الفصل الأوّل
نظم الحكم فى مملكة غرناطة وخواصها الإجتماعية
مكانة الحضارة الأندلسية. ذويها عقب انهيار الخلافة. انتعاشها أيام الطوائف. ركودها أيام المرابطين وانتعاشها أيام الموحدين. بنو زهر. ابن ميمون وابن رشد. الإضطهاد الفكرى أيام الموحدين. الآداب والفنون فى هذا العهد. مملكة غرناطة وخواصها الطبيعية. دولة بنى الأحمر أو الدولة النصرية. شعارها الحكم المطلق. الوزراء الطغاة. أخطار هذا النظام. حمية الشعب الغرناطى. مناصب الحكم الرئيسية. الوزارة. خواصها ومهامها. قيادة الجيوش. الجيش والأسطول. قاضى الجماعة أو قاضى القضاة. الحسبة. صاحب الشرطة. إقليم غرناطة ومواردها. تقدم الرى والزراعة. غرس الحدائق. بسائط غرناطة. الصناعات الأندلسية. التجارة الخارجية. الموارد السلطانية. الضرائب. تكوين الأمة الأندلسية. أحوال المجتمع الأندلسى. الفروسة الأندلسية.
تعرض لنا الحضارة الأندلسية، صفحة من أجمل وأروع صحف الحضارة الإسلامية، والحضارة الإنسانية، بصفة عامة. وقد نشأت حضارة الإسلام فى الأندلس فى بيئة وظروف خاصة، واكتسبت بفعل المؤثرات التاريخية والإقليمية والاجتماعية، لونها الخاص ومميزاتها الخاصة.
وتحتل قصة الحضارة الأندلسية، فى تاريخ الحضارات الأوربية مكانة رفيعة، وتملأ فراغا كبيراً. ولكنها لم تنل مع الأسف مكانها من الرعاية والدرس فى المصادر الإسلامية، ولم تكتب حتى اليوم كتابة شافية. وأغلب ما كتب عنها فى مصادرنا، شذور ونبذ متفرقة غير متناسقة، وتراجم لأعلام التفكير والأدب لم يعن فيها بدراسة الجوانب الهامة. وإنه لمن الإسراف أن نقول، إننا نستطيع أن نستعرض هذه القصة الباهرة المتعددة النواحى، فى فصل أو فصول، من سفر يخصص لكتابة تاريخ المراحل الأخيرة، من حياة الأمة الأندلسية. على أننا سوف نحاول مع ذلك أن نستعرض صور الحضارة الأندلسية فى ظل مملكة غرناطة، استكمالا لموضوعنا، وأن نلقى بذلك شيئاً من الضياء على النظم والأحوال، التى عاشت فى ظلها الأمة الأندلسية فى مراحلها الأخيرة، وما انتهت إليه فى ميدان التفكير والآداب والفنون
стр. 2907
وكما أن مصادرنا الإسلامية فى هذا القسم من تاريخ الأندلس قليلة ضنينة، فهى كذلك بالنسبة لصور الحضارة الأندلسية، وقد هلكت معظم الآثار والوثائق الأندلسية المتعلقة بهذا العصر، كما رأينا على يد الإسبان، ولم يسعفنا فى ذلك سوى بعض الآثار القليلة الباقية، التى نجت من المحنة، ولاسيما آثار ابن الخطيب، وما نقله إلينا المقرى عن آثار ووثائق ضاعت، وكان له فضل إيصالها إلينا.
...
وإذا كان تاريخ الأندلس السياسى، يقدم إلينا صوره المتباينة، من الإضطرام والركود، والقوة والضعف، فكذا شأن الحضارة الأندلسية. فقد وصلت فى ظل الخلافة الأموية فى عهد عبد الرحمن الناصر وولده الحكم المستنصر، حينما وصلت الدولة الإسلامية إلى أوج سلطانها السياسى، إلى ذروة القوة والبهاء، وإن لم تصل يومئذ إلى ذروة نضجها الفكرى. ولما انهارت الخلافة الأموية، واضمحلت النظم السياسية والاجتماعية، وسادت الثورة والفوضى أرجاء الأندلس، وهلكت معظم الآثار العمرانية والفكرية فى غمر الفتنة، ذوت الحضارة الأندلسية مدى حين، حتى قامت دول الطوائف فوق أنقاض الدولة الأموية، واستطاعت بالرغم من صغرها، وتنافسها وتطاحنها فى ميدان الحرب، أن تعيد لمحة من بهاء الدولة الإسلامية، وسطعت آيات الحضارة الأندلسية فى قصورها ومنشآتها، وفى مجتمعاتها، وأينعت فى ظلها دولة التفكير والأدب، وعرفت الأندلس فى هذه الحقبة المضطربة من تاريخها، طائفة من أعظم مفكريها وأدبائها وشعرائها، مثل الفيلسوف ابن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ (١٠٦٤ م) وابن حيان أعظم مؤرخى الأندلس، وقد توفى سنة ٤٦٩ هـ (١٠٧٦ م)، وتلميذه الحميدى المتوفى سنة ٤٨٨ هـ (١٠٩٥ م). ومن الأدباء والشعراء، ابن زيدون المتوفى سنة ٤٦٢ هـ (١٠٦٩ م)، وابن عبدون المتوفى سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م) وعشرات آخرين من الكتاب والشعراء، يقدمهم إلينا الفتح بن خاقان فى مؤلفه "قلائد العقيان". بل لقد كان ملوك الطوائف أنفسهم فى طليعة العلماء والأدباء والشعراء، مثل الأمير العالم عمر بن الأفطس صاحب بطليوس، والشاعرين الكبيرين، المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، والمعتصم بن صمادح صاحب ألمرية (١). ولكن
стр. 2908
سرعان ما انكمشت هذه النهضة الفكرية والأدبية الزاهرة، عقب مصرع دول الطوائف، واستيلاء المرابطين على الأندلس فى سنة ٤٨٤ هـ (١٩٠١ م). وكان أولئك البربر الصحراويون قوماً غلاظاً، يؤثرون مهاد الجندية والخشونة، وتغلب عليهم الأفكار الرجعية العتيقة، لم تأخذهم مظاهر الحضارة الأندلسية المصقولة، ولم تكن -إذا اسثنينا العلوم الدينية- تهزهم أصداء الشعر والآداب الرفيعة، اللهم إلا ما كان من حشدهم لبعض أكابر الكتاب الأندلسيين فى البلاط المرابطى، ليكونوا ترجمانا للدولة. وحتى العلوم الدينية كانت تدرس فى ظلهم فى إطار خاص يغلب فيه علم الفروع على الأصول، ومن ثم فقد طوردت فى ظلهم -فضلا عن الكتب الفلسفية والعلمية- كتب الأصول المشرقية، وفى مقدمتها كتب الغزالى. وترتب على ذلك أن ركدت فى ظلهم دولة التفكير والأدب وذَوَى بهاء الحضارة الأندلسية. أجل، سطعت فى ظل دولتهم القصيرة الأمد، فى ميدان التفكير الأندلسى، جمهرة من الشخصيات اللامعة من حفاظ وكتاب وشعراء، وعلماء، مثل الحافظ ابن الجد الفهرى المتوفى سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م)، وأبو عبد الله بن أبى الخصال المتوفى سنة ٥٤٠ هـ (١١٤٥ م)، وأبو بكر الصيرفى المتوفى سنة ٥٧٠ هـ (١١٧٤ م). وأبو بكر الطرطوشى الفيلسوف السياسى المتوفى سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م)، صاحب كتاب "سراج الملوك"، والفتح ابن خاقان المتوفى سنة ٥٣٥ هـ (١١٤٠ م)، وابن بسام الشنترينى صاحب "الذخيرة" المتوفى سنة ٥٤٢ هـ (١١٤٧ م)، وابن قزمان أمير الزجل الأندلسى المتوفى سنة ٥٥٥ هـ (١١٦٠ م)، ومن العلماء أبو القاسم خلف بن عباس القرطبى الطبيب الأشهر المتوفى سنة ٥١٩ هـ (١١٢٢ م)، وابن باجة الطبيب الفيلسوف المتوفى سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ م) - وهو المعروف باللاتينية باسم Avempace.
ولكن ظهور هؤلاء وأضرابهم فى هذه الفترة، لم يكن إلا أثراً من آثار النهضة الفكرية والأدبية فى ظل دول الطوائف (١).
وفى ظل دولة الموحدين، التى خلفت دولة المرابطين فى حكم الأندلس، انتعشت الحضارة الأندلسية والتفكير الأندلسى. وقد نشأ الموحدون كالمرابطين فى مهاد الخشونة والتقشف، ولكنهم كانوا أوسع أفقاً، وأكثر قبولا لثمار التمدن.
стр. 2909
وكان لدولتهم بالأخص صبغة علمية دينية، إذ كان مؤسسها المهدى ابن تومرت، من أئمة التفكير الدينى. وأبدى خلفاؤه عبد المؤمن وبنوه اهتماماً بالعلوم والفنون، وأطلقت حرية التفكير والبحث، وكانت قد صفدت فى عهد المرابطين، وأفرج عن كتب الغزالى وغيره من مفكرى المشرق، وكانت قد طوردت ومنعت فى أيامهم بالمغرب والأندلس. وفى تلك الفترة بالذات أعنى فى أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الهجرى، بلغ التفكير الأندلسى ذروة النضج، وتفجرت ينابيع النبوغ، وظهرت طائفة من أعظم أقطاب العلم والأدب. وكان فى طليعة أقطاب العلم فى هذا العصر، بنو زهر الإشبيليون، وعميدهم الوزير والطبيب الأشهر أبو العلاء زهر ابن عبد الملك بن زهر، ثم ولده أبو مروان عبد الملك بن زهر المتوفى سنة ٥٥٧ هـ (١١٦١ م)، وهو المعروف باللاتينية باسم Avenzoar. ويعتبر ابن زهر أعظم طبيب ومشخص فى العصور الوسطى بعد أبى بكر الرازى، ويعتبره ابن رشد أعظم طبيب بعد جالينوس، ويعتبر كتابه "التيسير" من أعظم مراجع الطب فى العصور الوسطى، وكان لمؤلفاته التى ترجمت كغيرها إلى اللاتينية فى عصر مبكر، أثر عظيم فى سير البحوث الطبية فى أوربا، وخلفه فى مهنته ولده الطبيب الأشهر أبو بكر بن زهر، وحظى لدى حكومة الموحدين، وتوفى سنة ٥٩٥ هـ (١١٩٨ م). وظهر إلى جانب هؤلاء عدة من أقطاب الفلاسفة، مثل أبى بكر ابن طفيل الوادى آشى، المتوفى سنة ٥٨١ هـ (١١٨٥ م)، وهو صاحب رسالة حى بن يقظان الشهيرة، والإمام الفيلسوف أبى الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبى، المتوفى سنة ٥٩٤ هـ (١١٩٨ م). والرئيس موسى بن ميمون اليهودى القرطبى، المتوفى سنة ٦٠٢ هـ (١٢٠٥ م).
وفى حياة ابن ميمون وابن رشد بالأخص، ما يمثل لنا طرفاً من سياسة الموحدين تجاه التفكير، وترددها بين التسامح والإضطهاد. فقد كان ابن ميمون من أعظم الأطباء والفلاسفة فى عصره، ولكنه اضطهد ليهوديته خلال الإضطهاد العام، الذى لقيه اليهود فى ظل عبد المؤمن خليفة الموحدين، فغادر الأندلس إلى المشرق، ونزل بمصر وخدم بلاطها، وعين طبيباً خاصاً للسلطان صلاح الدين، وندب للتدريس بالقاهرة. وقد كان ابن رشد بلا ريب أعظم فلاسفة الإسلام ومفكريه فى ذلك العصر، ولد بقرطبة سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م) واتصل منذ فتوته بأبى يوسف يعقوب ابن عبد المؤمن، المشرف على شئون الأندلس، وكان الأمير مثل أبيه يجمع حوله
стр. 2910
أعلام المفكرين والعلماء؛ وبرع ابن رشد فى الفقه والطب والفلسفة، وتولى قضاء إشبيلية فى سنة ٥٦٥ هـ، ثم ولى قضاء قرطبة، واستمر زهاء خمسة وعشرين عاماً، يتقلب فى مناصب القضاء والإدارة، فى ظل حكومة الموحدين بالأندلس والمغرب، وتولى أثناء ذلك منصب الطبيب الخاص للخليفة أبى يعقوب يوسف، ثم لولده الخليفة يعقوب المنصور بعد وفاته. واتهمه بعض خصومه بالزندقة والخروج على شريعة الإسلام، فأمر الخليفة المنصور بنفيه إلى بلدة اليسّانة على مقربة من غرناطة، وفرضت عليه رقابة شديدة، ثم عفا عنه واسترد مكانته فى أواخر حياته، واستدعى ثانية إلى مراكش، وهنالك توفى بعد قليل فى سنة ٥٩٥ هـ (١١٩٨ م). وأعظم آثار ابن رشد هو شروحه لفلسفة أرسطو، فى المنطق وما وراء الطبيعة، وقد ترجمت إلى اللاتينية منذ القرن الثالث عشر، وكانت مفتاح الدراسات الأرسطوطالية فى العصور الوسطى. وقد كان يغمرها الغموض والحلك، قبل أن يتصدى ابن رشد لشرحها. وغدت شروح ابن رشد فى الوقت نفسه أساساً لكثير من المباحث الفلسفية، التى ازدهرت أيام حركة الإحياء الأوربى. بل يرى مؤرخو الفلسفة، أن الفلسفة الجدلية الأوربية استمدت من العرب والفلسفة العربية، أكثر مما استمدت من قسطنطينية التى كانت مستودعاً لتراث الفلسفة اليونانية. وكتب ابن رشد فى الطب مؤلفه "الكليات" وهو من أهم الآثار الطبية فى العصور الوسطى، وقد ترجم إلى اللاتينية وغيرها من اللغات الأوربية منذ القرن الثالث عشر ولابن رشد طائفة كثيرة أخرى من الرسائل والبحوث الفلسفية والكلامية.
