الكتاب إلى حاكم غرناطة، وفيه يناشد كاتبه إخوانه بالمغرب، ويستحلفهم الغوث بحق روابط الدين والدم، ويصف ما قرره النصارى "من إرغامهم على ترك اللغة، وتركها فقد للشريعة، وكشف الوجوه الحيية المحتشمة، وفتح الأبواب، وما أنزل بهم من محن السجن والأسر ونهب الأملاك" ويطلب إليهم أن يبلغوا استغاثتهم إلى سلطان المشرق، قاهر أعدائه، ثم يقول: "لقد غمرتنا الهموم وأعداؤنا يحيطون بنا إحاطة النار المهلكة. إن مصائبنا لأعظم من أن تحتمل، ولقد كتبنا إليكم فى ليال تفيض بالعذاب والدمع، وفى قلوبنا قبس من الأمل، إذا كانت ثمة بقية من الأمل فى أعماق الروح المعذب" (١)؛ ولكن الحكومات المغربية كانت مشغولة بمشاكلها الداخلية، فلم يلب داعى الغوث سوى جماعة من المتطوعين، الذين نفذوا سراً إلى إخوانهم فى البشرّات، ومنهم كثيرون من البحارة المجاهدين، الذين كانوا حرباً عواناً على الثغور والسفن الإسبانية فى ذلك العصر.
واستمر الموريسكيون على عزمهم وأهبتهم، وأرسلت خطابات عديدة من ابن فرج وزملائه إلى مختلف الأنحاء يدعون فيها إخوانهم إلى التأهب وإخطار سائر إخوانهم. وفى شهر ديسمبر سنة ١٥٦٨ وقع حادث كان نذير الانفجار، إذ اعتدى الموريسكيون على بعض المأمورين والقضاة الإسبانيين فى طريقهم إلى غرناطة، ووثبت جماعة منهم فى نفس الوقت بشرذمة من الجند، كانت تحمل كمية كبيرة من البنادق، ومثّلت بهم جميعاً. وفى الحال سار ابن فرج على رأس مائتين من أتباعه، ونفذ إلى المدينة ليلا، وحاول تحريض مواطنيه فى "البيازين" على نصرته، ولكنهم أبوا أن يشتركوا فى مثل هذه المغامرة الجنونية. ولقد كان موقفهم حرجاً فى الواقع، لأنهم يعيشون إلى جانب النصارى على مقربة من الحامية، وهم أعيان الطائفة ولهم فى غرناطة مصالح عظيمة، يخشون عليها من انتقام الإسبان. بيد أنهم كانوا يؤيدون الثورة: يؤيدونها برعايتهم ونصحهم ومالهم؛ فارتد ابن فرج على أعقابه واجتاز شعب جبل شلير (سيرّا نفادا) إلى الهضاب الجنوبية، فيما بين بلّش وألمرية.
فلم تمض بضعة أيام، حتى عم ضرام الثورة جميع الدساكر والقرى الموريسكية فى أنحاء البشرات، وهرعت الجموع المسلحة إلى ابن فرج، ووثب الموررسكيون بالنصارى القاطنين فيما بينهم، ففتكوا بهم ومزقوهم شر تمزيق.
стр. 2837
- ٣ -
اندلع لهيب الثورة فى أنحاء الأندلس، ودوت بصيحة الحرب القديمة، وأعلن الموريسكيون استقلالهم، واستعدوا لخوض معركة الحياة أو الموت. وبدأ الزعماء باختيار أمير يلتفون حوله، ويكون رمز مُلْكهم القديم، فوقع اختيارهم على فتى من أهل البيازين يدعى الدون فرناندو دى كردوبا وفالور (١). وكان هذا الإسم النصرانى القشتالى، يحجب نسبة عربية إسلامية رفيعة. ذلك أن فرناندو دى فالور كان ينتمى فى الواقع إلى بنى أمية، وكان سليل الملوك والخلفاء، الذى سطعت فى ظلهم الدولة الإسلامية فى الأندلس، زهاء ثلاثة قرون. وكان فتى فى العشرين تنوه الرواية القشتالية المعاصرة بوسامته ونبل طلعته، وكان قبل انتظامه فى سلك الثوار مستشاراً ببلدية غرناطة، ذا مال ووجاهة. وكان الأمير الجديد يعرف خطر المهمة التى انتدب لها، وكان يضطرم حماسة وجرأة وإقداماً. ففى الحال غادر غرناطة سراً إلى الجبال، ولجأ إلى شيعته آل فالور فى قرية برذنار Beznar، فهرعت إليه الوفود، والجموع من كل ناحية، واحتفل الموريسكيون بتتويجه فى التاسع والعشرين من ديسمبر (سنة ١٥٦٨) فى احتفال بسيط مؤثر، فرشت فيه على الأرض أعلام إسلامية ذات أهلة، فصلى عليها الأمير متجهاً صوب مكة، وقبل أحد أتباعه الأرض رمزاً بالخضوع والطاعة، وأقسم الأمير أن يموت فى سبيل دينه وأمته، وتسمى باسم ملوكى عربى هو محمد بن أمية صاحب الأندلس وغرناطة، واختار عمه المسمى فرناندو الزغوير (الصغير)، واسمه المسلم ابن جوهر قائداً عاماً لجيشه، وقد كان صاحب الفضل الأكبر فى اختياره للرياسة، وانتخب ابن فرج كبيراً للوزراء، ثم بعثه على رأس بعض قواته إلى هضاب البشرّات، ليجمع ما استطاع من أموال الكنائس؛ واتخذ مقامه فى أعماق الجبال فى مواقع منيعة، وبعث رسله فى جميع الأنحاء، يدعون الموريسكيين إلى خلع طاعة النصارى والعود إلى دينهم القديم (٢).
ووقعت نقمة الموريسكيين بادىء ذى بدء، على النصارى المقيمين بين ظهرانيهم فى أنحاء البشرات، ولاسيما القسس وعمال الحكومة، وكان هؤلاء يقيمون فى محلات متفرقة سادة قساة، يعاملون الموريسكيين بمنتهى الصرامة والزراية، وكان
стр. 2838
القسس بالأخص سبب بلائهم ومصائبهم، ومن ثم فقد كانوا ضحايا الثورة الأولى.
وانقض ابن فرج ورجاله على النصارى فى تلك الأنحاء ومزقوهم تمزيقاً، وقتلوا القسس وعمال الحكومة، ومثلوا بهم أشنع تمثيل؛ وكانت حسبما تقول الروايات القشتالية مذبحة عامة، لم ينج منها حتى النساء والأطفال والشيوخ. وذاعت أنباء المذبحة الهائلة فى غرناطة، فوجم لها الموريسكيون والنصارى معاً، وكل يخشى عواقبها الوخيمة؛ وكان الموريسكيون يخشون أن يبطش النصارى بهم انتقاماً لمواطنيهم، وكان النصارى يخشون أن يزحف جيش الموريسكيين على غرناطة، فتسقط المدينة فى أيديهم، وعندئذ يحل بهم النكال الرائع. بيد أن الرواية القشتالية تنصف هنا محمد بن أمية، فتقول إنه لم يحرض على هذه المذابح، ولم يوافق عليها، بل لقد ثار لها وحاول أن يحول دون وقوعها، وعزل نائبه ابن فرج عن القيادة، فنزل راضياً واندمج فى صفوف المجاهدين. وهنا يختفى ذكره ولا يبدو على مسرح الحوادث بعد (١).
- ٤
-
وكانت غرناطة فى أثناء ذلك ترتجف سخطاً وروعاً، وكان حاكمها المركيز دى منديخار يتخذ الأهبة لقمع الثورة منذ الساعة الأولى. بيد أنه لم يكن يقدر مدى الإنفجار الحقيقى، فغصت غرناطة بالجند، ووضع الموريسكيون أهل البيازين تحت الرقابة، رغم احتجاجاتهم وتوكيدهم بأن لا علاقة لهم بالثائرين من مواطنيهم؛ وخرج منديخار من غرناطة بقواته فى ٢ يناير سنة ١٥٦٩، تاركاً حكم المدينة لابنه الكونت تندليا، وعبر جبل شلير (سيرّا نفادا)، وسار توًّا إلى أعماق البشرات حيث يحتشد جيش الثوار. وكانت الثورة الموريسكية فى تلك الأثناء قد عمت أنحاء البشرات الشرقية والجنوبية، واضطرمت فى أجيجر وبرجة وأدرة وأندرش ودلاية ولوشار ومرشانة وشلوبانية وغيرها من البلاد والقرى.
واستطاع الموريسكيون أن يتغلبوا بسهولة على معظم الحاميات الإسبانية المتفرقة فى تلك الأنحاء، بل لقد سرت الثورة إلى أطراف مملكة غرناطة القديمة، حيث اندلع لهيبها فى وادى المنصورة فى قراه ودساكره، ولم يتخلف عن الاشتراك فى الثورة سوى رندة ومربلة ومالقة، وكانت بها حاميات اسبانية قوية، ونشبت الثورة
стр. 2839
فى معظم أنحاء ألمرية، وهكذا عمت الثورة الموريسكية معظم أنحاء الأندلس، واشتد الأمر بنوع خاص فى بسطة ووادى آش وألمرية (١).
وكان محمد بن أمية متحصناً بقواته فى آكام بوكيرا الوعرة، وكان الموريسكيون رغم نقص مواردهم وسلاحهم، قد حذقوا حرب الجبال ومفاجآتها، فما كاد الإسبان يقتربون حتى انقضوا عليهم، ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة، ارتد الموريسكيون على أثرها إلى سهول بطرنة، وتخلف كثيرون منهم ولاسيما النساء، ففتك الإسبان بهم فتكاً ذريعاً، وحاول منديخار أن يتفاهم مع الثائرين على العفو، وأن يخلدوا إلى السكينة، وبعث إليهم بعض المسالمين من مواطنيهم. وكتب الدون ألونسو فنيجاس (بنيغش) سليل الأسرة الغرناطية القديمة إلى ابن أمية يعاتبه، وأنه قد جانب العقل والحزم فى القيام بهذه الحركة التى تعرضه وتعرض أمته للهلاك، ونصحه بالتوبة والتماس العفو. وكان محمد بن أمية يميل إلى الصلح والتفاهم، وتبودلت بالفعل المكاتبة بينه وبين المركيز دى منديخار فى أمر التسليم، ولكن المتطرفين من أنصاره ولاسيما المتطوعين المغاربة، رفضوا الصلح، فاستؤنفت المعارك، ورجحت كفة الإسبان، وهزم الموريسكيون مرة أخرى، وأعلن المركيز دى منديخار أن الأسرى الموريسكيين يعتبرون رقيقاً، وفرّ محمد بن أمية، وأسرت أمه وزوجه وأخواته. وأصيب الإسبان بهزيمة شديدة فى آكام "جواخاريس" وقتل منهم مائة وخمسون جندياً مع ضباطهم، ولكن الموريسكيين آثروا الارتداد، وقتل الإسبان من تخلف منهم أشنع قتل، وكان ممن تخلف منهم زعيم باسل يدعى " الزمار " أسره الإسبان مع ابنته الصغيرة، وأرسلوه إلى غرناطة حيث عذبوه عذاباً وحشياً إذ نزع لحمه من عظامه حياً، ثم مزقت أشلاؤه. وهكذا كانت أساليب الإسبان ومحاكم التحقيق إزاء العرب المتنصرين.
واختفى محمد بن أمية مدى حين فى منزل قريبه "ابن عبو"، وكان من أنجاد الزعماء أيضاً، وطارده الإسبان دون أن يظفروا به. على أن هذه الهزائم لم تنل من عزم الموريسكيين، فقد احتشدوا فى شرقى البشرات فى جموع عظيمة، وأخذوا يهددون ألمرية، فسار إليهم المركيز "لوس فيليس" على رأس جيش آخر، ووقعت بين الفريقين عدة معارك شديدة، قتل فيها كثير من الفريقين، ومزق الموريسكيون، وفتك الإسبان كعادتهم بالأسرى، وقتلوا النساء والأطفال قتلا ذريعاً.
стр. 2840
ووقعت فى نفس الوقت فى غرناطة مذبحة مروعة أخرى، فقد كان فى سجنها العام نحو مائة وخمسين من أعيان الموريسكيين، اعتقلوا رهينة وكفالة بالطاعة، فأذاع الإسبان أن الموريسكيين سيهاجمون غرناطة لإنقاذ السجناء، بمؤازرة مواطنيهم فى البيازين، وعلى ذلك صدر الأمر بإعدام السجناء، فانقض الجند عليهم وذبحوهم فى مناظر مروعة من السفك الأثيم.
