الفصل الثالث
عهد النضج والازدهار
تقدم الحركة الفكرية. ابن سلبطور الشاعر. أبو القاسم الحسينى. ابن خاتمة. ابن الخطيب. نشأته وحياته. سفارته إلى المغرب وقصيدته للسلطان. وصفه لحياته فى الوزارة. سقوطه وجوازه إلى المغرب. احتفاء السلطان به وإنشاده فى حضرته. ابن الخطيب وابن خلدون. ما قاله الأمير ابن الأحمر فى تقدير ابن الخطيب. تهنئته السلطان. عوده إلى الأندلس وإلى تولى الوزارة. وصفه لجهوده يومئذ. ما ينسب إليه من طغيان. فقده لحظوته وجوازه إلى المغرب. كيد خصومه له. اتهامه بالزندقة. تطور الحوادث فى المغرب. تفاهم بلاط غرناطة مع سلطان المغرب على الإيقاع به. الوزير ابن زمرك يلاحقه فى فاس. اتهامه ومصرعه. مؤلفاته وآثاره. أثره فى تطور الحركة الأدبية. ابن زمرك تلميذ ابن الخطيب. نشأته وحياته. مكانته الأدبية. نماذج من شعره وموشحاته. الموازنة بينه وبين ابن الخطيب. بقية الشعراء والأدباء فى تلك الفترة. الفقهاء. المؤرخون.
شهدت الحركة الفكرية الأندلسية فى مملكة غرناطة، مرحلة النضج فى أواسط القرن الثامن الهجرى وأواخره، وشهدت فى النصف الأخير من هذا القرن، ذروة قوتها وازدهارها. ولا غرو فهذه الفترة هى التى سطع فيها ابن الخطيب، أعظم مفكرى الأندلس، وأعظم كتابها وشعرائها فى ذلك العصر. وامتازت هذه الفترة، بروعة إنتاجها الأدبى فى النثر والنظم، وربما كان للأحداث والفتن الداخلية الخطيرة التى جازتها الأندلس يومئذ، أكبر أثر فى تغذية هذه الحركة الممتازة، وإمدادها بمختلف الإنفعالات القوية، التى طبعت إنتاجها.
وقد بدأت هذه الحركة فى عصر السلطان أبى الحجاج يوسف بن اسماعيل، أعظم سلاطين بنى نصر (٧٣٣ - ٧٥٥ هـ) وأشدهم حماسة فى تعضيد الآداب والفنون، واستمرت من بعده طوال القرن الثامن الهجرى، وحفلت بعدد كبير من الأدباء والشعراء الممتازين. وقد استعرضنا الكثير منهم فيما تقدم حتى منتصف القرن الثامن، وسنمضى هنا فى استعراض بقية هذا الثبت الحافل حتى أواخر
هذا القرن.
كان من أكابر الشعراء فى بداية هذه الفترة، ابن سلبطور شاعر ألمرية، وهو أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن سلبطور الهاشمى، والظاهر أنه قد يرجع إلى أصل من أصول المولدين الإسبان، كما يدلى بذلك اسمه سلبطور Salvador؛
стр. 2942
وقد نشأ بألمرية، وبرع فى الأدب، وتدرب منذ فتوته على ركوب البحر وقيادة السفن، وناب فى قيادة الأسطول عن خاله القائد أبى على الرنداحى أحد أبناء أسرة الرنداحى، التى اشتهرت عصراً بقيادتها للأساطيل الأندلسية وأساطيل سبتة. واشتهر ابن سلبطور برائق نظمه. وفى أواخر حياته انحرف عن جادة الصواب، وانكب على ملاذه وشهواته، وأضاع كل ثروته، حتى ساءت حالته، وانحدر إلى هاوية الفقر والبؤس، فعبر البحر إلى العدوة، وتوفى بمراكش سنة ٧٥٥ هـ (١٣٥٤ م). ومن شعره يمتدح السلطان حين حل بألمرية:
أثغرك أم سمط من الدر ينظم ... وريقك أم مسك من الراح تختم
ووجهك أم باد من الصبح نير ... وفرعك أم داج من الليل مظلم
أعلل منك الوجد والليل ملتقى ... وهل ينفع التعليل والخطب مؤلم
وأقنع من طيف الخيال بزورة ... لو أن جفونى بالمنام تنعم (١).
ومنهم أبو عبد الله محمد بن جُزى، الكاتب الشاعر، ولد بغرناطة سنة ٧٢١ هـ، وانتظم منذ فتوته بين كتاب السلطان أبى الحجاج يوسف، وحظى لديه ومدحه بطائفة من القصائد الرنانة، ثم غضب عليه ونكبه، فغادر الأندلس إلى العدوة، ودخل فى خدمة السلطان أبى عنان المرينى ومدحه؛ وكان بارعاً فى النثر والنظم؛ ذكره ابن الأحمر فى "نثير الجمان" وأشاد بمقدرته، ووصفه بأنه أعظم شاعر فى عصره. وكانت وفاته بمراكش سنة ٧٥٧ هـ (١٣٥٦ م) (٢). وهو الذى أنشأ رحلة ابن بطوطة من مذكرات صاحبها حسبما ينوه بذلك فى خاتمة الكتاب (٣).
ومنهم قاضى الجماعة، أبو القاسم محمد بن أحمد الشريف الحسينى، ولد سنة ٦٩٧ هـ، وتوفى بغرناطة سنة ٧٦٠ هـ (١٣٥٨ م)، ولى رياسة القضاء، وكان فوق تضلعه فى الحديث والفقه، شاعراً مجيداً، وكتب فى العروض والأدب، وجمع شعره فى ديوان أسماه "جهد المقل" (٤).
ومنهم أبو جعفر أحمد بن على بن محمد بن خاتمة الأنصارى، ولد بألمرية
стр. 2943
سنة ٧٢٤ هـ. وتوفى سنة ٧٧٠ هـ (١٣٦٩ م). وكان أديباً كبيراً وشاعراً مبرزاً. وقد خصه ابن الخطيب فى الإحاطة بترجمة قوية (١)، ووصفه بأنه "صدر يشار إليه، متفنن، مشارك، قوى الإدراك، سديد النظر، قوى الذهن، جيد القريحة". ووصفه فى كتابه "التاج المحلى" بقوله: "ناظم درر الألفاظ، ومقلد جواهر الكلام، نحور الرواة ولبات الحفاظ".
وكتب ابن خاتمة عن مسقط رأسه ألمرية، كتاباً أسماه "مزية ألمرية على غيرها من البلاد الأندلسية"، وكتب عن الوباء الكبير الذى عصف بالأندلس سنة ٧٤٩ هـ (١٣٤٨ م) رسالة عنوانها، " تحصيل غرض القاصد فى تفصيل المرض الوافد " يصف فيها عصف الوباء وسيره بمدينة ألمرية (٢). وله ديوان شعر محفوظ بمكتبة الإسكوريال. ومن شعره قوله من قصيدة طويلة:
من لم يشاهد موقفاً لفراق ... لم يدر كيف توله العشاق
إن كنت لم تره فسائل من رأى ... يخبرك عن ولهى وعن أشواقى
من حر أنفاس وخفق جوانح ... وصدوع أكباد وفيض مآق
دهى الفؤاد فلا اللسان بناطق ... عند الوداع ولا بلفظ فراق
وقوله من قصيدة أخرى:
لولا حياتى من عيون النرجس ... للثمت خد الورد بين السندس
ورشفت من ثغر الأقاحة ريقها ... وضممت أعطاف الغصون الميس
شتان بين مظاهر ومخاتل ... وعف الحجا ومطهر ومدنس
ومجمجم بالعذل باكرنى به ... والطير أفصح مسعد بتأنس (٣).
وقوله:
هو الدهر لا يبقى على عائذ به ... فمن شاء عيشاً يصطبر لنوائبه
فمن لم يصب فى نفسه فمصابه ... بفوت أمانيه وفقد حبائبه
وكتب ابن خاتمة إلى صديقه ابن الخطيب، حينما أزمع الرحلة عن الأندلس، رسالة مؤثرة يخاطبه فيها بقوله: "إنكم بهذه الجزيرة شمس أفقها، وتاج مفرقها،
стр. 2944
وواسطة سلكها، وطراز ملكها، وقلادة نحرها، وفريدة دهرها، وعقد جيدها المنصوص، وتمام زينتها على المعلوم والمخصوص؛ ثم أنتم مدار أفلاكها، وسر سياسة أملاكها، وترجمان بيانها، ولسان إحسانها، وطبيب مارستانها، والذى عليه عقد إدارتها، وبه قوام إمارتها". وقد رد عليه ابن الخطيب برسالة مؤثرة كذلك تفيض بلاغة وبياناً (١).
- ٢ -
نعرض بعد ذلك، إلى ألمع فترة فى الحركة الفكرية، فى ظل مملكة غرناطة، وهى الحركة التى كان قطبها ومحورها، أعظم مفكرى الأندلس، وأعظم شعرائها وكتابها، فى القرن الثامن الهجرى، ونعنى لسان الدين بن الخطيب.
وقد أشرنا فيما تقدم إلى نشأة ابن الخطيب، واستعرضنا طرفاً من حياته السياسية، ونريد هنا أن نبسط القول فى حياته الفكرية والأدبية.
وهو لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن الخطيب؛ ولد فى لوشة من أعمال غرناطة، فى بيت من أكرم بيوت الأندلس فى شهر رجب سنة ٧١٣ هـ (١٣١٣ م)، ثم انتقل بيتهم من لوشة إلى غرناطة. وخدم أبوه عبد الله فى القصر والخاص فى عهد السلطان يوسف أبى الحجاج. وتلقى ابن الخطيب دراسة حسنة. ودرس الطب والفلسفة والشريعة والأدب، وبرز فى النثر والنظم منذ حداثته، ولما توفى أبوه فى سنة ٧٤١ هـ قتيلا فى موقعة طريف حل مكانه فى خدمة القصر، وهو فتى فى عنفوانه، وتولى أمانة السر للوزير أبى الحسن بن الجياب، وزير السلطان يوسف. ولما توفى ابن الجياب فى الوباء الكبير سنة ٧٤٩ هـ، خلفه فى الوزارة والكتابة، إلى جانب كبير الوزراء الحاجب أبى النعيم رضوان، وندبه السلطان لبعض السفارات والمهام السياسية. ولما توفى السلطان أبو الحجاج يوسف (٧٥٥ هـ)، وخلفه ولده محمد الغنى بالله، استمر الحاجب رضوان فى الاضطلاع برياسة الوزارة، واستمر ابن الخطيب إلى جانبه فى منصبه، وندب للوصاية على الأمراء القصر، وأرسله السلطان لأول ولايته (أواخر سنة ٧٥٥ هـ) سفيراً إلى السلطان أبى عنان المرينى سلطان المغرب، على رأس وفد من وزراء
стр. 2945
الأندلس، يستنصره ويستغيث به على مقاومة طاغية قشتالة، وأنشد ابن الخطيب بين يدى السلطان قصيدة يقول فيها:
خليفة الله ساعد القدر ... علاك ما لاح فى الدجى قمر
ودافعت عنك كف قدرته ... كلا ليس يستطيع دفعه البشر
وجهك فى النائبات بدر دجى ... لنا وفى المحل كفك المطر
والناس طرا بأرض أندلس ... لولاك ما أوطنوا ولا عمروا
وجملة الأمر أنه وطن ... فى غير علياك ما له وطر
فاهتز السلطان لقصيدته، ووعدهم بإجابة ملتمسهم وتحقيق رغباتهم (١).
ثم وقعت الثورة فى غرناطة فى شهر رمضان سنة ٧٦٠ هـ (١٣٥٩ م)، وقتل الحاجب رضوان، وأقصى الغنى بالله عن الملك، وفر إلى وادى آش، وخلفه على العرش أخوه اسماعيل، وولى ابن الخطيب الوزارة للملك الجديد حيناً، ولكن سرعان ما غضب عليه، وأمر باعتقاله ومصادرة أمواله. ويصف لنا ابن الخطيب فى ترجمته لنفسه، فى نهاية كتاب الإحاطة، هذه المراحل الأولى من حياته فى قوله: "فقلدنى السلطان سره (يريد أبا الحجاج) ولما يستكمل الشباب، واستعملنى فى السفارة إلى الملوك، واستنابنى بدار ملكه، ورمى إلى بخاتمه وسيفه، وائتمننى على صون حضرته وبيت ماله، وسجوف حرمه. ومعقل امتناعه. ولما هلك السلطان، ضاعف ولده حظوتى، وأعلى مجلسى، وقصر المشورة على نصحى، إلى أن كانت الكائنة، فاقتدى فى أخوه المتغلب على الأمر، فسجل الاختصاص وعقد القلادة، ثم حمله أهل الشحناء من أعوان ثورته، على القبض علىّ، فكان ذلك".