وكانت الفلسفة على الأغلب علماً خطراً فى ظل حكومة الموحدين، وقد رأيت ما كان من اضطهاد ابن رشد ونفيه وسبب آرائه الفلسفية، وقد كان من ضحايا هذا الإضطهاد، فى هذا العصر، مفكر أندلسى آخر هو ابن حبيب الإشبيلى، الذى اتهم بالزندقة بسبب آرائه الفلسفية، أيام المأمون بن المنصور، وقتل لهذا السبب (١).
وهكذا كانت الفلسفة أيام الموحدين قرينة الإلحاد والزندقة، وكانت خطراً يجتنبه كثير من مفكرى العصر.
وظهرت فى تلك الفترة، إلى جانب هؤلاء العلماء، جمهرة من أقطاب الرواية والأدب، مثل أبى القاسم خلف بن بشكوال القرطبى المتوفى سنة ٥٧٨ هـ، (١١٨٣ م)، وهو مؤلف كتاب الصلة الذى ذيل به على كتاب علماء الأندلس
стр. 2911
لابن الفرضى (١) وابن بدرون الإشبيلى المتوفى فى فاتحة القرن السابع، وهو شارح قصيدة ابن عبدون الشهيرة فى رثاء بنى الأفطس، وابن الصابونى الصدفى الإشبيلى الشاعر، المتوفى فى سنة ٦٠٤ هـ (١٢٠٧ م)، وقد قال ابن الأبار فى حقه "ذهبت الآداب بذهابه، وختمت الأندلس شعراءها".
وازدهرت المعاهد العلمية أيام الموحدين بالمغرب والأندلس، وكانت المعاهد الأندلسية فى إشبيلية وقرطبة وغرناطة وبلنسية ومرسية، يومئذ مجمع العلوم والمعارف الرفيعة فى تلك العصور، وكانت مقصد الطلاب من كل فج، وكانت مزودة بالمكتبات التى تضم أنفس الكتب والمصنفات، فى مختلف العلوم والفنون (٢).
وعنى الموحدون أيضاً برعاية الفنون، وأقيمت فى عهدهم فى معظم قواعد الأندلس، طائفة من المساجد والصروح العظيمة، التى تمتاز بجمالها الفنى. وكان يعقوب المنصور حفيد عبد المؤمن، من أشدهم شغفاً بالمنشآت الفخمة، ومن آثاره الشهيرة بالأندلس مسجد إشبيلية الجامع ومنارته العظيمة التى بقيت إلى اليوم وحوّلها الإسبان إلى برج الأجراس لكنيسة إشبيلية العظمى التى بنيت مكان الجامع، وهى من أروع الآثار الأندلسية الباقية، ويطلق عليها الإسبان اسم "لاخيرالدا" La Giralda
وكذلك تقدمت الزراعة والصناعة والتجارة فى عهد الموحدين، وازدهرت الزراعة بنوع خاص، وارتقت أساليبها الفنية، وتنوعت المحاصيل وانتشرت زراعة الفاكهة، فى أحواز بلنسية وإشبيلية، وتقدمت الصناعات الحربية والمدنية، ولاسيما صناعة الأقمشة الممتازة، والصناعات الجلدية، وصناعة الورق وغيرها.
وازدهرت التجارة وعم الرخاء. وكانت ثغور الأندلس مثل بلنسية ودانية وإشبيلية وألمرية ومالقة، من أعظم مراكز التجارة الخارجية فى هذا العصر.
ولما اضمحل شأن الموحدين، وضعف أمرهم بالمغرب والأندلس، فى أوائل القرن السابع الهجرى، واجتاحت الثورة معظم القواعد والثغور الأندلسية، ونهض المتغلبون يتنافسون فى اجتناب أسلاب الدولة الذاهبة، شعرت اسبانيا النصرانية بدنو الفرصة السانحة، لاقتطاع ما يمكن اقتطاعه من أطراف الأندلس الممزقة.
стр. 2912
وبدأت قواعد الأندلس التالدة، تسقط تباعاً فى يد النصارى. وشغلت الأندلس يمحنتها الغامرة، وانصرفت إلى متابعة الجهاد، ومدافعة المغيرين عليها بكل ما وسعت، فانكمشت فنون السلم، وتضاءلت دولة التفكير والأدب، وإن كانت المحنة قد أذكت لوعة الشعر، وبعثت إلينا بطائفة جمة من أروع المراثى، التى ما زالت تحتفظ إلى يومنا بكثير من قوتها وروعتها.
- ٢ -
وانجلت الفتن الداخلية، وانجلى الصراع بين اسبانيا المسلمة واسبانيا النصرانية بعد نحو ثلث قرن، عن سقوط معظم القواعد الأندلسية التالدة، مثل قرطبة وإشبيلية وبلنسية ومرسية وجيان وغيرها، فى أيدى النصارى، وانكمشت رقعة الأندلس تباعاً، وانحصرت فى الركن الجنوبى الغربى للمملكة الإسلامية القديمة، فى مملكة غرناطة الصغيرة، التى برزت من غمر الفوضى، واستقرت فى رقعتها المتواضعة، بين نهر الوادى الكبير والبحر، وهرعت إليها معظم الأسر الأندلسية القديمة، التى أبت التدجن والبقاء فى ظل حكم النصارى، ولم يمض سوى قليل، حتى غدت مستودع تراث الأئدلس القومى والسياسى، ومستودع الحضارة الأندلسية والتفكير الأندلسى.
وكانت مملكة غرناطة، بالرغم من صغرها وانكماش رقعتها، تضم ثروات عظيمة من الموارد الطبيعية، فإلى جانب وديانها الخصبة النضرة التى تغص بالبسائط الخضراء والجنات الفيحاء، والتى تجود بها الحبوب والكروم والزيتون والفواكه وغيرها، توجد الجبال الوعرة تخترقها من كل صوب، وبها الكثير من الثروات المعدنية، ومن بينها الذهب والفضة والرصاص والحديد (١). وتفيض الأنهار والنهيرات العديدة على بسائطها الماء الغزير. وكانت ثغورها وهى ثغور الأندلس الجنوبية، ولاسيما مالقة وألمرية، من أغنى الثغور الإسبانية وأزخرها بالحركة التجارية، وكانت ولاية غرناطة وحدها تضم من البلاد والقرى العامرة نيفاً ومائة بلدة وقرية ذكرها لنا ابن الخطيب، وقد دثر الكثير منها اليوم (٢). أما غرناطة عاصمة المملكة، فقد غدت عقب سقوط القواعد الأندلسية الأخرى فى يد النصارى، أعظم القواعد الأندلسية الباقية، وأغناها وأكثرها ازدحاماً بالسكان. وكانت بحمرائها المطلة عليها من ربوتها المنيعة، وشوارعها الزاخرة، وميادينها الفسيحة، وقصورها
стр. 2913
البديعة، وحدائقها ومتنزهاتها اليانعة، من أجمل مدن العصور الوسطى. وكانت غاية فى الحصانة، سواء بموقعها الطبيعى، أو بأسوارها الكثيفة، التى يتخللها ألف وثلاثمائة برج منيع، وكانت تضم فى أيامها الزاهرة من السكان مع أرباضها وضواحيها زهاء نصف مليون من الأنفس، وذلك بما تقاطر عليها من سيل المهاجرين من المدن الأندلسية الأخرى. وكان بوسع العاصمة وقت الحرب، أن تعبىء وحدها زهاء خمسين ألف مقاتل، وكانت أبهاء قصر الحمراء تتسع وحدها لأربعين ألف رجل (١).
وقد رأينا كيف نشأت مملكة غرناطة، على يد رجل ذى عبقرية هادئة، ولكن واسعة الأفق، هو محمد بن الأحمر، زعيم بنى نصر، وكيف استمر أعقابه يتوارثون عرش غرناطة أكثر من قرنين، حتى سقطت فى أيدى النصارى. وتسمى دولتهم بالدولة النصرية أو دولة بنى الأحمر، وقد تسمى زعيمهم ومؤسس دولتهم بأمير المسلمين، وهو اللقب الذى كان يتسم به ملوك العدوة (المغرب) فى تلك العصور، وغلب هذا اللقب على سلاطين غرناطة حتى نهاية دولتهم، وكان يقرن فى أحيان كثيرة بلقب "الغالب بالله".
وكان ملوك بنى نصر، كسائر ملوك العصور الوسطى، يدينون بمبدأ الحكم المطلق، ولا يرون له بديلا. على أنه فى وقت الخطر العام والأحداث الخطيرة، كان السلطان يستعين برأى الزعماء والقادة ذوى العصبية والتوجيه. وكان السلطان يستأثر بكل سلطة حقيقية، ويباشر مهام الأمور بنفسه، إلا فى فترات قليلة يستأثر بالسلطة فيها وزير قوى، كما حدث فى عهد السلطان أبى عبد الله محمد الملقب بالمخلوع (٧٠١ - ٧٠٨ هـ)، حيث استأثر بالحكم وزيره أبو عبد الله ابن الحكيم اللخمى. وعهد السلطان أبى عبد الله محمد بن اسماعيل (٧٢٥ - ٧٣٣ هـ)، حيث استبد بالحكم دونه وزيره ابن المحروق، وعهد أخيه السلطان أبى الحجاج يوسف (٧٣٣ - ٧٥٥ هـ) حيث استبد بالحكم الحاجب أبو النعيم رضوان، ثم فى عهد السلطان الغنى بالله (٧٥٥ - ٧٩٣ هـ) حيث استبد بالحكم حيناً وزيره ابن الخطيب.
وكان نظام الطغيان الذى يفرضه الوزير المتغلب، ينتهى فى كل مرة بانقلاب عنيف، ويستعيد السلطان سلطته الحقيقية، فى غمرة من الحوادث الدموية.
وكان هذا النظام المطلق الذى يسود حكومة غرناطة، يؤدى إلى نشوب الثورة
стр. 2914
فى أحيان كثيرة، ويذكى من عواملها فى الوقت نفسه، تطاحن الأحزاب فى البلاط والجيش. وكان هذا النظام يتطور أحياناً فى ظل الملوك الضعاف إلى نوع من الإقطاع، ويستأثر بعض الزعماء الأقوياء والأسر ذات العصبية، بحكم المدن والثغور وكان الشعب الغرناطى سريع التقلب والغضب، يأخذ فى الثورات والإنقلابات السياسية بأعظم قسط.
وكانت مناصب الحكم الرئيسية فى حكومة غرناطة، تنحصر فى الوزارة وقيادة الجيوش والقضاء. فأما الوزارة فكانت تسند غالباً إلى أحد الأعلام من رجال القلم، وبين وزراء الدولة النصرية ثبت حافل من هؤلاء، مئل ابن الحكيم اللخمى، وابن الجياب، وابن الخطيب، وتلميذه ابن زمرك، وكلهم من أقطاب الكتابة والشعر. وكانت مهام الوزارة تتلخص فى أن يتلقى الوزير أوامر السلطان، ويعمل على تنفيذها، ويقوم بتوزيع مختلف الأعمال على أرباب المناصب، ويعنى بتحرير المكاتبات السلطانية، وصياغة المراسيم، وكان أكابر الكتاب من الوزراء يجدون فى هذه المهمة بالذات مجالا لعرض براعتهم النثرية والتحريرية. ولدينا فى مختلف الرسائل التى تركها لنا ابن الخطيب أروع نماذج للرسائل السلطانية التى تمتاز بأسلوبها العالى، وبيانها القوى (١)، وكان الوزير فى بعض الأحيان يقوم بقيادة الجيش، ويسير على رأسه للغزو، كما حدث أيام الحاجب رضوان، وأحياناً يتولى الوزير مهام السلطنة فى غياب السلطان، كما حدث أيام ابن الخطب، حيث كان ينوب عن السلطان حين تغيبه فى الغزو. وقد أسبغ على ابن الخطيب أيام وزارته لقب "ذى الوزارتين"، وهو لقب لم يحمله فى ظل الدولة النصرية سواه وابن الحكيم الرندى وزير السلطان محمد المخلوع، ويترتب عليه أن يتمتع الوزير بمقام الرياسة العليا ويغدو فى مرتبة "الحاجب"، ويتناول ضعف مخصصاته. ولم يحمل من وزراء الدولة النصرية لقب الحاجب سوى الحاجب رضوان، وزير السلطان يوسف أبى الحجاج. وكان الوزير يستعين بطائفة من "الكتاب" لتنفيذ مختلف المهام. والسلطان كاتب سر أو أمين خاص. وكثيراً ما يرتقى "الكاتب" إلى منصب الوزير.
