أفكاره مضطربة ونصوص رواياته مختلطة - كما يعتقد بعض الدارسين - بل لأن فكره وفنه يتميزان بالقوة والتركيب، فيقرأ إمبسون سطراً لشيكسبير قراءة حرفية تماماً بعرضه على كل مستند ممكن قائم وراء كل سطر آخر خطه، ملاحظاً " كمية العمل الذي قد يؤديه قارئ شيكسبير من أجله، وكيف إن سائر آثاره قد تعين القارئ على أن يستخرج أفانين من أي جزء فيها ". وهو أيضاً في الوقت نفسه يقرأ السطر مستعيناً بمجموعة ضخمة من الإشارات الأدبية والأخبار التاريخية والبيوغرافية المختزنة في عقله. وهذا مثل نموذجي يكثر اقتباسه يفسر نوع المجاز في بيت من سوناتة جاء فيه: " مرابع الترتيل العارية المهدمة، حيث كانت تغني العصافير العذبة حتى وقت متأخر " فيقول امبسون في تعليقه:
أن المقارنة رصينة صحيحة، لان أمكنة الترتيل المهدمة في الدير هي الأمكنة المخصصة للغناء، لأنها تحوي مقاعد يجلس فيها المرتلون صفوفاً ولأنها مصنوعة من خشب، وهي محفورة في عقد متداخلة وما أشبه، وقد كانت تحاط بمبنى ساتر مشكل في شكل غابة، ويلون بزجاج ملون، ورسوم كالازاهير والأوراق، ثم هي الآن قد هجرها الجميع، إلا الجدران الداكنة الملونة بلون الجو الشتائي، ثم لأن السحر الفاتر النرجسي الذي يوحي به الغلمان المرتلون يتناسب وشعور شيكسبير نحو الموضوعات التي تتناولها اغانيه، زد على ذلك أسباباً اجتماعية وتاريخية (" أواه لقد نسي الحصان، لعبتنا المفضلة " وقطع البيورتانيون الأعمدة المكللة بالزهور التي تنصب في أول أيار) ؛ من الصعب أن نتتبعها اليوم، ونتحقق من مقاديرها. فهذه الاسباب، وأسابا أخرى تربط هذا التشبيه بموضعه من السوناتة، لابد لها من ان تتضافر
стр. 387
لتمنح البيت جماله. وهناك نوع من الغموض فيه، لانا لا نعرف أي هذه الأسباب يجب ان يعلق بالذهن قبل غيره.
لقد وقفنا من قبل عند العلاقة بين طريقة إمبسون والدراسة الشيكسبيرية التقليدية (في الفصل الخاص بكارولاين سبيرجن) ولكن تجليتها في هذا المقام تتسق وهذا الفصل: ففي شرحه للنوع الثاني من الغموض أي وجود معنيين يقصدهما المؤلف (أي ما يسمى التورية المقصودة) يعترف فجأة انه استمد أكثر قراءته المعتقدة - الامبسونية على وجه الخصوص - لنصوص شيكسبير، في ذلك الفصل، من نسخة آردن، فهي القراءات التقليدية التي قال بها الدارسون، وقد استخرجها بطريقة غريبة فحيث يقول الدارس " إما هذا؟ أو " محاولا أن يضع أخرى لدارس آخر إلى جنب قراءته، يجيء امبسون فيقول " كلا هذين؟ و " أي يجد كلا المعنيين أو كل المعاني المتجادل حولها مشمولة بحق في النص. أما الكلمات الشيكسبيرية الغريبة التي قال الدارسون إنها تحريفات مطبعية لا بد لها من تصويب، فإن لامبسون حولها ثلاثة فروض، الأول: أن شيكسبير صحح مخطوطاته وراجعها (على رغم انف كل من همنج وكوندل) فانبهمت قراءتها على الطابع؛ والثاني: انه عمداً كتب كلمة لا معنى لها تقع بين كلمات عديدة لها معانيها، مثلما يفعل جويس في " يقظة فينيغان " ليبعث القارئ على التفكير في الكلمات جميعاً. والثالث: أنه أبداً لم يمح ولم يرمج على شيء كتبه، فكان يضع الكلمة المقاربة بدلا من ان يتوقف فيتبدد فكره، مؤملا أن يعثر على الكلمة الملائمة ذات يوم.
ويزعم امبسون أن دراسي شيكسبير، على خلاف هذه الفروض وعلى خلاف لأي " فكرة عن كيف كان يكون ذلك العقل الفذ أثناء العمل " يرفضون كل ما ليس بواضح، ويدعون انه خطأ مطبعي. ومن ثم يحيلون كثرة المعنى عنده والغموض فيه، إلى معنى واحد بسيط
стр. 388
ويتضاءل بذلك شيكسبير. أو يعتمد الدارسون نسخة شيكسبير الأصيلة " المسودة الأولى " حيث كتب على الورق أو زور في ذهنه كلاماً ويصفونه بأنه بسيط واضح جداً، أو يتجه الدارس منهم إلى " أن يستمد من ذلك المنبع قصيدة صغيرة يدبجها بنفسه ". أي أن امبسون يعتقد أن المشكلات المحيرة في شعر شكسبير إنما هي - بوجه أو بآخر - توريات مقصودة وأنواع من الغموض، وان الدارسين قد انهمكوا - بوجه أو بآخر - في إلغائها والقضاء عليها (١) . (أن الاقتراح الوحيد الذي أستطيع تقديمه لأي قارئ يرى هذه الأفكار مجتلبة من بعيد أو تافهة هو أن يقرأ جدل امبسون مع التحليل المسهب المشفوع بست من الصور المقنعة) .
ولعل التحليل المتعلق بشيكسبير هو أكثر شيء ألقاً في الكتاب ولكن ربما كان أقيم ما فيه، في النهاية، ملحظ واحد ينبئ عن الطريقة " النوعية "
стр. 389
التي انتهجها امبسون أخيرا. فانه في تحليله سداسية (١) مزدوجة لسدني، يلحظ ان القوافي الست التي قد أعيدت كل واحدة منها ثلاث عشرة مرة في القصيدة هي " لب لباب الموقف الشعري ". " وعند هذه الكلمات فحسب توقف كل من كلايوس وستريفون في صيحاتهما، فان هذه الكلمات تحيط عالمهما ". والذي يعنيه امبسون هو أن شكل " السداسية " نفسه، بدلا من أن يكون شكلا صعباً ثابتاً يفصل الشاعر المحتوى على قدره كما هي الحال في نقد رانسوم، هو لب المحتوى على التحقيق، وان الشكل هو النزوع نحو الموت في صورة تعبير. " فهذا الشكل لا اتجاه له ولا زخم، وإنما هو يدق أبدا على نفس الأبواب دونما جدوى بعويل ونغمة ذات وتيرة واحدة، واقفة لا تتحرك، مهما يكن التنويع في موسيقاه خصباً ". ولو تقدم امبسون خطوة واحدة لاقترح أن يطلق اسم " سداسية " على أي قصيدة مكتوبة في أي شكل، وتعالج المأساة برضى رواقي أو بنواح غير محتوم. (أي هو نواح على نقيض ما في المرثاة لأنه هنالك محتوم) وهذا هو، على التدقيق، ما كان لكتابه الثاني أن يحققه في الشعر " الرعوي ".
وفي كتاب " سبعة نماذج من الغموض " عدد من أمور أخرى قيمة. وأوضحها انه، صفحة اثر صفحة، يحتوي بحق أدق تمرس بالشعر
стр. 390
وبقراءته، وأشده إمعانا وإسهابا فيما خطته يد إنسان، أي يحتوي على نثل جذاب عجيب لا يكاد ينتهي للمشتملات والإمكانات اللغوية، وليس لدينا مجال كاف لاقتباسه طويلة طولا يكشف عن الميزة الصحيحة للكتاب ولكن الفقرة التي تقدمت عن " مرابع الرتتيل العارية المهدمة " توحي بنسبة الإسهاب في التحليل لبيت كامل أو مقطوعة أو قصيدة. وهذه القراءات لا تعتمد، فحسب، تناول تهمة " الغموض " ونشرها راية ينضوي تحتها كل ما يحتاج قراءة دقيقة، واتخاذها موضوعاً يستحق الثناء بل تعتمد أيضاً على قبول كل ما رفضه الآخرون في البيت كله. وإذا كان هناك من سر خاص بإمبسون فذلك هو تحويله السالب إلى موجب كأنما يقول عند كل موقف: " طيب، لا بأس. هكذا هي؟ وهذا أحسن ". فإمبسون يضم إلى صدره خباثة شيكسبير الخاصة أي التورية أو المواربة اللفظية، ويعتبرها مركزاً للمعنى لا تبدداً فيه، ويعشق الخطأ المطبعي، فهو في نظره ذكي دال، لأنه يوحي بمعان خبيثة مدفونة، وهو يرضى أن يقبل تهمة الشذوذ الجنسي التي رمي بها شيكسبير ويقفز منها تواً إلى إنشاء علاقة بينها وبين ميله للتورية: " لذة مؤنثة في الانقياد إلى سحر اللغة المنيم ". وهو يواجه، بصراحة، التصوير الحسي المروع في الشعر الديني الميتافيزيقي - مثل الذي قاله كراشو عن طهارة القديسة تريزا في تلك الصورة الدفينة عن الجماع أو صورته التي قال فيها أم جرح المسيح حلمة دامية " لابد للأم العذراء أن ترضع - عندها - الابن "، ودراسته لهذا التصوير مثل جميل على النوع السابع من الغموض.
ويتقل إمبسون، لأغراض سقراطية المنزع، جميع التهم التي يمكن أن توجه إلى طريقته، فيقول في موضع من كتابه: " إن عادة البحث عن الغموض تقود بسرعة إلى الهلاس، مثلما تمرن نفسك على أن تسمع دائماً
стр. 391
ساعة تدق "، ويقول في موضع آخر: " أن الأحجية الأدبية متعبة، وهذه المعاني لا تستحق أن تنقب عنها إلا أن كانت مبثوثة ذائبة في تضاعيف القصيدة؛ وقد يقول كثير من الناس أنها لا يمكن أن تذوب، وأن السوناتة اللطيفة الرشيقة يجب أن لا تقتضينا هذا القدر من الشرح، مهما يكن حظها من الإشارات والمشاعر التي قد يكون شيكسبير - أن صح هذا كله - أودعها فيها، دون أن يستطيع توضيح ما في ذهنه بدقة ".
