صورة: الملك فيليب الثالث عن صورة بلاثكيث المحفوظة بمتحف البرادو بمدريد، وفيها يبدو أحمر الشعر واللحية والشارب، فوق جواد أشهب
стр. 2872
وكانت الجنود تحرس المنفيين فى معظم الأحوال، حماية لهم من جشع النصارى الإسبان الذين انتظموا فى عصابات لمهاجمة المنفيين ونهبهم وقتلهم أحياناً. وفضلا عن ذلك فإن تنفيذ قرار النفى لم يجر دائماً فى يسر وسهولة، فقد رأينا أن كثيراً من الموريسكيين فى المناطق الجبلية أبوا الخضوع للأوامر لعدم ثقتهم فى ولاء الحكومة، وفضلوا المقاومة حتى الموت، واحتشدوا بالأخص فى "وادى أجوار" حيث اجتمع منهم زهاء خمسة عشر ألفاً، وفى مويلا دى كورتيس حيث اجتمع نحو تسعة آلاف فبادرت قوات الحكومة بمحاصرة وادى أجوار وفتكت بالموريسكيين العزل، وقتلت منهم بضعة آلاف، ومات كثير منهم من الجوع والبرد. وأخيراً سلم من بقى منهم وحملوا قسراً إلى ميناء السفر، وسبى الجند منهم كثيراً من النساء والأطفال، باعوهم رقيقاً، ولم يصل منهم إلى شواطىء المغرب سوى القليل، وفى مويلا دى كورتيس لم يبق منهم عند الإبحار سوى ثلاثة آلاف، ولبثت فلولهم تقاوم مستميتة، وتبث الاضطراب نحو عام حتى قضى عليها (١).
وصدر قرار النفى فى قشتالة فى ١٥ سبتمبر سنة ١٦٠٩. ولكن أجل تنفيذه حتى ينفذ أولا فى بلنسية، ولم ينفذ بالفعل إلا فى أواخر ديسمبر، ومنح الموريسكيون فيه شهراً للسفر بنفس الشروط التى تضمنها قرار النفى فى الأندلس؛ وسافر منهم فى اتجاه الشمال إلى حدود فرنسا نحو أربعة آلاف عائلة، وسافر إلى قرطاجنة نحو عشرة آلاف بحجة السفر إلى الأراضى النصرانية، وذلك لكى يحتفظوا بأولادهم الصغار، ولكن تسرب الكثير منهم إلى الثغور المغربية.
وبلغ عدد المنفيين فى الثلاثة أشهر الأولى زهاء مائة وخمسين ألفاً، وسافر منهم ألوف كثيرة من الأغنياء والموسرين على نفقتهم الخاصة، وقصدت جموع كثيرة من الموريسكيين فى أراجون قدرت بنحو خمسة وعشرين ألفاً، إلى ولاية نافار الفرنسية، ودخل فرنسا من قشتالة نحو سبعة عشر ألفاً، وسمح لهم هنرى الرابع ملك فرنسا بالتوطن فيما وراء نهر الجارون، بشرط بقائهم على دين الكثلكة، وأن تهيىء السفن لمن أراد السفر منهم إلى شواطىء المغرب.
أما فى غرناطة وأنحاء الأندلس، فقد أعلن قرار النفى فى ١٢ يناير سنة ١٦١٠ بعد أن عدلت بعض أحكامه، وفيه يمنح الموريسكيون للرحيل ثلاثين يوماً، ويباح لهم أن يبيعوا سائر أملاكهم المنقولة وأخذ ثمنها، على أن يقتنى به عروض أو بضائع
стр. 2873
اسبانية، ولا يسمح لهم بأن يحملوا معهم من النقد أو الذهب أو الحلى، إلا ما يكفى ئفقات الرحلة بالبر والبحر. وأما الأملاك العقارية فتصادر لجهة العرش. وقد استقبل الموريسكيون فى الأندلس قرار النفى بالاستبشار والرضى، ويقدر من نزح منهم إلى المغرب، سواء على سفن الحكومة أو السفن الحرة، بنحو مائة ألف نفس، وقد نزح معظمهم إلى مراكش.
ثم توالى إعلان قرار النفى، فى جميع الجهات التى تضم مجتمعات موريسكية، فى سائر أنحاء المملكة الإسبانية. فى قطلونية وأراجون فى مايو سنة ١٦١٠، ثم فى إشبيلية وإسترمادوره، ثم فى مرسية وغيرها. وتأخر تنفيذه فى مرسية نحو أربعة أعوام حتى يناير سنة ١٦١٤، وخرج من مرسية زهاء خمسة عشر ألفاً، واتجهت جموع كثيرة من الشمال إلى الثغور الجنوبية.
واتجهت بعض الجماعات منهم إلى الثغور الإيطالية مباشرة، أو عن طريق فرنسا، ومنها أبحرت إلى مصر والشام وقسطنطينية (١). وبلغ السلطان أحمد سلطان الترك، ما أصاب الكثير منهم فى أرض فرنسا من الاعتداء والنهب، فأرسل إلى ملكتها (وهى يومئذ مارى دى مديتشى الوصية على ولدها لويس الثالث عشر) يحتج على هذا الإيذاء، ويطلب حماية المنفيين (٢). وكان بين هؤلاء الذين اتجهوا نحو المشرق، بعض طوائف اليهود الأندلسيين، ولاسيما طائفة "الحسديم" التى مازالت تقيم حتى اليوم فى قسطنطينية، ويقيم بعضها فى مصر.
ونفذ قرار النفى فى كل مكان بصرامة ووحشية، واستمرت السفن شهوراً بل أعواماً تحمل أكداساً من تلك الكتلة البشرية المعذبة، فتلقى بها هنا، وهنالك، فى مختلف الثغور الإفريقية، فى غمر من المناظر المروعة المفجعة.
وقد رويت روايات كثيرة محزنة عن مصير بعض جماعات المنفيين، فإن للذين نزلوا منهم فى وهران ليسيروا منها إلى داخل البلاد المغربية، اعتدت عليهم بعض العصابات الناهبة، لما كان معروفاً من أنهم يحملون أموالا وحلياً نفيسة، وسبى كثير من نسائهم. وقد كان منهم فى الواقع كثير من الأغنياء والأشراف القدماء، ولاسيما من أهل إشبيلية، وكتب الكونت أجيلار حاكم وهران، أن كثيرين منهم بقوا فى وهران، خوفاً من اعتداء الأعراب، وقيل إن ثلثى القادمين إلى وهران
стр. 2874
أو أكثر من ذلك، هلكوا من المرض أو نتيجة الاعتداء، ومن ثم فإن كثيرين منهم عادوا إلى اسبانيا، والتمسوا إلى السلطات أن يبقوا نصارى وأن يكونوا عبيداً. وقد ألفى هؤلاء بعض الأسر التى قبلت استرقاقهم، واعترض على ذلك رجال الدين، وصدرت الأوامر برفض نزولهم إلى الشواطىء الإسبانية، ولكن كثيرين تسربوا إلى أنحاء بلنسية وغيرها، وبقوا فى اسبانيا رغم جميع الجهود التى بذلت لإخراجهم (١).
وقد اختلف المؤرخون أيما اختلاف، فى تقدير عدد الموريسكيين الذين أخرجوا من اسبانيا تطبيقاً لقرار النفى، ويقول ناباريتى وهو من أعظم مؤرخى اسبانيا، إنه قد نفى من اسبانيا فى مختلف العصور، نحو مليونين من اليهود، وثلاثة ملايين من الموريسكيين. ويقدر آخرون المنفيين من الموريسكيين بأربعمائة ألف أو تسعمائة ألف، ويقدرهم دون لورنتى مؤرخ "ديوان التحقيق" بمليون، ويقدرهم المستشرق فون هامار بثلاثمائة ألف وعشرة آلاف. وفى الرواية العربية الموريسكية التى نثبتها فيما بعد، يقدر عدد المنفيين الموريسكيين بستمائة ألف، ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن عدد من نفى من الموريسكيين لا يمكن أن يتجاوز هذا القدر، وقد كان مجموعهم فى أواخر القرن السادس عشر لا يتجاوز ستمائة ألف حسبما قدمنا. ويقدر من هلك من الموريسكيين أو استرق منهم أثناء مأساة النفى بنحو مائة ألف نفس (٢).
وقد عاد معظم الموريسكيين، الذين نفوا إلى إفريقية والمشرق، إلى الإسلام دين الآباء والأجداد، ولم تخمد مائة عام من التنصير المغصوب، والإرهاق المستمر جذوة الإسلام فى نفوسهم، وقد لبث على كر العصور متغلغلا فى أعماق سرائرهم.
وبذلك ينتهى الفصل الأخير من مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين، وتطوى إلى الأبد صفحة شعب، من أنبل وأمجد شعوب التاريخ، وحضارة من أزهر الحضارات.
- ٣ -
وتقدم إلينا الرواية الغربية، تفاصيل ضافية عن مأساة الموريسكيين، منذ بدايتها إلى نهايتها، وتخصها بكثير من التعليق والنقد. ولكن الرواية الإسلامية مقلة فى هذا الموطن، شأنها فى تاريخ الأندلس منذ سقوط غرناطة، فهى لا تعنى بتتبع
стр. 2875
مصير العرب المتنصرين، كما تعنى الرواية الغربية، ولا تقدم إلينا عن مأساة النفى سوى بعض الشذور والإشارات الموجزة.
وأهم وأوفى ما وقفنا عليه من ذلك، رواية معاصرة عن أحوال الموريسكيين، ومساعيهم السرية للمحافظة على دينهم، وظروف نفيهم، كتبها موريسكى عاش فى جيان وغيرها من قواعد الأندلس الجنوبية فى أواخر عهد الموريسكيين، ثم هاجر إلى تونس قبيل النفى بقليل، وكتب فيما بعد بالعربية كتابا عنوانه: "الأنوار النبوية فى آباء خير البرية"، ويتحدث فى نهايته فى فصل خاص عن الموريسكيين المهاجرين، وشرف نسبهم، وينوه بحسن إيمانهم وتمسكهم بالإسلام دين آبائهم وأجدادهم، ووردت خلال هذا الفصل حقائق تاريخية هامة، عن النفى وأسبابه وملابساته. وقد رأينا أن ننقله فيما يلى: (١)
"قد كثر الإنكار علينا معشر أشراف الأندلس من كثير من إخواننا فى الله بهذه الديار الإفريقية من التونسيين وغيرهم، حفظهم الله تعالى، بقولهم من أين لهم هذا الشرف، وقد كانوا ببلاد الكفار، دمرهم الله، ولهم مئون من السنين كذا وكذا، ولم يبق فيهم من يعرف ذلك من مدة الإسلام وقد اختلطوا مع النصارى، أبعدهم الله تعالى، إلى غير ذلك من الكلام الذى لا نطيل به ولا أذكره هنا صونا لعرضهم وحبى فيهم.
"مع أنى صغير السن حين دخولنا هذه الديار عمرها الله تعالى بالإسلام وأهله بجاه النبى المختار فقد أطلعنى الله تعالى على دين الإسلام بواسطة والدى رحمة الله عليه وأنا ابن ستة أعوام وأقل، مع أنى كنت إذ ذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم، ثم أرجع إلى بيتى فيعلمنى والدى دين الإسلام، فكنت أتعلم فيهما معاً، وسنى حين حملت إلى مكتبهم آربعة أعوام. فأخذ والدى لوحاً من عود الجوز كأنى أنظر الآن إليها مملسا، فكتب لى فيه حروف الهجاء وهو يسألنى حرفاً حرفاً
стр. 2876
عن حروف النصارى تدريباً وتقريباً، فإذا سميت له حرفاً أعجمياً كتب لى حرفاً عربياً، فيقول حينئذ هكذا حروفنا، حتى استوفى لى جميع حروف الهجاء فى كرتين؛ فلما فرغ من الكرة الأولى، أوصانى أن أكتم ذلك حتى عن والدتى وعمى وأخى، وجميع قرابتنا، وأمرنى أن لا أخبر أحداً من الخلق. وشدد على الوصية، وصار يرسل والدتى التى تسئلنى ما الذى يعلمك والدك فأقول لها لا شىء.
وكذا كان يفعل عمى وأنا أنكر أشد الإنكار. ثم أروح إلى مكتب النصارى وآتى إلى الدار فيعلمنى والدى إلى أن مضت مدة.