والخلاصة أن الوزير كان رأس السلطة التنفيذية الحقيقية، وهو الذى يشرف سواء
стр. 2915
بطريقة مباشرة أو بتوجيه سلطانه القوى، على تصريف شئون المملكة، وتوجيه سياستها الداخلية والخارجية.
وأما قيادة الجيوش، فكانت أهم المناصب فى دولة تواجه إغارة العدو على أراضيها باستمرار. وكان يختص بهذا المنصب الخطير، منذ أواخر القرن السابع الهجرى أسرة بنى العلاء، أحد بطون بنى مرين ملوك العدوة، وكان توليهم لقيادة الجيوش الأندلسية، نتيجة للتحالف التى توثقت أواصره بين بنى الأحمر وبنى مرين عصراً (١). وقد اشتهر أولئك القواد المغاربة بالبراعة والشجاعة، وكانت لهم فى ميادين الحرب والجهاد مواقف مشهورة. وكان المتولى لمنصب القيادة العامة يلقب بشيخ الغزاة، وكانت الجنود المغربية عنصراً بارزاً فى الجيش الأندلسى، وقد تخلفت بالأندلس منذ أيام المرابطين والموحدين جموع كثيرة من البربر (٢). وكانوا لبداوتهم وخشونتهم يؤثرون الحياة العسكرية على الحياة المدنية، وقد زاد عددهم بالأخص أيام عبور الجيوش المرينية إلى الأندلس. وبالرغم مما أداه القواد والجند المغاربة لمملكة غرناطة، من الخدمات الجليلة فى ميدان الحرب، فقد كانوا أحياناً خطراً على النظام والعرش، وكان لبنى العلاء شيوخ الغزاة أطماع سياسية، ظهرت خطورتها فى بعض الثورات والإنقلابات العنيفة.
وقد كانت قوة غرناطة العسكرية، فى الواقع عماد حياتها، التى استطالت أكثر من قرنين، وذلك بالرغم من القوى الجرارة المعادية، التى لبثت باستمرار ترهقها، وتستنفد مواردها.:كان الجيش الأندلسى، فضلا عما كان يزخر به من العناصر المجاهدة الباسلة، من البربر وجند البشرّات وغيرها، من المناطق الجبلية، يتمتع بكثير من المزايا البارزة، فكان يضم فرقاً من أبرع الرماة، وكان بالأخص يتفوق بفرق الفرسان، التى اشتهرت فى تلك العصور ببراعتها التى لا تبارى.
وإلى جانب ذلك كانت الطبيعة تحبو غرناطة برعايتها، وتساعدها التلال المرتفعة والمفاوز الوعرة، التى تتخللها فى كل ناحية، على شدة المقاومة، وإتقان حرب العصابات التى ترهق الجيوش المنظمة. وكانت القواعد الأندلسية، من جراء الحروب المتواصلة، قد حولت جميعها إلى قلاع منيعة، وشيدت الحصون القوية فى كل مكان يصلح للمقاومة. وكان للحاجب رضوان النصرى وزير السلطان يوسف أبى الحجاج ثم ولده الغنى بالله، فى ذلك مجهود بارز، حيث أنشأ سور غرناطة الكبير المحيط
стр. 2916
بربض البيازين، وشيد سلسلة من الأبراج المنيعة أربت على أربعين، تمتد من شرق المملكة إلى غربها (١). وأهم من ذلك كله أن مسلمى الأندلس، كانوا قد وقفوا فيما يبدو على سر البارود (٢)، واستعملوه منذ منتصف القرن الرابع عشر، حسبما فصلنا فى موضع سابق (٣). وكان لذلك كله أثر واضح فى تمكين مملكة غرناطة الصغيرة، من الوقوف فى وجه عدوها القوي بنجاح، طيلة هذه العصور.
وكان للقوى البحرية أيضاً شأنها، فى كفاح الأندلس من أجل حياتها، وكانت مملكة غرناطة تسيطر من ثغورها الشهيرة: جبل طارق والجزيرة وطريف ومالقة، على مدخل البحر الأبيض المتوسط، وكانت أهم مهام الأسطول، بعد حماية الشواطىء والثغور، تأمين الصلة المباشرة بين مملكة غرناطة، وبين إخوانها المسلمين فيما وراء البحر فى المغرب الأقصى، وقد استطاعت الأساطيل الأندلسية والمغربية، أن تحتفظ بسيادتها فى هذه المياه عصوراً، وكان انهيار قوة غرناطة البحرية، وسقوط ثغورها فى يد النصارى، نذير السقوط النهائى.
وكان أرفع المناصب القضائية، منصب قاضى الجماعة، وهو ما يقابل فى الأندلس، منصب قاضى القضاة فى مصر الإسلامية. وقاضى الجماعة هو أيضاً قاضى الحضرة أو قاضى غرناطة، والغالب أن يجمع فى نفس الوقت بين منصبه ومنصب خطيب الحمراء، أو خطيب الجامع الأعظم (٤)، وهو أيضاً من المناصب الدينية الرفيعة. وكان القضاء يجرى فى مملكة غرناطة، على مذهب الإمام مالك، وهو مذهب الأندلس المفضل منذ أواخر القرن الثانى الهجرى. وكان يجرى تعيين قاضى الجماعة "بظهير" أى مرسوم ملكى. وكانت كلمة "الظهير" هى الغالبة فى مملكة غرناطة للتعبير عن المراسيم والقوانين السلطانية، وهى ما زالت تستعمل حتى اليوم فى المغرب الأقصى، حيث يوصف الرسوم بأنه "ظهير ملكى". وكان لكل مدينة قاضيها وخطيبها، ولا يشغل مناصب القضاء سوى أكابر العلماء والفقهاء.
ويتبع القضاء وظيفة الحسبة وهى أيضاً وظيفة دينية، تقوم على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ويختص صاحبها بمطاردة المنكرات، والتعزير والتأديب على
стр. 2917
قدرها، والعمل على احترام الأحكام الشرعية، وقمع الغش والاختلاس فى المعاملات، وأمور المعيشة والمكاييل والموازين، وله أيضاً أن يحمل الناس على أداء المصالح العامة، مثل تمهيد الطرقات والإضاءة بالليل وغير ذلك.
وكان يعهد بحفظ النظام والأمن إلى متولى الشرطة، وكان يسمى أيام الدولة الأموية صاحب الشرطة، ويعتبر منصبه من أعظم المناصب القضائية والإدارية، وكان ينتخب عادة من كبار القواد أو الخاصة، ويتمتع بسلطات قضائية وإدارية واسعة. ثم سمى بعد ذلك بصاحب المدينة وصاحب الليل. وكان يعتبر فى منصبه تابعاً للوزارة، مسئولا أمامها، وكان جل اختصاصه أن يتولى حفظ النظام والأمن، ومطاردة المجرمين وأهل الفساد، وتنفيذ العقوبات الجنائية، من الحد والتعزير وغيرهما فيمن وجب عليه ذلك، وهو الذى يتولى الإتهام والتحقيق وتوقيع العقوبة، دون تدخل القاضى، ويعاونه فى مهمته جماعات من الحراس، تجوب أنحاء المدينة ليلا، وتشرف على حراسة الطرق والأمكنة وتعقب الجناة (١).
- ٣ -
وقد أشرنا فيما تقدم، إلى ما كانت تتمتع به مملكة غرناطة، بالرغم من انكماش رقعتها من الموارد والثروات الطبيعية الوفيرة. وكانت الزراعة منذ أيام الدولة الأندلسية الكبرى، من أعظم موارد الأندلس، وكانت وديان اسبانيا الخصبة، التى تتخللها عدة من الأنهار العظيمة، وتربتها البديعة، وأقليمها المتقلب بين الحرارة والبرودة، تفسح أعظم مجال لشعب عامل ذكى. وكان مسلمو الأندلس من أنبغ الشعوب، فى فلاحة الأرض وتربية الماشية وغرس الحدائق، وتنظيم طرق الرى، ومعرفة أحوال الجو، وكل ما يتعلق بفنون الزراعة وخواص النبات، وكانت مزارعهم وحدائقهم مضرب الأمثال فى الجودة والنماء؛ وقد نقل العرب من المشرق وشمال إفريقية إلى اسبانيا كثيراً من الأشجار والمحاصيل، كالقطن والأرز وقصب السكر والزعفران والنخيل، وكانت بسائط شبه الجزيرة الإسبانية فى أيامهم رياضاً نضرة، وكانت غياض القمح وغابات الزيتون، وحدائق البرتقال والتوت والكروم، من أبدع ما ترى العين فى وديان الأندلس ومروجها النضرة. وأما نبوغ مسلمى الأندلس فى تنظيم وسائل الرى والصرف، واستجلاب الماء وتوزيعه بالطرق الفنية، فما زالت تشهد به آثارهم الباقية إلى الآن، فى وديان الأندلس، من القناطر والجداول الدارسة.
стр. 2918
وقد أقيمت أيام الدولة الأموية عدة من القناطر الشهيرة، وحفرت ترع ومصارف لا حصر لها، فى مختلف أنحاء اسبانيا، وكلها مما يشهد لصانعها بالمهارة والتفوق. وقد شاهدت أثناء تجوالى فى اسبانيا بعض المناطق التى ما زالت تقوم فى زراعتها على مشاريع الرى الأندلسية القديمة مثل منطقة لاردة وأحوازها ومنطقة بلنسية وأحوازها ومرسية وأحوازها. وكان لأهل الأندلس شهرة خاصة فى غرس الحدائق وتنسيقها، وقد كانت حدائق الرصافة والزهراء والزاهرة، بدائع تشهد لهم بوفرة البراعة وحسن الذوق، وكانت روعتها مستقى خصباً لخيال الشعراء والكتاب، وما زالت هذه البراعة حتى اليوم علماً على جمال الحدائق الأندلسية. وقد اتخذت فنون الزراعة على يد الأندلسيين طابعاً علمياً، وألفت فيها الكتب القيمة. وقد انتهى إلينا من آثارهم فى ذلك كتاب "الفلاحة" لابن بصال الطليطلى (القرن الحادى عشر الميلادى)، وكتاب "الفلاحة" أيضاً لتلميذه أبى زكريا ابن العوام الإشبيلى (أواخر القرن الثانى عشر)، ومؤلف ثالث فى "الفلاحة" أيضاً للطغنرى الغرناطى (١). وفى هذه الكتب كلها ما يدل على مبلغ ما وصل إليه مسلمو الأندلس من معرفة بخواص التربة، واستخراج كنوز الأرض، وطرق الرى والصرف، وأحوال الطقس وغيرها.
وكانت مملكة غرناطة بالرغم مما يتخللها من الجبال والهضاب الوعرة، تضم كثيراً من الوديان والبسائط الخصبة، وكانت ضفاف شَنيل سلسلة من البسائط الخضراء، تتخللها مئات الترع والقنوات؛ وكان المرج الشهير، الواقع غربى غرناطة La Vega، وهو الذى لبث أكثر من قرنين مسرحاً للمعارك المستمرة بين المسلمين والنصارى، بحقوله وحدائقه النضرة، كأنه قطعة من الجنان، أودعها المسلمون كل براعتهم. وكانت المحاصيل المختلفة تتعاقب طول العام، وتنتج البلاد كل ما يكفيها من الأطعمة والمؤن. وكانت مزارع الكروم الأندلسية الشهيرة، تغطى مساحات واسعة فى غرناطة ومالقة وشريش.
وكذلك ضرب مسلمو الأندلس فى الصناعة بأوفر سهم. وكانت اسبانيا المسلمة أيام قوتها، أعظم الأمم الصناعية فى أوربا؛ وكانت ثرواتها المعدنية، من الحديد والرصاص والزئبق والذهب والفضة وغيرها، تمدها بأسباب التفوق فى هذا الميدان.
стр. 2919
وقد اشتهرت بالأندلس بنوع خاص، بصناعة الأسلحة الجيدة، تنتجها بوفرة وتصدرها إلى أمم أوربا وإفريقية. وكذا اشتهرت بصناعة الصوف والحرير، والأقمشة الملونة الممتازة، وصناعة الجلود الدقيقة التى برع فيها أهل قرطبة بنوع خاص. وطبق مسلمو الأندلس تفوقهم فى الكمياء فى ميدان الصناعة، فبرعوا فى صنع الأدوية والعقاقير، واستخراج العطور من الأزهار، وتركيب الأصباغ المختلفة، ولاسيما اللون الذهبى، وغيره من الألوان الزاهية. وقد استطاعت مملكة غرناطة، أن تستبقى كثيراً من الصناعات الأندلسية القديمة، فاستمرت غرناطة مركزاً عظيما لصناعة الأسلحة والذخائر، وكان تفوقها فى هذه الصناعة من أسباب قوتها، وتمكنها طويلا من مدافعة أعدائها. وكذلك استمرت صناعة الحرير على تقدمها وازدهارها، ولاسيما فى مالقة وألمرية، وكانت يومئذ من أعظم موارد الأندلس. وقد نقلت المدن الإيطالية، التى اشتهرت بصناعة الحرير فى العصور الوسطى، عن الأندلسيين معظم فنونهم وطرائقهم فى هذه الصناعة المربحة، وكانت مدينة فيرنتزا (فلورنس) تستورد كميات كبيرة من الخام من غرناطة، حتى أواخر القرن الخامس عشر (١). ولبثت صناعة الأوانى الخزفية الجميلة، مزدهرة حتى العصر الأخير، وما زالت بقايا هذه الصناعة الأندلسية القديمة قائمة حتى اليوم فى بعض المدن الإسبانية ولاسيما فى إشبيلية ومالقة، وما زالت المتاحف الإسبانية تغص بكثير من الأوانى الخزفية الأندلسية والموريسكية البديعة الصنع والزخرف. وكذلك لبثت صناعة الجلود الفاخرة الملونة، حتى نفى الموريسكيين، وقد نقلت بعد نفيهم على يدهم إلى أوربا. واشتهرت الأندلس أيضاً بصناعة الورق، وأنشئت لها المصانع العظيمة ولاسيما فى طليطلة وشاطبة، ونقلها ْالإسبان عن المسلمين، ثم انتقلت إلى أوربا عن طريق فرنسا، وذاعت فيها منذ القرن الثالث عشر. وقد اكتشف الغزيرى، عدة مخطوطات بمكتبة الإسكوريال، ترجع إلى القرن الحادى عشر، كتبت على ورق مصنوع من القطن، وأخرى ترجع إلى القرن الثانى عشر، كتبت على ورق مصنوع من الكتان، وكان لهذه الصناعة مكانتها فى مملكة غرناطة.