وتدخل السلطان أبو سالم ملك المغرب، فى شأن السلطان المخلوع الغنى بالله، وكانت تربطه به مودة وصداقة، مذ كان أيام محنته يلوذ بحمايته بغرناطة، وأرسل إلى ملك غرناطة الجديد سفيراً يطلب إجازة الغنى بالله ووزيره المعتقل إلى المغرب، فأجابه السلطان اسماعيل إلى مطلبه، وجاز الغنى بالله وابن الخطيب إلى المغرب ووصلا إلى فاس فى أوائل شهر المحرم سنة ٧٦١ هـ، واستقبلهما السلطان أبو سالم بترحاب، واحتفل بقدومهما فى يوم مشهود، وأنشده ابن الخطيب يومئذ قصيدته المشهورة، التى يدعوه فيها لنصرة سلطانه وهذا مطلعها:
стр. 2946
سَلا هل لديها من مخبرة ذكر ... وهل أعشب الوادى ونم به الزهر
وهل باكر الوسمىُّ داراً على اللوى ... عفت آيها إلا التوهم والذكر
بلادى التى عاطيت مشمولة الهوى ... بأكنافها والعيش فينان مخضر
وجوّى الذى ربى جناحى وكره ... فها أنا ذا ما لى جناح ولا وكر
ومنها:
قصدناك يا خير الملوك على النوى ... لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر
كففنا بك الأيام عن غلوائها ... وقد رابنا منها التعسف والكبر
وعُذنا بذاك المجد فانصرم الردى ... ولذنا بذاك العزم فانهزم الشر
ولما أتينا البحر يرهب موجه ... ذكرنا نداك الغمر فاحتقر البحر
ومنها:
وأنت الذى تدعى إذا دهم الردى ... وأنت الذى ترجى إذا أخلف القطر
ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا ... بيالمرين جاءه العز والنصر
وخذ يا إمام الحق بالحق ثأره ... ففى ضمن ما تأتى به العز والأجر (١).
وكان لإنشاد ابن الخطيب فى السامعين أعظم وقع. ويقول لنا ابن خلدون، وقد كان من شهود ذلك الحفل، إن ابن الخطيب أبكى سامعيه تأثراً وأسى. وكان هذا أول لقاء بين هذين المفكرين العظيمين، اللذين تجمع بينهما مشابهات عدة. فقد كان كلاهما أستاذ عصره فى التفكير والكتابة، وقد خاض كلاهما نفس الحياة السياسية المضطربة، وأخذ بقسط بارز فى حوادث عصره، وفى توجيه شئونه؛ وكان ابن خلدون يشغل فى دول المغرب، نفس المركز الذى يشغله ابن الخطيب بالأندلس، وقد استأثر فى المغرب بزعامة التفكير والكتابة، التى يستأثر بها ابن الخطيب فى الأندلس. وتوثقت بين المفكرين العظيمين مدى حين، أواصر المودة والصداقة، ثم فرقت بينهما عوامل الغيرة والتنافس، حينما عبر ابن خلدون بعد ذلك إلى الأندلس، واتصل بسلطانها الغنى بالله. وكان كل منهما يقدر صاحبه ويُجل مواهبه، وقد ترجم كلاهما صاحبه بما ينم عن هذا التقدير والإجلال، فيقول لنا ابن خلدون مثلا فى ترجمته لابن الخطيب إنه "بلغ فى الشعر والترسل حيث لا يجارى فيهما، وملأ الدولة بمدايحه، وانتشرت فى الآفاق قدماه". ثم ينوه بعد ذلك
стр. 2947
بروعة رسائله السلطانية، وبراعته فى الإدارة والحكم (١).
ويصف لنا الأمير أبو الوليد اسماعيل بن الأحمر، معاصر ابن الخطيب، خلاله ومواهبه "فى كتابه نثير الجمان" فى تلك العبارات الرنانة:
"هو شاعر الدنيا، وعلم الفرد والثنيا، وكاتب الأرض إلى يوم العرض، لا يدافع مدحه فى الكتب، ولا يمنح فيه إلى العتب، آخر من تقدم فى الماضى، وهو نفيس العدوتين، ورئيس الدولتين، بالاطلاع على العلوم العقلية، والإمتاع بالفهوم النقلية " ثم يشير بعد ذلك إلى قسوته فى الهجاء، وإلى كونه قد هجا ابن عمه سلطان الأندلس بما لا يليق ويجمل (٢).
وتجول ابن الخطيب حيناً بالمغرب، واستقر بسلا، وتوالت مدائحه للسلطان أبى سالم، ومنها قصيدة طويلة يهنىء فيها السلطان بفتح تلمسان (٧٦١ هـ) هذا مطلعها:
أطاع لسانى فى مديحك إحسانى ... وقد لهجت نفسى بفتح تلمسان
فأطلعتها تفتر عن شنب المنى ... وتسفر عن وجه من السعد حيانى
كما ابتسم النوار عن أدمع الحيا ... وجف بخد الورد عارض نيسان
كما صفقت ريح الشمال شمولها ... فبان ارتياح السكر فى غصن البان (٣)
وبعث إلى السلطان فى الوقت نفسه من سلا، برسالة بليغة يهنئه فيها بذلك الفتح الكبير (٤).
أنفق ابن الخطيب ومليكه فى المنفى زهاء عامين ونصف، حتى مهدت حوادث الأندلس لسقوط المغتصب، واستطاع الغنى بالله بمعاونة الوزير عمر المتغلب على المغرب، أن يسترد ملكه، وذلك فى جمادى الآخرة سنة ٧٦٣ هـ (١٣٦١ م)، ورد السلطان وزيره ابن الخطيب إلى سابق مكانته فى الوزارة، ولكنه لم ينعم تلك المرة بسابق حظوته ونفوذه، إذ كان ينافسه فى السلطة شيخ الغزاة عثمان بن يحيى، الذى قربه السلطان وأولاده عطفه، لما قام به
стр. 2948
من معاونته فى استرداد ملكه. ونشبت بين الرجلين منافسة شديدة، وما زال ابن الخطيب يحرض السلطان ويحذره من نفوذ عثمان وآله، ويذكره بسابق غدرهم، حتى استجاب السلطان إلى تحريضه ونكبهم (رمضان سنة ٧٦٤ هـ)، وبذا خلا له الجو، وتبوأ ذروة النفوذ والسلطان.
ويصف لنا ابن الخطيب، جهوده وعمله فى الوزارة يومئذ فى قوله: "ثم صرفت الفكر إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة، بكر الحسنات بهذه الخطة، بل بالجزيرة فيما سلف من المدة، فتأتى بمنة الله تعالى من صلاح السلطان، وعفاف الحاشية، والأمن، وروم الثغور، وتثمير الجباية، وإنصاف الحماة والمقاتلة، ومقارعة الملوك المجاورة، فى إيثار المصلحة الدينية، والصدع فوق المنابر، ضماناً من السلطان، بترياق سم الثورة، وإصلاح بواطن الخاصة والعامة ... " (١).
غير أن معظم الروايات تدل من جهة أخرى، على أن ابن الخطيب جنح عندئذ إلى الاستبداد وسوء المسلك والسيرة. وإليك كيف يصف صديقه ومعاصره ابن خلدون هذه الرحلة من حياته:
"وغلب على هوى السلطان، ودفع إليه تدبير الدولة، وخلط بنيه بندمائه وأهل حكومته، وانفرد ابن الخطيب بالحل والعقد، وانصرفت إليه الوجوه، وعلقت به الآمال، وغشى بابه الخاصة والكافة، وغصت به بطانة السلطان وحاشيته، فتفننوا فى السعاية فيه" (٢).
وأنفق ابن الخطيب بضعة أعوام أخرى فى الوزارة وهو يستأثر بكل سلطة ويتصرف تصرف الحاكم المطلق، ويثير حوله ضراماً من البغضاء والحسد. وكان السلطان يعرض فى البداية عن الإصغاء لأعدائه والوشاة به، ولكنه بدأ فى النهاية يتأثر بسعايتهم. وشعر ابن الخطيب أنه قد بدأ يتغير عليه، وخشى العاقبة، فعول على مغادرة الأندلس، واستأذن السلطان فى تفقد الثغور الغربية، وسار إليها فى نفر من خاصته ومعه ولده على، وما كاد يصل إلى جبل الفتح (جبل طارق)، حتى عبر البحر إلى سبتة (٧٧٢ هـ)، وذلك بتفاهم سابق بينه وبين السلطان عبد العزيز المرينى، ملك المغرب، وكان يقيم يومئذ فى تلمسان عقب افتتاحه لها، فقصد إليها ابن الخطيب، واستقبله السلطان بحفاوة، وأنزله أكرم منزل، وبعث سفيراً إلى الأندلس ليسعى فى استقدام أسرة الوزير المنفى، فأتى بها معززة مكرمة،
стр. 2949
وتبوأ ابن الخطيب فى بلاط ملك المغرب أسمى مكانة. وغص خصوم ابن الخطيب بغرناطة، بنجاته على هذا النحو، فعولوا على ملاحقته وسحق هيبته، فاتهموه بالزندقة والخروج على شريعة الإسلام، والطعن فى النبى، والقول بالحلول، وسلوك مذهب الفلاسفة الملحدين، واستندوا فى ذلك إلى بعض أقوال وردت فى رسائله ومقالاته أوّلوها وفق مقاصدهم. وكان تلميذه وخلفه فى الوزارة أبو عبد الله بن زمرك، أكبر مروج لهذه الدعاية، وتولى صوغ الإتهام القاضى أبو الحسن على بن عبد الله النباهى عدو ابن الخطيب الألد، وأفتى بوجوب حرق كتبه التى تتناول العقائد والأخلاق، فأحرقت فى غرناطة بمحضر من الفقهاء والمدرسين والعلماء "لما تضمنته من المقالات التى أوجبت ذلك عندهم وحققته لديهم" (سنة ٧٧٣ هـ) (١). ووجه أبو الحسن إلى ابن الخطيب بالمغرب رسالة شديدة، ينوه فيها بما ارتكبه من الطعن فى حق النبى، ويقول: "فإنه نقل عنكم فى هذا الباب أشياء منكرة، يكبر فى النفوس التكلم بها، أنتم تعلمونها وهى التى زرعت فى القلوب ما زرعت من بغضكم وإيثار بعدكم، مع استشعار الشفقة والوجل، من وجه آخر عليكم، ولولا أنكم سافرتم قبل تقلص السلطة عنكم، لكانت الأمة المسلمة امتعاضاً لدينها ودنياها، قد برزت بهذه الجهات لطلب الحق منكم". ثم يعدد مثالبه فى الحكم قائلا: "فليس يعلم أنه صدر عن مثلكم من خدام الدول، ما صدر من العبث، فى الإبشار والأموال، وهتك الأعراض وإفشاء الأسرار، وكشف الأستار، واستعمال المكر والحيل والغدر، فى غالب الأحوال، للشريف والمشروف والخادم والمخدوم" (٢). وسجل القاضى أبو الحسن تهمة الزندقة على ابن الخطيب، وصادق السلطان على حكمه، وأرسل القاضى رسله إلى السلطان عبد العزيز، يطالب بتنفيذ حكم الشرع فى الوزير الملحد وهو الإعدام، فأنف السلطان لطلبه وعنف رسل الأندلس، وقال لهم: "هلا أنفذتم فيه حكم الشرع وهو عندكم، وأنتم عالمون بما كان عليه" وردهم خائبيين، وزاد فى إكرام ابن الخطيب ورعايته (٣).
стр. 2950
ولما توفى السلطان عبد العزيز بعد ذلك بقليل (٧٧٤ هـ)، وخلفه ولده السعيد طفلا على العرش، غادر بلاطُ المغرب تلمسان، وسار ابن الخطيب برفقة الوزير أبى بكر بن غازى القائم بالدولة، ونزل بفاس، واقتنى الضياع والدور، واستمر على مكانته فى الدولة. ولكن حوادث المغرب ما لبثت أن تمخضت عن انقلاب جديد. ذلك أن الثورة نشبت فى شمال المغرب، على يد بعض الزعماء من بنى مرين. وعضدت حكومة الأندلس هذه الحركة وأمدتها بالعون، ونادى الثوار بولاية الأمير أحمد بن السلطان أبى سالم. وحاول الوزير ابن غازى مقاومة الثوار فلم يفلح، واقتحم الخوارج فاس فأذعن الوزير، وخلع الملك الطفل السعيد، وجلس السلطان أحمد على العرش وذلك فى أوائل سنة ٧٧٦ هـ (١٣٧٤ م).