(وجوابه على هذا النقد النظري الذكي العاقل هو أن يقول " وقد يعترض المرء،؟ وقد يعتذر المرء؟ وقد يقال بقوة وجرأة؟ ". أما الاتهام الكبير الآخر وهو أن التحليل يشوه الجمال (أنظر موقف بلاكمور في مواجهة مجاز يصور امرأة تنشر نصفين، فإنه مواجهة للشيء نفسه) فإن إمبسون يقره بغلظة وجفاء حين يقول:
أن النقاد، وهم في هذه المسألة " كالكلاب العاوية "، نوعان: فريق يفتأون ما في أنفسهم يتشمم زهرة الجمال، وفريق أكثر نهماً من الأولين وهم الذين يجرحونها بكثرة التقليب. ولا بد لي من أن أعترف بأنني أطمح إلى أن أعد في الفريق الثاني، فإن الجمال المصمت الذي لا يجد تفسيراً وتعليلا يثير أعصابي ويدفعني إلى تجريحه وتخديشه بالتقليب، وقد يصح القول بأن جذور الجمال يجب أن لا تدنس، ولكني أرى أنه لمن العجرفية أن يظن الناقد المتذوق أنه يستطيع ذلك، بقليل من التجميش، إن شاء ذلك ".
وقد باين إمبسون بصراحة طريق الناقد " المتذوق " وتميز نقداً " تحليلياً "، وأحياناً يكتب كأنما يعتبر نفسه، على الحقيقة، النوع الثاني من الكلاب، أعمى عن التذوق، وعن اللامحدود في الشعر، ومن ذلك أنه يفتخر في أحد المواضع بأنه استطاع أن يحول شيئاً " سحرياً " بالتحليل
стр. 392
إلى شيء " محسوس ". وعلى رغم هذا كله فإن إمبسون قد حدد فرضيات طريقته بأوضح مما فعل أي ناقد آخر - على وجه الإجمال - وهذه الفرضيات تهدف في النهاية إلى التذوق، غير أنه تذوق يتم من خلال الفهم، كتب يقول:
حين أنحل التحليل كل هذه الخصائص أبدو وكأنما سلكت نفسي في الدائرة " العلمية " من دوائر النقد الأدبي وبالتفسيرات " السيكولوجية " لكل شيء، وبالأعمدة التي تتحدث عن معامل الحساسية عند القراء. وبين النقاد نوع من النظام الحزبي آخذ بالتكون. وسيقال في النقاد الذين لا يعتقدون مبدأ الصدق وحده ولا مبدأ الجمال وحده أنهم متقلبون متنقلون، أما الخير، فذلك العضو الثالث في تلك " الثلاثية " المتماسكة، فإنه لم يعد يقرن إلا بالصدق، حتى أنه لم يتوقع من الجماليين أن يظهروا قلة اكتراث بالمبادئ التي يؤسسون عليها في الحقيقة (أو هذا ما يجب أن يفترضه المرء) حياتهم.
وفي الوقت نفسه نجده صريحاً واضحاً حول المدى التجريبي وحول المحدودية النهائية، التي تشتمل عليها طريقته، يقول:
حين يرغب الناقد في تطبيق التحليل الكلامي على الشعر فإن موقفه يشبه موقف العالم الذي يرغب في أن يطبق مبدأ الحتمية على الكون، فقد لا يكون مبدؤه منطبقاً في كل ناحية، ثم هب أنه أنطبق تماماً فإنه لا يفسر كل شيء، ولكنه لابد له من افتراض صحة انطباقه، حيث يعمل، ما دام يريد أن يؤدي عملا، وأن يفسر به ما يحاول أن يفسره.
ولا يدرك إلى أي مدى يبدو المبدأ صواباً - منطبقاً تماماً - وإلى أي مدى يساعد في التفسير، إلا قارئ كتاب " سبعة نماذج من الغموض ".
أما الكتاب الثاني " بعض صور من الأدب الرعوي " (وقد نشر في
стр. 393
هذا البلد سنة ١٩٣٨ بعنوان " الشعر الإنجليزي الرعوي ") فقد ظهر بإنجلترة عام ١٩٣٥، ولما كنا سنتحدث عنه بشيء من الإسهاب فيما يلي، فأنا لا نحتاج هنا إلا أن نلحظ أنه استمرار لجميع مظاهر " النماذج السبعة " وأنه مضى طلقاً بعده في القراءة الدقيقة لنواحي الغموض وزاد عدداً من التحسينات والتوثيقات. وقد تركز هذا الكتاب الثاني على " النوع " أي على نوع من الشعر سماه إمبسون " الرعوي "، واستخلصه من مظاهره الاسلوبية، وجعله شكلا وحوله إلى منحى شعري موجود في أنواع من الأدب شديدة التباين فيما بينها وحسبك بهذا موقفاً ساخراً معقداً. وبذلك حطم إمبسون الضدين النقديين الباليين، وهما " الشكل " و " المضمون " حتى في شكلهما المصطنع التقليدي من أجل غايات تحليلية، وانتحى في مكانهما نحواً نقدياً ينكر أن الاثنين كيانان منفصلان، وعالج ما اعتاد الناس تسميته " شكلا " على انه محتوىي، والعكس بالعكس. وقد كان منهاجه جشطالتياً، دون أن يقرر ذلك، في نظرته إلى كل القصيدة، أما المصطلح " رعوي " فقد استعمله مبدأ عضوياً دينامياً، ومد في مفهوم " الغموض " ووسعه حتى أصبح آلية نقدية يعالج بها الأثر الفني كله، لا مواطن الالتواء فيه.
ومنذ أن كتب إمبسون " بعض صور من الأدب الرعوي " انشغل بما لا أحده، فلم يظهر له أو عنه شيء من عندئذ، على الأقل في أميركة (١) .
стр. 394
وفي سنة ١٩٣٧ كتب مراجعات في مجلة " كريتريون "، من بينها مراجعة عن رتشاردز وانهمك في جدل أدبي مرير على صفحات مجلة " شعر " (شيكاغو) مع جيوفري جرجسون محرر مجلة " الشعر الجديد " - كتب جرجسون " رسالة لندنية " ينقد فيها موت النشاط الأدبي الإنجليزي حينئذ فكتب إمبسون " رسالة لندنية " يجيبه، وينقد موت أدراك الأدب عند جرجسون، فرد عليه هذا بسيل من السب والقدح وأنهى إمبسون الجدل بتحقير عام صبه على جرجسون، ولم يكن في ذلك الجدل ما يسهم بشيء من النقد. ثم سافر إمبسون بعد ذلك في وقت ما من عام ١٩٣٧ إلى الصين ليدرس هنالك (وكان في اليابان سنة ١٩٣٣) وبقي في الشرق سنتين فلما نشبت الحرب عام ١٩٣٩ رجع إلى إنجلترة وتلبث قليلا في الولايات المتحدة.
وكان إمبسون طوال كل هذا الوقت يجرب أن يبرز في شعره الامتداد الساخر للأنواع الشكلية، شبيهاً لما صنعه في النوع " الرعوي ". وأول مجلد شعري له كان يحتوي استعمالين " جادين " لشكل القصيدة الريفية (١) Villanelle يتفاوتان في نجاحهما. وفي مجلة كريتريون، عدد أيار (مايو) ١٩٣٧ نشر قصيدة ريفية ناجحة تماماً عنونها فيما بعد بأسم " تواريخ مفقودة " وفيها اختلط الشكل الوتيري الجافي - كما هي الحال في " سداسية " سدني - بالفكرة الفلسفية التي يراد التعبير عنها. وفي أميركة استمر إمبسون على منحاه نفسه في النقد. فحاول في مراجعة كتبها عن كتاب " الشعر الحديث والاتباعية " لكلينث بروكس ونشرها في مجلة " شعر " عدد كانون الأول (ديسمبر) ١٩٣٩ أن يحول أشد المصطلحات ابتذالا مثل: شعر الدعاوة - الشعر العاطفي - الشعر السامي، إلى أنواع
стр. 395
متمايزة ركينة مقترحاً مظاهر للبناء، محدداً نوع الوظيفة التي تلحق بكل نوع.
وفي كانون الثاني (يناير) ١٩٤٠ ألقى إمبسون محاضرة في ييل عن " فوائد الإنجليزية الأساسية للنقد " (١) فطور بذلك مظهراً جديداً لطريقة ريشاردز في النقد، ثم وسع فكرته هذه في حديث أذاعه، وجعل عنوانه " الإنجليزية الأساسية وودرزورث " وطبعه في مجلة " كينيون "، عدد الخريف عام ١٩٤٠، وفي هذا المقال اقترح أن تتخذ " الإنجليزية الأساسية " التي كان يعمل فيها مع اوغدن ورتشاردز (قام بوضع ترجمات أساسية للسلسلة أوغدن) وسيلة لنقد الشعر. وقد سلم بان الشعر لا يمكن ان يكتب بالإنجليزية الأساسية لان واحداً من متطلبات الشعر ان تكون الأفعال مركبة، واقترح عوضاً عن ذلك ان يقرا الشعر بعون من الإنجليزية الأساسية. (قدم رتشاردز من قبل اقتراحاً مماثلاً لقراءة النثر في " التفسير في التعليم ") . فالقارئ يترجم القصيدة إلى اللغة الأساسية وبلك يحطمها وهو ينثرها، وفي سياق هذه المحاولة لترجمة الكلمات المعقدة في معنى واحد واضح، يزيح القارئ " الغطاء "، ويرى لم جاء " الوجه الأساسي خطأ " ويستكشف المجموعة المركبة من الأفكار الكامنة وراء ما يبدو انه مشاعر بسيطة. ويوضح إمبسون هذه الخطة بمثل من وردزورث مثلما كتبه هذا الشاعر أولا ثم كيف أعاد كتابته وذلك بنثره إلى لغة أساسية وتحليله. أما التحليل فإنه غاية في الخمول وعدم والتمييز، ومثله يستقل من إمبسون، فالنقاط فيه ساذجة ويبدو انه يقترح أن يستعمل اللغة الأساسية كأسلوب ميكانيكي لتؤدي ما يعمله عقل الناقد أوتوماتيكياً بالقراءة، دون أساليب ميكانيكية. ولا ينجح
стр. 396
إمبسون في الكشف عن أية حاجة أخرى إلى اللغة الأساسية في نقد الشعر أكثر من حاجة هذا النقد إلى الآرامية والقطلانية، لان ترجمة قصيدة ما في إحدى هاتين اللغتين، أو في أية لغة أخرى، قد يؤدي المهمة نفسها بقدر مشابه من الإتقان.