أما التجارة فقد بلغت شأواً بعيداً فى الأندلس، وذلك لحسن موقعها وكثرة ثغورها، وتوسطها بين أوربا وإفريقية، وانتظام صلاتها البحرية، مع سائر ثغور
стр. 2920
البحر المتوسط. وكانت علائقها التجارية تمتد حتى قسطنطينية. وثغور الشام والإسكندرية، وترسو سفنها التجارية فى الثغور الإيطالية، ولاسيما جنوة ورومة والبندقية. وكانت ثغورها تزخر بمختلف الواردات، من بلاد أوربا وإفريقية والمشرق. وازدهرت الحركة التجارية فى غرناطة ولاسيما التجارة الخارجية، وكان للجنويين وغيرهم، من الأمم ذات الصلات الإقتصادية الوثيقة بالأندلس، منشآت تجارية فى غير غرناطة. وعقدت غرناطة مع جمهورية جنوة ومع مملكة أراجون معاهدات تجارية عديدة أشرنا إلى بعضها فيما تقدم. وكانت خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر من أعظم المراكز التجارية فى جنوب أوربا، حتى لقد وصفها بعض المؤرخين المعاصرين بأنها "مدينة جميع الأمم". ويقول مؤرخ إسبانى "إن شهرة سكانها فى الأمانة والثقة، بلغت إلى حد أن كلمتهم المجردة، كان يعتمد عليها، أكثر مما يعتمد على عقد مكتوب بيننا" (١).
وكان الرخاء يسود مملكة غرناطة طوال أيامها، وقلما كانت تصدع منه الثورات الطارئة أو الحروب المتواصلة. وكانت موارد الخزينة أو الموارد السلطانية كثيرة منوعة، تتكون من ضريبة الأراضى المنزرعة، وتبلغ فى المتوسط نحو سبع قيمة المحصول، والأموال المرسومة على السفن الواردة والصادرة، ودخل دار السكة، ودخل بيت المال، من زكاة وصدقات وميراث من لا وارث له، وأخماس الغنائم التى كانت تحصل من العدو، ومختلف الضرائب التجارية والمهنية. وكانت للعرش فوق ذلك أملاك ومزارع عظيمة فى فحص غرناطة (المرج) تعرف بالمستخلص.
وكانت الضرائب فى مملكة غرناطة على وجه العموم. أكثر مما كانت عليه فى الدول الإسلامية السابقة. وقد يرجع ذلك من بعض الوجوه إلى استمرار الصراع بلا انقطاع بينها وبين النصارى. وقدر دخل مملكة غرناطة فى تلك العصور، بنحو مليون ومائتى ألف دوقة (٢)، وهى قيمة لا يستهان بها فى ذلك العصر، وكان يتولى الإشراف على شئون الدخل والخرج وأعمال الجباية موظف كبير يسمى "صاحب الأشغال"، وكانت ثمة طوائف كبيرة من الشعب الغرناطى تتمتع بالثراء، ويقتنى الكثيرون الحلى والجواهر النفيسة ولاسيما أبناء الطبقات العليا. وكانت غرناطة
стр. 2921
تتمتع فوق ذلك بنقد سليم ثابت (١)، تخرجه دار السكة الملكية التى اشتهرت بأمانتها ودقتها، ولا يتطرق إليه شىء من ذلك الزغل الذى كان فى أحيان كثيرة يؤدى إلى الانهيار المالى.
- ٤ -
وقد أشرنا فى بداية هذا الكتاب، إلى تكوين الأمة الأندلسية فى مراحلها الأخيرة فى ظل مملكة غرناطة، وإلى خصائصها العنصرية. والحقيقة أن المجتمع الأندلسى بمختلف عناصره الأصيلة والدخيلة، كان قد استحال بمضى الزمن، وتعاقب الحوادث والدول، والمؤثرات الإجتماعية والإقليمية، إلى أمة عربية إسلامية ذات طابع مستقل ومميزات خاصة، تدعمها طائفة من الخلال البديعة، وتصقلها حضارة رفيعة زاهرة. ثم قامت مملكة غرناطة التى اجتمعت فيها بقية الأمة الأندلسية لتعرض لنا خلال حياتها الطويلة، المراحل الأخيرة لعظمة الأمة الأندلسية، وحضارتها.
وقد وصف لنا ابن الخطيب فى "الإحاطة"، أحوال المجتمع الأندلسى، وخواصه الجنسية والعقلية والاجتماعية، فى هذا العصر، الذى مالت فيه شمس الأندلس إلى الأفول. فذكر لنا أن الشعب الأندلسى، كان يتمتع بصفات أخلاقية طيبة، وأن صورهم حسنة، وأنوفهم معتدلة، وألوانهم بيضاء، وشعورهم سوداء، وقدودهم متوسطة، وألسنتهم عربية فصيحة، تغلب عليها الإمالة، وأنسابهم عربية، وفيهم كثير من البربر والمهاجرين (٢).
وكان نساؤهم يتميزن بالجمال والسحر، واعتدال السمن، ونعومة الجسم، ورشاقة الحركة، ونبل الكلام، وحسن المحاورة، ولكن يندر الطول فيهن. وقد بلغن فى التفنن فى الزينة شأواً بعيداً، يسرفن فى الأصباغ والعطور، والتزين بنفيس الحلى.
وكان اللباس الغالب بين الأندلسيين شتاء، الملف (٣) المصبوغ على اختلاف أصنافه وألوانه؛ ويرتدون فى الصيف، الكتان والحرير والقطن والأردية الإفريقية، والمقاطع التونسية، والمآزر المشقوقة "فتبصرهم فى المساجد أيام الجمع، كأنهم الأزهار المفتحة، فى البطاح الكريمة، تحت الأهوية المعتدلة" (٤).
стр. 2922
ومما يجدر ذكره، أن العمامة كانت يومئذ قد اختفت تقريباً كلباس رأس بين الشعب الأندلسى، ولم يكن يلبسها سوى العلماء والقضاة (١). وقد حلت القلانس منذ عهد بعيد مكان العمائم. وكان أهل شرق الأندلس أسبق من غيرهم فى نبذ العمامة، وذاعت القلانس بينهم منذ أوائل القرن السابع، حتى كان أمراؤهم وشيوخهم وقضاتهم يلبسون القلانس، وكان كثير من أمراء المسلمين مثل ابن مردنيش وغيره يرتدون الثياب القشتالية (٢). ولم يلبس ملوك بنى الأحمر العمامة، بل فضلوا القلنسوة (كاب) واتخذوها لباساً حتى آخر دولتهم. وكان بمتحف جنة العريف بغرناطة قبل إلغائه، صورة يقال إنها لأبى عبد الله آخر ملوك الأندلس، وهى تصوره بقلنسوة عالية (٣). وأما القضاة فقد احتفظوا بالعمامة كلباس رسمى. وتوجد فى سقف قاعة الملوك أو قاعة العدل بقصر الحمراء، صورة تمثل مجلس القضاة وهم بالعمائم والبرانس، وهى الصورة التى يعتقد البعض أنها تمثل ملوك غرناطة.
وكان الأمراء والأكابر، وفريق كبير من أبناء الطبقات الميسورة، يؤثرون ارتداء الثياب الإفرنجية، اقتداء بجيرانهم النصارى، ولاسيما فى عصور الأندلس الأخيرة. وأما ثياب الجندى الأندلسى فقد كانت فى العصور المتأخرة مشابهة لثياب الجند النصارى، وكذلك عدتهم وسلاحهم ونظامهم فى الصفوف، ثم عدلوا فى عصر ابن الخطيب عن هذا الزى، إلى الجواشن المختصرة والبيضات المذهبة، والسروج العربية. وكانت الجنود البربرية من جانبها، تحافظ على زيها المغربى (٤).
وكان أهل الأندلس مضرب الأمثال فى النظافة، يبالغون فى العناية بنظافة أبدانهم وثيابهم، ويكثرون من الاستحمام. وقد كانت هذه العادات فيما بعد، حينما أكره المسلمون على التنصير، من الشبه التى تثيرها ضدهم محاكم التحقيق، للتدليل على تشبثهم بالإسلام، وارتدادهم عن النصرانية.
وكان المجتمع الغرناطى يعيش فى رخاء وسعة، تكثر لديه الأقوات فى الشتاء والصيف، ولاسيما الفاكهة من العنب والتين والزبيب والتفاح والقسطل والجوز واللوز وغيرها، ويدخرها الناس يابسة على كر الفصول، ومتى حل الصيف، هرع الناس إلى الفحوص (المروج) أعنى الضواحى، للتمتع بجمال البسائط النضرة، ونسيمها العليل (٥).
стр. 2923
وكان احتفالهم بالأعياد أنيقاً، ولكن فى حدود الإعتدال والاقتصاد. وكان الشعب الغرناطى يعشق مياهج الحياة والحفلات العامة، وكانت الحياة لديه كأنها سلسلة من الأعياد المتواصلة. وكان الغناء ذائعاً، ويكثر فى المنتديات والمقاهى العامة، حيث يجتمع الشباب بكثرة، ولم تنس غرناطة مرحها حتى فى أيام محنتها، ولم تغلبها الكآبة إلا حينما أصبح العدو على الأبواب يهدد حياتها (١).
وقد استمرت الفروسة الأندلسية فى مملكة غرناطة على ازدهارها، ولبثت عصوراً تجذب الأنظار باكتمالها وروعتها ورِقَّة شمائلها. وفضلا عن كونها كانت عماد الدفاع القومى، حسبما أشرنا من قبل، فقد كانت مظاهرها وحفلاتها من أمتع المباهج العامة، فى ميدان كان التسامح المؤثر يسود فيه علائق المسلمين والنصارى، بالرغم مما كان يدور بين الفريقين من صراع مستمر. وقد اشتهر ملوك غرناطة، فضلا عن الجود، بميلهم نحو الحرية والتسامح، فكان الأمراء المسلمون والنصارى يتبادلون الزيارات، وكانوا يتلاقون أيام السلم وفى المفاوضات أنداداً كراماً. ومن أشهر مظاهر هذا التواصل ما حدث فى ربيع سنة ١٤٦٣، حيث سار هنرى الرابع ملك قشتالة إلى أراضى غرناطة، وزار ملكها ابن اسماعيل، والتقى الملكان فى مكان بقرب الفحص La Vega، ضربت فيه خيمة ملكية أمام أبواب العاصمة، ولما انتهت الزيارة وتبادل الفريقان الهدايا، رافقت ملك النصارى كوكبة من الفرسان المسلمين، وشيعته حتى الحدود. وكذلك كان الفرسان المسلمون والنصارى يتبادلون الزيارات، وكثيراً ما كان الفرسان النصارى يقصدون إلى غرناطة، لقضاء مصالحهم وتسوية منازعاتهم، وكذا كان كثير من الأسر القشتالية النبيلة، يلجأ إلى حماية ملك المسلمين كلما شعرت بالإضطهاد والحيف، وكان فى مقدمة هؤلاء آل فيلا وآل كاسترو؛ وكانت مباريات الفروسة وحفلاتها تتوالى فى غرناطة، وفيها يبدى الفرسان المسلمون ضروباً رائعة من البراعة والرشاقة. وكان من أهم مميزات هذه الحفلات الشهيرة اختلاط الجنسين، فكان نساء غرناطة، البارعات فى الحسن والإناقة، يشهدن هذه الحفلات وغيرها من الحفلات العامة سافرات، ويسبغن بوجودهن عليها روعة وسحراً، وكن يتمتعن بقسط وافر من الحرية الاجتماعية (٢)،
стр. 2924
الفصل الثانى
الحركة الفكرية فى مراحلها الأولى
الحركة الفكرية الأندلسية فى أوائل القرن السابع. الشعر والأدب. ابن حريق. ابن مرج الكحل. ابن الجيان المرسى. ابن الأبار القضاعى. أبو الطيب الرندى. أقطاب اللغة. الفقه وعلوم الدين. المؤرخون. العلوم. أبو بكر بن زهر. ابن البيطار المالقى. بنو الأحمر حماة العلوم والآداب. محمد الفقيه وولده المخلوع. السلطان أبو الحجاج. الأمير الأديب أبو الوليد اسماعيل. الوزراء الكتاب والشعراء. ازدهار الشعر والأدب. ركود الحركة العلمية. ابن الحكم الرندى. حياته وشعره. ابن خميس التلمسانى. أبو الجيان الغرناطى. الرئيس ابن الجياب. ابن جابر الضرير. أقطاب اللغة. علماء الفقه والدين. التصوف. المؤرخون والرحل. العلوم.