وكان ابن الخطيب قد لجأ فى أثناء ذلك إلى البلد الجديد (ضاحية فاس)، وكان التفاهم قد تم بين السلطان ابن الأحمر (الغنى بالله) وزعماء الفتنة، بشأن ابن الخطيب ومصيره؛ فلما وقع الانقلاب بادر السلطان الجديد بالقبض على ابن الخطيب واعتقاله، تنفيذاً للعهد الذى قطعه لابن الأحمر، ولم يدخر وزيره سليمان بن داود، وقد كان من ألد خصوم ابن الخطيب، جهداً فى تشديد النكير عليه وتدبير مصرعه. وكان ابن الأحمر يتوق إلى الانتقام من وزيره السابق، لما نمى إليه من أنه كان يحرض السلطان عبد العزيز على غزو الأندلس. وبعث ابن الأحمر وزيره أبا عبد الله بن زمرك إلى فاس ليعمل على تحقيق هذه الغاية، وعقد السلطان أحمد مجلساً من رجال الدولة وأهل الشورى، استدعى إليه ابن الخطيب لمناقشته، ومواجهته بالتهم المنسوبة إليه، وأخصها تهمة الزندقة، استناداً إلى ما ورد فى بعض رسائله، وعزر ابن الخطيب وعذب أمام الملأ، وأفتى بعض الفقهاء المتعصبين بوجوب قتله، ودس عليه الوزير سليمان بعض الأوغاد فقتلوه خنقاً فى سجنه، وأخذت جثته فى الغد وأضرمت فيها النار، ثم دفنت خارج فاس على مقربة من باب المحروق؛ وما زال قبره المتواضع قائماً هنالك فى مكانه حتى يومنا (١).
وهكذا ذهب الكاتب والمفكر الكبير، ضحية الجهالة والتعصب والأحقاد
стр. 2951
السياسية الوضيعة؛ وقد نقل إلينا صديقه ابن خلدون عنه أبياتاً من الشعر، كان يرددها وهو فى سجنه، ويرثى بها نفسه توقعاً لمصيره المحزن:
بعدنا وإن جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ ونحن صُموت
وأنفاسنا سكنت دفعة ... كجهر الصلاة تلاه القنوت
وكنا عظاماً فصرنا عظاما ... وكنا نقوت فها نحن قوت
وكنا شموس سماء العلا ... غربن فناحت عليها البيوت
فقل للعدا ذهب ابن الخطيب وفات ومن ذا الذى لا يفوت
فمن كان يفرح منكم له ... فقل يفرح اليوم من لا يموت (١).
...
ومن الصعب علينا أن نلم بمجهود ابن الخطيب الفكرى والأدبى فى هذا المقام الضيق. والحقيقة أن ابن الخطيب كان عبقرية متعددة الجوانب، فكان طبيباً وفيلسوفاً وشاعراً وكاتباً، وكان سياسياً ومؤرخاً، وقد ترك لنا تراثاً ضخماً منوعاً، من مؤلفات عديدة، أدبية وتاريخية وطبية، وطائفة كبيرة من غرر القصائد والموشحات، ورسائل أدبية وسياسية لا تحصى؛ ومن أشهر رسائله بنوع خاص رسائله السلطانية، التى كان يكتبها عن حوادث عصره برسم ملوك المغرب، وتلك التى كان يوجهها إلى أهل الأندلس من وقت إلى آخر، يحثهم فيها على الجهاد، والذود عن وطن يتربص به العدو، ويعتزم القضاء عليه، وهى رسائل تدلى بما كان لابن الخطيب من فكر ثاقب وبصيرة نافذة، هذا فضلا عما تمتاز به من روعة البيان والأسلوب.
ونستطيع أن نذكر من مؤلفات ابن الخطيب الكتب الآتية:
الإحاطة فى أخبار غرناطة وهو أشهر آثاره التاريخية والأدبية. التاج المحلى فى مساجلة القدح المعلى. ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب، وهو يضم طائفة من أشهر رسائله السلطانية. اللمحة البدرية فى الدولة النصرية. رقم الحلل فى نظم الدول، وهو تاريخ شعرى لدول الإسلام والأندلس. نفاضة الجراب وعلالة الاغتراب، وفيه يصف أحواله وأخباره أثناء إقامته منفياً بالمغرب. كناسة الدكان بعد انتقال السكان. معيار الاختيار فى ذكر المشاهد والديار. السحر والشعر، وهو من مختاراته الشعرية. ويوجد من هذه الآثار كلها نسخ مخطوطة بمكتبة دير الإسكوريال
стр. 2952
والكتيبة الكامنة فى أدباء المائة الثامنة. وأعمال الأعلام، وكلاهما يوجد بمكتبة أكاديمية التاريخ الملكية بمدريد.
ومن مؤلفاته الطبية: عمل من طب لمن حب، وهو كتاب فى وصف الأمراض والعلاج ألفه للسلطان أبى سالم المرينى (ومنه نسخة خطية بخزانة القرويين وأخرى بمكتبة مدريد الوطنية). والرجز فى عمل الترياق. رسالة تكوين الجنين.
الوصول لحفظ الصحة فى الفصول. مُقنعة السائل فى المرض الهائل، وفيه يصف أعراض الوباء الكبير فى سنة ٧٤٩ هـ (ومنه نسخة بمكتبة الإسكوريال).
ومن مؤلفاته السياسية: رسالة فى السياسة. كتاب الإشارة إلى أدب الوزارة، (وهما أيضاً بالإسكوريال) وقد نقلهما المقرى فى نفح الطيب (١).
وله ديوان شعر عنوانه: "الصيب والجهام، والماضى والكهام " توجد منه نسخة مخطوطة بخزانة جامع القرويين بفاس.
ولابن الخطيب تراث حافل من الرسائل الأدبية والسياسية التى وردت فى مختلف مؤلفاته، وقد نقل إلينا المقرى منها العدد الجم، ونقل إلينا ابن خلدون بعض ما كان يتبادله معه من رسائل خاصة (٢).
ويفرد المقرى فى كتابه نفح الطيب مجلدين كاملين (هما الثالث والرابع) لابن الخطيب وأخباره، وشعره ونثره، وشيوخه وتلاميذه؛ وقد نقل إلينا فيهما، من مختلف كتبه ورسائله، فصولا وشذوراً لا تحصى، كما نقل إلينا وصيته لأولاده، وهى من أبدع ما كتب (٣).
وكان ابن الخطيب من أئمة الموشحات الأندلسية، ومن أشهر نظمه الموشحة الذائعة الصيت التى مطلعها:
جادَك الغيث إذا الغيث هَمَى ... يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلماً ... فى الكرى أو خُلسة المختلس
стр. 2953
إذ يقود الدهر أشتات المُنى ... ينقل الخطو على ما يَرْسمُ
زُمراً بين فرادى وثُنا ... مثل ما يدعو الوفودَ الموسمُ
والحيا قد جَلَّل الروض سَنا ... فثغور الزهر منه تبسم (١).
- ٣ -
كان ابن الخطيب قطب الشعر والنثر فى عصره، وكان محور الحركة الفكرية الأندلسية كلها، فى أواسط القرن الثامن الهجرى، تجتمع إليه وتلتف حوله؛ وقد أتينا على ذكر بعض أكابر الشعراء من معاصريه، المتقدمين عنه، مثل ابن الجياب وابن سلبطور وابن خاتمة. وسنأتى هنا على ذكر أقطاب الشعر والأدب من معاصريه المتأخرين عنه. بيد أنه يجب أن نلاحظ أن عبقرية ابن الخطيب الأدبية، قد طبعت هذه المرحلة كلها، من تاريخ الحركة الفكرية الأندلسية، بطابعها القوى، وبعثت إليها كثيراً من أسباب القوة والروعة، حتى ليسوغ لنا أن نقول إن مدرسة ابن الخطيب الأدبية، امتدت منذ عصره إلى أواخر القرن الثامن، وأوائل القرن التاسع الهجرى.
بل يلوح لنا أن الأثر القوى الذى بثته هذه المدرسة الأدبية الباهرة، لم يقتصر على مملكة غرناطة، بل تعدى حدود الأندلس المسلمة إلى قواعد الأندلس الذاهبة، التى دخلت فى حوزة النصارى وتدجن أهلها، فبدا بها شعاع ضئيل من النبوغ الأدبى القديم، وظهر فيها بعض الشعراء الموهوبين، بالرغم من مضى أكثر من قرن على خضوعها لحكم اسبانيا النصرانية. فمثلا نجد بين كتاب بلنسية وشعرائها يومئذ، الفقيه أبا جعفر بن عبد الملك العذرى، ومما كتبه لابن الخطيب فى بعض الشئون:
إنى بمجدك لم أزل مستيقناً ... أن لا يهدم بالتغير ما بنى
إذ أنت أعظم ماجد يعزى له ... صنع وأكرم من عفا عمن جنى
وكتب له أيضاً:
إن كان دهر قد أساء وجارا ... فذمام مجدك لا يضيع جارا
فلأنت أعظم ملجأ ينجى إذا ... ما الدهر أنجد مُوعداً وأغارا (٢)
стр. 2954
وكان الوزير ابن زَمرك، تلميذ ابن الخطيب وخلفه فى الوزارة، أعظم شخصية تزعمت من بعده الحركة الأدبية بالأندلس. وهو محمد بن يوسف بن محمد الصريحى الشهير بأبى عبد الله بن زمرك، أصله من شرقى الأندلس، ونزحت أسرته إلى غرناطة. واستقرت بربض البيازين حى غرناطة الشمالى. وبه ولد أبو عبد الله سنة ٧٣٣ هـ (١٣٣٣ م) ودرس دراسة حسنة فى غرناطة وفاس، وخدم حيناً فى بلاط السلطان أبى سالم المرينى. ولما نفى السلطان الغنى بالله إلى المغرب، اتصل به ابن زمرك وانقطع إليه. ثم عاد حين استرد ملكه، فولاه كتابة السر وغمره بعطفه.
وظهر ابن زمرك يومئذ ببارع أدبه، وروعة نظمه ونثره؛ وينوه ابن الخطيب
فى الإحاطة بذكائه وخلاله، وتفوقه فى الدرس والأدب، ويصفه بالعبارات الآتية: "شعلة من شعل الذكاء، تكاد تحتدم جوانبه، كثير الرقة، فكه، غزل، مع حياء وحشمة ... ثاقب الذهن، أصيل الحفظ، ظاهر النبل، بعيد مدى الإدراك "ثم يصف شعره بأنه" مترام إلى هدف الإجادة، كلف بالمعانى البديعة، والألفاظ الصقيلة، غزير المادة".
وعمل ابن زَمرك فى كتابة السر فى كنف ابن الخطيب وتحت رعايته. ولكنه
كان ضالعاً مع خصومه، فلما انقضت العاصفة على ابن الخطيب وأصابته المحنة، كان ابن زمرك فى طليعة أعدائه الساعين إلى هلاكه. وقد خلفه فى الوزارة عقب فراره، وهو الذى تولى مهمة السعى لدى بلاط فاس فى محاكمته وإعدامه حسبما أسلفنا.
واستمر ابن زمرك على حظوته ونفوذه أعواماً طويلة، ولكنه كان لطغيانه وغطرسته وحدة لسانه، يثير حوله كثيراً من البغض والخصومة. وفى أواخر عهد الغنى بالله فقد حظوته ونفوذه، واعتقل ونفى خارج غرناطة، ولكنه عاد بعد وفاته إلى الحضرة. وفى بداية عهد السلطان محمد بن يوسف الثانى، أعيد إلى الوزارة، فأساء السيرة، واشتد عيثه وطغيانه، وكثر خصومه. وفى ذات ليلة من أواخر سنة ٧٩٧ هـ (١٣٩٥ م) دهمه فى منزله جماعة من المتآمرين، فقتلوه وولديه وخدمه شر قتلة. وينوه المقرى بما فى ذلك من عبر الدهر، إذ كان ابن زمرك هو الساعى إلى مقتل أستاذه ابن الخطيب، فكان أن دارت عليه الدائرة، وقتل مثله ولكن بصورة أقسى وأشنع (١).