"وقد كان والدى ﵀، يلقننى حينئذ ما كنت أقوله حين رؤيتى للأصنام ... فلما تحقق والدى أنى أكتم أمور دين الإسلام عن الأقارب فضلا عن الأجانب، أمرنى أن أتكلم بإفشائه لوالدتى وعمى، وبعض أصحابه الأصدقاء فقط، وكانوا يأتون إلى بيتنا فيتحدثون فى أمر الدين، وأنا أسمع. فلما رأى حزمى مع صغر سنى، فرح كثيراً غاية، وعرفنى بأصدقائه وأحبائه وإخوانه فى دين الإسلام، فاجتمعت بهم واحدا واحدا، وسافرت الأسفار لأجتمع بالمسلمين الأخيار، من جيان، مدينة ابن مالك، إلى غرناطة، وإلى قرطبة وإشبيلية، وطليطلة، وغيرها من مدن الجزيرة الخضراء، أعادها الله تعالى للإسلام، فتلخص لى من معرفتهم أنى ميزت سبعة رجال كانوا كلهم يحدثونى بأمور غرناطة وما كان بها فى الإسلام حينئذ، فباجتماعى بهم حصل لى خير كثير، وقد قرأوا كلهم على شيخ من مشايخ غرناطة، أعادها الله للإسلام، يقال له الفقيه اللوطورى رحمه الله تعالى ونفعنا به، فإنه كان رجلا صالحاً، ولياً لله، فاضلا زاهداً، ورعاً، عارفاً سالكاً، ذا مناقب ظاهرة مشهورة، وكرامات طاهرة مأثورة، قد قرأ القرآن الكريم فى مكتب الإسلام بغرناطة، قبل استيلاء أعداء الدين عليها، وهو ابن ثمانية أعوام وقرأ الفقه وغيره على مشايخ أجلا حسب الإمكان. ثم بعد مدة يسيرة، انتزعت غرناطة من أيدى المسلمين أجدادنا، وقد أذن العدو فى ركوب البحر والخروج منها لمن أراده، وبيع ما عنده، وإتيانه لهذه الديار الإسلامية وذلك فى مدة ثلاثة أعوام، ومن أراد أن يقيم على دينه وماله فليفعل، بعد شروط اشترطوها، وإلزامات كتبها عدو الدين على أهل الإسلام. فلما تحركوا لذلك أجدادنا، وعزموا على ترك ديارهم وأموالهم، ومفارقة أوطانهم للخروج من بينهم، وجاز إلى هذه الديار التونسية، والحضرة الخضراء بغتة من جاز إليها حينئذ، ودخلوا فى زقاق
стр. 2877
الأندلس المعروف الآن بهذا الاسم، وذلك سنة اثنين وتسعمائة، وكذا للجزائر وتطاون وفاس ومراكش وغيرها، ورأى العدو العزم فيهم لذلك، نقض العهد، فردهم رغم أنوفهم من سواحل البحر إلى ديارهم، ومنعهم قهراً عن الخروج واللحوق بإخوانهم، وقرابتهم بديار الإسلام، وقد كان العدو يظهر شيئاً، ويفعل بهم شيئاً آخر، مع أن المسلمين أجدادنا استنجدوا مراراً ملوك الإسلام، كملك فاس ومصر حينئذ، فلم يقع من أحدهما إلا بعض مراسلات، ليقضى الله أمراً كان مفعولا.
"ثم بقى العدو يحتال بالكفر عليهم غصباً، فابتدأ يزيل لهم اللباس الإسلامى، والجماعات، والحمامات، والمعاملات الإسلامية، شيئاً فشيئاً، مع شدة امتناعهم والقيام عليه مرار، وقتالهم إياه، إلى أن قضى الله سبحانه ما قد سبق من علمه، فبقينا بين أظهرهم، وعدو الدين يحرق بالنار من لاحت عليه إمارة الإسلام، ويعذبه بأنواع العذاب، فكم أحرقوا، وكم عذبوا، وكم نفوا من بلادهم، وضيعوا من مسلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون، حتى جاء النصر والفرج من عند الله سبحانه، وحرك القلوب للهروب، وكان ذلك سنة ثلاثة عشرة وألف، فخرج منا بعض للمغرب، وبعض للمشرق خفية، مظهراً دين الكفار أبعدهم الله، فخرج بعض أحبارنا وإخواننا وهو الفقيه الأجل محمد أبو العباس أحمد الحنفى، المعروف بعبد العزيز القرشى، ومعه أحد أخواله، إلى مدينة بلغراد من عمالة القسطنطينية، فالتقيا بالوزير مراد باشا وزير السلطان المعظم المرحوم السلطان أحمد بن السلطان محمد نجل آل عثمان نصرهم الله تعالى وأيدهم، فأخبراه بما حل بإخواننا بالأندلس من الشدة بفرانسة وغيرها، فكتب أمراً لصاحب فرانسة دمرها الله، بإعلام السلطان نصره الله، يأمره بأن يخرج من كان عنده من المسلمين بالأندلس وخدام آل عثمان، ويوجههم إليه فى سفن من عنده مع ما يحتاجون إليه. فلما قرىء الأمر السلطانى فى ديوان الفرنسيس، فسمعه من كان عنده مرسلا من قبل صاحب الجزيرة الخضراء، وهو اللعين فيليبو الثالث، فأرسل لسيده، يخبره بالواقع، وأن السلطان أحمد آل عثمان، أرسل أمره إلى فرانسة، وأمر صاحبها أن يخرج من كان عنده من الأندلس، فقبل كلامه، وأمر بإخراج المسلمين، وأذن لمن جاء من الأندلس بأن لا بأس عليهم، وأن يركبوا عنده فى سواحله مراكبه، ويبلغهم إلى حيث شاءوا من بلاد المسلمين. فلما أحس بهذا الأمر عدو الله فيليبو صاحب إسبانية، دخله الرعب والخوف الشديد، وأمر حينئذ فجمع أكابر
стр. 2878
القسيسين والرهبان والبطارقة، وطلب منهم الرأى، وما يكون عليه العمل فى شأن المسلمين الذين هم ببلاده كافة، فبدا الشأن فى أهل بلنسية، فأخذوا الرأى، وأجمعوا كلهم على إخراج المسلمين كافة من مملكته، وأعطاهم السفن، وكتب أوامر وشروطاً فى شأنهم، وفى كيفية إخراجهم، وشدد على عماله بالوصية، والاستحفاظ على كافة المسلمين من الأندلس. نعم أريد أن أذكر لك نبذة يسيرة اختصرتها، وترجمتها، من جملة أسباب ذكرها الملك الكافر أبعده الله، فى أوامره، التى كتبها فى شأن إخواننا الأندلس حين إخراجهم من الجزيرة الخضراء، لتكون على بصيرة من أمرهم، وتعلم بعض الأسباب التى أخرجوا لأجلها على التحقيق، لا كما يزعم بعض الحاسدين، وليؤيد ما قدمناه آنفاً من أمر السلطان أحمد آل عثمان، وتكمل الفايدة، ولئلا يساء الظن بنا معشر الأندلس.
" قال الملك الكافر، أبعده الله تعالى وزلزله آمين: لما كانت السياسة السلطانية الحسنة الجيدة موجبة لإخراج من يكدر المعاش على كافة الرعية النصرانية، فى مملكتها التى تعيش عيشهاً رغداً صالحاً، والتجربة أظهرت لنا عياناً، أن الأندلس الذين هم متولدون من الذين كدروا مملكتنا فيما مضى، بقيامهم علينا، وقتلهم أكابر مملكتنا، والقسيسين والرهبان الذين كانوا بين أظهرهم، وقطعهم لحومهم، وتمزيقهم أعضاءهم، وتعذيبهم إياهم بأنواع العذاب، الذى لم يسمع فيما تقدم مثله، مع عدم توبتهم فيما فعلوه، وعدم رجوعهم رجوعاً صالحاً من قلوبهم، لدين النصرانية، وأنه لم ينفع فيهم وصايانا، ورأينا عيانا أن كثيراً منهم قد أحرقوا بالنار، لاستمرارهم على دين المسلمين، وظهر منهم العناد بعيشهم فيه خفية، واستنجادهم كذلك عون السلطان العثمانى، لينصرهم علينا، وظهر لى أن بينهم وبينه مراسلات إسلامية، ومعاملات دينية، وقد تيقنت ذلك من إخبارات صادقة وصلت إلىّ. ومع هذا أن أحداً منهم لم يأت إلينا ليخبرنا بما هم يدبرونه فى هذه المدة بينهم، وفيما سبق من السنين، بل كتموه بينهم؛ علمت بذلك أن كلهم قد اتفقوا على رأى واحد، ودين واحد، ونيتهم واحدة، وظهر لى أيضاً، ولأرباب العقول والمتدينين من القسيسين والرهبان والبطارقة الذين جمعتهم لهذا الأمر واستشرت، ومع أن من ابقائهم بيننا ينشأ عنه فساد كبير، وهول شديد بسلطنتنا، وأن بإخراجهم من بيننا يصلح الفساد الناشىء من إبقائهم بمملكتى، أردت إخراجهم من سلطنتنا جملة، ليزول بذلك الكدر الواقع، والمتوقع للنصارى
стр. 2879
الذين هم رعيتنا، طائعين لأوامرنا وديننا، ورميتهم إلى بلاد المسلمين أمثالهم، لكونهم مسلمين. انتهى المراد بأكثر لفظه ولم أتعرض لذكر شروط كتبها ودققها.
' فانظر رحمك الله، كيف شهد عدو الدين، الملك الكافر، بأنهم مسلمون، واعترف أنه لم يقدر على إزالة دينهم من قلوبهم، وأنهم متمسكون كلهم به.
مع أنه كان يحرق منهم من ظهر عليه الدين، ثم وصفهم بالعناد لرؤيته فيهم لوائح المسلمين وإماراتهم، فأى علامة أكبر من صبرهم على النار لدين الحق، ومن استنجادهم ملك دين الإسلام المؤيد لحماية الدين، أمير المسلمين السلطان أحمد آل عثمان نصرهم الله تعالى، فهذا غاية الخير والعز والبركة لهذه الطائفة الطاهرة الأندلسية التى قال فيها شيخنا الأستاذ القطب الغوث سيدى أبو الغيث القشاش نفعنا الله به دنيا وأخرى فى بعض مكاتبه التى كان يكاتبهم بها، فقال لى وسلم على هؤلاء الأنصار الأطهار الأخيار فإنه لا يحبكم إلا مؤمن ولا يبغضكم إلا منافق.
" فخرجوا كلهم سنة تسعة عشر وألف. ووجد فى دفاتر السلطان الكافر، أبعده الله تعالى، أن جملة من أخرج من أهل الأندلس كافة، نيف وستمائة ألف نسمة، كبيراً وصغيراً. فكانت هذه الواقعة، منقبة عظيمة، وفضيلة عجيبة، لجماعتنا الأندلس زادهم الله شرفاً بمنه. وأمر أيضاً بإخراج من كان مسجوناً فى كافة مملكته، وكل من كان أمر بإحراقه فأخرجه، وعفا عنه، وزوده وأرسله إلى بلاد الإسلام سالماً. ولا يخفى أن هذا أمر عظيم، ومحال عادة، فسبحان رب السموات ورب الأرض الذى إذا أراد أمراً قال له كن فيكون. فيالها من أعجوبة ما أعظمها، ومن فضيلة ما أشرفها، ومن كرامة ما أجملها، ومن نعمة ما أكبرها، فما سمع من أول الدنيا إلى آخرها مثل هذه الواقعة".
...
وقد صدر قرار النفى كما قدمنا فى ٢٢ سبتمبر سنة ١٦٠٩، وهو يوافق جمادى الثانية سنة ١٠١٨ هـ. ولكن الرواية الإسلامية تضع تاريخ القرار أحياناً فى سنة ١٠١٦ هـ أو ١٠١٧ هـ، وهو تحريف واضح. وأقرب إلى الصحة، ما ذكره ابن عبد الرفيع فى روايته المتقدمة وهو سنة ١٠١٩ هـ (١٦١٠ م).
قال المقرى مؤرخ الأندلس، وقد كان معاصراً للمأساة: "إلى أن كان إخراج النصارى إياهم (أى العرب المتنصرين) بهذا العصر القريب أعوام سبعة عشرة وألف فخرجت ألوف بفاس، وألوف أخر بتلمسان من وهران، وجمهورهم خرج بتونس
стр. 2880
فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى الله تعالى فى الطرقات، ونهبوا أموالهم، وهذا ببلاد تلمسان وفاس، ونجا القليل من هذه المضرة. وأما الذين خرجوا بنواحى تونس، فسلم أكثرهم، وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها، وكذلك بتطاون وسلا وفيجة الجزائر. ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى منهم عسكرا جراراً وسكنوا سلا، كان منهم من الجهاد فى البحر، ماهو مشهور الآن.
وحصنوا قلعة سلا وبنوا بها القصور والحمامات والدور، وهم الآن بهذه الحال.
ووصل جماعة إلى القسطنطينية العظمى، وإلى مصر والشام وغيرها من بلاد الإسلام، وهم لهذا العهد على ما وصفت" (١).
وقال ابن دينار التونسى، وقد كتب بعد المأساة بنحو سبعين عاماً، فى أخبار سنة ١٠١٧ هـ: "وفى هذه السنة والتى تلتها، جاءت الأندلس من بلاد النصارى، نفاهم صاحب إسبانية، وكانوا خلقاً كثيراً، فأوسع لهم عثمان داى فى البلاد، وفرق ضعفاءهم على الناس، وأذن لهم أن يعمروا حيث شاءوا، فاشتروا الهناشير وبنوا فيها، واتسعوا فى البلاد، فعمرت بهم، واستوطنوا فى عدة أماكن، وعمروا نحو عشرين بلداً، وصارت لهم مدن عظيمة، وغرسوا الكروم والزيتون والبساتين، ومهدوا الطرقات، وصاروا يعتبرون من أهل البلاد" (٢).
وقال صاحب " الخلاصة النقية"، وهو من الكتاب المتأخرين: "وفى سنة ست عشرة وألف، قدمت الأمم الجالية من جزيرة الأندلس، فأوسع لهم صاحب تونس عثمان داى كنفه، وأباح لهم بناء القرى فى مملكته، فبنوا نحو العشرين قرية، واغتبط بهم أهل الحضرة، وتعلموا حرفهم وقلدوا ترفهم" (٣).
وهذه النصوص الموجزة، هى كل ما تقدم إلينا الرواية الإسلامية عن نفى العرب المتنصرين، وقد لبثت رواية المقرى عن المأساة، مصدراً لكل ما كتبه الكتاب المتأخرون (٤). وربما كان هذا النقص راجعاً إلى أنه لم يعن أحد من كتاب المغرب المعاصرين، باستيفاء التفاصيل الضافية المؤثرة عن المأساة، أو لعله قد ضاع ما كتبه المعاصرون عنها فيما ضاع، مما كتب عن المراحل الأخيرة لتاريخ الأندلس
стр. 2881
والعرب المتنصرين، ولم تصلنا منه على يد المقرى سوى لمحات يسيرة.
وهكذا بذلت اسبانيا كل ما وسعت لإخراج البقية الباقية، من فلول الأمة الأندلسية، ولم تدخر وسيلة بشرية للقضاء على آثار الموريسكيين إلا اتخذتها.
ومع ذلك فإن آثار الموريسكيين لم تنقطع بعد النفى بصورة نهائية. فقد رأينا أن كثيرين من المنفيين قد عادوا إلى اسبانيا، فراراً مما لقوا فى رحيلهم من ضروب الإعتداء المفزع، وأسلموا أنفسهم رقيقاً يقتنى. كذلك كانت ثمة جماعات من الأسرى المسلمين، من مغاربة وغيرهم، ممن يؤخذون فى المعارك البحرية مع المغيرين، يباعون رقيقاً فى اسبانيا، ويفرض عليهم التنصير. ومع أنه صدر قرار يحظر وجودهم فى العاصمة الإسبانية، فإنه كان من الصعب إخراجهم من المملكة، نظراً لما ترتب لأصحابهم عليهم من الحقوق، وكان البعض منهم يفلح فى ابتياع حريته، ويعيد حياة الموريسكيين سراً، وأخيراً توجست الحكومة الإسبانية من وجودهم، فصدر قبله سنة ١٧١٢ قرار بنفيهم، خلال المدد التى يحددها القضاة المحليون، وسمح لهم بأن يأخذوا معهم أسرهم وأموالهم إلى إفريقية.
وقد كان من المستحيل بعد ذلك كله، أن يبقى فى البلاد أحد من الموريسكيين أو سلالتهم، وقد كانت ذكراهم أو أشباحهم، تثير حولها أيما توجس وتعصب. وكان من المتعذر أن يفلت أحد منهم من بطش ديوان التحقيق، وكان الديوان المقدس أبدا على أهبته لضبط أية قضية ضد موريسكى مختف أو عبد متنصر، لكن هذه القضايا كانت نادرة مما يدل على انقراض هذا العنصر بمضى الزمن. بيد أن أسرى المعارك البحرية الذين كانوا يكرهون على التنصير، كان بعضهم ينبذ النصرانية خفية، وكان معظم هؤلاء من الموريسكيين الذين عادوا إلى الإسلام، وخرجوا إلى الجهاد فى البحر، وكان ديوان التحقيق طوال القرن السابع عشر يجد بينهم فرائس من آن لآخر. وعلى الجملة فإن آثار الموريسكيين والإسلام لم تعف نهائياً من اسبانيا، وقد لبث كثير من الأسر والأفراد الموريسكيين، الذين اندمجوا فى المجتمع الإسبانى، على صلاتهم الخفية بالماضى البعيد، وقد ضبطت خلال القرن الثامن عشر أمام محاكم التحقيق بعض قضايا الموريسكيين، كانوا يجرون شعائر الإسلام خفية، وضبط فى سنة ١٧٦٩ مسجد صغير فى قرطاجنة، أنشأه المتنصرون المحدثون، مما يدل على أنه كانت ما تزال ثمة آثار ضئيلة للموريسكيين والإسلام
стр. 2882
ولا تقدم إلينا محفوظات ديوان التحقيق منذ أواخر القرن الثامن عشر، أى ذكر للموريسكيين، أو الإسلام والمسلمين، مما يدل على أن الآثار الأخيرة لمأساة الموريسكيين قد غاضت، وأسبل عليها الزمن عفاءه إلى الأبد (١).
على أن يقال أخيراً إنه ما زالت ثمة إلى اليوم، فى بلنسية وفى غرناطة ومقاطعة لامنشا، جماعات من الإسبان تغلب عليها تقاليد الموريسكيين فى اللباس والعادات، ويجهلون الطقوس النصرانية الخالصة (٢).
والحقيقة أنه يصعب على الباحث أن يعتقد أن اسبانيا النصرانية، قد استطاعت حقاً بكل ما لجأت إليه من الوسائل المغرقة، أن تقضى نهائياً على آثار الأمة العربية فإن تاريخ الحضارة يدلنا على أنه من المستحيل، أن تجتث آثار السلالات البشرية، خصوصاً متى لبثت آماداً متخلفة متداخلة، وعلى أن حضارة أمة من الأمم إنما هى خلاصة لتفاعل الأجيال المتعاقبة، وفى وسع مؤرخ الحضارة أن يلمس فى تكوين المجتمع الإسبانى الحاضر، ولاسيما فى الجنوب فى ولايات الأندلس القديمة، وفى خصائصه وتقاليده، وفى حياته الاجتماعية، وفى حضارته على العموم، كثيراً من الخلال والظواهر، التى ترجع فى روحها إلى تراث العرب والحضارة الإسلامية (٣).
стр. 2883
الفصل الثالث
تأملات وتعليقات عن آثار المأساة
مأساة الموريسكيين وعلاقتها بانحطاط اسبانيا. آثار نفى الموريسكيين المخربة. ركود الزراعة وخراب الضياع الكبيرة. تأثر محاكم التحقيق. ذيوع العملة الزائفة. تقرير مجلس الدولة عن الاضطراب الاقتصادى. تعليقات الدكتور لى. خطأ السياسة الإسبانية. آراء التفكير الإسبانى. تأييد الأحبار لسياسة الإبادة. حملة دون لورنتى عليها. رأى الكردينال ريشليو. آراء المؤرخين الإسبان. مأساة النفى بين التأييد والإنكار. آراء لافونتى وخانير وبكاتوستى ومننديث إى بلايو. تعليقات النقد الحديث. أقوال الدكتور لى. أقوال العلامة سكوت. أقوال مننديث بيدال. أقوال المستشرق كوندى.
تعليق المستشرق لاين بول.
تلك هى قصة الموريسكيين أو العرب المتنصرين: قصة مؤسية تفيض بألوان الإستشهاد المحزن، ولكن تفيض فى نفس الوقت بصحف من الإباء والبسالة والجلد، تخلق بأعظم وأنبل الشعوب. وقد لبثت السياسة البربرية التى اتبعتها اسبانيا النصرانية، واتبعها ديوان التحقيق الإسبانى، إزاء العرب المتنصرين على كر العصور، مثار الإنكار والسخط، يدمغها المفكرون الغربيون، والإسبان أنفسهم، حتى يومنا بأقسى النعوت والأحكام.
ويرى النقد الحديث، أن العمل على إبادة الموريسكيين، كان ضربة شديدة لعظمة اسبانيا ورخائها؛ ولم تنهض اسبانيا قط من عواقب هذه السياسة الغاشمة، بل انحدرت منذ نفى الموريسكيين، من أوج عظمتها التى سطعت فى عصر شارلكان وفيليب الثانى، إلى غمرة التدهور والإنحلال التى مازالت تلازمها حتى عصرنا.
بل ترجع عوامل هذا الانحلال، إلى ما قبل مأساة الموريسكيين ببعيد، أو بعبارة أخرى إلى السياسة التى اتبعتها اسبانيا النصرانية، نحو الأمة الأندلسية، منذ بداية عصر الغلبة والفتح، فى أوائل القرن الثالث عشر. فقد كانت القواعد والولايات الإسلامية الزاهرة، تسقط تباعاً فى يد اسبانيا النصرانية، ولكنها كانت تفقد فى نفس الوقت أهميتها العمرانية والاقتصادية، إذ كانت العناصر الإسلامية الذكية النشيطة من السكان، تغادرها إلى القواعد الإسلامية الباقية، فراراً من عسف
стр. 2884
النصارى، وتغادرها حاملة أموالها وفنونها وصنائعها، تاركة وراءها الخراب والفقر والضيق الاقتصادى. واستمر سيل لهذه الهجرة المخربة زهاء قرنين، حتى سقطت غرناطة، واحتشدت البقية الباقية من الأمة الأندلسية فى المنطقة الجنوبية، فى بعض القواعد الأندلسية القديمة، مثل بلنسية ومرسية، وهاجرت قبل سقوط غرناطة وبعده، جموع غفيرة من المسلمين إلى إفريقية، واستحالت الأمة الأندلسية غير بعيد، إلى شعب مهيض ممزق هو شعب الموريسكيين أو العرب المتنصرين. ومع ذلك فقد لبثت هذه الأقلية الأندلسية المضطهدة، عاملا خطيراً فى اقتصاد اسبانيا القومى، وفى ازدهار زراعتها وتجارتها وفنونها وصناعاتها. وكان الموريسكيون يحملون الكثير من تراث الأمة المغلوبة، وإلى نشاطهم ودأبهم، يرجع ازدهار الضياع الكبيرة التى يملكها السادة الإقطاعيون. فلما اشتد بهم الإضطهاد والعسف، وأخذت يد الإبادة تعمل لتمزيق طوائفهم، وسحق نشاطهم وقتل مواهبهم، ولما اتخذت اسبانيا النصرانية أخيراً خطوتها الحاسمة بإخراجهم، كانت الضربة القاضية لرخاء اسبانيا ومواردها، فانحط الإنتاج الزراعى الذى برع الموريسكيون فيه، وخربت الضياع الكبيرة بفقد الأيدى الماهرة، وكسدت التجارة التى كان الموريسكيون من أنشط عناصرها، وركدت ريح الصناعة، وعفت كثير من الصناعات التالدة التى كانوا أساتذتها، وغاضت الفنون الرفيعة التى استأثروا بها منذ أيام الدولة الإسلامية. وأحدثت هذه العوامل بمضى الزمن نتائجها المخربة، فتناقص عدد السكان، وانكمشت المدن الكبيرة، وذوى عمرانها، وتضاءلت موارد الخزينة العامة، وشلت جهود الإصلاح والتقدم، ولم يمض على إخراج الموريسكيين زهاء قرن، حتى أصبح سكان المملكة الإسبانية كلها ستة ملايين، وكان سكان قشتالة وحدها أيام سقوط غرناطة سبعة ملايين، وفقدت معظم المدن الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغرناطة أربعة أخماس سكانها، وعم الفقر والخراب مئات المناطق والمدن، وخيم على اسبانيا كلها جو من الفاقة والركود والانحلال.
وإذا كان النقد الحديث، ينوه بخطورة السياسة التى اتبعتها اسبانيا، فى إبادة الأمة الأندلسية ونفى الموريسكيين، كعامل قوى الأثر فيما أصاب اسبانيا من أسباب الدمار والبؤس والانحطاط، التى لم تبرأ منها حتى عصرنا، فإنه يعتمد فى هذا الرأى على طائفة من النتائج المادية والأدبية، التى ترتبت على "النفى"، وحرمان اسبانيا من الثروات العقلية والفنية والصناعية، التى كانت تتمتع بها الأمة الأندلسية
стр. 2885
وقد ظهرت هذه الآثار المخربة، بالأخص فى محيط الزراعة والصناعة، وكان تدهور إيراد الضياع الكبيرة، وإيراد الكنائس والأديار، دليلا على ما أصاب قوة اسبانيا المنتجة، الزراعية والصناعية، بسبب نفى طائفة كبيرة، من أنشط طوائف السكان وأغزرهم إنتاجاً. وكان من الحقائق المعروفة أن السكان الإسبان، كانوا يبغضون الأعمال الزراعية والفنية، ويعتبرونها أمراً شائناً، وأن الإسبانى لا يربى أولاده لمزاولة العمل الشريف، وأن أولئك الذين لا يجدون عملا فى الجيش أو الحكومة، يلتحقون بالكنيسة. ويبدى المؤرخ الإسبانى الكبير ناباريتى أسفه لوجود أربعة آلاف مدرسة فى عصره (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر)، يتعلم فيها أبناء الفلاحين، بينما تهجر الحقول، ولأن أولئك الذين لا يجدون منهم عملا فى الكنيسة لنقص تعليمهم، يحترفون التسول أو التشرد أو السرقة. وقد كتب سفراء البندقية منذ القرن السادس عشر إلى حكومتهم ينوهون بهذه الحقائق، ويصفون الإسبان بأنهم زراع وعمال كسالى، يحتقرون العمل اليدوى، حتى أن ما يمكن عمله فى البلاد الأخرى فى شهر، يعمله الإسبان فى أربعة أشهر (١).
ويردد الوزير محمد بن عبد الوهاب الغسانى سفير سلطان المغرب مولاى اسماعيل إلى اسبانيا، وقد زارها فى سنة ١٦٩١، أعنى بعد النفى بثمانين عاماً، عن الإسبان مثل هذا الرأى إذ يقول فى رحلته:
" وبحصول هذه البلاد الهندية (يقصد أمريكا) ومنفعتها وكثرة الأموال التى تجلب منها، صار هذا الجنس الإسبنيولى اليوم أكثر النصارى مالا، وأقواهم مدخولا، إلا أن الترف والحضارة غلبت عليهم، فقلما تجد أحداً من هذا الجنس يتاجر أو يسافر للبلدان بقصد التجارة كعادة غيرهم من أجناس النصارى مثل الفلامنك والإنجليز والفرنسيس والجنويين وأمثالهم، وكذلك الحرفة التى يتداولها السقطة والرعاع وأراذل القوم يتأبى عنها هذا الجنس، ويرى لنفسه فضيلة على غيره من الأجناس المسيحيين" (٢).
وقد كان النبلاء والأحبار، وأصحاب الضياع الكبيرة بوجه عام، يعتمدون فى تعهد أراضيهم وفلاحتها، على نشاط الموريسكيين وبراعتهم، فلما وقع النفى
стр. 2886
جمد النشاط الزراعى، وخلت معظم الضياع من الزراع، وأقفر كثير من القرى، وهدمت ضياع كثيرة لخلوها من السكان، ولاسيما فى منطقة بلنسية، واضطر النبلاء إلى استقدام العمال الزراعيين من الجزائر الشرقية (البليار) وأنحاء البرنيه وقطلونية، ومع ذلك فقد حدث نقص ملحوظ فى غلات الضياع الكبيرة، ولم ينتفع النبلاء بما أصابوه من الاستيلاء على الأراضى التى نزعت، وتعذر عليهم تعميرها وفلاحتها، وحاق بهم الضيق حتى اضطر العرش إلى منح كثيرين منهم نفقات سنوية من خاصة أمواله، هذا فضلا عما أصاب طوائف السكان الأخرى، التى كانت تتصل بالموريسكيين فى المعاملات والتبادل، من العسر والضيق.
وكما انحط دخل الكنائس والأديار، فكذلك خسر ديوان التحقيق شطراً كبيراً من دخله، مما كان يصيبه من مصادرة أموال الموريسكيين والحكم عليهم بالغرامات الفادحة، واضطرت الحكومة أن تعول كثيراً من محاكم التحقيق، التى أوشكت على الإفلاس، من جراء اختفاء الجماعة التى كانت تزدهر بمطاردتها واستصفاء أموالها. وقد بيعت أملاك الموريسكيين وأراضيهم بمبالغ كبيرة، ولكن العرش استولى عليها، ووزع معظمها على أصفيائه من الوزراء والنبلاء والأحبار، ولم ينل ديوان التحقيق سوى جزء يسير منها.
ويقدمون مثلا لما أصاب اسبانيا من الخراب من جراء "النفى"، هو مثل مدينة ثيوداد ريال (المدينة الملكية) (١) عاصمة لامنشا، فقد أسس هذه المدينة ألفونسو العالم فى القرن الثالث عشر، ومنح سكانها شروطاً حرة مغرية، شجعت كثيراً من اليهود والمسلمين على النزوح إليها. وفى سنة ١٢٩٠ م كان دافعوا الضرائب فيها من اليهود (٨٨٢٨)، فلما أخرج اليهود منها فى سنة ١٤٩٢، حل محلهم الموريسكيون من غرناطة، ولما أخرج منها هؤلاء مع المدجنين القدماء، خربت المدينة وعفا رخاؤها وانحطت زراعتها، وخربت صناعة النسيج التى أنشأها الموريسكيون فيها، وهبط عدد سكانها فى سنة ١٦٢١ إلى ٥٠٦٠ نفساً ونحو ألف أسرة فقط، فى حين أنها كانت تضم من السكان قبل " النفى "اثنتى عشرة ألف أسرة (٢).
وكان مما ترتب على نفى الموريسكيين أيضاً، ذيوع العملة الفضية الزائفة، وقد تركوا وراءهم منها مقادير عظيمة، وكانت لهم بصنعها براعة خاصة. وأحدث
стр. 2887
ذيوع النقد الزائف اضطراباً شديداً فى المعاملات، وحاولت الحكومة جمعه، والمعاقبة على ترويجه بعقوبات رادعة بلغت حد الإعدام، ولكنها لم تفلح فى استئصال الشر، واستمرت هذه الحركة أعواماً طويلة، وعمد الإسبان بدورهم إلى التزييف، وعوقب كثير منهم أمام محاكم التحقيق والمحاكم المدنية، وعانى التجار والمتعاملون كثيراً من الضرر والإرهاق.
ولم تمض أعوام قلائل على نفى الموريسكيين، حتى ظهرت هذه الآثار المخربة كلها فى حياة المجتمع الإسبانى بصورة مزعجة، وهال العرش والحكومة ما أصاب الأمة من ضروب البؤس والخراب، وطلب رئيس الحكومة الدوق دى ليرما فى سنة ١٦١٨، إلى مجلس الدولة، أن ينظر فى هذا الأمر، ويعمل على تحقيقه ومعالجته، وقدم مجلس الدولة تقريره بعد عام، وأشير فيه إلى خراب المدن والقرى، ولكنه لم يشر إلى نفى الموريسكيين، وإلى تكاثر عدد رجال الدين وتزييف العملة، وبغض الشعب للعمل الشريف، بل حاول أن يرجع الشر إلى فداحة الضرائب، وإلى الترف الذى تعيش فيه الطبقات الممتازة، وإسراف الملك فى الإغداق على أصفيائه؛ وكذلك اهتم مجلس النواب (الكورتيس) بالأمر وقدم عنه تقريراً إلى الملك. ومع أن التقارير الحكومية التى وضعت عن هذه المحنة، لم تشر إلى نفى الموريسكيين كعامل أساسى فيما أصاب اسبانيا من الخراب والفقر، فقد كان فى القرارات الملكية ما ينطق بهذه الحقيقة. ففى سنة ١٦٢٢ أصدر الملك فيليب الرابع، قراراً بخفض الضرائب فى بلنسية يشير فيه إلى هجرة السكان، وإلى ما خسرته المدينة من ضروب الدخل، التى كانت تجبى على ما يستهلكه الموريسكيون، وما خسره التجار من انقطاع التعامل معهم.
على أن جهود العرش والحكومة، لم تجد شيئاً فى تخفيف هذه الضائقة، التى طافت بالمجتمع الإسبانى، وشملت سائر الطبقات سواء فى الإنتاج أو الاستهلاك.
ومضى وقت طويل قبل أن تستقر الأحوال نوعاً، وتفيق الزراعة والصناعة والتجارة من الضربة التى أصابتها.
يقول الدكتور لى: "إنه لا يمكن لفريق من السكان، كان يعتمد عليه مدى القرون، فى القيام بقسط عظيم من الإنتاج والتنظيمات المالية فى البلاد، أن يمزق فجأة وينبذ، دون أن يبث ذلك الخراب الواسع، ويثير معتركا من المشاكل يمتد أثرها إلى أجيال مرهقة"
стр. 2888
ثم ينعى على السياسة الإسبانية تخبطها وقصر نظرها فيقول: "وإنه لمن خواص السياسة الإسبانية فى ذلك العصر، أنه لم يفكر أحد فى هذه الشئون، ولم يحتط لها أحد فى المباحثات الطويلة، التى جرت فى قضية الموريسكيين. وقد حدثت ثمة مناقشات لا نهاية لها حول مختلف المشاريع ومزاياها، والوسائل التى ينفذ بها النفى، وماذا يسمح به للمنفيين، وماذا يكون مصير الأطفال. ولكن النتائج المحتملة تركت للمصادفة، واحتقرت التفاصيل العملية، واحتقر رخاء الفرد، وهو ما يوضح فشل السياسة الإسبانية" (١).
تلك هى النتائج المادية الواضحة، الإقتصادية والاجتماعية، التى جنتها اسبانيا النصرانية من جراء سياستها المبيتة لإبادة الأمة الأندلسية. فقد لبثت اسبانيا زهاء قرن، تعمل بأقسى وسائل الإرهاق والمطاردة، على استصفاء ما بقى من فلول الأمة الأندلسية، فى الأرض التى بسطت عليها زهاء ثمانية قرون، ظلال الرخاء والأمن، وضوء العلم والعرفان، ولم تطق حتى بعد أن استحالت هذه الفلول، إلى شراذم معذبة مهيضة، وأكرهت على نبذ دينها ولغتها وتقاليدها، أن تبقى عليها، وعلى ما تبقى لها من مواهب وقوى منتجة، ورأت فى سبيل أسطورة من التعصب والجهالة، أن تقضى عليها بالتشريد والنفى النهائى، وأن تخرج من بين سكانها زهاء نصف مليون من أفضل العناصر العاملة. وكان من سوء طالع اسبانيا أن جاء نفى الموريسكيين، فى وقت أخذت فيه عظمة اسبانيا ورخاؤها، ينحدران سراعاً إلى الحضيض، وجنح المجتمع الإسبانى إلى حياة الدعة والخمول، وأخذ سكانها فى التدهور، فجاء نفى الموريسكيين ضربة جديدة لحيوية اسبانيا، التى أخذت فى التفكك والذبول، وتركت وراءها جرحاً عميقاً لم يقو الزمن على محو آثاره بصورة حاسمة. ومن ثم فإنه من الواضح أن يعلق النقد الحديث أهمية بالغة على نفى الموريكسيين، ويعتبره عاملا بعيد المدى فيما أصاب اسبانيا الحديثة، من ضروب التفكك والإنحلال.
على أن التفكير الإسبانى يختلف فى قبول هذا الرأى وتقدير مداه؛ ويهاجمه وينكره بالأخص رجال الدين، وقد كانوا منذ البداية روح هذه السياسة المخربة، وأكبر العاملين على تنفيذها. وقد استقبل رجال الدين نفى الموريسكيين بأعظم مظاهر الغبطة والرضى، واعتبروه ذروة النصر الدينى؛ ويقول أحدهم وهو القس بليدا وهو من مؤرخى القرن الماضى، فى كتابه الذى نشره دفاعاً عن هذا الإجراء:
стр. 2889
"بأن عصر اسبانيا الذهبى بدأ بذهاب الموريسكيين، وأن اسبانيا قد حققت به وحدتها الدينية، وأنقذت من مشاغلها الداخلية، وأن النفى كان أعظم حادث بعد بعث المسيح، واعتناق اسبانيا للنصرانية" (١). ويقول حبر آخر: "لقد زعم الموريسكيون أن رخاء اسبانيا قد ذهب مذ أكرهوا على التنصير، ولكن الرخاء قد عم بنفيهم، وازدهرت التجارة، وساد الأمن فى الداخل والخارج" (٢). ويقول الحبر بثنتى دى لافونتى فى تاريخه الدينى، إنه من السخرية أن يقال إن نفى الموريسكيين كان سبباً فى انحطاط اسبانيا، فإن أمة قد تفقد مائة وخمسين ألفاً فى وباء أو حرب أهلية. ثم يتساءل فى تهكم لماذا ينحى على فيليب الثالث بمثل هذا اللوم؟ على أنه يعترف مع ذلك بأن النفى كان سبباً فى تدهور دخل الأشراف والكنائس (٣).
ويرى آخرون من الأحبار أن اسبانيا قد دفعت بالنفى ثمناً باهظاً، ولكن تحملهم نزعة فلسفية فيقولون إن وفرة الرخاء تذهب بالفضائل، وإنه لا بأس من التقشف مع الإيمان، وإن الفقراء استطاعوا بعد إجلاء الموريسكيين أن يجدوا أعمالا (٤).
ولكن حبراً ومؤرخاً إسبانياً كبيراً، هو دون لورنتى مؤرخ ديوان التحقيق، يحدثنا عن وسائل الديوان ونفى الموريسكيين فى قوله: "كانت هذه الوسائل بقسوتها الشائنة، تذكى روع الموريسكيين من تلك المحكمة الدموية، وكانوا بدلا من التعلق بالنصرانية، وهو ما كانت تؤدى إليه معاملتهم بشىء من الإنسانية، يزدادون مقتاً لدين لم تحملهم على اعتناقه سوى القوة، وكان هذا سبب الإضطرابات التى أدت فى سنة ١٦٠٩ إلى نفى هذا الشعب، وعدده يبلغ المليون يومئذ، وهى خسارة فادحة لإسبانيا تضاف إلى خسائرها الفادحة، ففى مائة وتسع وثلاثين سنة انتزع ديوان التحقيق من اسبانيا ثلاثة ملايين، ما بين يهود ومسلمين وموريسكيين" (٥).
ويقول الكردينال ريشليو الفرنسى، وهو من أعظم أحبار الكنيسة فى مذكراته وكان معاصراً للمأساة: "إنها أشد ما سجلت صحف الإنسانية جرأة ووحشية".
...
стр. 2890
هذا عن الأحبار. وأما عن آراء البحث الإسبانى الحديث، فإنها تختلف فى تقدير آثار نفى الموريسكيين اختلافاً بيناً، بيد أنها تميل على الأغلب إلى الاعتراف بفداحة الآثار المخربة التى أصابت اسبانيا من جرائه، وإلى اعتباره عاملا قوياً فى تدهور اسبانيا وانحلالها. بيد أنها مع ذلك تحاول الاعتذار عن النفى، ويرى البعض أنه كان إجراء طبيعياً، وضرورة لا محيص منها، وينكر البعض الآخر أنه كان كارثة أو أنه ترتبت عليه آثار مخربة. وقد رأينا أن نورد هنا طائفة من آراء عدة من أكابر المؤرخين والمفكرين الإسبان المحدثين، وأن نوردها بدقة وإفاضة تسمحان بفهم الروح الإسبانية، إزاء هذا الحدث التاريخى الخطير، وتقديرها على حقيقتها.
يقول دانفيلا إى كوليادو:
"وهكذا تحقق نفى الموريسكيين الإسبان، بغض النظر عن كونهم شبانا أو شيوخاً، صالحين، أو عقماء، مذنبين أو أبرياء. وكانت مسألة الوحدة السياسية تحمل فى ثنيتها ضرورة الوحدة الدينية، وضع خطتها الملكان الكاثوليكيان، وحاول تحقيقها الإمبراطور كارلوس الخامس (شارلكان) وفيليب الثانى، ولكنهما ارتدا خشية من عواقبها. أما فيليب الثالث، فكان يزاول سلطانه عن يد أصفيائه، ولذا ألفى سلطة العرش الدينية والسياسية، أيسر وأهون. وكانت الحرب الدينية تضطرم ضد الجنس الأندلسى، وقد ألفت عواطف الروح الرقيقة نفسها، وجهاً لوجه أمام المسألة السياسية. ودخلت الإنسانية والدين فى صراع وخرج الدين ظافراً وفقدت اسبانيا أنشط أبنائها، وانتزع الأبناء من حجور أمهاتهم وحنان آبائهم، ولم يلق الموريسكى أية رأفة أو رحمة. ولكن الوحدة الدينية بدت ساطعة رائعة فى سماء اسبانيا، واغتبطت الأمة إذ أضحت واحدة فى جميع مشاعرها العظيمة.
" كان الموريسكيون شديدى المراس. وكان الوطن ينشد وحدة معنوية، تغدو متممة للوحدة السياسية، التى تحققت باندماج سائر العروش فى شبه الجزيرة، وكان عنصر تناقض قوى، كالذى تمثله طائفة الموريسكيين، لا يكون فقط عقبة شديدة يصعب تذليلها، ولكنه كان استحالة مطلقة، تحول دون تحقيق الغاية، التى تتجه إليها الحركة العامة للفكر القومى. وكانت الصعوبة كلها تجثم فى الدين.