وفي سنوات الحرب كان إمبسون يعمل في القسم الصيني من محطة الإذاعة البريطانية، واختفى تماماً من عالم الطباعة، على الأقل في أميركة. ثم ظهرت له مراجعات عدة خلال عامي ١٩٤٦، ١٩٤٧ في مجلة " الشعب) ، وقد صنعها قبل ان يعود ليدرس في الصين. وأول مراجعة تناولت " كريستوفر مارلو " Christopher Marlowe لبول هـ. كوتشر، وليس فيها من شيء إلا مقاومة رأي كوتشر، وهو رأي طريف، في مارلو صدع فيه بالحقيقة القائلة: ان مارلو هو " الرجل الذي عسا على الفاشية " (تعبير لرادك قاله في سيلين وكان إمبسون مغرماً به دائماً) ، وقال فيه أن " الحقيقة الأساسية المتعلقة بآثار مارلو " هي أن نلحظ أن مناظر الرعب، وهي الذرى في رواياته، إنما هي عقوبات مسرحية لإثمي مارلو نفسه، يعني الكفر بالله والشذوذ الجنسي. وكانت مراجعته الثانية للطبعة الأميركية من قصة " المسخ " Metamorphosis لكافكا أكثر ضحالة وما زاد فيها على ان كال السباب للمقدمة وللتوضيحات وسماها " متعنتة " وصرح بان القصة " لكمة على الفك " (الأميركي قد يقول " في الفك ") وعد فيها تذبذبات كافكا وأخطاءه السخيفة. أما المراجعة الثالثة عن " كتابات مختارة " لديلان توماس فقد تحدث فيها عن شعر توماس بمصطلح غامض، وبعد جهد كشف عن المعاني الكامنة في سطر واحد، وأما الرابعة فأنها فقرة واحدة لحظ فيها أن شعر روبرت غريفرس قوي الأسر خفيف معاً. وتؤيد مراجعاته في مجلة " الشعب " ظناً يحيك في صدر كل من يقرا كتبه، وهو أن المراجعة
стр. 397
القصيرة ليست المجال الصالح لإمبسون الذي يبدو انه يريد دائماً متسعاً يجول فيه ويصول (١) .
٢
- أن خير عبارة نفتتح بها تحليل كتاب " بعض صور من الأدب الروي " لهي تصريح إمبسون المدهش في الفصل الأول بأن كتابه هذا
стр. 398
محسوب في علم الاجتماع. ويقول في تحديد هدفه: " لعل القضايا التي أثيرها هي المدهشة لا العادية، وإذا علقت بمثل من الأمثلة تتبعته استطراداً دونما اهتمام بوحدة الكتاب، حقاً انه ليس كتاباً خالصاً لعلم الإجتماع، وهذه حقيقة لا تسمح لكثير من المشاعر الاجتماعية الهامة ان تجد طريقها إلى الأدب ". والتعبير الهام هنا هو " المشاعر الاجتماعية " لان الكتاب وقف على التبصر في النزعات من وجهة نظر تاريخية نسبية، وكيف تجد التعبير عنها في أنواع من ذلك البناء التركيبي الذي يسميه " رعوي " في جانبي شكله ومضمونه. وهو بحث عن " الأشكال الثابتة التي تكمن وراء المظاهر التاريخية المتغيرة " كما يقول كلينث بروكس. وهذا الشكل الثابت أي الرعوي هو فلسفة ونزعة اجتماعية أو شعور وغموض ساخر وموضوع للدعاوى وخطة أسلوبية كل هذه جميعاً في وقت معاً؛ والحق أنه لابد ان يكون ممثلا لكل هذه الأمور مجتمعة أو يصبح شيئاً كلا شيء؛ والكلمة التي تنفك تلتحم بكلمة رعوي فهي لفظة " بسيط " إذا يعرف إمبسون الرعوي في أحد المواطن: " بأنه ناس بسطاء يعبرون عن مشاعر قوية في لغة محررة موشاة " وفي موطن آخر يقول أنه " ثناء على البساطة " وفي ثالث يقول " هو إحالة المركب إلى بسيط ". ويعرف الجوهر المتضاد في الرعوي بقوله " أن يحكم على الشيء المرهف بالأساسي وان تستقاد القوة من الضعف، ويلحظ الميل الاجتماعي في الوحدة، وتتعلم خير الأخلاق من الحياة البسيطة " ويقول في موضع آخر: " إذا اخترت فرداً هاماً من طبقة ما فالنتيجة ملحمية بطولية. وإذا اخترت فرداً عادياً فالنتيجة رعوية ".
وهذا النوع الرعوي الذي اهتدى إليه إمبسون هو في الأساس هو مذهب البساطة أي هو شيء في الأدب يشبه ماري أنطوانيت ووصيفاتها وهن يتواثبن على المروج الخضر لابسات ثياب الراعيات، ولابد أنه اهتدى
стр. 399
إلى هذه الفكرة من خلال عملية تجريدية، إذا لحظ إن الجو الريفي والغنم والمروج الخضر في الشعر الذي يسمونه - تقليدياً - رعوياً، ما هي إلا زخارف سطحية وأن ما تشترك فيه الأشكال المتنوعة من هذا الشعر إنما هو في أساسه نزعة اجتماعية فحسب. ولم يتبق عليه من موقفه هذا إلا خطوة واحدة يلحظ منها أن الأمثلة الأدبية الأخرى البعيدة عن الأمثلة الرعوية إنما هي طرق للتعبير عن هذه النزعة نفسها أيضاً فيضيفها بذلك إلى الأشكال الرعوية وبعض هذه الأشكال الأخرى تميز العصور الأخرى بما في ذلك عصرنا.
فالقصيدة الرعوية ليست إذن قصيدة عن الرعاة ولكنها قصيدة تحاكي الأناشيد الرعوية القديمة التي كانت تدور حول الرعاة. وليست الفصول السبعة في الكتاب (أي غرام هذا الذي يحمله امبسون لهذا العدد الباطني؟) (١) إلا سبع صور من الشعر الرعوي وأولها، وهو أكثرها إثارة للقارئ الذي امتلأت بالأفكار التقليدية، يتحدث عن الأدب البروليتاري. ولدى امبسون فكرة غير متناسبة نسجها من ذهنه عن البروليتاري فاستعملها في هذا الفصل ليجعل منها صورة الراعي الممجد ليحدد السخرية الكامنة في طبيعة هذا النوع من الشعر الرعوي. أما الصور الست الأخرى من الشعر الرعوي فإنها أقل بقليل استثارة لدهشة القارئ وتتحدث عن الحبكة الثانوية في المسرحية ذات الحبكة المزدوجة وعن " سوناتة " لشيكسبير تدور حول الأرستقراطية وعن قصيدة لمارفل عنوانها " الحديقة " وعن " الفردوس المفقود " و " اوبرا الشحاذ " و " أليس في أرض العجائب " (الطفل في صورة راع) . وبعد الفصل الأول يري الكتاب، وهو يتغلغل تاريخياً خلال الأدب الإنكليزي في إنطلاقات متفاوتة،
стр. 400
التغييرات التي انطبعت على الفكرة الرعوية خلال القرون فشملت أولا ترديداً للقصة الملحمية في الدراما على مستوى غير عال، وسمحت بدخول المتناقضات الساخرة في السوناتة الشيكسبيرية، واستعملها مارفل ليقرر التضاد، وتحولت عند ملتن إلى صورة لاهوتية " طهارة الإنسان والطبيعة " ومسحها غاي بمسحة مدنية، واستعملها لويس كارول أناء لتسريب المشاعر الجنسية الشاغلة.
وهذا كله طبعاً يشير إلى تدرج اجتماعي؛ ويتكئ إمبسون بشدة على علم الاجتماع وخاصة النظريات الماركسية ليوضح الأصول الاجتماعية ووظيفة كل نظرية منها. وأهم ممارسة في هذا التحليل هي الفصل الذي كتبه عن " الأدب البروليتاري " وهو فصل ينكر في الوقت نفسه كثيراً مما يسمى أدباً بروليتارياً رآه امبسون، ويضع مبادئ صلبة لأدب بروليتاري مستمداً من النظريات الفعالة في الحضارة الرأسمالية وأخرى قد تزدهر في الحضارة الاشتراكية. ثم يصنف في الوقت نفسه المظاهر البارزة لعدد من الآثار الأدبية حسب النظرة الطبقية فيسمي الانيادة نفخة سياسية من اجل أغسطس (مقتبساً ذلك عن بوب) ويرى أن مرثاة غراي (ههنا فقرة مدهشة) تحتوي على " أيديولوجية " برجوازية ويستمر في تبيان القاعدة الطبقية للقصص الخرافية وأغاني الحدود وآثار لويس فردنند سيلين. والحق أن امبسون يستعمل التحليل الطبقي خلال الكتاب كله ملاحظاً أن الفكاهة الساخرة وسيلة يستدرج بها المرء لكي يتقبل أن يكون محكوماً وان الرواية تحتوي حبكة بطولية وحبكة رعوية ثانوية لكي تدل " على علاقة صحيحة جميلة بين الأغنياء والفقراء "؛ وان المعارضات الساخرة تقوم بدور التسريب الاجتماعي، وتخلص الجماهير من الدوافع التي تدفعها إلى المقاومة الشديدة. (فهي إذن وسيلة لتجريد النقد من قوته سواء ما كان منه اجتماعياً أو فنياً وليست وسيلة للنقد) وهلم جراً.
стр. 401
ولم يذكر ماركس إلا مرة واحدة في الكتاب وذلك عند ذكر الإشارات إلى المال في " أوبرا الشحاذ " وان تلك الإشارات إنما هي احتقار للمال كتلك التي وردت في " تيمون " وقد حلل هذه الثانية " بلذة فائقة ". ومع هذا فإن الكتاب ضمناً ماركسي في مجموعه وهو شيء لم يلحظه إلا كنث بيرك فيما يبدو إذ تنبه إلى ان " الاتكاء على الماركسية قد منح كتابه أفقاً جديداً " وقال في تقديره له " وقد يطول نظر المرء في كتابات اشد النقاد الماركسيين اعتداداً بأنفسهم قبل أن يجد مثل هذا التحليل الماركسي العميق للأدب " (من الممتع أن نلحظ أن إليك وست وهو الناقد الماركسي الوحيد الذي يبدو انه وجه عناية لمؤلف امبسون يقتبس باستحسان عوامل التغيير الاجتماعي التي يجدها كامنة وراء " مرابع الترتيل العارية المهدمة " ويهمل كل ما عداها من العوامل) .
