلالها فى عنقه،
стр. 2822
ما يزال مصدر خطر دائم على سلامتها وطمأنينتها، ومن ثم كان هذا الإمعان فى مطاردته وإرهاقه، بمختلف الفروض والقيود والمغارم، وفى انتهاك عواطفه وحرماته، وفى تعذيبه وتشريده، وكان يلوح أن ليس لهذا الإستشهاد الطويل المؤثر من آخر سوى الفناء ذاته.
توفى فرناندو الكاثوليكى فى ٢٣ يناير سنة ١٥١٦، بعد أن عانت بقية الأمة الأندلسية من غدره وعسفه ما عانت؛ وكانت زوجه الملكة إيسابيلا قد سبقته إلى القبر، قبل ذلك بأحد عشر عاماً، فى ٢٦ نوفمبر سنة ١٥٠٤، ودفنت تحقيقاً لرغبتها فى غرناطة، فى دير سان فرنسيسكو القائم فوق هضبة الحمراء، ودفن فرناندو إلى جانب زوجه بالحمراء، تحقيقاً لوصيته، ثم نقل رفاتهما فيما بعد إلى كنيسة غرناطة العظمى، التى أقيمت فوق موقع مسجد غرناطة الجامع، فى عهد حفيدهما الإمبراطور شارلكان، وأقيم لهما فيها ضريح رخامى فخم، ما يزال حتى اليوم فى مقدمة مزارات غرناطة النصرانية. وفى دفن فاتحى غرناطة الإسلامية فى حرم جامع غرناطة القديم، مغزى خاص ينطوى على تنويه ظاهر بظفر اسبانيا، وظفر النصرانية على الإسلام.
وقد كان الغدر والرياء، أبرز صفات هذا الملك العظيم المظفر، الذى أتيح له القضاء على دولة الإسلام بالأندلس. وقد نوه بهذه الصفة الذميمة أكابر المؤرخين المعاصرين واللاحقين، ومنهم المؤرخون القشتاليون أنفسهم (١). ويقول معاصره الفيلسوف السياسى مكيافيللى فى حقه: "إن فرناندو الأرجونى غزا غرناطة فى بداية حكمه، وكان هذا المشروع دعامة سلطانه. وقد استطاع بمال الكنيسة والشعب أن يمد جيوشه، وأن يضع بهذه الحرب أسس البراعة العسكرية التى امتاز بها بعد ذلك، وقد كان دائماً يستعمل الدين ذريعة ليقوم بمشاريع أعظم، وقد كرس نفسه بقسوة تسترها التقوى لإخراج المسلمين من مملكته وتطهيرها منهم، وبمثل هذه الذريعة غزا إفريقية، ثم هبط إلى إيطاليا، ثم هاجم فرنسا ... " (٢).
стр. 2823
وكانت سياسة فرناندو الكاثوليكى مثال الغدر المثير فى جميع ما تخذه نحو معاملة المسلمين عقب تسليم غرناطة، وما تلاه من حوادث تنصيرهم قسراً، ثم اضطهادهم، ومطاردتهم بأقسى الوسائل، وأشدها إيلاماً لمشاعرهم وأرواحهم.
فلما توفى فرناندو، وخلفه حفيده شارل أو كارلوس الخامس (الإمبراطور شارلكان) بعد فترة قصيرة من وصاية الكردينال خمنيس على العرش، تنفس الموريسكيون الصعداء، وهبت عليهم ريح جديدة من الأمل، ورجوا أن يكون العهد الجديد خيراً من سابقه. وأبدى الملك الجديد فى الواقع شيئاً من اللين والتسامح،
...
صورة: ضريح فرناندو وإيسابيلا بكنيسة غرناطة العظمى.
...
نحو المسلمين والموريسكيين، وجنحت محاكم التحقيق إلى نوع من الاعتدال فى مطاردتهم، وكفت عن التعرض لهم فى أراجون بسعى النبلاء والسادة، الذين يعمل المسلمون فى ضياعهم. ولكن هذه السياسة المعتدلة لم تدم سوى بضعة أعوام، وعادت العناصر الرجعية فى البلاط وفى الكنيسة، فغلبت كلمتها، وصدر مرسوم جديد فى ١٢ مارس سنة ١٥٢٤ م يحتم تنصير كل مسلم بقى على دينه، وإخراج كل من أبى النصرانية من اسبانيا، وأن يعاقب كل مسلم أبى التنصير أو الخروج فى المهلة الممنوحة بالرق مدى الحياة، وأن تحوّل جميع المساجد الباقية إلى كنائس.
عندئذ استغاث المسلمون بالإمبراطور، والتمسوا عدله وحمايته، على يد وفد
стр. 2824
منهم يعثوه إلى مدريد، ليشرح للمليك ظلامتهم وآلامهم (سنة ١٥٢٦). فندب الإمبراطور محكمة كبرى من النواب والأحبار والقادة وقضاة التحقيق، برياسة المحقق العام لتنظر فى ظلامة المسلمين، ولتقرر بالأخص ما إذا كان التنصير الذى وقع على المسلمين بالإكراه، يعتبر صحيحاً ملزماً، بمعنى أنه يحتم عقاب المخالف بالموت، أم يطبق القرار الجديد عليهم كمسلمين. وقد أصدرت المحكمة قرارها بعد مناقشات طويلة، بأن التنصير الذى وقع على المسلمين صحيح لا تشوبه شائبة، لأنهم سارعوا بقبوله اتقاء لما هو شر منه، فكانوا بذلك أحراراً فى قبوله. ويعلق المؤرخ الغربى النصرانى على ذلك القرار بقوله: "وهكذا اعتبر التنصير الذى فرضه القوى على الضعيف، والظافر على المغلوب، والسيد على العبد، منشئاً لصفة لا يمكن لإرادة معارضة أن تزيلها" (١). وعلى أثر ذلك صدر أمر ملكى بأن يرغم سائر المسلمين الذين نصروا كرهاً، على البقاء فى اسبانيا، باعتبارهم نصارى، وأن ينصر كل أولادهم، فإذا ارتدوا عن النصرانية، قضى عليهم بالموت والمصادرة، وقضى الأمر فى الوقت نفسه، بأن تحول جميع المساجد الباقية فى الحال إلى كنائس.