وكان لهذه الحوادث الأخيرة أثر فى إذكاء الثورة، وكان نذيراً جديداً للموريسكيين بأن الموت فى ساحة الحرب خير مصير يلقون، فسرى إليهم لهب الثورة بأشد من قبل، وطافت بهم صيحة الإنتقام، فانقضوا على الحاميات الإسبانية المبعثرة فى أنحاء البشرّات ومزقوها تمزيقاً، وهزموا قوة إسبانية تصدت لقتالهم، واحتشدت جموعهم مرة أخرى تملأ الهضاب والسهل، وعاد محمد بن أمية ثانية إلى تبوىء عرشه الخطر، والتف حوله الموريسكيون أضعاف ما كانوا، وبعث أخاه عبد الله إلى قسطنطينية بطلب العون من سلطانها، وأرسل فى نفس الوقت إلى أمير الجزائر وإلى سلطان مراكش الشريفى يطلب الإنجاد والغوث، ولكن سلاطين قسطنطينية لم يلبوا ضراعة الموريسكيين بالرغم من تكرارها منذ سقوط غرناطة، وأرسل أمير الجزائر مشجعاً ومعتذراً عن عدم إمكان إرسال السفن، ووعد سلطان مراكش بالمساعدة والغوث، ولكن هذا الصريخ المتكرر من جانب الموريسكيين لم ينتج أثره المنشود، ولم يلبه غير إخوانهم المجاهدين فى إفريقية، فقد استطاعت جموع جريئة مخاطرة، أن تجوز إلى الشواطىء الإسبانية، ومنهم فرقة من الترك المرتزقة، وأن تهرع إلى نصرة المنكوبين.
وهكذا عاد النضال إلى أشده، وخشى الإسبان من احتشاد الموريسكيين فى البيازين ضاحية غرناطة، فصدر قرار بتشريدهم فى بعض الأنحاء الشمالية. وكانت مأساة جديدة مزقت فيها هذه الأسر التعسة، وفرق فيها بين الآباء والأبناء والأزواج والزوجات، فى مناظر مؤثرة تذيب القلب، وسار المركيز لوس فيليس فى نفس الوقت إلى مقاتلة الموريسكيين، فى سهول المنصورة على مقربة من أراضى مرسية، ونشبت بينه وبينهم وقائع غير حاسمة، ولم يستطع متابعة القتال لنقص فى الأهبة والمؤن، وكان بينه وبين زميله منديخار خصومة ومنافسة، كانتا سبباً فى اضطراب الخطط المشتركة. واتهم منديخار بالعطف على الموريسكيين فاستدعى إلى مدريد، وأقيل من القيادة، واتخذت مدريد خطوتها الجديدة الحاسمة فى هذا الصراع الذى لا رحمة فيه ولا هوادة
стр. 2841
بينما كانت هذه الحوادث والمعارك الدموية تضطرم فى هضاب الأندلس وسهولها وتحمل إليها أعلام الخراب والموت، إذ وقع فى المعسكر الموريسكى حادث خطر، هو مصرع محمد بن أمية. وكان مصرعه نتيجة المؤامرة والخيانة، وكانت عوامل الخلاف والحسد، تحيط هذا العرش بسياج من الأهواء الخطرة. وكان محمد بن أمية يثير بين مواطنيه بظرفه ورقيق شمائله كثيراً من العطف، ولكنه كان يثير بصرامته وبطشه، الحقد فى نفوس نفر من ضباطه. وتقص علينا الرواية القشتالية سيرة مقتله فتقول، إنه كان ثمة ضابط من هؤلاء يدعى ديجو الجوازيل (الوزير) له عشيقة حسناء تسمى زهرة، فانتزعها محمد منه قسراً، فحقد عليه وسعى لإهلاكه بمعاونة خليلته، فزوّر على لسانه خطاباً إلى القائد العام "ابن عبو" يحرضه على التخلص من المرتزقة الترك، وكان ثمة منهم فرقة فى المعسكر الموريسكى، فعلم الترك بأمر الخطاب، واقتحموا المعسكر إلى مقر ابن أمية وقتلوه، بالرغم من احتجاجه وتوكيد براءته، واستقبل الجند الحادث بالسكون. وفى الحال اختار الزعماء ملكاً جديداً هو ابن عبو، واسمه الموريسكى ديجو لوبيث، وهو ابن عم الملك القتيل، فتسمى بمولاى عبد الله محمد، وأعلن ملكاً على الأندلس بنفس الاحتفال المؤثر الذى وصفناه. وكان مولاى عبد الله أكثر فطنة وروية وتدبراً، فحمل الجميع على احترامه، واشتغل مدى حين بتنظيم الجيش، واستقدم السلاح والذخيرة من ثغور المغرب، واستطاع أن يجمع حوله جيشاً مدرباً قوامه زهاء عشرة آلاف، بين مجاهد ومرتزق ومغامر.
وفى أواخر أكتوبر سنة ١٥٦٩ سار مولاى عبد الله بجيشه صوب "أرجبة" وهى مفتاح غرناطة، واستولى عليها بعد حصار قصير، فذاعت شهرته وهرع الموريسكيون فى شرق البشرات إلى إعلان طاعته، وامتدت سلطته جنوباً حتى بسائط رندة ومالقة، وكثرت غارات الموريسكيين على فحص غرناطة La Vega، وقد كان قبل سقوطها ميدان المعارك الفاصلة بين المسلمين والنصارى، وكان فيليب الثانى حينما رأى استفحال الثورة الموريسكية، وعجز القادة المحليين عن قمعها، قد عين أخاه الدون خوان قائداً عاماً لولاية غرناطة؛ ولما رأى الدون خوان اشتداد ساعد الموريسكيين اعتزم أن يسير لمحاربتهم بنفسه، فخرج فى أواخر ديسمبر على رأس جيشه، وسار صوب وادى آش، وحاصر بلدة "جليرا" وهى من أمنع مواقع الموريسكيين، وكان يدافع عنها زهاء ثلاثة آلاف موريسكى، منهم فرقة
стр. 2842
تركية، فهاجمها الإسبان عدة مرات وصوبوا إليها نار المدافع بشدة، فسقطت فى أيديهم بعد مواقع هائلة، أبدى فيها الموريسكيون والنساء الموريسكيات أعظم ضروب البسالة، وقتل عدد من الأكابر الإسبان وضباطهم، ودخلها الإسبان دخول الضوارى المفترسة، وقتلوا كل من فيها ولم يفروا من النساء والأطفال، وكانت مذبحة رائعة (فبراير سنة ١٥٧٠)، وتوغل الدون خوان بعد ذلك فى شعب الجبال حتى سيرون الواقعة على مقربة من بسطة، وكانت هنالك قوة أخرى من الموريسكيين بقيادة زعيم يدعى"الحبقى" تبلغ بضعة آلاف، ففاجأت الإسبان فى سيرون ومزقت بعض سراياهم، وأوقعت الرعب والخلل فى صفوفهم، وقتل منهم عدد كبير، ولم يستطع الدون خوان أن يعيد النظام إلا بصعوبة؛ فجمع شتات جيشه، وطارد الموريسكيين، واستمر فى سيره جنوباً حتى وصل إلى أندرش فى مايو سنة ١٥٧٠، وهنا رأت الحكومة الإسبانية أن تجنح إلى شىء من اللين، خشية عواقب هذا النضال الرائع، فبعث الدون خوان رسله إلى الزعيم "الحبقى" يفاتحه فى أمر الصلح، وصدر أمر ملكى بالوعد بالعفو عن جميع الموريسكيين الذين يقدمون خضوعهم فى ظرف عشرين يوماً من إعلانه، ولهم أن يقدموا ظلاماتهم، فتبحث بعناية، وكل من رفض الخضوع، ما عدا النساء والأطفال دون الرابعة عشرة، قضى عليه بالموت. فلم يصغ إلى النداء أحد. ذلك أن الموريسكيين أيقنوا نهائياً أن اسبانيا النصرانية لا عهد لها ولا ذمام، وأنها غير أهل للوفاء، فعاد الدون خوان إلى استئناف المطاردة والقتال، وانقض الإسبان على الموريسكيين محاربين ومسالمين، يمعنون فيهم قتلا وأسراً، وسارت قوة بقيادة دون سيزا إلى شمال البشرّات، واشتبكت مع قوات مولاى عبد الله فى معارك غير حاسمة، وسارت مفاوضات الصلح فى نفس الوقت عن طريق الحبقى، وكان مولاى عبد الله قد رأى تجهم الموقف، ورأى أتباعه ومواطنيه يسقطون من حوله تباعاً، والقوة الغاشمة تجتاح فى طريقها كل شىء، فمال إلى الصلح والمسالمة، واستخلاص ما يمكن استخلاصه من برائن القوة القاهرة.
وتقدم للوساطة بين الثوار وبين الدون خوان كبير من أهل وادى آش يدعى الدون فرناندو دى براداس، وكانت له صلات طيبة مع زعماء الموريسكيين قبل الثورة.
وقد انتهت إلينا فى ذلك وثيقة مؤثرة هى عبارة عن خطاب كتبه مولاى عبد الله إلى دون هرناندو هذا يعرض استعداده للصلح والمفاوضة، وفيه تبدو لغة الموريسكيين العربية فى دور احتضارها، ويبدو أسلوب اللهجة الغرناطية التى انتهى الموريسكيون
стр. 2843
صورة: دون خوان
стр. 2844
إلى التحدث والكتابة بها بعد نحو ثمانين عاماً من الكبت والمطاردة. وإليك ما ورد فى هذا الخطاب الذى ربما كان آخر وثيقة عربية عثر بها البحث الحديث:
١ - الحمد لله وحدهو قبل الكلم
٢ - اسلم الكرمو على من اكرمهو الكرمو سيديا وحبيبى وعز اسر عنديا دن هرنندو ونى نعلم حرمتكم ين
٣ - اكن انت تقول يجى عنديا يجى عند أخكم وحببك وتجى مطمن وكل ميجكم فمليا
٤ - وذيمتى وكن انت تريد تترطل فذى المبرك مين سُلح كل متعمل تعملو معى ونى
٥ - نعمل معك كل مَترِيد بحق وبل غدر وذَهَرلى مين الحبقى بن اشمكِن يعمل
٦ - معلمن وتطلعنى على حق وذهر لى ين اشم طلب طلب يرحو وينسو ويسحبو وبعد رعى
٧ - ودين انى نعرف حرمتك بهذا شى وحرمتك اعمل الذى يذهر لكم وعمل مَيسُلح بنترر
٨ - وبين وعسى يقذيا الله خير بينين وتكن حرمتكم اسَبَبْ فدا شى وعملن فعدلكم يل اش
٩ - كن معى من يكتب لى يل كينكن كتبت لكم أكثر وسلموا عليكم ورحمتو الله وبركتو الله
١٠ - كتِيب الكتب يوم الثليث فشهر وليو فعم ..
... ملاى عبد الله (١).
وكتب الدون ألونسو دى فنيجاس (بنيغش) أيضاً إلى مولاى عبده الله يحثه على المسالمة، والتنكب عن هذا الطريق الخطر، ورد عليه عبد الله يلقى المسئولية على أولى الأمر، وعلى ما أحدثوه من بدع جعلت الحياة مستحيلة على الشعب الموريسكى (٢). وجرت المفاوضات بين الزعيم الحبقى قائد قوات الثورة، وبين
стр. 2845
صورة خطاب مولاى عبد الله إلى دون هرناندو دى براداس مكتوب بخطه ومذيل بتوقيعه
стр. 2846
الدون هرناندو دى براداس، واتفق فى النهاية على أن يتقدم الحبقى إلى الدون خوان بإعلان خضوعه، وطلب العفو لمواطنيه، فيصدر العفو العام عن الموريسكيين، وتكفل الحكومة الإسبانية حمايتها لهم أينما ارتأت مقامهم. وفى ذات مساء سار الحبقى فى سرية من فرسانه إلى معسكر الدون خوان فى أندرش، وقدم له الخضوع وحصل على العفو المنشود.
ولكن هذا الصلح لم يرض بالأخص مولاى عبد الله وباقى الزعماء، لأنهم لمحوا فيه نية اسبانيا النصرانية فى نفيهم ونزعهم عن أوطانهم، ففيم كانت الثورة إذاً وفيم كان النضال؟ لقد ثار الموريسكيون لأن اسبانيا أرادت أن تنزعهم لغتهم وتقاليدهم، فكيف بها إذ تعتزم أن تنزعهم ذلك الوطن العزيز، الذى نشأوا فى ظلاله الفيحاء، والذى يضم تاريخهم وكل مجدهم وذكرياتهم؟ أنكر الموريسكيون ذلك الصلح المجحف، وارتاب مولاى عبد الله فى موقف الحبقى، إذ رآه يروج لهذا الصلح بكل قواه، ويدعو إلى الخضوع والطاعة للعدو، فاستقدمه لمعسكره بالحيلة وهنالك أعدم سراً.