كذلك فإن كتاب " بعض صور من الأدب الرعوي " يتوغل في استغلال فرويد والتحليل النفسي أكثر من كتاب " سبعة نماذج من الغموض " ومركز الدائرة في هذا الاتجاه هو الفصل الذي كتبه عن " أليس في بلاد العجائب " ولعله انجح تحليل فرويدي مختصر للأدب خط فلم كاتب حتى اليوم. ويشير امبسون إلى أن النقاد فيما يبدو قد تجنبوا الجاد " لأليس " خوفاً من ان يقودهم ذلك حتماً إلى التورط في شعاب التحليل النفسي وان النتائج بعد ذلك ستكون محرجة. إلا أن دودجسون (١) نفسه كان فيما يظهر على وعي بمعاني الكتاب لأنه قال لممثلة كانت تؤدي دور (ملكة القلوب " بان دورها رمز " للشهوة الحيوانية الجامحة " كما تراها عينا طفلة لا تبص فيهما الرغبة الجنسية. ويقول امبسون: " أن الكتب تدور بصراحة حول النمو حتى انه ليس كشفاً ضخماً أن نترجمها بالمصطلح
стр. 402
الفرويدي؛ ولعل هذه الترجمة هي الوسيلة المثلى لتفسير الكاتب الكلاسيكي حتى حين تكون صدمة للمؤلف؟ وسأستعمل التحليل النفسي حيث يبدو مناسباً ". ثم يمضي في تحليله مظهراً أن الكاتب تمثل تنوعاً من الأنموذج الرعوي حين يكون خفيفاً موصلا بالطفولة عصبياً. أما ذلك الأنموذج فهو " الطفل يصبح قاضياً " أو الطفل المحسود لأنه عادم الرغبة الجنسية (إذ أن دودجسون عادل بين تطور الجنس والموت) وإليك نموذجين صغيرين من تحليل أمبسون المطول يدلان على طريقته:
إذا أراد المرء أن يجعل قصة الحلم الذي تشققت منه " بلاد العجائب " يبدو فرويدياً فما عليه إلا أن يقصه. سقطة، خلال شق عميق، في أسرار الأرض - الام الكبرى - تنتج نفساً جديدية محصورة تعجب من هي وماذا سيكون موقفها في العالم، وكيف تستطيع أن تخرج من مأزقها. أما المكان الذي وجدت نفسها فيه، فهو بهو طويل داني السقف، وهو جزء من قصر " ملكة القلوب " (وهذه لمسة لبيقة) ، لا تستطيع أن تبرحه إلى الهواء الطلق والينابيع، إلا من خلال ثقب مخيف من شدة ضيقه. وتحدث لها في ذلك المكان تغييرات غريبة من جراء الطريقة التي تغتذي بها، ولكنها حين تكبر تعجز عن الخروج، فإذا صغرت لم يؤذن لها بذلك، لسبب واحد: وهو إنها لا تملك مفتاحاً لأنها بنت صغيرة. أن الموضوع الكابوسي عن آلام الولادة أي حين تنمو، وتكبر عن مدى الغرفة، وتكاد فيها تتحطم وتختنق، لا يستعمل فحسب في هذا الموضوع من القصة، بل يكرر بصورة أشد إيلاماً بعد أن يبدو لنا إنها خرجت، غذ يرسلها الأرنب بفظاظة إلى بيته، ثم يقدم لها نوع من الطعام يجعلها تنمو ثانية. وحين
стр. 403
يرسمها دودجسون وقد تشنجت عضلاتها في الغرفة وإحدى قدميها مرتفعة فوق المدخنة، وهي تركل بها الشيء البغيض الذي يحاول النزول (تأخذ قلمه حين يكون أحد المحلفين) (١) فإنها تمثل وضع الجنين بأوضح مما يمثله الرسم الذي صنعه لها تنيل (٢) ؟
أن الكمال الرمزي في تجربة " أليس " هام فيما اعتقده لأنها تمر بجميع المراحل فهي أب في نزولها الشق، جنين في قاعه، ولا تستطيع ان تولد إلا حين تصبح أما وتفرز غرسها (٣) وسواء أكان ذهنه على وعي بترجمة هذه المراحل في القصة أم لم يكن فأن لديه المشاعر التي تناسبها وتتجاوب معها فان رغبته في ان يحشر كل الشؤون الجنسية في الطفلة وهي أقل المخلوقات الإنسانية حظاً من الجنس، ويجعل الجنس منها في الموطن الأمين - أن رغبته تلك كانت جزءاً هاماً من سحر هذه المراحل في نفسه، فهو يتخيل نفسه هذه الطفلة (مع هذه الخصائص المريحة فيها) بعض الشيء، ويتخيل نفسه أباها من وجه آخر (هذه الخصائص معاً تجعلها أباً) وكذلك يتخيل نفسه من ناحية ثالثة حبيبها - ليمكنها ان تكون أماً - ولكنها بالطبع ماهرة منعزلة إلى درجة تمكنها من ان تعمل كل شيء لأجل نفسها.
والنظرات النفسية التحليلية موزعة في جميع الكتاب، بالإضافة إلى هذا الفصل، فيتناول امبسون القراءة النفسية التي أجراها إرنست جونز على هاملت ويوضح إنها تشير إلى وجود حبكة مزدوجة، ويستعير اصطلاح
стр. 404
جونز " تجزئة " - أي تجزئة الشخصية الواحدة في عدة شخصيات وكل واحدة تمثل مظهراً واحداً من الشخصية المجزاة - ويتخذه مبدأ أدبياً عاماً منفصلا عن عقدة أوديب. ويحلل صورة الشكس والشذوذ الجنسي المرتبطين معاً عند شيكسبير ومارلو، وإيحاءات اللواط والزنا بالمحرمات التي يلون بها دريدن الحب الطبيعي في رواياته، وهكذا. وقد كشف أمبسون في كتاب " سبعة نماذج من الغموض " عن معرفة واسعة بفرويد ولكنه لم يزد على أن يدور حول مصطلحات مثل " النقل " و " الخلط " ليصنف العمليات الأدبية. وليس في " بعض صور من الأدب الرعوي " إلا إشارتان مباشرتان لفرويد إحداهما في بحث نظريته عن عقل الجماعة والأخرى تتصل بالعلاقة بين الموت والجنس في التورية التي تكمن في كلمة " يموت " die حسبما يستعملها كتاب عصر اليزابث. ولكن الكتاب أكثر من سابقه اطلاعاً على النظرات الفرويدية. وكلا الاتجاه الفرويدي والاستطلاعات الماركسية في الكتاب لم يعترف بها النقاد المحافظون فمثلا لم يذكر امبسون أبداً في كتاب هوفمان (الفرويدية والفكر الأدبي " " Freudianism and the Literary Mind " وهو بمثابة فهرست شامل للأدب الذي استغل آراء فرويد.
وبالإضافة إلى ماركس وفرويد يفيد إمبسون من اثنين آخرين من عظماء القرن التاسع عشر وجهها العقل الحديث وهما دارون وفريزر، فلديه تحليل فذ للدارونية التي تتضمنها " أليس "، إذ وجد أن الكتاب " يمسرح " المبدأ القائل بان علم تطور الفرد يجمل علم تاريخ الجنس وانه أيضاً يعلق تعليقات منحرفة على المشتملات الخلقية والسياسية الموجودة في مبدأ بقاء الأصلح. أما " الغصن الذهبي " فانه ذو أثر واضح خلال الكتاب كالذي قلناه عن أثر فرويد، فان إمبسون يعتبر العامل في الأدب البروليتاري شخصية مذهبية أسطورية أي يعتبر بطل القرابين ألهاً محتضراً
стр. 405
ويقارن بينه وبين الأنموذج الاضحوي المشرقي عند فريزر، وهو يلائم الاشتراكية أكثر، أعني الإنسان الذي يشارك الطبيعة في الطهر والبراءة. ويبدو أيضاً أن " بعض صور من الأدب الرعوي " متأثرا كثيراً بمدرسة كمبردج أي بجماعة المشتغلين بالانثروبولوجيا من دراسي الكلاسيكيات (تأثير معقول في رجل كان يوماً منتسباً إلى كمبردج) مع أن الكتاب الوحيد الذي يتحدث عنه امبسون على التعيين من كتبهم هو " من الدين إلى الفلسفة " لكورنفورد. يضاف إلى هذه القاعدة المنظمة لنقده - وهي تشتمل علم النفس والاجتماع والانثروبولوجيا واللغويات - استمداده من رصيد هائل من معارف عويصة نسبياً وتمتد من ميدان الطبيعيات الذرية إلى الفلسفة واللاهوت من اجل المجازات والأمثلة.
ولا يرتكز هذا الكتاب حول شيكسبير كما هو واضح في حال الكتاب السابق، ولكن شيكسبير يظل خير مجال تنجح فيه طريقة إمبسون؛ فهو يلحظ أنواع الغموض، ويقترح أن شيكسبير أبي أن يحسم بين المعاني الممكنة عامداً، ويستكشف الحبكة المزدوجة في رواية " ترويلوس وكريسيدا "، وفي القسم الأول من " هنري الرابع "، ويحلل بتطويل كثير سوناتة لشيكسبير، وأخيراً يسلط الروايات والسوناتات بعضها على بعض ليفيد من أضوائها الموضحة بالتبادل. ولعل واسطة عقد الكتاب هي تحليله للسوناتة رقم ٩٤ " أولئك الذين لديهم القدرة على الأذى ثم لا يفعلون " وهي خير عرض للقراءة الدقيقة التي يؤثرها إمبسون، سطراً سطراً. ويعلن في الفقرة الأولى من هذا التحليل، ساخراً، أن السوناتة تهيء " ٤٠٩٦ حركة من حركات الفكر مع إمكانات أخرى " وإنه فحسب يستطيع ان ينظر في عدد قليل من المعاني الممكنة التي تبدو هامة. ثم يتقدم لقراءة القصيدة قراءة جد مسهبة لم تنلها قبلها قصيدة غنائية، فيما أقدره، ناثراً لما فيها من نزعات، مستكشفاً صلتها بأفكار بالغة
стр. 406
التباين، كالمسيحية والميكافلية مخمناً المركز الاجتماعي ل و. هـ (١) . مترجماً الإمكانات في جميع الكلمات الرئيسية، مختتما خيراً بحل نثري مدهش لما فيها من سخرية مركبة، إذ يقول:
أنا اطري لك المحقرات التي تعجب بها؛ يا ذا المكايد الصغير، فهذه هي الطريقة التي يحاول الآخرون أن يخدعوك بها متملقين، غير أن الذي يخدعك حقاً هو سماحتك الصغيرة وإن كانت لا تبدو إلا في ثوب الفسوق. ومن الحكمة أن تكون فائزاً أما أولا فلأن تلهبك يجاوز الحد، وأما ثانياً فلأن غلظة كبدك جرعتني القذى، غير إنني أستطيع أن أعفو كلما تذكرت الحديث الذي جرى في خلوتنا. ولا بد لي من أن أطري لك أخطاءك عينها، وأنانيتك على التعيين لأنك الآن فحسب تستطيع أن تربها حتى تنمو وبذلك تعيش مطمئناً. غير إن هذه الضرورة أشد أخواتها خطراً، فالناس طماحون بأبصارهم إلى سقطتك وانتكاستك شأنهم في ذلك مع كل عظيم. والحق أنه لا يستطيع أحد أن يعلو على مستوى الحياة المبتذلة، مثلما علوت وتوقلت الذرى، دون أن ينحط بنفس النسبة ويقع تحت مستواها. لقد جعلت هذه النصيحة حقيقة لدى نفسي، لأني لا أستطيع أن أنبذها احتقاراً، من أجلك، وما أنا واثق من شيء إلا من أنك علق نفيس يحفه الخطر.