стр. 2955
ولابن زَمرك شعر كثير جيد نقل إلينا المقرى منه قصائد وموشحات عديدة، فمن شعره قوله يمتدح سلطان الأندلس الغنى بالله فى سنة ٧٦٥ هـ:
لعل الصبا إن صافحت روض نعمان ... تؤدى أمان القلب عن ظبية البان
وماذا على الأرواح وهى طليقة ... لو احتملت أنفاسها حاجة العانى
وما حال من يستودع الريح سره ... وبطلبها وهى النوم بكتمان
وكالطيف أستقريه فى سنة الكرى ... وهل تنفع الأحلام غلة ظمآن
إمام أعاد الملك بعد ذهابه ... إعادة لا تأبى الحسام ولا وانى
فغادر أطلال الضلال دوارسا ... وجدد للإسلام أرفع بنيان
وشيدها والمجد يشهد دولة ... محافلها تزاهى بيمن وإيمان
ومن قوله من قصيدة طويلة يصف فيها دار الملك (الحمراء):
فكم فيه للأبصار من متنزه ... تجد به نفس الحليم الأمانيا
وتهوى النجوم الزهر لو ثبتت به ... ولم تك فى أفق السماء جواريا
به البهو قد حاز البهاء وقد غدا ... به القصر آفاق السماء مباهيا
وكم حلة قد جللت بحليها ... من الوشى تنسى السابرى اليمانيا
وكم من قسى فى ذرة ترفعت ... على عمد بالنور باتت حواليا
فتحسبها الأفلاك دارت قسيها ... تظل عمود الصبح إذ بات باديا
سوارى قد جاءت بكل غريبة ... فطارت بها الأمثال تجرى سواريا
بل المرمر المجلو قد شف نوره ... فيجلو من الظلماء ما كان داجيا
به البحر دفاع العباب تخاله ... إذا ما انبرى وفد النسيم مباريا
إذا ما جلت أيد الصبا متن صفحة ... أرتنا دروعاً أكسبتنا الأباديا
ومن قوله يشيد بأعمال الأميرين سعد ونصر، ولدى السلطان، فى ميدان الجهاد:
يا آل نصر أنتم سُرج الهدى ... فى كل خطب قد تجهم مظلم
الفاتحون لكل صعب مقفل ... والفارجون لكل خطب مبهم
والباسمون إذا الكماة عوابس ... والمقدمون على السواد الأعظم
أبناء أنصار النبى وحزبه ... وذوى السوابق والجوار الأعظم
ومن قوله فى الغزل:
стр. 2956
قيادى قد تملكه الغرام ... ووجدى لا يطاق ولا يرام
ودمعى دونه صوب الغوادى ... وشجوى فوق ما يشكو الحمام
إذا ما الوجد لم يبرح فؤادى ... على الدنيا وساكنها السلام
ولابن زمرك موشحات كثيرة رائعة، ومنها موشحته الشهيرة فى الإشادة بغرناطة ومحاسنها إذ يقول:
نسيم غرناطة عليل ... لكنه يبرىء العليل
وروضها زهره بليل ... ورشفه ينقع الغليل
سقى بنجد ربا المصلى ... مباكراً روضه الغمام ... سقى بنجد ربا المصلى
تبسم الزهر فى الكمام ... والروض بالحسن قد تجلى ... وجرد النهر عن حسام
ودوحها ظله ظليل ... يحسن فى ربعه المقبل
والبرق والجو مستطيل ... يلعب بالصارم الصقيل
عقيلة تاجها السبيكة ... تطل بالمركب المنيف ... كأنها فوقه مليكة
كرسيها جنة العريف ... تطلع من عسجد سبيكة ... شموسها كلما تطيف
أبدعك الخالق الجميل ... يا منظراً كله جميل
قلبى إلى حسنه يميل ... وقلبنا قد صبا جميل (١).
ونكتفى بما تقدم فى الاقتباس من شعر الوزير ابن زمرك. ويلوح لنا أنه قد يتفوق فى شاعريته على أستاذه ابن الخطيب، وأن إنتاجه الشعرى ولاسيما فى الموشحات قد يتفوق على إنتاج أستاذه، على أنه لا ريب أنه يقصر عن مجاراة ابن الخطيب، فى كثير من نواحى التفكير والإنتاج الأخرى.
...
وظهر من أعلام تلك المدرسة الزاهرة، إلى جانب ابن الخطيب وابن زمرك، عدة آخرون من الشعراء والكتاب، منهم أبو سعيد فرج بن لب؛ ولد سنة ٧٠١ هـ وتوفى سنة ٧٨٢ هـ (١٣٨٠ م)، وكان من أشهر أساتذة المدرسة النصرية (جامعة غرناطة)، وقد ولى خطابة الجامع الأعظم حيناً، وكان فوق تضلعه فى الفقه شاعراً مجيداً، وقد ترك لنا مجموعة من الفتاوى المشهورة، وطائفة من الشعر الجيد، ومن نظمه قوله:
стр. 2957
خذوا للهوى من قلبى اليوم ما أبقى ... فما زال قلبى كله للهوى رقا
دعوا القلب فى لظى الوجد ناره ... فنار الهوى الكبرى وقلبى هو الأشقى
سلوا اليوم أهل الوجد ماذا به لقوا ... فكل الذى يلقون بعض الذى ألقى
فإن كان عبد يسأل العتق سيداً ... فلا تبغى من مالكى فى الهوى عتقا (١).
ومنهم القاضى أبو محمد بن عطية بن يحيى المحاربى كاتب الإنشاء، وكان بارعاً فى النظم والنثر وخطيباً مفوهاً، أصله من وادى آش وبها ولد سنة ٧٠٩ هـ، وتولى القضاء بها. ووفد على غرناطة سنة ٧٥٦ هـ ودرس على ابن الخطيب وغيره من أكابر الشيوخ، وتولى الكتابة السلطانية حيناً. ومن شعره قوله:
ألا أيها الليل البطىء الكواكب ... متى ينجلى صبح بليل المآرب
وحتى متى أرعى النجوم مراقباً ... فمن طالع منها على إثر غارب
أحدث نفسى أن أرى الركب سائراً ... وذنبى يقصينى بأقصى المغارب
فلا فزت من نيل الأمانى بطائل ... ولا قمت فى حق الحبيب بواجب (٢)
ومنهم الأمير الأديب أبو الوليد اسماعيل بن يوسف بو محمد بن الأمير الرئيس أبى سعيد فرج أمير مالقة المعروف بالأمير ابن الأحمر، قد سبقت الإشارة إليه. وكان أديباً ضليعاً، وقد تناول فى كتابه "نثير فرائد الجمان فى نظم فحول الزمان" (٣)، أكابر الكتاب والشعراء فى القرن الثامن الهجرى، وأفاض بنوع خاص فى ذكر ابن الخطيب وتلميذه ابن زمرك، ونقل عنه المقرى فى كتابيه نفح الطيب وأزهار الرياض، معظم ما كتب عن أدباء عصره، ونقل عنه بالأخص كثيراً مما كتبه عن ابن زمرك حسبما بينا فى موضعه، وللأمير ابن الأحمر كتاب آخر عنوانه "نثير الجمان فى شعر من نظمنى وإياه الزمان" يحتوى على اثنتى عشر بابا، يتحدث فيها عن شعر ملوك بنى الأحمر، وشعر ملوك بنى حفص، وبنى مرين، وبنى عبد الواد، وعن شعر وزراء الأندلس وقضاتها وكتابها، وكتاب وقضاة المغرب فى عصره (٤). ولمع الأمير ابن الأحمر
стр. 2958
فى أواخر القرن الثامن، وتوفى سنة ٨٠٧ هـ (١٤٠٤ م) (١).
ومنهم أبو عبد الله الشريشى تلميذ ابن الخطيب ومساعده (أمينه)، وكان مؤدباً لأبناء السلطان، وهو الذى تولى نقل كتاب الإحاطة لابن الخطيب من مسوداته، بتكليف منه لاشتغاله بشئون الوزارة، فجاء فى ستة مجلدات، وكان الشريشى فى الوقت نفسه من علماء القرآن والسنة (٢).
ونستطيع أن نذكر إلى جانب هذه الجمهرة الممتازة من الشعراء والأدباء، عدة من الفقهاء والمؤرخين، منهم ابن فرحون برهان الدين ابراهيم بن على اليعمرى الأندلسى المتوفى سنة ٧٩٩ هـ (١٣٩٧ م)، وكان فقيهاً ومؤرخاً، ومن أشهر مؤلفاته كتاب "الديباج المذهب فى معرفة علماء أعيان المذهب"، وهو تراجم طبقات المالكية. وقد طبع مراراً بالمغرب ومصر، وكتاب "طبقات علماء العرب" ومنه نسخة بالإسكوريال (٣).
ومنهم أبو الحسن على بن عبد الله بن محمد الجذامى المالقى النباهى، ولد بمالقة سنة ٧١٣ هـ ودرس على أشياخها. ثم وفد على غرناطة، وتولى القضاء، ثم عين كاتباً بالديوان. وانتهى إلى ولاية قضاء الجماعة وغرناطة. ونشبت بينه وبين ابن الخطيب خصومة شديدة، وتبادلا الطعن والهجاء اللاذع فى عدة رسائل ومقالات، ولما نكب ابن الخطيب وغادر الأندلس، كان النباهى فى مقدمة متهميه بالكفر والزندقة والساعين إلى هلاكه حسبما قدمنا. وتوفى فى أواخر القرن الثامن. ومن آثاره الباقية كتاب يسمى "بالإكليل فى تفضيل النخيل" وهو كتاب أدبى وضعه مؤلفه على لسان نخلة وكرمة. ويعرف أحياناً "بنزهة البصائر" وهو العنوان الذى تحمله نسخته الخطية الموجودة بمكتبة الإسكوريال. وقد وردت به نبذة حسنة عن تاريخ الدولة النصرية حتى عصر المؤلف (٤). وكتاب "المرقبة العليا فيمن يستحق
стр. 2959
القضاء والفتيا" وهو تاريخ لقضاء الأندلس (١).
ومنهم الفقيه أبو القاسم بن سلمون الكنانى الغرناطى قاضى الجماعة بغرناطة المتوفى سنة ٧٦٧ هـ (١٣٦٥ م)، ومن آثاره كتاب "العقد المنظم للحكام فيما يجرى بين أيديهم من الوثائق والأحكام (٢)؛ وأبو عبد الله محمد بن على بن إسحق الرندى المتوفى سنة ٧٩٢ هـ (١٣٨٩ م)، وكان من أقطاب التصوف، وقد كتب كتاب "الرسائل الكبرى" و "غاية المواهب العلية بشرح الحكم العطائية" (٣).
وأما فى ميدان العلوم فلم نعثر على ما يدل على ازدهارها فى تلك الفترة؛ على أننا نستطيع أن نذكر أن ابن الخطيب كان إلى جانب أدبه الممتاز، عالماً بالطب والفلسفة، وكان من تلاميذه الطبيب العالم ابن المهنا شارح ألفية ابن سينا، وشرحه عليها من أقيم الشروح (٤).
стр. 2960
الفصل الرابع
العصر الأخير والآثار الباقية
ركود الحركة الفكرية. الشعراء الذين ظهروا فى هذا العصر. القاضى أبو بكر بن عاصم. ولده أبو يحيى. بعض الكتاب والأدباء. الشريف العقيلى وزير أبى عبد الله. ما حدث بعد سقوط غرناطة. القضاء على اللغة العربية. الألخميادو لغة الموريسكيين السرية. كتاب الألخميادو. الأدب الموريسكى وخصائصه. نماذج من تراث الألخميادو. الشهاب الحجرى وابن غانم. محاولة اسبانيا القضاء على تراث الأندلس. إيداع الكتب العربية الباقية بقصر الإسكوريال. المجموعة العربية فى الإسكوريال. حجبها عن أعين الباحثين. معجم الغزيرى. انتفاع البحث الحديث بالآثار الأندلسية. الفن فى الأندلس. تطوره منذ القرن الرابع الهجرى. ازدهاره أيام الناصر وابنه المستنصر. تقدمه أيام الطوائف. ركوده أيام المرابطين والموحدين. الفن فى مملكة غرناطة. الموسيقى الأندلسية. الآثار الأندلسية الباقية.
بدأت مملكة غرناطة منذ أوائل القرن التاسع الهجرى تستقبل عصرها الأخير، وأخذ الاستقرار، والسلم النسبى الذى تمتعت به حيناً فى أواخر القرن الثامن، وأوائل القرن التاسع، يتصرم شيئاً فشيئاً، وأخذت من ذلك الحين تواجه طائفة من الثورات والانقلابات الداخلية المتوالية، وتواجه فى الوقت نفسه طوالع الصراع الأخير بينها وبين اسبانيا النصرانية، التى أخذت منذ منتصف القرن التاسع (القرن الخامس عشر الميلادى) توثق أواصر اتحادها، وتستجمع قواها لإنزال ضربتها الأخيرة بعدوتها القديمة التالدة اسبانيا المسلمة.