ووقف الدون خوان على ذلك بعد أسابيع من الانتظار والتريث، وبعث رسوله إلى مولاى عبد الله، فأعلن إليه أنه يترك الموريسكيين أحراراً فى تصرفاتهم. بيد أنه يأبى الخضوع ما بقى فيه رمق ينبض، وأنه يؤثر أن يموت مسلماً مخلصاً لدينه ووطنه، على أن يحصل على مُلْك اسبانيا بأسره. والظاهر أن مولاى عبد الله كانت قد وصلته أمداد من المغرب شدت أزره وقوّت أمله، وعادت الثورة إلى اضطرامها حول رندة، وأرسل مولاى عبد الله أخاه الغالب ليقود الثوار فى تلك الأنحاء، وثارت الحكومة الإسبانية لهذا التحدى، واعتزمت سحق الثوار بما ملكت، فسار الدون خوان فى قواته إلى وادى آش، وسار جيش آخر من غرناطة بقيادة دون ركيصانص إلى شمال البشرّات، وسار جيش ثالث إلى بسائط رندة، واجتاح الإسبان فى طريقهم كل شىء، وأمعنوا فى التقتيل والتخريب، وعبثاً حاولت السرايا الموريسكية أن تقف فى وجه هذا السيل فمزقت تباعاً، وهدم الإسبان الضياع والقرى والمعاقل، وأتلفت الأحراش والحقول، حتى لا يبقى للثائرين مثوى أو مصدر للقوت، وأخذت الثورة تنهار بسرعة، وفر كثير من الموريسكيين إلى إخوانهم فى إفريقية، ولم يبق أمام الإسبان سوى مولاى عبد الله وجيشه الصغير. بيد أن مولاى عبد الله لبث معتصما بأعماق الجبال، يحاذر الظهور أمام هذا السيل الجارف
стр. 2847
وفى ٢٨ أكتوبر سنة ١٥٧٠، أصدر فيليب الثانى قراراً بنفى الموريسكيين من مملكة غرناطة إلى داخل البلاد، ومصادرة أملاكهم العقارية، وترك أملاكهم المنقولة يتصرفون فيها. ويقضى هذا القرار بأن الموريسكيين فى غرناطة والفحص ووادى لكرين (الإقليم) وجبال بونتوفير حتى مالقة، وجبال رندة ومربلة، يؤخذون إلى ولاية قرطبة، ومن هنالك يفرقون فى أراضى ولايتى إسترامادورة وجليقية.
والموريكسيون فى وادى آش وبسطة ووادى المنصورة يؤخذون إلى جنجالة والبسيط ثم يفرقون فى أراضى قلعة رباح ومونتيل. والموريسكيون، فى ألمرية يؤخذون إلى ولاية إشبيلية. ونفذ القرار الجديد بمنتهى الصرامة والتحوط، وجمع الموريسكيون المسالمون من غرناطة وبسطة ووادى آش وغيرها، وسيقوا إلى الكنائس أكداساً، يحيط بهم الجند فى كل مكان، ونزعوا من أوطانهم وربوعهم العزيزة، وشتتوا على النحو المتقدم فى مختلف أنحاء قشتالة وليون (١).
ووقعت أثناء تنفيذ هذا القرار مناظر دموية، حيث جنح رجال الحكومة فى بعض الأنحاء ولاسيما فى رندة، إلى نهب المنفيين والفتك بالنساء والأطفال. ولما سمع الموريسكيون المعتصمون بالجبال هذه الأنباء انحدروا إلى السهل، وقتلوا كثيراً من الجند المثقلين بالغنائم. وكان مصير المنفيين مؤلماً، إذ هلك الكثير منهم من المشاق والمرض، وعانى الذين سلموا منهم مرارة غربة جديدة مؤلمة، ونص على وجوب وضعهم تحت الرقابة الدائمة، وتسجيلهم وتسجيل مساكنهم فى سجلات خاصة، وعين لهم حيث وجدوا مشرفاً خاصاً يتولى شئونهم، وحرم عليهم أن يغيروا مساكنهم إلا بتصريح ملكى، وحرم عليهم بتاتاً أن يسافروا إلى غرناطة، وفرضت على المخالفين عقوبات شديدة تصل إلى الموت، وهكذا شرد الموريسكيون فى مملكة غرناطة أفظع تشريد، وانهار بذلك مجتمعهم القوى المتماسك فى الوطن القديم (٢).
ولم يبق إلا أن يسحق مولاى عبد الله وجيشه الصغير، وكان هذا الأمير المنكود يرى قواه وموارده تذوب بسرعة، وقد انهار كل أمل فى النصر أو السلم الشريف، بيد أنه لبث مختفياً فى أعماق جبال البشرات بين آكام برشول وترفليس مع شرذمة من جنده المخلصين. وفى مارس سنة ١٥٧١ كشف بعض الأسرى سر مخبئه للإسبان، فأوفدوا رسلهم إلى معسكره فى بعض المغائر، وهنالك استطاعوا
стр. 2848
إغراء ضابط مغربى من خاصته يدعى جونثالفو"الشنيش". وكان الشنيش يحقد عليه لأنه منعه من الفرار إلى المغرب، وأغدق الإسبان له المنح والوعود، وقطعوا له عهداً بالعفو الشامل، وضمان النفس والمال، وأن ترد إليه زوجته وابنته الأسيرتان، إذا استطاع أن يسلمهم مولاى عبد الله حياً أو ميتاً. وكان الإغراء قوياً مثيراً، فدبر الضابط الخائن خطته لاغتيال سيده، وفى ذات يوم فاجأه مع شرذمة من أصحابه، فقاوم مولاى عبد الله ما استطاع، ولكنه سقط أخيراً مثخناً بجراحه، فألقى الخونة جثته من فوق الصخور لكى يراها الجميع، ثم حملها الإسبان إلى غرناطة، وهناك استقبلوها فى حفل ضخم، ورتبوا موكباً أركبت فيه الجثة مسندة إلى بغل، وعليها ثياب كاملة كأنما هى إنسان حى، ومن ورائها أفواج كثيرة من الموريسكيين الذين سلموا عقب مصرع زعيمهم، ثم حملت إلى النطع وأجرى فيها حكم الإعدام، فقطع رأسها ثم جرت فى شوارع غرناطة مبالغة فى التمثيل والنكال، ومزقت أربعاً، وأحرقت بعد ذلك فى الميدان الكبير، ووضع الرأس فى قرص من الحديد، وفع فوق سارية فى ضاحية المدينة تجاه جبال البشرات (١).
...
وهكذا انهارت الثورة الموريسكية وسحقت، وخبت آخر جذوة من العزم والنضال، فى صدور هذا المجتمع الأبى المجاهد، وقضت المشانق والمحارق والمحن المروعة، على كل نزعة إلى الخروج والنضال، وهبت روح من الرهبة والاستكانة المطلقة، على ذلك المجتمع المهيض المعذب، وعاش الموريسكيون لا يسمع لهم صوت، ولا تقوم لهم قائمة، فى ظل العبودية الشاملة والإرهاق المطلق، حقبة أخرى.
стр. 2849
الكتاب الرابع
نهاية النّهاية
стр. 2850
الفصل الأول
توجس السياسة الإسبانية وعصر الغارات البحرية الإسلامية
الموريسكيون قوة أدبية واجتماعية. بعض ما قيل فى وصفهم. تعلقهم بتراثهم الروحى. يكتبون كتبهم بالألخميادو. نشاط ديوان التحقيق فى مطاردتهم. قضية موريسكية شهيرة. عدد الموريسكيين. ما يقوله عنهم سفير البندقية. أقوال ثرفانتس. براعتهم الاقتصادية. تخوف السياسة الإسبانية من وجودهم. صلات الموريسكيين بمسلمى إفريقية والترك. دسائس ومؤامرات مزعومة. غارات البحارة المجاهدين على الشواطىء الإسبانية. البحر المتوسط مسرح القراصنة منذ العصور الوسطى. ظهور المغامرين المسلمين فى هذه المياه. ظهور البحارة الترك والموريسكيين. النزعة الانتقامية فى هذه الغارات. تحوط اسبانيا ضد الغارات. غارات المجاهدين المغاربة. معاونة الموريسكيين للبحارة المغيرين. ظهور أوروج وخير الدين. استيلاء خير الدين على الجزائر والثغور المغربية. غاراته المتوالية على الشواطىء الإسبانية. توالى صريخ الموريسكيين. تحطيم سلطان البحارة الترك لمشاريع اسبانيا فى المغرب. استنصار أمراء المغرب بإسبانيا. غارات طرغود خلف خير الدين. غارات البحارة التونسيين. انزعاج اسبانيا ولوم الموريسكيين. اتساع نطاق الغارات فى البحر المتوسط. انتشار تجارة الرقيق. حوادث المغرب الأقصى. فرار الأمير الشيخ إلى اسبانيا واستغاثته بفيليب الثانى. الموريسكيون يحرضون مولاى زيدان على غزو اسبانيا. استيلاء الإسبان على ثغر العرائش. مقتل الشيخ وانتهاء مغامراته. الكفاح بين مولاى زيدان واسبانيا.
كان انهيار الثورة الموريسكية وسحق الموريسكيين، خاتمة عهد من الكفاح المرير بين شعب مهيض أعزل، يحاول أن يحتفظ بشخصيته وكرامته وحقه فى الحياة، وبين القوة الغاشمة، التى تريد أن تسحق فى بقية الأمة المغلوبة، كل أثر للحياة الحرة الكريمة، ولكن الثورة الموريسكية كانت من جهة أخرى، نذيراً عميق الأثر للسياسة الإسبانية. ذلك أن الموريسكيين لبثوا بالرغم من تجريدهم من كل مظاهر القوة المادية، قوة أدبية واجتماعية يخشى بأسها. وكان هذا الشعب المستكين الأعزل ما يزال رغم ضعفه وذلته، يملأ جنبات الجزيرة بفنونه ونشاطه المنتج، ويحتل مكانة بارزة فى الشئون الاقتصادية. وكانت الكنيسة ماتزال تنفث إلى الدولة تحريضها البغيض، على مجتمع لم تطمئن لولائه وصدق إيمانه. وقد وصف المطران جريرو الموريكسيين فى سنة ١٥٦٥ بقوله: "إنهم خضعوا للتنصير،
стр. 2851
ولكنهم لبثوا كفرة فى سرائرهم، وهم يذهبون إلى القداس تفادياً للعقاب، ويعملون خفية فى أيام الأعياد، ويحتفلون يوم الجمعة أفضل من احتفالهم بيوم الأحد، ويستحمون حتى فى ديسمبر، ويقيمون الصلاة خفية، ويقدمون أولادهم للتنصير خضوعاً للقانون، ثم يغسلونهم لمحو آثار التنصير، ويجرون ختان أولادهم، ويطلقون عليهم أسماء عربية، وتذهب عرائسهم إلى الكنيسة فى ثياب أوربية، فإذا عُدن إلى المنزل استبدلنها بثياب عربية، واحتفل بالزواج طبقاً للرسوم العربية" (١).
والظاهر أن هذه الأقوال تنطوى على كثير من الصدق. ذلك أن الأمة الموريسكية المهيضة، بقيت بالرغم مما يصيبها من شنيع العسف والإرهاق، متعلقة بتراثها الروحى القديم. وبالرغم مما فرض على الموريسكيين من نبذ دينهم ولغتهم، فقد لبث الكثير منهم مسلمين فى سرائرهم، يزاولون شعائرهم القديمة خفية، ويكتبون أحكام الإسلام والأدعية والمدائح النبوية بالقشتالية الأصلية، أو بالقشتالية المكتوبة بأحرف عربية، وهى التى تعرف بالألخميادو Aljamiado أى "الأعجمية" وهو ما نعود إلى التحدث عنه بعد. وقد انتهى إلينا الكثير من الكتب الدينية والأدعية والمدائح الإسلامية الموريسكية مكتوبة "بالألخميادو" وكثير منها يدور حول سيرة النبى العربى، وشرح تعاليم القرآن والسنة، يتخللها كثير من الخرافات والأساطير المقدسة (٢). بيد أنها تدلى بما كانت تجيش به هذه النفوس المعذبة من إخلاص راسخ لدينها القديم، وإن التبست عليهم أصوله وشعائره بمضى الزمن.