وطبيعي إن هذا الشيء لا يرضي دارسي شيكسبير مثلما لا يرضيهم تقييمه لأعمالهم في كتاب " سبعة نماذج ". وليست علاقات إمبسون بالدراسة
стр. 407
والدارسين من العلاقات الطيبة. فإن الطبعة الجديدة ذات القراءات المتعددة من سوناتات شيكسبير ترى تعليقاته انحرافات غريبة، وذكر كلينث بروكس في دراسته لنقد إمبسون بمجلة أكسنت، صيف ١٩٤٤، وهو بمعرض التعليق على إحدى أخطائه الساطعة - ذكر أن جيوفري تلوتسون قد لفت الانتباه إلى عديد من زلاته الدراسية ورداءة اقتباسه. ولحظ ليفز كذلك أنه يسيء الاقتباس والترميم. ويستطيع أي واحد أن يعثر على ثغرة عند إمبسون - أما الثغرة التي أراها أنا فهي جهله الصريح بأن المسرحية في عهد إليزابث كانت تقرأ على المسرح بأسرع مما نقرؤها اليوم لا بأبطأ - ولكن كل الثغرات تافهة لا يؤبه بها. وقد يخطئ إمبسون وهو مسرع غير إن عمله - بمعنى شامل - دراسة عارية عن الخطأ - من ناحيتي النص والتاريخ - ومن طراز رفيع. ومن الغريب أنه يمنح النصوص الدراسية احترامه الفائق ولكنه يرى فيها نوعاً من شعر رفيع غير صائب ولعل هذا أشد إساءة للدارسين من الرفض الصريح لما يعملونه. ومن ألمع الفصول وأحفلها بالذكاء في كتاب " بعض صور من الأدب الرعوي " فصل عنوانه " ملتن وبنتلي " يتناول فيه " الفردوس المفقود " من خلال التصحيحات النصية، والقراءات الواردة في طبعات بنتلي وخصمه زخاري بيرس، وهو يضرب بقراءاتهما مثلا على تركيز الأهمية، دون أن يفهماها، وهذا بعينه هو الطريقة التي يقدم بها هنري جيمس في قصصه معنى جيداً، بسرده شخص غير فاهم لما يقول.
وهناك جانب كبير من الكتاب لم يزد على أن يكون استمراراً لتتبع تفريعات الغموض، مع إن إمبسون يحاول أن يتجنب استعمال هذه الكلمة، ومن وقفاته النموذجية في هذا الكتاب عثوره على تعليقة في طبعة إكسفورد من ديوان مارفل، تبرز " معنى مزدوجاً متعارضاً "، ورد في دوبيت من قصيدة " الحديقة " ثم يعلق على ذلك بأن هذا الغموض نفسه (الذي
стр. 408
يسميه " المعنى المزدوج " أو " وقفة الترجيح ") يتخلل كل عبارة أخرى في القصيدة. وأحياناً تتجاوز ضروب الغموض مدى القصيدة وناظمها، وإذا بها تصيب سواد قلب التعبير الاجتماعي بالكلمات، كالتعليق الذي كتبه إمبسون على المصطلح الفكتوري " رهيف " delicate إذ قال: " إن العبارتين العميقتين المشمولتين في هذه اللفظة بما احتشد فيها من معاني هما: (أ) " لا تستطيع أن تجعل امرأة ما مرهفة إلا إذا أمرضتها، وأغمض من ذلك ". (ب) إنها تشتهي لأنها كالجثة ".
وكثيراً ما يحصل إمبسون على دقائق المعاني، كما يفعل بلاكمور، نتيجة للجهد الكبير، لا بخفقة من خفقات الإلهام، من ذلك أنه يستخرج كلمة " الخضر " من شعر مارفل، ويدرس كيف استعملت، ويعين قرينة الأفكار المتداعية المترابطة، قبل أن يمضي للكشف عن نواحي الغموض في الخضرة، وأحياناً أخرى يقدم لنا عنقوداً من المعاني، دون أن يذكر مصادرها، وقلما يعرف القارئ على وجه الدقة كم من المعاني التي أوردها إمبسون كان مقبولا عهدئذ على نحو موضوعي، وكم هي المعاني التي كانت من ابتكاره، وفي خير الأحوال يختلط هذان الصنفان، فتكشف بصيرة إمبسون عن معنى قديم منسي، أو تكون مقنعة إلى حد أن تجعل المرء يعتقد أن الرأي الذاتي الذي عرضه هو حتماً المعنى الصالح موضوعياً لكل زمان. وتفسيره لعادة استحضار الحمقى في الأعراس، في عصر إليزابث مثل نموذجي على هذا، حين يقول:
إن الفصل الهزلي الذي يتخلل الحفلة التنكرية في الأعراس العظيمة وهو يعتبر في مستوى أدنى من المستوى الإنساني، كان يقوم مقام الحمق الذي ينتج عن الفوضى، ليظهر إن الزواج شيء ضروري، فبدلا من أن يسخر الجمهور بالعروسين، يسخر منهما الممثلون في هذا الفصل فيؤدي وظيفة الجمهور
стр. 409
لكي يهدئ من شغف الحاضرين بالسخرية، وليدل على أ، الزواج أقوى من أن تضر به السخرية (كانت السخرية تدور على أن العروسين غير مخلصين أو بريئين؟ الخ) .
وهذا في أسطر هو ملخص طريقة إمبسون في كتابه " صور من الأدب الرعوي ": المعرفة والاستطلاع الاجتماعي والسيكولوجي؛ التأكيد الأنثروبولوجي على أن الشعائر هي المحور، الوقوف بين بين إزاء الدراسة فلا قبولها تماماً ولا رفضها بتاتاً، حضور معنى الغموض والتركيب، ووجود المعاني المختلفة في مستويات مختلفة ومشتملات لا حصر لها؛ الاتهام الفكري بالوضوح في كل شيء، القراءة الدقيقة والداب الكثير، تجميع المادة المدروسة؛ الميل دائما للتعميم من المنهج الشكلي إلى نوع يضم الشكل والمحتوى؛ المعية الاستبصار وصوابه في النهاية. فلعل الرجل العروس في عصر اليزابث لم يكن يستطيع أن يفسر لم كانت حفلة عرسه تضم ناساً حمقى ولكنه المرء يشعر حتماً أنه قد يوافق على تفسير إمبسون لو سمعه (أما خصم هذه الطريقة فقد يقول في جوابه: هذا صحيح ولكن الشخص الوحيد الذي يملك أن يفضي إليه بهذه الحقيقة هو أحد أولئك الحمقى) .
٣
- استمد امبسون كتابه الثاني من موروث في النقد النوعي، غير أنه ليس موروثاً قديم الأصول، بل ينبع، في قليل أو كثير، من أدب القرن الثامن عشر الإنجليزي (وان كانت بواكير منه اقدم من ذلك تعود إلى بن جونسون وإلى فكرة دريدن عن المسرحية " الملحمية " وإلى غير هذين) وقد لحظ غمبسون أصوله المتصلة بالنوع " الرعوي "، وربما كانت هي التي أوحت إليه بالكتاب، وذلك حين قال في الفصل الذي كتبه عن " أوبرا الشحاذ " أن سويفت ألمح إلى غاي بأنه يستطيع أن
стр. 410
يكتب أدباً رعوياً يصور به نيوغيت (١) . غير أن إشارة غمبسون هذه غامضة قد توحي لسامعها بان غاي ربما كان يظن انه حقق ذلك؛ لكن القصة الحقيقية كما رواها بوب في " أحداث سبنس " Spence " s Anecdotes تدل على خلاف ذلك، قال بوب:
" كان الدكتور سويفت قد اقترح ذات مرة على المستر غاي ان قطعة رعوية عن نيوغيت قد تكون شيئاً مستطرفاً، ومال غاي إلى أن يجرب ذلك بض الوقت، ولكنه فيما بعد أن من الخير لو انه كتب رواية هزلية حسب الخطة نفسها، وهذا هو الذي أوجد " أوبرا الشحاذ " فبدأ بها؛ ولما ذكرها لسويفت، لم يرتح الدكتور كثيراً لهذا المشروع ".
إذن كان اسويفت هو أول من خطا خطوة في تجريد الموضوع حين رأى أن المنظر الرعوي الأدبي قد يتخذ مجاله في نيوغيت، ولكن غاي قام بالخطوة الثانية، وربما لا شعورياً، من الاقتراح الذي سمعه، فكتب هزلية عن نيوغيت، رعوية في أساسها، بينا برهن لسويفت أنه عاجز عن متابعته. غير أن الخطوة الأخيرة وهي التحدث عن نوع " رعوي " يعبر عن نزعة رعوية لم تتحقق إلا حين كتب هازلت " محاضرات في الشعراء الإنجليز " (١٩١٨) Lecturts on the Eng. Poets حيث قال:
" الرعويات الجيدة التي في لغتنا قليلة فعاداتنا ليست أركادية (٢) ، ومناخ بلادنا ليس ربيعاً، وعصرنا ليس ذهبياً، وليس لدينا أدباء رعويون يساوون ثيوقريطس، ولا مناظر جميلة كمناظر كلود لورين، وخير ما في " يومية الراعي " التي كتبها سبنسر أسطورتان هما: قصة الأم هبرد وقصة لسنديانة والعليقة، وثانيتهما قطعة فذة من الخطابة كالخطب
стр. 411
الفصيحة التي تلقى في مجلس الشيوخ. وقد خلف كل من براون، الذي تلا سبنسر، ووذرز قصائد رمزية ممتعة من هذا النوع؛ أما قصائد بوب فإنها مليئة بزخرف غث وتصنع رث حتى كأنما هي صورة أمير من أمراء المملكة كان يجلس لرسام يرسمه، وبيده محجن وعلى رأسه قبعة منتصبة، وهو يبتسم في هيئة تافهة جوفاء آخذة بحظها من الطبيعة والزيف. وأما اركاديا التي كتبها السير فيليب سدني فإنها اثر خالد للقدرة المنحرفة، لا تظهر فيها صورة فذة في جمالها، كصورة " الغلام الراعي، الذي يسترسل في تنغيم شبابته وكأنه لا يريد ان يكبر " غلا مرة في كل مائة صفحة من صفحات الفوليو، فهي مغمورة تحت أكوام من السفسطة الملتوية والأناقة المدرسية، وليست هي أبداً مشبهة لصورة نيكولاس بوسين التي يصور فيها بعض الرعاة يتجولون صبح يوم من أيام الربيع، ويبلغون قبراً نصب عليه هذا الشاهد " أنا أيضاً كنت اركادياً ". ولعل خير اثر رعوي في لغتنا هو القصيدة النثرية " الصياد الكامل " لوالتون، فذلك الأثر المشهور ذو جمال ومتعة رومانتيكية، يساويان ما فيه من بساطة، وينجمان عنها. ففي وصف الكاتب للشص تحس بتقواه وإنسانية تفكيره؟ فهو يمنحك الشعور بالهواء الطلق ونحن نمشي معه على طول الطريق المغبر، أو نستريح عند ضفة النهر تحت الشجرة الظليلة، وحين نراقب الصيد ذا الزعانف نستشعر بجمال ما يسميه هو: " صبر الصيادين الشرفاء الفقراء وبساطتهم ".