وما كانت الحركة الفكرية لتزدهر فى مثل هذا الأفق الكدر، ولذا نجد فى هذا العصر فراغاً ملحوظاً فى ميادين التفكير والأدب فى الأندلس المحتضرة، ولا نعثر إلا بقلة من المفكرين والأدباء الذين ظهروا فى تلك الفترة متفرقين متباعدين.
وكان ممن ظهر فى ميدان التفكير والأدب فى تلك الفترة على بن عاصم شاعر السلطان يوسف الثانى وقد جمع له مجموعة شعرية فى سنة ٧٩٣ هـ (١٣٩١ م) (١).
والقاضى أبو بكر محمد بن عاصم القيسى الغرناطى، وقد كان أعظم شخصية.
стр. 2961
ظهرت فى هذا الميدان فى مملكة غرناطة فى أوائل القرن التاسع الهجرى. ولد بغرناطة سنة ٧٦٠ هـ (١٣٥٨ م) وتوفى بها سنة ٨٣٩ هـ (١٤٢٦ م)، وبرع فى النحو والمنطق والبيان والفقه، وتولى الوزارة للسلطان يوسف الثانى سنة ٧٩٣ هـ (١٣٩١ م) ثم ولى قضاء الجماعة بغرناطة، وبرز فى النثر والنظم، ووضع عدة قصائد وأراجيز، تناول فيها بعض مسائل من علم الأصول، والقراءات والفرائض والنحو وغيرها. وله كتاب "تحفة الأحكام فى نقط العقود والأحكام". وهو مختصر فى الفقه، وقد طبع بمصر وترجم إلى الفرنسية. وله أيضاً كتاب "حدائق الأزهار فى مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر " كتبه للسلطان يوسف. ويعرف بابن الخطيب الثانى لبراعته وجودة نثره ونظمه (١).
وكذلك برع ولده العلامة الفقيه أبو يحيى بن عاصم فى النثر والنظم، وتولى كأبيه منصب الكتابة والوزارة، وكتب شرحاً على كتاب أبيه "تحفة الأحكام " وكتب رسالة فلسفية تاريخية عن أحوال غرناطة فى عصره، وما دهاها من آثار التفرق والفتنة، ووصف فيها أساليب السياسة الإسبانية، فى الكيد والتفريق بين المسلمين، أسماها "جنة الرضى فى التسليم لما قدر الله وقضى". ونقل إلينا منها المقرى فى أزهار الرياض نبذاً عديدة تشهد بمقدرة صاحبها، وعميق تفكيره ورائق أسلوبه (٢).
وأبو الحسن سلام بن عبد الله الباهلى الإشبيلى، وقد كتب سنة ٨٣٩ (١٤٢٥ م) كتاب "الذخائر والأعلاق فى أدب النفوس ومكارم الأخلاق" (٣).
ومنذ منتصف القرن التاسع الهجرى، تضمحل الحركة الفكرية فى مملكة غرناطة شيئاً فشيئاً. ولا غرو فقد كانت غرناطة تخوض فى تلك الفترة بالذات، مرحلة الصراع الأخير، وكانت الحرب الأهلية تمزق أوصالها، وخطر الفناء الداهم يبدو لها قوياً فى الأفق. بيد أن شعاعاً أخيراً كان يبدو فى تلك الظلمات المدلهمة. فنرى فى أواخر
стр. 2962
القرن التاسع، فى الوقت الذى كانت غرناطة تسلم فيه أنفاسها الأخيرة، عدة من المفكرين والأدباء الذين يستحقون الذكر والتنويه.
وكان من هؤلاء القاضى أبو عبد الله محمد بن على بن محمد بن القاسم الأصبحى المعروف بابن الأزرق المتوفى سنة ٨٩٥ هـ (١٤٩٠ م)، أصله من وادى آش، وتولى قضاء الجماعة فى غرناطة. وكان بارعاً فى النثر والنظم والتاريخ. ومن آثاره كتاب فى السياسة الملكية عنوانه: "الإبريز المسبوك فى كيفية أدب الملوك " (سنة ٨٣٨ هـ). وكتاب "بدائع السلك فى طبائع الملك" لخص فيه كثيراً من آراء ابن خلدون فى مسائل الرياسة والملك وعلق عليها، وأتى فى موضوعها بزيادات جديدة، وقسمه إلى أربعة كتب، الأول فى حقيقة الملك والخلافة وسائر أنواع الرياسة، والكتاب الثانى فى أركان الملك وقواعد مبناه ضرورة وكمالا، والثالث فيما يطالب به السلطان تيسيراً لأركان الملك وتأسيساً لقواعده، والرابع فى عوائق الملك وعوارضه (١). وله أيضاً كتاب "روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام". ولما ساءت الأحوال فى غرناطة وأشرفت على السقوط، عبر البحر إلى تلمسان، ثم ارتحل إلى المشرق، ونزل بالقاهرة فى عصر السلطان الأشرف قايتباى، واتصل به، وحاول أن يستحث همته لتسيير جيش إلى الأندلس لاسترداد غرناطة (٢)؛ ومن شعره المؤثر حين نزل النصارى بمرج غرناطة:
مشوق بخيمات الأحبة مولع ... تذكره نجد وتغريه لعلع
مواضعكم يا لائمين على الهوى ... فلم يبق للسلوان فى القلب موضع
ومن لى بقلب تتلظى فيه زفرة ... ومن لى بجفن تنهمى منه أدمع
رويدك فارقب للطائف موقعاً ... وخل الذى من شره يتوقع
وصبراً فإن الصبر خير تميمة ... ويا فوز من قد كان للصبر يرجع
وبت واثقاً باللطف من خير راحم ... فألطافه من لمحة العين أسرع (٣).
стр. 2963
ومنهم أبو عبد الله محمد بن أحمد الحداد الشهير بالوادى آشى، وهو أيضاً من أهل وادى آش، وكان أديباً بارعاً وله تعليقات كثيرة على أدباء عصره، وقد غادر غرناطة قبيل سقوطها بقليل ونزل بتلمسان (١).
وأبو الحسن على بن محمد القرشى البسطى، وقد ولد فى بسطة ودرس فى غرناطة وتلمسان وتونس، ورحل إلى المشرق وأدى فريضة الحج، ثم استقر بعد عوده فى غرناطة. ولما اشتد ضغط النصارى على غرناطة عبر البحر إلى تلمسان، وعاش هناك حيناً حتى توفى سنة ٨٩١ هـ (١٤٨٦ م). وقد برع البسطى فى الرياضيات ووضع كتباً فى الحساب والجبر (٢).
وأبو الحسن على بن قاسم بن محمد التجيبى الزقاق، وقد درس فى غرناطة وفاس وتولى الخطابة فى غرناطة. ولما سقطت غرناطة فى يد النصارى، عبر البحر إلى المغرب، وتوفى سنة ٩١٢ هـ (١٥٠٦ م). ومن آثاره كتاب "المنهج المنتخب إلى أصول المذهب" فى الفقه المالكى (٣).
ومن أواخر الشعراء الذين ظهروا فى هذه الفترة، فترة الانهيار الأخيرة، شاعر من نوع خاص، هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القيسى. وقد ترك لنا ديوانا، يضم قصائد عديدة تشير إلى بعض أحداث العصر مثل سقوط جبل طارق وحصار مالقة وسقوط أرشدونة وبلش وغيرهما من قواعد مملكة غرناطة؛ ويستدل من بعض إشاراته إلى أنه قضى ردحا من الزمن فى أسر القشتاليين؛ وهو يعترف لنا فى مقدمة ديوانه بأن شعره "منحط من الدرجة المتوسطة"، ولكنه مع ذلك مغتبط بنظمه وإنشاده. والظاهر أن عبد الكريم القيسى قد عاش حتى سقوط غرناطة أو قبله بقليل، إذ يضم ديوانه قصيدة فى رثاء ابن الأزرق، وهو قد توفى فى سنة ٨٩٥ هـ، والديوان فى جملته يلقى أضواء كثيرة على أحداث الصراع الأخير الذى انتهى بسقوط غرناطة، وتشير قصائده إلى كثير من شخصيات العصر من قادة، وكتاب، وقضاة وغيرهم (٤).
стр. 2964
ومن نظم عبد الكريم المذكور قوله:
خليلى ما مثلى يقوم ذليلا ... ويحمل من ضيم الزمان ثقيلا
ويرضى بعيش يدال ببسطة ... يحدد من خطب الهموم جليلا
فلا تعذل فى رحيلى عنكما ... فإنى لما أنعى عزمت رحيلا
وقوله حينما اتصل به خبر سقوط جبل طارق فى يد الاسبان:
أوارى أوارى القلب مع شدة ... اللفح فتبكه عين دمعها داهم السفح
وأخفى الذى ألقى من الحزن والأسى ... وظاهر حالى الدهر يؤذن بالصفح
وأبدى من التقطب للفتح حالة تسوء صديقى فى مساء وفى صبح
على أن أعظم شخصية ظهرت فى تلك الفترة القاتمة فى ميدان التفكير والأدب هى شخصية الوزير والكاتب الشاعر أبى عبد الله محمد بن عبد الله العربى المعروف بالشريف العقيلى، وزير أبى عبد الله محمد آخر ملوك الأندلس وكاتبه. وكان فوق تضلعه فى الفقه، إمام عصره فى النثر والنظم، وقد وصفه الوادى آشى بأنه "شاعر العصر، مالك زمامى النظم والنثر" وبأنه "إمام هذه الصناعة، وفارس حلبة القرطاس والبراعة، وواسطة عقد البلاغة والبراعة". ووصفه أيضاً بحق بأنه خاتمة أدباء الأندلس.
ومن شعره يمدح السلطان أبا عبد الله حينما ولاه منصب الكتابة قوله:
أوجه سعدى انحط عنه اللثام ... أم بدر أفقى فض عنه الغمام
كأنما أقبس نور البها مـ ... ـن وجه مولانا الإمام الهمام
ابن أبى الحسن الأسرى الذى ... قد كان للأملاك مسك الختام
ضرغام قد أنجب شهباً له ... فى صدق بأس ومضاء اعتزام
دام له النصر الذى جاءه ... والسيف من طلى أعاديه دام
ومنه قوله حينما نزل النصارى بمرج غرناطة:
بالطبل فى كل يوم ... وبالنفير نراع
وليس من بعد هذا ... وذاك إلا القراع
يا رب خيرك يرجو ... من هيض منه الذراع
لا تسلبنى صبرا .. منه لقلبى ادراع
стр. 2965
التى كتبها على لسان السلطان أبى عبد الله إلى سلطان المغرب، وعنوانها "الروض العاطر الأنفاس فى التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس" (١). ومهد لها بعد الديباجة بقصيدته الرائعة التى مطلعها:
مولى الملوك ملوك العرب والعجم ... رعيا لما مثله يرعى من الذمم
بك استجرنا ونعم الجار أنت لمن ... جار الزمان عليه جور منتقم
وقد سبق أن أتينا على ذكر هذه الرسالة المؤثرة الفريدة، فى موضعها،
وأوردنا طرفاً من قصيدة العقيلى، ومن أقواله التى يخاطب بها السلطان أبو عبد الله سلطان فاس مستجيراً به، ملتجئاً إلى حمايته، ومعتذراً إليه عما بدر منه.
وعبر البحر إلى المغرب قبيل سقوط غرناطة وبعده جمهرة من العلماء والأدباء، هم البقية الباقية من مجتمع الأندلس الفكرى (٢). وقد آثروا مغادرة الوطن القديم على التعرض لفقد الحرية، وامتهان الدين والكرامة القومية، ومذلة العبودية، فى ظل حكم يضطرم نحو الأمة المغلوبة بغضاً وتعصباً.
- ٢ -
وكان سقوط غرناطة فى يد اسبانيا النصرانية فى سنة ٨٩٧ هـ (١٤٩٢ م)، نذيراً بانهيار صرح الأمة الأندلسية القومى والاجتماعى، وتبدد تراثها الفكرى والأدبى، وكانت اسبانيا النصرانية ترمى قبل كل شىء، إلى القضاء على خواص الأمة المغلوبة الدينية والفكرية، وعلى سائر الروابط الأدبية التى تربطها بماضيها المجيد؛ وقد نجحت السياسة الإسبانية، يدعمها طغيان الكنيسة وعسف ديوان التحقيق، فى تحقيق هذه الغاية إلى أبعد حد، فلم يمض على سقوط غرناطة نحو خمسين عاماً، حتى استحالت بقية الأمة الأندلسية إلى شعب جديد، يستبدل دينه القديم -الإسلام- بالنصرانية المفروضة، ويتكلم القشتالية، وتغيض البقية الباقية من خصائصه القديمة، شيئاً فشيئاً، تحت ضغط التشريعات والإجراءات التعسفية المرهقة.