فكان لهذه القرارات لدى المسلمين أسوأ وقع، وما لبثت الثورة أن نشبت فى معظم الأنحاء التى يقطنها المسلمون، فى أحواز سرقسطة وفى منطقة بلنسية وغيرها، وأخمدت هذه الثورات المحلية الضئيلة تباعاً. ولكن بلنسية كان لها شأن آخر ذلك أنها كانت تضم حشداً كبيراً من المسلمين، يبلغ زهاء سبعة وعشرين ألف أسرة (٢)، وكان وقوعها على البحر يمهد للمسلمين سبل الإتصال بإخوانهم فى المغرب، ومن ثم فقد كانت دائماً فى طليعة المناطق الثائرة، وكانت الحكومة الإسبانية تنظر إليها باهتمام خاص، فلما فرض التنصير العام أبدى المسلمون فى بلنسية مقاومة عنيفة، ولجأت جموع كبيرة منهم إلى ضاحية (بنى وزير) Benaguacil، واضطرت الحكومة أن تجرد عليهم قوة كبيرة مزودة بالمدافع، وأرغم المسلمون فى النهاية على التسليم والخضوع، وأرسل إليهم الإمبراطور إعلان الأمان على أن ينصروا، وعدلت عقوبة الرق إلى الغرامة (٣).
стр. 2825
وفى باقى ولايات أراجون، أشفق السادة والنبلاء على مصالحهم وضياعهم من الخراب، إذا اضطهد المسلمون ومزقوا كما حدث فى بلنسية، فأوضحوا للإمبراطور خطأ هذه السياسة، وأكدوا له أن المسلمين فى أراجون جماعة هادئة عاملة ذلولة، لم ترتكب جرماً قط، ولم تبدر منهم خطيئة دينية أو سياسية، ومعظمهم زراع فى أراضى الملك والسادة، ومنهم صناع مهرة، فإخراجهم من أراجون خسارة
...
صورة: شارل الخامس (الإمبراطور شارلكان)
...
فادحة، ولا داعى لإرغامهم على التنصير، لأن ذلك لا يعنى إخلاصهم للدين الجديد، ومن الخير أن يتركوا فى سلام، ولكن مساعى السادة فى هذا السبيل ذهبت عبثاً، وأصر الإمبراطور على أن يطبق التشريع الجديد على جميع مسلمى أراجون، وأصدر أوامره إلى ديوان التحقيق أن يقوم بتلك المهمة، فأذعن المسلمون إلى التنصير راغمين، وتم بذلك تنصيرهم جميعاً (سنة ١٥٢٦).
وتوالت الأوامر والقوانين المرهقة، فصدر قانون يحظر على الموريسكيين بيع الحرير والذهب والفضة والحلى والأحجار الكريمة، وحتم على كل مسلم بقى على
стр. 2826
دينه أن يحمل شارة زرقاء فى قبعته، وحظر عليهم حمل السلاح إطلاقاً، وإلا عوقب المخالفون بالجلد، وأمروا بأن يسجدوا فى الشوارع متى مر كبير الأحبار. وفى بلنسية صدر قرار بأن يغادر المسلمون الأراضى الإسبانية من طريق الشمال، وحظر على السادة أن يبقوهم فى ضياعهم، وإلا عوقبوا بالغرامة الفادحة. فعاد المسلمون فى بلنسية إلى الثورة، وقاوموا جند الحكومة حيناً، ولكن الثورة ما لبثت أن أخمدت، وتقدم المسلمون خاضعين على يد وفد منهم مثل فى البلاط، يعرضون الدخول فى النصرانية، على أن تحقق لهم بعض المطالب والظروف المخففة، فلا يمتد إليهم قضاء ديوان التحقيق مدى أربعين عاماً، لا فى أنفسهم ولا فى أموالهم، وأن يحتفظوا خلال هذه المدة بلغتهم وملابسهم القومية، وبعض حقوقهم فى الزواج والميراث طبقاً لتقاليدهم، وأن ينفق على من كان منهم من الفقهاء من دخل الأراضى التى وقفها المسلمون لأغراض البر، ويرصد الباقى لإنشاء الكنائس الجديدة، وأن يسمح لهم بحمل السلاح وتخفيض الضرائب (١). ولكن مجلس الدولة رأى أن يطبق عليهم سائر الأوامر، التى طبقت على الموريسكيين فى غرناطة وغيرها، وأن يسمح لهم بالاحتفاظ بلغتهم وأزيائهم مدى عشرة أعوام فقط، وأن يمنحوا بعض الإمتيازات فيما يتعلق بالزواج ودفع الضرائب. وكانت هذه المنح أفضل ما يمكن نيله فى هذه الظروف، فأقبل المسلمون فى منطقة بلنسية على التنصير أفواجاً، عدا أقلية صغيرة آثرت المضى فى المقاومة، ومزقتها جند الإمبراطور بعد قليل، وألفت محاكم التحقيق غير بعيد، فى مجتمع الموريسكيين فى بلنسية، ميداناً خصباً لنشاطها.
وحذا الموريسكيون فى غرناطة حذو إخوانهم فى بلنسية، فسعوا لدى البلاط فى تخفيف الأوامر والقوانين المرهقة التى فرضت عليهم، وانتهزوا فرصة زيارة الإمبراطور لغرناطة (سنة ١٥٢٦) فقدموا إليه على يد ثلاثة من أكابرهم، هم الدون فرناندو بنجاس والدون ميشيل داراجون وديجو لويز بنشارا، وهم من سلالة أمراء غرناطة الذين نصروا منذ الفتح، مذكرة يشرحون فيها ظلامتهم، وما يعانونه من آلام المطاردة والإرهاق المستمر، ولاسيما من أعمال القسس والقضاء الدينى؛ فندب الإمبراطور لجنة محلية للتحقيق فى أمر الموريسكيين فى سائر أنحاء غرناطة، ثم عرضت نتائج بحثها على مجلس دينى قرر ما يأتى: أن يترك الموريسكيون استعمال لغتهم العربية وثيابهم القومية، وأن يتركوا استعمال الحمامات،
стр. 2827
وأن تفتح أبواب منازلهم أيام الحفلات وأيام الجمع والسبت، وألا يقيموا رسوم المسلمين أيام الحفلات، وألا يتسمّوا بأسماء عربية. ولكن تنفيذ هذه القرارات أرجىء بأمر الإمبراطور؛ ثم أعيد إصدارها، ثم أرجىء تنفيذها مرة أخرى.
وصدرت عدة أوامر ملكية بالعفو عن الموريسكيين فيما تقدم من الذنوب، فإذا عادوا طبقت عليهم أشد القوانين والفروض، فأذعن الموريسيكيون لكل ما فرض عليهم، ولكنهم افتدوا من الإمبراطور بمبلغ طائل من المال، حق ارتداء ملابسهم القومية، وحق الإعفاء من المطاردة إذا اتهموا بالردة (١).