هذا شيء قريب الشبه من استعمال إمبسون لمصطلح " رعوي "، وقد انتقل فيه الشكل تجريداً، واصبح نزعة من النزعات، وبقي لجورج براندز حين كتب " التيارات الرئيسية في أدب القرن التاسع عشر " Main Currents of Nineteenth Literature في الدنيمارك سنة ١٨٧٠ وما بعدها ان يخطو الخطوة النهائية الموصلة إلى الاستعمال الذي
стр. 412
أوجده امبسون، وأن يرى في البروليتاريين النبلاء عند جورج صاند أفكاراً وآراء رعوية (دون ان يستعمل هذا المصطلح استعمالا مباشراً) .
وهناك مصطلح لنوع من الأدب أشيع استعمالا من رعوي وهو " قوطي "، بدا أيضاً في القرن الثامن عشر، عند اسكندر بوب، فقد كتب يقول في شيكسبير: " على الرغم من كل أخطائه وعلى الرغم من كل ما في مسرحياته من شذوذ، فقد ينظر المرء إلى آثاره بمقارنتها مع آثار أكثر منها نظاماً وصقلا كما ينظر إلى قطعة قديمة عظيمة من الفن القوطي إزاء مبنى نظيف جديد " وقد استمر الأسقف هيرد ووربرتون يستعملان هذا المصطلح النوعي " قوطي ". ووسع الدكتور جونسون في درجة مدلوله حتى شمل شيكسبير، فتحدث مثلا عن " أساطيره القوطية الغيبية ". وقد استعمل لفظ (قوطي " كمصطلح أدبي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر منتقلا بالتدريج في ثلاث مراحل: وصف تحقير ووصف استحسان، وبينهما مرحلة حيادية لا إلى هذا ولا إلى ذاك. وخلال النصف القرن الأخير أكثر منه الدارسون والنقاد الألمان ومن أشباهه إكثاراً غريباً. وفي آخر القرن الماضي بدأ مؤرخ الفن ألويس ريل البندقي هذه الحركة (التي نظمنها اليوم اشبنجلرية) بتسمية كل شيء يشبه في الأسلوب الفن الروماني المتأخر: " روماني متأخر " أو " رومانسك " مهما يكن شكله أو زمنه. وفي أول عقد من هذا القرن أتم فلهلهم فورنجر أفكار ريل وأن كان اختيار ان يتخصص في النوع المسمى " قوطي " ومنذ ذلك الحين وسع علماء آخرون مثل كارلنجر وفايسباخ وفلفلين في الأنواع حتى شملت أيضاً الكلاسيكي ووليد النهضة والباروقي والروكوكو (١) ووجد النقد الألماني الحديث صوراً من الباروقي في شعراء الإنجليز في القرن السابع عشر على تفاوت فيما بينهم مثل
стр. 413
دن وملتن ودريدن، كما وجدوا صوراً من الروكوكو عند الشعراء الإنجليز أبناء القرن الثامن عشر؟ الخ.
وهناك نقد الماني أرصن في استعمال الأنواع وهو أقرب وشيجة بطريقة إمبسون، أشار إليه ولتر باتر في كتابه " استساغة " Appreciation فقد لحظ ان " روميو وجوليت " تضم ثلاثة أشكال أدبية - وهي السوناتة والأغنية الغجرية واغنية العرس - تحت شكل أكبر هو الرواية نفسها " والوقوع على هذه الفكرة من أيادي النقد الألماني ". ومهما يكن هذا النقد الألماني الذي يشير إليه باتر، فان هذا النقد قد حقق مهمة إمبسونية كاملة، غذ انه جرد الطبيعة الأساسية والنزعة في كل من السوناتة والأغنية الغجرية واغنية العرس من خصائصها الشكلية السطحية واستعملها بنوعيتها طرقاً أو عوامل في المسرحية.
ولعل أكثر أشكال النقد النوعي طموحاً هو ما قام به فردنند برونتيير الناقد الفرنسي والمؤرخ الأدبي. فمنذ كتابه " تطور الأنواع الأدبية " (١٨٩٠) حتى دراسته لبزاك (١٩٠٦) ، على الأقل، كان كل عله وقفاً على جهد عملاقي واحد ان لم نقل وحشي: وهو ان يكتب شيئاً في الأدب مساوياً " لأصل الأنواع " الذي كتبه دارون تتطور فيه الأشكال الأدبية من البساطة إلى التركيب، فتتولد وتتفرع وتتحول ثم تصل كمال النضج وتموت بينا الأشكال الناشئة الجافية، إذا أحسن تكييفها، تبقى بعدها وتخلفها. وعلى يديه يصبح الشكل الأدبي عضوانياً يتطور بغرابة بمعزل عن صاحبه بل يتحكم، حقيقة، في مصير نفسه إذ تعتمد قيمة الأديب حينئذ على حسن جده في أن يدرك زماناً يتيسر له فيه نضج شكل ولغة ويصبحان في متناول يده.
ولو أن الذي قام بهذه الدارونية الأدبية رجل اقل كفاءة لتمخضت عن بلاهة، ولكنها أنتجت نقداً جيداً لا يخطئه التقدير، وما ذلك إلا
стр. 414
لأنها لطفت بإطلاع بروتنيير الواسع، وإحساسه المرهف، وذوقه السليم، وإدراكه ان تعميماته، في الجملة، مجازية لا علمية. وحين يعرف برونتيير " الكلاسيكي " مثلا بأنه ذلك النوع من الأدب الذي يتم وجوده حين تنضج في وقت معاً لغة شعب وشكل أدبه واستقلاله الأدبي وحين يؤكد أن النثر الأدبي قد يكون " كلاسيكياً " ومع ذلك يظل هزيلاً غير أصيل - حينئذ يكون برونتيير منهمكاً في نقد نوعي مضاد لنقد امبسون. فبينا يخلق إمبسون " نوعاً " بانتزاعه نزعة ثابتة أصيلة من أشكال قد كيفها التاريخ، يعرف برونتيير " النوع " بأنه شكل نهائي لا يتطور إلا تحت شروط تاريخية ثابتة أصيلة. وكلا الرأيين تاريخيان دينامييان ولكن رأى برونتيير يتميز بأنه لاحق بنظرية التطور الغائية وليدة القرن التاسع عشر وأنه يرى في النوع عضوانية مصمتة تغير من شكلها كلما طورت حولها مستتبعات قوية. أما رأي إمبسون فانه وليد القرن العشرين وقد غابت عنه الغائية واصبح النوع يتغير فيه بتغير الشكل، ولا غاية فيه وراء ذلك. وإمبسون لا يستطيع ان يرضي تماماً إلا الفكر الحديث ولكنا من صميم أفئدتنا نستحسن " جنات " برونتيير المحبوبة المنظمة بينا نحن ننكرها عليه ولا نرضى بها.
فإذا تجاوزنا إمبسون والأثر الصغير المستمد من كتابيه وجدنا ان كل النقد النوعي المعاصر - تقريباً - استعمل النوع ليتحاشى التحليل، أي هو نوع من إلقاء الشيء في زاوية الإهمال. وهذا النقد النوعي في أردأ أحواله يشمل المراجعات السهلة، والاستعمال الآلي الأجوف لكلمات مثل " رومانتيكي " و " كلاسيكي " و " واقعي " و " رمزي " وهو في خير أحواله أو، على الأقل، في وضعه المحترم، موروث غريب فيما كان لولاه تاريخاً أدبياً قيماً يمكن ان نسميه " العناوين الرفيعة " ويبدو أن هذا قد ابتدأه براندز بكتابه " التيارات الرئيسية في أدب القرن
стр. 415
التاسع عشر " فقد لجا براندز إلى هذا النقد النوعي في الفصل الخامس أي في الجزء الذي يدور حول الجماعة يعجز براندز عن دراستها، أعني الأدباء الإنجليز في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وتخلق عناوين فصوله تمييزات نوعية تحكمية مثل " الطبيعة " و " الإنسانية الجمهورية " و " والطبيعي الراديكالية " و " الواقعية الكوميدية والتراجيدية " وهكذا، وتحاول الفصول هذه ان تلصق تحت العناوين مضمامين، فلا تصيب إلا نجاحاً ضئيلاً.
والتقط بارنغتون هذا العيب ومزجه بمظاهر مفيدة أستمدها من براندز فإذا كتابه " التيارات الرئيسية في الفكر الأميركي " وإذا بعض عناوين فصوله مثل " الحر الداعي إلى قسمة الأرض " و " الحر الذي يدعو لحرية الأرقاء " و " الحر البيورتاني " و " النقد المثالي " و " الاقتصادي المثالي " و " الحاكم المثالي " - إذا بها جميعاً تنساق في تحكم مشابه بهذه القسمة النوعية. وأكبر وارث لهذه التركة في الأيام الأخيرة هو هاري سلوخور، فقد وضع في كتابه الأول " ثلاثة من أساليب الإنسان الحديث " Three Ways of Modern Man ثلاثة أنواع هي: الاشتراكية الإقطاعية والحرية البرجوازية والنزعة الإنسانية الاشتراكية. أما في آخر كتبه " لا صوت يضيع بالكلية " No Voice is Wholly Lost فقد تشعب هذا الميل عنده وتولد عنه عناوين نوعية جوفاء مثل الحرية البوهيمية والنفي العالمي والصلب الدنيوي والاستنقاذ الجمالي والاستعلاء الأرستقراطي والاستعلاء الديموقراطي والفاشية الفاوستية واليهودية الروحية والذاتية البوهيمية.