وكانت الأمة الأندلسية خلال هذا الإستشهاد المحزن، الذى فُرض عليها، تحاول بكل وسيلة أن تستبقى ما وسعت، من تراثها الفكرى والروحى القديم، فكان الموريكسيون بالرغم من دخولهم فى النصرانية، يتعلقون سراً بدينهم القديم، وكثير منهم يؤدون شعائر الإسلام خفية، وديوان التحقيق من ورائهم يطاردهم
стр. 2966
بمنتهى القسوة حسبما فصلنا فى موضعه. وكانوا يحافظون جهدهم على لغتهم العربية. ولكن السياسة الإسبانية المرهقة، فطنت منذ الساعة الأولى إلى أهمية اللغة فى تدعيم الروح القومية، فعولت على سحق العربية وكل آثارها، وصدر منذ أيام الإمبراطور شارلكان فى سنة ١٥٢٦، أول قانون لتحريم التخاطب بالعربية على الموريسكيين، ولكنه لم يطبق بشدة. وكانت العربية ما تزال حتى ذلك الوقت لغة لأدب يحتضر، وكانت ما تزال لغة التعاقد والتعامل، لا فى أنحاء مملكة غرناطة القديمة وحدها، ولكن أيضاً فى مجتمعات المدجنين القاصية فى أراجون حسبما تدل عليه وثائق عثرنا عليها (١). وكان يوجد ثمة بين الموريسكيين من ينظم بها الشعر. وقد أشرنا فيما تقدم إلى القصيدة التى أرسلها الموريسكيون إلى السلطان بايزيد الثانى يلتمسون فيها النجدة والغوث، وهى قصيدة تنم بالرغم من ركاكتها عن روح شعرية مؤثرة. واستمر الموريسكيون عصراً آخر يوجهون رسائلهم العربية إلى مسلمى المغرب.
وكانت السياسة الإسبانية تضيق ذرعاً بالعربية، وتزداد منها توجساً. فعادت فى عهد فيليب الثانى لتتخذ خطوتها الحاسمة فى القضاء عليها. وصدر فى سنة ١٥٦٦ قانون جديد صارم يحرم على الموريسكيين التخاطب بالعربية أو التعامل بها على نحو ما فصلنا، وطبق القانون بمنتهى الشدة. وكانت العربية قد أخذت تغيض شيئاً فشيئاً فى غمر العسف والاضطهاد، فجاء القانون الجديد ضربة قاضية لمظاهرها ْالباقية. وفى هذ الوقت بالذات نشهد نفثات العربية الأخيرة لدى الموريسكيين فى بعض قصائدهم السرية الثورية. وفى لغة الخطاب الذى نشرناه فيما تقدم لمولاى عبد الله آخر زعماء الثورة الموريسكية ما يوضح لنا مدى الانحلال الذى انتهت إليه اللغة العربية فى ذلك العصر.
ولم تمض فترة قصيرة على تطبيق القانون الجديد بتحريم العربية نهائياً، وفرض القشتالية كلغة للتخاطب والتعامل على الموريسكيين، حتى اختفت المظاهر والآثار الأخيرة للعربية. ومع ذلك فقد وجد الموريسكيون فى قشتالة ذاتها متنفس تفكيرهم وأدبهم القديم، فكانوا يكتبون القشتالية سراً بأحرف عربية، وأسفر ذلك بمضى
стр. 2967
الزمن عن خلق لغة جديدة اشتقت أصلا من القشتالية لغتهم المفروضة، واختلطت بها ألفاظ عربية وأعجمية مختلفة من اللهجات المعاصرة والقديمة، ولاسيما اللغة الرومانية. وكانت هذه اللغة الرومانية Lengua Romanica لغة المستعربين أيام الدولة الإسلامية، وكانت معروفة ذائعة فى قرطبة وغيرها من الحواضر الأندلسية التى تقيم بها طوائف كبيرة من النصارى المستعربين، وكان يتكلم بها بعض أكابر الصقالبة فى البلاط، ويعرفها بعض العلماء المسلمين. وكان المسلمون الأندلسيون، يستعملون أحياناً بعض عبارات من هذه اللغة الرومانية، ولاسيما فى الكتابات العلمية، ويسمونها فى كتبهم "باللطينية"، (أعنى اللاتينية)، وقد تسرب منها بمضى الزمن كثير من الألفاظ فى الزجل الأندلسى، ولاسيما زجل ابن قزمان. وفى مملكة غرناطة، كانت اللغة العربية الشعبية، يتسرب إليها كثير من الألفاظ الرومانية والقشتالية (١)، وهذه هى التى تسربت بالأخص فيما بعد إلى لغة الموريسكيين السرية، التى لجأوا إلى ابتكارها حينما حرمت عليهم لغتهم الأصلية، واحتفظوا لها بالأحرف العربية.
وتعرف هذه اللغة التى اتخذها الموريسكيون بالأخص متنفساً لدينهم القديم "بالألخميادو" Aljamiado، وهو تحريف اسبانى لكلمة "الأعجمية"، وقد لبثت زهاء قرنين سراً مطموراً حتى ظفر بعض العلماء الإسبان بمجموعة من مخطوطاتها فى أوائل القرن الماضى، وعندئذ ظهرت عنها المعلومات الأولى. ويقول العلامة مننديث إى بلايو فى تعريفها، بأنها هى اللغة الرومانية القشتالية
Romana Castelaa تكتب بأحرف عربية. ويقول المستشرق سافدرا فى تعليل قيامها " إن الطابع الدينى الذى كان يفصل بين الموريسكيين وباقى الإسبان يطغى على إنتاجهم الأدبى، وكأنما هو قرين طبيعى للمنتجات العربية، فهم لكى يحتفظوا بجذوة حية من العقيدة المحمدية، كتب العلماء والفقهاء كتباً "عما يجب أن يعتقده وأن يحفظه كل مسلم حسن الإيمان" عن صفات الله، وعن بعض المسائل الفقهية، وفقاً لمذهب مالك، وكتبوا عن التاريخ المقدس، والقصص الدينى، وتعبير الرؤيا وغير ذلك" (٢).
стр. 2968
وهكذا كتب الموريكسيون القرآن سراً باللغة العربية، مقروناً بشروح وتراجم ألخميادية، وكتبوا سيرة الرسول والمدائح النبوية، وقصص الأنبياء، وبعض كتب الفقه والحديث بالألخميادو -وهو رسم لغتهم العزيزة-، مع كتابة البسملة والآيات القرآنية دائماً خلال هذه النصوص السرية باللغة العربية، ويلاحظ أن معظم كتب الألخميادو المذكورة تكتب بالشكل الكامل، حتى يمكن قراءتها بطريقة صحيحة.
واستعمل الموريسكيون الألخميادو فى أدبهم، وفى التعبير عن أفكارهم ومُثلهم فى النثر والنظم. ومن أشهر شعرائهم محمد ربدان Rabadan أو الراعى وقد كان حياً فى أوائل القرن السابع عشر، وأصله من روطة خالون من أراجون. وله نظم كثير، وقصائد قصصية، وأخرى دينية. ومن آثاره فى القصص الدينى كتاب عن "هول يوم الحساب" و "قصة النبى منذ بدء الخليقة" وأغنيات دينية، وأسماء الله الحسنى، وكلها بالنظم. وشعره يمتاز بالجزالة والسهولة. ومن شعراء الموريسكيين أيضاً ابراهيم دى بلفاد، وخوان ألفونسو، ومنهم الشاعر محمد الخرطوشى، وقد كان من أهل بيانة، ومنهم أخيراً شاعر موريسكى مجهول، عاش فى تونس فى أوائل القرن السابع عشر بعد النفى، واشتهر بنقده لمسرحيات "لوبى دى فيجا" شاعر اسبانيا الأكبر. ومن أشهر كتاب الألخميادو الكاتب الفقيه المسمى "فتى أبيرالو" El Mancebo de Avéralo، وهو مؤلف لكتب فى التفسير، وتلخيص السنة؛ وقد طاف بمعظم أنحاء اسبانيا، وشهد مصائب قومه ووصفها، وتلقى العلوم الإسلامية القديمة عن عالمتين بارعتين فى الشريعة هما "مسلمة أبده" La Mora de Ubéda، و "مسلمة آبلة" La Mora de Avila، وألف كذلك فى القصص الدينى.
وعنى الموريسكيون بنوع خاص بكتابة القصص وترجمته، ومن آثارهم المعروفة فى ذلك كتاب "حديث القصر الذهبى" Alhadiz de Alcazar del Oro وكتاب الحروب، و "حديث على والأربعين جارية"، بيد أن أعظم كتبهم القصصية الحماسية هو كتاب "قصة الإسكندر ذى القرنين"، والتنويه ببطولة الإسكندر يرجع إلى شخصيته، ولأنه ذكر فى القرآن، وأنه بعث لكى يحارب ملوك الأرض ويحطم الأصنام ويقتل عبادها.
ومن أشهر كتب الموريسكيين الألخميادية، كتب المدائح النبوية والأدعية،
стр. 2969
الصفحتان الأوليان من كتاب فى "الأدعية النبوية" مكتوب بالألخميادو، وفى نهايته بالعربية الركيكة أنه كتب سنة ٩٩٧ هـ (١٥٧٩ م)، ومحفوظ بمكتبة مدريد الوطنية رقم ٥٣٠٦
стр. 2970
والواقع أن كتابة المدائح النبوية باللغة القشتالية ترجع إلى عصر مبكر، وقد كتبها المدجنون بهذه اللغة منذ القرن الثالث عشر، وانتشرت بعد ذلك بين طوائف المدجنين فى مختلف مدن قشتالة وأراجون. ثم كتبها الموريسكيون بالألخميادو أو القشتالية العربية.
والظاهرة الواضحة فى الأدب الموريسكى، هو أن كُتاب الألخميادو كانوا يفكرون ويكتبون بالروح العربية، وإن كان تعبيرهم عن ذلك يجرى بالقشتالية، وأنهم كانوا يتأثرون فى الأسلوب بلهجات مقاطعاتهم المختلفة، أكثر من تأثرهم بقواعد اللغة.
ويرى النقدة أن نثر كتاب الألخميادو أفضل من نظمهم، وأنه نثر مطبوع خال من التكلف، ومن الملحوظ فيه بنوع خاص تسرب الألفاظ العربية الصحيحة إليه من آن لآخر، والأدب الموريسكى لا يتجه إلى مراعاة الرونق والتنميق، ولكنه يرمى قبل كل شىء إلى تصوير التاريخ والتقاليد القومية فى إطار دينى.
وبالرغم مما يغلب عليه من الضعف والركاكة بصفة عامة، فإنه يصل أحياناً إلى مرتبة الطلاوة، بل يصل أحياناً إلى مرتبة البلاغة. وأفضل مثل لذلك شعر ريدان (١).
كما يرى البعض، أنه وإن لم تكن للأدب الموريسكى ثروة من الجمال أو قيمة أدبية ذات شأن، فإن له قيمة تاريخية واجتماعية هامة، فى الكشف عن التقاليد والعادات، وأنه قد ترك أثره فى اللغة الإسبانية، وفى الشعر الإسبانى، وفى الأفكار الدينية وغيرها.
بل وقد نوه غير واحد من الكتاب الإسبان، بما كان عليه الأدب الموريسكى بالرغم من ضعفه وضآلة شأنه، من شاعرية، وشعور بالجمال، وخيال ممتع، وذوق سليم. ويعلق الدون برونات على اختفاء الموريسكيين واختفاء أدبهم بعبارات شعرية يقول فيها: "إن السياسة الإسبانية لم تكتف بنفى الموريسكيين، وما ترتب عليه من نضوب حقولنا ومصانعنا وخزائننا، ولم يقتصر الأمر على انتصار التعصب، وبربرية ديوان التحقيق، بل تعداه إلى اختفاء الشعر، وشعور الجمال الموريسكى، والأدب السليم الذى رفع سمعة تاريخنا".
