مطلعها " ان تبديد الروح في حماة العار " فاخذ إمبسون تلك القطعة كما يأخذ الحاوي قبعته، واستخرج منها حشداً لا يحصى عدده من الأرانب الحية، وحين انتهى من ذلك قال: " إنك تستطيع ان تصنع الشيء نفسه بأي شعر، أليس كذلك؟ ". وكان هذا مبعوث العناية الإلهية لأستاذ مشرف على الدراسات، فقلت له " خير لك ان تقوم بذلك أنت. الكاتبة على الورق. وهل أحاسب لو استمر في ذلك؟ أبداً وفي الأسبوع التالي مثل أمامي يتأبط إضبارة سميكة من الورق المطبوع على الآلة الكاتبة بخط لا يكاد يقرأ - أي ٣٠ ألف كلمة أو نحوها من الكتاب، وهي لب موضوعه. لست أذكر أي نقد أدبي آخر كتب من يومئذ، وكان ذا أثر نافذ متميز كهذا النقد. عن قرأت منه كثيراً على دفعة واحدة ظننت انك شرعت تلتقط زكاماً حاداً فاقرأ قليلا بعناية، وقد تتغير عادتك في القراءة - إلى احسن، فيما اعتقده.
أما بقية تعليقة رتشاردز فتتحدث عن شعر إمبسون، وتحده بأنه: " حديث حافل، مصبوب بأعجوبة في أكثر القوالب الشكلية ثباتاً " و " ميتافيزيقي في جذوره " ويقر بان ذلك الشعر في بعض الفترات " انماث في الاستعارات الواهمة المحشودة المرصوفة حتى اصبح لغزاً ". أما اليوم فأنه فيما يقول " عاد - كما يبدو مرة أخرى إلى أول الشوط ليبدأ سيره على الجادة ". ويقدم لنا رتشاردز، كي يقرر لدينا التنبه إلى المعنى الباطني العميق في شعر إمبسون، خبراً آخر بالغ القيمه ذلك هو تذكره قولة إمبسون " ان في " أليس " أشياء تلقي الرعب في روع فرويد "، والشيء الغريب ان تشاردز فيما يبدو يهتم بشعر إمبسون
стр. 422
حقاً، اكثر من اهتمامه بنقده، وهذا الملحظ يجب ألا يوحي بان شعره لا يكفل تقديراً بالغ الرفعة. ويخبرنا ابرهارت ان رتشاردز، " الذي قد يغتفر له محاباة أستاذ عالم نحو تلميذ عالم " يظن أن إمبسون خير شاعر بين جميع معاصريه، ومما يؤكد هذا أن رتشاردز في كتبه لا يزيد على أن يشير إلى نقد إمبسون أو يقتبس منه باختصار - فيما أعلم - ولكنه في مرات عديدة يستطرد إلى مدح شعره في إطراء بالغ. ففي كتابه " رأي كولردج في الخيال " يضعه في مكانين مع ييتس وأودن واليوت وهوبكنز ولورنس؛ وفي " كيف نقرأ صفحة " How to Read a Page يقتبس رباعية من قصيدة إمبسون " الشجاعة تعني الهرب " من ديوان " العاصفة المحتشدة " The Gathering Storm ويعلق عليها بقوله: " شاعر حديث - لديه ما يقوله أكثر مما لدى الآخرين، وهو يكونه مؤلف " سبعة نماذج من الغموض " على معرفة - أكثر من سواه - بما يقوله وبكيفية ما يقول - يعبر عن مشكلة كل أديب بصراحة نادرة محببة في هذه الأبيات "، ثم يزود هذا بصفحتين من التعليق في الحاشية. ومن الغريب أن هيو ر. والبول نفسه، وهو أحد تلامذة رتشاردز، يشير إلى إمبسون في كتابه " سمانتيات " Semantics لا على إنه ناقد بل يضعه في قائمة الشعراء المحدثين الذين يعدهم " شخصيات عذبة خصبة " (مع إنه يستعمل عبارة من " سبعة نماذج " في الملحق للتمرين على القراءة) .
وقد ألمح رتشاردز في تعليقته عن تكون " سبعة نماذج " إلى المصدر الثاني الذي يعد إمبسون مديناً له في طريقته ذلك هو لورا رايدنغ وروبرت رتشاردز: " وأنا استمد هذه الطريقة التي أستعملها من تحليل الآنسة لورا رايدنغ والمستر روبرت غريفز لسوناتة شيكسبير ومطلعها:
أن تبديد الروح في حماة العار.
стр. 423
في كتابيهما " جولة حول التجديديه الحديثة في الشعر " A Survey of Modernist Poetry والإشارة هنا تنصرف إلى الحديث المسهب عن السوناتة رقم ١٢٩ عند الحديث عن قصيدة لكمنجز، وقد بين كل من الآنسة رايدنغ وغريفز أن تهجئة شيكسبير وترقيمه في نسخة " الربع " إنما صدرت عن وعي وإنها مليئة بالمعنى مثل تهجئة كمنجز وترقيمه، وأن الناشرين الذين نقلوا نص السوناتة إلى التهجئة الحديثة وأعادوا ترقيمها قد بسطوا كل ما فيها من غموض او معان " متشابكة " الحبك وجعلوا كل إمكاناتها واحدة لا مكثرة. ولا ريب في أن تحليلهما للقصيدة عمل جميل، أهل لان يدفع بإمبسون قدماً، أما بقية الكتاب فليست بذاك، وليست كفاء بمستوى النقد الجيد حتى في نظر القراء حينئذ (١٩٢٧) . وبهدف المؤلفان فيه إلى التمجيد والدفاع عن اليوت وكمنجز والآنسة سيتول والآنسة شتاين باعتبارهم منائر " للنزعة التجديدية " ويوغلان كثيراً في إبراز فكرتهما حتى إنهما يقومان بأعمال هرقلية بطولية، كأن يعيدا كتابة شعر كمنجز على نحو تقليدي ويعرفان الطريقة اللغوية عند الآنسة شتاين بمصطلح فلسفي. وذوقاهما تحكميان قلقان فهما يحتقران ستيفنز والدكتور وليمز ويعدانهما " تجديديين " زائفين ويثنيان على ماريان مور، ولكنهما يضعان آثارها في صف " الحقائق النثرية المألوفة ". ويسيئان قراءة اليوت إساءة صارخة، فيتخذان تحليل الطلبة الجامعيين المعروف، بنثر قصيدة " اليباب " شاهداً عليها، ويعتبرانه صورة للحقارة الحديثة في مقابل الرومانسية في عصر اليزابث ويخطئان فهم السر في كثير من الإشارات والحبكات الساخرة التي تقدم لنا " برنانك مع بايدكر " و " بلايشتاين وفي فمه سيجار " (وأن أهل البندقية في ربان مجدهم كانوا ذوي حضارة تجارية كاليهود تماماً) وعلى العموم يبين المؤلفان إنهما لا يعبآن بان يعرفا ما يجهلانه، وهو وفير
стр. 424
(هاهنا أيضاً نترك هذه الأصول لنقاد يعتزون بالكشف عن هذه الإشارات أكثر منا " " أهذا هو؟ أو.. " " أننا نعترف بأننا لا نعني.. الخ ") . وواضح ان إمبسون استخلص زبدة ما لديهما.
وقد زعم كلينث بروكس في دراسته لنقد إمبسون أننا قد " نرجع بالطريقة [الإمبسونية] خطوات أخرى إلى الوراء "، فنراها في تحليل ييتس ذي الطابع " الامبسوني " لقول بيرنز " القمر الشاحب يغرب " ونراها في قراءة كولردج لمقطوعة من " فينوس وأدونيس ". وهذا نوعاً ما مغالاة في تقدير تعليقة ييتس، وهي أقرب إلى تأكيد استحالة التحلي، لا النص على التحلي - سواء كان هذا إمبسونياً أو غير ذلك. قال ييتس في " رمزية الشعر " ١٩٠٠:
ليست هناك أبيات ذات جمال حزين كهذين البيتين لبيرنز:
القمر الشاحب يغرب خلف الموجه البيضاء
والزمان يغرب بي والهفتاه!
فهذان البيتان رمزيان تماماً. انتزع منهما شحوب القمر وبياض الموجة - وعلاقة هذين بغروب الزمان دقيقة يعز على الفكر إدراكها - فإذا بك تنزع منهما جمالها؛ ولكن إذا اجتمعت هذه العناصر كلها معاً: القمر والموجة والشحوب والبياض وغروب الزمان والصيحة الحزينة الأخيرة " والهفتاه " فإنها تثير عاطفة يعجز عن أن يثيرها أي نظام آخر من الألوان والأصوات والأشكال.
أما تحليل كولردج فإنه إمبسوني حقاً وقد يعد سلفاً لطريقته فيتناول كولردج المقطوعة الآتية:
بلطف لطيف أخذت يده بيدها:
زنبقة مزمومة في سجن من الجليد
стр. 425
أو عاج في طوق من المرمر
فيا لصديق أبيض يطوق مثل هذا العدو الأبيض.
ويتخذها مثالا " للوهم " ويقارنها بالمثنوية الآتية من القصيدة:
تأمل! كغيم لامع ينقض من السماء.
كذلك هو ينساب في الليل إمام عيني فينوس.
ويحللها مثالا على " الخيال ". وفي كلا النصين يحاول كولردج ان يعرف بعضاً من المعاني والإمكانات الكثيرة التي تجعل هذين الأنموذجين من الصورة أمراً لا ينسى (قراءته لهما يمكن الحصول عليها في " بقايا أدبية " وهي موسعة مدروسة في كتاب " رأى كولردج في الخيال " لرتشاردز) .
ومما يستحق أن ننوه به علاقة إمبسون بعديد من النقاد الأميركيين، وأغرب العلاقات هي التي تربطه بكنث بيرك؛ فإني فيما أعرفه من آثاره لم أجده أبداً ذكر بيرك أو واحداً من كتبه ومع ذلك، فأما أنه قرأ بيرك وتشرب أثره دون أن يذكره، أو أن توارد خاطريهما أمر فذ، فالفكرة الأساسية في " بعض صور من الشعر الرعوي) تكاد تكون كلها تمريناً على تطبيق نظرة من أشد نظرات بيرك تفرداً وذكاء أي " رؤية التناسب في اللامتناسب "، وما يزال إمبسون يعبث بمثل هذه التورية التي جعلها بيرك من اختراعاته الخاصة (التورية foil - soil في فصل عن " الحبكة المزدوجة " أوضح أمثلتها) . ولنقد إمبسون، بوجه عام، طابع " بيركي " لا يستطاع تعيينه عند نقطة معينة.
أما بيرك فانه من ناحيته يشير كثيراً إلى إمبسون باستحسان. وفي كتابه " نزعات نحو التاريخ " يضع " بعض صور من الأدب الرعوي " في صف مع كتاب رتشاردز " مبادئ النقد الأدبي " وكتاب الآنسة سبيرجن " الصور عند شيكسبير " ويعدها جميعاً " أهم إسهامات للنقد الأدبي في إنجلترة المعاصرة " ويتحدث عن فكرته وقيمته في عدة صفحات.
стр. 426
وفي الملحق على كتابه " فلسفة الشكل الأدبي " أدرج مراجعتيه الحافلتين بالتقدير لكتاب " بعض صور؟ " وكان قد نشر أولاهما عن الطبعة الإنجليزية بمجلة " شعر " والثانية بمجلة " الجمهورية الجديدة " عند ظهور الطبعة الأميركية. وكلتاهما ثناء جهير على الكتاب وهما تعرفان نواحي القصور فيه على إنها مقصودة للإيحاء لا وليدة المنهج المرسوم، وتزيدان إلى تعليقات هوامشه لا إلى عرضه الموثق، وتنتهيان إلى أن يسلك بيرك نفسه فيمن يوافقون إمبسون في صور التشابه الأدبي الأساسي لا في صور الاختلاف. وأخيراً يفيد بيرك في كتابه " نحو الدوافع " إفادة خاطفة من فكرتي إمبسون في " الأدب الرعوي " و " الغموض "، ويعترف بذلك في الحالين. وخلاصة ما هنالك في تصوير هذه العلاقة ان يقال: غمبسون مدين لبيرك أو يتوارد خاطراهما، وبيرك يتقبل أفكار إمبسون باستحسان ويفيد منها شيئاً.
أما أكبر تأثير لامبسون فيظهر عند ناقدين أميركيين آخرين وهما جون كرو رانسوم وكلينث بروكس. فقد كتب رانسوم عنه بإسهاب اكثر مما كتب أي ناقد آخر، وخصص له الجزء الأخير، ومقداره ثلاثون صفحة من فصله عن رتشاردز في كتاب " النقد الجديد ". وكتابته عنه. " أنني لاعتقد انه احفل الدراسات التي طبعت خيالا، وأن إمبسون أدق قارئ أحرزه الشعر، وأغزره مادة ". ويقول في موضع آخر: " أظن أن كتابات كهذه، مضاء وصبراً وتسلسلاً، ولا يقيد رانسوم هذا الثناء إلا بقوله: إن إمبسون يصرف همته في المقام الأول إلى " المحتوى العرفاني " لا إلى الشاعر في الشعر حتى إننا لنخشى أن تكون قراءاته مجاوزة لطورها قليلا، وأن لديه خيالا زاخراً (ويقول رانسوم أن ذلك خير من الخيال الفقير) وأن نقده حتى اليوم يحوم حول القصيدة، أي
стр. 427
أنه يتجه نحو إبراز " النسيج " أكثر من " البناء ". ومع هذا فإن رانسوم يختتم كل هذا بقوله:
يبدو أنه ليس من المستحيل علينا أن نحصل على قراءات دقيقة من علاقات النسيج والبناء التي وجدها الشعراء حقاً تحقق الغرض في الماضي، وخير ناقد موهوب في العالم لأداء هذه المهمة أداء جيداً هو، فيما اعتقد، المستر وليم إمبسون، دارس أنواع الغموض. فقد كانت دراساته، حتى اليوم، ممارسة جانبية قيمة، محايدة قليلا لمشكلات النقد الكبرى غير أنه ربما كانت لديه عبقرية بعيدة الشأو لتقييم ذلك الشيء الذي لا تدركه الحواس ونسميه " الموقف " الشعري. نعم لدينا نقاد آخرون لا ننقصهم أقدارهم، غير أن دراساتهم ليست كدراساته نفاسة وقيمة.
ويمكن فهم هذه الاستشكالات التي يثيرها رانسوم، بل يمكن التقليل من شانها، فيما أعتقد إذا نحن تذكرنا أن ما كتبه عن إمبسون في كتابه - وإن كان قد نشره سنة ١٩٤١ - لا يتناول إلا " سبعة نماذج من الغموض " وأنه، ولابد، كتب قبل ظهور " بعض صور من الأدب الرعوي " وفي هذا الثاني تحول إمبسون، على التعيين، (عن كان فهمي للمصطلحات صحيحاً) إلى المشكلات التي يسميها رانسوم " البناء، وعلاقات البناء والنسيج، كما أتجه إلى قراءات أقل انطلاقاً من سابقتها، بعض الشيء.
وفي الوقت نفسه يشير رانسوم في حديثه عن إمبسون إلى أن هذا الناقد " لم ينته من موضوع " الغموض، وأنه يثير القارئ إلى أن يصنع لنفسه تصنيفاً لأنواع الغموض. وفي خلال القطعة كلها يندفع رانسوم ليعمل بدقة تصنيفه الخاص، فيستخلص: النوع: " المقيد أو الخبري "
стр. 428
والنوع " المعلق أو المؤقت " و " الغموض النظري المحض في استعمال المجاز " أي النماذج المزيدة: ٨، ٩، ١٠ (وأقول على سبيل التعليق الساخر على هذا الموقف بان الإشارة الوحيدة التي أشار إمبسون بها إلى رانسوم، فيما أعلمه، هي نوع من الحديث الهازئ المستخف، في قطعة له عن كلينث بروكس، تناول به قصيدة لرانسوم تدور حول طفلة ماتت دجاجتها المدللة) .
أما العلاقة بين إمبسون وكلينث بروكس فقد كانت، على الاقل، متبادلة لا من جانب واحد. فان الكتاب المقرر " كيف نفهم الشعر " تأليف بروكس وورن يشير إشارات كثيرة إلى إمبسون. ويعترف بروكس في مقدمة أول كتاب نقدي له " الشعر الحديث والاتباعية " المنشور سنة ١٩٣٩ انه " يستعير " من إمبسون (ومن اليوت وتيت ويبتس ورانسوم وبلاكمور ورتشاردز وغيرهم) كما إنه في المتن يقتبس من فكرته " اللامعة " عن الحبكة الثانوية في روايات عصر اليزابث وعن " أوبرا الشحاذ " ويذكر ما كتبه عن " الفردوس المفقود ". فلما ظهر هذا الكتاب راجعه إمبسون في مجلة " شعر "، كانون الأول (ديسمبر) ١٩٣٩، ومع أنه رد التحية بمثلها فوصف الكتاب بأنه " لامع "، إلا أنه أنفق أكثر وقته في إعلان مخالفاته للمؤلف: فهو على خلاف بروكس لا ينفي الدعاية من الأدب، ولا ينفي العلم، وأنه قد يعلن الحرب أيضاً على أكثر الموقف العام في الكتاب، كما يعلنها على كثير من الأحكام فيه بأعيانها. ولما كتب بروكس، سنة ١٩٤٤، دراسة في مجلة " اكسنت " لنقد إمبسون، تحمس فيها كثيراً، وأن كانت تمس بلطف زلات إمبسون العلمية وعقلانية و " نزعته الذاتية " (وسنتحدث عن هذه الثالثة فيما يلي) حتى أنه ختمها بهذا المديح:
في هذا الوقت الذي تنذر فيه دراسة الأدب بالانحراف نحو علم الاجتماع، ويتنبأ فيه العارفون علناً بموت الدراسات
стр. 429
الكلاسيكية، من المستحيل علينا أن نغالي في تقدير أهمية هذا النوع من النقد الذي يظل إمبسون ألمع القائمين بشأنه. فليس هو حقاً الأديب القديم الطراز الذي يسحرنا فيجعلنا نؤمن على دراسته المريحة باقتباسه من لام وبعد ذلك يلقي علينا عند الانتهاء اقتباسه من هازلت. ومن ناحية ثانية ليس هو حقاً مجرد شاب لامع يحمل كيساً مليئاً بالأدوات السيكولوجية. إنما هو ناقد من أقدر نقادنا وأرصنهم، ودراساته حافلة بنتائج ثورية إذا هي طبقت في تعليم كل الأدب، ثورية إذا اعتبرنا مستقبل التاريخ الأدبي.
ومنذ السنوات الأخيرة من العقد الرابع من هذا القرن أخذ بروكس يستغل مبادئ إمبسون في مراجعاته (في إحدى المرات تحدث عن " أشعار مجموعة " لروبرت فروست، مثلا على " الشعر الرعوي ") . وفي احدث كتبه " الزهرية المحكمة الصنع " أستمد من إمبسون خلال هذا الكتاب، مركزاً نظرته الجديدية في " التناقض " على فكرة " الغموض "، معلناً الحرب، في الوقت نفسه، على قراءة إمبسون الاجتماعية للجواهر والأزهار التي تتورد غير منظورة في " مرثاة " غراي، متهماً له بأنه يقتسر من القرينة تفسيراً سياسياً (وهو اعتراض ألمع غليه منذ سنة ١٩٣٨ في " كيف نفهم الشعر " حيث طبع قراءة إمبسون للمقطوعة وشفعها بهذا الواجب الثقيل المطلوب من التلاميذ تحقيقه: " انقد تحليل إمبسون من حيث علاقته بالقصيدة كلها ") ثم راجع إمبسون هذا الكتاب في مجلة " سيواني " عدد الخريف ١٩٤٧ وأعلن عن مخالفاته له، ودافع عن موقفه من كيتس " قصيدة في زهرية إغريقية " ورد عليه بروكس في العدد نفسه. ولا يستطيع أحد أن يتكهن إلى أين ينتهي هذا الجدل في النهاية.
стр. 430
وقد أشرنا من قبل إلى أثر إمبسون في بلاكمور وإلى اقتباس مود بودكين عنه، وسنتحدث عن علاقته بجماعة مجلة Scrutiny، أما فيما عدا ذلك فنقول أن إمبسون كان واسع الأثر ولكنه لم ينقد إلا نقداً ضئيلا فأثنى هربرت ريد على " تحليله اللامع " للغموض، وأشار إليه آلان تيت باقتضاب، وكذلك فعل روبرت بن ورن. واستمد آرثر ميزنر من استطلاعات إمبسون لمدة عشر سنوات، على الأقل، دون ان يفهمها جيداً، أو هكذا تدل مراجعته للشعر الرعوي الإنجليزي في مجلة " بارتزان " عدد كانون الأول (ديسمبر) ١٩٣٧ حيث أثنى على إمبسون بأعلى ألفاظ المديح وأعلن ان كل شيء تقريباً ابتداء من " الجبل السحري " حتى " مالي وما ليس لي " To Have and To Have Not إنما هو أدب رعوي بالمعنى الذي يقول به المستر إمبسون. وقد أدى راندل جرل تحليلا إمبسونياً لامعاً عنوانه " نصوص من هيمان " Texts From Housman في مجلة " كينيون " عدد الصيف ١٩٣٩، ولكنه لم يتحدث عن آثار إمبسون فيما اعلم. وأثنى لوول على إمبسون، وعده أحد خير خمسة من شعراء الإنجليز الأحياء، (والآخرون هم توماس واودن ومكنيس وغريفز) . وقدم له توماس نفسه مديحاً ساخراً كشاعر، نصف قصيدته الريفية " رجاء إلى ليدا " وعنوانها الفرعي " برسم الولاء لوليم إمبسون " أما وليم يورك تندال فقد أثنى على شعر إمبسون في كتابه " القوى في الأدب الإنجليزي الحديث " وليس لديه ما يقوله في نقده إلا أنه يبلغ درجة الطريقة القديمة من " تفسير النصوص "، وانه كتب بطريقة غير جذابة، كما كتب نقد رتشاردز.
وأدرج اسمه هربرت مللر في كتابه " العلم والنقد " Science and Criticism بين جماعة من النقاد المحدثين لا يبارون في " التحليل الحاد اللبيق " ويشير إليه إشارة أو اثنتين، ولكنه لا يتحدث عن نقده. وقد تقدم القول
стр. 431
بأن دارسي شيكسبير ونقاده قد أجمعوا على مؤامرة من الصمت ليخملوا انتاجه، مثلما فعل أيضاً، على نحو أقل، الذين كتبوا في الشعر الميتافيزيقي، وهو مجال أدى فيه إمبسون بعضاً من أكثر أستقصاءاته المعية (١) . وأشد هجومين حادين على إنتاجه فيما أعلم ورد أولهما، وذلك شيء يلفت النظر حقاً، في كتاب هنري بير " الآباء ونقادهم ". حيث وصفه، في أحد المواضع هو ورشاردز بأنهما يستخرجان " فئراناً " متناهية في صغرها " وفي موضع آخر بأنهما " يغريان المراهقين وقتياً "، وورد ثاني الهجومين في كتاب " على أصول وطنية " On Native Grounds لالفرد كازين، الناقد الأثير عند بير، فتحدث هنالك عن إمبسون بتحقير، وقرنه ببلاكمور وبيرك، وقال عنه أنه " مساح للمجازات " يكتب " ألغازاً تثير دهشته الذاتية " (مما يلفت الانتباه أن بير وكازين اللذين يتمتعان بإدراك متعثر فاشل في العادة، قد أصابا حين جمعا خير نقاد معاصرين في صعيد واحد، لكي يخصاهم بالهجوم) .
أما ما قاله جيوفري جرجسون في إمبسون حين تجادلا على صفحات مجلة " شعر ": أن امبسون " نموذج لذي نظريات جامد وشاعر يلفق شعره بالسرقة من غيره " يكتب " مادة متضائلة تافهة لا تقرأ، حتى أنها لا تستأهل الإهانة أو الهجوم " - أما هذا فقد يعزى إلى ما يسوق إليه الجدل من جدة وضيق في الخلق، ولا يمثل بالضرورة رأياً موزوناً في تقدير نقده. وأخيراً فأن اقتراح فيليب ويلرايت ان يوضع المصطلح السمانتي " كثرة الدلالات " Plurisignation مكان كلمة " غموض " - ذكر ذلك في مقال له عنوانه " في سمانتيات الشعر " بمجلة " كينيون " سيف ١٩٤٠ - وكذلك استعمال مارغريت شلوش " غموض إمبسون " تمريناً
стр. 432
لفصل من الفصول في ملحق بكتابها " هبة الألسن " The Gift of Tongues فأن هذين يمثلان بدء انسجام الدارسين مع إمبسون، انسجاماً قد يمتد فيشمل المعتنين بالقراءات المتعددة لنصوص شيكسبير.
٥
- بقيت مشكلة واحدة عامة تتعلق بنقد إمبسون وتحتاج معالجة: وهي مشكلة طبيعة القراءة الدقيقة ومشتملاتها. أما من ناحية تقليدية، فقد كانت القراءة الدقيقة حقاً للكاتب الذي يدرس صنعة أدبية، أو الأستاذ الذي يعلمها. وقد كانت الدراسة المسهبة حقيقة في الحالة الأولى نادرة، وقد تكون نتيجة لاستقصاء الكاتب لصنعته نفسها، كما فعل هنري جيمس في المقدمات (وكما فعل هارت كرين وتيت في الأيام الأخيرة بالكتابة عن شعرهما) ، وقد تكون نتيجة لبحث صديق، مثل دراسة بلزاك المشهورة وعنوانها " دراسة للمسيو بيل " (وفيها انساق إلى النقد الفني وأقترح تحسينات على The Charterhouse of Parma بعد تلخيص متأن متدرج للحبكة في خمس وخمسين صفحة، أو قد تكون وليدة عقل موغل في التحليل، كالشيء الذي نراه في دراسات كولردج لشيكسبير. أما القراءة الدقيقة التي يؤديها أستاذ، فلدينا منها نماذج تتراوح بين أرفع أنواع الدراسة، وبين آثار جوزف ورن بيش، في مثل كتابه " النظرة إلى النثر الأميركي " The Outlook for American Prose خاصة، إذ يدرس فيه الأدب المعاصر بعين النحوي الضيقة، ويعيد " مصححاً " كتابة عبارات لأدباء مثل جون ديوي، كأنها موضوعات إنشائية يكتبها طلبة. (كان خيراً لبيش لو أنه انفق الوقت في مراجعة كتبه، وتصحيح أسلوبه، واستبعاد عبارات مثل: " Equine Excrementa " و " in a family way " وتغيير " Lester Jeeter " إلى " Jeeter Lester " حيثما وقعت) .
стр. 433
ومهما يكن من شيء فإن إحدى مظاهر النقد الحديث، على وجه الدقة هي هذه القراءة الفنية الدقيقة، لا من حيث إنها مظهر للعلم أو لحرفة التعليم، بل من حيث إنها طريقة عامة من التحليل النقدي. فقد أدخلها رتشاردز في النقد الحديث، مثلما أدخل أشياء كثيرة. ولكن بما أنه شغل نفسه بأمور أخرى فإن ما أنتجه من القراءة المسهبة حقاً لا يعدو أمثلة قليلة. ويصدق الشيء نفسه، مع اختلاف في نوع الاهتمامات الصارفة، على كنث بيرك، وظل من نصيب إمبسون وبلاكمور إنشاء مقدار من الدراسة الدقيقة المسهبة على أساس مبادئهما. وقد كتبت جماعة الجنوب التي تلتف حول رانسوم عدداً لا يحصى من البيانات، تلح فيه لا على إن القراءة الدقيقة الفنية للنصوص عمل هام للنقد، فحسب، بل على إنها العمل الوحيد المشروع له. على أن رانسوم وتبت قد حققا منه نسبياً شيئاً ضئيلا لأنهما، على شاكلة رتشاردز وبيرك، مشغولان بالمشكلات النقدية العامة، وأحدهما بعيد عن ميدان الأدب، أما كلينث بروكس وروبرت بن ورن، فقد بدءا إنتاج مقدار من الدراسات المسهبة، اعتماداً على مبادئ الجماعة، ولكن بعض ما أنتجاه ليس مسهباً، على التحقيق، وهذا قد يفسر إعجاب جماعة الجنوب بكل من إمبسون وبلاكمور فإنهما دون أن يكتبا بيانات قد أخذا أهبتهما للعمل وأنتجا ما أنتجاه.
وهناك مدرسة من النقاد موفقة في تخصصها بالقراءة الدقيقة للنصوص، وهي جماعة كمبردج القائمة حول مجلة " Scrutiny " بإنجلترة ولا تعرف بأميركة إلا قليلا وقد أنضم إليها إمبسون بعض الوقت (فصله عن حديقة مارفل في كتاب " بعض الصور " نشر أولا فيها) . وقد صدر عن هذه الجماعة أمضى قراءة دقيقة في عصرنا ممزوجة بمقررات اجتماعية ذات قيمة حقيقية وشمل ذلك ما كتب في المجلة نفسها (وما كتب في سابقتها
стр. 434
" حولية الآداب الحديثة " The Calendar of Modern Letters التي استمرا من ١٩٢٥ - ١٩٢٧ ومنها استخرج ليفز مختارات سماها نحو مقاييس نقدية Toward Standard of Criticism) كما شمل مؤلفات ف. ر. ليفز ومؤلفات ك. د. ليفز ول. ك. نايتس ومجموعة مختارة عنوانها " Determinations " وكان ف. ر. ليفز أحد محرري المجلة وزعيم الجماعة. وقد أخرج للناس قسطاً وافراً من النقد الجليل الفائدة، نقداً في خير أحواله حين يكون فنياً أو تفسيرياً، وبخاصة إذا تناول المحدثين في كتابه " اتجاهات جديدة في الشعر الإنجليزي " New Bearings in English Poetry وأحياناً أخرى يفسد بالعيوب التي تصحب النقد الاجتماعي أي الميل إلى وسم هذا الأديب أو ذاك بمصطلحات مثل " هرب " و " أنصرافية " أو أتباع طريقة بروكس في بتر الأدباء الذين لا يرضونه اجتماعياً، مثل ييتس وهنري جيمس، أو الأخذ بعقلانية القرن الثامن عشر التي تستعمل مصطلح " شعائري " بنوع خاص للتحقير، أو استعمال أسلوب تعليمي مغرق يدعو الناس إلى اعتناق الشعر. وقد وضع ف. ر. ليفز نصب عينه في كتابه " نظرة جديدة في القيم " Revaluation - وهو كتاب ظهر تباعاً في المجلة على شكل سلسلة من إعادة النظر والتقدير للأدب - أن يراجع تاريخ الشعر الإنجليزي، ليبرز بوضوح " قوة اللمح الساخر " الميافيزيقية (أو ما يسميه بيرك " رؤية التناسب في اللامتناسب ") جاعلا منها الموروث الصحيح وهي محاولة سبقه إليها اليوت بطريقة غير رسمية (مع انه ناقض اليوت الذي أعلى من درين، وخفض من شان بوب، فعكس ليفز ذلك) . وتبعه فيها كلينث بروكس (وحل المشكلة بان أقصى كلا من بوب ودريدن من الموروث) .
أما ك. د. ليفز المختصة بباب القصص في المجلة فقد كتبت في " القصص وجمهور القراء " Fiction and the Reading Public دراسة أدبية اجتماعية
стр. 435
بالغة القيمة عن انحدار الذوق العام في انجلترة منذ ١٦٠٠ مستعملة طريقة تصفها بما تستحقه حين تسميها " انثروبولوجية ". وقد قامت هي وليفز الآنف الذكر بهجمات حادة على الماركسية في العشر السنوات الأخيرة مع إنهما مدينتان لها بطريقة تناولهما للأمور الاجتماعية. أما ل. ك. نايتس (١) وهو أحد محرري المجلة فربما كان ألمع محلل للنصوص بين الجماعة وقد حاول أن يطبق - تصريحاً لا ضمناً - الأفكار الماركسية على الأدب في كتابه: " الدراما والمجتمع في عصر جونسون " Drama and Society in the Age of Jonson والكتاب فيما يستوعبه فكرة لامعة، ويشعرك بأنه من النوع الذي لو عاش كودول لكتبه، ففيه بحث " في العلاقة بين النشاط الاقتصادي والثقافة العامة " بالكشف عن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في إنجلترة أيام إليزابث واليعاقبة بإسهاب، ثم دراسة الدراما بعرضها على نماذج من تلك الأحوال. أما في التطبيق، فإن الكتاب مخفق لعدة أسباب أولها: إن نايتس لا يطبق نظريات ماركسية، على التحقيق، (وإن كان كتابه يقتبس من كل ماركسي ابتداء من ماركس وإنجلز حتى ت. أز جاكسون ورالف فوكس) وإنما يطبق حتمية تاوني الاقتصادية الأكثر بساطة من الماركسية. وثانيها إن كتابه لا صلب له، وينقسم بحدة في الوسط إلى كتابين أحدهما: خلاصة اقتصادية اجتماعية جيدة والثاني: مجموعة من النقد الأدبي التحليلي الممتاز، دون أن تقوم بين الاثنين أدنى صلة. وثالثها، ولعل هذا هو العامل الأساسي الكامن وراء الأخطاء الاخرى، إن نايتس، على أنه يقتبس باستحسان مبدأ ماركس " إن الكيان الاجتماعي للناس هو الذي يتحكم في وعيهم "، فإنه يعجز عن أن يفهم ما عناه ماركس، ويخطئ في إدراك سر هذه العملية، وإذا إدراكه له يجيء على هذا النوع من التبسيط المضحك: الكيان
стр. 436
الاجتماعي للناس الذي يتحكم في آرائهم ونزعاتهم. فلا تجده يعالج الانعكاسات العميقة للمجتمع في المبنى الروائي وأنواع الصراع في المسرحيات، بل يعتم بما تقوله الشخصيات عن المجتمع والمال والتملك، أي يهتم بالصفحة الاجتماعية من تعليقاتهم لا بطبائعهم. وينهي نايتس كتابه بمختارات من الخطب " تضم فكرة العصر ورأيه " وتعكس " مظاهر هامة من الموقف الاجتماعي " أو تقدم " توضيحاً لحياة هذه الفترة ".
أما كتابه الثاني " كشوف " Explorations وهو مجموعة من المقالات " عن أدب القرن السابع عشر من الدرجة الأولى " فإنه عملية رصينة من التكامل الاجتماعي - الأدبي. وفيه يقوم بعمل قيم بالإلحاح على أن الإدراك الجشطالتي للاستجابة العاطفية المركبة، كلها عند القارئ يجب أن تكون نقطة البدء في النقد، لا تلك التجريدات النقدية التقليدية من مثل " شخصية " و " حبكة ". وهو ينص على أهمية العمل الأدبي من حيث هو وحدة يراد استقصاء نواحيها وعلى ضرورة ابتداء كل بحث من الزاوية الفنية، وعلى قلة جدوى الكشف عن العلاقة بين الفنان والمجتمع (وما يزال يعتبرها موضوعاً أساسياً في النقد) من أي زاوية سوى أسلوبه الفني وإحساسه. وعلى الرغم من روعة هذه المبادئ النقدية يجيء الكتاب أحياناً مخيباً الآمال، ذلك لأن نايتس يرث عن ف. ر. ليفز فكرة " الهرب " (فيخبرنا إن هاملت تراجعي هارب وما يجد هاملت استجابة في نفوسنا إلا لأننا انهزاميون أيضاً) وورث عنه عجزه عن أن يتذوق تماماً أدباء مثل ييتس وجيمس، وأضاف إلى هذا الذي ورثه قصوراً من ذاته، وبخاصة إحجامه عن أن يسير بأي نقطة من البحث إلى نهايتها البعيدة لئلا تشوه كلية العمل نفسه. ومع كل هذا فإنه في خير أحواله - أي حين يتمخض التحليل الاجتماعي الأصيل عن دراسة نصية مسهبة لإحساس شعري معين، كما في مقاله عن
стр. 437
جورج هربرت - ينتج نقداً لا ينزل عن مستوى أجمل ما لدينا من نقد، إلا قليلا.
وتستمد جماعة مجلة Scrutiny أخيراً من رتشاردز كما تستمد من اليوت، وهي مدينة على طول الدرب كثيراً لإمبسون. فقد تابع ف. ر. ليف أنواع الغموض بإصرار، واعترف بفضل إمبسون واقترح أن كتابه " يجب أن يقابل باحترام "، وفي ختامه كتاب " اتجاهات جديدة في الشعر الإنكليزي "، وجد أن قصائد إمبسون " الفذة " وقصائد رونالد بوترال هي " الاتجاهات الجديدة " الوحيدة التي تستحق البحث منذ اليوت وبوند. وقد أفاد نايتس أيضاً من إمبسون وبخاصة في كتابه هربرت وتصيد أنواع الغموض (يفضل أن يتجافى عن هذه اللفظة، ويستعمل بدلها " التراكيب الجانحة " أو " تذكر شيئين في وقت معاً ") وأفاد، على وجه العموم، كثيراً من طريقه إمبسون في القراءة. وفي الوقت نفسه تراه قد نقد طريقة إمبسون بشدة من زاويته الجشطالتية زاعما إن إمبسون يحصل على معانيه الغزيرة بالتركيز على جزء من القصيدة واعتبار إمكانات ذلك الجزء بمعزل عما عداها، ناسياً أن القصيدة كل قد ألغيت فيه بالضرورة اكثر تلك الإمكانات. وهذه تهمة رصينة قوية من وجه ولكنها تبدو، على الجملة، استعمالاً لمبدأ " العضوانية " للحد من المعاني، لا لتظهر التنظيم والروابط المتبادلة ذات العمق العظيم والتركيب في المعنى. (قد وجه ليفز هذه التهمة نفسها ضد كل من إمبسون ورتشاردز في " التعليم والجامعة " Education The University) .
ونشأت في الوقت نفسه مدرسة نقدية معاصرة، تجعل مذهبها الرئيسي رفض القراءة بتاتاً، وكان البيان الناطق باسم هذه الجماعة هو " العقل الأدبي " ١٩٣١ لماكس إيستمان، فقد هاجم فيه كل الأدب بأنه " كلام لا ضابط له " (" الآراء الغامضة القلقة المتناقضة في هذه الآداب
стр. 438
الإنسانية ") . وتبجح معتزاً بأنه اخفق كقارئ (تهاتف قائلا: انفق جويس اشهراً على استخراج أسماء خمسمائة نهر في جزء Anna Livia Plurablelle من كتاب " يقظة فينيغان " أما ماكس ايستمان فلم يستطع أن يجد إلا ثلاثة انهر ونصف ". وقد وضح الكتاب، بعامة، أن مشكلة ايستمان الوحيدة هي مقته للشعر، وعجزه أو إباؤه من أن يقرأه بذكاء، وانه رفع هذه المشكلة إلى مستوى طريقة نقدية. وهناك كتب أخرى تنهج هذا المنهاج، منها بإنجلترة كتاب " الإحساس والشعر " Sense Poetry لجون سبارو وكتاب " تدهور المثال الرومانتيكي وسقوطه " The Decline and Fall of the Romantic Ideal للوكاس (ف. ل.) وكلاهما يشققان فنوناً من القول معناها ان الشعر الذي لا يفهمه كل من سبارو ولوكاس لا يمكن أن يعني شيئاً في الحقيقة. ومنها بأميركة " القارئ لنفسه " تأليف مارك فان دورن وهو بيان يدعو إلى القراءة سطحياً، جهد المستطاع، فهو بهذا يمثل " القارئ لنفسه " وكتاب ج. دونالد آدمز " شكل الكتب التي ستظهر " وهو انتصار كامل للعجز النقدي حتى إنه يجعل ماكس أيستمان يبدو أديباً إذا قارناه به. غير إن هذه الجماعة تكاد لا تستحق هذا الحديث.
وشعر إمبسون هو أحد العوامل التي تؤثر في نقده وقد نشر منه " قصائد " Poems ١٩٣٥ " والعاصفة المحتشدة " ١٩٤٠، وهو شعر رصين هام، حتى ولو لم يقدره المرء تقدير رتشاردز له، كما إنه شبيه بنقده: ساخر وكثيراً ما يكون عريض الفكاهة متعلقاً بالشكل، وهو ميتافيزيقي بكل معاني الكلمة، من معنى " جذر " كما يستعمله رتشاردز إلى المضمونات العامة التي تدل علها لفظة " Quirky " [أي المراوغة والتهرب والتلاعب] . وهو ذو ارتباط بنقده لأنه يستعمل شكلا نوعياً كالأشعار الريفية التي سبقت الإشارة إليها، ولأنه يعتمد في مبناه على
стр. 439
البيت الواحد، ولأنه يتلمس التورية وأنواع الغموض. وليس هذا كله فحسب بل هو وثيق الصلة بنقده، خاصة في تلك الملاحظة النثرية التي يكمله بها، قائلا في " تعليقة على التعليقات " في " العاصفة المحتشدة ": " كثير من الناس (مثلي) يفضلون قراءة الشعر ممزوجاً بالنثر فلذلك ما يعينك على المضي ذلك لأن الرسوم الشعرية قد تجافت عن الحياة العادية، فإذا كان لديك جسر من النثر فإنه يجعل الوصول إلى قراءة الشعر أمراً طبيعياً ". وهذه التعليقات نقد إمبسوني زاخر، وتفسيرات للقصائد من ناحية، وتوسيع في مداها من ناحية أخرى، وتجيء مساوية لها من ناحية ثالثة. ويتحدث إمبسون بتواضع عن " قلة كفاءته في الكتابة " ويبين أن في القصائد " نوعاً من متعة الألغاز " وإن الملاحظات نغمة " كالأجوبة على لغز الكلمات المتقاطعة " ولكنه في الحقيقة ينسب لشعره من الغموض أكثر مما فيه. وبخاصة المجلد الثاني الذي يضم عدداً من القصائد السياسية في موضوعات صينية وترجمات يبدو إنها من اليابانية، ومعرضة ساخرة لاودن جائرة، وقصائد بعناوين مثل " انطباعات من أنيتا لوس " فكل هذا الجزء تقريباً ليس في الصعوبة مثل كثير من الشعر الحديث، دونه في الجودة.
وهناك تهمة غريبة توجه أحياناً إلى إمبسون وعلينا أن نواجهها حين نحاول كلمة إجمالية عن فضله في النقد، وتلك هي إنه انطباعي في نقده أي إنه يستجيب للقصيدة بكتابة قصيدة جديدة عنها، ليس لها بالقصيدة الأولى من علاقة إلا علاقة الدافع الذي هو استجابة. والمظهر المضحك في هذه التهمة هو إن إمبسون في كتابه " بعض صور من الأدب الرعوي " يقتبس قول ناقد مراجع، كتب عن مؤلفه السابق وأتهمه حينئذ بالموضوعية، أي " بمعالجة القصائد على إنها ظواهر طبيعية لا أمور يحكم عليها العقل " بينما يتهمه كلينث بروكس في دراسته لنقده
стр. 440
بأنه " ذاتي "، مؤكداً أن " نظام التصنيف لأنواع الغموض سيكولوجي، لأن الأنواع تزحل عن مواضعها كلما غيرنا القارئ أو كلما تحسن القارئ نفسه، فإنها لا تصف خصائص ثابتة في القصيدة (أي في القصيدة التي يقرأها القارئ المثالي قراءة " صحيحة ") " ومن الواضح إن التهمة التي يوجهها المراجع الأول المجهول، صحيحة من حيث إمبسون يعالج قصائد حقاً على إنها ظواهر طبيعية، لها وجودها المستقل عن حكم العقل (أي إنه مادي فلسفي) واتهام بروكس له أيضاً صحيح فإن المعايير التي يستعملها إمبسون نسبية ذاتية من حيث إنه يعالج القصيدة من زاويتين، زاوية امرئ يكتب وآخر يقرأ، أي يصنع ما يصنعه الناس الواقعيون في هذا العالم، لا تجريدات بروكس الأفلاطونية اللامحدودة الهامدة التي يسميها " الخصائص الثابتة " " القراءة الصحيحة " و " القارئ المثالي " فإمبسون، بعبارة أخرى، موضوعي أو ظواهري في الفلسفة، ذاتي أو نسبي في النقد، يتخذ الإنسان مقياساً في كلا الحالين. وهذا لا يجعله انطباعياً إلا من حيث إن المادية لا تقبل مبدأ لينين في الحقيقة الموضوعية المطلقة، وإن القصيدة عنده هي ما يمكن أن يحصل عليه، وليس هو انطباعياً لأنه يريد أن يهرب من وجه القصيدة ويأوي إلى شخصيته الشاعرة، وذلك المعنى للنقد الانطباعي الشكلي الذي يمارسه أناتول فرانس وجول ليميتر.
وهذا يؤدي بنا مباشرة إلى المشكلة الأساسية حول طريقة إمبسون: أي عامل معوق يحول بينها وبين التفرع إلى ما لا نهاية حتى تصبح كل ثقافة المرء، بالتالي تفسيراً لسطر أو كلمة؟ إن إمبسون أحياناً ذو ميل إلى أن يبعد في تقديره، ويعثر على أنواع من الغموض في كل مكان، وأن يوسع تعريف " رعوي " حتى يصبح كل أثر فني " رعوياً " وأن يكوم المعاني حتى تكاد تحطم صلب القصيدة. فإين يضع الحدود وعلى أي
стр. 441
أساس؟ يقترح بروكس، بلباقة، أن يكون المعيار ما يسميه كولردج " الذوق السليم " وهذا ما يفسره ويدافع عنه رتشاردز في فصل بهذا الاسم من كتابه " رأي كولردج في الخيال "، ويقول:
كلمة " الذوق السليم " ذات صوت مشئوم أحياناً إذ يظن إنها لفظة السر في النقد. إنها راية ينضوي تحتها كل نوع من البلادة ويقاتل من أجلها كل نوع من التحيز. حتى كولردج الذي يكون غالباً أسوة في الذوق السليم في النقد، ليس بعاجز، في بعض الساعات القليلة، عن ان يستعمل ألوانها ليتقدم باعتراضات واعتذارات مؤسسة على قراءة ذاهلة ليس فيها عناية ولا قدرة على الاستجابة ولا على الإمداد.
ومع هذا، يضيف رتشاردز، إنها المعيار الوحيد لدينا لتطبيق النظرية: " في أي نظرية لا يوجد مقياس فارق للخير، وعلينا ان نستعملها كما نستعمل المجهر لا كما نستعمل آلة الفرز أو المنخل. فإنها لا تستطيع ان تنوب عنا في الاختيار ولكنا لا نستطيع أن نختار دونها، وحياتنا بعينها اختيار ".
وعلى الجملة: كل طريقة أو فكرة نقدية بما في ذلك فكرتا إمبسون " الغموض " و " الرعوي " إنما هي امتداد للإنسان أي أداة لا غير، وعلى الإنسان أن يستعملها ويوجهها، وعلى حسب هذا المحك نجد الرجل الواقف من خلف مبدأي إمبسون، أي إمبسون نفسه رصيناً كأي ناقد آخر، وإذا استثنينا بعض الشذوذ. حكمنا أن استعماله لمبدأ خصب تر لامع إلى أقصى حد، وأنه في الوقت نفسه مغلوب النفس بالاهتمام العميق بالقصيدة نفسها و " بالذوق السليم " أساساً. ومن الصعب أن نتكهن بما سيعلمه من بعد، وان المرء ليرجو أن يكف عن تطبيق الإنجليزية الأساسية ولا يشغل كل وقته بها فأنها عامل معوق من نوع آخر أقل قيمة
стр. 442
بالنسبة له إذ أنها تتمخض عن تنظيم لقلة الإنتاج في النقد أكثر من ان تكون تنظيماً لإنتاج وافر غزير. ويرى بروكس أن كتاب " بعض صور من الأدب الرعوي " " يوحي ضمناً بان أثني عشر كتاباً على الأقل ستصدر بعده ". وليس من حقنا أن نتطلب أن تكون هذه الكتب المنتظرة احسن من كتابه الثاني، بمقدار ما تفوق الثاني على الأول، أو كما تفوق الأول على كثير مما نتسامح فنعده نقداً. ومع إقرارنا بأنه لا حق لنا في أن نتطلب ذلك، فلدينا من الأسباب ما يجعلنا نتوقع ذلك. إن الغموض المحير لدى إمبسون هو أن إنتاجه يصبح لدينا بالتدريج أقل غموضاً، ومن علائم النصر في طريقته النوعية انه يتجنب بتوفيق كل نوع نضعه نحن في طريقه.
стр. 443
الفصل العاشر
ايفور ارمسترونغ رتشاردز
والنقد بالتفسير
لا يكاد المرء يقترب من ايفور آرمترونغ رتشاردز إلا وهو يحس برهبة عظمى، فان اطلاعه في كل مجال من مجالات المعرفة واسع مترامي الأطراف، وتميزه في ستة ميادين، بجانب ميدان النقد، فذ ساطع، والألمعية والحذاقة في كتبه الأولى - على الأقل - رائعة، حتى ان دراسة سريعة له في بضعة آلاف من الكلمات لمحتوم عليها أن تكون سطحية مضحكة، وأن " معنى المعنى " وحده بما فيه من مشكلات الخدع " الصوتية " و " والثنوية " (١) ؛ وان ما يحويه من
стр. 444
" مثيرات " و " متخلفات " و " متطفلات " و " متبديات " (١) لابد وأن يصرف المعلق الارتجالي عنه. غير إنه من المستحيل أن يعالج النقد الحديث دون التحدث عن رتشاردز لأنه هو قالقه، بالمعنى الحرفي. فإن ما نسميه نقداً حديثاً بدأ عام ١٩٢٤ عندما نشر كتاب " مبادئ النقد الأدبي " حيث يقول رتشاردز عن التجارب الجمالية:
سأجهد الجهد كله لأدل على أنها جد مشبهة لكثير من التجارب الأخرى وأنها تختلف، في المقام الاول، بالعلاقات القائمة بين محتوياتها، وأنها ليست إلا تطوراً للتجارب العادية وأنها من ثم تصبح أدق منها وارهف تنظيما، إلا أنها ليست بحال تجارب جديدة مغايرة للتجارب العادية. وحين ننظر إلى صورة، أو نقرأ قصيدة، أو نصغي إلى الموسيقى، لا نفعل شيئاً مبايناً تماماً لما نفعله ونحن ذاهبون إلى بهو التصاوير، أو لما فعلناه حين لبسنا ملابسنا صباحاً؛ نعم أن الطريقة التي تأدت بها التجربة إلى أنفسنا مختلفة، كما أن التجربة نفسها أكثر تعقيداً، وإذا وفقنا فيها فأنها تكون أكثر وحدة، غير أن فعاليتنا ليست في أساسها من نوع مخالف أبداً.
وإذ يخصص الكلام في الشعر، تجده يقول:
ليس لعالم الشعر، بأي معنى، واقع مخالف لسائر ما في العالم، وليست له قوانينه الخاصة، ولا خصائص مستمدة
стр. 445
من دنيا أخرى غير هذه، فانه مصنوع من تجارب هي من نفس أنواع التجارب التي تتأدى إلينا بطرق أخرى. وكل قصيدة، على وجه التحديد، قطعة محدودة من التجربة، قطعة يدركها الوهن، بشدة أو بخفة، إذا تطفلت عليها عناصر غريبة، لأنها منظمة تنظيماً أعلى وأشد إرهافاً من التجارب العادية التي تتأدى إلينا من الشوارع أو البطاح، فهي تجربة هشة ناعمة ولكنها اكثر التجارب قبولا للنقل والإيصال.
وبهذين المصطلحين اعني " التجربة " و " النقل الإيصال "، تحول رتشاردز بالنقد الادبي، وبهما كتب تعريفه المشهور للقصيدة في كتابه، وهو التعريف الوحيد الذي يبقى متماسكاً إذا أنت سمته تطبيقاً، فيما أعلم (١) .
هذه هي الطريقة الوحيدة العملية، في الحقيقة، لتعريف قصيدة، وأن بدت غريبة معقدة: وذلك أن نقول أن القصيدة مجموعة من التجارب التي لا تختلف في أي من خصائصها إلا بمقدار معلوم، يتفاوت تبعاً لكل من هذه الخصائص، عن تجربة معينة نتخذها معياراً لسائر التجارب. وقد نجد هذا المعيار في تجربة الشاعر عندما يأخذ بتأمل ما أكمل خلقه وأبدعه.
وقد كرس رتشاردز كل إنتاجه للكشف عن كيفية توصيل هذه التجارب للقارئ، أي أنه على التحديد خصص جهده للكشف عما يحصل عليه القارئ، أي لتوضيح العلاقة بين الجمهور والقصيدة لا العلاقة بين الشاعر والقصيدة. وقد سمى هذا الميدان ذات يوم " تفسير الدلالات " وأخيراً سماه " ريطوريقا " واليوم عاد إلى تسميته " تفسيراً ". وكل
стр. 446
كتاب من كتبه قد جال مجاله في ميدان من ميادين دراسة التفسير باستمرار ثابت باهر، وتتخلل كتبه غاية مزدوجة هي تفهمنا كيف تتم عملية النقل الفني، وكيف نجعلها تتم على وجه احسن.
وأول كتب رتشاردز هو " أسس علم الجمال " The Foundation of Aesthetics وقد نشره عام ١٩٢٢ بالاشتراك مع اوغدن العالم النفسي، وجيمس دود وهو حجة في الفنون. ويستعرض المؤلفون في ما يقل عن مائة صفحة كل ما ورد في النظريات الجمالية بحثاً عن طبيعة " الجمال " وبعد أن يتأملوا كل التعريفات الرئيسية يطلعون بتعريفهم الخاص الذي يقول: إن الجمال تجربة أو حال في الجمهور وانه ليس " شيئاً " غامضاًً كاملا في العمل الفني نفسه كان يقدم للناس فكرة أصبحت مدار اهتمامه في كل مؤلفاته. وحين تتبع هذه الفكرة من طريق المقارنات للحدود الكثيرة والتحليلات للمصطلحات، كان يتقدم بما اتخذه منهجه الرئيسي من بعد.
وفي السنة التالية نشر رتشاردز وأوغدن مؤلفهما العظيم " معنى المعنى " وكما تتبعا في " أسس علم الجمال " فكرة " الجمال " خلال التعريفات الكثيرة تتبعا في " معنى المعنى " فكرة " المعنى " نفسها، وكانا يحاولان ان يقيما شيئاً شبيهاً بالنظرية عن طبيعة الرموز وتفسيرها وعلماً لطريقة الإيصال اللغوي يمكن تطبيقه من بعد على الفن. وكانت أداتهما الكبرى في هذا العمل هي السيكولوجيا الانتقالية مستمدين من كل مدرسة نفسية حديثة تقريباً. أما " التقنية " الكبرى التي استغلاها فهي التعريفات الكثيرة ثم انتهيا إلى ما سمياه علم الرمزية التي اصبح سواهما يسميها من بعد: السمانتيات الحديثة. وقد طور المؤلفان مصطلحاً لبحث الرموز وطريقة تفسيرها مستعملين اصطلاحي " راموزات " و " مرموزات " وبحثا العلاقة بين العمليات الفكرية والتفسير، وحددا قوانين التفكير، وكشفا عن طبيعة
стр. 447
" الحد " و " المعنى " واختبرا مدى نجاح هذه الطريقة في الأفكار الجمالية عن الجمال (معيدين شيئاً مما قالاه من قبل) وفي أمثلة من الأفكار الفلسفية، وأخيراً سلطا كل ذلك على الشعر. وقد استدعى هذا العمل التفرقة بين المعنى " الرمزي " للعلم (أو ما كان يسمى من قبل نثراً) وبين المعنى " الباعثي " أو " الإثاري " للشعر (وهذا امتداد لما سماه مل " الدال " و " الضمني ") .
لقد اتخذ أوغدن ورتشاردز من " معنى المعنى " قنطرة للفكر في أي مجال، وجعلا كل كتبهما من بعده وكأنها ملاحق عليه أو توسعات له، ووضحا في مقدمات الطبعات التالية من هذا الكتاب معقد العلاقة بينه وبين كتبهما الأخرى. أما كتاب رتشاردز " مبادئ النقد الأدبي " (١٩٢٤) فانه " يحاول أن يتخذ نفس الأساس النقدي الذي حاول أن يقيمه في " معنى المعنى " أساساً في قدرة اللغة على الإثارة " وأما " العلم والشعر " (١٩٢٦) Science and Poetry فأنه يبحث " مكانة الأدب ومستقبله في حضارتنا " (أي انه يحقق إيجاد العلاقة بين الوظائف الرمزية والاثارية للغة) ويجيء " النقد التطبيق " (١٩٢٩) " تطبيقاً تعليمياً للفصل العاشر " وهو الفصل الذي يبحث في المواقف الرمزية بما في ذلك العجز عن التفسير ومواطن الاضطراب فيه. ويعالج كتاب " آراء منشيوس في العقل " (١٩٣٢) " الصعوبات التي تعثر بها المترجم ويكشف عن وسائل التعريف المتعدد " وهذا ما يوضحه كتاب " القواعد الأساسية في التفكير " (١٩٣٣) . أما كتاب " رأي كولردج في الخيال " (١٩٣٥) فانه " يقدم تقديراً جديداً لنظرية كولردج في ضوء تقييم مناسب للغة الاثارية " ويستطيع القارئ على هذا النحو ان يضع كتب رتشاردز في مواضعها فيرى في " فلسفة البلاغة " The Philosophy of Rhetoric ما يوضح " سوء الفهم وطرق علاجه " وهذا شيء يحققه أيضاً كتاب " الأساسي في التعليم بين
стр. 448
الشرق والغرب ". Basic in Teaching: East and Weat (١٩٣٥) ويحقق كذلك كتابه " الأمم والسلام " Nations and Peace (١٩٤٧) ولكن في مجال آخر. أما " التفسير في التعليم " (١٩٣٨) فأنه " كالنقد التطبيقي " " تطبيق تعليمي للفصل العاشر " يجري في هذه المرة " كالنقد التطبيقي " " تطبيق تعليمي للفصل العاشر " يجري في هذه المرة على النثر. ويكشف كل من " كيف نقرأ صفحة " وطبعة رتشاردز من " جمهورية أفلاطون " (كلاهما نشر سنة ١٩٤٢) عن التعريف المتعدد في اللغة الأساسية بمعالجة نص من أفلاطون، وهلم جراً.
وتترتب كتب أوغدن على هذا النحو نفسه فيقدم لنا كتاب " معنى السيكولوجيا " (١٩٢٦) الذي أعيد طبعه سنة ١٩٢٩ بعنوان " أبجدية السيكولوجيا " " مقدمة عامة للمشاكل السيكولوجية في دراسة اللغة " وأما " الإنجليزية الأساسية " (١٩٣٠) فانه " تلمس للمبادئ العامة في الدلالات ولأثرها في قضية إيجاد لغة علمية عالمية، ومجهود تحليلي لاكتشاف قواعد للغة يمكن بها ضبط الترجمة من نظام رمزي إلى نظام رمزي آخر " كما أن طبعة اوغدن لكتاب " نظرية بنثام عن أنواع الأدب التخيلي " Bentham " s Theory of Fictions (١٩٣٢) " قد ركز فيها الانتباه على مساهمة مهملة في هذا الموضوع " (أي موضوع الدلالات وتفسيرها) وهذا هو الموضوع الذي عالجه أيضاً في " جرمي بنثام " Jeremy Bentham (أيضاً) . وما كتاب " مقاومة " Opposition (١٩٣٢) إلا " تحليل لمظهر من مظاهر التعريف، ذي أهمية خاصة في التبسيط اللغوي " وعلى هذا النحو، فيما أعتقد، يمكن أن نعتبر كتب أوغدن المبكرة كشوفاً ابتدائية لهذه المشكلة أما تلك الكتب فهي: (أ) " مشكلة مذهب الاستمرار " The Problem of The Continuation School (١٩١٤) كتبه بالاشتراك مع ر. هـ. بست (ب) " بين خصب الإنتاج والحضارة " Fecudity Versus Civilization (١٩١٦) بالاشتراك مع أدلين مور
стр. 449
(ج) " انسجام الألوان " Colour Harmony (١٩٢٦) بالاشتراك مع جيمس وود.
وفي الوقت نفسه لم تقف كتب رتشاردز عند توضيح مظاهر من نظرية تفسير الدلالات بل إنها أدت خدمات جلى فيما يتعلق بالبحث الأدبي على وجه الحديد؛ فأول كتاب ألفه مستقلا وهو " مبادئ النقد الأدبي " أوجد النقد الأدبي الحديث كما تقدم القول، وما يزال بعد عقدين من الزمان نصاً نقدياً هاماً مستمر التأثير. ولما تحدث عنه دافيد ديشز في كتابه " الكتب التي غيرت عقولنا " Books That Changed Our Minds وصفه بأنه طليعة الكتب في تطبيق علم النفس على الشكل، واسبغ عليه كنث بيرك حمده وإطراءه لهذا السبب نفسه، وهو يعتبر بعامة أهم كتاب ألفه رتشاردز وأكثر كتبه تعلقاً بالأصول من حيث ما حواه من مصطلح نظري وفلسفي (أما بحسب مفهوماتنا في هذا البحث فأنه يتضاءل إزاء " النقد التطبيق ") . وقد حاول رتشاردز في هذا الكتاب، بالإضافة إلى أنه عرف الشعر تجريبياً ونص على قابليته للبحث من أساسه، أن يجعل من النقد " علماً تطبيقياً " ذا وظيفة مزدوجة هي: تحليل كل من التجارب التفسيرية والتقييمية وفي الوقت نفسه اضطلع بمهمة تجاوز فيها حد العلم، تلك هي إنشاء معايير تقيمية، مصرحاً أن " من ينصب نفسه ناقداً فكأنما ينصب نفسه حكماً على القيم " محدداً خصائص الناقد " الجيد " في ثلاث:
أن يكون حاذقاً جرب حالة الفكر المرتبطة بالعمل الفني أثناء حكمه دون ان تشط به نزواته الذاتية. ثانياً لابد له من ان يكون قادراً على تمييز تجربة من أخرى من حيث مظاهرها الأقل سطحية. ثالثاً لابد من أن يكون حكماً رصيناً على القيم.
стр. 450
كل هذه المعايير تشير نحو موضوعية علمية، ولكنها أيضاً تشير، بنفس القوة، إلى خصائص ذاتية خالصة، أي إلى تلك الثقة الذاتية الغريبة التي ندعوها " الذوق ". ولما شاء رتشاردز أن يجلو خصائصه الذاتية، كما يوضح طريقته الموضوعية، ارفق بكتابه ملحقاً درس فيه بإيجاز عدداً من قصائد اليوت. وهذا الملحق وان كان سطحياً، فأنه مع ذلك ثاقب دقيق مشمول بسعة الاطلاع (مثلا يستخرج فيه رتشاردز إشارات من قصيدة بيربانك وبلايشتاين أكثر مما استطاع النقاد أن يلحظوه فيها بعد عقدين من الزمان) . ومع ذلك فان في كتاب " مبادئ النقد الأدبي " عدداً من العيوب. فمن أقيم الأشياء في الكتاب - مثلا - تأكيده أن (الدوافع لا يمكن تلقيها إلا أن كانت تخدم حاجة عضوانية " (وهذا عندما يطبق على الأدب معناه أن الأديب لا يشير إلى شيء ولا يقتبس شيئاً إلا أن يكون ذلك معبراً عنه) . غير أن رتشاردز يتقدم لتحطيم مبدأه هذا بحماقة، مقرراً أن النقد القائم على التحليل النفسي لا يستطيع ان يدرك ميزة قصيدة " قبلاي خان " لأن " باعثها الحقيقي " هو " الفردوس المفقود " وقراءات أخرى ثقفها كولردج - وهذا مثال من فرض يتخذ برهاناً، وهو في حاجة إلى إثبات، غير أن مثله ليس كثيراً عند رتشاردز. وفي الوقت نفسه يسيء رتشاردز قراءة قصيدة أخرى لكوردج وهي " الملاح القديم " واجداً أن " خلقيتها " " أمر دخيل "، مع إنها لب شعائر التكفير في القصيدة (١) . وأخيراً فان اللوحة المدهشة التي تشير إلى الجهاز العصبي على الصفحة ١١٦ وتصور الطريق التي يمارس بها العقل الصور في بيت من الشعر تخلق آثاراً مضحكة مباينة تماماً لأهداف
стр. 451
رتشاردز وفيها جور على جديته عامة وكان من الخير لو أسقطها.
أما كتاب رتشاردز التالي " العلم والشعر " فانه مجموعة من سبع مقالات قصيرة وهو استمرار للبحث في هذه المشكلات جميعاً وفيه يطور رتشاردز فكرة " السؤال الكاذب " و " التقرير الكاذب " من اجل البوح الباعثي في الشعر. ويقدم فكرة اقرب إلى أن تكون طفولية وهي " وسائل الهرب " المهيأة للشاعر أي طرق " التملص من المصاعب " وهي الفكرة التي أمعن النقد الماركسي في استغلالها دون ملل. ويستمر رتشاردز في الوقت نفسه في بحوثه المحددة عن الشعر مخصصاً الفصل الأخير لنقد هادي ودي لأمير وييتس ولورنس، وهذه البحوث - كما جرت العادة - مرهفة مشمولة بسعة الإدراك رغم ما فيها من تهوين كثير لشأن ييتس، الأمر الذي اعتذر عنه رتشاردز بحاشية في الطيعة الثانية سنة ١٩٣٥. (وألغى أيضاً قوله السابق بان اليوت " قد فصل كلياً بين شعره وكل المعتقدات " وأضاف ملحقاً وضح فيه ما يعنيه بكلمة معتقدات) .
وكان الهدف من كتاب " النقد التطبيقي " أن يكون " كشافا " إلى " مبادئ النقد الأدبي " ليظهر نقائص التفسير التي حاول كتاب المبادئ أن يصححها. وسنتحدث عنه بإسهاب فيما يلي:
ثم كان الكاتبان النقديان التاليان " آراء منشيوس في العقل " و " رأي كولردج في الخيال " تطويراً وتوسيعاً لمشكلات معينة. فأما الأول وعنوانه الفرعي " تجارب في التعريف المتعدد " فانه يكشف عن آراء منشيوس السيكاوجية وعن طرق المعنى عند الصينيين، وعن اللغة الصينية ومشكلة الترجمة منها إلى الإنجليزية، جاعلا من هذه كلها سلسلة من المشكلات المترابطة في التفسير المكثر. ويبدأ رتشاردز كتابه على الصفحة الأولى باثنتي عشرة قراءة متناوبة لسطرين من منشيوس، ثم يتقدم للكشف عن طبيعة القراءات المكثرة وعن خصائص اللغة الصينية بعامة مميزاً
стр. 452
ما كان منها نتيجة للثقافة، ويختبر نظرياته على عبارة لهربرت ريد ثم ينتهي إلى منطوق في التعرف المتعدد، ويوضحه بجداول مصنفة في القراءات المكثرة للأمور الآتية: " الجمال " و " المعرفة " و " الصدق " و " النظام ".
أما في كتاب " رأي كولردج في الخيال " فانه يحاول كشفا آخر في التعريف المتعدد وذلك بالغوص هذه المرة في معاني كلمة " خيال " المنتزعة من فكرة كولردج، ويحدد هدفه بأنه غربلة لتأملات كولردج واستخلاص فرضيات يمكن الاستفادة منها، وانه يرجو أن " يطور هذه الفرضيات إلى وسائل متضافرة في البحث يحق لها أن تدعي علما " وان طريقته بعامة هي التحليل والتجريب لا التقييم (وذلك ما أصبح لديه " إقناعا " أو " شعيرة " من شعائر المشاركة) . أما الخصيصة المميزة لنقد القرن العشرين كما يراها رتشاردز في الكتاب فهي العجز عن القراءة. فالعودة إلى كولردج في هذا الأمر، على الأقل، شيء يستحق الترحيب. وفي الوقت نفسه يمضي في الكشف عن مصادر الخطأ في القراءة بردها إلى الإرجاع المخزونة وإلى حسبان الملفوظات الاثارية ملفوظات رمزية وهكذا، غير انه تخلى عن اصطلاحات انحدت دلالتها المعنوية ضمنا إلى ما هو أسوأ مثل " التقرير الكاذب ".
كان " رأي كولردج " خامس خمسة من كتب رتشاردز النقدية العظيمة وآخرها استحقاقاً لصفة العظمة لان ما بعده وهو " فلسفة البلاغة " المنشور عام ١٩٣٦ مخيب للآمال كثيراً، إذ ليس هو غلا سلسلة من المحاضرات ألقيت بكلية برنمور على طريقة من التبسيط والتقريب. فقد أصبح رتشاردز يسمي ميدانه " بلاغة " أي " دراسة سوء الفهم وطرق علاجه " او " كيف تؤدي الكلمات عملها " ويقترح في هذا الكتاب نظرية في النسبية اللفظية لو انه دفع بها خطوة أخرى لجعل كل النقد مستحيلا ثم ينقض على نفسه كل دراساته السيكولوجية الأولى المتعلقة بالأجهزة
стр. 453
العصبية. وأكبر إسهام في الكتاب، عن لم يكن الإسهام الوحيد فيه، هو البحث في المجاز وهو تحليل شامل يطور اصطلاحين جديدين هما " المحمول " و " الحامل ". والكتاب في مجمله هو الدلالة العامة الأولى على تحول اهتمام رتشاردز من النقل في مناسيبه العليا الممكنة، أي في نقد الشعر، إلى النقل في مناسبيه الجماهيرية الدنيا، أي في الإنجليزية الأساسية. (صدر هذا الكتاب بعد كتابين في سلسلة Psyche - Miniatures عن الإنجليزية الأساسية) .
وبعد سنتين صدر " التفسير في التعليم " فكان شاهداً على أن الإنجليزية الأساسية لم تستطع أن تسلب رتشاردز كل اهتمامه النقدية، ولكنها كانت الهبة الأخيرة التي نشأت عن دروسه في النقد التطبيقي بكمبردج واتخذها ملحقاً لكتابه السابق. وتقول مقدمة رتشاردز ان الكتاب تطوير أكمل لكتاب " فلسفة البلاغة " من حيث أنه يحاول أن ينعش ويصقل الثالوث القديم: ثالوث البلاغة والنحو والمنطق؛ وكثير من هذا الكتاب مكتوب بالنغمة اللاعقلانية الجديدة: " علينا أن نتقبل الحقائق الأساسية دون أن نتطلب لها توضيحاً ". أما الثالثوث فيجب أن نعتبره " فنونا لا علوماً " وأما القراءة فأنها مليئة " بأمور لا يمكن قياسها ولا تقنينها " ومهما يكن من شيء فأن الكتاب ما يزال يجري على الأصول السابقة مع إلحاح مستمر على " التجريب " وقد حصل رتشاردز على معلوماته لهذا الكتاب باستعمال الطريقة التجريبية " العرفية " في أحد الفصول، وهي الطريقة التي أجراها في " النقد التطبيقي "؛ غلا أنه في هذه المرة كان يجري التطبيق على النثر التفسيري؛ وهو يلحظ تصليحات وتحسينات في الطريقة استوحاها تجريبياً، ويتحدث عن بعض المضامين والإمكانات والأخطار الكبرى في الطريقة، ومما لم يكن لديه المعلومات عنه ليتحدث عنه في كتبه السابقة. ثم أن رتشاردز يدرك لأول مرة انه إن شاء أن يعالج جوانب
стр. 454
الضعف في التفسير معالجة كاملة فعليه ان ينحرف نحو دراسة " علم الخصائص " فينفق في ذلك فصلا مقدراً قدر الفروق الإنسانية الحقة التي تنجم عن أسباب اجتماعية مضفياً تلك الخصائص الإنسانية على قرائه الذين كانوا من قبل وليدي الفروض العارضة أو المتوهمة.
أما الضعف الوحيد الكبير في الكتاب فهو إيمانه الجديد في التعليم أيمانا يشبه الاعتقاد في الإكسير، وأن التعليم خير طريقة لحل المشكلات الكبرى، وتبدو اقتراحاته في الكتاب غير متناسبة كالاقتراح الأدلري الذي سخر منه كريستوفر كودول دون شفقة (اقترح لتصفية المشكلات العالمية إنشاء كرسي للبيداغوجيا العلاجية "، وبعد ان تحدث رتشاردز عن عجز عام في القراءة والتفسير يسود مجتمعنا قال: " حبذا لو أن الصحف خصصت بعض انهرها - وجعلتها تحت إشراف خاص - لرسائل تردها في هذا الموضوع من المدرسين وشجعت في أعمدة أخبارها على دراستها دراسة نقدية ".
وفي أثناء ذلك كان اهتمامه بالإنجليزية الأساسية يتزايد خلال العقد الرابع من هذا القرن؛ غير أن فكرة الإنجليزية الأساسية أقدم من ذلك إذ ألمع إليها كل من أوغدن ورتشاردز نتيجة لبحوثهما في " معنى المعنى " حين اكتشفا أن هنالك كلمات سياسية معينة تتردد في تعريفاتهما، الفنية بعد الفنية، وتحقق لديهما أن عدداً قليلا من الكلمات الأساسية قد يكفي للتعبير عن أي فكرة. وقد عمل اوغدن عشر سنوات في تطوير هذه الفكرة. وفي سنة ١٩٢٩ نشر أول جريدة أساسية من الكلمات في سلسلة Psyche وتلا ذلك كتب أخرى تحدد اللغة ووسائلها. وفي سنة ١٩٣٣ كتب رتشاردز: " القواعد الأساسية في التفكير " بالإنجليزية الأساسية، ليبين قدرة اللغة على أن توضح مسالة معقدة، وهي المنطق في هذا المقام.
ثم نشر في سنة ١٩٣٥ كتيباً اكثر طموحاً هو " الأساسي في التعليم
стр. 455
بين الشرق والغرب " وصرح فيه بأن هناك أزمة ثقافية معاصرة وعجز عاماً في النقل الفني وضمنه تجربة رتشاردز نفسه لهذا العجز بشكله المتطرف في الصين ثم خصص سائر الكتاب لمناقشة استعمال الإنجليزية الأساسية علاجاً للغة ودفاعاً عنها ضد من يهاجمونها. وخير ما يمكن قوله في هذا الكتاب هو أن المشكلة التي يضعها رتشاردز، اعني ما يشبه أن يكون تدهوراً في حضارتنا، ليست كالمكلة التي يحلها، اعني كيف نحسن القراءة في المدارس. ومنذ عام ١٩٣٨ وقف كل مؤلفاته على الإنجليزية الاساسية، في المقام الأول، وعمل في أميركة منذ ١٩٣٩ حيث الحاجة إلى ذلك أمس. ثم نشر سنة ١٩٤٢ طبعة موجزة من " جمهورية أفلاطون " باللغة الأساسية وجعل " كيف نقرا صفحة " تعليقات على حواشيها. أما هذا الكتاب الثاني وهو في ظاهره عمل نقدي، فانه في الحقيقة يعتمد الإنجليزية الأساسية حلا للمشكلة التعليمية كما أن كتابة " مائة كلمة عظيمة " رد على مشروع " مائة كتاب عظيم " الذي تضطلع به شركة مورتمر أدلر وسكوت بوخانان. أما من حيث الأسلوب فانه يعتمد التبسيط شأنه في ذلك شأن " فلسفة البلاغة " غير أنه يحرص على أن يكون غامضاً بشكل مرهق، وذلك لأن رتشاردز يستعمل فيه سبعة أنواع من علامات الاقتباس على الكلمات؛ وقد وضع مشكلات التعريف المتعدد أو الترجمة في اللغة الأساسية موحيا بجعلها الترياق الشافي مثلما فعل في كتابيه " القواعد الأساسية في التفكير " و " الأساسي في التعليم " وفي النهاية أي عندما تحول الكتاب إلى فلسفة أفلاطونية مبسطة، أنهاه رتشاردز برجاء أخير من اجل التعليم واللغة الأساسية والفكر ونشر في سنة ١٩٤٣ كتابا اقل طموحا وأكثر " دغرية " في التبشير بمذهبه، وذلك هو كتاب " الإنكليزية الأساسية وفوائدها " ومنذ عندئذ، مضى في حملته فنشر " كتاب الجيب في الإنجليزية الأساسية " ويتألف كله من رموز تعليمية
стр. 456
منظورة ثم نر مقدمة لكتاب " ذخيرة الجيب " لروجيه. ولما نشر سنة ١٩٤٧ كتابه " الأمم والسلام " كان قد بلغ نوعا من الاوج وكل هذا الكتاب تقريباً بالإنجليزية الأساسية (فيه ٣٦٥ كلمة مأخوذة من جريدة الكلمات الأساسية و ٢٥ مما سواها) موضح بالصور البسيطة، وهو دعوة إلى استئصال الحرب بطريقتين: الحكومة العالمية والإنجليزية الأساسية متضافرتين.
وقد كتب رتشاردز بضع مقالات لكنها كانت دائماً تتجه اتجاه كتبه، أما مقاله عن قصيدة هوبكنز " العقاب " الذي نشره في Dial أيلول (سبتمبر) ١٩٢٦ والذي وصفه ف. ر. ليفز بأنه " أول نقد نابه كتب عن هوبكنز " فانه استمرار لبحثه في النصوص الشعرية المعينة في كتابه " العلم والشعر "، وفي هذا المقال وصف هوبكنز بأنه " اغمض ناظمي الشعر في الإنجليزي " وحلل القصيدة بشيء من الإسهاب مع إشارة إلى قصائد غنائية أخرى اصعب منها، من شعر هوبكنز نفسه، ليوضح طريقته التي يطبقها لتفسير الشعر الغامض المعقد خاصة. وفي كانون الأول (ديسمبر) ١٩٢٧ نشر بمجلة Forum مقالا عنوانه " كيف نفهم فورستر " وهو بحث في نصوص نثرية سلط فيه رتشاردز تحليله على العلاقة المعقدة بين نظرات فورستر وموضوعاته وإقبال الناس عليه، وبين وسائله القصصية. أما مقال " خمسة عشر بيتاً من لاندور " بمجلة كريتريون، نيسان (أبريل) ١٩٣٣ فأنه تجربة أخرى في النقد التطبيقي إلا أنه يوجه المشكلة نحو نقائص التعليم وبذلك يكون جسراً يصل بين كتاب " النقد التطبيقي " وكتاب " التفسير في التعليم ".
وأما " تفاعل الألفاظ " فأنه محاضرة ألقيت في برنستون عام ١٩٤١ ونشرت في " لغة الشعر " الذي نشره ألان تيت سنة ١٩٤٢، وهو آخر مقال، فيما اعلم، تناول فيه رتشاردز نقد الشعر على وجه الخصوص
стр. 457
وهو في الدرجة الأولى قراءة مقارنة مسهبة لمرثاة كتبها دريدن وأخرى كتبها دن فأظهرت عوار الأولى، وقد كشف رتشاردز عن كل سحره القديم، وهو يستعرض، باسهاب، مواطن الضعف في قصيدة دريدين بمقارنتها بما في قصيدة دن من خدع وإبهام، ولا يقلل من هذا السحر أن كان استنتاجه الأخير أن علينا جميعاً ان نكون " ارسطوطاليسيين افلاطونيين ". وابتعد عن نصوص الشعر في رسالتين حديثتين نشرتا بمجلة بارتزان: أولاهما (في عدد تموز - آب ١٩٤٣) تعليق على الجدل الذي ثار حول " الهبوط العصبي "، والثانية (صيف ١٩٤٤) عن مقال لاليوت في الثقافة؛ أما الأولى فتترجح، بعون من مجاز قسري موسع، بين دين غيبي وعلم طبيعي، وأما الثانية فأنها إسهام في أمور التعليم، وتقول إن التعليم " محاولة إدراك النظام الخلقي والفكري " وهو بهذا يهيئ لنا الخلاص الأبدي.
بعد استعراض هذا الإنتاج المحير الذي استمر ربع قرن من الزمان قد يكون من الممتع ان نتساءل ما هي حرفة رتشاردز أو ما هو ميدانه؟ لقد نصب نفسه في " أسس علم الجمال " جماليا، وفي " معنى المعنى " فيلسوفاً للمعرفة و " عالماً في الرموز " أو " سمانيتاً " - وهما الاصطلاحان اللذان يستعملهما بالتناوب؛ وكان في كل ما كتبه نفسانياً، يسمي نفسه " حيادياً " فيستمد بحماسة ودون تحيز من السيكلوجيا الفيزيولوجية والعصبية والسلوكية وسيكلوجية بافلوف في الإرجاع المنضبطة ومن التحليل النفسي ومذهب الجشطالت، ويهتدم ويتلقف من كل عالم سيكولوجي آخر ذي نظرية أو تجربة، كما يعتمد ملاحظه التجريبية الخاصة. وفي السنوات الأخيرة هاجم السيكولوجيا التربوية (وربما السيكولوجيا عامة) بأنها " رطانة " وأنها " مرض الغرام بالتجريد " وإذا اتخذنا " كيف نقرأ صفحة " شاهداً، وجدنا انه ربما كان مستعداً ليعيد سيكولوجيته - كفرع
стр. 458
من الفروع - إلى جذع الفلسفة المحطم، حيث انتزعها وليم جيمس في الأصل. زد إلى هذا أن رتشاردز كان دائماً معلماً وشيئاً من عالم بالصينيات ومنطقياً وذا نظريات تربوية ولغوياً، وكان منذ عقد مضى اعظم ناقد محترف، واهم من يطبق النقد عملياً، ولعله أول شخص، بعد بيكون، يتخذ كل المعرفة مجالا، ويجعل ميدانه كل العقل الإنساني.
٢
- أن ما حققه " النقد التطبيقي " في منحاه لبالغ القيمة حتى انه تكاد لا تبطل العمل به أية نقائص تنشأ من بعد، فقد كان فاتحة نقد موضوعي وأول محاولة منظمة لإيقاف نسج النظريات حول ما يتلقاه الناس أو ما يجدونه حين يقرأون قصيدة ما. ولم تكن غايته النهائية شيئاً أدنى من التحسين العام للقراءة، وبالتالي التحسين العام للتذوق الأدبي. يقول رتشاردز (١) :
قد يبدو محض مبالغة أن يقال أن الغاية الأولى والوحيدة في كل المحاولات النقدية، أي في كل التفسير والاستساغة والنصح والمدح والقدح، هي التحسين في النقل والإيصال لكن الأمر كذلك عملياً. إذ الحقيقة أن الجهاز الكلي في القواعد والمبادئ النقدية إنما هو وسلية لبلوغ نقل اجمل وأدق وأحكم؛ نعم أن للنقد جانباً تقيمياً، فبعد أن نحل تماماً مشكلة النقل، وعندما نصل تماماً إلى التجربة، أي إلى الحال العقلية المرتبطة بالقصيدة، يتبقى علينا أن نحكم عليها، أي أن نقرر قيمتها، ولكن المسالة تسوى نفسها دائماً على وجه التقريب، أو قل
стр. 459
أن طبيعتنا الداخلية وطبيعة العالم الذي نعيش فيه هي التي تقرر لنا ذلك، وأذن تكون محاولتنا الكبرى هي ان نصل الحالة العقلية المرتبطة بالقصيدة ثم نرصد ما يحدث:
أما الأهداف المحدودة في الكتاب كما يصوغها رتشاردز في الفقرة الأولى من مقدمته فإنها ثلاثة:
أولا أن يقدم نوعاً جديداً من الاستدلال لأولئك المهتمين بحال الثقافة المعاصرة سواء أكانوا نقاداً أو فلاسفة أو معلمين أو سيكولوجيين أو أي رجال يحدوهم إلى ذلك حب الاستطلاع. ثانياً: أن يهيئ وسيلة جديدة لأولئك الذين يرغبون في أن يكشفوا لانفسهم عما يفكرون فيه وما يحسون به نحو الشعر (والأمور المشابهة) ولم يحبونه أو يكرهونه. ثالثاً: أن يعد الطريق لمناهج تربوية اكفأ من التي نستعملها لتطوير الأحكام والقدرة على فهم ما نسمع ونقرأ.
أما الغرض الأول ففيه طبعاً مشمولات واسعة الذيوع حول الشعر والنقد وأما عن الهدف الثاني فقد قال رتشاردز (١) :
أن هدفي الثاني أشد طموحاً ويحتاج مزيداً من تفسير فهو يمثل جزءا من محاولة عامة لتعديل طرقنا في أشكال معينة من البحث، فهناك موضوعات يمكن البحث فيها بمصطلح من الحقائق الثابتة والفروض الدقيقة، ومن أمثلة هذا النوع: الرياضيات والطبيعيات والعلوم الوصفية. وهناك موضوعات أخرى يمكن معالجتها بالقواعد المجربة وبالعرف المألوف عامة: كالأشياء الحسية في التجارة والقانون والتنظيم وأعمال الشرطة.
стр. 460
وبين هؤلاء وهؤلاء يقع " قدر " هائل " من المشكلات والفروض والرموز والأخيلة والميول والمعتقدات، وهنا مجال الآراء العارضة والتخمينات المتفائلة؛ هنا باختصار يقع كل عالم الرأي المجرد والنزاع حول مسائل الشعور. وينضوي في هذا العالم كل شيء يهتم به الإنسان المتحضر، أكثر اهتمام؛ ولا أريد ان اخطر بالذهن إلا فلسفة الأخلاق والميتافيزيقا والآداب والدين وعلم الجمال والجدل الذي يدور حول الحرية والقومية والعدالة والحب والحق والايمان، وان نعرف كيف نوضح هذه الأمور ونبسطها. ويقف الشعر في هذا العالم، كمادة للبحث، " دخيلا " مرموقاً يتركز حوله الاهتمام، وهو كذلك بطبيعته وبأنموذج البحث الذي جرى العرف على ربطه به. ومن ثم فانه صالح بوجه بارز، كي يكون " طعماً " لكل من شاء أن يتصيد الآراء الراهنة والاستجابات في هذا الميدان المتوسط، من أجل فحصها ومقارنتها، ومن أجل دفع معرفتنا قدماً فيما يسمى التاريخ الطبيعي للآراء والمشاعر الإنسانية.
أن الذي كان يستشرفه رتشاردز، بعبارة أخرى، ليس شيئاً اقل من توسيع منطقة العلم، بما فيها من معلومات موضوعية جمعت تجريبياً، حتى يتخلل ميدان الشعر، وما يضارعه من مناطق الجدل. وقد كان رتشاردز يرجو " بحمل هذه الناحية العلمية إلى مجال أيدلوجية مقارنة " ان يقترح وسائل بداغوجية محسنة تساعد على تحقيق هدفه الثالث. زد إلى هذا أن رتشاردز وجد أن عمله ينطوي على مشمولات تتجه وجهة رابعة، اعني تطوير نقد يتناول ما يجد قبولا في النفوس، وقد أشار إلى هذا بسخرية، بالرغم مما فيه أساساً، من مشتملات جادة، حين