أتينا فى الفصل السابق، على لمحة من سير الحركة الفكرية، فى ظل الدولة الإسلامية بالأندلس، حتى بداية القرن السابع الهجرى، أعنى إلى ما قبل قيام مملكة غرناطة بقليل. ونريد الآن أن نتحدث عن سير العلوم والآداب والفنون، فى ظل مملكة غرناطة ذاتها. وسنحاول أن نتوسع فى هذا الحديث قدر الاستطاعة، وإن كانت المصادر العربية، ضنينة فى ذلك حسبما أشرنا، أولا لهلاك معظم الآثار والوثائق الأندلسية المتعلقة بهذه المرحلة من تاريخ الأندلس، وثانياً لأن كثيراً من المفكرين والكُتّاب المتأخرين، الذين رأوا الوطن الأندلسى مشرفاً على السقوط فى يد العدو، بادروا بالهجرة إلى المغرب والبلاد الإسلامية الأخرى، وأقفرت الأندلس بذلك من مفكريها وأدبائها. بيد أنه يجدر بنا قبل ذلك، أن نعنى بالفترة العصيبة المضطربة التى جازتها الأندلس، فى أواخر أيام الموحدين قبيل قيام مملكة غرناطة. وقد شهدت الأندلس فى هذه الفترة، أعنى فى أوائل القرن السابع الهجرى، سلسلة من الأحداث الجسام.
ذلك أن سلطان الموحدين أخذ ينهار سراعاً، واضطرمت ثورة ابن هود فى الولايات الشرقية، وأخذت قواعد الأندلس الكبرى، تسقط تباعاً فى يد النصارى، واستطاع ابن الأحمر فى الوقت نفسه، أن ينشىء مملكة غرناطة فى جنوبى الأندلس. وكان من جراء الفوضى السياسية التى غمرت الأندلس يومئذ، أن تصدعت الحركة
стр. 2925
الأدبية، وانتثر شملها، وفقدت وسيلة الاستقرار والتجمع، وشغل الأدباء والمفكرون يومئذ بالمحنة وآثارها. وغادر الأندلس فى تلك الفترة، كثير من الكتاب والعلماء الذين توقعوا سوء المصير، وآثروا العمل فى جو أكثر استقراراً وطمأنينة، مثل الشيخ محيى الدين ابن عربى المرسى قطب التصوف الشهير، وابن البيطار المالقى، وابن الأبار القضاعى، وابن حمدون الحميرى النحوى، وابن سعيد الأندلسى، وكثيرون غيرهم، ممن رحلوا إلى المشرق أو عبروا البحر إلى المغرب.
وهكذا طلعت أوائل القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) على الأندلس، بأحداثها وفتنها المتوالية، والحركة الفكرية فى ربوعها حائرة غير مستقرة، يتبدى ضوؤها باهتاً، فى ظل دول وإمارات تتصدع أركانها تباعاً.
ومع ذلك فقد ظل تراث الأندلس الفكرى فى هذه الفترة متواصلا، يمتاز على اضطرابه بكثير من نواحى القوة والنضج، التى امتاز بها فى ظل دولة الموحدين، وقت أن كانت فى عنفوانها.
وسوف نستعرض فيما يلى أعلام التفكير والأدب فى تلك الفترة المضطربة، التى مهدت حوادثها لقيام مملكة غرناطة، فهى ليست فى الواقع سوى حلقة اتصال، بين العصر الذى اختتمته الأندلس الكبرى، وبين العصر الذى بدأت فيه حياتها الجديدة (١).
الشعر والأدب
وكانت الحركة الأدبية يومئذ ما تزال فى عنفوانها. وكانت دولة النثر والنظم تحتل مكانتها الرفيعة، وبل لقد بعثت الأحداث والمحن، التى توالت على الأندلس يومئذ إلى الشعر بكثير من أسباب الإنفعال والقوة. فامتلأت الأندلس يومئذ بالشعر المؤسى، والمراثى القوية المؤثرة، التى نقل المقرى إلينا كثيراً منها، فى كتابيه نفح الطيب وأزهار الرياض.
وكان من أعلام الشعر فى تلك الفترة، علىّ بن محمد بن أحمد بن حريق الشاعر البلنسى المتوفى فى سنة ٦٢٢ هـ (١٢٢٧ م)؛ كان شاعراً مجيداً كثير النظم، ذاع
стр. 2926
شعره فى الأندلس، وكتب فوق ذلك عدة كتب فى الأدب (١).
ومنهم ابن مرج الكحل، وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن على، أصله من جزيرة شُقر، وكان من شعراء عصره. وبرع بنوع خاص فى الغزل والشعر الوصفى المبتكر، وعاش حيناً فى غرناطة، وذاع صيته فى سائر نواحى الأندلس، وتوفى سنة ٦٣٣ هـ (١٢٣٥ م). ومن شعره يصف عشة، بنهر الفنداق الذى يمر بلوشة:
عرج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شط الكوثر
ولتغتبقها قهوة ذهبية ... من راحتى أحوى المراشف أحور
والروض بين مفضض ومذهّب ... والزهر بين مدرهم ومدنّر
والنهر مرقوم الأباطح والربا ... بمصندل من زهره ومعصفر
وكأنه وكأن خضرة شطه ... سيف يسيل على بساط أخضر
وكان ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا فى صفحه كالجوهر (٢).
ومنهم عزيز بن عبد الملك القيسى؛ كان من أعيان مرسية واشترك فى حوادثها السياسية، واستطاع أن يظفر بإمارتها لمدى قصير، وتوفى سنة ٦٣٨ هـ (١٢٤٠ م) قتيلا، فى معركة نشبت بينه وبين خصومه، وكان شاعراً مجيداً، ومن قوله عندما حلت به المحنة:
ْنصحت فلم أفلح وخانوا فأفلحوا ... فأعقبنى نصحى بدار هوان (٣).
ومنهم علىّ بن ابراهيم بن على المعروف بابن الفخار، أصله من شريش وكان من أعلام الكتابة والنظم وتولى القضاء حيناً، وتوفى سنة ٦٤٢ هـ (١٢٤٤ م) (٤).
ومنهم إبراهيم بن سهل الإشبيلى. وقد كان يهودياً ثم أسلم، وبرع فى الشعر ولاسيما فى التوشيح، ومن أبدع شعره قصيدة طويلة نظمها فى مدح النبى. وقد توفى غريقاً فى النهر، وهو شاب فى عنفوانه، وذلك سنة ٦٤٩ هـ (١٢٥١ م).
ومن شعره قوله:
مضى الوصل إلا منية تبعث الأسى ... أدارى بها همى إذا الليل عسعسا
стр. 2927
أتانى حديث الوصل زوراً على النوى ... أعيد ذلك الزور اللذيذ المؤنسا
ويا أيها الشوق الذى جاء زائراً ... أصبت الأمانى خذ قلوباً وأنفسا
ومن موشحاته:
ليل الهوى يقظان ... والحب ترب السهر
والصبر لى خوان ... والنوم من عينى برى (١)
ومنهم أبو عبد الله محمد بن الجيان المرسى، صديق ابن هود وكاتبه. وكان عالماً بالحديث والرواية، بارعاً فى النثر والنظم. تولى الوزارة حيناً لابن هود، وهو الذى كتب عن لسانه وصيته الشهيرة لأخيه. ولما استولى النصارى على مرسية سنة ٦٤١ هـ، غادرها إلى أوريولة، ثم نزح إلى المغرب، واستقر بمدينة بجاية، وتوفى هنالك سنة ٦٥٠ هـ (١٢٥٢ م). وكان ابن الجيان صغير القد، حتى ليخاله الناظر إليه طفلا، ومن شعره قصيدته الدالية المشهورة التى مطلعها:
يا حادى الركب قف بالله يا حادى ... وارحم صبابة ذى نأى وإبعاد (٢)
ومنهم الفقيه والكاتب الشاعر المؤرخ، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبى بكر القضاعى البلنسى، المعروف بابن الأبار. ولد سنة ٥٩٥ هـ وبرز فى الفقه واللغة، وبرع فى النثر والنظم، وتولى الكتابة للأمير أبى جميل زيان أمير بلنسية، حفيد ابن مردنيش. ولما حاصر النصارى بلنسية سنة ٦٣٦ هـ (١٢٣٨ م) واشتد الخطب بالمسلمين، أرسل أميرها زيان كاتبه ابن الأبار، سفيراً إلى أبى زكريا الحفصى أمير تونس، يستغيث به ويستنصره على العدو.
وألقى ابن الأبار بهذه المناسبة بين يدى أبى زكريا قصيدته السينية الشهيرة، يردد فيها صريخ الأندلس، "ويصف آلامها ومحنها، وهذا مطلعها:
أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست ... فلم يزل عز النصر منك ملتمسا
وهى من غرر القصائد التى ذاعت بالأندلس أيام المحنة. ولما سقطت بلنسية بعد ذلك بقليل فى يد النصارى، نزح ابن الأبار فى أهله إلى تونس، وعاش هنالك حيناً فى كنف أميرها المستنصر الحفصى. ولكنه تغير عليه بعد ذلك ونكبه، ثم أمر
стр. 2928
بقتله متأثراً بتحريض خصومه، وأحرقت كتبه فى موضع قتله، وذلك فى سنة ٦٥٩ هـ (١٢٦٠ م). ولابن الأبار كثير من الشعر الجيد. ومن قوله فى الغزل:
لم تدر ما خلدت عيناك فى خلدى ... من الغرام ولا ما كابدت كبدى
أفديك من رائد رام الدنو فلم ... يسطعه من فرق فى القلب متقد
خاف العيون فوافانى على عجل ... معطلا جيده إلا من الجيد
ومنه يصف نهراً:
ونهر كما ذابت سبائك فضة ... حكى بمجانيه العطاف الأراقم
إذا الشفق استولى عليه احمراره ... تراءى قضيباً مثل دامى الصوارم
وكتب ابن الأبار فى الأدب والتاريخ. ومن آثاره تكملة كتاب الصلة لابن بشكوال، ترجم فيها لأعيان أهل الأندلس وعلمائها وشعرائها. وله أيضاً كتاب الحلة السيراء، ترجم فيها لطائفة مختارة من أعيان الأندلس من أمراء ووزراء وكتاب وشعراء، وهو قيم جداً بالنسبة لتاريخ الطوائف وتاريخ عصره (١). وله مؤلفات أخرى مثل كتاب تحفة القادم، وفيه يقدم طائفة مختارة من نظم شعراء الأندلس الذين سبقت وفاتهم مولده، وبعض الطارئين عليها من الغرباء، وإيماض البرق؛ وكتاب الإعتاب، أو إعتاب الكتاب، ويشتمل على تراجم طائفة من كتاب الأندلس وبعض الكتاب المشارقة، وغيرها، وهى آثار وصل معظمها إلينا (٢).
ومنهم أبو الطيب صالح بن شريف الرندى. وكان أديباً شاعراً جزلا. بيد أننا لا نعرف كثيراً من حياته، ولانعرف إلا أنه كانت من أهل رندة كما يدل على ذلك لقبه، وقد ولد بها فى سنة ٦٠١ هـ، وتوفى سنة ٦٨٤ هـ. ويصفه ابن عبد الملك فى "التكملة" أنه "خاتمة أدباء الأندلس". وكان بارعاً فى النثر والنظم معاً.
стр. 2929
وله مقامات بديعة فى أغراض شتى. وكان كثير الوفود على غرناطة والتردد على بلاطها. وقد عاش الرندى فى عصر الفتنة الكبرى التى اضطرمت بها الأندلس فى أواسط القرن السابع الهجرى، والتى تمخضت عن قيام مملكة غرناطة وسقوط معظم القواعد الاندلسية الكبرى فى يد النصارى، وقال فى المحنة مرثيته الشهيرة التى أتينا على ذكرها فى موضعها، والتى خلدت ذكره إلى يومنا. وقد وهم المقرى فاعتقد أنه قد عاش فى أواخر القرن التاسع الهجرى، أو عصر سقوط الأندلس النهائى (١). ومن شعره فى الغزل والتصوف:
سلم على الحى بذات العرار ... وحى من أجل الحبيب الديار
وخل من لام على حبهم ... فما على العشاق فى الذل عار
ولا تقصر فى اغتنام المنى ... فما ليالى الأنس إلا قصار
وإنما العيش لمن رامه ... نفس تدارى وكؤوس تدار
وروحه الراح وريحانه ... فى طيبه بالوصل أو بالعقار (٢)
لا صبر للشىء على ضده ... والخمر والهم كماء ونار
وكان الرندى من خاصة المقربين إلى الساطان محمد بن الأحمر، وكان يطرب لشعره، ومن أشهر قصائده فى مدح السلطان قصيدته التى مطلعها:
سرى والحب أمر لا يرام ... وقد أغرى به الشئون والغرام
وكتب الرندى برسم السلطان كتاباً فى التاريخ سماه "روض الأنس ونزهة النفس". ونثره لا يقل روعة عن شعره (٣).
...