стр. 2971
صفحتان من كتاب فى التفسير مكتوب بالألخميادو ومحفوظ بمكتبة مدريد الوطنية برقم ٥٢٥٢
стр. 2972
ثم يقول: "إنه اختفى وطرد الموريسكيين، الأدب المعطر، والشاعرية الشعبية، والخيال الممتع، ومصدر الوحى الذى كانوا يمثلونه. وقد غاض باختفائهم من شعرنا هذا التلوين والفن والحيوية والإلهام والحماسة، التى كانت من خواصهم، وحل محلها الظلام فى الأفق الأدبى خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر" (١).
وقد اطلعنا خلال إقامتنا بمدريد على كثير من الكتب والوثائق الألخميادية ولاسيما فى المكتبة الوطنية التى تحتفظ منها بطائفة كبيرة، ومنها كتب صلوات وأدعية وفقه، ومعظمها يفتتح بالبسملة والصلاة على النبى، وقد لفت نظرنا بالأخص مخطوط منها، وهو كتاب فى الصلاة والأدعية، تدل عبارته الاختتامية على أن اللغة العربية كانت ما تزال بالرغم من تحريمها ومطاردتها، تدرس وتكتب سراً حتى أواخر القرن السادس عشر، وإليك نص العبارة المذكورة:
"أفرغ للعبد من الله تعالى المعترف بذنبه الراجى غفران ذنبه، على بن محمد بن محمد شُكار من بلاد مزماذيانتى اليوم الآخر من جمادى الثانى يوما أربعة ولعشرين من شهر ماروس من يوم من ثلث منه عام ثمانية وتسعين تسع مائة من الحجرة النبى ﷺ . ولعددا من المسيح منه عام وتسع وثمانين ألف وخمسمائة آمين آمين يا رب العالمين. تمت بحمد الله وحسن عونه وكان الفراغة ثم صلاة العصر" (٢).
واطلعنا كذلك على عدة من كتب الأدب الموريسكى، ومنها قطعة مخطوطة من كتاب يوسم بأنه "قصيدة يوسف"، وهو كتاب شعرى عن حياة يوسف لمؤلف مجهول (٣).
وهناك أيضاً طائفة من الكتب الدينية، ومنها كتب فى السيرة النبوية والتفسير والحديث والصلوات، وعدد كبير من الوثائق الموريسكية المختلفة، وكثير منها يفتتح بالبسملة ويتخللها، اسم الله والصلاة على رسوله.
стр. 2973
على أن هذه الآثار الدينية التى حاول الموريسكيون أن يدونوا فيها تعاليم الإسلام وسيرة النبى، تحتوى فى أحيان كثيرة على بعض التعاليم النصرانية، تمتزج بتعاليم الإسلام، وتعرض فيها المثل الإسلامية أحياناً فى صور المثل النصرانية، وقد يصور النبى العربى من بعض النواحى فى صور المسيح. ويرجع هذا المزيج الغريب إلى ظروف العصر، وإلى ضغط المطاردة الدينية التى لبث الموريسكيون تحت روعها، وإلى رهبة محاكم التحقيق التى استمرت فى عسفها ومطارداتها الدموية. بيد أن الآثار الدينية التى خلفها الموريسكيون تنم فى معظمها عن بغضهم للنصرانية ومثلها وتقاليدها، مما يدل على أن تسرب التعاليم النصرانية إلى كتبهم لم يكن سوى نتيجة لظروف العصر التى باعدت قسراً بينهم وبين تعاليم دينهم الحقيقية.
وقد وجدت فى أواخر القرن السادس عشر بدير ساكرومونتى القريب من غرناطة، ألواح من الرصاص عليها كتابات دينية باللاتينية والعربية، تتحدث عن حياة المسيح والرسل ومريم، وعن الإسلام وبعض قواعده، وتمزج فيها التعاليم الإسلامية بالتعاليم المسيحية. وقد رأى بعض الباحثين أن هذه الألواح كتبها الموريسكيون، وفيها يحاول علماؤهم أن يجدوا حلا وسطاً للتوفيق بين الدينين، وأن يصنعوا مزيجاً معقولا من العقيدتين. وقد حملت هذه الألواح فيما بعد إلى رومة، وترجم قسمها اللاتينى، ثم حكم بأنها أوهام وخرافات وضعت لمسخ الدين المسيحى وهدمه (١).
هذا، ويوجد ثمة بعض الكتاب الموريسكيين، الذين استطاعوا أن يغادروا اسبانيا فى أواخر العهد الموريسكى، قبيل النفى بقليل، وأن يكتبوا بالعربية لغة آبائهم وأجدادهم، بعض الآثار التى انتهت إلينا، ولدينا من هؤلاء مثلان بارزان، الأول، هو باسمه الأندلسى، محمد بن عبد الرفيع الحسينى الأندلسى الذى سبقت الإشارة إليه، وقد هاجر قبل النفى إلى تونس، وترك لنا بالعربية كتابه "الأنوار النبوية فى آباء خير البرية"، وهو الذى اقتبسنا منه، ما كتبه فى خاتمته عن أحوال إخوانه الموريسكيين، وعن البواعث التى حملت اسبانيا على نفيهم (٢).
стр. 2974
والثانى هو حسبما يسمى نفسه باسمه الأندلسى، أحمد بن القاسم بن أحمد الفقيه قاسم بن الشيخ الحجرى، ويعرف بالشهاب الحجرى، وكذلك بآفوقاى، وهو موريسكى من أحواز غرناطة، استطاع أن يغادر الأندلس فى سنة ١٠٠٧ هـ (١٥٩٨ م)، أعنى قبل النفى بثلاثة عشر عاما. ويروى لنا الشهاب، قصة فراره من اسبانيا فى خاتمة كتابه "العز والمنافع " الذى نتحدث عنه فيما بعد، على النحو الآتى:
"وأقول اعلم أن أول ما تكلمت به ببلاد الأندلس، كان بالعربية، وكانت النصارى دمَّارهم الله، تحكم فى من يجدوه يقرأ العربية، فتعلمت القراءة الأعجمية للأخذ والاعطى، ثم ألهمنى الله سبحانه أن أخرج من تلك البلاد إلى بلاد المسلمين لما تحققت أن الكفار، كانوا فى الثغور يبحثون عن كل من يرد عليهم لعلهم يجدونه أندلسيا مخفيا ليحكموا فيه لأنهم كانوا منعوهم من الثغور ليلا يهربوا إلى بلاد المسلمين، فجلست سنين، نتعلم الكلام والأخذ فى كتبهم ليحسبوا أنى منهم إذ أمشى إلى بلادهم للخروج منها لبلاد الإسلام. ولما أن جئت إلى البلاد التى هى على حاشية البحر، حيث هو الحرس الشديد، وجلست بينهم فلم يشكوا فى بما رأوا منى من الكلام والحال والكتابة، وجئت من بينهم إلى بلاد المسلمين، وبهذه النية تعلمت وبلغت فى كتبهم. ولكل امرىء ما نوى. ثم رأيت أن بسبب التعليم انه كان بنية القرب من الله ببلاد المسلمين، فتح لى بذلك العلم المنهى عنه ببيان الملوك المسدودة عن كثير من الناس".
وقد اتصل الشهاب الحجرى، عقب وصوله إلى المغرب، بالسلطان أحمد المنصور، ملك المغرب يومئذ، واشتغل مترجماً للبلاط، فى عهد المنصور وولده السلطان مولاى زيدان المتوفى سنة ١٠٣٧ هـ (١٦٢٧ م)، إذ كان يجيد الإسبانية إلى جانب العربية. واستعمله السلطان فوق ذلك للسفارة عنه فى بعض البلاد الأوربية، ورحل الشهاب فى أواخر حياته إلى المشرق، وأدى فريضة الحج.
ولما عاد، نزل بتونس، وقربه أميرها الداى مراد يومئذ. وهنالك توثقت أواصر الصداقة بينه وبين زميل موريسكى مهاجر يسمى باسمه الأندلسى الرئيس ابراهيم ابن أحمد بن غانم بن محمد بن زكريا الأندلسى. وكان الرئيس ابراهيم هذا فيما يبدو من زعماء الجند، وقد ألف بالإسبانية (الأعجمية) كتابا فى فن الجهاد بالمدافع. فقام الشهاب الحجرى بترجمته إلى العربية، وسماه " كتاب العز والرفعة
стр. 2975
والمنافع للمجاهدين فى سبيل الله بالمدافع"، ووصف نفسه فى صفحة العنوان بأنه "ترجمان سلاطين مراكش". وقد انتهى هذا الكتاب الفريد إلينا، وهو يحتوى على خمسين بابا فى وصف البارود، والآلات الحربية القاذفة، وتركيب المدافع واختلافها، ووصف أدواتها، وطرق تعميرها، والرمى بها إلى غير ذلك. ويتخلل ذلك رسوم توضيحية لمختلف أجزاء المدفع (١).
ويشير الشهاب فى كتابه المذكور إلى المقرى مؤرخ الأندلس، وإلى كتابه الجامع "نفح الطيب" فى قوله: "وقد صح من كتب التواريخ التى جمعها العلامة للشيخ أحمد المقرى فى كتابه بمصر فى الكتاب الجامع للتواريخ على بلاد الأندلس أعادها الله إلى الإسلام"، وقد عاش الرجلان فى نفس العصر. والظاهر أن الشهاب الحجرى قد لقى المقرى بمصر خلال مروره بها فى طريقه إلى الحج، أو خلال العود منه، وذلك فى نحو سنة ١٠٤٠ هـ (١٦٣١ م) قبيل وفاة المقرى بقليل.
وقد كتب الشهاب الحجرى فوق ذلك كتابا آخر عنوانه "رحلة الشهاب إلى لقاء الأحباب". والأحباب هنا فيما يبدو هم إخوانه المسلمون فيما وراء البحر فى عدوة المغرب، ولكن هذه " الرحلة " لم تصلنا مع الأسف، ولم يصل إلينا منها سوى شذور يسيرة جداً، نقلها بعض الكتاب المغاربة المتأخرين، وأكبر الظن أن رحلة الشهاب المفقودة كانت تحتوى على معلومات هامة ونفيسة عن أحوال مواطنيه العرب المتنصرين، ولعل البحث يظفر بها يوما ما.
ومما يلفت النظر من أقوال الشهاب عن أحوال اسبانيا يومئذ، ما نقله إلينا صاحب كتاب "نزهة الحادى" من الرحلة المذكورة، قول الشهاب "إن جزيرة الأندلس، استردادها من أيدى الكفار سهل، واسترجاعها منهم قريب. ولما دخلت فى أيام المنصور مراكش، وجدت عنده من الخيل نحوا من ستة وعشرين ألفاً، فلو تحركت هذه لفتحها لفتحتها، ولاستولى عليها فى الحين" (٢).
стр. 2976
وأخيراً، فقد وضع الشهاب أيضاً عقب عوده من الحج، كتابا عنوانه "ناصر الدين على القوم الكافرين" يؤيد فيه رسالة الإسلام، ويفند معتقدات النصارى.
- ٣ -
وقد أبدت السياسة الإسبانية اهتماماً خاصاً بالقضاء على تراث الأندلس الفكرى، وبدأت بارتكاب فعلتها الشائنة فى سنة ١٤٩٩ م أعنى لأعوام قلائل من سقوط غرناطة، فجمعت الكتب العربية، وأحرقت بأمر الكردينال خمنيس حسبما فصلنا من قبل، ولم تبق معاول التعصب والجهالة إلا على بقية صغيرة من الكتب العربية، جمعت فيما بعد من مختلف الأنحاء، وأودعت أيام فيليب الثانى فى قصر الإسكوريال على مقربة من مدريد، وحجبت عن كل باحث ومتطلع. وفى أوائل القرن السابع عشر، وقع حادث كان سبباً فى مضاعفة المجموعة العربية الإسبانية. ذلك أن السفن الإسبانية استطاعت أن تأسر مركباً مغربية لمولاى زيدان ملك المغرب "كانت مشحونة بالكتب ومختلف التحف، وبها ثلاثة آلاف سفر من كتب الدين والأدب والفلسفة وغيرها. وتضع الرواية الإسبانية تاريخ هذا الحادث فى سنة ١٦١٢ فى عصر فيليب الثالث، وذلك حينما اشتد اضطراب العلائق بين اسبانيا والمملكة المغربية (١). وقد حملت هذه المجموعة النفيسة من الكتب العربية إلى اسبانيا، وأودعت قصر الإسكوريال، إلى جانب بقية التراث الأندلسى التى كانت مودعة فيه منذ أيام فيليب الثانى. وكانت مجموعة مولاى زيدان المغربية تحتوى عدد كبير من الكتب الأندلسية التى كثر استنساخها، "اقتنائها بالمغرب، بعد سقوط غرناطة.