وكان الإمبراطور شارلكان حينما أصدر قراره بتنصير المسلمين، قد وعد بتحقيق المساواة بينهم وبين النصارى فى الحقوق والواجبات، ولكن هذه المساواة لم تحقق قط، وشعر العرب المتنصرون منذ الساعة الأولى، أنهم مازالوا موضع الريب والإضطهاد، وفرضت عليهم فروض وضرائب كثيرة لا يخضع لها النصارى، وكانت وطأة الحياة تثقل عليهم شيئاً فشيئاً، وتترى ضدهم السعايات والإتهامات، وقد غدوا فى الواقع أشبه بالرقيق منهم بالرعايا الأحرار. ولما شعرت السلطات بميل الموريسكيين إلى الهجرة، وفشت فيهم هذه الرغبة، صدر قرار فى سنة ١٥٤١، يحرم عليهم تغيير مساكنهم، كما حرم عليهم النزوح إلى بلنسية، التى كانت دائماً طريقهم المفضل إلى ركوب البحر، ثم صدر قرار بتحريم الهجرة من أى الثغور إلا بترخيص ملكى نظير رسم فادح. وكانت السياسة الإسبانية تخشى دائماً اتصال الموريسكيين بمسلمى المغرب، وكان ديوان التحقيق يسهر على حركة الهجرة ويعمل على قمعها بمنتهى الشدة، ومع ذلك فقد كانت الأنباء تأتى من سفراء اسبانيا فى البندقية وغيرها من الثغور الإيطالية، بأن كثيراً من الموريسكيين الفارين، يمرون بها فى طريقهم إلى إفريقية والشرق الإسلامى (٢).
وخلال هذا الاضطهاد الغامر، كانت السياسة الإسبانية فى بعض الأحيان، تجنح إلى شىء من الرفق، فنرى الإمبراطور فى سنة ١٥٤٣ يبلغ "المحققين العامين" بأنه تحقيقاً لرغبة مطران طليطلة والمحقق العام، قد أصدر أمره بالعفو عن المسلمين المتنصرين من أهل "مدينة دلكامبو" و "أريفالو" فيما ارتكبوه من ذنوب الكفر والمروق، وأنه يكتفى بأن يطلب إليهم الإعتراف بذنوبهم أمام الديوان
стр. 2828
(ديوان التحقيق)، ثم ترد إليهم أملاكهم الثابتة والمنقولة التى أخذت منهم إلى الأحياء منهم، ويسمح لهم بتزويج أبنائهم وبناتهم من النصارى الخلص، ولا تصادر المهور التى دفعوها للخزينة بسبب الذنوب التى ارتكبوها، بل تبقى هذه المهور للأولاد الذين يولدون من هذا الزواج، وأن يتمتع بهذا الإمتياز النصرانيات الخلص اللاتى يتزوجن من الموريسكيين، بالنسبة للأملاك التى يقدمها الأزواج الموريسكيون برسم الزواج أو الميراث (١).
وهكذا لبثت السياسة الإسبانية أيام الإمبراطور شارلكان (١٥١٦ - ١٥٥٥) إزاء الموريسكيين، تتردد بين الإقدام والإحجام، واللين والشدة. بيد أنها كانت على وجه العموم أقل عسفاً وأكثر اعتدالا، منها أيام فرناندو وإيسابيلا. وفى عهده نال الموريسكيون كثيراً من ضروب الإعفاء والتسامح الرفيقة نوعاً، ولكنهم لبثوا فى جميع الأحوال موضع القطيعة والريب، عرضة للإرهاق والمطاردة، ولبثت محاكم التحقيق تجد فيهم دائماً ميدان نشاطها المفضل.
- ٢ -
على أن هذه السياسة المعتدلة نوعاً، لم يتح لها الاستمرار فى عهد ولده وخلفه فيليب الثانى (١٥٥٥ - ١٥٩٨). وكان التنصر قد عم الموريسكيين يومئذ، وغاضت منهم كل مظاهر الإسلام والعروبة، ولكن قبساً دفيناً من دين الآباء والأجداد، كان لا يزال يجثم فى قراره هذه النفوس الأبية الكليمة، ولم تنجح اسبانيا النصرانية بسياستها البربرية فى اكتساب شيىء من ولائها المغصوب. وكان الموريسكيون يحتشدون جماعات كبيرة وصغيرة فى غرناطة وفى بسائطها، وفى منطقة البشرّات الجبلية، تتوسطها الحاميات الإسبانية والكنائس، لتسهر الأولى ْعلى حركاتهم، وتسهر الثانية على إيمانهم وضمائرهم، وكانوا يشتغلون بالأخص بالزراعة والتجارة، ولهم صلات تجارية واجتماعية وثيقة بثغور المغرب، وهو ما كانت ترقبه السلطات الإسبانية دائماً بكثير من الحذر والريب.
وكانت بقية من التقاليد والمظاهر القديمة، مازالت تربط هذا الشعب الذى زادته المحن والخطوب اتحاداً، وتعلقاً بتراثه القومى والروحى؛ وكانت الكنيسة تحيط هذا الشعب العاق، الذى لم تنجح تعاليمها فى النفاذ إلى أعماق نفسه، بكثير من البغضاء والحقد. فلما تولى فيليب الثانى ألفت فرصتها فى إذكاء عوامل الاضطهاد
стр. 2829
والتعصب، التى خبت نوعاً فى عهد أبيه شارل الخامس. وكان هذا الملك المتعصب حبراً فى قرارة نفسه، يخضع لوحى الأحبار والكنيسة، ويرى فى الموريسكيين ما تصوره الكنيسة والسياسة الرجعية، عنصراً بغيضاً خطراً دخيلا على المجتمع الإسبانى، فلم تمض أعوام قلائل على تبوئه الملك، حتى ظهرت بوادر التعصب والتحريض ضد الموريسكيين، فى طائفة من القوانين والفروض المرهقة.