وقد لبث ديوان التحقيق على نشاطه ضد الموريسكيين طوال القرن السادس عشر، ولم يفتر هذا النشاط حتى أواخر هذا القرن، مما يدل على أن آثار الإسلام الراسخة بقيت بالرغم من كر الأعوام وتوالى المحن، دفينة فى قلب الشعب المضطهد، تنضح آثارها من آن لآخر. يدل على ذلك ما تسجله محفوظات الديوان، من أن قضايا الموريسكيين أمام محاكم التحقيق، بلغت فى سنة ١٥٩١، ٢٩١ قضية، وبلغت فى العام التالى ١١٧ قضية، وظهر فى حفلة " الأوتو دافى " Auto da-fé التى أقيمت فى ٥ سبتمبر سنة ١٦٠٤ ثمانية وستون موريسكياً، نفذت فيهم الأحكام،
стр. 2852
وظفر فى حفلة ٧ يناير سنة ١٦٠٧ ثلاثة وثلاثون موريسكياً، واستعمل التعذيب فى محاكمتهم خمس عشرة مرة، وكان الإتهام يوجه أحياناً إلى الموريسكيين جملة، على أثر بعض الحملات الفجائية على المحلات المورريسكية، فقد حدث مثلا فى سنتى ١٥٨٩ و ١٥٩٠، أن سجلت فى قرية مسلاته الموريسكية بالقرب من بلنسية مائة قضية، وسجلت فى قرية كارليت مائتان، واتهم أربعون أسرة بصوم شهر رمضان.
والواقع أنه كان من الصعب، على من بقيت فى نفوسهم جذوة أخيرة من دين الآباء، ولم يخمدها تعاقب جيلين أو ثلاثة من النصرانية المفروضة، أن يكونوا دائماً بمنجاة من الإتهام، ولهذا كان الشعب الموريسكى بأسره أينما وجد، عرضة للاتهام بالحق وبالباطل. وإذا كانت ثمة فترات يهدأ فيها نشاط محاكم التحقيق، فذلك يرجع بالأخص إلى استعمال الرشوة مع المأمورين، أو الحصول على براءات الحصانة بالمال. وتوضح لنا قضية بنى عامر زعماء الموريسكيين فى بلنسية هذه الحقيقة أتم وضوح.
كانت أسرة بنى عامر من أعرق الأسر المسلمة القديمة، التى أكرهت على التنصير، وكان زعماؤها إخوة ثلاثة، هم: دون كوزمى ودون خوان ودون هرناندو بنى عامر، ومنزل الأسرة فى بنجوازيل (بنى وزير) ضاحية بلنسية. وكان الثلاثة من ذوى المكانة والنفوذ، يسمح لهم بحمل السلاح وامتيازات أخرى، محرمة على الموريسكيين. ففى مايو سنة ١٥٦٧ صدر قرار محكمة التحقيق باتهامهم، وتقرر القبض عليهم، ولكن بعد أن وافقت المحكمة العليا (سوبريما) نظراً لخطر مكانتهم، فاختفى الإخوة الثلاثة حيناً؛ ولكن الدون كوزمى قدم نفسه للسلطات فى يناير سنة ١٥٦٨، وقرر فى التحقيق أنه يعتقد أنه نصّر طفلا، ومع ذلك فإنه لا يعتبر نفسه نصرانياً بل مسلماً، وأنه جرى خلال حياته على مراعاة الشعائر الإسلامية، ولم يذهب إلى المعترف إلا خضوعاً للأوامر، على أنه يبغى أن يكون فى المستقبل نصرانياً، وأن يؤدى ما يطلبه المحققون إليه، ولم يقدم دون كوزمى خلال محاكمته أى دفاع، ولكنه أفرج عنه فى ١٥ يوليه بضمان قدره ألفى دوقة، على أن يبقى فى بلنسية ولا يبرحها، ومع ذلك فقد سافر دون كوزمى إلى مدريد، وحصل على عفو عنه وعن أخويه من الملك والمحكمة العليا، نظير فداء قدره سبعة آلاف دوقة، واستطاع فوق ذلك بنفوذه القوى، أن يحصل للموريسكيين فى بلنسية على قرار التوفيق الصادر فى سنة ١٥٧١ حسبما قدمنا
стр. 2853
وفى سنة ١٥٧٧ جددت التهم القديمة ضد بنى عامر، وقبض على كوزمى وأخيه خوان، وحوكم كوزمى وشرح للمحكمة عقيدته الدينية، وهى مزيج من الإسلام والنصرانية، وعقدت الجلسات الأولى، ولكن القضية أوقفت قبل أن يصل التحقيق إلى مرحلة التعذيب، مما يدل على أن بنى عامر استطاعوا بالرغم من سوء حالتهم المالية يومئذ، أن يحصلوا على براءتهم وإطلاق سراحهم بدفع مبلغ من المال (١).
ْوهكذا نرى أن الموريسكيين استطاعوا بالرغم من العسف المنظم، الذى فرضته الدولة والكنيسة عليهم زهاء قرن، أن يحتفظوا فى قرارة نفوسهم الكليمة، ببقية راسخة من تراثهم الروحى القديم.
هذا من ناحية الدين والعقيدة؛ وأما من الناحية الاجتماعية، فقد كان الموريسكيون يكونون مجتمعاً متماسكاً متضامناً، قوياً بنشاكه ودأبه وذكائه، وقد بلغ عددهم فى أواخر القرن السادس عشر وفقاً لتقدير سفير البندقية زهاء ستمائة ألف نفس، وقدر البعض الآخر عددهم يومئذ بأربعمائة ألف نفس، وهو عدد ضخم بالنسبة لمجموع سكان اسبانيا فى ذلك الحين، وهو لم يتعد الثمانية ملايين.
ووصفهم سفير البندقية فى سنة ١٥٩٥، أى بعد قرن من سقوط غرناطة، بأنهم شعب ينمو باضطراد فى العدد والثروة، وأنهم لا يذهبون إلى الحرب، ولكن يكرسون نشاطهم للتجارة واجتناء الربح. وذكر الكاتب الإسبانى الكبير ثرفانتيس (٢) فى بعض رسائله أن الموريسكيين يتكاثرون وكلهم يتزوج، ولا يدخلون أولادهم قط فى سلك الكهنوت أو الجيش، ويقتصدون فى الإنفاق ويكتنزون المال، فهم الآن أغنى الطوائف فى اسبانيا. وأما عن الناحية الاقتصادية فقد قيل إن الموريسكيين كانوا يحتكرون تجارة الأغذية، ويضعون يدهم على المحاصيل عند نضجها، ومنهم تجار البقالة والماشية، ومنهم القصابون والخبازون وأصحاب الفنادق وغيرهم، وهم لا يشترون العقارات احتفاظاً بحرية استعمال أموالهم، وقد كان ذلك من أسباب غناهم وقوتهم الإقتصادية (٣).
стр. 2854
كانت اسبانيا النصرانية إذاً، أبعد من أن تطمئن إلى مجتمع العرب المتنصرين، فقد كانوا فى نظر الكنيسة أبدا كفرة مارقين، وكانت الدولة من جانبها تلتمس المعاذير لاضطهاد هذا المجتمع الدخيل ومطاردته، فهى تخشى أن يعود إلى الثورة، وهى تخشى من صلاته المستمرة مع مسلمى إفريقية ومع سلطان الترك، وهى مازالت تحلم بتطهير اسبانيا من الآثار الأخيرة للشعب الفاتح، والقضاء إلى الأبد على تلك الصفحة من تاريخ اسبانيا.
...
والواقع أن صلات الموريسكيين مع أعداء اسبانيا، لبثت شغلا شاغلا للسياسة الإسبانية. وقد كانت الممالك والإمارات المغربية فى الضفة الأخرى من البحر، على استعداد دائماً لأن تصغى إلى هذا الشعب المنكود، سليل إخوانهم الأمجاد فى الدين، وأن تعاونه كلما سنحت الفرص. وكان سلاطين الترك يتلقون من الموريسكيين صريخ الغوث من آن لآخر، وكانت المنافسة بين الترك واسبانيا يومئذ على أشدها، فى مياه البحر المتوسط، وكانت طوائف الموريسكيين تعيش على مقربة من الثغور الشرقية والجنوبية. وأكثر من ذلك أن السياسة الإسبانية كانت تخشى دسائس فرنسا خصيمتها القوية يومئذ، وتخشى تفاهمها المحتمل مع الموريسكيين. وكانت هذه الظروف كلها تحمل اسبانيا النصرانية، على أن تعتبر الموريسكيين خطراً قومياً يجب التحوط منه، والعمل على درئه بكل الوسائل.
وتسوق الرواية الإسبانية إلينا دلائل هذا الخطر فى حوادث كثيرة. ففى سنة ١٥٧٣ وقفت السلطات الإسبانية على أنباء مفادها أن أمراء تلمسان والجزائر يدبرون حملة بحرية لمهاجمة "المرسى الكبير" فى مياه بلنسية، يعاونهم الموريسكيون فيها بالثورة، ولذا بادرت السلطات بنزع السلاح من الموريسكيين فى بلنسية، وقيل بعد ذلك إن هذه الحملة المغربية كانت ستقترن بغزوة فرنسية لأراجون، ينظمها حاكم بيارن الفرنسى، وأن سلطان الترك وسلطان الجزائر كلاهما يؤيد المشروع، وأن أساطيل الغزو كانت تزمع النزول فى مياه برشلونة وفى دانية، وفيما بين مرسية وبلنسية، وأن الفضل فى فشل هذا المشروع كله يرجع إلى حزم الدون خوان ونزع سلاح الموريسكيين. ومما يدل على أن اسبانيا لبثت حيناً على توجسها من فرنسا ودسائسها لدى الموريسكيين، ما تسوقه الرواية الإسبانية من أن هنرى الرابع ملك فرنسا، كانت له فى ذلك مشاريع خطرة، ترمى إلى غزو اسبانيا من
стр. 2855
ناحية بلنسية، حيث يوجد حشد كبير من الموريسكيين، وأن زعماء الموريسكيين وعدوا بإضرام نار الثورة، وتقديم عدد كبير من الجند، ولم يطلبوا سوى السلاح، وكان من المنتظر أن تقوم الثورة الموريسكية فى سنة ١٦٠٥، ولكن المؤامرة اكتشفت فى الوقت المناسب، وانهار مشروع الغزو. وهذه الروايات العديدة التى جمعها "ديوان التحقيق" الإسبانى على يد أعوانه وجواسيسه، تنقصها الأدلة التاريخية الحقة (١).
على أن الخطر الحقيقى، كان يتمثل فى غارات المجاهدين من خوارج البحر المسلمين، على الثغور والشواطىء الإسبانية. وتملأ سير هذه الغارات فراغاً كبيراً فى الرواية الإسبانية، وتسبغ عليها الرواية صفة الإنتقام للأندلس الشهيدة. وقد لبثت هذه الغارات طوال القرن السادس عشر، واستمرت دهراً بعد إخراج العرب المتنصرين من اسبانيا. ويشير المقرى مؤرخ الأندلس إلى مغزى هذه الغارات البحرية بعد إخراج الموريسكيين، فيقول إنهم انتظموا فى جيش سلطان المغرب، وسكنوا سلا وكان منهم من الجهاد فى البحر ما هو مشهور الآن (٢).
ويجب أن نذكر أن مياه البحر المتوسط شرقه وغربه، كانت خلال العصور الوسطى، دائماً مسرحاً سهلا للأساطيل الإسلامية. فمنذ أيام الأغالبة والفاطميين، ومنذ خلافة قرطبة ثم المرابطين والموحدين، كانت الأساطيل الإسلامية تجوس أواسط هذا البحر وغربيه، وكانت الدول الإسلامية الأندلسية والمغربية، ترتبط مع الدول النصرانية الواقعة فى شمال هذا البحر، مثل البندقية وجنوة وبيزة، بمعاهدات ومبادلات تجارية هامة، وكان التسامح يسود يومئذ علائق المسلمين والنصارى، وتغلب المصالح التجارية والمعاملات المنظمة، على النزعات الدينية والمذهبية.
وقد كانت المغامرات البحرية الحرة وأعمال "القرصنة"، توجد فى هذه العصور دائماً، إلى جانب نشاط الأساطيل الرسمية. وكان البحر المتوسط منذ أقدم العصور مسرحاً لهذه المغامرات، وكان معظم خوارج البحر (القراصنة) يومئذ من النصارى، من الأمم التى غزت البحر فى عصور متقدمة، مثل اليونان وأهل سردانية وجنوة ومالطة. وفى أيام الصليبيين ازدهرت المغامرات فى البحر المتوسط،
стр. 2856
واستمر النصارى عصوراً زعماء هذه المهنة. ولم تكن ثمة بحريات منظمة تقوم بمطاردة أولئك الخوارج. وكانت المغانم الوفيرة من الإتجار فى الرقيق، والبضائع المهربة، وافتداء الرقيق، تذكى عزمهم، وتدفع إليهم بسيل من المغامرين من سائر الأمم، ولما ظهرت الأساطيل الكبرى منذ القرن الرابع عشر، ضعف أمر أولئك المغامرين.