وأخيراً تبقى طريقة إمبسون كما عالجتها الأيدي الأخرى فقبل أن يقرأ كنث بيرك " بعض صور من الأدب الرعوي " - فيما يظهر - وضع تخطيط كتابه " نزعات نحو التاريخ " Attitudes Towards History وهو توسيع مشابه للأنواع الشعرية ومنها - الملحمة والمأساة والملهاة والفكاهة
стр. 416
والمرثاة والهجائية والمعارضة المجونية والشعر التعليمي - ويقول في كتابه أن " الشعر الرعوي " الذي أفرده إمبسون يقع، فيما يبدو " في منطقة بين الفكاهة والمرثاة ومعه عناصر هامة من الشعر الملحمي ". وفي هذه الفقرة نفسها يكتب تعليقة في الحاشية ذات إيحاء باهر ورد فيها إن قصيدة " ليسداس " (١) ليست تدور حول أدورد كنج بل حول ملتن، في سنتي ١٦٣٨، ١٦٣٩. وفي خلال العشرين السنة التالية كرس ملتن كل جهوده للنثر الجدلي، باستثناء سوناتة عارضة.
فهذه التواريخ، إذا شفعنا بها مضمون القصيدة، قد تبرر اعتقادنا أن " ليسداس " كانت رمز موت لنفسه الشاعرة وقد تلتها فترة انتقال (أي فترة " التطرح في الأسفار ") ثم ركز نفسه على الكتابة بالنثر، وفي خلال فترة النثر أخفى " الملكة التي كان إخفاؤها أخا الموت " باستثناء تلك السوناتة التي كانت وليدة مناسبة.
ومنذ أيام الدراسة كان ملتن قد رسم لنفسه أن يكتب قصيدة واسعة المجال وتشبثت به هذه الفكرة فلم تغادره أبداً، وفي حدة اشتغاله بإصدار النشرات السياسية ظل يتلمس الموضوع المناسب (وفي إحدى الساعات صمم أن يكتب عن هبوط آدم) ؛ وفي " ليسداس " يعترف إنه يحمل نفسه الميتة معلقة وأنه لابد أن ينبعث حياً ذات يوم. وبعد مراسيم الخشوع الجنائزية التي يبثها فيما يستنفره من مواكب الأزهار يضيف هذا القفل الشعري:
" كفكفوا غرب الدموع، أيها الرعاة المحزونون، كفكفوا غرب الدموع لأن لسيداس، مبعث أساكم، لم يمت،
стр. 417
وإن كان الثبج المائي قد احتضنه؛
كذلك تغرق ذكاء في قرارة الماء
ثم تنتفض ويذر قرنها المتدلي
وتصفف ذوائب نورها، وتتوهج ببريق ذهبها الجديد
على صفحة أفق الصباح
وكذلك ليسداس؟ "
وبقي الشاعر حيا على الرغم منازعة الموت له، وعند عودة الملكية بعد زوالها في أيام كرومول ينتعش حياً، ويفي بعهده على نفسه بكتابة " الفردوس المفقود " وإن عاد إلى رحم الشعر كواحد من ذوي " الأفواه الخرس " التي تحدث عنها في قصيدة " ليسداس ".
ترى أتقبل هذه اللفتة من بيرك الأستاذ ليونارد براون بجامعة سرقوسة أو سبقه إليها أو أوحى بها إلى الناقد الاميركي؟ مهما يكن وجه المسالة، فان براون صرف في العقد الرابع من هذا القرن بعض الوقت وهو يدرس ليسداس وثلاثاً أخر من المرائي الإنجليزية الرعوية الكبرى وهي أدونيس لشللي، والذكرة لتنيسون، وترسيس لآرنولد، ولكنه لم ينشر تلك الدراسة. وقد وقع على الكشف الفذ حين أعلن أن المرثاة في كل حالة تتحدث عن الموت الرمزي للشاعر، متمصاً صديقه، وهو في تمنيه الحياة لصديقه كان يعلن عن الولادة الفنية الجديدة لنفسه، في صعيد آخر. وقد انتزع براون " المرثاة " وجعلها عاملا مشتركاً - كما انتزع إمبسون " الشعر الرعوي " (١) - أي جعلها نوعاً أدبياً جوهره الموت
стр. 418
الرمزي والولادة الجديدة اللاحقة للموت في مرحلة انتقالية عند الشاعر حتى أننا لنستطيع أن نطبق هذه الفكرة على آثار متباينة الأشكال مثل " الجبل السحري " Magic Mountain لتوماس مان و " العاصفة " لشيكسبير ومن المؤسف أن الأستاذ براون لم يشأ نشر دراسته هذه عن المرثاة وهي خير دراسة مسهبة في باب النقد النوعي يمكن أن تنافس ما حققه إمبسون في " الشعر الرعوي " - فيما أعلم - وقد كانت أذن تكون طليعة وحافزاً لعدد من الدراسات الإمبسونية المشابهة عند النقاد؛ وإذن كانت تصقل وتفيد في بحثها عن القيمة والجوهر أنواعاً أدبياً أدركها البلى مثل ملحمة وأغنية، وأغنية عرس.
٤
- إحدى المشكلات التي تثيرها هذه الطرافة الظاهرة في نقد إمبسون هي علاقته بسائر النقد والنقاد. وتقوم اقرب الصلات طبعاً بين نقده ونقد رتشاردز الذي كان أستاذه بكلية ماجدالن بكمبردج والذي أوحى غليه بكتاب " سبعة نماذج من الغموض " عن لم يكن مصدر وحيه في كل أثاره. كتب رانسوم يقول: " التلميذ اللامع شهادة حدسية لأستاذ لامع، ولقد كانت شهرة رتشاردز تتأثل لو انه لم يصنع شيئاً إلا بأن كان مصدر وحي لامبسون ". وقد خط إمبسون اعترافه بدينه لأستاذه، مرتين على الأقل مرة في " سبعة نماذج من الغموض " فكتب في كلمة التصدير يقول: " ان المستر إ. أ. رتشاردز وكان حينئذ الأستاذ المشرف على القسم الأول من امتحان الشهادة الإنجليزية، قد طلب إلي ان أكتب هذه المقالة وأخبرني عن أمور كثيرة أدرجها فيها فديني له كبير بمقدار ما يكبر الناس هذا العمل "؛ ومرة في " بعض صور من الأدب الرعوي " حيث كتب في فاتحة الفصل عن " حديثة مارفل ": " تهيأت
стр. 419
لدارسة هذه القصيدة حين استمعت إلى حديث جديد للدكتور رتشاردز عن جدل فلسفي في آراء منكيوس ". وفي كلا الكتابين تجده يقتبس اقتباساً كثيراً من آثار رتشاردز.
وكل كتاباته، بمعنى أوسع، قد أوحى بها رتشاردز على التعيين من حيث أن كل ما كتبه إنما هو تطبيق لنظريات رتشاردز عن طبيعة المعنى والتفسير الشعري، كما أن المبدأين الأساسين لكتابيه " الغموض " و " الأدب الرعوي) متضمنان جميعاً في كتاب " معنى المعنى " وقد اعتمد في دراسته. أساساً مبدا الاستمرار الذي تقدم الحديث عنه، مستمداً له من رتشاردز، اعني أن التجربة الشعرية تجربة إنسانية كأي تجربة أخرى ويمكن دراستها بمقارنتها إلى غيرها، واستمد غمبسون من رتشاردز أيضاً العقلانية التي تجعله يؤمن ان أي شيء في النهاية يمكن إخضاعه للتحليل، والطبيعة التي تجعله يفضل شيئاً " محسوساً " على شيء " سحري ". زد إلى ذلك انه مدين لرتشاردز بالاتجاه الفيزيولوجي الذي يقوده ليبحث النثر وإيقاع الشعر بنسبة دقات القلب في " سبعة نماذج "؛ مدين له أيضاً بالاهتمام بإجراء الاستقبالي من عملية الإيصال والنقل التي تتمخض لديه عن اختتامه حديثه في " أوبرا الشحاذ " بعدد من ردود الفعل لدى الجمهور، وهي ردود فعل مركبة نظرية ساخرة. كذلك فهو مدين له بعنايته بالإنجليزية الأساسية وبرغبته في الشرق (وربما أوحى بهذا دراسات رتشاردز الشرقية والتعليم في الصين وكتاب عن منكيوس) بل مدين له بالنغمة التعليمية وبعقيدته في الكلمات ذات المقطع الواحد وهو يتردى فيهما بين الحين والحين (" إن الفكرة، التي ترى أن دس حقائق إضافية حول وجهة نظر ما تجعل الأسطر أبعث على الإمتاع، لهي مجرد خطأ ") .
ومع هذا فأن إمبسون ليس دائماً في موقف المتلقي لتأثير أستاذه بل
стр. 420
له هو تأثر كبير فيه. يقول رتشارد ابرهارت الذي زامل إمبسون في دراسته على رتشاردز بكمبردج، في مقال نشره بمجلة اكسنت، صيف ١٩٤٤، عنوانه " شعر إمبسون ":
ألهب تلميذ رتشاردز خيال أستاذه وفهم الأستاذ قيمة تلميذه، على التو. ومع أن الدين في ارتباط هذين المجدالنيين منذ سنة ١٩٢٧ هو دين إمبسون لأستاذه؟ فإن الأستاذ استغل الإرهاف في عقل التلميذ، وكان من الحكمة بحيث رأى في بوادر نقد إمبسون ملحقاً طيباً لنقده، وأن اختلفت غايتاهما.
وكتب رتشاردز تعليقة عن إمبسون نشرت في ربيع سنة ١٩٤٠ من مجلة فوريوزو Furioso يفسر بها منهج محاضرة إمبسون في ييل عن كيفية تكون " سبعة نماذج "، وإذا حسبنا حساب تواضع رتشاردز نفسه في هذه الكلمة، بقي فيها ما شهد بان خطة إمبسون في تأليف كتابه كانت أكثر استقلالا مما صورته كلمة التصدير. يقول رتشاردز:
كسب وليم إمبسون شهرته أول الأمر بكتابه سبعة نماذج من الغموض، وهو كتاب ظهر للوجود على النحو الآتي تقريباً: كان مؤلفه يدرس الرياضيات بكمبردج ثم تحول في عامه الأخير لدراسة الإنجليزية، ولما كان منتسباً لمجدالن فقد قيض لي ذلك أن أكون أستاذاً مشرفاً على دراساته. ويبدو انه قرا من الأدب الإنجليزي أكثر مما قرأت، وأنه قرأ ما قراه حديثاً وخيراً مني، فكاد الأمر ينعكس بيني وبينه، ويصبح هو المشرف على دراساتي لا أنا. وفي زيارته الثالثة لي، احضر معه " لعبة " التفسير التي كانت لورا رايدنغ وروبرت غريفز يلعبانها بذلك الشكل غير المرقم من سوناتة
стр. 421
مطلعها " ان تبديد الروح في حماة العار " فاخذ إمبسون تلك القطعة كما يأخذ الحاوي قبعته، واستخرج منها حشداً لا يحصى عدده من الأرانب الحية، وحين انتهى من ذلك قال: " إنك تستطيع ان تصنع الشيء نفسه بأي شعر، أليس كذلك؟ ". وكان هذا مبعوث العناية الإلهية لأستاذ مشرف على الدراسات، فقلت له " خير لك ان تقوم بذلك أنت. الكاتبة على الورق. وهل أحاسب لو استمر في ذلك؟ أبداً وفي الأسبوع التالي مثل أمامي يتأبط إضبارة سميكة من الورق المطبوع على الآلة الكاتبة بخط لا يكاد يقرأ - أي ٣٠ ألف كلمة أو نحوها من الكتاب، وهي لب موضوعه. لست أذكر أي نقد أدبي آخر كتب من يومئذ، وكان ذا أثر نافذ متميز كهذا النقد. عن قرأت منه كثيراً على دفعة واحدة ظننت انك شرعت تلتقط زكاماً حاداً فاقرأ قليلا بعناية، وقد تتغير عادتك في القراءة - إلى احسن، فيما اعتقده.