وكانت مسألة السلاح فى مقدمة المسائل، التى كانت موضع الاهتمام والتشدد، وقد عنيت السياسة الإسبانية منذ البداية بتجريد الموريسكيين من السلاح، واتخذت أيام فرناندو إجراءات لينة نوعاً، فكان يسمح بحمل أنواع معينة من السلاح المنزلى كالسكين وغيرها، وذلك بترخيص ورسوم معينة. ولكن الحكومة خشيت بعد ذلك عواقب هذا التسامح، فأخذت تشدد فى الترخيص، وجرد المسلمون فى بلنسية من سلاحهم جملة، وقيل لهم حينما أذعنوا للتنصير، أنهم سيعاملون كالنصارى فى سائر الحقوق والواجبات ويرد لهم سلاحهم، ولكن الحكومة لم تف بعهدها. وفى سنة ١٥٤٥ صدر قرار بمنع حمل السلاح كافة، ولكنه نفذ بشىء من اللين. وفى سنة ١٥٦٣، فى عهد فيليب الثانى، صدر قانون جديد يحرم حمل السلاح على الموريسكيين، إلا بترخيص من الحاكم العام، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدة، فأثار صدوره سخط الموريسكيين، وكان السلاح ضرورياً للدفاع عن أنفسهم فى محلاتهم المنعزلة النائية، بيد أن قانون تحريم السلاح، لم يكن سوى مقدمة لقانون أقسى وأشد إيلاماً، هو القانون الخاص بتحريم استعمال اللغة العربية، وارتداء الثياب العربية، على الموريسكيين.
وقد لبثت اللغة والتقاليد العربية فى الواقع للموريسكيين، أوثق الروابط بماضيهم وتراثهم، وكانت عماد قوتهم المعنوية، ومن ثم كانت عناية السياسة الإسبانية، بالعمل على محوها بطريق التشريع الصارم، والقضاء بذلك على آخر الروابط التى تربط الموريسكيين، بماضيهم وتراثهم القومى. وقد فكر بعض أحبار الكنيسة أن يتعلم القسس الذين يقومون بحركة التنصير اللغة العربية، لكى يستطيعوا إقناع الموريسكيين بلغتهم، والنفاذ إلى أعماق نفوسهم، ولكن فيليب الثانى لم يوافق على هذا الرأى، وآثر أن تعلّم القشتالية لأبناء الموريسكيين منذ طفولتهم؛ وكانت السياسة الإسبانية قد حاولت تنفيذ مشروعها منذ عهد الإمبراطور شارلكان، فصدر فى سنة ١٥٢٦ قانون يحرم على الموريسكيين التخاطب باللغة العربية وارتداء الثياب العربية، واستعمال الحمامات، وإقامة الحفلات على الطريقة الإسلامية، ولكنه لم ينفذ بشدة،
стр. 2830
والتمس الموريسكيون فى بلنسية وغرناطة وقف تنفيذه أربعين عاماً، يحتفظون خلالها بلغتهم وثيابهم القومية، وقرنوا ملتمسهم بمطالب أخرى تتعلق بتطبيق شريعتهم وتقاليدهم، وتخفيف الضرائب عن كاهلهم، وبالرغم من أن مطالبهم لم تجب يومئذ كلها، فإن قانون تحريم اللغة والثياب القومية، أرجىء تنفيذه مرة بعد أخرى، وأجيز للموريسكيين استعمال اللغة والثياب القومية، نظير ضريبة معينة، واستمر هذا المنح سارياً حتى عهد فيليب الثانى، وكان يجمع من هذه الضريبة مبلغ طائل. ولكن فيليب الثانى كان ملكاً شديد التعصب، كثير التأثر بنفوذ الأحبار، وكانت الكنيسة ترى أن بقاء اللغة العربية من أشد العوامل لمنع تغلغل النصرانية فى نفوس الموريسكيين، وأنه لابد من القضاء على ذلك الحاجز الصخرى الذى تتحطم عليه جهود الكنيسة؛ وكانت قد مضت فوق ذلك أربعون عاماً مذ صدر قانون التحريم فى عهد الإمبراطور شارلكان، ولم يبق للموريسكيين بذلك حجة ولا ملتمس، وانتهت الكنيسة كالعادة بإقناع الملك بصواب رأيها، فلم يلبث أن استجاب لتحريضها، وأمر فى مايو سنة ١٥٦٦ بأن يجدد القانون القديم بتحريم اللغة والثياب العربية، وهكذا حاول بطريق التشريع أن يسدد الضربة الأخيرة للغة الموريسكيين وتقاليدهم العربية، فأصدر هذا القانون الهمجى الذى لم يسمع بصدور مثله فى تاريخ المجتمعات المتمدنة.
ويقضى هذا القانون بأن يمنح الموريسكيون ثلاثة أعوام لتعلم اللغة القشتالية، ثم لا يسمح بعد ذلك لأحد أن يتكلم أو يكتب أو يقرأ العربية أو يتخاطب بها، سواء بصفة عامة أو بصفة خاصة، وكل معاملات أو عقود تجرى بالعربية تكون باطلة ولا يعتد بها لدى القضاء أو غيره. ويجب أن تسلم الكتب العربية، من أية مادة فى ظرف ثلاثين يوماً إلى رئيس المجلس الملكى فى غرناطة، لتفحص وتقرأ، ثم يرد غير الممنوع منها إلى أصحابها لتحفظ لديهم مدى الأعوام الثلاثة فقط.
وأما الثياب فيمنع أن يصنع منها أى جديد مما كان يستعمل أيام المسلمين، ولا يصنع منها إلا ما كان مطابقاً لأزياء النصارى، وحتى لا يتلف منها ما كان من زى المسلمين فإنه يسمح بارتداء الثياب الحريرية منها لمدة عام، والصوفية لمدة عامين، ثم لا يسمح باستعمالها بعد ذلك. ويحظر التحجب على النساء الموريسكيات وعليهن أن يكشفن وجوههن، وأن يرتدين عند الخروج المعاطف والقبعات على نحو ما تفعل النساء الموريسكيات فى أراجون. ويحظر فى الحفلات إجراء أية رسوم
стр. 2831
صورة: الملك فيليب الثانى عن صورة "سانشيث كويليو" المحفوظة بمتحف "البرادو" بمدريد
стр. 2832
إسلامية، ويجب أن يجرى كل ما فيها طبقاً لعرف الكنيسة وعرف النصارى، ويجب أن تفتح المنازل أثناء الاحتفال، وكذلك أيام الجمعة وأيام الأعياد، ليستطيع القسس ورجال السلطة أن يروا ما يقع بداخلها من المظاهر والرسوم المحرمة. ويحرم إنشاد الأغانى القومية، ولا يشهر الزمر (الرقص العربى) أو ليالى الطرب بالآلات، أو غيرها من العوائد الموريسكية، ويحرم الخضاب بالحناء. ولا يسمح بالاستحمام فى الحمامات، ويجب أن تهدم سائر الحمامات العامة والخاصة.
ويحرم استعمال الأسماء والألقاب العربية، ومن يحملها يجب عليه أن يبادر بتركها. ويجب أخيراً على الموريسكيين الذين يستخدمون العبيد السود أن يقدموا رخصهم باستخدامهم للنظر فيما إذا كان حرياً بأن يسمح لهم باستبقائهم (١).