ولم تكن هذه المياه خلوا من نشاط المغامرين المسلمين، ولكنهم لم يظهروا فى هذا الميدان إلا منذ القرن الخامس عشر، حينما ضعف أمر الأندلس والدول المغربية وسادتها الفوضى، واضطربت العلائق البحرية والتجارية المنظمة بين دول المغرب والدول النصرانية. وكانت الشواطىء المغربية تقدم إليهم المراسى الصالحة. ولما اشتد ساعد البحرية التركية بعد استيلاء الترك على قسطنطينية، زاد نشاط المغامرين المسلمين فى البحر. وكان سقوط غرناطة واضطهاد الإسبان للمسلمين، إيذاناً بتطور هذه المغامرات البحرية، ونزول الأندلسيين والموريسكيين المنفيين إلى ميدانها واتخاذها مدى حين صورة الجهاد والإنتقام القومى والدينى، لما نزل بالأمة الأندلسية الشهيدة من ضروب العسف والإرهاق (١).
وقد بدأت هذه الغارات البحرية على الشواطىء الإسبانية، عقب استيلاء الإسبان على غرناطة، وإكراههم المسلمين على التنصير. فى ذلك الحين غادر الأندلس آلاف من الأندلسيين المجاهدين، أنفوا العيش فى الوطن القديم، فى مهاد الذلة والاضطهاد، تحت نير الإسبان، وعبروا البحر إلى عدوة المغرب، وقلوبهم تفيض حقداً ويأساً، واستقروا فى بعض القواعد الساحلية، مثل وهران والجزائر وبجاية، ووهب الكثيرون منهم حياتهم للجهاد فى سبيل الله، والانتقام من أولئك الذين قضوا على وطنهم، وظلموا أمتهم، وانتهكوا حرمة دينهم. وكان البحر يهيىء لهم هذه الفرصة، التى لم تهيئها لهم الحرب البرية، وكانت شواطىء المغرب بطبيعتها الوعرة، وثغورها ومراسيها وخلجانها الكثيرة، التى تحميها وتحجبها الصخور العالية، أصلح ملاذ لمشاريع أولئك البحارة المجاهدين والقراصنة المغيرين. وكانت الجزائر وبجاية وتونس أفضل قواعدهم للرسو والإقلاع، وكانت هذه الغارات البحرية ْتعتمد بالأخص على عنصر المفاجأة، وتنجح فى معظم الأحيان فى تحقيق غاياتها. ويصف بيترو مارتيرى هذه الغارات بإسهاب ويقول إن فرناندو الخامس أمر فى سنة ١٥٠٧، للتحوط ضد هذه الغارات بإخلاء الشاطىء الجنوبى، من جبل طارق
стр. 2857
إلى ألمرية، لمدى فرسخين إلى الداخل. ثم صدرت مراسم متعددة تحظر على الموريسكيين السفر على أبعاد معينة من الشواطىء، ولكن هذا التحوط لم يغن شيئاً واستمرت الغارات على حالها. وكان اللوم يلقى فى ذلك منذ البداية على الموريسكيين ولاسيما أهل بلنسية. وكان الموريسكيون كلما اشتدت عليهم وطأة الاضطهاد والمطاردة، اتجهوا إلى إخوانهم فى المغرب، يستصرخونهم للتدخل والانتقام. وكان المجاهدون المغاربة، يغيرون فى سفنهم على الشواطىء الإسبانية، ويخطفون النصارى الإسبان، ويجعلونهم رقيقاً يباع فى أسواق المغرب، وكان الموريسكيون يزودون الحملات المغيرة بالمعلومات الوثيقة، عن أحوال الشواطىء ومواضع الضعف فيها ويمدونها بالأقوات والمؤن. وكانت هذه الحملات تجهز فى أحيان كثيرة لنقل الموريسكيين الراغبين فى الهجرة، وقد استطاعت خلال القرن السادس عشر، أن تنقل منهم إلى الشواطىء الإفريقية جماعات كبيرة.
وقد ظهر منذ أوائل القرن السادس عشر فى الميدان، عنصر جديد أذكى موجة الغارات البحرية فى هذه المياه. ذلك أن البحارة الترك، وعلى رأسهم الأخوان الشهيران أوروج (عروج) وخير الدين (١)، اندفعوا من شرقى البحر المتوسط إلى غربيه، فى طلب المغامرة والكسب. وفى سنة ١٥١٧ سار أوروج فى قوة برية وبعض السفن إلى الجزائر واستولى عليها. ولما قتل فى العام التالى فى معركة نشبت بينه وبين الإسبان، استولى أخوه خير الدرين على الجزائر، ثم استولى على معظم الثغور المغربية الساحلية، وعينه السلطان سليم حاكماً على هذه الأنحاء، وأمده بالسفن والجند. وتألق نجم خير الدين من ذلك الحين، وأضحى اسمه يقرن بذكر أعظم أمراء البحر فى هذا العصر. وكان من معاونيه نخبة من أمهر الربابنة الترك، مثل طرغود الذى خلفه فى الرياسة فيما بعد، وصالح ريس، وسنان اليهودى، وإيدين ريس وغيرهم من المغامرين، الذين اشتهروا بالجرأة والبراعة. وبسط أولئك البحارة الترك سلطانهم على معظم جنبات البحر المتوسط، واشتهروا بغاراتهم على الشواطىء الإيطالية والإسبانية، والتف حولهم معظم المجاهدين والمغامرين من
стр. 2858
المغاربة والموريسكيين. وبدأ خير الدين غاراته فى المياه الإسبانية بمهاجمة الشواطىء الشرقية، وقطع خلال هذه الغارة ثلاثة أشهر عاث فيها فى البقاع الساحلية، وجمع فى سفنه كثيراً من الموريسكيين الراغبين فى الهجرة، وأسر كثيراً من الإسبان. وعرج أثناء عوده على جزيرة منورقة. وكان من أهم الغارات التى نظمها خير الدين على الشواطىء الإسبانية غارة وقعت فى سنة ١٥٢٩، وذلك أن جماعة من الموريسكيين فى بلنسية فاوضوه لكى ينقلهم خلسة إلى عدوة المغرب، فأرسل عدة سفن بقيادة نائبيه إيدين ريس، وصالح ريس، إلى المياه الإسبانية، ورست السفن المغيرة ليلا عند أوليفا الواقعة شمال غربى دانية أمام مصب نهر "ألتيا"، ونزلت منها إلى البر قوة استطاعت أن تجمع من الأنحاء المجاورة نحو ستمائة من الموريسكيين الراغبين فة الهجرة، وهنا فاجأت السفن المغيرة عدة من السفن الإسبانية الكبيرة، وطاردتها حتى مياه الجزائر الشرقية (البليار). ولكن سفن " القراصنة " انقلبت فجأة من الدفاع إلى الهجوم، وانقضت على السفن الإسبانية وأغرقت بعضها، وأسرت البعض الآخر، وسارت سالمة إلى الجزائر تحمل الموريسكيين الفارين، وعدداً من أكابر الإسبان أخذوا أسرى، ومعها عدة من السفن الإسبانية الفخمة. وكان صريخ الموريسكيين يتوالى إلى خير الدين وحلفائه من أمراء المغرب ولاسيما أيام الثورات المحلية التى تشتد فيها وطأة الإسبان على الأمة المغلوبة، ومن ثم فقد توالت بعوث خير الدين وغاراته على الشواطىء الإسبانية، وتتابعت الفرص لدى الموريسكيين، للفرار والهجرة رفق السفن المغيرة، حتى بلغ ما نقلته سفن خير الدين منهم إلى شواطىء المغرب نحو سبعين ألفا (١).
وكان سلطان خير الدين وزملائه البحارة الترك فى المياه المغربية عاملا فى تحطيم كثير من مشاريع اسبانيا البحرية فى المغرب. وكان الإسبان قد استولوا على ثغر وهران منذ سنة ١٥٠٥، واحتلوا مياه تونس سنة ١٥٣٥، بانضواء أميرها الحفصى المعزول تحت لوائهم، وكان كثير من أمراء الثغور والقواعد المغربية الذين يهدد الترك سلطانهم يتجهون بأبصارهم إلى الإسبان للاحتفاظ برياستهم. ولدينا
стр. 2859
صورة: أمير البحر خير الدين
عن صورة بلاثكيث المحفوظة بمتحف البرادو بمدريد، وهى صورة رائعة بالحجم الطبيعى، وفيها يبدو خير الدين مرتدياً ثوباً طويلا أحمر، وعباءة بيضاء، وقلنسوة صغيرة حمراء، وله شارب طويل أشهب
стр. 2860
صور من عدة وثائق موجهة من هؤلاء الأمراء إلى الإمبراطور شرلكان، يستنصرون به، ويقطعون العهد على أنفسهم بطاعته، والانضواء تحت حمايته، وهى تدلى بموضوعها وأسلوبها بما انتهت إليه الجبهة الإسلامية فى المغرب فى هذا العهد من التخاذل والتفرق المؤلم (١).
وفى سنة ١٥٥٩ قام أمير البحر التركى طرغود، الذى خلف خير الدين فى الرياسة، بغارة كبيرة على الشواطىء الإسبانية، واستطاع أن يحمل معه ألفى وخمسمائة موريسكى؛ وفى سنة ١٥٧٠، استطاعت السفن المغيرة أن تحمل معها جميع الموريسكيين فى بالميرا. وفى سنة ١٥٨٤ سار أسطول من الجزائر إلى ثغر بلنسية وحمل ألفين وثلاثمائة. وفى العام التالى استطاعت السفن المغيرة أن تحمل جميع سكان مدينة كالوسا. وبلغت الغارات البحرية التى وقعت على الشواطىء الإسبانية بين سنتى ١٥٢٨ و ١٥٨٤ ثلاثاً وثلاثين. هذا عدا الغارات المحلية التى كانت تقوم بها سفن صغيرة لحمل جماعات من الموريسكيين المهاجرين. وقد وصف لنا الكاتب الإسبانى الكبير ثرفانتيس هذه الغارات البحرية المروعة فى صور مثيرة شائقة، ولا غرو فقد كان هو أيضاً من ضحاياها، إذ أسر فى الغارات التى وقعت سنة ١٥٧٥، وحمل أسيراً إلى الجزائر، ولبث يوسف فى سنة بضعة أعوام حتى تم افتداؤه فى سنة ١٥٨٠ (٢).
وكان ممن عملوا فى الجهاد فى البحر فى ذلك الحين ضد الإسبان بعض أكابر الزعماء الموريسكيين المنفيين الذين غدوا من أثر الاضطهاد من ألد أعداء اسبانيا مثل الريس بلانكيو Blanquillo، والريس أحمد أبو على من أشونية، ومراد الكبير جواديانو من مدينة ثيوداد ريال (المدينة الملكية) وغيرهم. وقد أبلى هؤلاء
стр. 2861
الزعماء الموريسكيون فى البحر خير بلاء، وكانوا خير مرشد لإحكام الغارات البحرية على الشواطىء الإسبانية، ومضاعفة عصفها وعيثها.
ووقعت فى سنة ١٦٠٢ غارة كبيرة، قام بها بحار مغامر يدعى مراد الريس على مدينة لورقة الواقعة غرب قرطاجنة على مقربة من الشاطىء، وحمل عدداً من الأسرى؛ وكثرت الغارات فى الأعوام التالية على الشاطىء الجنوبى، وظهر فيما بعد أن منظمها بحار إنجليزى مغامر، يحشد فى سفنه نواتية من المغاربة، وكان يعيث فى الشواطىء ألأندلسية ويقتنص الأسرى النصارى، ويبيعهم عبيداً فى أسواق المغرب.
وكانت ثغور تونس فى ذلك الوقت نفسه، فى أيام حاكمها عثمان داى (سنة ١٠٠٧ - ١٠١٩ هـ ١٥٩٨ - ١٦١٠ م)، ملاذاً لطائفة قوية من البحارة المغامرين، كانت تتكرر غاراتهم على الشواطىء الإسبانية بلا انقطاع. وكان من أشهر أولئك البحارة المغامرين يومئذ، عمر محمد باى الذى اشتهر بجرأته وبراعته، وقد قام بعدة غارات جريئة على شواطىء اسبانيا الجنوبية، وكان فى كل مرة يعود مثقلا بالغنائم والسبى (١).