أما بقية تعليقة رتشاردز فتتحدث عن شعر إمبسون، وتحده بأنه: " حديث حافل، مصبوب بأعجوبة في أكثر القوالب الشكلية ثباتاً " و " ميتافيزيقي في جذوره " ويقر بان ذلك الشعر في بعض الفترات " انماث في الاستعارات الواهمة المحشودة المرصوفة حتى اصبح لغزاً ". أما اليوم فأنه فيما يقول " عاد - كما يبدو مرة أخرى إلى أول الشوط ليبدأ سيره على الجادة ". ويقدم لنا رتشاردز، كي يقرر لدينا التنبه إلى المعنى الباطني العميق في شعر إمبسون، خبراً آخر بالغ القيمه ذلك هو تذكره قولة إمبسون " ان في " أليس " أشياء تلقي الرعب في روع فرويد "، والشيء الغريب ان تشاردز فيما يبدو يهتم بشعر إمبسون
стр. 422
حقاً، اكثر من اهتمامه بنقده، وهذا الملحظ يجب ألا يوحي بان شعره لا يكفل تقديراً بالغ الرفعة. ويخبرنا ابرهارت ان رتشاردز، " الذي قد يغتفر له محاباة أستاذ عالم نحو تلميذ عالم " يظن أن إمبسون خير شاعر بين جميع معاصريه، ومما يؤكد هذا أن رتشاردز في كتبه لا يزيد على أن يشير إلى نقد إمبسون أو يقتبس منه باختصار - فيما أعلم - ولكنه في مرات عديدة يستطرد إلى مدح شعره في إطراء بالغ. ففي كتابه " رأي كولردج في الخيال " يضعه في مكانين مع ييتس وأودن واليوت وهوبكنز ولورنس؛ وفي " كيف نقرأ صفحة " How to Read a Page يقتبس رباعية من قصيدة إمبسون " الشجاعة تعني الهرب " من ديوان " العاصفة المحتشدة " The Gathering Storm ويعلق عليها بقوله: " شاعر حديث - لديه ما يقوله أكثر مما لدى الآخرين، وهو يكونه مؤلف " سبعة نماذج من الغموض " على معرفة - أكثر من سواه - بما يقوله وبكيفية ما يقول - يعبر عن مشكلة كل أديب بصراحة نادرة محببة في هذه الأبيات "، ثم يزود هذا بصفحتين من التعليق في الحاشية. ومن الغريب أن هيو ر. والبول نفسه، وهو أحد تلامذة رتشاردز، يشير إلى إمبسون في كتابه " سمانتيات " Semantics لا على إنه ناقد بل يضعه في قائمة الشعراء المحدثين الذين يعدهم " شخصيات عذبة خصبة " (مع إنه يستعمل عبارة من " سبعة نماذج " في الملحق للتمرين على القراءة) .
وقد ألمح رتشاردز في تعليقته عن تكون " سبعة نماذج " إلى المصدر الثاني الذي يعد إمبسون مديناً له في طريقته ذلك هو لورا رايدنغ وروبرت رتشاردز: " وأنا استمد هذه الطريقة التي أستعملها من تحليل الآنسة لورا رايدنغ والمستر روبرت غريفز لسوناتة شيكسبير ومطلعها:
أن تبديد الروح في حماة العار.
стр. 423
في كتابيهما " جولة حول التجديديه الحديثة في الشعر " A Survey of Modernist Poetry والإشارة هنا تنصرف إلى الحديث المسهب عن السوناتة رقم ١٢٩ عند الحديث عن قصيدة لكمنجز، وقد بين كل من الآنسة رايدنغ وغريفز أن تهجئة شيكسبير وترقيمه في نسخة " الربع " إنما صدرت عن وعي وإنها مليئة بالمعنى مثل تهجئة كمنجز وترقيمه، وأن الناشرين الذين نقلوا نص السوناتة إلى التهجئة الحديثة وأعادوا ترقيمها قد بسطوا كل ما فيها من غموض او معان " متشابكة " الحبك وجعلوا كل إمكاناتها واحدة لا مكثرة. ولا ريب في أن تحليلهما للقصيدة عمل جميل، أهل لان يدفع بإمبسون قدماً، أما بقية الكتاب فليست بذاك، وليست كفاء بمستوى النقد الجيد حتى في نظر القراء حينئذ (١٩٢٧) . وبهدف المؤلفان فيه إلى التمجيد والدفاع عن اليوت وكمنجز والآنسة سيتول والآنسة شتاين باعتبارهم منائر " للنزعة التجديدية " ويوغلان كثيراً في إبراز فكرتهما حتى إنهما يقومان بأعمال هرقلية بطولية، كأن يعيدا كتابة شعر كمنجز على نحو تقليدي ويعرفان الطريقة اللغوية عند الآنسة شتاين بمصطلح فلسفي. وذوقاهما تحكميان قلقان فهما يحتقران ستيفنز والدكتور وليمز ويعدانهما " تجديديين " زائفين ويثنيان على ماريان مور، ولكنهما يضعان آثارها في صف " الحقائق النثرية المألوفة ". ويسيئان قراءة اليوت إساءة صارخة، فيتخذان تحليل الطلبة الجامعيين المعروف، بنثر قصيدة " اليباب " شاهداً عليها، ويعتبرانه صورة للحقارة الحديثة في مقابل الرومانسية في عصر اليزابث ويخطئان فهم السر في كثير من الإشارات والحبكات الساخرة التي تقدم لنا " برنانك مع بايدكر " و " بلايشتاين وفي فمه سيجار " (وأن أهل البندقية في ربان مجدهم كانوا ذوي حضارة تجارية كاليهود تماماً) وعلى العموم يبين المؤلفان إنهما لا يعبآن بان يعرفا ما يجهلانه، وهو وفير
стр. 424
(هاهنا أيضاً نترك هذه الأصول لنقاد يعتزون بالكشف عن هذه الإشارات أكثر منا " " أهذا هو؟ أو.. " " أننا نعترف بأننا لا نعني.. الخ ") . وواضح ان إمبسون استخلص زبدة ما لديهما.
وقد زعم كلينث بروكس في دراسته لنقد إمبسون أننا قد " نرجع بالطريقة [الإمبسونية] خطوات أخرى إلى الوراء "، فنراها في تحليل ييتس ذي الطابع " الامبسوني " لقول بيرنز " القمر الشاحب يغرب " ونراها في قراءة كولردج لمقطوعة من " فينوس وأدونيس ". وهذا نوعاً ما مغالاة في تقدير تعليقة ييتس، وهي أقرب إلى تأكيد استحالة التحلي، لا النص على التحلي - سواء كان هذا إمبسونياً أو غير ذلك. قال ييتس في " رمزية الشعر " ١٩٠٠:
ليست هناك أبيات ذات جمال حزين كهذين البيتين لبيرنز:
القمر الشاحب يغرب خلف الموجه البيضاء
والزمان يغرب بي والهفتاه!
فهذان البيتان رمزيان تماماً. انتزع منهما شحوب القمر وبياض الموجة - وعلاقة هذين بغروب الزمان دقيقة يعز على الفكر إدراكها - فإذا بك تنزع منهما جمالها؛ ولكن إذا اجتمعت هذه العناصر كلها معاً: القمر والموجة والشحوب والبياض وغروب الزمان والصيحة الحزينة الأخيرة " والهفتاه " فإنها تثير عاطفة يعجز عن أن يثيرها أي نظام آخر من الألوان والأصوات والأشكال.
أما تحليل كولردج فإنه إمبسوني حقاً وقد يعد سلفاً لطريقته فيتناول كولردج المقطوعة الآتية:
بلطف لطيف أخذت يده بيدها:
زنبقة مزمومة في سجن من الجليد
стр. 425
أو عاج في طوق من المرمر
فيا لصديق أبيض يطوق مثل هذا العدو الأبيض.
ويتخذها مثالا " للوهم " ويقارنها بالمثنوية الآتية من القصيدة:
تأمل! كغيم لامع ينقض من السماء.
كذلك هو ينساب في الليل إمام عيني فينوس.
ويحللها مثالا على " الخيال ". وفي كلا النصين يحاول كولردج ان يعرف بعضاً من المعاني والإمكانات الكثيرة التي تجعل هذين الأنموذجين من الصورة أمراً لا ينسى (قراءته لهما يمكن الحصول عليها في " بقايا أدبية " وهي موسعة مدروسة في كتاب " رأى كولردج في الخيال " لرتشاردز) .
ومما يستحق أن ننوه به علاقة إمبسون بعديد من النقاد الأميركيين، وأغرب العلاقات هي التي تربطه بكنث بيرك؛ فإني فيما أعرفه من آثاره لم أجده أبداً ذكر بيرك أو واحداً من كتبه ومع ذلك، فأما أنه قرأ بيرك وتشرب أثره دون أن يذكره، أو أن توارد خاطريهما أمر فذ، فالفكرة الأساسية في " بعض صور من الشعر الرعوي) تكاد تكون كلها تمريناً على تطبيق نظرة من أشد نظرات بيرك تفرداً وذكاء أي " رؤية التناسب في اللامتناسب "، وما يزال إمبسون يعبث بمثل هذه التورية التي جعلها بيرك من اختراعاته الخاصة (التورية foil - soil في فصل عن " الحبكة المزدوجة " أوضح أمثلتها) . ولنقد إمبسون، بوجه عام، طابع " بيركي " لا يستطاع تعيينه عند نقطة معينة.
أما بيرك فانه من ناحيته يشير كثيراً إلى إمبسون باستحسان. وفي كتابه " نزعات نحو التاريخ " يضع " بعض صور من الأدب الرعوي " في صف مع كتاب رتشاردز " مبادئ النقد الأدبي " وكتاب الآنسة سبيرجن " الصور عند شيكسبير " ويعدها جميعاً " أهم إسهامات للنقد الأدبي في إنجلترة المعاصرة " ويتحدث عن فكرته وقيمته في عدة صفحات.