هذه هى نصوص ذلك القانون الهمجى الذى أريد به تسديد الضربة القاتلة لبقايا الأمة الأندلسية، وذلك بتجريدها من مقوماتها القومية الأخيرة. وقد فرضت على المخالف عقوبات فادحة، تختلف من السجن إلى النفى والإعدام، وكان إحراز الكتب والأوراق العربية ولاسيما القرآن، يعتبر فى نظر السلطات من أقوى الأدلة على الردة، ويعرض المتهم لأقسى أنواع العذاب والعقاب.
أعلن هذا القانون المروع فى غرناطة فى يوم أول يناير سنة ١٥٦٧، وهو اليوم الذى سقطت فيه غرناطة، واتخذته اسبانيا عيداً قومياً تحتفل به فى كل عام، وأمر ديسا رئيس المجلس الملكى بإذاعته فى غرناطة، وسائر أنحاء مملكتها القديمة، وتولى إذاعته موكب من القضاة شق المدينة، ومن حوله الطبل والزمر، وعلق فى ميدان باب البنود أعظم ميادينها القديمة، وفى سائر ميادينها الأخرى، وفى ربض البيازين، فوقع لدى الموريسكيين وقع الصاعقة، وفاضت قلوبهم الكسيرة سخطاً وأسى ويأساً، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدة، فحطمت الحمامات تباعاً.
واجتمع زعماء الموريسكيين وتباحثوا فيما يجب عمله إزاء هذه المحنة الجديدة، وحاولوا أن يسعوا بالضراعة والحسنى لإلغاء هذا القانون أو على الأقل لتخفيف وطأته، ورفعوا احتجاجهم أولا إلى الرئيس ديسا، عن يد رئيس جماعتهم مولاى فرنسيسكو نونيز، فخاطب الرئيس ديسا، وبين له ما فى القانون من شدة وتناقض وخرق للعهود، وطلب إرجاء تنفيذه. ثم قرروا التظلم للعرش. وحمل رسالتهم
стр. 2833
إلى فيليب الثانى، وإلى وزيره الطاغية الكردينال اسبينوسا، سيد اسبانى نبيل من أعيان غرناطة يدعى الدون خوان هنريكس، وكان يعطف على هذا الشعب المنكود، ويرى خطر السياسة التى اتبعت لإبادته، وسار معه إلى مدريد اثنان من أكابرهم هما خوان هرناندث من أعيان غرناطة، وهرناندو الحبقى من أعيان وادى آش، والتمس الوفد إلى الملك إرجاء تنفيذ القانون كما حدث أيام أبيه، وبعث الدون هنريكس بمذكرة إلى جميع أعضاء مجلس الملك يبين فيها ما يترتب على تنفيذ القانون من حرج واضطراب، ولكن مساعيه كلها ذهبت عبثاً، وأجاب الكردينال اسبينوسا، بأن جلالته مصمم على تنفيذ القانون، وأنه أصبح أمراً واقعاً. وكذا عرض المركيز دى مونديخار حاكم غرناطة على الملك اعتراض الموريسكيين، وأوضح له خطورة الموقف، وأن اليأس قد يدفعهم إلى الثورة، وأن الترك، أصبحوا فى شواطىء المغرب على مقربة من اسبانيا، وأن الموريسكيين شعب عدو لا يدين بالولاء، فلم تفد هذه الاعتراضات شيئاً، وقيل إن الموريسكيين شعب جبان، ولا سلاح لديه ولا حصون. وهكذا حملت سياسة العنف والتعصب فى طريقها كل شىء، ونفذت الأحكام الجديدة فى المواعيد التى حددت لها، ولم تبد السلطات فى تنفيذها أى رفق أو مهادنة (١).
ولم يحظ بلمحة من الرفق سوى الموريسكيون فى بلنسية، وكان زعيمهم وكبير أشرافهم كوزمى بن عامر من المقربين إلى البلاط، فسعى للتخفيف عنهم، وكللت مساعيه بالنجاح فى بعض النواحى، وهو أن يعامل الموريسكيون بالرفق فى حالة الإتهام بالردة، ولا تنزع أملاكهم بتهمة المروق، وذلك على أن يدفعوا إتاوة سنوية قدرها ألفان وخمسمائة مثقال لديوان التحقيق (٢).
وأما فى غرناطة فقد بلغ اليأس بالموريسكيين ذروته، فتهامسوا على المقاومة والثورة، والذود عن أنفسهم إزاء هذا العسف المضنى، أو الموت قبل أن تنطفىء فى قلوبهم وضمائرهم، آخر جذوة من الكرامة والعزة، وقبل أن تقطع آخر صلاتهم بالماضى المجيد والتراث العزيز، وكانت نفوسهم ماتزال تضطرم ببقية من شغف النضال والدفاع عن النفس، وكانوا يرون فى المناطق الجبلية القريبة ملاذاً للثورة،
стр. 2834
ويؤملون أن يصلوا بالمقاومة إلى إلغاء هذا القانون الهمجى أو تخفيفه.
وهنا يبدأ الصراع الأخير بين الموريسكيين واسبانيا النصرانية. ومن الأسف أننا لم نتلق عن هذه المرحلة المؤسية والأخيرة من تاريخ الأمة الأندلسية، شيئاً من الروايات العربية، وهى تقف كما رأينا عند محنة التنصير الأولى عقب سقوط غرناطة، فلابد لنا هنا من أن نرجع إلى الرواية النصرانية دون سواها.
سرى إلى الموريسكيين يأس بالغ يذكيه السخط العميق فعولوا على الثورة، مؤثرين الموت على ذلك الإستشهاد المعنوى الهائل. ونبتت فكرة الثورة أولا فى غرناطة حيث يقيم أعيان الموريسكيين، وحيث كانت جمهرة كبيرة منهم تحتشد فى ضاحية "البيازين". وكان زعيم الفكرة ومثير ضرامها موريسكى يدعى فرج بن فرج؛ وكان فرج صباغاً بمهنته، ولكنه حسبما تصفه الرواية القشتالية، كان رجلا جريئاً وافر العزم والحماسة، يضطرم بغضاً للنصارى، ويتوق إلى الانتقام الذريع منهم؛ ولاغرو فقد كان ينتسب إلى بنى سراج، وهم كما رأينا من أشراف غرناطة وفرسانها الأنجاد أيام الدولة الإسلامية. وكان ابن فرج كثير التردد على أنحاء البشرّات، وثيق الصلة بمواطنيه، فاتفق الزعماء على أن يتولى حشد قوة كبيرة منهم، تزحف سراً إلى غرناطة، وتجوز إليها من ضاحية البيازين، ثم تفاجىء حامية الحمراء وتسحقها، وتستولى على المدينة، وحددوا للتنفيذ "يوم الخميس المقدس" من شهر ابريل سنة ١٥٦٨، إذ يشغل النصارى يومئذ باحتفالاتهم وصلواتهم. ولكن أنباء هذا المشروع الخطير تسربت إلى السلطات منذ البداية، فاتخذت التحوطات لدرئه، وعززت حامية غرناطة وحاميات الثغور، واضطر الموريسكيون إزاء هذه الأهبة، أن يرجئوا مشروعهم إلى فرصة أخرى.