وظهر فى تلك الفترة أيضاً جماعة من أقطاب اللغة، مثل على بن محمد بن خروف الإشبيلى المتوفى سنة ٦٠٩ هـ (١٢١٢ م)، وقد طاف بقواعد الأندلس والمغرب، وذاع صيته، ووضع شرحاً لكتاب سيبويه (٤)؛ وعمر بن محمد الأزدى الإشبيلى
стр. 2930
المعروف بالشلوبين، وكان إماماً فى العربية، وبرع فى النحو والفقه، وتوفى سنة ٦٤٥ هـ (١٢٤٧ م) (١).
وظهر جماعة فى الفقه وعلوم الدين، مثل على ابن أحمد بن محمد الغسانى، من أهل وادى آش، وقد ألف فى شرح "الموطأ" كتاباً ضخماً سماه "نهج السالك للتفقه فى مذهب مالك"، ووضع شرحاً لكتاب مسلم، وتوفى سنة ٦٠٩ هـ (١٢١٢)(٢)؛ وعمر بن عبد المجيد بن عمر الأزدى الرندى المحدث، المتوفى سنة ٦١٦ هـ (١٢١٨ م) (٣)، وقرينه ومواطنه المحدث المؤرخ عيسى بن سليمان الرعينى الرندى، المتوفى سنة ٦٣٢ هـ (١٢٣٤ م) (٤).
ونبغ فى تلك الفترة بالذات، أعظم متصوفة الأندلس الشيخ محيى الدين أبو بكر الطائى المعروف بابن عربى، وقد ولد بمرسية سنة ٥٦٠ هـ ونزح إلى المشرق فى شبابه، وحج وطاف بمعظم قواعده، وبقى به حتى توفى سنة ٦٣٨ هـ (١٢٤٠ م)، وله ثبت حافل من المصنفات الجليلة، منها كتاب فصوص الحكم، والفتوحات المكية، والتدبيرات الإلهية، وعشرات غيرها، ذكرها صاحب فوات الوفيات، وله شعر جيد (٥).
ونستطيع أن نذكر من المؤرخين فى تلك الفترة، إلى جانب ابن الأبار القضاعى، الذى سبقت ترجمته، على بن موسى بن سعيد الأندلسى، المعروف بابن سعيد المغربى، وهو أديب ورحالة وسليل أسرة من الأدباء والمؤرخين، تعاقب منها قبله خمسة فى مدى قرن، على تصنيف مؤلف ضخم فى فضائل مدن الأندلس والمغرب والمشرق، يضم كتابين كبيرين هما: كتاب "المشرق فى حلى المشرق" "والمغرب فى حلى المغرب" وأتمه على بن موسى آخر من نبغ من هذه الأسرة. وقد ولد فى غرناطة سنة ٦١٠ هـ وتوفى بدمشق سنة ٦٧٣ هـ (١٢٧٤ م)، وطاف بقواعد الأندلس والمغرب والمشرق، ومؤلفه الكبير أثر أدبى وتاريخى وجغرافى
стр. 2931
جليل بارع الأسلوب (١). وله كتب أخرى ذكر منها صاحب فوات الوفيات، المرقص والمطرب، وملوك الشعر. وله شعر رقيق.
العلوم
وكان للعلوم أيضاً مجالها بالأندلس فى أوائل القرن السابع الهجرى، وربما كانت هذه آخر مرحلة ازدهر فيها العلم الأندلسى، واستطاع أن يحتفظ بقبس من تقاليده القديمة الراسخة.
وكان ممن ظهر فى تلك الحقبة، أبو الفضل محمد بن عبد المنعم الجليانى، الطبيب والشاعر الأديب، أصله من جليانة من أعمال غرناطة، ونبغ فى الطب فى ظل الموحدين، ثم رحل إلى المشرق، وطاف بمصر والشام، ونظم كثيراً فى الإلهيات والرياضيات وآداب النفس (٢).
ومنهم أبو بكر بن عبد الملك بن زهر الإشبيلى، سليل أسرة بنى زهر الشهيرة، التى نبغ منها فى الطب والكيمياء والصيدلة، أبو العلاء بن زهر، ثم ولده عبد الملك حسبما سبقت الإشارة إليه، ثم ابنه أبو بكر هذا، وقد برع كأبيه وجده فى الطب والكيمياء، وكان من أعظم أطباء الأندلس فى أواخر القرن السادس الهجرى.
ومنهم أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج الأموى المعروف بابن الرومية الإشبيلى العلامة الطبيب والنباتى، وقد اشتهر بالأندلس فى أوائل القرن السابع الهجرى، وكان إماماً فى الحديث وحجة فى علم النبات لا يبارى. ولد بإشبيلية سنة ٥٦١ هـ وتوفى بها سنة ٦٣٧ هـ (١٢٣٩ م). وله مؤلفات نفيسة فى النبات والطب. منها شرح حشائش دياسقوريدس، وأدوية جالينوس، والرحلة النباتية، والمستدركة، وله كتاب فى الأدوية المفردة على نمط الكتب التى ألفها بنو زهر فى هذا الموضوع (٣).
وكان من أعظم علماء الأندلس فى هذا العصر، ابن البيطار المالقى العالم
стр. 2932
النباتى والطبيب المشهور، وهو ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد، ولد بمالقة ْفى أواخر القرن السادس الهجرى، ودرس على أبى العباس النباتى، ثم غادر الأندلس فى شبابه، وطاف بأنحاء المغرب، وقدم إلى مصر أيام الملك الكامل، فدخل طبيباً فى خدمته، ثم خدم ابنه الملك الصالح من بعده، وعنى بدراسة النبات والأعشاب فى مصر والشام وآسيا الصغرى وبلاد اليونان، وألف فى ذلك كتابين؛ "كتاب الجامع فى الأدوية المفردة" تناول فيه الأدوية النباتية المعروفة فى عصره، ورتبها على حروف المعجم، وكتاب "المغنى فى الأدوية المفردة"، وهو مرتب على مداواة الأعضاء، وله أيضا كتاب "الأفعال الغريبة والخواص العجيبة". ودرس عليه ابن أبى أصيبعة العالم المشهور، وصاحب معجم تراجم الأطباء، وقد أشاد ببراعته وغزارة علمه، ودقة فهمه لكتب الأقدمين. وتوفى ابن البيطار بدمشق سنة ٦٤٦ هـ (١٢٤٨ م) (١).
وظهر فى هذا العصر علماء آخرون فى الرياضيات والفلك، وكان منهم مطرّف الإشبيلى، وقد برع فى الفلك، واشتغل بالتصنيف فيه، وكان ينسب إلى الزندقة بسبب اعتكافه فى هذا الشأن، فكان يخفى تصانيفه ونتائج بحوثه عن أهل عصره (٢).
- ٢ -
وهكذا كانت الحركة الفكرية بالأندلس فى النصف الأول من القرن السابع الهجرى، تحاول رغم اضطرابها أن تعمل على وصل ماضيها بحاضرها. فلما نهضت مملكة غرناطة من غمر الفوضى، وبدأت الأندلس حياتها الجديدة فى ظل هذه المملكة الفتية الجديدة، أخذت الحركة الفكرية فى الاستقرار، وآنست جواً من الهدوء والطمأنينة. وكان ملوك غرناطة جرياً على سنن ملوك الأندلس السالفين، من حماة العلوم والآداب، وكان بلاط غرناطة يسطع بتقاليده الأدبية الزاهرة، كما سطعت من قبل قصور ملوك الطوائف، وكان أمراء بنى الأحمر أنفسهم فى طليعة العلماء والأدباء. واشتهر عميدهم ومؤسس دولتهم محمد بن الأحمر، بحمايته للعلم والأدب، وكانت له أيام خاصة يستقبل فيها الشعراء وينشدونه قصائدهم (٣)،
стр. 2933
وكان من خاصة شعرائه الأثيرين لديه صالح بن شريف الرندى حسبما قدمنا.
وكان ابنه محمد الفقيه عالماً ضليعاً، يعشق مجالس العلم ويؤثر العلماء بعطفه، ويقرض الشعر (١)، وكذا كان ولده أبو عبد الله محمد الملقب بالمخلوع، عالماً شاعراً ينظم الشعر المستظرف، وقد أورد لنا ابن الخطيب قصيدة من شعره يقول فيها:
واعدنى وعداً وقد أخلفا ... أقل شىء فى الملاح الوفا
وحال عن عهدى ولم يرعه ... ما ضره لو أنه أنصفا
ما بالها لم تتعطف على ... صب لها ما زال مستعطفا
يستطلع الأنباء من نحوها ... ويرقب البرق إذا ما هفا (٢).
وبلغت الحركة الفكرية والأدبية ذروة ازدهارها، فى مملكة غرناطة، فى عصر السلطان أبى الحجاج يوسف بن اسماعيل النصرى (٧٣٣ - ٧٥٥ هـ)، وولده السلطان محمد الغنى بالله (٧٥٥ - ٧٩٣ هـ). وكان السلطان أبو الحجاج نفسه، عالماً أديباً يشغف بالفنون. واشتهر الأمير أبو الوليد اسماعيل بن السلطان يوسف الثانى بأدبه وبارع نثره، وهو صاحب كتاب "نثير الجمان فيمن ضمنى وإياهم الزمان" الذى يترجم فيه لأعلام عصره فى الشعر والأدب (٣).
وكان من بين وزراء الدولة النصرية وكتابها، كثير من أعلام الشعر والأدب.
ويكفى أن نذكر فى هذا المقام ابن الحكيم الرندى، وابن الجياب، وابن الخطيب، وابن زمرك، والشريف العقيلى خاتمة أدباء الأندلس ووزرائها، وهم جميعاً من أقطاب الحركة الأدبية فى مملكة غرناطة، ومن أعلام وزرائها وسادتها، وسنعود إلى التحدث عنهم فيما بعد.
ومما تجدر ملاحظته، أن الحركة الفكرية الأندلسية فى ذلك العصر، تكاد تنحصر فى النواحى الأدبية، فقد ازدهر الأدب والشعر، وحفلت غرناطة بجمهرة من أكابر الأدباء والشعراء، ولكن العلوم العقلية أصابها الركود، وقلما نجد فى هذه الفترة أحداً من أقطاب الطب والفلسفة أو العلوم الرياضية، أو غيرها من العلوم المحضة، التى ازدهرت من قبل بالأندلس، ونبغ فيها ثبت حافل من أكابر
стр. 2934
العلماء والفلاسفة، هذا بينما احتفظت الآداب فى مملكة غرناطة بروائها وازدهارها، حتى اللحظة الأخيرة من حياتها.
وقد تقلبت الحركة الفكرية الأندلسية فى المائتين وخمسين عاماً التى عاشتها مملكة غرناطة، فى أطوار ثلاثة: طور الفتوة، وطور النضج، وطور الإنحلال الأخير. وسوف نحاول أن نستعرض هذه الأطوار الثلاثة تباعاً، ذاكرين أقطاب التفكير والأدب فى كل مرحلة منها.
- ٣ -
ويبدأ الطور الأول باستقرار مملكة غرناطة وتوطدها، فى أواخر القرن السابع الهجرى وأوائل القرن الثامن.
وقد حفلت هذه الفترة التى بزغت فيها شمس الأندلس من جديد، بجمهرة من الشعراء والأدباء والعلماء، وازدهر الأدب، واستعاد الشعر بنوع خاص، كثيراً من روعته وروائه القديم.
وكان فى طليعة شعراء هذه الفترة، الكاتب البليغ والأديب البارع، الوزير ابن الحكيم. وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن ابراهيم بن يحيى اللخمى الرندى وأصلهم من بيوتات إشبيلية، وكان جد والده يحيى طبيباً عرف بالحكيم، وأسبغ لقبه على الأسرة. ولما اضطرمت الفتنة بالأندلس أيام الطوائف، انتقلت الأسرة إلى رندة، وولد ابن الحكيم برندة سنة ٦٦٠ هـ، ووفد على غرناطة فتى، أيام السلطان أبى عبد الله محمد المعروف بالفقيه، فولاّه كتابته فى ديوان الإنشاء. ثم تقلد بعد وفاته الوزارة لولده السلطان أبى عبد الله محمد المخلوع، إلى جانب وزيره أبى سلطان عزيز الدانى. فلما توفى أبو سلطان، انفرد ابن الحكيم بالوزارة، ولقب بذى الوزارتين لجمعه بين الكتابة والوزارة. واستبد بالحكم حيناً حتى نشبت الثورة فى غرناطة ضد السلطان أبى عبد الله المخلوع وحكومته الطاغية، وقتل فيها ابن الحكيم يوم عيد الفطر سنة ٧٠٨ هـ (١٣٠٨ م) حسبما أسلفنا فى موضعه. وكان ابن الحكيم شاعراً مجيداً وكاتباً بليغاً وخطيباً ذلقاً، وقد وصفه ابن الخطيب فى الإحاطة بقوله: "كان علماً فى الفضيلة والسراوة ومكارم الأخلاق، كريم النفس، واسع الإيثار، متين الحرمة، عالى الهمة، كاتباً بليغاً، أديباً، شاعراً"، وفى كتاب "عائد الصلة" بقوله: "كان فريد دهره سماحة وبشاشة ولوذعية وانطباعاً، رقيق الحاشية،
стр. 2935
نافذ العزمة، مهتزاً للمديح، طلقاً للآمال، كهفاً للغريب" (١)، وزار ابن الحكيم المشرق، وحج ودرس وتلقى عن مشايخه. ومن شعر ابن الحكيم قوله:
ما أحسن العقل وآثاره ... لو لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسه ... كما يصون الحر أسراره
لاسيما إن كان فى غربة ... يحتاج أن يعرف مقداره
ومن قوله فى الغزل:
هل إلى رد عشيات الوصال ... سبب أم ذاك من ضرب المحال
وليال ما تبقى بعدها ... غير أشواقى إلى تلك الليال
إذ مجال الوصل فيها مسرحى ... ونعيمى آمر فيها ووال
ولحالات التراضى جولة ... مزجت بين قبول واقتبال
وغزال قد بدا لى وجهه ... فرأيت البدر فى حال الكمال
ما أمال التيه من أعطافه ... لم يكن إلا على خصل اعتدال
خص بالحسن فا أنت ترى ... بعده للناس حظاً فى الجمال
وقوله:
ألا واصل مواصلة العقار ... ودع عنك التخلق بالوقار
وقم واخلع عذارك فى غزال ... يحق لمثله خلع العذار
قضيب مائس من فوق دعص ... تعمم بالدجى فوق النهار
ولاح بخده ألف ولام ... فصار معرفا بين الدرارى (٢).