وهكذا لبثت الغارات البحرية عصراً، تزعج الحكومة الإسبانية، وقد زاد عددها واشتد عيثها، بالأخص منذ منتصف القرن السادس عشر؛ وكان هذا غريباً فى الواقع، إذ كانت اسبانيا يومئذ سيدة البحار، وكانت أساطيلها الضخمة، تجوب مياه الأطلنطيق حتى بحر الشمال وجزائر الهند الغربية، وتسيطر على مياه البحر المتوسط الغربية. بيد أنها لم تستطع أن تقمع هذه الغارات الصغيرة المفاجئة، التى كانت تقوم بها على الأغلب جماعات مجاهدة، من القراصنة المغاربة، فى سفن صغيرة، تدفعهم روح من المغامرة والاستبسال، وكان اللوم يلقى فى ذلك دائماً على الموريسكيين، ولاسيما سكان الثغور منهم، فهم الذين يمدون هذه الحملات المغيرة بالمعلومات، ويزودونها بالمؤن والعون، ويعينون لها موضع الرسو والإقلاع، وقد كانت تأتى على الأغلب لمعاونتهم على الفرار إلى ثغور المغرب، وقد كان الموريكسيون بالرغم من اضطهادهم، والتشدد فى مراقبتهم، على اتصال دائم بمسلمى إفريقية وأمراء المغرب جميعاً. لبثت هذه الغارات البحرية عصراً شغلا شاغلا للحكومة الإسبانية لا تجد سبيلا إلى قمعها أو التخلص من آثارها. وكان اقترانها خلال القرن السادس عشر بنضال
стр. 2862
الموريسكيين، عنصراً بارزاً فى تنظيمها وتوجيهها، وكانت فكرة الانتقام للأمة الشهيدة، تجثم فى معظم الأحيان وراء هذه الغارات المخربة. ولما تم نفى الموريسكيين من الأراضى الإسبانية حسبما نفصل بعد، زادت هذه الفكرة وضوحاً واشتدت وطأة الغارات، بما انتظم فى صفوف المجاهدين من المنفيين، وغدت سلا بالأخص بمرفئها البديع، الذى تحميه الخلجان المحجوبة مركزاً لأولئك المجاهدين، ومنها توجه أقوى الحملات المغيرة على الشواطىء الإسبانية (١).
ولبث البحارة الترك عصراً، يتزعمون هذه الغارات البحرية، وجل اعتمادهم على النواتية المغامرين من المغاربة والموريسكيين؛ ثم أخذت هذه الغارات تفقد مغزاها القديم بمضى الزمن، وتنقلب إلى حملات ناهبة، تنظم على الشواطىء الإيطالية كما تنظم على الشواطىء الإسبانية، وترمى قبل كل شىء إلى تغذية أسواق المغرب والشرق الأدنى، بأسراب الرقيق. وكان يشترك مع البحارة الترك والمغاربة مغامرون من الإفرنج من سائر الأمم. وألفى الباشوات أو الدايات الترك، الذين بسطوا حكمهم منذ أواخر القرن السادس عشر على طرابلس وتونس والجزائر، فى هذه الحملات الناهبة، فرصة سانحة للغنم، فكانوا يمدون الرؤساء والزعماء بصنوف العون، عند الحط والإقلاع فى ثغورهم، وكان الرؤساء من جانبهم، يقدمون إلى خزينة الباشا أو الداى عشر الغنائم. واسترق بهذه الطريقة عشرات الألوف من النصارى، واستمرت هذه الغارات بعد ذلك زمناً طويلا (٢).
وحدثت فى تلك الآونة التى اشتدت فيها الغارات البحرية على الشواطىء الإسبانية، فى أوائل عهد فيليب الثالث، فى عدوة المغرب أحداث أخرى، زادت فى توجس السياسة الإسبانية، من مساعى الموريسكيين فى استعداء مسلمى إفريقية. وذلك أنه على أثر وفاة السلطان أحمد المنصور ملك المغرب فى سنة ١٠١٢ هـ (١٦٠٣ م) اضطرمت الحرب الأهلية بين أبنائه الثلاثة، أبى عبد الله المأمون المعروف بالشيخ، وكان ولى عهده الذى اختاره للملك من بعده،
стр. 2863
وأبى فارس الملقب بالواثق بالله، ومولاى زيدان. وكان أعيان فاس وعلماؤها، قد بايعوا عقب وفاة المنصور، لولده زيدان، وبايع أهل مراكش لولده أبى فارس ولكن معركة نشبت بين زيدان وأخيه الشيخ، انتهت بهزيمة زيدان، واستيلاء الشيخ على فاس. ثم نشبت بعد ذلك بين الأبناء الثلاثة سلسلة من المعارك الأهلية المتوالية، كانت سجالا بينهم، وهزم خلالها مولاى زيدان غير مرة، ودخل العاصمة مراكش غير مرة. واستمرت هذه الحرب الأهلية، بضع سنوات (١٠١٢ - ١٠١٦ هـ)، وانتهت آخر الأمر، بانتصار مولاى زيدان واستيلائه على الملك، ومقتل أخيه أبى فارس، وفرار الشيخ فى أهله وولده. ولكن الشيخ لم يستكن للهزيمة، بل فكر فى الاستنصار بالإسبان، فعبر البحر مع أسرته وأمه الخيزران إلى اسبانيا، واستغاث بملكها فيليب الثالث، وتعهد بأن يقدم ثغر العرائش إلى اسبانيا نظير معاونته على استرداد عرشه. وكان ذلك فى أوائل سنة ١٦٠٨ (١٠١٧ هـ) (١). وهنا أرسل الموريسكيون فى بلنسية، رسلهم إلى مولاى زيدان، يوضحون له سهولة غزو اسبانيا ومحاربتها، وأنهم على استعداد لأن يقدموا له مائتى ألف مقاتل، متى أقدم على الغزو واحتلال أحد الثغور الإسبانية الهامة؛ ولكن السلطان زيدان لم يحفل بهذا العرض، وأجاب الرسل بأنه لن يحارب خارج بلاده (٢). واستجاب فيليب الثالث لدعوة الشيخ، وأرسل معه بعض قواته وسفنه إلى شاطىء المغرب، فنزل الشيخ وحلفاؤه الإسبان أولا فى حجر باديس، غربى مليلة وذلك فى رمضان سنة ١٠١٩ هـ (أوائل سنة ١٦١٠ م)، ثم انتقل فى صحبه إلى قصر عبد الكريم (القصر الكبير)، وبعث سرية من رجاله، فقامت بإخلاء العرائش من أهلها المسلمين قسرا، وبعد مقاومة عنيفة، وسلمتها إلى الإسبان، تحقيقاً لتعهد الشيخ. وحاول الشيخ أن يعتذر عن تصرفه بأن الإسبان، احتجزوا أهله وولده، وأنه فعل ذلك فى سبيل افتدائهم، واستصدر فتوى بشرعية تصرفه من بعض العلماء، ولكن ذلك لم يغنه شيئاً، واشتد السخط عليه، وانفض عنه كثير من أنصاره. ثم سار الشيخ فى قواته إلى تطاون (تيطوان)، وأخذ يعيث فسادا فى تلك المنطقة، ومازال فى
стр. 2864
مغامراته حتى تصدى له بعض زعماء غمارة وقتلوه على مقربة من تطاون، وذلك فى رجب سنة ١٠٢٢ هـ (١٦١٣ م)، وانتهى بذلك أمره، وتوطد بذلك مركز مولاى زيدان، وتمكن عرشه، وإن كان قد لبث بعد ذلك حيناً فى مقارعة الخوارج عليه من أبناء الشيخ وغيرهم (١). واستمر السلطان زيدان حتى وفاته فى سنة ١٠٣٧ هـ (١٦٢٧ م) أعنى بعد نفى الموريسكيين بنحو تسعة عشر عاماً، فى كفاح دائم مع اسبانيا. وحدث خلال هذا الكفاح ذات مرة فى سنة ١٦١٢ م، أن غنمت السفن الإسبانية فى مياه المغرب على شاطىء الأطلنطى فيما بين آسفى وأغادير، مركباً لمولاى زيدان شحنت بالتحف، وبها ثلاث آلاف سفر من كتب الدين والأدب والفلسفة (٢)، وكان مولاى زيدان قد غادر مراكش تحت ضغط الحوادث، وركب البحر ملتجئاً إلى الجنوب وحمل معه مكتبته الثمينة وتحفه، فانتهبها الإسبان على هذا النحو، وحملت هذه الكتب إلى اسبانيا، وضمت فيما بعد إلى مجموعة الكتب الأندلسية بقصر الإسكوريال.
стр. 2865
الفصل الثانى
مأساة النفى
قضية الموريسكيين مشكلة قومية لإسبانيا. استحالة العرب المتنصرين إلى شعب جديد. تشعب الآراء حول التخلص منهم. ولاية فيليب الثالث. مشروع دوق دى ليرما للقضاء على الموريسكيين. تقرير المطران ربيرا ومقترحاته. مجلس الدولة يبحث مشروع نفى الموريسكيين. مقترحات اللجنة الملكية. قرار مجلس الدولة. الإستعداد للتنفيذ. صدور مرسوم النفى النهائى. ما يحتويه المرسوم من الأحكام. موقف الموريسكيين. تظلم المدجنين. بدء التنفيذ فى بلنسية. الرحيل إلى وهران وتلمسان. المنفيون من لقنت. مقاومة الموريسكيين فى بعض الأنحاء. إعلان قرار النفى فى قشتالة. إحصاءات عن المنفيين. إعلان قرار النفى غرناطة. إعلانه فى باقى الجهات. تفرق المنفيين فى مختلف الثغور. الإعتداء على المنفيين. عدد الموريسكيين الذين أخرجوا من اسبانيا. رواية موريسكية عن أحوال الموريسكيين وظروف النفى. رواية المقرى عن مأساة النفى. روايات عربية أخرى. آثار الموريسكيين الأخيرة فى اسبانيا.
تلك هى البواعث والظروف التى حملت اسبانيا النصرانية، على التوجس من العرب المتنصرين، واعتبارهم خطراً قومياً يجب العمل على درئه والتخلص منه. وكان هذا التوجس يزيد على كر الأعوام، وتذكيه الحوادث المتوالية: ثورات الموريسكيين ولاسيما ثورة غرناطة الكبرى، وغارات القراصنة على الشواطىء الإسبانية، وصلات الموريسكيين الدائمة بمسلمى إفريقية وبلاط قسطنطينية؛ وسواء أكان هذا الخطر حقيقياً يهدد سلامة اسبانيا، أم كان للتحامل والبغض أثر فى تصويره، فقد غدت قضية العرب المتنصرين، غير بعيد فى نظر السياسة الإسبانية، مشكلة قومية خطيرة يجب التذرع لمعالجتها بأشد الوسائل وأنجعها.
وكانت السياسة الإسبانية، تعتزم منذ أواخر عهد فيليب الثانى، أن تتخذ خطوتها الحاسمة، فى شأن الموريسكيين. وكان هذا الملك المتعصب يعتزم نفى الموريسكيين بعد الذى عانته اسبانيا فى قمع ثورتهم، ووضع بالفعل فى سنة ١٥٨٢ مشروعاً لنفيهم، ولكن مشاغل السياسة الخارجية حالت دون تحقيق مشروعه. وكان قد مضى يومئذ زهاء قرن على سقوط غرناطة، واستحالت بقية الأمة الأندلسية إلى شعب جديد، لا تكاد تربطه بالماضى المجيد سوى ذكريات
стр. 2866
غامضة. وكان التنصر قد عم الموريسكيين يومئذ، وغدا أبناء قريش ومضر بحكم القوة والإرهاق، نصارى يشهدون القداس فى الكنائس، ويتكلمون ويكتبون القشتالية، غير أنهم لبثوا مع ذلك فى معزل، وأبت اسبانيا النصرانية، بعد أن فرضت عليهم دينها ولغتها ومدنيتها، أن تضمهم إلى حظيرتها القومية. وكانت ما تزال ثمة منهم جموع كبيرة فى بلنسية ومرسية وغرناطة، وغيرها من القواعد الأندلسية القديمة، وكانوا ما يزالون رغم العسف والإرهاق، والاضطهاد والتشريد والذلة، قوة أدبية واجتماعية خطيرة، وعنصراً بارزاً فى إنتاج اسبانيا القومى، ولاسيما فى الصناعات والفنون. ولكن السياسة الإسبانية كانت تخشاهم بالرغم من ضعفهم وخضوعهم، بعد أن فشلت بوسائلها الهمجية البغيضة فى كسب محبتهم وولائهم. وكان ديوان التحقيق من جهة أخرى، ومن ورائه الأحبار والكنيسة، يعتبرهم بالرغم من تنصرهم، أبدا وصمة فى نقاء النصرانية، ويتصور الإسلام دائماً يجرى كالدم فى عروقهم.
وقد تضاربت آراء الساسة والأحبار الإسبان، فى شأن الخطوة الحاسمة التى يجب اتخاذها، للقضاء على خطر الموريسكيين. ورأى بعض أكابر الأحبار أن خطر الموريسكيين لا يزول إلا بالقضاء على الموريسكيين أنفسهم. وكان مما اقترحه المطران ربيرا أن يقضى عليهم بالرق، وأن يؤخذ منهم كل عام بضعة آلاف للعمل فى السفن ومناجم الهند، حتى يتم إفناؤهم بهذه الطريقة، وذهب البعض الآخر إلى وجوب قتل الموريسكيين دفعة واحدة، أو قتل البالغين منهم، واسترقاق الباقين وبيعهم عبيداً، وكان مما اقترحه بعض وزراء فيليب الثانى أن يجمع الموريكسيون، ويحملوا على السفن ثم يغرقوا فى عرض البحر (١). واستمرت السياسة الإسبانية حينا تتلمس المخرج وسط هذه الحلول الهمجية، حتى توفى فيليب الثانى (سنة ١٥٩٨) وخلفه ولده فيليب الثالث. وكان هذا الملك الفتى، ضعيف الرأى والإرادة، يتأثر كأبيه بنفوذ الأحبار، ويخضع لوحى وزيره وصفيه الدوق دى ليرما. وكان الدوق من أشد أنصار فكرة القضاء على الموريسكيين، وقد أشار بها منذ سنة ١٥٩٩، ووضع لتنفيذها مشروعاً، خلاصته أن الموريسكيين إنما هم عرب، ويجب أن يعدم الشبان والكهول منهم، ما بين الخامسة عشرة والستين، أو أن يسترقوا ويرسلوا للعمل فى السفن، وتنزع أملاكهم. أما الرجال والنساء الذين جاوزوا الستين،
стр. 2867
فينفوا إلى المغرب، وأما الأطفال فيؤخذوا ويربوا فى المعاهد الدينية، وهو مشروع أقره مجلس الدولة، وأخذ يعمل سراً لحشد القوى اللازمة لحصر عدد الموريسكيين فى اسبانيا.
وفى سنة ١٦٠١ قدم المطران ربيرا إلى الملك، تقريراً يقول فيه إن الدين هو دعامة المملكة الإسبانية، "وإن الموريسكيين لا يعترفون، ولا يتقبلون البركة ولا الواجبات الدينية الأخيرة، ولا يأكلون لحم الخنزير، ولا يشربون النبيذ، ولا يعملون شيئاً من الأمور التى يعملها النصارى " ثم يوضح الأسباب التى تدعو إلى عدم الثقة فى ولائهم بقوله: "إن هذا المروق العام لا يرجع إلى مسألة العقيدة، ولكنه يرجع إلى العزم الراسخ فى أن يبقوا مسلمين، كما كان آباؤهم وأجدادهم، ويعرف المحققون العامون أن الموريسكيين بعد أن يعتقلوا عامين وثلاثة وتشرح لهم العقيدة فى كل مناسبة، يخرجون دون أن يعرفوا كلمة منها. والخلاصة أنهم لا يعرفون العقيدة، لأنهم لا يريدون معرفتها، ولأنهم لا يريدون أن يعملوا شيئاً يجعلهم يبدون نصارى" (١)، ثم يقول المطران فى تقرير آخر، إن الموريسكيين كفرة متعنتون يستحقون القتل، وإن كل وسيلة للرفق بهم قد فشلت، وإن اسبانيا تتعرض من جراء وجودهم فيها، إلى أخطار كثيرة، وتتكبد فى رقابتهم، والسهر على حركاتهم، وإخماد ثوراتهم، كثيراً من الرجال والمال. ثم يقترح أن تؤلف محكمة سرية من الأحبار، تقضى بردة الموريسكيين وخيانتهم، ثم تحكم علناً بوجوب نفيهم ومصادرة أملاكهم، وأنه لا ضير على الملك فى ذلك ولا حرج، ولكن مشروع المطران لم ينفذ، لأن مجلس الدولة كان يرى أن يسير فى تحقيق غاياته سراً، وألا تصطبغ إجراءاته فى ذلك بالصبغة الدينية.
ومضت بضعة أعوام أخرى، والفكرة تبحث وتختمر وتتوطد، حتى كانت حوادث المغرب فى أواخر سنة ١٦٠٧، وما نسب للموريسكيين من صلة بمولاى زيدان ومشاريعه لغزو اسبانيا، وعزمهم على الثورة. عندئذ بادر مجلس الدولة بالاجتماع فى أواخر يناير سنة ١٦٠٨، واستعرضت جميع الآراء والمشاريع السابقة، وبحثت جميع الاقتراحات؛ وكرر المطران ربيرا اقتراحه بوجوب نفى الموريسكيين إلى المغرب، وقال بأن النفى أرفق ما يمكن عمله، وأيد رأيه معظم الأعضاء الآخرين وذكروا أن نفى الموريسكيين أصبح ضرورة لا مفر منها، لأنهم يتكاثرون بسرعة،
стр. 2868
بينما يتناقص عدد النصارى القدماء. وبحثت تفاصيل المشروع ووسائله، وما يجب اتخاذه من التحوطات لضمان تنفيذه، خصوصاً وقد بدأت أنباء المشروع تتسرب إلى الموريسكيين، وظهرت بينهم أعراض الهياج فى سرقسطة وبلنسية. وكانت الخطوة التالية أن عُهد بدرس المشكل كله، إلى لجنة خاصة على رأسها الدوق دى ليرما، ووضعت هذه اللجنة أسس المشروع التمهيدية بعد كبير جدل، وخلاصتها أن يمنح الموريسكيون شهراً لبيع أملاكهم ومغادرة اسبانيا إلى حيث شاءوا، فمن جاز منهم إلى إفريقية منح السفر الأمين، ومن جاز إلى أرض نصرانية أوصى به خيراً، ومن تخلف عن الرحيل بعد انقضاء هذه المدة، عوقت بالموت والمصادرة؛ ولم يعترض أحد على هذه الأسس فى ذاتها، على أن هذه الأسس الرفيقة نوعاً لم يؤخذ بها.
وفى يناير سنة ١٦٠٩ بحث مجلس الدولة المسألة لآخر مرة، وقدم تقريراً ينصح فيه بوجوب نفى الموريسكيين، لأسباب دينية وسياسية فصّلها، وأهمها تعرض اسبانيا يومئذ خطر الغزو من مراكش وغيرها، وقيام الأدلة على أن الموريسكيين جميعاً خونة مارقون، يستحقون الموت والرق، ولكن اسبانيا تؤثر الرفق بهم، وتكتفى بنفيهم من أراضيها. وتقرر أن ينفذ المشروع كله فى خريف هذا العام، وأرسلت الأوامر إلى حكام صقلية ونابولى وميلان، بإعداد جميع السفن الممكنة لنقل الموريسكيين، وجميع القوات اللازمة لحراستهم، واجتمعت منذ أوائل الصيف فى مياه ميورقة، عشرات من السفن المطلوبة، وسارت أهبة التنفيذ بسرعة ونشاط.
وهكذا انتهت السياسة الإسبانية بعد فترة من التردد، إلى اتخاذ خطوتها الحاسمة فى القضاء على البقية الباقية من الموريسكيين، وتحقيق أمنيتها القديمة، فى "تطهير" اسبانيا نهائيا من آثار الإسلام وآثار العرب، ومحو تلك الصفحة الأخيرة لشعب عظيم تالد.
- ٢ -
وفى ٢٢ سبتمبر سسنة ١٦٠٩ أعلن قرار (مرسوم) النفى النهائى للموريسكيين أو العرب المتنصرين، فساد بينهم الروع والاضطراب، وإليك نصوص هذا القرار الشهير فى صحف المآسى والاستشهاد:
يبدأ القرار بالتنويه بخيانة الموريسكيين، واتصالهم بأعداء اسبانيا، وإخفاق كل الجهود التى بذلت لتنصيرهم، وضمان ولائهم، وما استقر عليه رأى الملك من نفيهم جميعاً إلى بلاد البربر (المغرب). وبناء على ذلك فإنه يجب على جميع
стр. 2869
الموريسكيين من الجنسين، أن يرحلوا مع أولادهم، فى ظرف ثلاثة أيام من نشر هذا القرار، من المدن والقرى إلى الثغور التى يعينها لهم مأمورو الحكومة، والموت عقوبة المخالفين؛ وأن لهم أن يأخذوا من متاعهم ما يستطاع حمله على ظهورهم، وأن السفن قد أعدت لنقلهم إلى بلاد المغرب، وسوف تتكفل الحكومة بإطعامهم أثناء السفر، ولكن عليهم أن يأخذوا ما استطاعوا من المؤن، وأنه يجب عليهم أن يبقوا خلال مهلة الأيام الثلاثة فى أماكنهم رهن إشارة المأمورين، ومن وجد متجولا بعد ذلك يكون عرضة للنهب والمحاكمة، أو الإعدام فى حالة المقاومة. وقد منح الملك السادة كل الأملاك العقارية والأمتعة الشخصية التى لم تحمل، فإذا عمد أحد إلى إخفاء الأمتعة أو دفنها، أو أضرم النار فى المنازل أو المحاصيل، عوقب جميع سكان الناحية بالموت. ونص القرار على استبقاء ستة فى المائة فقط من الموريسكيين للانتفاع بهم فى صون المنازل، والعناية بمعامل السكر، ومحصول الأرز، وتنظيم الرى، وإرشاد السكان الجدد، وهؤلاء يختارهم السادة، من بين الأسر الأكثر خبرة وأشد ولاء للنصرانية. أما الأطفال فإذا كانوا دون الرابعة، فإنه يسمح لهم بالبقاء إذا شاءوا (كذا) ورضى آباؤهم أو أولياؤهم، وإذا كانوا دون السادسة، سمح لهم بالبقاء إذا كانوا من أبناء النصارى القدماء، (أعنى من غير العرب المتنصرين)، وسمح كذلك بالبقاء لأمهم الموريسكية؛ فإذا كان الأب موريسكياً والأم نصرانية أصيلة، نفى الأب وبقى الأولاد الذين دون السادسة مع أمهم.
كذلك يسمح بالبقاء للموريسكيين الذين أقاموا بين النصارى مدى عامين، ولم يختلطوا "بالجماعة" إذا زكاهم القسس. وحظر القرار إخفاء الهاربين أو حمايتهم.
ويعاقب المخالف بالأشغال الشاقة لمدة ستة أعوام. كذلك حظر على الجنود والنصارى القدماء، أن يتعرضوا للموريسكيين أو يهينوهم بالقول أو الفعل، وهدد المخالفون بالعقاب الصارم. وأخيراً نص على السماح لعشرة من الموريسكيين بالعودة عقب كل نقلة، لكى يشرحوا لإخوانهم كيف تم النقل إلى المغرب على أحسن حال.
وقع قرار النفى على الموريسكيين وقع الصاعقة، وسادهم الوجوم والذهول.
وكان عصر الثورة والمقاومة قد ولى، ونهكت قواهم، ونضبت مواردهم. وكانت الحكومة الإسبانية قد اتخذت عدتها للطوارىء، وحشدت قواتها فى جميع الأنحاء الموريسكية، واجتمع زعماء الموريسكيين وفقهاؤهم فى بلنسية، وقرروا أنه لا أمل فى المقاومة وأنه لا مناص من الخضوع، واستقر الرأى على أن يرحلوا جميعاً، وألا
стр. 2870
يبقى منهم أحد، حتى ولا نسبة الستة فى المائة التى سمح ببقائها، وأن من بقى منهم اعتبر مرتداً مارقاً. ومع ذلك فقد وقعت ثورات محلية، وتأهبت بعض الجماعات المحتشدة فى المناطق الجبلية للمقاومة، وعاثت فى الأنحاء المجاورة، ولكنها كانت فورة المحتضر، فأخمدت حركاتهم بسرعة وقتل منهم عدد جم.
وتظلم كثير من المدجنين من قرار النفى، وقالوا إنهم اعتنقوا النصرانية طوعاً قبل التنصير الإجبارى، وغدوا نصارى واسبانيين قبل كل شىء، فصدر الأمر إلى الأساقفة ببحث ظلامتهم، وأن يسمح بالبقاء لمن توفرت فيه منهم شروط الولاء والإخلاص (١).
أما الكثرة الساحقة من الموريسكيين فقد هرعت إلى اتخاذ أهبة الرحيل، وأخذوا فى بيع ما تيسر بيعه من المتاع، وتدفقت السلع على الأسواق، من الماشية والحبوب والسكر والعسل والملابس والأثاث وغيرها، لتباع بأبخس الأثمان.
وبدىء بتنفيذ قرار النفى فى الجهات التى نشر فيها أولا، وهى أعمال بلنسية منذ أوائل أكتوبر (سنة ١٦٠٩). وخرجت أول شحنة من هذه الكتلة البشرية المعذبة على سفن الحكومة من ثغر دانية وبعض الثغور القريبة، وقدرت بثمانية وعشرين ألف نفس، حملوا إلى ثغر وهران فى الضفة الأخرى من البحر، وقد كان يومئذ بيد الإسبان، ثم نقلوا إلى تلمسان بحماية فرقة من الجند المرتزقة، وهناك استظلوا بحماية السلطان؛ وعاد البعض منهم إلى اسبانيا ليروى عن رحيل الراحلين، وكيف وصلوا فى أمن وسلام. ومع ذلك فقد آثر معظم المهاجرين السفر بأجر، على سفن غير التى عينتها الحكومة، لنقل المهاجرين وإطعامهم دون أجر، واضطرت الحكومة تلقاء ذلك، أن تستدعى عدداً كبيراً من السفن الحرة، إلى مياه بلنسية، ورحل بهذه الطريقة من ثغر بلنسية زهاء خمسة عشر ألفا، معظمهم من الموسرين والمتوسطين؛ ورحل المنفيون من ثغر لقنت على عزف الموسيقى ونشيد الأغانى، وهم يشكرون الله على العود إلى أرض الآباء والأجداد، ولما سئل فقيه من زعمائهم عن سبب اغتباطهم، أجاب بأنهم كثيراً ما سعوا إلى شراء قارب أو سرقته، للفرار إلى المغرب، مستهدفين لكثير من المخاطر، فكيف إذا عرضت لنا فرصة السفر الأمين مجاناً، لا ننتهزها للعود إلى أرض الأجداد، حيث نستظل بحماية سلطاننا، سلطان الترك، وهنالك نعيش أحراراً مسلمين لا عبيداً كما كنا؟
стр. 2871
صورة: الملك فيليب الثالث عن صورة بلاثكيث المحفوظة بمتحف البرادو بمدريد، وفيها يبدو أحمر الشعر واللحية والشارب، فوق جواد أشهب
стр. 2872
وكانت الجنود تحرس المنفيين فى معظم الأحوال، حماية لهم من جشع النصارى الإسبان الذين انتظموا فى عصابات لمهاجمة المنفيين ونهبهم وقتلهم أحياناً. وفضلا عن ذلك فإن تنفيذ قرار النفى لم يجر دائماً فى يسر وسهولة، فقد رأينا أن كثيراً من الموريسكيين فى المناطق الجبلية أبوا الخضوع للأوامر لعدم ثقتهم فى ولاء الحكومة، وفضلوا المقاومة حتى الموت، واحتشدوا بالأخص فى "وادى أجوار" حيث اجتمع منهم زهاء خمسة عشر ألفاً، وفى مويلا دى كورتيس حيث اجتمع نحو تسعة آلاف فبادرت قوات الحكومة بمحاصرة وادى أجوار وفتكت بالموريسكيين العزل، وقتلت منهم بضعة آلاف، ومات كثير منهم من الجوع والبرد. وأخيراً سلم من بقى منهم وحملوا قسراً إلى ميناء السفر، وسبى الجند منهم كثيراً من النساء والأطفال، باعوهم رقيقاً، ولم يصل منهم إلى شواطىء المغرب سوى القليل، وفى مويلا دى كورتيس لم يبق منهم عند الإبحار سوى ثلاثة آلاف، ولبثت فلولهم تقاوم مستميتة، وتبث الاضطراب نحو عام حتى قضى عليها (١).
وصدر قرار النفى فى قشتالة فى ١٥ سبتمبر سنة ١٦٠٩. ولكن أجل تنفيذه حتى ينفذ أولا فى بلنسية، ولم ينفذ بالفعل إلا فى أواخر ديسمبر، ومنح الموريسكيون فيه شهراً للسفر بنفس الشروط التى تضمنها قرار النفى فى الأندلس؛ وسافر منهم فى اتجاه الشمال إلى حدود فرنسا نحو أربعة آلاف عائلة، وسافر إلى قرطاجنة نحو عشرة آلاف بحجة السفر إلى الأراضى النصرانية، وذلك لكى يحتفظوا بأولادهم الصغار، ولكن تسرب الكثير منهم إلى الثغور المغربية.
وبلغ عدد المنفيين فى الثلاثة أشهر الأولى زهاء مائة وخمسين ألفاً، وسافر منهم ألوف كثيرة من الأغنياء والموسرين على نفقتهم الخاصة، وقصدت جموع كثيرة من الموريسكيين فى أراجون قدرت بنحو خمسة وعشرين ألفاً، إلى ولاية نافار الفرنسية، ودخل فرنسا من قشتالة نحو سبعة عشر ألفاً، وسمح لهم هنرى الرابع ملك فرنسا بالتوطن فيما وراء نهر الجارون، بشرط بقائهم على دين الكثلكة، وأن تهيىء السفن لمن أراد السفر منهم إلى شواطىء المغرب.
أما فى غرناطة وأنحاء الأندلس، فقد أعلن قرار النفى فى ١٢ يناير سنة ١٦١٠ بعد أن عدلت بعض أحكامه، وفيه يمنح الموريسكيون للرحيل ثلاثين يوماً، ويباح لهم أن يبيعوا سائر أملاكهم المنقولة وأخذ ثمنها، على أن يقتنى به عروض أو بضائع
стр. 2873
اسبانية، ولا يسمح لهم بأن يحملوا معهم من النقد أو الذهب أو الحلى، إلا ما يكفى ئفقات الرحلة بالبر والبحر. وأما الأملاك العقارية فتصادر لجهة العرش. وقد استقبل الموريسكيون فى الأندلس قرار النفى بالاستبشار والرضى، ويقدر من نزح منهم إلى المغرب، سواء على سفن الحكومة أو السفن الحرة، بنحو مائة ألف نفس، وقد نزح معظمهم إلى مراكش.
ثم توالى إعلان قرار النفى، فى جميع الجهات التى تضم مجتمعات موريسكية، فى سائر أنحاء المملكة الإسبانية. فى قطلونية وأراجون فى مايو سنة ١٦١٠، ثم فى إشبيلية وإسترمادوره، ثم فى مرسية وغيرها. وتأخر تنفيذه فى مرسية نحو أربعة أعوام حتى يناير سنة ١٦١٤، وخرج من مرسية زهاء خمسة عشر ألفاً، واتجهت جموع كثيرة من الشمال إلى الثغور الجنوبية.
واتجهت بعض الجماعات منهم إلى الثغور الإيطالية مباشرة، أو عن طريق فرنسا، ومنها أبحرت إلى مصر والشام وقسطنطينية (١). وبلغ السلطان أحمد سلطان الترك، ما أصاب الكثير منهم فى أرض فرنسا من الاعتداء والنهب، فأرسل إلى ملكتها (وهى يومئذ مارى دى مديتشى الوصية على ولدها لويس الثالث عشر) يحتج على هذا الإيذاء، ويطلب حماية المنفيين (٢). وكان بين هؤلاء الذين اتجهوا نحو المشرق، بعض طوائف اليهود الأندلسيين، ولاسيما طائفة "الحسديم" التى مازالت تقيم حتى اليوم فى قسطنطينية، ويقيم بعضها فى مصر.
ونفذ قرار النفى فى كل مكان بصرامة ووحشية، واستمرت السفن شهوراً بل أعواماً تحمل أكداساً من تلك الكتلة البشرية المعذبة، فتلقى بها هنا، وهنالك، فى مختلف الثغور الإفريقية، فى غمر من المناظر المروعة المفجعة.
وقد رويت روايات كثيرة محزنة عن مصير بعض جماعات المنفيين، فإن للذين نزلوا منهم فى وهران ليسيروا منها إلى داخل البلاد المغربية، اعتدت عليهم بعض العصابات الناهبة، لما كان معروفاً من أنهم يحملون أموالا وحلياً نفيسة، وسبى كثير من نسائهم. وقد كان منهم فى الواقع كثير من الأغنياء والأشراف القدماء، ولاسيما من أهل إشبيلية، وكتب الكونت أجيلار حاكم وهران، أن كثيرين منهم بقوا فى وهران، خوفاً من اعتداء الأعراب، وقيل إن ثلثى القادمين إلى وهران
стр. 2874
أو أكثر من ذلك، هلكوا من المرض أو نتيجة الاعتداء، ومن ثم فإن كثيرين منهم عادوا إلى اسبانيا، والتمسوا إلى السلطات أن يبقوا نصارى وأن يكونوا عبيداً. وقد ألفى هؤلاء بعض الأسر التى قبلت استرقاقهم، واعترض على ذلك رجال الدين، وصدرت الأوامر برفض نزولهم إلى الشواطىء الإسبانية، ولكن كثيرين تسربوا إلى أنحاء بلنسية وغيرها، وبقوا فى اسبانيا رغم جميع الجهود التى بذلت لإخراجهم (١).
وقد اختلف المؤرخون أيما اختلاف، فى تقدير عدد الموريسكيين الذين أخرجوا من اسبانيا تطبيقاً لقرار النفى، ويقول ناباريتى وهو من أعظم مؤرخى اسبانيا، إنه قد نفى من اسبانيا فى مختلف العصور، نحو مليونين من اليهود، وثلاثة ملايين من الموريسكيين. ويقدر آخرون المنفيين من الموريسكيين بأربعمائة ألف أو تسعمائة ألف، ويقدرهم دون لورنتى مؤرخ "ديوان التحقيق" بمليون، ويقدرهم المستشرق فون هامار بثلاثمائة ألف وعشرة آلاف. وفى الرواية العربية الموريسكية التى نثبتها فيما بعد، يقدر عدد المنفيين الموريسكيين بستمائة ألف، ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن عدد من نفى من الموريسكيين لا يمكن أن يتجاوز هذا القدر، وقد كان مجموعهم فى أواخر القرن السادس عشر لا يتجاوز ستمائة ألف حسبما قدمنا. ويقدر من هلك من الموريسكيين أو استرق منهم أثناء مأساة النفى بنحو مائة ألف نفس (٢).
وقد عاد معظم الموريسكيين، الذين نفوا إلى إفريقية والمشرق، إلى الإسلام دين الآباء والأجداد، ولم تخمد مائة عام من التنصير المغصوب، والإرهاق المستمر جذوة الإسلام فى نفوسهم، وقد لبث على كر العصور متغلغلا فى أعماق سرائرهم.
وبذلك ينتهى الفصل الأخير من مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين، وتطوى إلى الأبد صفحة شعب، من أنبل وأمجد شعوب التاريخ، وحضارة من أزهر الحضارات.
- ٣ -
وتقدم إلينا الرواية الغربية، تفاصيل ضافية عن مأساة الموريسكيين، منذ بدايتها إلى نهايتها، وتخصها بكثير من التعليق والنقد. ولكن الرواية الإسلامية مقلة فى هذا الموطن، شأنها فى تاريخ الأندلس منذ سقوط غرناطة، فهى لا تعنى بتتبع
стр. 2875
مصير العرب المتنصرين، كما تعنى الرواية الغربية، ولا تقدم إلينا عن مأساة النفى سوى بعض الشذور والإشارات الموجزة.
وأهم وأوفى ما وقفنا عليه من ذلك، رواية معاصرة عن أحوال الموريسكيين، ومساعيهم السرية للمحافظة على دينهم، وظروف نفيهم، كتبها موريسكى عاش فى جيان وغيرها من قواعد الأندلس الجنوبية فى أواخر عهد الموريسكيين، ثم هاجر إلى تونس قبيل النفى بقليل، وكتب فيما بعد بالعربية كتابا عنوانه: "الأنوار النبوية فى آباء خير البرية"، ويتحدث فى نهايته فى فصل خاص عن الموريسكيين المهاجرين، وشرف نسبهم، وينوه بحسن إيمانهم وتمسكهم بالإسلام دين آبائهم وأجدادهم، ووردت خلال هذا الفصل حقائق تاريخية هامة، عن النفى وأسبابه وملابساته. وقد رأينا أن ننقله فيما يلى: (١)
"قد كثر الإنكار علينا معشر أشراف الأندلس من كثير من إخواننا فى الله بهذه الديار الإفريقية من التونسيين وغيرهم، حفظهم الله تعالى، بقولهم من أين لهم هذا الشرف، وقد كانوا ببلاد الكفار، دمرهم الله، ولهم مئون من السنين كذا وكذا، ولم يبق فيهم من يعرف ذلك من مدة الإسلام وقد اختلطوا مع النصارى، أبعدهم الله تعالى، إلى غير ذلك من الكلام الذى لا نطيل به ولا أذكره هنا صونا لعرضهم وحبى فيهم.
"مع أنى صغير السن حين دخولنا هذه الديار عمرها الله تعالى بالإسلام وأهله بجاه النبى المختار فقد أطلعنى الله تعالى على دين الإسلام بواسطة والدى رحمة الله عليه وأنا ابن ستة أعوام وأقل، مع أنى كنت إذ ذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم، ثم أرجع إلى بيتى فيعلمنى والدى دين الإسلام، فكنت أتعلم فيهما معاً، وسنى حين حملت إلى مكتبهم آربعة أعوام. فأخذ والدى لوحاً من عود الجوز كأنى أنظر الآن إليها مملسا، فكتب لى فيه حروف الهجاء وهو يسألنى حرفاً حرفاً