ووضع أديب من زعماء الثورة يدعى باسمه المسلم محمد بن محمد بن داود، قصيدة ملتهبة يصف فيها آلام بنى وطنه، ويستمد فيها الغوث والعون من الله ونبيه، فضبطت معه فى ثغر أدرة، وأرسلت إلى البلاط مع ترجمتها القشتالية، وإليك ملخص ما ورد فى هذه القصيدة التى تعتبر كأنها صرخة ألم أخيرة لشعب شهيد:
تفتتح القصيدة بحمد الله والثناء عليه والتنويه بقدرته، وخضوع جميع الناس والأشياء لحكمه، ثم يقول أن استمعوا إلى قصة الأندلس المحزنة، وهى تلك الأمة العظيمة، التى غدت اليوم ضعيفة مهيضة، يحيط بها الكفرة من كل صوب، وأضحى أبناؤها كالأغنام الذين لا راعى لهم
стр. 2835
وفى كل يوم نسام سوء العذاب، ولا حيلة لنا سوى المصانعة، حتى ينقذنا الموت مما هو شر وأدهى.
وقد حكّموا فينا اليهود الذين لا عهد لهم ولا ذمام، وفى كل يوم يبحثون عن ضلالات وأكاذيب وخدع وانتقامات جديدة.
ونرغم على مزاولة الشعائر النصرانية وعبادة الصور، وهى مسخ للواحد القهار، ولا يجرؤ أحد على التذمر أو الكلام. وإذا ما قرع الناقوس ألقى القس عظته بصوت أجش، وفيها يشيد بالنبيذ ولحم الخنزير، ثم تنحنى الجماعة أمام الأوثان دون حياء ولا خجل ...
ومن عَبَد الله بلغته قضى عليه بالهلاك، ومن ضبط ألقى إلى السجن وعذب ليل نهار حتى يرضخ لباطلهم.
ثم يصف وسائل إرهاقهم والتضييق عليهم، من التسجيل والتفتيش وغيرها، وما يفرض عليهم من الضرائب الفادحة، وكيف تؤدى عن الحىّ والميت، والكبير والصغير والغنى والفقير، وكيف يرهقهم القضاة الظلمة، ولا يفلت من ظلمهم كائن، وكيف يلقى بهم فى السجن، ويرغمون على التنصير بالاعتقال والتعذيب، وكيف تهشم أوصال الفرائس، ثم تحمل إلى الميدان لتحرق أمام الجمع الحاشد.
وكيف تكدس المظالم على رؤوسهم تكديساً، ويسومهم الخسف أصاغر النصارى، وكل منهم يفتن فى ضروب الإضطهاد.
ثم يقول: ولقد علقوا يوم العيد (عيد سقوط غرناطة)، فى ميدان باب البنود، قانوناً جديداً، وأخذوا يدهمون الناس فى نومهم، ويفتحون كل باب، يزمعون تجريدنا من ثيابنا وقديم عاداتنا، ويمزقون الثياب ويحطمون الحمامات.
ونحن إذ نيأس من عدل الإنسان نستغيث بالنبى، معتمدين على ثواب الآخرة، وقد حثنا شيوخنا على الصلاة والصوم، وأن نقصد وجه الله، فهو الذى يرحمنا فى نهاية الأمر" (١).
وضبط فى نفس الوقت مع ابن داود خطاب موجه من أحد زعماء البيازين إلى رؤساء المغرب وإخوانهم فى الدين. وكان هذا الكتاب واحداً من كتب عديدة وجهت خفية، إلى أمراء الثغور فى المغرب، يطلبون إليهم الغوث والعون، فحمل
стр. 2836
الكتاب إلى حاكم غرناطة، وفيه يناشد كاتبه إخوانه بالمغرب، ويستحلفهم الغوث بحق روابط الدين والدم، ويصف ما قرره النصارى "من إرغامهم على ترك اللغة، وتركها فقد للشريعة، وكشف الوجوه الحيية المحتشمة، وفتح الأبواب، وما أنزل بهم من محن السجن والأسر ونهب الأملاك" ويطلب إليهم أن يبلغوا استغاثتهم إلى سلطان المشرق، قاهر أعدائه، ثم يقول: "لقد غمرتنا الهموم وأعداؤنا يحيطون بنا إحاطة النار المهلكة. إن مصائبنا لأعظم من أن تحتمل، ولقد كتبنا إليكم فى ليال تفيض بالعذاب والدمع، وفى قلوبنا قبس من الأمل، إذا كانت ثمة بقية من الأمل فى أعماق الروح المعذب" (١)؛ ولكن الحكومات المغربية كانت مشغولة بمشاكلها الداخلية، فلم يلب داعى الغوث سوى جماعة من المتطوعين، الذين نفذوا سراً إلى إخوانهم فى البشرّات، ومنهم كثيرون من البحارة المجاهدين، الذين كانوا حرباً عواناً على الثغور والسفن الإسبانية فى ذلك العصر.
واستمر الموريسكيون على عزمهم وأهبتهم، وأرسلت خطابات عديدة من ابن فرج وزملائه إلى مختلف الأنحاء يدعون فيها إخوانهم إلى التأهب وإخطار سائر إخوانهم. وفى شهر ديسمبر سنة ١٥٦٨ وقع حادث كان نذير الانفجار، إذ اعتدى الموريسكيون على بعض المأمورين والقضاة الإسبانيين فى طريقهم إلى غرناطة، ووثبت جماعة منهم فى نفس الوقت بشرذمة من الجند، كانت تحمل كمية كبيرة من البنادق، ومثّلت بهم جميعاً. وفى الحال سار ابن فرج على رأس مائتين من أتباعه، ونفذ إلى المدينة ليلا، وحاول تحريض مواطنيه فى "البيازين" على نصرته، ولكنهم أبوا أن يشتركوا فى مثل هذه المغامرة الجنونية. ولقد كان موقفهم حرجاً فى الواقع، لأنهم يعيشون إلى جانب النصارى على مقربة من الحامية، وهم أعيان الطائفة ولهم فى غرناطة مصالح عظيمة، يخشون عليها من انتقام الإسبان. بيد أنهم كانوا يؤيدون الثورة: يؤيدونها برعايتهم ونصحهم ومالهم؛ فارتد ابن فرج على أعقابه واجتاز شعب جبل شلير (سيرّا نفادا) إلى الهضاب الجنوبية، فيما بين بلّش وألمرية.
فلم تمض بضعة أيام، حتى عم ضرام الثورة جميع الدساكر والقرى الموريسكية فى أنحاء البشرات، وهرعت الجموع المسلحة إلى ابن فرج، ووثب الموررسكيون بالنصارى القاطنين فيما بينهم، ففتكوا بهم ومزقوهم شر تمزيق.
стр. 2837
- ٣ -
اندلع لهيب الثورة فى أنحاء الأندلس، ودوت بصيحة الحرب القديمة، وأعلن الموريسكيون استقلالهم، واستعدوا لخوض معركة الحياة أو الموت. وبدأ الزعماء باختيار أمير يلتفون حوله، ويكون رمز مُلْكهم القديم، فوقع اختيارهم على فتى من أهل البيازين يدعى الدون فرناندو دى كردوبا وفالور (١). وكان هذا الإسم النصرانى القشتالى، يحجب نسبة عربية إسلامية رفيعة. ذلك أن فرناندو دى فالور كان ينتمى فى الواقع إلى بنى أمية، وكان سليل الملوك والخلفاء، الذى سطعت فى ظلهم الدولة الإسلامية فى الأندلس، زهاء ثلاثة قرون. وكان فتى فى العشرين تنوه الرواية القشتالية المعاصرة بوسامته ونبل طلعته، وكان قبل انتظامه فى سلك الثوار مستشاراً ببلدية غرناطة، ذا مال ووجاهة. وكان الأمير الجديد يعرف خطر المهمة التى انتدب لها، وكان يضطرم حماسة وجرأة وإقداماً. ففى الحال غادر غرناطة سراً إلى الجبال، ولجأ إلى شيعته آل فالور فى قرية برذنار Beznar، فهرعت إليه الوفود، والجموع من كل ناحية، واحتفل الموريسكيون بتتويجه فى التاسع والعشرين من ديسمبر (سنة ١٥٦٨) فى احتفال بسيط مؤثر، فرشت فيه على الأرض أعلام إسلامية ذات أهلة، فصلى عليها الأمير متجهاً صوب مكة، وقبل أحد أتباعه الأرض رمزاً بالخضوع والطاعة، وأقسم الأمير أن يموت فى سبيل دينه وأمته، وتسمى باسم ملوكى عربى هو محمد بن أمية صاحب الأندلس وغرناطة، واختار عمه المسمى فرناندو الزغوير (الصغير)، واسمه المسلم ابن جوهر قائداً عاماً لجيشه، وقد كان صاحب الفضل الأكبر فى اختياره للرياسة، وانتخب ابن فرج كبيراً للوزراء، ثم بعثه على رأس بعض قواته إلى هضاب البشرّات، ليجمع ما استطاع من أموال الكنائس؛ واتخذ مقامه فى أعماق الجبال فى مواقع منيعة، وبعث رسله فى جميع الأنحاء، يدعون الموريسكيين إلى خلع طاعة النصارى والعود إلى دينهم القديم (٢).
ووقعت نقمة الموريسكيين بادىء ذى بدء، على النصارى المقيمين بين ظهرانيهم فى أنحاء البشرات، ولاسيما القسس وعمال الحكومة، وكان هؤلاء يقيمون فى محلات متفرقة سادة قساة، يعاملون الموريسكيين بمنتهى الصرامة والزراية، وكان
стр. 2838
القسس بالأخص سبب بلائهم ومصائبهم، ومن ثم فقد كانوا ضحايا الثورة الأولى.
وانقض ابن فرج ورجاله على النصارى فى تلك الأنحاء ومزقوهم تمزيقاً، وقتلوا القسس وعمال الحكومة، ومثلوا بهم أشنع تمثيل؛ وكانت حسبما تقول الروايات القشتالية مذبحة عامة، لم ينج منها حتى النساء والأطفال والشيوخ. وذاعت أنباء المذبحة الهائلة فى غرناطة، فوجم لها الموريسكيون والنصارى معاً، وكل يخشى عواقبها الوخيمة؛ وكان الموريسكيون يخشون أن يبطش النصارى بهم انتقاماً لمواطنيهم، وكان النصارى يخشون أن يزحف جيش الموريسكيين على غرناطة، فتسقط المدينة فى أيديهم، وعندئذ يحل بهم النكال الرائع. بيد أن الرواية القشتالية تنصف هنا محمد بن أمية، فتقول إنه لم يحرض على هذه المذابح، ولم يوافق عليها، بل لقد ثار لها وحاول أن يحول دون وقوعها، وعزل نائبه ابن فرج عن القيادة، فنزل راضياً واندمج فى صفوف المجاهدين. وهنا يختفى ذكره ولا يبدو على مسرح الحوادث بعد (١).
- ٤
-
وكانت غرناطة فى أثناء ذلك ترتجف سخطاً وروعاً، وكان حاكمها المركيز دى منديخار يتخذ الأهبة لقمع الثورة منذ الساعة الأولى. بيد أنه لم يكن يقدر مدى الإنفجار الحقيقى، فغصت غرناطة بالجند، ووضع الموريسكيون أهل البيازين تحت الرقابة، رغم احتجاجاتهم وتوكيدهم بأن لا علاقة لهم بالثائرين من مواطنيهم؛ وخرج منديخار من غرناطة بقواته فى ٢ يناير سنة ١٥٦٩، تاركاً حكم المدينة لابنه الكونت تندليا، وعبر جبل شلير (سيرّا نفادا)، وسار توًّا إلى أعماق البشرات حيث يحتشد جيش الثوار. وكانت الثورة الموريسكية فى تلك الأثناء قد عمت أنحاء البشرات الشرقية والجنوبية، واضطرمت فى أجيجر وبرجة وأدرة وأندرش ودلاية ولوشار ومرشانة وشلوبانية وغيرها من البلاد والقرى.
واستطاع الموريسكيون أن يتغلبوا بسهولة على معظم الحاميات الإسبانية المتفرقة فى تلك الأنحاء، بل لقد سرت الثورة إلى أطراف مملكة غرناطة القديمة، حيث اندلع لهيبها فى وادى المنصورة فى قراه ودساكره، ولم يتخلف عن الاشتراك فى الثورة سوى رندة ومربلة ومالقة، وكانت بها حاميات اسبانية قوية، ونشبت الثورة
стр. 2839
فى معظم أنحاء ألمرية، وهكذا عمت الثورة الموريسكية معظم أنحاء الأندلس، واشتد الأمر بنوع خاص فى بسطة ووادى آش وألمرية (١).
وكان محمد بن أمية متحصناً بقواته فى آكام بوكيرا الوعرة، وكان الموريسكيون رغم نقص مواردهم وسلاحهم، قد حذقوا حرب الجبال ومفاجآتها، فما كاد الإسبان يقتربون حتى انقضوا عليهم، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة، ارتد الموريسكيون على أثرها إلى سهول بطرنة، وتخلف كثيرون منهم ولاسيما النساء، ففتك الإسبان بهم فتكاً ذريعاً، وحاول منديخار أن يتفاهم مع الثائرين على العفو، وأن يخلدوا إلى السكينة، وبعث إليهم بعض المسالمين من مواطنيهم. وكتب الدون ألونسو فنيجاس (بنيغش) سليل الأسرة الغرناطية القديمة إلى ابن أمية يعاتبه، وأنه قد جانب العقل والحزم فى القيام بهذه الحركة التى تعرضه وتعرض أمته للهلاك، ونصحه بالتوبة والتماس العفو. وكان محمد بن أمية يميل إلى الصلح والتفاهم، وتبودلت بالفعل المكاتبة بينه وبين المركيز دى منديخار فى أمر التسليم، ولكن المتطرفين من أنصاره ولاسيما المتطوعين المغاربة، رفضوا الصلح، فاستؤنفت المعارك، ورجحت كفة الإسبان، وهزم الموريسكيون مرة أخرى، وأعلن المركيز دى منديخار أن الأسرى الموريسكيين يعتبرون رقيقاً، وفرّ محمد بن أمية، وأسرت أمه وزوجه وأخواته. وأصيب الإسبان بهزيمة شديدة فى آكام "جواخاريس" وقتل منهم مائة وخمسون جندياً مع ضباطهم، ولكن الموريسكيين آثروا الارتداد، وقتل الإسبان من تخلف منهم أشنع قتل، وكان ممن تخلف منهم زعيم باسل يدعى " الزمار " أسره الإسبان مع ابنته الصغيرة، وأرسلوه إلى غرناطة حيث عذبوه عذاباً وحشياً إذ نزع لحمه من عظامه حياً، ثم مزقت أشلاؤه. وهكذا كانت أساليب الإسبان ومحاكم التحقيق إزاء العرب المتنصرين.
واختفى محمد بن أمية مدى حين فى منزل قريبه "ابن عبو"، وكان من أنجاد الزعماء أيضاً، وطارده الإسبان دون أن يظفروا به. على أن هذه الهزائم لم تنل من عزم الموريسكيين، فقد احتشدوا فى شرقى البشرات فى جموع عظيمة، وأخذوا يهددون ألمرية، فسار إليهم المركيز "لوس فيليس" على رأس جيش آخر، ووقعت بين الفريقين عدة معارك شديدة، قتل فيها كثير من الفريقين، ومزق الموريسكيون، وفتك الإسبان كعادتهم بالأسرى، وقتلوا النساء والأطفال قتلا ذريعاً.
стр. 2840
ووقعت فى نفس الوقت فى غرناطة مذبحة مروعة أخرى، فقد كان فى سجنها العام نحو مائة وخمسين من أعيان الموريسكيين، اعتقلوا رهينة وكفالة بالطاعة، فأذاع الإسبان أن الموريسكيين سيهاجمون غرناطة لإنقاذ السجناء، بمؤازرة مواطنيهم فى البيازين، وعلى ذلك صدر الأمر بإعدام السجناء، فانقض الجند عليهم وذبحوهم فى مناظر مروعة من السفك الأثيم.
وكان لهذه الحوادث الأخيرة أثر فى إذكاء الثورة، وكان نذيراً جديداً للموريسكيين بأن الموت فى ساحة الحرب خير مصير يلقون، فسرى إليهم لهب الثورة بأشد من قبل، وطافت بهم صيحة الإنتقام، فانقضوا على الحاميات الإسبانية المبعثرة فى أنحاء البشرّات ومزقوها تمزيقاً، وهزموا قوة إسبانية تصدت لقتالهم، واحتشدت جموعهم مرة أخرى تملأ الهضاب والسهل، وعاد محمد بن أمية ثانية إلى تبوىء عرشه الخطر، والتف حوله الموريسكيون أضعاف ما كانوا، وبعث أخاه عبد الله إلى قسطنطينية بطلب العون من سلطانها، وأرسل فى نفس الوقت إلى أمير الجزائر وإلى سلطان مراكش الشريفى يطلب الإنجاد والغوث، ولكن سلاطين قسطنطينية لم يلبوا ضراعة الموريسكيين بالرغم من تكرارها منذ سقوط غرناطة، وأرسل أمير الجزائر مشجعاً ومعتذراً عن عدم إمكان إرسال السفن، ووعد سلطان مراكش بالمساعدة والغوث، ولكن هذا الصريخ المتكرر من جانب الموريسكيين لم ينتج أثره المنشود، ولم يلبه غير إخوانهم المجاهدين فى إفريقية، فقد استطاعت جموع جريئة مخاطرة، أن تجوز إلى الشواطىء الإسبانية، ومنهم فرقة من الترك المرتزقة، وأن تهرع إلى نصرة المنكوبين.
وهكذا عاد النضال إلى أشده، وخشى الإسبان من احتشاد الموريسكيين فى البيازين ضاحية غرناطة، فصدر قرار بتشريدهم فى بعض الأنحاء الشمالية. وكانت مأساة جديدة مزقت فيها هذه الأسر التعسة، وفرق فيها بين الآباء والأبناء والأزواج والزوجات، فى مناظر مؤثرة تذيب القلب، وسار المركيز لوس فيليس فى نفس الوقت إلى مقاتلة الموريسكيين، فى سهول المنصورة على مقربة من أراضى مرسية، ونشبت بينه وبينهم وقائع غير حاسمة، ولم يستطع متابعة القتال لنقص فى الأهبة والمؤن، وكان بينه وبين زميله منديخار خصومة ومنافسة، كانتا سبباً فى اضطراب الخطط المشتركة. واتهم منديخار بالعطف على الموريسكيين فاستدعى إلى مدريد، وأقيل من القيادة، واتخذت مدريد خطوتها الجديدة الحاسمة فى هذا الصراع الذى لا رحمة فيه ولا هوادة