وكان ولده أبو بكر محمد بن الحكيم أيضاً من أعلام الأدب والشعر فى تلك الفترة، وقد تولى مثله الوزارة فيما بعد، وكان من أساتذة ابن الخطيب، وقد ألف فى الأدب كتاباً سماه " بالموارد المستعذبة" (٣).
ومن أكابر الشعراء فى تلك الفترة أبى عبد الله محمد بن خميس التلمسانى، أصله من تلمسان كما يدل عليه اسمه. ووفد على غرناطة واتصل بالوزير ابن الحكيم ومدحه، ونزل بألمرية سنة ٧٠٦ هـ واتصل بحاكمها القائد أبى الحسن بن كماشة،
стр. 2936
ومدحه فأجزل صلته، ووصفه ابن خاتمة بأنه من فحول الشعراء وأعلام البلغاء، وقد جمع شعره فى ديوان سمى "الدر النفيس فى شعر ابن خميس". وكانت وفاته قتيلا بغرناطة يوم مقتل مخدومه الوزير ابن الحكيم وذلك فى يوم عيد الفطر سنة ٧٠٨ هـ (١٣٠٨ م)، ويمتاز شعره بالجودة والروعة، ومن نظمه قوله:
نظرت إليك بمثل عينى جؤذر ... وتبسمت عن مثل سمطى جوهر
عن ناصع كالدر أو كالبرق أو ... كالطلح أو كالاقحوان مؤشر
تجرى عليه من لماها نطفة ... بل خمرة لكنها لم تعصر
لو لم يكن خمراً سلافاً ريقها ... تزرى وتلعب بالنهى لم تخطر
وقوله:
عجباً لها أيذوق طعم وصالها ... من ليس يأمل أن يمر ببالها
وأنا الفقير إلى تعلة ساعة ... منها وتمنعنى زكاة جمالها
كم ذا وعن عينى الكرى متأنف ... يبدو ويخفى فى خفى مطالها
يسمو لها بدر الدجى متضائلا ... كتضاؤل الحسناء فى أسمالها
ومنه:
أتت ولكن بعد طول غياب ... وفرط لجاج ضاع فيه شبابى
وما زلت والعليا تعنى غريمها ... أعلل نفسى دائماً بمثاب
وهيهات من بعد الشباب وشرخه ... يلذ طعامى أو يسوغ شرابى
خدعت بهذا العيش قبل بلائه ... كما يخدع الصادى يلمع سراب
ومنه قوله فى الحنين إلى بلده تلمسان قصيدة من أبدع قصائده هذا مطلعها:
تلمسان لو أن الزمان بها يسخو ... منى النفس لا دار السلام ولا الكرخ
ودارى بها الأولى التى حيل دونها ... مثار الأسى لو أمكن الحنق اللبخ
وعهدى بها والعمر فى عنفوانه ... ومنه شبابى لا أجين ولا مطخ (١).
ومنهم أبو حيان الغرناطى، محمد بن يوسف بن على، ولد بغرناطة سنة ٦٥٤ هـ وطاف بالمشرق، وتوفى بمصر سنة ٧٤٥ هـ (١٣٤٤ م)، وكان فوق تضلعه فى الحديث والتفسير بارعاً فى اللغة والأدب، إماماً فى النثر، ونظم
стр. 2937
الموشحات، وقد ترك مؤلفات كثيرة فى التفسير واللغة والأدب، وله شعر كثير ومن نظمه قوله فى موشحته:
إن كان ليل داج. وخاننا الإصباح. فنورها الوهاج. يغنى عن المصباح
سلافة تبدو ... كالكوكب الأزهر
مزاجها شهد ... وعرفها عنبر
يا حبذا الورد ... منها وإن سكر (١).
وكان الرئيس أبو الحسن على بن الجياب، وزير السلطان يوسف أبى الحجاج وكاتبه، فى طليعة أقطاب النثر والنظم فى تلك الفترة، ولد بغرناطة سنة ٦٧٣ هـ، وبرع فى الشعر والأدب، وتقلب فى مناصب الكتابة حتى غدا رئيساً لديوان الإنشاء، وكان من معاونيه فى الكتابة لسان الدين بن الخطيب وقد ورث منصبه عقب وفاته. وتوفى ابن الجياب ضمن ضحايا الوباء الكبير سنة ٧٤٩ هـ (١٣٤٨ م). ومن شعره قوله:
لله در الشباب عصرا ... فتح للخير كل باب
حفظت ما شئت فيه حفظا ... كنت أراه بلا ذهاب
حتى إذا ما المشيب وافى ... نَدَّ ولكن بلا إياب
ومنه فى الوعظ:
يا أيها الممسك البخيل ... إلهك المنفق الكفيل
أنفق وثق بالإله ترع ... فإن إحسانه جزيل (٢).
ومن شعراء ذلك العصر أبو عبد الله محمد بن جابر الأندلسى الهوارى الضرير، وقد رحل إلى المشرق، ومدح بعض أمرائه، وقصد إلى سلطان ماردين فأجزل صلته، وقد أشار ابن بطوطة الرحالة إلى ذلك عند ذكره فى رحلته لسلطان ماردين (٣)؛ ولابن جابر موشحات كثيرة ومدائح جيدة فى الصحابة وآل البيت، ومن شعره فى الغزل قوله:
شغفت بها حيناً من الدهر لم يكن ... سوى سكب دمعى فى محبتها كسبى
وما أصل هذا كله غير نظرة ... إلى مقلة منها أصغت لها قلبى
стр. 2938
ومنه:
تجنت فجن فى الهوى كل عاقل ... رآها وأحوال المحب جنون
وما وعدت إلا غلت فى مطالها ... كذلك وعد الغانيات يكون
ومنه فى الحكم:
مهلا فما شيم الوفا منقادة ... لمن ابتغى من نيلها أوطارا
رتب المعالى لا تنال بحية ... يوماً ولو جهد الفتى أوطارا
وقال يتشوق إلى حمراء غرناطة:
دامت على الحمراء حمر مدامعى ... والقلب فيما بين ذلك ذائب
طال المدى بى عنهم ولربما ... قد عاد من بعد الإطالة غائب
...
وظهر من أقطاب اللغة فى تلك الفترة عدة، منهم أبو بكر محمد بن إدريس الفرانى القضاعى المتوفى سنة ٧٠٧ هـ (١٣٠٧ م). وقد كتب فى علم العروض كتاب "الختام المفضوض عن خلاصة علم العروض" ومنه نسخة بمكتبة الإسكوريال (١).
ومنهم أبو جعفر أحمد بن ابراهيم بن الزبير الحافظ النحوى شيخ ابن الخطيب الأب، وقد ولد بجيان سنة ٦٢٦ هـ وتوفى سنة ٧٠٨ هـ (١٣٠٨ م). قال ابن الخطيب فى حقه: "انتهت إليه رياسة العربية بالأندلس"؛ وكان عالماً بالقرآن والحديث، مجيداً للنثر والنظم، ولى القضاء بغرناطة، واتصل بسلطانها الأمير أبى عبد الله محمد بن محمد بن الأحمر فأكرم مثواه، وقد صنف كتباً عدة فى مختلف الفنون، ومن آثاره المنشورة كتاب "صلة الصلة" الذى ألفه ذيلا على كتاب الصلة لابن بشكوال (٢).
ومنهم أبو الحسن على بن يحيى الفزارى المالقى المعروف بابن البرزى المتوفى سنة ٧٥٠ هـ (١٣٤٩ م)، وكان بارعاً فى اللغة، وله شعر يصفه ابن الخطيب بالضعف والهزال.
ومنهم أبو عبد الله محمد بن على الفخّار البيرى، كان شيخ النحاة بالأندلس فى عصره؛ درس عليه الكثيرون ومنهم ابن الخطيب وابن زمرك، وقد وصفه
стр. 2939
ابن الخطيب فى الإحاطة "بالإمام المجمع على إمامته فى العربية، المفتوح عليه من الله فيها حفظاً واطلاعاً، واضطلاعاً، ونقلا وتوجيها بما لا مطمع فيه لسواه"، وكانت وفاته بغرناطة سنة ٧٥٤ هـ (١٣٥٣ م) (١).
...
ونبغ من علماء الدين والفقه فى تلك الفترة، القاسم بن عبد الله بن الشط الأنصارى الإشبيلى، المتوفى سنة ٧٢٥ هـ (١٣٢٤ م) وله كتاب "البرنامج" عن قضاة الأندلس (٢). وأبو القاسم بن جزى الكلبى (محمد بن أحمد بن محمد) وهو من أهل غرناطة، وأصل سلفه من ولبة بولاية الغرب، كان فقيها حافظا مشاركا فى فنون كثيرة، ولاسيما اللغة والفقه، والقراءات والأدب. اشتغل بالتدريس بغرناطة، وتولى منصب الخطابة بالجامع الأعظم، وله عدة مؤلفات منها كتاب "التسهيل لعلوم التنزيل" و "الأنوار السنية فى الألفاظ السنية" و "القوانين الفقهية فى تلخيص مذهب المالكية" وكتاب "تقريب الوصول إلى علم الأصول" وغيرها، وله فهرسة اشتملت على طائفة كبيرة من علماء المشرق والمغرب، ولد بغرناطة سنة ٦٩٣ هـ وتوفى قتيلا فى موقعة طريف سنة ٧٤١ هـ (٣).
وازدهر التصوف فى هذا العصر، وكان من أقطابه يومئذ أبو الحسن على ابن فرحون القرشى القرطبى، المتوفى سنة ٧٥١ هـ (١٣٥٠ م)، وأبو اسحاق ابراهيم بن يحيى الأنصارى المرسى، وقد ولد فى سنة ٦٨٧ هـ وتوفى بغرناطة سنة ٧٥١ هـ (١٣٥٠ م)، وله كتاب "زهرة الأكمام" فى قصة يوسف؛ وأبو عبد الله محمد بن محمد الأنصارى المالقى المولود سنة ٦٤٩ هـ، والمتوفى سنة ٧٥٤ هـ (١٣٥٣ م)، وله كتاب "بغية السالك فى أشرف المسالك" فى مراتب الصوفية وطرائق المريدين (٤).
وظهر من المؤرخين، محمد بن يحيى بن أبى بكر بن سعيد الأنصارى المالكى.
وقد ولد سنة ٦٧٤ هـ، وتولى الخطابة والقضاء بغرناطة، وتوفى قتيلا فى
стр. 2940
سنة ٧٤١ هـ (١٣٤٠ م) فى موقعة طريف. ومن آثاره كتاب "التمهيد والبيان فى مقتل الشهيد عثمان بن عفان" (١).
ومن الرحل والرواة، أبو البقاء خالد بن عيسى البلوى، وقد رحل إلى إفريقية والمشرق بين سنتى ٧٤٦ و ٧٤٠ هـ، وكتب عن رحلته كتاب "تاج المفرق فى تحلية علماء المشرق" وانتفع فى مؤلفاته بما كتبه ابن جبير عن المشرق (٢).
...
وأما العلوم فلم تزدهر مثل إزدهارها فى الماضى، ولم تشغل فى الحركة الفكرية سوى مجال محدود. وكان من أشهر علماء ذلك العصر أبو زكريا يحيى بن هذيل حكيم غرناطة وفيلسوفها المتوفى سنة ٧٥٣ هـ (١٣٥٣ م)، وقد برع فى الطب والفلسفة والعلوم والرياضة، وكان من شيوخ ابن الخطيب (٣) وقد وصفه ابن الخطيب فى الإحاطة بأنه "درة بين الناس معطلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة" ونوه بروعة محاضراته وأدبه. وله شعر جمع فى ديوان سمى "بالسليمانيات". وقد نقل إلينا المقرى طائفة من نظمه (٤). ونستطيع أن نضع فى العلماء المعاصرين أيضاً شيخ ابن الخطيب أبا عثمان سعد بن أحمد بن ليون التجيبى، وكان من أكابر الأئمة فى الفقه، واختصر عدة من أمهات الكتب مثل كتاب "بهجة المجالس" لابن عبد البر. وكتب كتباً فى الهندسة والفلاحة (٥).