ولم تكن اللغة التى تبدو خاصة قومية أخرى، تكون يومئذ أو فى أى وقت عقبة بمثل هذه الخطورة، ففى شمال اسبانيا، وفى شرقها، توجد اللهجات المختلفة، من الجليقية والقطلونية والميورقية والبلنسية وغيرها. وكذلك يوجد مثل هذا
стр. 2891
التباين فى النظم القضائية، والثياب والعادات الخاصة بكل منطقة، ولكن ذلك لم يكن عقبة كأداء فى سبيل وحدة الدين، والروح القومى، ولم يخلق مثل المعضلة الدائمة، التى خلقها الدين بالنسبة للموريسكيين، والتى جعلتهم فى حالة دائمة من التربص والتوجس. إن ما بذله كارلوس الخامس وفيليب الثانى، لإخضاع الموريسكيين للنصرانية، مما لا يمكن وصفه، ولكن جهودهم كلها ذهبت عبثاً. ذلك أنه بعد ثلاثة قرون من الخضوع، لبث الموريسكيون فى عصر فيليب الثالث، يضطرمون بنفس الروح المتمردة، التى كانت لأسلافهم الذين أخضعوا بالسيف، وقد ارتضوا حالتهم كمحنة مؤقتة عابرة، ولم ينبذوا الأمل قط، ولم يتركوا قط الوسائل التى يعتقدون أنها تمكنهم ذات يوم من الأخذ بالثأر، واسترداد استقلالهم وسيادتهم".
ثم يقول: "وإنها لخرافة أن يقال إن الموريسكيين كانوا عنصراً مفيداً فى إنتاج اسبانيا، ولو أنهم كذلك لحملوا الرخاء إلى بلاد المغرب حيث ذهبوا" (١).
ويقول المؤرخ الكبير مودستو لافونتى، وسنرى أنه يذهب فى الصراحة وتقدير الحقائق المنزهة إلى أبعد حد:
"وعلى أى حال فإن مراسيم فيليب الثالث الشهيرة ضد الموريسكيين، قد جردت اسبانيا -وقد كانت يومئذ جد مقفرة من السكان بسبب الإدارة السيئة والحروب المستمرة- من طائفة كبيرة من السكان، أو بعبارة أخرى من السكان الزراعيين والتجاريين والصناعيين، من السكان المنتجين، أولئك الذين يساهمون بأكبر قسط فى الضرائب. وكان أقل ما فى ذلك تسرب الملايين من الدوقيات، التى حملتها الطائفة المنفية معها، فى الوقت التى كانت فيه المملكة تعانى من قلة النقد، فكان نقص الذهب الفجائى على هذا النحو أشد وطأة عليها. وكذلك وقع ضرر أفدح بذيوع النقد الزائف أو المنقوص، الذى روجه المنفيون بسوء قصد قبل رحيلهم. وأسوأ ما فى ذلك كله، هو أنه فقد برحيلهم العنصر العامل الذكى المتمرس فى الفنون النافعة. وهم قد بدأوا بالزراعة، وزراعة السكر والقطن والحبوب، التى كان لهم فى إنتاجها التفوق الجم، وذلك لنظامهم المدهش فى الرى بواسطة السواقى والقنوات، وتوزيع المياه بواسطة هذه الشرايين توزيعاً مناسباً،
стр. 2892
كان له أثره فى الإنتاج العظيم الذى امتازت به مروج بلنسية وغرناطة؛ ثم تابعوا بنسج الأصواف والحرائر، وصنع الورق والجلود المدبوكة، وهى صناعات برع الموريسكيون فيها أيما براعة، وانتهوا بمزاولة الحرف الميكانيكية، وهى حرف كان الإسبان لكسلهم وتكبرهم يحتقرونها، ومن ثم فقد احتكرها الموريسكيون واختصوا بها. وقد عانى كل شىء من نقص فى السواعد وفى البراعة، وهو نقص جعلت المفاجأة من المستحيل تداركه، ثم غدا بعد ذلك مَلؤه مبهظاً بطيئاً صعباً.
"ويقول نفس المؤرخ البلنسى الذى شهد النفى، وكتب عقب إتمامه، إنه ترتب على ذلك أن بلنسية، وهى حديقة اسبانيا الغناء، استحالت إلى قفر جاف موحش. وحدث هنالك كما حدث فى قشتالة، وفى باقى البلاد، أن بدا شبح الجوع الداهم؛ وبالرغم من أنه قد جىء بسكان جدد إلى الأماكن التى هجرها الموريسكيون، لكى يتدربوا على العمل فى الحقول والمصانع والمعامل، إلى جانب أولئك القلائل الذين ارتضوا البقاء (وهو اعتراف مخجل بلا ريب). على أن مثل هذا التمرن لم يؤت نتائجه السريعة، والتدرب والدأب ليسا من الفضائل التى ترتجل، ولم يكن من السهل أن يعوض مثل هذا الجنس من البشر، وهو الذى استطاع بعبقريته، ومركزه الخاص فى البلاد، ووفرة براعته، وجلده، أن يحقق ما يشبه قهر الطبيعة، واستغلالها لسائر مبتكراته. وهكذا حل مكان ضجيج القرى، الصمت الموحش فى الأماكن المهجورة، وبدلا من السيل المستمر من العمال والصناع فى الطرق، حل خطر لقاء الأشرار الذين يذرعونها، ويجثمون فى أطلال القرى المهجورة. وإذا كان ثمة بعض السادة الإقطاعيين قد غنموا من تراث المنفيين، فقد كان عدد الذين خسروا أعظم بكثير، وبلغ الأمر بالبعض أن طلبوا نفقات للطعام. أما الذين غنموا، فقد كانوا بلاشك هم الدوق دى ليرما وأسرته وقد استولوا على نصيب مما تحصل من بيع منازل الموريسكيين.
"ومن ثم فقد اعتبر نفى الموريسكيين من الناحية الاقتصادية، بالنسبة إلى اسبانيا أفدح إجراء مخرب يمكن تصوره. وإنه ليمكن أن نغض الطرف عن المبالغة التى دفعت بأحد الساسة الأجانب، وهو الكردينال ريشليو، أن يسميه "أعرق إجراء فى الجرأة والبربرية مما عرفه التاريخ فى أى عصر سابق" والحق أن الصدع الذى أصاب ثروة اسبانيا العامة من جرائه، كان من الفداحة بحيث أنه ليس من المبالغة أن نقول إنه لم يبرأ حتى عصرنا
стр. 2893
"فأما من الناحية الدينية، فقد كان هذا الإجراء، ثمرة الأفكار التى سادت فى اسبانيا قبل ذلك بقرون، وثمرة البغض التقليدى المتأصل، الذى يكنه الشعب لغالبيه وأعدائه الألداء القدماء. وليس مما يمكن إنكاره، أنه كان مؤيداً لفكرة الوحدة الدينية، التى دأب على العمل لتحقيقها وإكمالها الملوك الإسبان والشعب الإسبانى. بيد أنا لا نعتقد أنه كان من البراعة (ما عدا اعتباره صراعاً مقرراً هو من خصائص العصور الوسطى) أن نصل إلى الوحدة الدينية بطريق إفناء أولئك الذين يعتنقون عقائد أخرى. وقد كانت البراعة أن نعمل على اجتذاب المخالفين المعاندين، بالتعاليم والإقناع، والحزم، والرفق، وتفوق الحضارة.
وأما كونه إجراء سياسياً، قصد به إلى تحقيق سلامة الدولة وسلامها، فقد كان ممكناً أن نبرر اتخاذه لو كانت المؤامرات حقيقية وخطيرة، وكانت الخطط شنيعة، وكانت الوسائل قوية، والخطر داهماً، وذلك كما افترض الوزير المقرب، والأسقف ربيرا والنصحاء الآخرون. أجل لم يك ثمة شك فى أنه كانت هنالك مكاتبات وعلائق ومشاريع معادية لإسبانيا، بين بعض الموريسكيين البلنسيين وببن المغاربة والترك، بل بينهم وبين بعض الفرنسيين. بيد أننا لم نقتنع بأن هذه الخطط كانت من الجسامة والخطر بمثل ما كان يصورها أنصار النفى، ولم نقتنع بأن النصارى المحدثين فى بلنسية كان لهم من القوة ما يمكن أن يثير مخاوف ذات شأن، كما أنه لم يكن ثمة ما يثير المخاوف من جانب الموريسكيين فى أراجون وفى مرسية، مثلما زعمت الوفود التى أتت من هذين الإقليمين، وكذلك لم يكن الموريسكيون فى قشتالة يعرفون التآمر أو يقدرون عليه. وعلى أى حال فإنه متى ذكرنا، أننا بعد مضى أكثر من قرن على قهر الموريسكيين وإخضاعهم لقوانين المملكة، وتفريقهم ومزجهم بالإسبان والنصارى، لم نوفق إلى تأليفهم فى العادات والعقائد، أو أن ندمج بقية الأمة المغلوبة فى الكتلة الكبرى للأمة الغالبة، ولم نوفق إلى جعلهم نصارى واسبانيين، ثم لجأنا بلا ضرورة إلى وسيلة إفناء جيل برمته، متى ذكرنا ذلك فإنا لا نستطيع أن ننظر بعطف إلى مهارة فيليب الثالث والملوك الذين سبقوه، ولا إلى حزمهم أو سياستهم" (١).
ويقول فلورثيو خانير، وهو يحذو حذو لافونتى فى تقديره وتعليله، وينقل بعض أقواله:
стр. 2894
"ومع ذلك، فإنه لمصلحة الدين، والسلام الداخلى، وسلامة الدولة، قد وقع الإغضاء عن المزايا التى كان يسبغها الموريكسيون على الصناعة والتجارة والزراعة، بل وعلى ثروة الأمة الإسبانية كلها، وذلك حينما أخرج بواسطة مراسيم فيليب الثالث، آلاف من الصناع الموريسكيين، يحملون معهم بذور الحضارة والحرث. وقد قال كامبومانس الشهير: "إن بدء تدهور صناعاتنا يرجع إلى سنة ١٦٠٩، حينما بدئ بنفى الموريسكيين. فمن ذلك الحين، تبدأ مع خراب المصانع صيحات الأمة المتوالية؛ وعبثاً يحاول ساستنا أن ينسبوا بؤس القرن السابع عشر، إلى أسباب أخرى، فهى وإن كانت جزئية، لا يمكن أن تضارع ضربة بهذه المفاجأة، وهى ضربة لم تستطع الأمة حتى اليوم أن تنهض من عثارها".
ولقد أحدثت مزاولة العرب للمهن الفنية فى الإسبان أثرين سيئين، الأول أنهم اعتبروا هذه المهن من الأمور الشائنة، والثانى أنهم لم يتعلموا شيئاً منها حتى لا يتشبهوا بأولئك الذين يزاولونها. وهم قد بدأوا بالزراعة وزراعة السكرو القطن والحبوب، التى كان للموريسكيين فى إنتاجها التفوق الجم، وذلك لنظامهم المدهش فى الرى بواسطة السواقى والقنوات، وتوزيع المياه بواسطة هذه الشرايين توزيعاً مناسباً، كان له أثره فى الإنتاج العظيم الذى امتازت به مروج بلنسية وغرناطة الخصبة، ثم تابعوا بنسج الأصواف والحرائر، وصنع الورق والجلود المدبوغة، وهى صناعات برع فيها الموريكسيون أيما براعة، وانتهوا بمزاولة الحرف الميكانيكية وهى حرف كان الإسبان لكسلهم وتكبرهم يحتقرون مزاولتها، ومن ثم فقد كان الموريسكيون يحتكرونها، وقد وقع من جراء ذلك نقص فى الأيدى وفى المهارة كان من المستحيل مَلؤه فى الحال، ثم غدا بعد ذلك مَلؤه مبهظاً بطيئاً صعباً. وقد بلغ النقص فى الأنفس، وفقاً للدراسات التى قمنا بها لنتائج الحادث، على الأقل نحو مليون. ثم يأتى بعد ذلك نقص العملة الذهبية، بسبب الكميات الكبيرة التى حملوها معهم من الدوقيات، وأخيراً يأتى ذيوع النقد الزائف أو ناقص الوزن، وهو الذى ملئوا به المملكة قبل نزوحهم منها، على أن الضرر الفادح الذى لم يعوض لسنين بعيدة، هو بلا ريب ما أصاب الزراعة والصناعة والتجارة.
"ومن ثم ففى وسعنا أن نقول عن بلادنا بحق، إن بلاد العرب السعيدة، قد استحالت إلى بلاد العرب القفراء، وعن بلنسية بوجه خاص، إن حديقة اسبانيا الغناء قد استحالت إلى صحراء جافة مشوهة. وقد حل شبح الجوع بالاختصار
стр. 2895
فى كل مكان، وحل مكان المرح الصاخب للقرى العامرة، الصمت الموحش فى الأمكنة المهجورة، وبدلا من أن ترى أمامك العمال والصناع، فإنك تغامر بأن تقابل قطاع الطرق يملؤونها ويجثمون فى أطلال القرى المهجورة. ولئن كان ثمة فريق من السادة الملاك الذين أفادوا من تراث المنفيين، فقد كان ثمة عدد أكبر بكثير ممن خسروا، وانتهى بعضهم إلى الموقف المؤلم، بأن يلتمسوا من الحكومة نفقة لإطعامهم، ولم يك بينهم أحد قط ممن غنم كما غنم الدوق دى ليرما وأسرته، وقد استولوا على جزء من أثمان بيع منازل الموريسكيين، وبلغ نحو خمسة ملايين ونصف ريال.
"وإذاً فقد كان نفى الموريسكيين من الناحية الإقتصادية، يعتبر بالنسبة إلى اسبانيا، أفدح إجراء مخرب يمكن تصوره. وإنه ليمكن أن نتسامح فى المبالغة التى يصفه بها سياسى أجنبى هو الكردينال ريشليو، حيث يصفه بأنه " أعرق إجراء فى الجرأة والبربرية مما عرفه التاريخ فى أى عصر سابق". والحق أن الصدع الذى منيت به ثروة اسبانيا العامة من جرائه، كان من الفداحة بحيث أنه ليس من المبالغة أن نقول إنه لم يبرأ حتى يومنا" (١). بيد أن خانير مع ذلك يقول إن النفى كان ضرورة دينية وسياسية، وإن الوحدة الدينية، تغدو اليوم أسطع جوهرة للأمة الإسبانية.
ويعلق المؤرخ الإجتماعى وبكاتوستى، فى الفصل الذى عقده عن "بؤس اسبانيا العام" فى كتابه عن "عظمة اسبانيا وانحلالها" على نفى الموريسكيين بما يأتى: "كان نفى الموريسكيين من أفدح المصائب التى نزلت باسبانيا. أجل لقد وجد أيام الملكين الكاثوليكيين بعض المتعصبين الذين كانوا يقترحون هذا النفى ويعملون له. ولكنهم وجدوا عقبة كأداء فى معارضة الملكة إيسابيلا. وفى سنة ١٥٢٩، بذل أسقف إشبيلية، جهوداً مضاعفة فى هذا السبيل، وكذا طوال حكم فيليب الثانى، كان هذا الموضوع يثار من وقت إلى آخر. ولكن أمكن فقط فى عصر فيليب الثالث المحزن، أن يرتكب هذا الخطأ الفادح.
"والمسئولية الكبرى التى تقع على عاتق هذا الملك، وعلى نصحائه وأسلافه، تتلخص فى أنهم لم يحموا مصالح الموريسكيين المادية، فيمهدوا لتلك الطائفة العاملة، سبل الحياة المستقرة الهادئة؛ ولم يكن لهم من القوة أو الكياسة أو الحزم ما يمكنهم
стр. 2896
من إخضاع هذه الطائفة المتمردة، التى عاشت فى اسبانيا فى أوقات، كانت فيها الأحقاد فى أوج اضطرامها بين الغالبين والمغلوبين.
"ولقد أثار الإسراف فى فرض الضرائب وبخس الأعمال، والاضطهاد الدينى، ومساوىء ديوان التحقيق، هذه الأرواح التى قابلت حكومة ضعيفة التدبير، حتى أنه أضحى من المحتوم أن يتخذ هذا الإجراء الشاذ المتطرف.
"إن المؤرخين والساسة الذين دافعوا عن نفى الموريسكيين، بعضهم للدفاع عن أخطاء هذه المدرسة، وبعضهم لكى يشيد بالعمل الرائع، إنما يدافعون عن أمور سيئة، أو يرغبون فى أن يضعوا السياسة والسلطة فوق رأس الأمة، وهم فى تبرير مثل هذا الإجراء، لم يراعوا إلا ضرورة الساعة. وإذا فرضنا جدلا ضرورته السياسية باسم السلام والسكينة العامة، وهى التى اتخذت لتبرير كثير من الأخطاء، بل وكثير من الجرائم، فإننا لا نستطيع أن ننسى أن هذا الموقف المحزن، قد خلقته أخطاء السلطة التى واجهت تلك المشكلة القاسية، ورأت أن تقصى الموريسكيين عن اسبانيا، لأنها شعرت أنها عاجزة عن إخماد ثوراتهم المستمرة.
إن فَقْدَ هذه السواعد فى الأعمال الزراعية، وفى كثير من الفنون والأعمال، والازدراء الذى كان الإسبان يضمرونه لهذه الطائفة ولنشاطها، والسرعة التى وقعت بها هذه الخسارة، وعدم تحوط الحكومة، التى لم تحاول بأية وسيلة أن تعوض عن نشاطها، وزيادة الضرائب وغيرها من المغارم، التى أضحى عبؤها يقع فقط على عاتق الشعب الإسبانى، لكى يعوض ذلك ما خسرته الدولة مما كان يؤديه الموريكسيون: هذه ربما كانت الأسباب السريعة للبؤس العام.
ولقد قام بعض المؤرخين ببحوث مدهشة لتقدير عدد المنفيين، ونحن لا نجاريهم فى ذلك، إذ يبدو لنا العدد أمراً لا أهمية له. وسواء أكان المنفيون كثرة أو قلة، فقد كانوا هم الوحيدون الذين يعملون، وقد أحدث خروجهم من المملكة اضطراباً خطيراً.
بمثل هذه العوامل، وصل البؤس الداخلى فى المملكة إلى حد لا يمكن تصوره، ولا تمكن مقارنته، هذا بينما كان البلاط يغرق فى الحفلات الشائقة، وينسب لفيليب الثالث ما كان يمكن صدوره من فيليب الثانى أو كارلوس الخامس" (١).
стр. 2897
ويرى العلامة مننديث إى بلايو، وهو من أعظم المفكرين، والنقدة الإسبان المحدثين، أن نفى الموريسكيين كان نتيجة محتومة لسير التاريخ، ويشرح رأيه فى كتابه عن "الخوارج الإسبان" على النحو الآتى:
"ولنقل الآن رأينا فى مسألة النفى بكل وضوح وإخلاص، وذلك بالرغم من أنه يستطيع أن يتكهن به من تتبع القصة السابقة، بروية وبلا تحيز، ولن أتردد فى الجهر به، وإن كان من المؤسف أن يكون ثمة ما أخر إبداءه. فهل كان من الممكن أن يقوم الدين الإسلامى بيننا فى القرن السادس عشر؟ من الواضح أن لا، بل ولا يمكن أن يكون ذلك الآن فى أى جزء من أوربا. فكيف يستسيغ وجوده فى تركيا أولئك الإنسانيون الأجانب الذين يصفوننا بالبربرية لأننا قمنا بإجراء النفى؟ وإنهم لأسوأ مائة مرة من المسلمين الخلص، مهما كان دينهم عائق لكل تمدن، أولئك النصارى المنافقون، والمرتدون والمارقون، الذين لم يحسن إخضاعهم وأولئك الإسبان الأوغاد، الأعداء الداخليون، خميرة كل غزو أجنبى، الجنس الذى لا يقبل الاندماج، كما أثبتت ذلك التجارب المحزنة مدى قرن ونصف. فهل يعتبر ذلك تبريراً لأولئك الذين مزقوا عهود غرناطة، أو لأولئك الثوار الذين أضرموا الهياج فى بلنسية ونصروا الموريسكيين بصورة منافية للدين؟ كلا على الإطلاق.
بيد أنه وقد سارت الأمور منذ البداية على هذا النحو، فإنه لم يكن من الممكن أن تكون ثمة نتيجة أخرى، فقد كانت الأحقاد والشكوك المتبادلة، تضطرم باستمرار بين النصارى القدامى والمحدثين، وقد لطخت بقاع البشرات بالدماء غير مرة، وفقد الأمل فى تحقيق التنصير بالوسائل السلمية، وذلك بالرغم من تسامح ديوان التحقيق، والغيرة الطيبة التى أبداها رجال مثل تلافيرا، وفيلانيفا، وربيرا، وإذاً فلم يك ثمة محيص من النفى. وأكرر أن فيليب الثانى قد أخطأ فى كونه لم ينفذه فى الوقت المناسب. وإنه لمن الحق أن نعتقد أن الصراع من أجل البقاء والمعارك، والمذابح بين الأجناس، تنتهى بصورة أخرى غير النفى أو الفناء. ذلك أن الجنس الأدنى ينهار دائماً، ويفوز بالنصر مبدأ القومية الأقوى.
وأما إن النفى كان حدثاً مقوضاً، فهذا ما لا ننكره، فإنه من المقرر أنه فى العالم يمتزج الخير والشر دائماً. وخسارة مليون بأسره من الناس، لم تكن هى السبب الأساسى فى إقفار بلادنا من السكان، وإن كان لها أثر فى ذلك. وبعد فإن ذلك يجب ألا يعد إلا كإحدى قطرات الماء فى جانب نفى اليهود، واستعمار أمريكا،
стр. 2898
والحروب الخارجية فى مائة مكان معاً، وعدد الجند النظاميين الضخم، وهى أسباب نوه بها كلها بإيجاز اقتصاديونا القدامى، ومنهم من لم يتردد كالحبر فرناندث ناباريتى فى نقد نفى الموريسكيين بعد وقوعه بأعوام قليلة. وما كانت يل وليست الأجزاء المقفرة من السكان فى اسبانيا، هى التى تركها العرب، كما أنها ليست أسوأها زراعة، وهو ما يدل على أن الخسارة التى لحقت بالزراعة، من جراء نفى كبار الزراع المسلمين، لم تكن عميقة أو باقية الأثر، كما قد يتبادر إلى الذهن، لو أننا وقفنا فقط عند عويل أولئك الذين تأملوا الحقول المجدبة غداة تنفيذ أوامر النفى. ونحن أبعد من أن نعتقد مع الشاعر الساذج الشيوعى نوعاً جسبار دى أجيلار، أنه لم يخسر بالنفى سوى السادة الذين فقدوا أتباعهم المسلمين، وأن الكثرة من الناس قد غنمت، وغدا:
الأغنياء فقراء، والفقراء أغنياء
والصغار كباراً، والكبار صغاراً
ذلك أن مثل هذه النظريات، وإن أملاها الإخلاص والحماسة الشعبية، اللذان يضطرم بهما الشاعر، ليست إلا من أسخف وأضل ضروب الاقتصاد السياسى. ذنك أن مملكة بلنسية كلها كان لزاماً أن تخسر، وقد خسرت برحيل مثل هذا العدد الجم من عمال مهرة هادئين مثابرين، وقد كانوا حسبما يصفهم السكرتير فرنسيسكو إدياكيث "يكفون وحدهم لإحداث الخصب والرخاء فى سائر الأرض، لبراعتهم فى الزراعة، وقناعتهم فى الطعام". هذا بينما يصف هذا السكرتير النصارى القدماء بقوله "إنهم قليلو الخبرة فى الزراعة". على أنه من المحقق أنهم تعلموا، وأن بلنسية قد عمرت فيما بعد، وأن سائر الطرق الزراعية ونظم الرى البديعة، التى ربما كان من الخطأ أن تنسب إلى العرب وحدهم، قد أحييت فى هذه المناطق حتى أيامنا.
وإذا كان تدهور الزراعة مما لا ينكر، ولعله مبالغ فيه، فإن تأثر الصناعة كان أقل. ذلك لأن الصناعة كانت قبل ذلك بنصف قرن قد أصيبت باضمحلال واضح، وكذلك لأن الصناعات الرئيسية، إذا استثنينا الورق والحرير، لم تكن فى أيدى الموريسكيين، وقد كانوا دائماً عمالا أكثر منهم صناعاً. فإذا قيل مثلا إن المناسج التى بلغ عددها من قبل فى إشبيلية ستة عشر ألفاً، لم يبق منها فى عهد فيليب الخامس سوى ثلاثمائة، ونسب ذلك كله إلى واقعة النفى، فإن أصحاب هذا
стр. 2899
القول ينسون أنه لم يكن فى إشبيلية أحد من الموريسكيين، وأن هذه المصانع كانت قد تركت قبل النفى بخمسين عاماً، كأنما آثر أجدادنا أن يحققوا الثراء بالحرب فى إيطاليا وبلاد الفلاندر، وبغزو أمريكا، وكأنهم كانوا ينظرون باحتقار سخيف مؤسف للفنون والأعمال الصناعية. إن اكتشاف العالم الجديد، والثروات التى كانت تتدفق من هنالك، فتثير الجشع، وتذكى أطماعاً يسهل تحقيقها: ذلك هو السبب الحقيقى الذى أسكت مناسجنا وأمحل زراعتنا، وجعل منا أول طائفة من المغامرين المحظوظين، ثم بعد ذلك شعباً من الأشراف المتسولين، وإنه لمن المضحك أن ننسب إلى سبب واحد، ربما كان أقل الأسباب، ما كان نتيجة لأخطاء اقتصادية يعسر علينا أن نتبين علاقتها بالتعصب الدينى.
والخلاصة أنه متى تدبرنا المزايا والمضار، فإننا ننظر إلى إجراء النفى العظيم، بنفس الحماسة التى امتدحه بها لوبى دى فيجا وثرفانتس، وكل اسبانيا فى القرن السابع عشر، باعتباره ظفراً لوحدة الجنس ووحدة الدين واللغة، والتقاليد.
أما الأضرار المادية فقد شفاها الزمن، وقد استحال ما كان صحراء بلقع قاتمة، إلى مهاد خصبة وحدائق غناء. وأما الذى لا يشفى، وأما الذى يترك دائماً الأحقاد الدموية الأبدية، فهى جرائم تشبه جرائم الوندال. ولما هدأت آثار النفى، أضحى النفى ليس فقط إجراء محموداً، بل كذلك إجراء ضرورياً. لم يكن ميسوراً أن تحل العقدة، فكان لابد من قطعها، ومثل هذه النتائج تقترن دائماً بالانقلابات المفروضة" (١).
ويعلق العلامة الدكتور لى، وهو من أحدث الباحثين فى هذا الموضوع على آراء المفكرين والمؤرخين الإسبان بقوله: "إذا كان نفى الموريسكيين كما يقول مننديث إى بلايو، نتيجة محتومة لقانون تاريخى، وإذا كان قد غدا ضرورة فى عهد فيليب الثالث، فقد كانت ضرورة مصطنعة، خلقها تعصب القرن السادس عشر، وإذا كان وجود المدجنين، منذ أيام ملوك ليون وقشتالة وأراجون فى الأراضى الإسبانية، من الأمور المأمونة، وذلك فى الوقت الذى كان فيه زعماء اسبانيا النصرانية يشغلون بحروب أهلية مضطرمة، ويواجهون دول العرب والمرابطين والموحدين القوية، وإذا كان فى وسع الملوك النصارى فى هذه العصور
стр. 2900
المضطربة، أن يركنوا إلى ولاء رعاياهم المسلمين أثناء الحرب، وأن يفيدوا من نشاطهم أثناء السلم، فإن الضرورة السياسية للوحدة الدينية، بعد أن غدت اسبانيا دولة قوية موحدة، وغدا المسلمون طوائف ممزقة، لم تكن بلا ريب سوى ضرب من الخيال المغرق الذى يخلقه التعصب. وقد كان هذا التعصب، نتيجة لتعاليم الكنيسة المستمرة، وهى التعاليم التى اعتنقتها اسبانيا مذ غدت قوة عالمية. وما أن انحدرت اسبانيا إلى طريق التعصب، حتى دفعه توقد المزاج الإسبانى إلى نهايته المحتومة باكتمال لا نظير له. ولما قضت غطرسة الكردينال خمنيس العنيفة، على ثقة المسلمين فى عدالة اسبانيا وشرفها، اتخذت الخطوة المحتومة فى طريق لم تكن له سوى نهاية واحدة ... ولقد كان الموريسكيون بالضرورة أعداء فى الداخل، حملوا بكل وسيلة على بغض دين فرض عليهم بالقوة، وتبلورت مثله فى الظلم والاضطهاد وفظائع ديوان التحقيق، وكان من المستحيل فى ظل المؤثرات الدينية، التى غلبت على السياسة الإسبانية، أن يعامل الموريسكيون بالرفق والتسامح، وبهما فقط يمكن العمل على إرضائهم، وتحقيق رخائهم، وبث محبة النصرانية فى قلوبهم. وقد كانت كل محاولة لتلطيف الموقف، تزيده سوءاً حتى غدوا إغراء دائماً لاتصال كل عدو من الخارج، ومثاراً دائماً لجزع السياسة الإسبانية. فلما اضمحلت قوة اسبانيا، وفقد حكامها الثقة بالنفس، لم يكن ثمة بد من أن يتوج قرن من الغدر والظلم، بالنفى والإبعاد. وقلما يقدم لنا التاريخ مثلا، كوفئت فيه السيئة وأمثالها، وطمت كوارثه، كذلك الذى ترتب على جهود الكردينال خمنيس بما يطبعها من تعصب مضطرم".
ثم يقول: "على أنه مهما كان من فداحة الضربة، فقد كان الميسور تداركها بسرعة لو أن اسبانيا كانت تملك الحيوية القوية، التى مكنت أمماً أخرى من أن تنهض من كوارث أشد. إن انحلال اسبانيا لا يرجع فقط إلى خسارتها لجزء من السكان، بنفى اليهود والعرب المتنصرين، فقد كان من المستطاع أن تعوض هذه الخسارة؛ ولكن الخطب يرجع إلى أن اليهود والعرب المتنصرين كانوا من الناحية الإقتصادية أقيم عنصر بين سكانها، وكان نشاطهم معيناً لحياة الآخرين، وبينما كانت أمم أوربا الأخرى تنهض وتسير إلى الأمام فى مضمار التقدم، كانت اسبانيا، وشعارها أن تضحى كل شىء فى سبيل الوحدة الدينية، تنحدر سراعاً إلى غمر البؤس والشقاء، وتغدو جنة للأحبار والقساوسة، وعمال ديوان التحقيق، تخمد
стр. 2901
فيها كل نزعة إلى الرقى العقلى، وتقطع فيها كل صلة مع العالم الخارجى، ويشل فيها كل جهد يبذل فى سبيل التقدم المادى. وقد كان من العبث أن تنهمر ثروات العالم الجديد، إلى أيدى شعب لا تقل مواهبه الطبيعية عن أى شعب آخر، وإلى أرض كانت مواردها عظيمة، مثلما كانت حينما جعلتها براعة العرب ونشاطهم فى طليعة الأمم الأوربية ازدهاراً. ومهما كانت قيمة الخدمات التى أدتها إيسابيلا الكاثوليكية والكردينال خمنيس، فإن السيئ فى عملهما يفوق الحسن، لأنهما علما الأمة أن الوحدة الدينية هى أول غاية يجب تحقيقها، وقد ضحت فى سبيل هذه الغاية برخائها المادى ورقيها العقلى" (١).
وأخيراً يجمل الدكتور لى خلاصة بحثه المستفيض فى مأساة المويسكيين فى هذه العبارة الموجزة القوية؛ "إن تاريخ الموريسكيين لا يتضمن فقط مأساة تثير أبلغ عطف، ولكنه أيضاً خلاصة لجميع الأخطاء والأهواء، التى اتحدت لتنحدر باسبانيا فى زهاء قرن، من عظمتها أيام شارل الخامس إلى ذلتها فى عصر كارلوس الثانى" (٢).
ويقول العلامة سكوت: "لقد كانت نتائج هذه الجريمة التى ارتكبت ضد الحضارة، سواء البعيد منها والمباشر، ضربة لاسبانيا. فقد عصفت بموارد عيشها، ودفع بها القحط إلى الخراب، وأضحى من الضرورة أن تمد الحكومة يد الغوث إلى كثير من الأسر النبيلة، التى أودى بثرواتها تصرف العرش الانتحارى، وخيم الصمت والوجوم على مناطق شاسعة، كان يغمرها الخصب الأخضر، وظهر اللصوص والخوارج على القانون مكان الزراع والصناع، وحل الجزاء المروع عقب مأساة لم تقدم على مثلها لحسن الطالع أية أمة أخرى، مأساة أنزلت منذ وقوعها بالأمة التى ارتكبت فظائعها، كل صنوف الدمار والويل حتى الجبل الأخضر" (٣).
ويمكن أن نلخص رأى النقد الإسبانى المعاصر فيما سمعته من العلامة الأستاذ مننديث بيدال، أعظم المؤرخين والنقدة الإسبان فى عصرنا، فقد حدثته وأنا بمدريد عن قضية الموريسكيين ونفيهم، فأدلى إلىّ بالآراء الآتية:
"لا ريب أن اسبانيا قد منيت من جراء نفى الموريسكيين بخسارة مادية لأنها
стр. 2902
خسرت بإخراجهم شعباً مجدًّا عاملا بارعاً فى الزراعة والصناعة، ولكن الواقع أن حركة الإنقلاب البروتستانتى حملت اسبانيا على أن تتبع من جانبها سياسة كاثوليكية شديدة، وكان من جراء ذلك أن اشتدت فى معاملة الموريسكيين، ويمكن أن نصف هذه السياسة بأنها كانت عنيفة مغرقة.
ولم يكن نفى الموريسكيين خطوة موفقة، وكان أيضاً من آثار الحركة الرجعية الكاثوليكية. وما كان ملك قوى مثل فيليب الثانى ليقدم على اتخاذ مثل هذه الخطوة، ولكن ولده فيليب الثالث كان ملكاً ضعيفاً يعوزه الذكاء والحصافة. وقد غلبت السياسة الدينية والكنسية فى هذه المسألة. ويبدو خطأ هذه السياسة بالأخص من الناحية العنصرية، فإن العلامة ربيرا يعتقد أن الموريسكيين كان نصفهم على الأقل من الإسبان الخلص الذين اعتنقوا الإسلام فى عهود مختلفة، ثم أرغموا على التنصير بعد سقوط غرناطة وصاروا موريسكيين.
ويسلم الأستاذ بيدال بأن نفى الموريسكيين كان من عوامل انحلال اسبانيا، ولكنه يرى من البالغة أن يقال إنه السبب الرئيسى لهذا الانحلال. ثم يقول: "الواقع أن هذه مسألة معقدة، وأعتقد أن من أهم أسباب انحلال اسبانيا، عنف السياسة الكنسية المناهضة لحركة الإصلاح الدينى - البروتستانتية - وهو عنف لم يقع مثله فى أى بلد أوربى آخر بل انفردت به اسبانيا والكنيسة الإسبانية".
ويبدى دى مارليس الذى اتخذ مؤلف كوندى أساساً لكتابه عن "تاريخ دولة المسلمين فى اسبانيا والبرتغال" حماسة فى تقدير تراث الأمة الأندلسية وما أصاب اسبانيا من جراء القضاء عليها، ويعلق فى خاتمة تاريخه على مأساة الموريسكيين فى تلك العبارات الشعرية المؤثرة:
"وهكذا اختفى من الأرض الإسبانية إلى الأبد ذلك الشعب الباسل اليقظ الذكى المستنير، الذى أحيى بهمته وجِدّه تلك الأراضى، التى أسلمتها كبرياء القوط الخاملة إلى الجدب، فدر عليها الرخاء والفيض، واحتفر لها عديد القنوات، ذلك الشعب الذى أحاطت شجاعته الفياضة فى السعود والشدائد معاً، عرش الخلفاء بسياج من البأس، والذى أقامت عبقريته بالمران والتقدم والدرس، فى مدنه صرحاً خالداً من الأنوار، التى كان ضوؤها المنبعث ينير أوربا، ويبث فيها شغف العلم والعرفان، والذى كان روحه الشهم يطبع كل أعماله بطابع لا نظير له من العظمة والنبل، ويسبغ عليه فى نظر الخلف، لوناً غامضاً من العظمة الخارقة، ودهاناً سحرياً
стр. 2903
من البطولة، يذكرنا بعصور هومير السحرية، ويقدم لنا فيهم أنصاف آلهة اليونان، ولكن شيئاً لا يدوم فى هذا العالم. فإن هذا الشعب قاهر القوط، الذى كان يبدو أنه صائر خلال القرون، إلى أقصى الأجيال، قد ذهب ذهاب الأشباح، وعبثاً يسائل اليوم السائح الفريد، قفار الأندلس المحزنة، التى كان يعمرها من قبل شعب غنى منعم. ظهر العرب فجأة فى اسبانيا، كالقبس الذى يشق عباب الهواء بضوئه، وينشر لهبه فى جنبات الأفق، ثم يغيض سريعاً فى عالم العدم، ظهروا فى اسبانيا فملأوها فجأة بنشاطهم وثمار براعتهم، وأظلها كوكب من المجد شملها من البرنيه إلى صخرة طارق، ومن المحيط إلى شواطىء برشلونة. ولكن هوى يضطرم إلى الحرية والاستقلال، وخلقاً متقلباً يميل إلى الخفة والمرح، ونسيان الفضائل القديمة، وميل نكد إلى التمرد والثورة، يثيره دائماً خيال ملتهب، وشهوات وأطماع عنيفة، ونزعة إلى التغلب وغيرها، من عوامل الاضمحلال، قد عملت شيئاً فشيئاً، على هدم ذلك الصرح العتيد، الذى شاده رجال كطارق وعبد الرحمن الناصر ومحمد بن الأحمر، وأفضت بالعرب إلى خلافات داخلية، فلّت من بأسهم وحملتهم إلى هاوية الفناء.
خرج ملايين العرب من اسبانيا، حاملين أموالهم وفنونهم، ثروات الدولة، فماذا أنشأ الإسبان مكانهم؟ لا نستطيع أن نجيب، بشىء، إلا أن حزناً خالداً يغمر هذه الأرض، التى كانت من قبل تتنفس فيها أبهج الطبائع. أن ثمة بعض الآثار المشوهة ما زالت تقوم فى هذه البقاع الموحشة، ولكن صرخة حقيقية تدوى من أعماق هذه الأطلال الدارسة: الشرف والمجد العربى المغلوب، والانحلال والبؤس للإسبانى الظافر" (١).
ويقول الأستاذ لاين بول فى مقدمة كتابه عن "العرب فى اسبانيا"؛ "لبثت اسبانيا فى يد المسلمين ثمانية قرون، وضوء حضارتها الزاهرة يبهر أوربا، وازدهرت بقاعها الخصبة بمجهود الفاتحين، وأنشئت المدائن العظيمة فى سهول الوادى الكبير، فلم يبق ثمة ما يذكرنا بماضيها المجيد، سوى الأسماء والأسماء فقط - وتقدمت بها الآداب والعلوم والفنون، دون سائر الأمم الأوربية، ولم تثمر وتكتمل زهرة العلوم
стр. 2904
الرياضية والفلكية والنباتية، والتاريخ والفلسفة والتشريع، إلا فى اسبانيا المسلمة، فكل ما يدعو إلى عظمة أمة وسعادتها، وكل ما يؤدى إلى رقى باهر وحضارة سامية، فاز به مسلمو اسبانيا.
ثم ذوت عظمة اسبانيا بسقوط غرناطة. وقد سطعت لمدى قصير أشعة من ضوء الحضارة العربية، فوق الأرض التى كان ينعشها بحرارته. ثم تضاءلت عظمة عصور فرناندو وإيسابيلا، وشارل الخامس، وفيليب الثانى، وكلومبوس وكورتيس وبيثارو، لتموت بموتها دولة عظيمة. ثم خفقت أعلام الخراب بسيادة ديوان التحقيق وسادت اسبانيا بعد ذلك ظلمة حالكة؛ فأصبح لا يعرف الأطباء بأرض كانت علومها منيرة إلا بالجهل والقصور ... وقضى على فنون إشبيلية وطليطلة وألمرية وعفت صناعاتها؛ وسحقت المعاهد العامة حتى تزول بزوالها آثار الإسلام، وخربت المدائن الكبيرة، وذوت نضرة الوديان الخصبة، فحل البؤساء والدهماء واللصوص مكان الطلاب والتجار والفرسان: ذلك مبلغ انحطاط اسبانيا يعد إقصائها للعرب، وهكذا يبدو البون شاسعاً بين أدوار تاريخها" (١).
стр. 2905
الكتابُ الخامس
نظم الحكم والحياة الاجتماعية والفكريّة فى مملكة غرناطة
стр. 2906
الفصل الأوّل
نظم الحكم فى مملكة غرناطة وخواصها الإجتماعية
مكانة الحضارة الأندلسية. ذويها عقب انهيار الخلافة. انتعاشها أيام الطوائف. ركودها أيام المرابطين وانتعاشها أيام الموحدين. بنو زهر. ابن ميمون وابن رشد. الإضطهاد الفكرى أيام الموحدين. الآداب والفنون فى هذا العهد. مملكة غرناطة وخواصها الطبيعية. دولة بنى الأحمر أو الدولة النصرية. شعارها الحكم المطلق. الوزراء الطغاة. أخطار هذا النظام. حمية الشعب الغرناطى. مناصب الحكم الرئيسية. الوزارة. خواصها ومهامها. قيادة الجيوش. الجيش والأسطول. قاضى الجماعة أو قاضى القضاة. الحسبة. صاحب الشرطة. إقليم غرناطة ومواردها. تقدم الرى والزراعة. غرس الحدائق. بسائط غرناطة. الصناعات الأندلسية. التجارة الخارجية. الموارد السلطانية. الضرائب. تكوين الأمة الأندلسية. أحوال المجتمع الأندلسى. الفروسة الأندلسية.
تعرض لنا الحضارة الأندلسية، صفحة من أجمل وأروع صحف الحضارة الإسلامية، والحضارة الإنسانية، بصفة عامة. وقد نشأت حضارة الإسلام فى الأندلس فى بيئة وظروف خاصة، واكتسبت بفعل المؤثرات التاريخية والإقليمية والاجتماعية، لونها الخاص ومميزاتها الخاصة.
وتحتل قصة الحضارة الأندلسية، فى تاريخ الحضارات الأوربية مكانة رفيعة، وتملأ فراغا كبيراً. ولكنها لم تنل مع الأسف مكانها من الرعاية والدرس فى المصادر الإسلامية، ولم تكتب حتى اليوم كتابة شافية. وأغلب ما كتب عنها فى مصادرنا، شذور ونبذ متفرقة غير متناسقة، وتراجم لأعلام التفكير والأدب لم يعن فيها بدراسة الجوانب الهامة. وإنه لمن الإسراف أن نقول، إننا نستطيع أن نستعرض هذه القصة الباهرة المتعددة النواحى، فى فصل أو فصول، من سفر يخصص لكتابة تاريخ المراحل الأخيرة، من حياة الأمة الأندلسية. على أننا سوف نحاول مع ذلك أن نستعرض صور الحضارة الأندلسية فى ظل مملكة غرناطة، استكمالا لموضوعنا، وأن نلقى بذلك شيئاً من الضياء على النظم والأحوال، التى عاشت فى ظلها الأمة الأندلسية فى مراحلها الأخيرة، وما انتهت إليه فى ميدان التفكير والآداب والفنون
стр. 2907
وكما أن مصادرنا الإسلامية فى هذا القسم من تاريخ الأندلس قليلة ضنينة، فهى كذلك بالنسبة لصور الحضارة الأندلسية، وقد هلكت معظم الآثار والوثائق الأندلسية المتعلقة بهذا العصر، كما رأينا على يد الإسبان، ولم يسعفنا فى ذلك سوى بعض الآثار القليلة الباقية، التى نجت من المحنة، ولاسيما آثار ابن الخطيب، وما نقله إلينا المقرى عن آثار ووثائق ضاعت، وكان له فضل إيصالها إلينا.
...
وإذا كان تاريخ الأندلس السياسى، يقدم إلينا صوره المتباينة، من الإضطرام والركود، والقوة والضعف، فكذا شأن الحضارة الأندلسية. فقد وصلت فى ظل الخلافة الأموية فى عهد عبد الرحمن الناصر وولده الحكم المستنصر، حينما وصلت الدولة الإسلامية إلى أوج سلطانها السياسى، إلى ذروة القوة والبهاء، وإن لم تصل يومئذ إلى ذروة نضجها الفكرى. ولما انهارت الخلافة الأموية، واضمحلت النظم السياسية والاجتماعية، وسادت الثورة والفوضى أرجاء الأندلس، وهلكت معظم الآثار العمرانية والفكرية فى غمر الفتنة، ذوت الحضارة الأندلسية مدى حين، حتى قامت دول الطوائف فوق أنقاض الدولة الأموية، واستطاعت بالرغم من صغرها، وتنافسها وتطاحنها فى ميدان الحرب، أن تعيد لمحة من بهاء الدولة الإسلامية، وسطعت آيات الحضارة الأندلسية فى قصورها ومنشآتها، وفى مجتمعاتها، وأينعت فى ظلها دولة التفكير والأدب، وعرفت الأندلس فى هذه الحقبة المضطربة من تاريخها، طائفة من أعظم مفكريها وأدبائها وشعرائها، مثل الفيلسوف ابن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م) وابن حيان أعظم مؤرخى الأندلس، وقد توفى سنة ٤٦٩ هـ (١٠٧٦ م)، وتلميذه الحميدى المتوفى سنة ٤٨٨ هـ (١٠٩٥ م). ومن الأدباء والشعراء، ابن زيدون المتوفى سنة ٤٦٢ هـ (١٠٦٩ م)، وابن عبدون المتوفى سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م) وعشرات آخرين من الكتاب والشعراء، يقدمهم إلينا الفتح بن خاقان فى مؤلفه "قلائد العقيان". بل لقد كان ملوك الطوائف أنفسهم فى طليعة العلماء والأدباء والشعراء، مثل الأمير العالم عمر بن الأفطس صاحب بطليوس، والشاعرين الكبيرين، المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، والمعتصم بن صمادح صاحب ألمرية (١). ولكن
стр. 2908
سرعان ما انكمشت هذه النهضة الفكرية والأدبية الزاهرة، عقب مصرع دول الطوائف، واستيلاء المرابطين على الأندلس فى سنة ٤٨٤ هـ (١٩٠١ م). وكان أولئك البربر الصحراويون قوماً غلاظاً، يؤثرون مهاد الجندية والخشونة، وتغلب عليهم الأفكار الرجعية العتيقة، لم تأخذهم مظاهر الحضارة الأندلسية المصقولة، ولم تكن -إذا اسثنينا العلوم الدينية- تهزهم أصداء الشعر والآداب الرفيعة، اللهم إلا ما كان من حشدهم لبعض أكابر الكتاب الأندلسيين فى البلاط المرابطى، ليكونوا ترجمانا للدولة. وحتى العلوم الدينية كانت تدرس فى ظلهم فى إطار خاص يغلب فيه علم الفروع على الأصول، ومن ثم فقد طوردت فى ظلهم -فضلا عن الكتب الفلسفية والعلمية- كتب الأصول المشرقية، وفى مقدمتها كتب الغزالى. وترتب على ذلك أن ركدت فى ظلهم دولة التفكير والأدب وذَوَى بهاء الحضارة الأندلسية. أجل، سطعت فى ظل دولتهم القصيرة الأمد، فى ميدان التفكير الأندلسى، جمهرة من الشخصيات اللامعة من حفاظ وكتاب وشعراء، وعلماء، مثل الحافظ ابن الجد الفهرى المتوفى سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م)، وأبو عبد الله بن أبى الخصال المتوفى سنة ٥٤٠ هـ (١١٤٥ م)، وأبو بكر الصيرفى المتوفى سنة ٥٧٠ هـ (١١٧٤ م). وأبو بكر الطرطوشى الفيلسوف السياسى المتوفى سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م)، صاحب كتاب "سراج الملوك"، والفتح ابن خاقان المتوفى سنة ٥٣٥ هـ (١١٤٠ م)، وابن بسام الشنترينى صاحب "الذخيرة" المتوفى سنة ٥٤٢ هـ (١١٤٧ م)، وابن قزمان أمير الزجل الأندلسى المتوفى سنة ٥٥٥ هـ (١١٦٠ م)، ومن العلماء أبو القاسم خلف بن عباس القرطبى الطبيب الأشهر المتوفى سنة ٥١٩ هـ (١١٢٢ م)، وابن باجة الطبيب الفيلسوف المتوفى سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ م) - وهو المعروف باللاتينية باسم Avempace.
ولكن ظهور هؤلاء وأضرابهم فى هذه الفترة، لم يكن إلا أثراً من آثار النهضة الفكرية والأدبية فى ظل دول الطوائف (١).
وفى ظل دولة الموحدين، التى خلفت دولة المرابطين فى حكم الأندلس، انتعشت الحضارة الأندلسية والتفكير الأندلسى. وقد نشأ الموحدون كالمرابطين فى مهاد الخشونة والتقشف، ولكنهم كانوا أوسع أفقاً، وأكثر قبولا لثمار التمدن.
стр. 2909
وكان لدولتهم بالأخص صبغة علمية دينية، إذ كان مؤسسها المهدى ابن تومرت، من أئمة التفكير الدينى. وأبدى خلفاؤه عبد المؤمن وبنوه اهتماماً بالعلوم والفنون، وأطلقت حرية التفكير والبحث، وكانت قد صفدت فى عهد المرابطين، وأفرج عن كتب الغزالى وغيره من مفكرى المشرق، وكانت قد طوردت ومنعت فى أيامهم بالمغرب والأندلس. وفى تلك الفترة بالذات أعنى فى أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجرى، بلغ التفكير الأندلسى ذروة النضج، وتفجرت ينابيع النبوغ، وظهرت طائفة من أعظم أقطاب العلم والأدب. وكان فى طليعة أقطاب العلم فى هذا العصر، بنو زهر الإشبيليون، وعميدهم الوزير والطبيب الأشهر أبو العلاء زهر ابن عبد الملك بن زهر، ثم ولده أبو مروان عبد الملك بن زهر المتوفى سنة ٥٥٧ هـ (١١٦١ م)، وهو المعروف باللاتينية باسم Avenzoar. ويعتبر ابن زهر أعظم طبيب ومشخص فى العصور الوسطى بعد أبى بكر الرازى، ويعتبره ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس، ويعتبر كتابه "التيسير" من أعظم مراجع الطب فى العصور الوسطى، وكان لمؤلفاته التى ترجمت كغيرها إلى اللاتينية فى عصر مبكر، أثر عظيم فى سير البحوث الطبية فى أوربا، وخلفه فى مهنته ولده الطبيب الأشهر أبو بكر بن زهر، وحظى لدى حكومة الموحدين، وتوفى سنة ٥٩٥ هـ (١١٩٨ م). وظهر إلى جانب هؤلاء عدة من أقطاب الفلاسفة، مثل أبى بكر ابن طفيل الوادى آشى، المتوفى سنة ٥٨١ هـ (١١٨٥ م)، وهو صاحب رسالة حى بن يقظان الشهيرة، والإمام الفيلسوف أبى الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبى، المتوفى سنة ٥٩٤ هـ (١١٩٨ م). والرئيس موسى بن ميمون اليهودى القرطبى، المتوفى سنة ٦٠٢ هـ (١٢٠٥ م).
وفى حياة ابن ميمون وابن رشد بالأخص، ما يمثل لنا طرفاً من سياسة الموحدين تجاه التفكير، وترددها بين التسامح والإضطهاد. فقد كان ابن ميمون من أعظم الأطباء والفلاسفة فى عصره، ولكنه اضطهد ليهوديته خلال الإضطهاد العام، الذى لقيه اليهود فى ظل عبد المؤمن خليفة الموحدين، فغادر الأندلس إلى المشرق، ونزل بمصر وخدم بلاطها، وعين طبيباً خاصاً للسلطان صلاح الدين، وندب للتدريس بالقاهرة. وقد كان ابن رشد بلا ريب أعظم فلاسفة الإسلام ومفكريه فى ذلك العصر، ولد بقرطبة سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م) واتصل منذ فتوته بأبى يوسف يعقوب ابن عبد المؤمن، المشرف على شئون الأندلس، وكان الأمير مثل أبيه يجمع حوله
стр. 2910
أعلام المفكرين والعلماء؛ وبرع ابن رشد فى الفقه والطب والفلسفة، وتولى قضاء إشبيلية فى سنة ٥٦٥ هـ، ثم ولى قضاء قرطبة، واستمر زهاء خمسة وعشرين عاماً، يتقلب فى مناصب القضاء والإدارة، فى ظل حكومة الموحدين بالأندلس والمغرب، وتولى أثناء ذلك منصب الطبيب الخاص للخليفة أبى يعقوب يوسف، ثم لولده الخليفة يعقوب المنصور بعد وفاته. واتهمه بعض خصومه بالزندقة والخروج على شريعة الإسلام، فأمر الخليفة المنصور بنفيه إلى بلدة اليسّانة على مقربة من غرناطة، وفرضت عليه رقابة شديدة، ثم عفا عنه واسترد مكانته فى أواخر حياته، واستدعى ثانية إلى مراكش، وهنالك توفى بعد قليل فى سنة ٥٩٥ هـ (١١٩٨ م). وأعظم آثار ابن رشد هو شروحه لفلسفة أرسطو، فى المنطق وما وراء الطبيعة، وقد ترجمت إلى اللاتينية منذ القرن الثالث عشر، وكانت مفتاح الدراسات الأرسطوطالية فى العصور الوسطى. وقد كان يغمرها الغموض والحلك، قبل أن يتصدى ابن رشد لشرحها. وغدت شروح ابن رشد فى الوقت نفسه أساساً لكثير من المباحث الفلسفية، التى ازدهرت أيام حركة الإحياء الأوربى. بل يرى مؤرخو الفلسفة، أن الفلسفة الجدلية الأوربية استمدت من العرب والفلسفة العربية، أكثر مما استمدت من قسطنطينية التى كانت مستودعاً لتراث الفلسفة اليونانية. وكتب ابن رشد فى الطب مؤلفه "الكليات" وهو من أهم الآثار الطبية فى العصور الوسطى، وقد ترجم إلى اللاتينية وغيرها من اللغات الأوربية منذ القرن الثالث عشر ولابن رشد طائفة كثيرة أخرى من الرسائل والبحوث الفلسفية والكلامية.
وكانت الفلسفة على الأغلب علماً خطراً فى ظل حكومة الموحدين، وقد رأيت ما كان من اضطهاد ابن رشد ونفيه وسبب آرائه الفلسفية، وقد كان من ضحايا هذا الإضطهاد، فى هذا العصر، مفكر أندلسى آخر هو ابن حبيب الإشبيلى، الذى اتهم بالزندقة بسبب آرائه الفلسفية، أيام المأمون بن المنصور، وقتل لهذا السبب (١).
وهكذا كانت الفلسفة أيام الموحدين قرينة الإلحاد والزندقة، وكانت خطراً يجتنبه كثير من مفكرى العصر.
وظهرت فى تلك الفترة، إلى جانب هؤلاء العلماء، جمهرة من أقطاب الرواية والأدب، مثل أبى القاسم خلف بن بشكوال القرطبى المتوفى سنة ٥٧٨ هـ، (١١٨٣ م)، وهو مؤلف كتاب الصلة الذى ذيل به على كتاب علماء الأندلس