ولبثت هذه المجموعة من المخطوطات العربية الأندلسية مودعة بمكتبة الإسكوريال الملكية حتى أواسط القرن السابع عشر، وكانت تبلغ يومئذ عدة آلاف، وكانت أغنى وأنفس مجموعة من نوعها بإسبانيا. ولكن محنة جديدة أصابت هذه البقية الباقية من تراث الأندلس. ففى سنة ١٦٧١ شبت النار فى الإسكوريال، والتهمت معظم هذا الكنز الفريد، ولم ينقذ منه سوى ألفين، هى التى مازالت تثوى حتى اليوم فى أقبية مكتبة الإسكوريال التى يشرف عليها الآباء الأوغسطنيون. وكانت الحكومة الإسبانية أثناء هذه العصور تحرص على إخفاء الآثار العربية عن كل قارىء
стр. 2977
وباحث، كأنما كانت تخشى أن تتسرب روح التفكير الإسلامى إلى تفكير اسبانيا النصرانية، بعد أن بذلت لقتل هذا الروح كل وسيلة ممكنة. وكان الكُتّاب الإسبان أنفسهم، تحملهم نزعة الدين والجنس، يعرضون عن كل بحث وتنقيب فى هذه المصادر النفيسة، التى تلقى أكبر ضوء على تاريخ اسبانيا المسلمة وحضارتها فى العصور الوسطى، ويكتفون فى كتابة هذه المرحلة الطويلة الباهرة من تاريخ بلادهم، بالرجوع إلى المصادر الإسبانية التى تفيض بالتحامل والتعصب وغمر الخرافات. ولم تفق الحكومة الإسبانية من جمودها، ولم تفكر فى تنظيم تراث الأندلس الفكرى والتعريف به، قبل أواسط القرن الثامن عشر، فعندئذ انتدبت عالماً شرقياً يجمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، هو ميخائيل الغزيرى اللبنانى، الذى يعرف فى الغرب باسم كازيرى Casiri، وعهدت إليه بدرس الآثار العربية، ووضع فهرس جامع لها. وكان الغزيرى بنشأته وثقافته الشرقية رجل المهمة، فلبى دعوة الحكومة الإسبانية، وعين فى سنة ١٧٤٩ مديراً لمكتبة الإسكوريال، وأنفق هنالك بضعة أعوام يدرس المخطوطات العربية ويحققها، ثم بدأ بوضع فهرسه الجامع الذى عهد إليه بوضعه. وفى سنة ١٧٦٠ صدر الجزء الأول من هذا الفهرس باللاتينية بعنوان Bibliotheca Arabico - Hispana Escurialensis " المكتبة العربية الإسبانية فى الإسكوريال"، وصدره الغزيرى بمقدمة طويلة تحدث فيها عن قيمة هذه المخطوطات العربية وأهميتها، وقسم هذه الآثار إلى عدة فنون، وبدأ بكتب اللغة وعلومها، ثم الشعر وأبوابه، ثم الفلسفة وما يتعلق بها، ثم الأخلاق فالطب والتاريخ الطبيعى، فالرياضة والهندسة والفلك، فالفقه وعلوم الدين والقرآن، وهى تشمل أكبر مجموعة. ثم الآثار النصرانية. وتبلغ محتويات هذا الجزء الأول من الفهرس ١٦٢٨ مجلداً. وفى ١٧٧٠ ظهر الجزء الثانى من الفهرس، محتوياً على كتب الجغرافيا والتاريخ ومنتهياً برقم ١٨٥١، وهو جملة ما أثبته الغزيرى فى فهرسه.
وكان أهم ما اتجهت إليه الأنظار بعد ظهور معجم الغزيرى، هو التنقيب فى مجموعة الإسكوريال عن الروايات العربية المتعلقة بتاريخ اسبانيا المسلمة، وسياسة الحكومات الإسلامية، وخواص المجتمع الإسلامى، فعنى طائفة من الباحثين الإسبان فى أواخر القرن الثامن عشر ومنهم أندريس وماسدى، ببحث تاريخ العلوم والآداب العربية، فأخرج أندريس كتابه عن "أصول الأدب"، وأخرج
стр. 2978
ماسدى مؤلفه عن "تاريخ اسبانيا والحضارة الإسبانية" (١). ثم جاء العلامة كوندى فوضع لأول مرة تاريخاً لاسبانيا المسلمة (٢)، يعتمد فيه على الروايات العربية، وظهر هذا المؤلف بين سنتى ١٨١٠ و ١٨١٢. وبالرغم من أن مؤلف كوندى يحتوى على كثير من الأخطاء التاريخية، فقد كان أول مجهود غربى من نوعه يعرض للغرب قضية العرب فى اسبانيا من الناحية العربية، وفيه يقف الغرب لأول مرة على وجهات النظر الأندلسية، وخواص النظم والسياسة الإسلامية. ويبدى كوندى فى كثير من المواطن حماسة فى الدفاع عن العرب، والإشادة بخلالهم ومواقفهم وحضارتهم، ويصدر فى بعض المواطن، أشد الأحكام على أمته وسياسة مواطنيه.
وأخذت المصادر العربية الأندلسية، تَمْثُل من ذلك الحين فى كل بحث يتعلق بتاريخ الأندلس. وكان العلامة المستشرق الهولندى رينهارت دوزى أعظم باحث غربى، توفر على دراسة التاريخ الأندلسى، ودراسة مصادره العربية والغربية، وكتابه القيم "تاريخ المسلمين فى اسبانيا حتى فتح المرابطين" (٣)، من أنفس ما كتب فى هذا الباب، وذلك بالرغم مما يبدو فيه من آن لآخر من تعليقات يطبعها التحامل. وتوالت بعد ذلك جهود الباحثين الغربيين فى دراسة تاريخ اسبانيا المسلمة وكتابته. وصدرت بعد كتاب دوزى خلال القرن الماضى فى هذا الموضوع، عدة كتب قيمة، إسبانية وإنجليزية وفرنسية وغيرها، يمتاز الكثير منها بدقة البحث وروح الإنصاف.
وقام المستشرق الفرنسى هارتفج ديرنبور فى أواخر القرن الماضى بدراسة جديدة للمجموعة الأندلسية بالإسكوريال، ووضع لها فهرساً جديداً بالفرنسية عنوانه: "المخطوطات العربية فى الإسكوريال" Les Manuscrits Arabes de l'Escurial نحا فيه نحو الغزيرى فى ترتيبه وترقيمه، وعثر على نحو مائة مخطوط أخرى لم يثبتها الغزيرى فى معجمه. بيد أنه لم يصدر من هذا الفهرس الجديد سوى جزئين يشتملان على كتب اللغة والبلاغة والشعر والأدب والفلسفة والأخلاق والسياسة. وأصدر الأستاذ ليفى بروفنسال بعد وفاة ديرنبور جزءاً ثالثاً من هذا الفهرس مشتملا على
стр. 2979
كتب الدين والجغرافيا والتاريخ. ومازال هذا الفهرس الجديد لمجموعة الإسكوريال الأندلسية، ينقصه استعراض كتب الطب والتاريخ الطبيعى والرياضة والفقه، كما ينقصه ذكر الكتب التى غابت عن الغزيرى وعددها نحو مائة كتاب.
وقد كان التنقيب فى تراث الآثار الأندلسية، والتعريف بها على هذا النحو، فتحاً عظيما فى تاريخ اسبانيا المسلمة، وتاريخ الحضارة الإسلامية. فقد كان الغرب حتى أواخر القرن الثامن عشر، لا يعرف من هذا التاريخ سوى ما تعرضه الرواية الإسبانية من شذور مشوهة مغرضة، وكانت مئات من الحقائق تغمرها حجب التعصب والتحامل، فجاءت وثائق الإسكوريال تبدد هذه الحجب، وتقدم الأدلة الساطعة على عظمة هذه الصفحة من تاريخ اسبانيا، وتعرض لنا مئات الحقائق عن تفوق الحضارة الأندلسية، ومبلغ ما وصلت إليه من الإزدهار والتقدم.
ومما هو جدير بالذكر أن ملوك المغرب بذلوا أكثر من محاولة لاسترداد الكتب العربية من اسبانيا، وكان يحدوهم فى ذلك شعور بأن هذا التراث الفكرى للأمة الأندلسية الشهيدة إنما هو تراثهم المشترك، وأن المغرب هو الوارث الطبيعى لهذا التراث، خصوصا وقد كان بين محتوياته مكتبة مولاى زيدان التى انتهبت فى عرض البحر حسبما قدمنا. ففى سنة ١١٠٢ هـ (١٦٩١ م) بعث مولاى اسماعيل عاهل المغرب العظيم، وزيره الكاتب محمد بن عبد الوهاب الغسانى سفيراً إلى كارلوس الثانى ملك اسبانيا، وكان من مهمته إلى جانب السعى فى تحرير الأسرى المغاربة، أن يسعى فى استرداد الكتب العربية، وقد نجح السفير فى تحقيق الشطر الأول من مهمته، ولكنه لم ينجح فى تحقيق الشطر الثانى. وفى سنة ١١٧٩ هـ (١٧٦٥ م) أرسل مولاى محمد بن عبد الله سلطان المغرب، كاتبه أحمد بن مهدى الغزّال، سفيراً إلى كارلوس الثالث ملك اسبانيا ليضطلع بنفس المهمة المزدوجة، أعنى العمل على تحرير الأسرى المغاربة، واسترداد الكتب العربية، ولكنه لم يحرز فى مهمته بشأن الكتب نجاحا يذكر، وإن كان قد استطاع أن يحصل من الإسبان على قدر من الكتب العربية ليس بينها شىء من محتويات الإسكوريال (١).
стр. 2980
- ٤ -
بقى أن نتحدث عن الفن فى الأندلس، وسيكون حديثنا عن ذلك عاماً. ذلك أن الفن فى مملكة غرناطة آخر دول الإسلام بالأندلس، لم يكن له سوى المرحلة الأخيرة لسير الفن الأندلسى.
وقد نشأ الفن الإسلامى فى البداية نشأة متواضعة. ونريد بالفن هنا معناه الدقيق الخالص. فالتصوير والنحت والنقش والزخرفة والموسيقى والغناء وما إليها، مما ينعت فى عصرنا بالفنون الجميلة، يقع تحت هذا المعنى. بيد أن هنالك معنى أوسع للفن فقد يشمل فنون الهندسة والعمارة وما إليها، ولا بأس من أن نعامله بهذا المعنى الأعم فى الوقت نفسه. وهذه النشأة المتواضعة للفن الإسلامى ترجع بالأخص إلى عوامل دينية. فقد نشأ الإسلام خصيم الوثنية، يضطرم بغضاً لمظاهرها ورسومها، وقد كان النحت والتصوير والنقوش الرمزية، وقت ظهور الإسلام من مظاهر الوثنية ورسومها البارزة، فكان الإسلام يخاصمها ويطاردها. ولم يشأ الإسلام أن يفسح صدره لهذه المظاهر والرسوم كما فعلت النصرانية، حيث اعتنقتها وشملتها برعايتها، وازدانت بها كنائسها وهياكلها العظيمة منذ القرن الأول للميلاد. ثم غدت فيما بعد مثاراً للخلاف الطائفى، واعتبرت رمزاً لعبادة الصور، وثارت حولها تلك المناقشات والخصومات البيزنطية الشهيرة. بيد أن هذه الخصومة التى شهرها الإسلام فى عصره الأول على التماثيل والصور، رموز الوثنية ومظاهرها، لم تلبث أن خفت وطأتها منذ القرن الثانى للهجرة، حينما قامت الإمبراطورية الإسلامية، وأنشئت فى أرجائها الصروح الإسلامية العظيمة، وبدت الخلافة فى عظمتها الدنيوية، وأخذت بقسطها من الترف والبهاء والبذخ. عندئذ عنى الخلفاء بالفنون وازدانت قصورهم ومعاهدهم وحدائقهم، بمظاهر الفن الرفيع، واعتمد على الاقتباس بادىء بدء من تراث الفنون الفارسية واليونانية والرومانية، والبيزنطية بنوع خاص، واقتبس عرب الأندلس أيضاً من تراث الفن القوطى. ولم يمض بعيد حتى امتزج الاقتباس بالابتكار، وبدأ الفن الإسلامى فى مظاهره المستقلة. وبلغ منذ القرن الثالث للهجرة، سواء فى بغداد أو قرطبة مستوى رفيعاً من الروعة والبهاء. وبرع المسلمون فى صنع الزخارف والنقوش والرسوم والصور الدقيقة، وانتهوا فى الموسيقى إلى ذروة الافتنان والبراعة، وازدهر الفن الإسلامى فى المشرق والمغرب أيما ازدهار