стр. 2941
الفصل الثالث
عهد النضج والازدهار
تقدم الحركة الفكرية. ابن سلبطور الشاعر. أبو القاسم الحسينى. ابن خاتمة. ابن الخطيب. نشأته وحياته. سفارته إلى المغرب وقصيدته للسلطان. وصفه لحياته فى الوزارة. سقوطه وجوازه إلى المغرب. احتفاء السلطان به وإنشاده فى حضرته. ابن الخطيب وابن خلدون. ما قاله الأمير ابن الأحمر فى تقدير ابن الخطيب. تهنئته السلطان. عوده إلى الأندلس وإلى تولى الوزارة. وصفه لجهوده يومئذ. ما ينسب إليه من طغيان. فقده لحظوته وجوازه إلى المغرب. كيد خصومه له. اتهامه بالزندقة. تطور الحوادث فى المغرب. تفاهم بلاط غرناطة مع سلطان المغرب على الإيقاع به. الوزير ابن زمرك يلاحقه فى فاس. اتهامه ومصرعه. مؤلفاته وآثاره. أثره فى تطور الحركة الأدبية. ابن زمرك تلميذ ابن الخطيب. نشأته وحياته. مكانته الأدبية. نماذج من شعره وموشحاته. الموازنة بينه وبين ابن الخطيب. بقية الشعراء والأدباء فى تلك الفترة. الفقهاء. المؤرخون.
شهدت الحركة الفكرية الأندلسية فى مملكة غرناطة، مرحلة النضج فى أواسط القرن الثامن الهجرى وأواخره، وشهدت فى النصف الأخير من هذا القرن، ذروة قوتها وازدهارها. ولا غرو فهذه الفترة هى التى سطع فيها ابن الخطيب، أعظم مفكرى الأندلس، وأعظم كتابها وشعرائها فى ذلك العصر. وامتازت هذه الفترة، بروعة إنتاجها الأدبى فى النثر والنظم، وربما كان للأحداث والفتن الداخلية الخطيرة التى جازتها الأندلس يومئذ، أكبر أثر فى تغذية هذه الحركة الممتازة، وإمدادها بمختلف الإنفعالات القوية، التى طبعت إنتاجها.
وقد بدأت هذه الحركة فى عصر السلطان أبى الحجاج يوسف بن اسماعيل، أعظم سلاطين بنى نصر (٧٣٣ - ٧٥٥ هـ) وأشدهم حماسة فى تعضيد الآداب والفنون، واستمرت من بعده طوال القرن الثامن الهجرى، وحفلت بعدد كبير من الأدباء والشعراء الممتازين. وقد استعرضنا الكثير منهم فيما تقدم حتى منتصف القرن الثامن، وسنمضى هنا فى استعراض بقية هذا الثبت الحافل حتى أواخر
هذا القرن.
كان من أكابر الشعراء فى بداية هذه الفترة، ابن سلبطور شاعر ألمرية، وهو أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن سلبطور الهاشمى، والظاهر أنه قد يرجع إلى أصل من أصول المولدين الإسبان، كما يدلى بذلك اسمه سلبطور Salvador؛
стр. 2942
وقد نشأ بألمرية، وبرع فى الأدب، وتدرب منذ فتوته على ركوب البحر وقيادة السفن، وناب فى قيادة الأسطول عن خاله القائد أبى على الرنداحى أحد أبناء أسرة الرنداحى، التى اشتهرت عصراً بقيادتها للأساطيل الأندلسية وأساطيل سبتة. واشتهر ابن سلبطور برائق نظمه. وفى أواخر حياته انحرف عن جادة الصواب، وانكب على ملاذه وشهواته، وأضاع كل ثروته، حتى ساءت حالته، وانحدر إلى هاوية الفقر والبؤس، فعبر البحر إلى العدوة، وتوفى بمراكش سنة ٧٥٥ هـ (١٣٥٤ م). ومن شعره يمتدح السلطان حين حل بألمرية:
أثغرك أم سمط من الدر ينظم ... وريقك أم مسك من الراح تختم
ووجهك أم باد من الصبح نير ... وفرعك أم داج من الليل مظلم
أعلل منك الوجد والليل ملتقى ... وهل ينفع التعليل والخطب مؤلم
وأقنع من طيف الخيال بزورة ... لو أن جفونى بالمنام تنعم (١).
ومنهم أبو عبد الله محمد بن جُزى، الكاتب الشاعر، ولد بغرناطة سنة ٧٢١ هـ، وانتظم منذ فتوته بين كتاب السلطان أبى الحجاج يوسف، وحظى لديه ومدحه بطائفة من القصائد الرنانة، ثم غضب عليه ونكبه، فغادر الأندلس إلى العدوة، ودخل فى خدمة السلطان أبى عنان المرينى ومدحه؛ وكان بارعاً فى النثر والنظم؛ ذكره ابن الأحمر فى "نثير الجمان" وأشاد بمقدرته، ووصفه بأنه أعظم شاعر فى عصره. وكانت وفاته بمراكش سنة ٧٥٧ هـ (١٣٥٦ م) (٢). وهو الذى أنشأ رحلة ابن بطوطة من مذكرات صاحبها حسبما ينوه بذلك فى خاتمة الكتاب (٣).
ومنهم قاضى الجماعة، أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسينى، ولد سنة ٦٩٧ هـ، وتوفى بغرناطة سنة ٧٦٠ هـ (١٣٥٨ م)، ولى رياسة القضاء، وكان فوق تضلعه فى الحديث والفقه، شاعراً مجيداً، وكتب فى العروض والأدب، وجمع شعره فى ديوان أسماه "جهد المقل" (٤).
ومنهم أبو جعفر أحمد بن على بن محمد بن خاتمة الأنصارى، ولد بألمرية
стр. 2943
سنة ٧٢٤ هـ. وتوفى سنة ٧٧٠ هـ (١٣٦٩ م). وكان أديباً كبيراً وشاعراً مبرزاً. وقد خصه ابن الخطيب فى الإحاطة بترجمة قوية (١)، ووصفه بأنه "صدر يشار إليه، متفنن، مشارك، قوى الإدراك، سديد النظر، قوى الذهن، جيد القريحة". ووصفه فى كتابه "التاج المحلى" بقوله: "ناظم درر الألفاظ، ومقلد جواهر الكلام، نحور الرواة ولبات الحفاظ".
وكتب ابن خاتمة عن مسقط رأسه ألمرية، كتاباً أسماه "مزية ألمرية على غيرها من البلاد الأندلسية"، وكتب عن الوباء الكبير الذى عصف بالأندلس سنة ٧٤٩ هـ (١٣٤٨ م) رسالة عنوانها، " تحصيل غرض القاصد فى تفصيل المرض الوافد " يصف فيها عصف الوباء وسيره بمدينة ألمرية (٢). وله ديوان شعر محفوظ بمكتبة الإسكوريال. ومن شعره قوله من قصيدة طويلة:
من لم يشاهد موقفاً لفراق ... لم يدر كيف توله العشاق
إن كنت لم تره فسائل من رأى ... يخبرك عن ولهى وعن أشواقى
من حر أنفاس وخفق جوانح ... وصدوع أكباد وفيض مآق
دهى الفؤاد فلا اللسان بناطق ... عند الوداع ولا بلفظ فراق
وقوله من قصيدة أخرى:
لولا حياتى من عيون النرجس ... للثمت خد الورد بين السندس
ورشفت من ثغر الأقاحة ريقها ... وضممت أعطاف الغصون الميس
شتان بين مظاهر ومخاتل ... وعف الحجا ومطهر ومدنس
ومجمجم بالعذل باكرنى به ... والطير أفصح مسعد بتأنس (٣).
وقوله:
هو الدهر لا يبقى على عائذ به ... فمن شاء عيشاً يصطبر لنوائبه
فمن لم يصب فى نفسه فمصابه ... بفوت أمانيه وفقد حبائبه
وكتب ابن خاتمة إلى صديقه ابن الخطيب، حينما أزمع الرحلة عن الأندلس، رسالة مؤثرة يخاطبه فيها بقوله: "إنكم بهذه الجزيرة شمس أفقها، وتاج مفرقها،
стр. 2944
وواسطة سلكها، وطراز ملكها، وقلادة نحرها، وفريدة دهرها، وعقد جيدها المنصوص، وتمام زينتها على المعلوم والمخصوص؛ ثم أنتم مدار أفلاكها، وسر سياسة أملاكها، وترجمان بيانها، ولسان إحسانها، وطبيب مارستانها، والذى عليه عقد إدارتها، وبه قوام إمارتها". وقد رد عليه ابن الخطيب برسالة مؤثرة كذلك تفيض بلاغة وبياناً (١).
- ٢ -
نعرض بعد ذلك، إلى ألمع فترة فى الحركة الفكرية، فى ظل مملكة غرناطة، وهى الحركة التى كان قطبها ومحورها، أعظم مفكرى الأندلس، وأعظم شعرائها وكتابها، فى القرن الثامن الهجرى، ونعنى لسان الدين بن الخطيب.
وقد أشرنا فيما تقدم إلى نشأة ابن الخطيب، واستعرضنا طرفاً من حياته السياسية، ونريد هنا أن نبسط القول فى حياته الفكرية والأدبية.
وهو لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن الخطيب؛ ولد فى لوشة من أعمال غرناطة، فى بيت من أكرم بيوت الأندلس فى شهر رجب سنة ٧١٣ هـ (١٣١٣ م)، ثم انتقل بيتهم من لوشة إلى غرناطة. وخدم أبوه عبد الله فى القصر والخاص فى عهد السلطان يوسف أبى الحجاج. وتلقى ابن الخطيب دراسة حسنة. ودرس الطب والفلسفة والشريعة والأدب، وبرز فى النثر والنظم منذ حداثته، ولما توفى أبوه فى سنة ٧٤١ هـ قتيلا فى موقعة طريف حل مكانه فى خدمة القصر، وهو فتى فى عنفوانه، وتولى أمانة السر للوزير أبى الحسن بن الجياب، وزير السلطان يوسف. ولما توفى ابن الجياب فى الوباء الكبير سنة ٧٤٩ هـ، خلفه فى الوزارة والكتابة، إلى جانب كبير الوزراء الحاجب أبى النعيم رضوان، وندبه السلطان لبعض السفارات والمهام السياسية. ولما توفى السلطان أبو الحجاج يوسف (٧٥٥ هـ)، وخلفه ولده محمد الغنى بالله، استمر الحاجب رضوان فى الاضطلاع برياسة الوزارة، واستمر ابن الخطيب إلى جانبه فى منصبه، وندب للوصاية على الأمراء القصر، وأرسله السلطان لأول ولايته (أواخر سنة ٧٥٥ هـ) سفيراً إلى السلطان أبى عنان المرينى سلطان المغرب، على رأس وفد من وزراء
стр. 2945
الأندلس، يستنصره ويستغيث به على مقاومة طاغية قشتالة، وأنشد ابن الخطيب بين يدى السلطان قصيدة يقول فيها:
خليفة الله ساعد القدر ... علاك ما لاح فى الدجى قمر
ودافعت عنك كف قدرته ... كلا ليس يستطيع دفعه البشر
وجهك فى النائبات بدر دجى ... لنا وفى المحل كفك المطر
والناس طرا بأرض أندلس ... لولاك ما أوطنوا ولا عمروا
وجملة الأمر أنه وطن ... فى غير علياك ما له وطر
فاهتز السلطان لقصيدته، ووعدهم بإجابة ملتمسهم وتحقيق رغباتهم (١).
ثم وقعت الثورة فى غرناطة فى شهر رمضان سنة ٧٦٠ هـ (١٣٥٩ م)، وقتل الحاجب رضوان، وأقصى الغنى بالله عن الملك، وفر إلى وادى آش، وخلفه على العرش أخوه اسماعيل، وولى ابن الخطيب الوزارة للملك الجديد حيناً، ولكن سرعان ما غضب عليه، وأمر باعتقاله ومصادرة أمواله. ويصف لنا ابن الخطيب فى ترجمته لنفسه، فى نهاية كتاب الإحاطة، هذه المراحل الأولى من حياته فى قوله: "فقلدنى السلطان سره (يريد أبا الحجاج) ولما يستكمل الشباب، واستعملنى فى السفارة إلى الملوك، واستنابنى بدار ملكه، ورمى إلى بخاتمه وسيفه، وائتمننى على صون حضرته وبيت ماله، وسجوف حرمه. ومعقل امتناعه. ولما هلك السلطان، ضاعف ولده حظوتى، وأعلى مجلسى، وقصر المشورة على نصحى، إلى أن كانت الكائنة، فاقتدى فى أخوه المتغلب على الأمر، فسجل الاختصاص وعقد القلادة، ثم حمله أهل الشحناء من أعوان ثورته، على القبض علىّ، فكان ذلك".
وتدخل السلطان أبو سالم ملك المغرب، فى شأن السلطان المخلوع الغنى بالله، وكانت تربطه به مودة وصداقة، مذ كان أيام محنته يلوذ بحمايته بغرناطة، وأرسل إلى ملك غرناطة الجديد سفيراً يطلب إجازة الغنى بالله ووزيره المعتقل إلى المغرب، فأجابه السلطان اسماعيل إلى مطلبه، وجاز الغنى بالله وابن الخطيب إلى المغرب ووصلا إلى فاس فى أوائل شهر المحرم سنة ٧٦١ هـ، واستقبلهما السلطان أبو سالم بترحاب، واحتفل بقدومهما فى يوم مشهود، وأنشده ابن الخطيب يومئذ قصيدته المشهورة، التى يدعوه فيها لنصرة سلطانه وهذا مطلعها: