← Адаб

Адаб · id 1010

النقد الأدبي ومدارسه الحديثة

ستانلي هايمن

Полный текст (589 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

منظورة ثم نر مقدمة لكتاب " ذخيرة الجيب " لروجيه. ولما نشر سنة ١٩٤٧ كتابه " الأمم والسلام " كان قد بلغ نوعا من الاوج وكل هذا الكتاب تقريباً بالإنجليزية الأساسية (فيه ٣٦٥ كلمة مأخوذة من جريدة الكلمات الأساسية و ٢٥ مما سواها) موضح بالصور البسيطة، وهو دعوة إلى استئصال الحرب بطريقتين: الحكومة العالمية والإنجليزية الأساسية متضافرتين. وقد كتب رتشاردز بضع مقالات لكنها كانت دائماً تتجه اتجاه كتبه، أما مقاله عن قصيدة هوبكنز " العقاب " الذي نشره في Dial أيلول (سبتمبر) ١٩٢٦ والذي وصفه ف. ر. ليفز بأنه " أول نقد نابه كتب عن هوبكنز " فانه استمرار لبحثه في النصوص الشعرية المعينة في كتابه " العلم والشعر "، وفي هذا المقال وصف هوبكنز بأنه " اغمض ناظمي الشعر في الإنجليزي " وحلل القصيدة بشيء من الإسهاب مع إشارة إلى قصائد غنائية أخرى اصعب منها، من شعر هوبكنز نفسه، ليوضح طريقته التي يطبقها لتفسير الشعر الغامض المعقد خاصة. وفي كانون الأول (ديسمبر) ١٩٢٧ نشر بمجلة Forum مقالا عنوانه " كيف نفهم فورستر " وهو بحث في نصوص نثرية سلط فيه رتشاردز تحليله على العلاقة المعقدة بين نظرات فورستر وموضوعاته وإقبال الناس عليه، وبين وسائله القصصية. أما مقال " خمسة عشر بيتاً من لاندور " بمجلة كريتريون، نيسان (أبريل) ١٩٣٣ فأنه تجربة أخرى في النقد التطبيقي إلا أنه يوجه المشكلة نحو نقائص التعليم وبذلك يكون جسراً يصل بين كتاب " النقد التطبيقي " وكتاب " التفسير في التعليم ". وأما " تفاعل الألفاظ " فأنه محاضرة ألقيت في برنستون عام ١٩٤١ ونشرت في " لغة الشعر " الذي نشره ألان تيت سنة ١٩٤٢، وهو آخر مقال، فيما اعلم، تناول فيه رتشاردز نقد الشعر على وجه الخصوص

стр. 457

وهو في الدرجة الأولى قراءة مقارنة مسهبة لمرثاة كتبها دريدن وأخرى كتبها دن فأظهرت عوار الأولى، وقد كشف رتشاردز عن كل سحره القديم، وهو يستعرض، باسهاب، مواطن الضعف في قصيدة دريدين بمقارنتها بما في قصيدة دن من خدع وإبهام، ولا يقلل من هذا السحر أن كان استنتاجه الأخير أن علينا جميعاً ان نكون " ارسطوطاليسيين افلاطونيين ". وابتعد عن نصوص الشعر في رسالتين حديثتين نشرتا بمجلة بارتزان: أولاهما (في عدد تموز - آب ١٩٤٣) تعليق على الجدل الذي ثار حول " الهبوط العصبي "، والثانية (صيف ١٩٤٤) عن مقال لاليوت في الثقافة؛ أما الأولى فتترجح، بعون من مجاز قسري موسع، بين دين غيبي وعلم طبيعي، وأما الثانية فأنها إسهام في أمور التعليم، وتقول إن التعليم " محاولة إدراك النظام الخلقي والفكري " وهو بهذا يهيئ لنا الخلاص الأبدي. بعد استعراض هذا الإنتاج المحير الذي استمر ربع قرن من الزمان قد يكون من الممتع ان نتساءل ما هي حرفة رتشاردز أو ما هو ميدانه؟ لقد نصب نفسه في " أسس علم الجمال " جماليا، وفي " معنى المعنى " فيلسوفاً للمعرفة و " عالماً في الرموز " أو " سمانيتاً " - وهما الاصطلاحان اللذان يستعملهما بالتناوب؛ وكان في كل ما كتبه نفسانياً، يسمي نفسه " حيادياً " فيستمد بحماسة ودون تحيز من السيكلوجيا الفيزيولوجية والعصبية والسلوكية وسيكلوجية بافلوف في الإرجاع المنضبطة ومن التحليل النفسي ومذهب الجشطالت، ويهتدم ويتلقف من كل عالم سيكولوجي آخر ذي نظرية أو تجربة، كما يعتمد ملاحظه التجريبية الخاصة. وفي السنوات الأخيرة هاجم السيكولوجيا التربوية (وربما السيكولوجيا عامة) بأنها " رطانة " وأنها " مرض الغرام بالتجريد " وإذا اتخذنا " كيف نقرأ صفحة " شاهداً، وجدنا انه ربما كان مستعداً ليعيد سيكولوجيته - كفرع

стр. 458

من الفروع - إلى جذع الفلسفة المحطم، حيث انتزعها وليم جيمس في الأصل. زد إلى هذا أن رتشاردز كان دائماً معلماً وشيئاً من عالم بالصينيات ومنطقياً وذا نظريات تربوية ولغوياً، وكان منذ عقد مضى اعظم ناقد محترف، واهم من يطبق النقد عملياً، ولعله أول شخص، بعد بيكون، يتخذ كل المعرفة مجالا، ويجعل ميدانه كل العقل الإنساني. ٢ - أن ما حققه " النقد التطبيقي " في منحاه لبالغ القيمة حتى انه تكاد لا تبطل العمل به أية نقائص تنشأ من بعد، فقد كان فاتحة نقد موضوعي وأول محاولة منظمة لإيقاف نسج النظريات حول ما يتلقاه الناس أو ما يجدونه حين يقرأون قصيدة ما. ولم تكن غايته النهائية شيئاً أدنى من التحسين العام للقراءة، وبالتالي التحسين العام للتذوق الأدبي. يقول رتشاردز (١) : قد يبدو محض مبالغة أن يقال أن الغاية الأولى والوحيدة في كل المحاولات النقدية، أي في كل التفسير والاستساغة والنصح والمدح والقدح، هي التحسين في النقل والإيصال لكن الأمر كذلك عملياً. إذ الحقيقة أن الجهاز الكلي في القواعد والمبادئ النقدية إنما هو وسلية لبلوغ نقل اجمل وأدق وأحكم؛ نعم أن للنقد جانباً تقيمياً، فبعد أن نحل تماماً مشكلة النقل، وعندما نصل تماماً إلى التجربة، أي إلى الحال العقلية المرتبطة بالقصيدة، يتبقى علينا أن نحكم عليها، أي أن نقرر قيمتها، ولكن المسالة تسوى نفسها دائماً على وجه التقريب، أو قل

стр. 459

أن طبيعتنا الداخلية وطبيعة العالم الذي نعيش فيه هي التي تقرر لنا ذلك، وأذن تكون محاولتنا الكبرى هي ان نصل الحالة العقلية المرتبطة بالقصيدة ثم نرصد ما يحدث: أما الأهداف المحدودة في الكتاب كما يصوغها رتشاردز في الفقرة الأولى من مقدمته فإنها ثلاثة: أولا أن يقدم نوعاً جديداً من الاستدلال لأولئك المهتمين بحال الثقافة المعاصرة سواء أكانوا نقاداً أو فلاسفة أو معلمين أو سيكولوجيين أو أي رجال يحدوهم إلى ذلك حب الاستطلاع. ثانياً: أن يهيئ وسيلة جديدة لأولئك الذين يرغبون في أن يكشفوا لانفسهم عما يفكرون فيه وما يحسون به نحو الشعر (والأمور المشابهة) ولم يحبونه أو يكرهونه. ثالثاً: أن يعد الطريق لمناهج تربوية اكفأ من التي نستعملها لتطوير الأحكام والقدرة على فهم ما نسمع ونقرأ. أما الغرض الأول ففيه طبعاً مشمولات واسعة الذيوع حول الشعر والنقد وأما عن الهدف الثاني فقد قال رتشاردز (١) : أن هدفي الثاني أشد طموحاً ويحتاج مزيداً من تفسير فهو يمثل جزءا من محاولة عامة لتعديل طرقنا في أشكال معينة من البحث، فهناك موضوعات يمكن البحث فيها بمصطلح من الحقائق الثابتة والفروض الدقيقة، ومن أمثلة هذا النوع: الرياضيات والطبيعيات والعلوم الوصفية. وهناك موضوعات أخرى يمكن معالجتها بالقواعد المجربة وبالعرف المألوف عامة: كالأشياء الحسية في التجارة والقانون والتنظيم وأعمال الشرطة.

стр. 460

وبين هؤلاء وهؤلاء يقع " قدر " هائل " من المشكلات والفروض والرموز والأخيلة والميول والمعتقدات، وهنا مجال الآراء العارضة والتخمينات المتفائلة؛ هنا باختصار يقع كل عالم الرأي المجرد والنزاع حول مسائل الشعور. وينضوي في هذا العالم كل شيء يهتم به الإنسان المتحضر، أكثر اهتمام؛ ولا أريد ان اخطر بالذهن إلا فلسفة الأخلاق والميتافيزيقا والآداب والدين وعلم الجمال والجدل الذي يدور حول الحرية والقومية والعدالة والحب والحق والايمان، وان نعرف كيف نوضح هذه الأمور ونبسطها. ويقف الشعر في هذا العالم، كمادة للبحث، " دخيلا " مرموقاً يتركز حوله الاهتمام، وهو كذلك بطبيعته وبأنموذج البحث الذي جرى العرف على ربطه به. ومن ثم فانه صالح بوجه بارز، كي يكون " طعماً " لكل من شاء أن يتصيد الآراء الراهنة والاستجابات في هذا الميدان المتوسط، من أجل فحصها ومقارنتها، ومن أجل دفع معرفتنا قدماً فيما يسمى التاريخ الطبيعي للآراء والمشاعر الإنسانية. أن الذي كان يستشرفه رتشاردز، بعبارة أخرى، ليس شيئاً اقل من توسيع منطقة العلم، بما فيها من معلومات موضوعية جمعت تجريبياً، حتى يتخلل ميدان الشعر، وما يضارعه من مناطق الجدل. وقد كان رتشاردز يرجو " بحمل هذه الناحية العلمية إلى مجال أيدلوجية مقارنة " ان يقترح وسائل بداغوجية محسنة تساعد على تحقيق هدفه الثالث. زد إلى هذا أن رتشاردز وجد أن عمله ينطوي على مشمولات تتجه وجهة رابعة، اعني تطوير نقد يتناول ما يجد قبولا في النفوس، وقد أشار إلى هذا بسخرية، بالرغم مما فيه أساساً، من مشتملات جادة، حين

стр. 461

كتب يقول: " وعرضاً أقول أن هناك ضوءاً غريباً يلقي على منابع ارتياح النفوس لتلقي الشعر. والحق أني لست بارئاً من خشية أن تكون مجهوداتي ذات عون للشعراء الشباب (وغيرهم) حين يشاءون أن يزيدوا في مقدار ما يبيعونه من مؤلفاتهم. فأن وضع قواعد " لهذا القبول العام " يبدو شيئاً ممكناً تحقيقه ". أما ما حققه رتشاردز نفسه مما كان يستشرفه فشيء بسيط واه في ذاته. ففي خلال حقبة من الزمان طبع قصائد، اغفل ذكر ناظميها، وحاول بعض المحاولة أن يخفي العصور التي قبلت فيها، وذلك بكتابتها حسب التهجئة الحديثة، عن تلامذته في كمبردج، وقد تسلسلت القصائد من شيكسبير حتى إلا ويلر ويلكوكس، ووزعت في مجموعات رباعية مختلطة، وطلب إلى الطلاب، وأكثرهم جامعيون يقرأون الإنجليزية لنيل درجة الشرف، أن يقراوا القصائد في أوقات الفراغ بعناية عدد ما يشاؤون من مرات، وأن يعلقوا عليها. وقد عرف رتشاردز القراءة الواحدة بأنها أي عدد من النظر والتصفح في جلسة واحدة، وطلب إلى الطلاب أن يسجلوا عدد القراءات مع تعليقاتهم، وبما أن بعض الطلاب قراوا اثنتي عشرة مرة أو اكثر، ولا تكاد تجد واحداً قرا قصيدة اقل من أربع مرات، فانه من الواضح أن القصائد قرئت كثيراً وبإمعان. وعند نهاية أسبوع جمع رتشاردز تعليقاتهم التي يسميها " بروتوكولات " أو مسودات، وتحدث عنها القصائد في حجرة الدراسة " ولم يكن إرجاع المسودات إجبارياً، ولذلك يمكن أن يقال عن ال ٦٠./. الذين فعلوا ذلك إنما كانت تحدوهم رغبة حقيقة " (١) ، وقد اتخذت الحيطة لابقاء القصائد مجهولة النسبة، وحذر رتشاردز في ملاحظاته من أن

стр. 462

يحاول التأثير في المجموعة لصالح القصيدة أو ضدها أو أن يلمح بشيء إلا أن القصائد أميل إلى أن تكون خليطاً. ويمثل " النقد التطبيقي " وعنوانه الفرعي " دراسة في الحكم الأدبي " شيئاً من هذه المادة بعد أن فرزت ونظمت. أما القسم الأول من الكتاب فانه تمهيدي، يفسر التجربة ويتحدث عن مشكلاتها المتعددة والثاني وهو الأطول يقدم نماذج من المسودات لثلاث عشرة قصيدة، ومعها القصائد، ولكل قصيدة فصل خاص مقسم حسب الاستجابة التي نجمت عن المسودات. ويتألف الرابع من خلاصة وإرشادات تحبيذية، وأربعة فهارس أضيفت: أحدها ملاحظ إضافية والثاني يجمع جدولاً للقبول النسبي الذي لاقته القصائد، والثالث يذكر أسماء أصحابها (حتى أن القارئ الذي كان يختبر نفسه على هذا النحو نفسه، يجد السر في النهاية منكشفاً) والرابع تترتب فيه القصائد على الطريقة التي قدمت بها في الأصل للطلبة. أما القصائد الثلاث عشرة المدروسة فإنها تتراوح بين عدد يمكن ان تعتبر " طيباً " مثل " السوناتة السابعة المقدسة " لدن (هبي على أركان الارضين المتخيلة) وقصيدة هوبكنز " الربيع والخريف: إلى طفل صغير " وبين قصائد لفيليب جيمس بيلي وج. د. بليو وولفرد رولاند تشايلد ورجل يسمى " وودباين ولي ". وطريقة رتشاردز في كتابه هي أن يطبع القصيدة ثم يطبع أنواع الاستجابة لها ثم يشتق الأحكام العامة. وتجيء قراءاته اللامعة للقصائد خلال الإيحاءات وبطريقة عارضة. ولإيجاد تمييز أساسي في " مسودات " القراء يستعمل كلمة " تقرير " للملفوظات التي تكمن أهميتها فيما تعكسه من العمليات العقلية عند الأدباء. ويؤكد رتشاردز للقارئ أن المسودات التي يعرضها لم تجر فيها يد التلاعب حتى عن التهجئة والترقيم تركا دون تغيير حيث بدا ذلك

стр. 463

هاماً (عن الخط كما يقول رتشاردز له أهميته ولكنه لا يملك طريقة لعرضه) وانه ليس ضمن التعليقات والتفسيرات التي ينقلها شيء مختلق (شك قد يثور حقاً نظراً لأن بعض التعليقات تكاد لا تحظى بالتصديق) . وهو يؤكد أنه اختار مادة المسودات بموضوعية وإنصاف، ما أمكنه ذلك، إلا أنه هون بعض الشيء من نسبة المادة التي لا تستند إلى رأي. ومهما يكن من شيء، فان ما تكشفه المسودات، لعله أن يكون أكبر صورة مروعة، وثقت بالشواهد العديدة، وقدمت أبداً لتصور القراءة العامة للشعر. ولعل أكبر شيء مخيف حصل عليه رتشاردز هو الشهادة على أن تلامذته (وربما أنطبق هذا على كل القراء والشعراء إلا قلة ممتازة منهم) يعتمدون إطلاقاً على ما يوحي به اسم الأديب وعلى إحساسهم بموضع ذلك الاسم في سجل الخالدين، ويتخذونه عكازاً لاحكامهم وقد كادوا في كل حالة أن يكونوا عاجزين عن الحدس بالمؤلف دون ان يعرفوا باسمه، وإذا حزروا اخطاوا التخمين ثم مضوا في تقييم ذاتي مؤسس على ذلك التخمين الخاطئ. وقد ظهر إنهم جميعاً يعكسون كل الأحكام المقبولة في مجال القيم الشعرية بآرائهم المخلصة مع أنهم لا يعرفون اسم صاحب القصيدة.. وخوفاً من أن تصبح هذه الحقيقة محطاً للتهوين من شأن الأحكام المقبولة فأن بلاهة ملاحظهم وعجزهم الصريح عن أن يقرأوا أو يلحظوا أبسط الحقائق المادية وأشدها وضوحاً تبينان أن الخطأ هو خطأهم. ويلخص رتشاردز الصعوبات الكبرى التي تكشف عنها المسودات، ولعل خير طريقة تؤدي معنى لمادته أن ننثر تلخيصه هذا ثم أن نعرض بعض المسودات النموذجية التي تظهر بعض الأخطاء. وقد وجد الصعوبات الكبرى عشراً: أ - العجز عن فهم المعنى الواضح للشعر أو تفسير معناه

стр. 464

النثري القابل للحل. ب - الصعوبات في الفهم الحسي للشكل. ج - الصعوبات المتصلة بالصور المنظورة. د - أمور غير متناسبة في الذاكرة وخاصة ذكريات ذاتية أو خواطر مرتبطة على نحو خاطئ. هـ - إرجاع مخزونة استدعتها القصيدة وحركتها. و العاطفية (أو الضعف العاطفي) . ز - الكبت، وهو معكوس العنصر السابق. ح - اللياذ بالمبادئ. ط - الفروض " المسبقة " ذات الصبغة الفنية. ي - الأفكار " المسبقة " العامة النقدية. ولنعرض أولا بضع نماذج من المسودات والشذرات عن سوناتة دن، فلعلها ابرز قصيدة في كل هذه " الطبخة "، فيسميها أحد القراء مقطوعة عاجزاً عن أي يتبين إنها سوناتة، ويرى ثان، مأخوذاً برجع مخزون نحو مادتها، أن لها وزن الترانيم ويقول فيها: لقم من الالفاظ، لا تجد أي قبول. ترنيمة جيدة - في الحقيقة، وهذا ما يدل عليه وزنها. روحها الدينية مرهقة لامرئ لا يؤمن بالتوبة على هذا النحو. وثمة قارئ لم يستطع أن يصنع فيها شيئاً: أعترف تواً بأنني لا أستطيع أن اعرف عم يدور كل هذا الصخب فإن القصيدة محيرة تماماً، وما فيها من ضمائر عديدة وأحوال، تبهم الفكرة إن كانت فيها فكرة محدودة. ويرى قارئ آخر أن في " أركان الأرضين المتخيلة " " إيهاماً جميلاً ". ويكتب آخر مدافعاً:

стр. 465

من الصعب على المرء أن يشرك الشاعر نزعته، إذ مع أن إخلاصه أمر واضح، فان وسائله الفنية رديئة، غير أن الأبيات على الرغم من ذلك تعبر عن إيمان بسيط في نفس رجل ساذج جداً. وينساق تلميذ في قطعة من ترجمة ذاتية فيقول: بعد أن أخفقت في أن أكتب سوناتة اصبح لدي إعجاب شاذ بمن يكتبون هذا اللون من الشعر، ولو لم يكن الأمر كذلك لحسبتني في النهاية أقول إن هذه السوناتة رديئة. ويقول آخر " القوافي غير مستوية "، وآخر يقول: " إنها تبطئ وتتعثر عندما تقترب من نهاياتها ". وثالث يقول: " أحسست أن الكاتب قد صوب سهمه نحو هدف عال فقصر دون بلوغه ". ويعلق شخص متحمس لتقطيع الأوزان بقوله: تبدو لي القصيدة سوناتة متعفنة مكتوبة على البحر الأيامبي الخماسي، المناسب لمزاج الشاعر؛ ولم أستطيع أن أجد التفاعيل الخمس المعتادة في كل بيت على رغم من إلحاحي ودقي للطاولة بأصابعي، فان التفعيلات كثيراً ما تكون غير أيامبية، وفي البيت الواحد أحياناً أربعة مقاطع منبورة، وأحياناً ستة، أما في التركيب فأن القصيدة تشبه أن تكون قرزمة طالب في أول عهده بالشعر، وأسوأ ما فيها الأبيات ٥ و ٦و ٧. أما الفكرة فتبدو وجيهة حقاً. ويناقض قارئ آخر هذا الرأي بقوله: " أنا لا آبه بالمعنى فأني تكفيني موسيقي القصيدة ". وينقدها أحد الطلبة بقوله: " ليس فيها صور ". وينفيها طالب إطلاقاً بقوله: " إن أول نقطة في هذه السوناتة وهي فيما تبدو أوضح فيها، إنها كان من الممكن أن تكتب نثراً ويكون تأثيرها مساوياً للشعر أن لم يزد عليه ".

стр. 466

وقد أصابت قصيدة دن ٣٠ مسودة مشايعة لها و٤٢ مضادة و ٢٨ ليس فيها آراء. وللمقارنة ننظر في القصيدة التي أحرزت اكثر عدد من المشايعين (٥٤) وأقل عدد من المنكرين (٣١) (أما الخمسة عشر الباقية فإنها عارية عن الآراء) وهي قصيدة " الهيكل " لبليو (١) من مجموعة: " Parentalia and Other Poems " ومطلعها: بين الأشجار السامقة الخاشعة سأخر على ركبتي فلن أجد هذا اليوم مكاناً كهذا ملائماً للتعبد وتستمر القصيدة في خمس مقطوعات على هذه الشاكلة. وقد اغفل بعض القراء القصيدة وتعلقو بالجدل الديني، وهذا مثال على ذلك: " لا أحب أن اسمع الناس يتمجدون بتعبدهم؛ لقد كان ألفرد دي فيني يرى ان الصلاة جبن، ومع أني لا أتطرف تطرفه فأني اعتقد ان من الجفاء أن نحشر التواجد الديني في حلق هذا العصر الشكي وهو لا يسيغه ". وأبان ناقد آخر عن مثل جميل من الأمور غير المتناسبة في الذاكرة، فقال: " حين قرأت البيت الثالث عنت على بالي صورة حيوية، صورة اللاعب وقد انفرد بالكرة، من خط دفاع واه، ثم مضى قدماً نحو الخط لا يثنيه شيء) . وقد أحب اكثر القراء هذه القصيدة، وهذه تعليقات نموذجية تقدم بعض الأسباب المميزة التي حكمت لها بالأفضلية: ١ - أن الأفكار الكامنة في هذه الأبيات لتشارف الكمال فالتعبير عن العاطفة حاد لذ كالعواطف نفسها؟ وأرى إنها تعبر عن أفكاري.

стр. 467

٢ - أظن إنها قصيدة جميلة جداً في الحقيقة، فأنا أحب الوزن، وأحب جو كل شيء هنالك، وهي تعطينا صورة فخمة للغابة، وللمشاعر المتدينة التي تشربها الشاعر حين رأى ما يصوره؛ إنها نقل جميل لشعور جميل. ٣ - أن الإيقاع ليبدو مناسباً لتدرج الفكرة تماماً. ٤ - جو من السلام والخشوع العميق، ينقل القارئ إلى عالم آخر، أنقى وانصع من هذا العالم. ٥ - لقد نجح الشاعر في جعل رغبته في العبادة مشاعاً بين الناس؟ إنها لقصيدة لطيفة. ٦ - إنها لواسطة العقد بين القصائد الأربع، فهي تخلق لنا جواً مهيباً هادئاً خاشعاً من غابة الصنوبر، فنتذكر كم ثارت فينا أفكار مشابهة بعثتها رؤية الهدوء الخاشع في الأشجار، حين نقف أمامها مأخوذين بعظمتها مشدوهين بابهتها، وهي قصيدة هادئة، جميلة بما في موسيقاها من رخامة وعذوبة. إن الشيء المرعب حقيقة في " النقد التطبيقي " يتجلى لنا حين ندرك أن كتاب المسودات ليسوا قارئين نموذجيين للشعر ولكنهم بخاصة قراء ممتازون فمنهم أساتذة مرجوون للغد، وأدباء، بل شعراء يقرأون تحت ظروف تكاد تكون مثالية (مع الإقرار ببعض نواحي القصور إذ ليس لديهم مرجع يعتمدونه ولا نبراس يشع عليهم من إنتاج كامل، ولا لديهم أي تلميح عما يسميه رتشاردز " اصل " القصيدة) . ويقول رتشاردز مبدياً اسفه: من مقارنات استطعت أن أجريها بين هذه المسودات ومسودات أخرى حصلت عليها من نماذج أخرى من القراء، أرى انه ليس ثمة ما يدعو للظن بان مقياساً عالياً من الفراسة النقدية قد يكون من

стр. 468

السهل إيجاده في ظل ظروفنا الثقافية الراهنة. لا ريب أننا لو استطعنا جمع الجمعية الملكية للأدب أو الأكاديمية من أجل تجارب كهذه فقد نتوقع انسجاماً أكثر في التعليقات، أو على الأقل في الأسلوب، ومحاكمة اكثر حذراً فيما يتصل بأخطار الاختبار، أما في الأمور الأساسية، فقد تحدث مفاجآت لم نكن نتوقعها. ويقول في الخلاصة عند نهاية الكتاب حاكياً عن كتاب المسودات: هؤلاء هم ثمرة أكثر أنواع التعليم كلفاً ونفقة، باستثناء القليل منهم، واحب أن أقول مرة أخرى، مؤكداً، أنه ليس ثمة ما يدعو إلى الظن بان هناك أية مجموعة مشابهة لهم، في أي مكان في العالم، تستطيع أن تظهر مقدرة أعلى من مقدرتهم في قراءة الشعر. أن أبناء الجامعات الأخرى وبناتها الذين قد يظنون غير ذلك، مدعوون للقيام بمثل هذه الشواهد التجريبية التي يجمعونها تحت ظروف مشابهة، إلا أن المدرس المجرب أي مدرس تحاشى من أن يحول كل تلميذ لديه إلى حاك يردد آراءه. ولنسأل بصراحة: كم واحداً فينا مقتنع بأنه قد كان ينتج ما هو احسن مما أنتجوه، تحت تلك الظروف نفسها؟ ونقر بان تجربة رتشاردز في " النقد التطبيقي " كانت تحسساً أولا نحو وسائل المختبر وأنها غير متكاملة ومن السهل تسليط النقد عليها، وهو نفسه قد لحظ في الكتاب نفسه عدداً من الأمور أغفلها وكان يمكنه غلا يفعل ذلك: ومنها مشروعات مثل أن يدرس تنوع الأحكام عند القراء (أو ما يسميه " علم الخصائص ") وأن يتتبع الارتباطات بين قبول نوع من القصائد والصد عن نوع آخر. وهو يلحظ أن بعض التنوع قد

стр. 469

يكون ناشئاً عن التعب ويرى أن أسبوعاً واحداً قد لا يكفي لقراءة أربع قصائد قصيرة " مع أن هذا الرأي قد يبدو سخيفاً عند السادة المتصدرين في دنيا المناهج التعليمية، الذين يظنون أن كل الأدب الإنجليزي يمكن أن يطالع بإمعان، مع الفائدة المحققة، في عالم واحد! ". ويقترح رتشاردز في (التفسير في التعليم " توسعات أخرى لهذه الطريقة تشمل مواجهات لكتاب المسودات، ودراسة ما يسطبونه في مسوداتهم لكي نصل إلى عمليات التفكير عندهم، وهلم جراً. ويحضر في الذهن عدد من الإمكانات الأخرى لتصحيح الطريقة وتوسيعها فمنها في باب " علم الخصائص "، تبيان الروابط التي تربط القارئ بمدى محصوله الثقافي وتعليمه الأول، وبتجربة له سابقة في قراءة الشعر، وبطول المسودة، وبالمزايا الشخصية العامة؛ وفي باب التجريب العلمي: بالتدريجات العددية وبالمقارنة بين مسودات هؤلاء القراء ومسودات قراء اخبروا بأسماء الشعراء، وهنالك كتابتها من أجل الحصول على نتائج مختلفة أو أن نكتبها حسب تهجئة قديمة أو حسب تهجئة حديثة إلى غير ذلك من إمكانات تجريبية لا حصر لها. وأخيراً كان من الممكن الحصول على نتائج مخالفة لو أننا طلبنا إلى الطلاب أن يكتبوا فقط عن قصائد يحبونها. ولعل اخطر تقص في الكتاب نقيصة أدركها رتشاردز وحاول أن يدافع عنها وهي الضحالة السيكولوجية، كتب يقول: أنا تواق لان أواجه الاعتراض الذي قد يتقدم به بعض السيكولوجيين، أو خيرهم - حيثما وقع - وهو أن المسودات ليست تعطينا شهادة وافية بحيث نتمكن من أن نستخلص دوافع الكتاب وان البحث كله من ثم سطحي. إلا أن أولية كل بحث لابد من أن تكون سطحية، وإيجاد شيء صالح للبحث

стр. 470

بعد أن كان بعيداً والتوصل غليه من الصعوبات الكبرى في علم النفس. وأنا اعتقد أن الحسنة الكبرى لهذه التجربة هي أنها تحقق هذا الأمر. ولو إنني شئت أن اسبر أعماق اللاشعور عند هؤلاء الكتاب حيث أنا مؤمن بأنني أستطيع أن أجد الدوافع الحقيقية لما يحبونه ويكرهونه، إذن لخططت شيئاً يشبه أن يكون فرعاً من الوسائل التي تستعمل في علم التحليل النفسي لتحقيق هذا الغرض. ولكن كان من الواضح أن تقدماً قليلا قد يحقق لو إننا تعمقنا كثيراً ومهما يكن من شيء فحتى هذا الاختبار على حالة هذه قد أثار مادة غريبة كافية. وحتى حين نسلم بعدالة هذا التفسير الذي يقوله رتشاردز نرى انه من المؤسف أن التعمق لم يكن ممكناً بحال لأنه كان خليقاً أن يبدد التفاؤل السهل، من اقتراحاته التي وضعها في سبيل إصلاح التعليم. والشيء الوحيد الذي قد يسمح لقارئ هذا الكتاب بان يحتفظ برشده وببعض الأمل في مستقبل الشعر هو النغمة المرافقة الثابتة التي نتلمسها في قراءات رتشاردز الدقيقة اللامعة. وهو لا يواجهنا بهذه القراءات مباشرة ولكنه يجعلها بعامة، متضمنة، خلال الإشارة إلى تقريرات تجعل القارئ يحس عند النهاية بان مبنى الكتاب قائم على نوع من العملية الجدلية الحوارية. ورتشاردز على وعي تام بهذا المبنى الروائي لكتابه إذ يقول: " سأتقدم قصيدة اثر قصيدة، سامحاً للرأي المخالف الكامن عند اصطدام الآراء، وللذوق والاعتدال، بان توجه هذا العمل ". وفي حالات قليلة نجده يتقدم بنماذج من قراءاته ليوضح نقاطاً لم يستطع معالجتها كتاب المسودات، وتجيء قراءاته كوشائع النور خلال الضباب الكثيف. ومن الأمثلة النادرة تعليقه على بيت من إحدى القصائد:

стр. 471

" يا أنسجة فولاذية سخيفة [نسجتها] الشمس ": " O، frail steel tissues of the Sun " إذ يقول: Tissue - ولنبدأ بالاسم - كلمة ذات معنيين أولهما " ثوب من الفولاذ " قياساً على " ثوب من الذهب " أو " ثوب من الفضة " والصفة الفاترة المعدنية اللاعضوية في النسيج هي التي ربما كانت هامة. وثانيهما " رقيق ناعم شبيه بالشفاف " مثل الورق الرقيق. Steel: مجاز من النوع الحسي، وهو النوع الثاني عند ارسطوطاليس أي عند الانتقال من الفصل إلى النوع، فالفولاذ نوع خاص من معدن قوي يستعمل للدلالة على أية مادة قوية تستطيع أن تمسك وتجمع أجسام السحائي الممتدة. أما الإيحاء المستمد من لون " الفولاذ " فانه مناسب للمقام. Frail: ترديد يصور مبلغ رقة " النسيج " والشفافية وما يوشك ان يتمزق أيضاً لوهبه. Of The Sun: توازي قولك " الذي نسجته دودة القز " أي نسيج من [لعاب] الشمس. ان القيمة الهائلة في كتاب " النقد التطبيقي " لهي كلياً في المعلومات التي صورت لنا كيف يقرأ الشعر ناس تظن فيهم الكفاءة لذلك، ثم كيف يضع رتشاردز قراءاته الخاصة في وجه قراءاتهم بعد أن يوسعها ويعممها. وهو، من وجه أو آخر، يقر بقلة جدوى الاستحسانات في آخر كتابه، وقلة جدوى كل نوع من التقريظ والاستحسان. ويقترح الكتاب تحسيناً من خلال التعليم، أي بزيارة التجريب في الجامعة. ويجعل التفسير موضوعا يدرس، وبخلق " كرسي لصور الدلالات " شبيه بكرسي أدلر في " البيداغوجيا العلاجية ". ولكن المثل اللاتيني يقول: " من ذا

стр. 472

الذي يحمي الحماة؟ " - وأقول: من ذا الذي يعلم المعلمين. فان رتشاردز يدرك أن كتاب المسودات هؤلاء هم حتماً الذين سيعلمون الشعر في الجبل التالي، ومن غير المحتمل أن يتغيروا أساساً بهذا الاختبار، أو بالكتاب نفسه، أو بكل كتبه مجتمعة. أن الحياة لتثبت، باستمرار ووضوح، أن العجز العام لاختبار الآثار الفنية، بذكاء ونقد، يمتد فيشمل المحترفين في ميدانهم نفسه كما يشمل آخرين نفترض فيهم الكفاية. أما في مسالة الاعتماد على سمعة الشاعر ودرجته في الحكم فان هنري بير في كتابه " الأدباء ونقادهم " يقدم لنا بعض القصص الممتعة، فيسرد قصة نموذجية عن حفلة موسيقية بباريس أقامها ليزت سنة ١٨٣٧ وفيها ثلاثية لبيتهوفن وواحدة لبكسيس، وتبادل اسما الموسيقيين في البرنامج، سهواً فصفق الجمهور، وأكثره من المثقفين والعارفين بالموسيقى، تصفيقاً صاخباً لقطع بكسيس واستمع إلى قطعة بيتهوفن بقلة اكتراث، أو بما هو أسوأ من ذلك، وعلق ليزت على ذلك بقوله: " عندما عزفت ثلاثية بيتهوفن في الموضع الذي كان مخصصا في الأصل لبكسيس، وجدت عارية من الإلهام عادية مملة، حتى ان كثيراً من المستمعين غادر القاعة معلنا أن جرأة المسيو بكسيس في تقديم موسيقاه غلة جمهور كان يستمع قبل لحظات إلى إحدى روائع بيتهوفن إنما هي وقاحة صرف ". وأضاف ليزت يقول ان قطعة بكسيس لم تكن، فحسب، عادية. بل كانت تختلف في أسلوبها اختلافاً بيناً عن موسيقى بيتهوفن. ومجمل القول أن كل ما يستطيع أن يفعله كتاب مثل " النقد التطبيقي " في طريق علاج الموقف الذي يعرضه هو انه يبرز موضع القراءة اللبيقة الدقيقة، في غابة متكاثفة من القصور وقلة الكفاية العامة. أما العزاء الأكبر فهو في أن هذه القراءة نتاج جهد الجماعة، لا الفرد، إلى حد ما، وإنها تشبه حقيقة ولدت من اجتماع عدة اخطاء، ونستطيع أن نفترض

стр. 473

بأن قراءات رتشاردز لا تجيء، فحسب من خلال هذه المسودات ولكنها أيضاً مستوحاة مسهبة موجهة بهذه المسودات نفسها، إلى حد ما، وأنها لا تفترق عن وسائله في مؤلفاته الأخرى من حيث أنها وليدة التكاثر والانتقاء. وواضح انه ليست هناك قراءة " صحيحة " لقصيدة. وغنما هناك قراءات جيدة وأخرى رديئة، وأن الجيدة تنشا من بين قراءات رديئة كثيرة. وهنا يتضح أن الفضل العظيم لكتاب " النقد التطبيقي "، ولكل مؤلفات رتشاردز بعامة، في النقد الأدبي الحديث، هو في الدرجة الأولى فضل في الطريقة وعلم المناهج أكثر منه في المبادئ أو في اقتراح الإصلاح. ذلك انه بإيجاده اقتراباً من الظروف التجريبية يحقق لأول مرة وصفاً موضوعياً لكيفية قراءة الشعر على الحقيقة، ويركز جهد النقد على ميدان قل خوضه فيه، اعني ميدان النقل أو التفسير الشعري أو علاقة القارئ بالقصيدة. وحين يوجد اقتراباً ما من الظروف الجماعية فأنه يحقق إيجاد وسيلة صالحة لتحسين القراءة وتحسين تلك العلاقة. ٣ - لطالما عني النقد الأدبي، على شكل متقطع أو مستمد من الحدس، شأنه في ذلك شأن الوسائل الحديثة الأخرى، بدور القارئ أو الجمهور في عملية النقل الفني. فقد وضع كل من أفلاطون وأرسطوطاليس القواعد العامة، عن رد الفعل عند الجمهور، في مبدأيهما النفسيين الاجتماعيين المتعارضين، فقال الأول أن الفن مثير ضار للعواطف، وقال الثاني أنه عامل يساعد في تطهير العواطف؛ ولكن لم يحاول واحد منهما أن يدرس جمهوراً ورد الفعل عنده، نحو آثار فنية معينة. وقد طور لونجينوس بوضوح في كتابه " في الرائع " بالاستعمال اللغوي تلك التفرقة التي سماها مل من بعد " الدال " و " الضمني " حيث كتب لونجينوس (ترجمة

стр. 474

ريس روبرتس) يقول: " ثم أنك ولا بد على وعي بان الصورة تخدم غرضاً عند الخطباء، وغرضاً آخر عند الشعراء، وأن سبيل الصورة الشعرية أن تأسر، وسبيل الخطابية الوصف الحي ". وهذه تفرقة أساسية لكل دراسة تتناول التجربة الفنية عند الجمهور، ولكن لونجينوس وقف بها عند هذا الحد ولم يتجاوزه. نعم إنه يقترح من بعد في الكتاب نفسه عدداً من الوسائل التي تنتج تأثيراً في الجمهور؛ وحديثه بخاصة عن " الالتفات " في مخاطبة الجمهور نموذجي حقاً. وبعد أن يقتبس سطراً من هيرودوتس، يتحدث فيه عن أعمال البطل في ضمير المخاطب لا الغائب، يقول: أتبصر، يا صديقي، كيف يقودك في الخيال خلال ذلك العالم ويجعلك ترى ما تسمع. وكل هذه الأحوال من الخطاب المباشر تضع السامع في قلب المشهد، وهكذا هو الحال حين يبدو انك تتحدث لا إلى الجماء الغفير، بل إلى فرد واحد. " ولكنك يا تيديدس - ما كنت تعرفه، ذلك الذي قاتل البطل في سبيله " (الإلياذة ٥: ٨٥) أنك ستجعل سامعك أكثر استثارة وتنبهاً، مفعماً بالمشاركة الحيوية، إذا أبقيته مستيقظاً بكلمات تخاطبه بها. ولعل أول اعتراف رسمي بالحاجة إلى دراسة الجمهور دراسة نفسية إنما كانت في القرن الثامن عشر، وبلغت ذروتها في مقال إدمند بيرك " في الرائع والجميل "؛ يقول جون مورلي: كان ذلك توسيعاً قوياً للمبدأ الذي وضحه أديسون، قبل زمن غير بعيد، في تردد واستحياء، وهو أن نقاد الفن يفتشون عن المبادئ الفنية في غير موضعها الصحيح، ما داموا يقصرون تفتيشهم على القصائد والصور والحفر والتماثيل والمباني

стр. 475

بدلا من أن ينظموا أولا العواطف والقابليات الإنسانية، التي يلوذ بها الفن. وكانت معالجة أديسون عابرة أدبية صرفاً، أما بيرك فانه عالج موضوعه بجسارة على أساس من السيكولوجيا العلمية التي كانت في متناوله حينئذ. وأن الاقتراب من هذا المبدأ من الناحية السيكولوجية معناه أحداث تقدم واضح فذ في طريقة البحث الذي أضطلع به. أن بيرك حين أخذ يستقري الفن في مجال الجمهور كان يطبق عملياً نظرة نمت خلال القرن الثامن عشر وهي أن النقد يفيد إذا قلل الفروض وأكثر من المعلومات. ولقد كتب جونسون في " الجواب " يقول: " أن من مهمة النقد أن يقيم مبادئ، لكي ينقل الرأي إلى دائرة المعرفة ". وفي القرن التالي أضاف كولردج مظهراً علمياً آخر وهو " التجريب "، وكأنما كان في " السيرة الأدبية " يردد صدى جونسون (حين قال أن غاية النقد أن يقيم " مبادئ الكتابة ") . وقد لحظ كولردج نقطة أسهب رتشاردز من بعد في إبرازها في " النقد التطبيقي " وهي التباين الواسع وعدم الثبات أساساً في استجابة الجمهور للشعر (هي عند كولردج الاستجابة للأناشيد الغنائية Lyrical Ballads من نظم وردزورث) ، فكتب يقول: أنا مغرى بأن اعتقد أن هذا التقرير لا يشذ كثيراً عن الصواب اعتماداً على الحقيقة الملحوظة التالية التي أستطيع أن أقررها حسب معرفتي وهي أن مثل هذا الحكم العام قد قال به أشخاص متباينون كل على قصيدة غير الأخرى. ومن بين هؤلاء الذين اغلي من تقدير صراحتهم وحكمهم أتذكر بوضوح ستة، عبرت اعتراضاتهم عن هذا المغزى نفسه، مقرين في الوقت نفسه أن كثيراً من القصائد قد منحهم متعة

стр. 476

عظيمة. ومن الطريف، وأن بدا غريباً حقاً، أن ما عده أحدهم ممقوتاً عده الآخر أبياته المفضلة. وأنا حقاً مقتنع بيني وبين نفسي إنه لو أمكن أن تطبق هذه التجربة على هذه المجلدات مثلما تم في القصة المشهورة عن الصورة، لكانت النتيجة مماثلة، وإذن لرؤيت الأجزاء التي نثرت عليها البقع السود أمس، بيضاء ناصعة في اليوم التالي. وحين كان كولردج يضع القاعدة النظرية التي قد تتطور إلى التجريب الموضوعي على القارئ، أنتج دي كونسي عدداً من الدراسات المتميزة بقوة الاستبطان والاستبصار، عن رد الفعل عند القارئ، وخير أمثلتها المعروفة مقال له عنوانه " في قرع الباب في ما كبث " وهو ما سينمو من بعد ليكون أبحاثاً نفسية تحليلية في الميدان نفسه. وفي هذا المقال بدأ دي كونسي بمشكلة عدم التناسب الذي لا يجد له تفسيراً في الاستجابات التي كان يثيرها دق الباب في نفسه (وهي بالدقة نفس المشكلة التي ابتدأ منها آرنست جونز بحوثه في هاملت بعد قرن من الزمان) . يقول دي كونسي: منذ أيام طفولتي أحست دائما بحيرة عظيمة إزاء إحدى النقاط في ما كبث، وهي أن قرع الذي يتلو مقتل دنكان يثير أثراً في مشاعري لا أستطيع الإفصاح عنه. وكانت النتيجة أن ألقى هذا على حادث القتل رهبة خاصة وعمقا في الخشوع. ومع ذلك فمهما حاولت بإصرار أن يحيط فهمي هذا الأمر، فإني لم أستطع أن أرى لم يحدث لدي مثل هذا الأثر. وبعد أن يجري متتبعا البحث الاستبطاني، يخرج بجواب (أما القول بأنه ليس الجواب الصحيح وأن أجوبة أخرى مرضية قد وجدت منذ

стр. 477

عهدئذ فلا يقلل من رجاحة ما توصل إليه دي كونسي من طريق منهجه في البحث) . وخلال القرن التاسع عشر تطور الموروث المنحدر عن كولردج إلى اختبارات تجريبية عامة في مجالات كانت تعد من قبل حرما مقدسا للظن والتخمين. ومن نماذج ذلك اختبار جالتون لتأثير الصلاة، وأن كان هذا مثلا مضحكا (لقد أشار إليه رتشاردز مراراً باستحسان) ، فقد قرر جالتون، وهو محق فيما قرره، أن الصلوات التي تقام من أجل حياة الحكام وأطفال القسس أكثر من التي تقام لغيرهم، وفحص الإحصاءات عن مدى أعمارهم (فوجد أنها قد تكون في متوسطها اقصر من غيرها، ولكن ذلك لا يؤيد الظن بأن الصلاة ضارة) . أما الآراء التي تعرف في القارة الأوربية باسم " علم الجمال الإنجليزية " وهي الجماليات الفيزيولوجية عند كل من هربرت سبنسر وغرانت ألن والتي تؤسس التجربة الجمالية فيها على رد فعل جسماني، فقد تطورت في ألمانيا أساسا إلى مدرسة علماء الجمال التجريبيين، ومؤسسها غوستاف فخنر، بدأ بالاختبار التجريبي على فرضية ادولف زايسنغ القائلة بان أقسام " القطاع الذهبي " (وفيها أن نسبة الوحدة الصغرى إلى الكبرى كنسبة الكبرى إلى الكل) تمتع إلى حد الإملال. أما تجاربه المؤيدة لهذه الفرضية والتي تحدث عنها في كتابه " علم الجمال التجريبي " Experimental Aesthetics فأنها قدمت للناس الطريقة التجريبية، بما فيها من نص على الكم، وخلقت بعامة معالجة عن طريق المختبر لدراسة رد الفعل عند الجمهور. ثم أن فون هلمهولتز في كتابه " احساسات النغم " Sensations of Tone أقسام علم جمال الموسيقى على أساس قوي من الطبيعيات والفيزيولوجيا. غير إن محاولات بعض الباحثين أمثال إ. ف. بريك وإيوالد هرنغ ثم من بعدهم ممن أجروا نفس التجارب على التأثيرات الممتعة للألوان ومجموعاتها لم

стр. 478

يحرزوا مثل ذلك النجاح. (مع إننا يمكن أن نفترض إننا في النهاية سيكون لدينا حتماً طبيعيات انسجام الألوان مقنعة كافية في معالجة الصور الكبرى، كفاية طبيعيات الصوت الموسيقي في مجال المؤلفات الموسيقية الكبرى) . وقد رسم فلهلم فندت تلميذ فخنر في كتابه " علم النفس الفيزيولوجي " Physiological Psychology الخطوط الكبرى للتطور المقبل في علم الجمال التجريبي، وقد تعترض أن هذا الاتجاه (مثلما يحاوله الجشطالتيون فيما يحتمل) يكمن الأمل الذي نحمله في أنفسنا للحصول على مجموعة من المعلومات العلمية عن ردود العقل عند الجمهور، ولعله علم الجمال الموضوعي الوحيد الأصيل الذي قد نبلغه ذات يوم، هذا على الرغم من ضروب من الإهمال في المعالجة كالحديث الدارج عن ردود فعل " أحشائية " نحو الصور وجنون " عرض الذات ". ومثل هذه الحركة تطور في فرنسا على مدى أضيق. ففي ١٨٨٨ نشر أميل هنكن " النقد العلمي " La Critique Scientifique فأسس به علم " السيكولوجيا الجمالية "، وعرف الأدب بأنه " مجموعة رموز مكتوبة يقصد منها أن تنتج عواطف غير فعالة "، ثم طور جهازاً مدهشاً من المصطلحات ونظم التصنيف، استمده من العلوم الطبيعية، من أجل أن يعالج الأثر الفني، على أنه أولا تعبير عن مؤلفه، وثانياً من حيث أثره في القارئ، وقد كانت أهدافه وأساليبه رصينة إلا أنها، نوعاً ما، نشأت قبل أوانها، غير أن النتائج التي حصلها في تطبيق المبنى على الأدب في مجلدين بعنوان " دراسات في النقد العلمي " Etudes de Critique Scientifique في السنتين التاليتين لم تكن ناجحة تماماً. وواضح إن كثيرا مما أداه هنكن يعد سلفاً لما أداه رتشاردز، وكان له اثر عظيم في نقاد يذهبون مذهب التحليل النفسي مثل شارل بودوان. بل يبدو انه أثر في أناس لم يكن تأثير النقد العلمي ليبلغهم مثل ريميه دي غورمونت فهذا الناقد على الرغم

стр. 479

من الاتجاه الجمالي الخالص في نظرياته، قد استمد كثيراً من كل من الطبيعيات والفيزيولوجيا، وكان على وشك أن يكتب ذات يوم كتاباً اسمه " عالم الكلمات " The World of Words " ليجزم أن كان للكلمات معنى - أي قيمة ثابتة) وهذا ما يوحي كأنه ذو علاقة " بمعنى المعنى " في القصد، على أقل تقدير. وتناول عدد من النقاد المعاصرين - إلى جانب رتشاردز - واحداً أو آخر من مظاهر هذا الموروث، أما محاولين أشكالا من تجاريب المختبر في ميدان النقد، أو دارسين لعملية النقل وردود الفعل عند القراء، بعون من وسائل فنية أخرى. وقد تقدم البحث (انظر الفصل عن مود بودكين) في تجارب مود بودكين في الاستبطان عند القارئ وحديثها عن الاستجابات الاستبطانية عند نفسها، وفي تجارب الدكتور ورتام عن استبطان الأديب. ولعل أكثر تجربة على طريقة تجارب المختبر، مدهشة في عالم الأدب، قام بها سيكولوجي من جامعة كولومبيا اسمه فردريك ليمان ويلز وكتبت في " محفوظات السيكولوجيا " Archives of Psychology آب (أغسطس) ١٩٠٧ بعنوان " دراسة إحصائية في الجدارة الأدبية " فقد جمع الأستاذ ويلز عشرة من الطلبة الخريجين في الأدب الإنجليزي بكولومبيا وسألهم أن يرتبوا عشرة أدباء أميركيين حسب جدارتهم - وهم: بريانت وكوبر وإمرسون وهوثورن وهولمز وآيرفنج ولونجفلو ولوول وبو وثورو - على أساس عشر صفات وهي: السحر والوضوح والرخامة والصق والقوة والخيال والأصالة والتناسب والتعاطف والسلامة، وعلى حسب ترتيبهم قدر المنازل الأدبي الأميركية، فكان الترتيب: هوثورن في المنزلة الأولى ويليه بالترتيب: بو وإمرسون ولوول ولونجفلو وآيرفنغ وبربانت وثورو وهولمز وكوبر. وقد مضت كلية المعلمين بكولومبيا قدماً بموروث التجريب والقياس

стр. 480

الأدبي، دون أن تساوي ويلز في تفرده وشذوذه؛ ونذكر هنا بضعة أمثلة من الكتب الكثيرة التي الفت في هذا المضمار ومنها مونوغراف أصدرها الآن ابوت وم. ر. ترابو سنة ١٩٢٢ قبل صدور " النقد التطبيقي " بعنوان " مقياس القدرة في الحكم على الشعر " A Measure of Ability to Judge Poetry؛ وتتألف تجربتهما - وهي متفردة في براعتها - من إعطاء كل واحد من المختبرين، قصيدة مع ثلاث صور نثرية على النحو الآتي: واحدة مشمولة بالعاطفية، وواحدة مطبوعة بطابع نثري بعيد عن الشعر، وثالثة تعمد ناثرها أن يضع فيها أخطاء، ثم عمل جداول من المفاضلة التي اجروها، وجاءت هذه قائمة إلى حد ما. وقد قام مورتمر أدلر في أطروحته للدكتوراه بتجربة شبيهة بهذه مستعملا موسيقى كان قد هجنها في عينيه، بطرق لبيقة، موسيقي محترف. ونشرت هيلين هارتلي سنة ١٩٣٠ سجلا عن تجربة أخرى على هذه الخطوط نفسها في مونوغراف عنوانه: " تجارب في القراءة التفسيرية للشعر من أجل مدرسي الإنجليزية ". وفي سنة ١٩٣١ ظهر بالألمانية كتاب " بناء علم اجتماع للذوق الأدبي " The Sociology of Literary Taste للفن ل. شكلنغ ونشر بالإنجليزية سنة ١٩٤٤ وهو محاولة في نوع آخر من المعالجة العلمية. وهذا الكتاب موجز جداً وهو أكثر بقليل من تاريخ أدبي مختصر يعمم القول في تغير الدرجة الاجتماعية للفنان ومعايير الفن والذوق في العصور الحديثة. وقد يوحي ببعض خطوط البحث التي تجعل من الممكن حقاً إيجاد علم اجتماع للذوق الأدبي لأن فيه دراسة تفصيلية للتغيرات في الجرائد والمجلات، " وبحثاً في آراء جماعات خاصة ومهن خاصة " واختباراً للإحصاءات عن بيع الكتب بما في ذلك أرقام عن إعادة الطبع لنماذج الأدب القديم، واستطلاع لشؤون الإعارة في المكتبات ونوادي الكتب والجماعات القارئة. وقد هيأ شكلنغ مثل هذه الدراسة أو السلسلة من الدراسات في خياله، على نحو

стр. 481

غير علمي، ثم أعلن عما " تدل عليه " والحق أن كتابه ليس أكثر من مخطط لعلم مقترح، وهو مفيد وأن كان نزراً يسيراً؛ وبعض استبصاراته وحدسياته فذة إطلاقاً، غير أن شكلنغ لا يملك مجموعات من المعلومات، ولا سجلات تجريبية تسنده في عمله، فان كان قد صدر مؤلف في هذا المجال منذ عهدئذ فلا علم لي به (دون أحتقاب زخارف علم الاجتماع قامت السيدة ليفز بدراسة للذوق الأدبي أعلى شأناً، معتمدة كثيراً على رتشاردز، في كتابها " القصص والجمهور القارئ ".) وهناك محاولة معاصرة أخرى لدراسة مظاهر النقل في الأدب علمياً وميدانها هو حقل السمانتيات الواسع (علم أسسه في شكله الحديث رتشاردز وأوغدن) ، وتظهر على شكل خاص في الجهود الطامحة عند أصحاب المنطق الوضعي، وهي جماعة يصر رانسوم وتيت وويلرايت على أنها تحمل أفكار رتشاردز الأولى حتى تبلغ بها نتائجها المتضمنة، وان لم يكن ذلك عن رضى رتشاردز. ويتزعم هؤلاء المناطقة الوضعيين كل من رودلف كرمب وشارلس و. موريس وهم بسبيل خلق " موسوعة أممية في العلم الموحد " متسلسلة (أي يحاولون كما يقول رتشاردز ان " يحوروا بالمنطق إلى القواعد الأساسية للغة كاملة ") وقد طوروا " سمانتيات " في ميدان " لغات الدلالات والرموز " الأرحب، أي العلم الشامل للدلالات وتفسير الدلالات. وطبيعة هذا العلم ومشتملاته بعامة خارجة عن حدود أهدافنا في هذا الكتاب، وعلى أية حال أكاد لا أجدني كفؤاً لشرحها، ولكني أقول أن مؤلفي هذه الموسوعات الجديدة، في سياق محاولتهم أن يستغرقوا ويشكلوا المعرفة الإنسانية من جديد، قد وقفوا حتماً ضد الشعر وقد ألمع آرثر ميزنر، بظرف لا يخلو من جور، إلى أن مشتملات بحث موريس في " الدلالة الجمالية " في كتابه " أسس نظرية الدلالات " Foundations of the Theory of Sign إنما هي معالجة للشعر على انه

стр. 482

" نوع لطيف من الجنون " ثم حاول موريس في مقالين آخرين متأخرين وهما: " علم الجمال ونظرية الدلالات " المنشور في مجلة " العلم الموحد " Journal of Unified Science العدد الثامن ١ - ٣ و " العلم والفن والتقنولوجيا " المنشور بمجلة كينيون خريف ١٩٣٩ - حاول موريس فيهما ان يوجد زاوية يمكن للشعر أن يأوي إليها شرعاً. ويذهب موريس إلى أن المقال الجمالي هو شكل أولي من المقال، وأنه يتضمن، في المقام الأول، الوظيفية التركيبية للغة، وإنه مخصص أولا وقبل كل شيء " لإبراز القيم بشكل حيوي " ثم " ما دام الأثر الفني إيقونة [صورة] لا تقرياً، فالمقال الجمالي غير قاصر على الدلالات التي يمكن التأكد من صدقها ". أي انه لا يدرس إلا من طريق الثبات الداخلي لا من طريق الدلالة. ويبدو أن هذا الموقف لا يتغير في كتابه الأخير " الدلالات واللغة والسلوك " Signs، Language an Behaviour ويبدو أن كرنب أيضاً لم يراجع موقفه الذي اتخذه عام ١٩٣٤، في كتابه " الفلسفة والتركيب المنطقي " Philosophy and Logical Syntax، وذهب فيه إلى ان الشعر الغنائي مضارع للضحك، أي أنه شكل من التعبير العاطفي. ولما كان المناطقة الوضعيون حتى اليوم قد تركوا أمثلة معينة في المقال الجمالي دون أن يدرسوها، فليس لنا إلا ان ننتظر بصبر، لنرى المشتملات النقدية في هذه النظرة الممتعة. أما السمانتيون الذين يدرسون المسائل العامة تحت توجيه كورزبسكي فيبدو انهم، من الناحية الأخرى، قد اسقطوا الشعر عموماً من كيان دراستهم، مع أن كورزبسكي يلحظ في أحد المواضع في كتابه " العلم والرشد " Science and Sanity أن الشعر قد " ينقل من القيم الخالدة اكثر مما يستطيعه مجلد كامل من التحليل العلمي ". فإذا مضينا في عرض الشعر موضوعياً توصلنا إلى الآلية بمفهومها الحرفي، وهي أيضا موجودة، فقد أشار عدد من النقاد، ومن بينهم

стр. 483

عزرا بوند، إشارات غريبة إلى آلة اخترعها الحبر روسيلو لقياس فترات الأصوات المنطوقة. وسواء أكانت هذه الآلة هي " الكيموغراف "، وهي آلة للغاية نفسها تستعمل في مختبر الصوتيات بالكلية الجامعية بلندن، او لم تكن، فأمر لا أدريه. وعلى أية حال لا معرفة لي بأي مؤلف منشور، مؤسس على آلة روسيلو ولكني اعلم أن إ. أ. زوتنشاين وهو أستاذ كلاسيكيات نشر " ما الإيقاع؟ " What is Rhythm سنة ١٩٢٥ على أساس النتائج التي استنبطها من الكيموغراف، وتشمل فهرستا يعطي نتائج كمية توصل إليها في قياس تجريبي للمقاطع، وكان يعمل بالاشتراك مع علماء في الأصوات محترفين. ونظريات الأستاذ روزنشاين مشتقة تجريبياً من هذه النتائج وهو يقدم التعريف التالي أساساً لعلم موضوعي في الأوزان إذ يقول " الإيقاع هو خاصية التتابع لأحداث، في زمان، تنتج في عقل المشاهد انطباعاً عن التناسب بين فترات الأحداث الكثيرة أو مجموعات الأحداث، التي تتألف منها المتوالية المتسلسلة ". وقد نقد رتشاردز هذا التعريف نقداً معقولا في ملحق على " النقد التطبيق " من حيث أن زوتنشاين قد عالج هذه العناصر وكأنها أمور في النظم نفسه لا أنها أعمال في الإنسان الذي يقرأ النظم أو الذي يلقيه أمام الكيموغراف، ومن حيث أنه أدرك انه ظواهر سيكولوجية لا طبيعية ثم لم يعالجها المعالجة الكافية لشيء سيكولوجي، فيوضح كيف إنها مرتبطة ارتباطاً لا انفصام له، المعنى الشعري. وعلى الرغم من هذا الميل الميسر لمعالجة كل شيء مسجل على الآلة، وكأنه في النتيجة موضوعي، وقيامه ممكن تماماً، فان كفاءة الكيموغراف وما شابهه من آلات لدراسة الأوزان كما هي في حالي الشعر والنثر، تبدو أساسية جداً (١) .

стр. 484

بقيت وسيلة أخيرة لدراسة رد الفعل عند القراء تستحق الذكر لأنها على الطرف الثاني من الكيموغراف وهي حدس جورج اورول اللبيق الذاتي عن الثقافة الشعبية، في مقالين نشرهما في " ديكنز ودالي وغيرهما " Dickens، Dali Others وهما " أسبوعيات الأولاد " و " فن دونالد مكجل ". ويطور أورول وسيلة من الحدس الصرف لدراسة الآثار الاجتماعية لكل من المجلات التافهة المخصصة للمراهقين والبطائق الهزلية. وطريقته تكاد تكون عكساً مباشراً لطريقة رتشاردز؛ كلا الرجلين مهتم بآثار العمل الفني في القارئ، ولكن رتشاردز يتجه بالتالي نحو القارئ، ويتجه أورول إلى الأثر الفني. ويبدأ أورول في " أسبوعيات الأولاد " بالحديث عن محتويات الدكان الصغير الذي يملكه بائع الصحف في أي مدينة إنجليزية كبرى ويلحظ أن " محتويات هذه الدكاكين لعلها خير شيء قريب المتناول لبيان ما يشعر به جمهور الشعب الإنجليزي وما يفكرون فيه " ثم يركز الحديث على " أسبوعيات " الأولاد التي تباع ببنسين و " المصورات المفزعة " ذات البنس ويؤرخ لها ويتحدث عن توزيعها وآثرها وعن محتوياتها بإسهاب، ويطلق يده في الاقتباس. ثم يصنع تخمينات بارعة عن القراء وحياتهم وعقولهم، وما تصنعه المجلات من أجلهم، وما الدوافع والحاجات التي ترضيها لديهم، لكي تكفل لنفسها انتشاراً وقبولاً، كل ذلك بدراسة متأنية لأعمدة المراسلات والإعلانات والمحتويات الأصيلة للمجلات. ويجد عالماً كاملاً من الأوهام ويستكشف مضموناتها الاجتماعية والسياسية بتفصيل، والقطعة حقاً مؤيدة بالوثائق بعناية واسعة الاطلاع، وهي دراسة جد قيمة سيكولوجية اجتماعية لنموذج من الأدب التجاري كما ينظر إليه من زاوية القارئ.

стр. 485

وتشبهها في هذا مقالته " فن دونالد مكجل " وان كانت دراسة - اقل طموحاً - للبطائق الهزلية؛ ويصنع فيها أورول جداول بموضوعات البطاقات ثم يدرس النزعات الاجتماعية وانعكاسات الواقع الاجتماعي وراءها. ومن الصعب أن نقول اعتماداً على هاتين القطعتين الممتازتين أن كان هذا المنحى النقدي يمكن أن يطبق على الأدب الرفيع والفن ولكن لا ريب في أنه قيم في هذا المجال الأدنى الذي اختاره اورول. ٤ - يبدو أن رتشاردز قد وجه التفاتاً ضئيلا إلى من سبقه في الموروث التجريب ودراسة الجمهور، ويبدو أن بحوثه، حتى حين تعيد في أساسها دراسات سابقة، لا تكترث بالسوابق وإنما هي تولدت عن منطق التطور في تأليفه. إذن فان دينه المعين الذي استمده واعياً عامداً، يعود إلى عدد قليل من المفكرين السابقين، وأكثرهم نسبياً فلاسفة متفردون في آرائهم أو أدباء متفلسفون، وأهم هؤلاء صمويل تيلور كولردج، فتأثيره في رتشاردز مثل ساطع على لقاء فكرين عبر قرن من الزمان وعلاقتهما شاملة معقدة، دقيقة أحياناً إلى حد أن تغرينا هنا بالمرور بها عابرين، ولكن على أية حال هنالك كتاب ممتاز يوضحها، أعني كتاب رتشاردز " رأي كولردج في الخيال "؛ وتطور كتب رتشاردز من حيث علاقته بكولردج يشبه أن يكون سجلا لقصة حب، ففي أول كتابه " أسس علم الجمال " لا يذكر كولردج إلا باقتباس رأي له " صوفي " في الجمال، بشيء من الاحتقار، وفي " معنى المعنى " لا يبدو كولردج غلا صاحب تقرير، بعيد التحليق، عن الفن. أما في " المبادئ " فبعد عدد من المرات يذكر فيها شعر كولردج يروع القارئ فجأة حين يجد إشارة إلى " الفصل الرابع عشر " في " السيرة الأدبية ": " تلك الحجرة المفعمة بحكمة مهملة والتي تحتوي الماعات نحو نظرية شعرية

стр. 486

أكثر من سائر ما كتب في ذلك الموضوع "؛ وخلال باقي الكتاب يلتقط رتشاردز " لمحات لا تقدر بثمن " " لمحات مضوئة " وما أشبه من " السيرة الذاتية " وبخاصة فكرة كولردج عن الخيال وهي " اعظم يد لكولردج في النظرية النقدية " و " من الصعب أن نضيف إليها شيئاً ". وفي الوقت نفسه يؤكد رتشاردز أخذه بأسباب الحيطة فيقول: أن لام وكولردج - كناقدين - بعيدان جداً عن أن يعدا عاديين؛ ومع ذلك فهما ذوا خصب شاذ في كثرة ما يوحيان به؛ واستجابتهما كثيراً ما تكون خاطئة، حتى حين تكون ذات طابع الهامي؛ وفي مثل هذه الأحوال لا نتخذهما مقاييس نسعى لبلوغها، ولا نحاول أن نرى باعينهما، بل نتخذهما بدلا من ذلك وسيلة تؤدي بنا إلى طرق مباينة في معالجة الآثار الفنية التي تميزا واغربا معاً في معالجتها. ثم تطور في كتب رتشاردز اللاحقة احترام متزايد لكولردج (بلغ حداً ما جاء في الاقتباسة السابقة) مع استغلال متزايد لآرائه. فيبدأ كتاب " القواعد الأساسية في التفكير " وينتهي باقتباسات من كولردج. حتى إذا كان كتاب " رأي كولردج في الخيال " وهو دراسته المطولة عن هذا الناقد، كان تقدير رتشاردز قد ارتفع إلى حد أن يرى في كولردج مؤسس " علم تطور معاني الكلمات " وعبقرية شاسعة الأبعاد حتى لو أن أفكاره في الشعر والتفسير واللغة والعقل، " استخلصت " ووسعت وترجمت إلى مصطلح حديث ولو انه " أعيد تفسير " آرائه الميتافيزيقية إذن لهان قسم كبير من مصاعب رتشاردز ومصاعبنا. وفي الكتب التالية اصبح يقتبس من كولردج وكأنه " المعلم الأول " نفسه. وقد زعم رانسوم في كتابه " النقد الجديد " أن كولردج " الناصح الأمين " لرتشاردز قد " تمثل " رتشاردز " مثلما يقال عن الصينيين انهم يتمثلون

стр. 487

الفاتحين " لا العكس، فحوله من المنطق الوضعي إلى إيمان بالوظيفة العرفانية للشعر، وهكذا. وربما كان الاصوب أن يقال أن رتشاردز حين ابتعد عن فلسفته الوضعية الصارمة الأولى وجد أن كولردج عن لسانه ينطق. ولعل المصدر العظيم الوحيد بعد كولردج لأفكار رتشاردز هو جرمي بنثام وقد يكون هذا من اثر ارغدن الذي كتب كتاباً واحداً عاماً عن بنثام وحقق نظريته في الأدب التخيلي ولكن لعل الاشبه برتشاردز انه انجذب شخصيا إلى بانثام لامرين أولا لكون بنثام رائداً في التحليل اللغوي وثانياً لان الفلسفة النفعية قريبة الشبه من نظرية رتشاردز السيكولوجية في القيم، كما يوضح ذلك رتشاردز نفسه في " المبادئ ". ويسمي رتشاردز نفسه في " رأي كولردج في الخيال "، " بنثامي " الاتجاه ويقوم بمحاولة بارعة، متتبعاً مقال جون ستيوارت مل " مقال عن كولردج " ليوفق بين الفلسفتين، ويعيد تفسير مثالية كولردج من زاوية مادية بنثام محاولا ان يجد كما المح مل " حاجة طبيعي أو شيئاً تحتاجه الطبيعة الانسانية، بحيث يكون هذا المبدأ، الذي هو محط البحث، مناسباً لإشباعه ". وينقل رتشاردز عن مل قوله: من استطاع أن يحكم مبادئ الاثنين ويجمع بين أساليبهما تملك ناصية الفلسفة الإنجليزية كلها في عصره. كان كولردج يقول ان كل شخص فأما أن يولد أفلاطونيا أو أرسطوطاليسياً؛ وقد نؤكد القول، على طريق المشابهة، بأن كل إنجليزي في العصر الحاضر هو في حقيقته، إما أن يكون بنثامياً أو كولردجياً، وانه يؤمن بآراء في الأحداث الإنسانية لا تثبت صحتها بالبرهان غلا على أساس من مبادئ بنثام أو كولردج.

стр. 488

ثم يضيف قوله: إن ما قاله مل لا يزال صائباً وإن كنا نستطيع أن نغير التسمية فنقول " إما أن يولد مادياً أو مثالياً " وقد تجد من يقول أن هذين النموذجين لنظرتين تبدوان متعارضتين، يكمل أحدهما الآخر، أي أنهما في تاريخ الفكر كان أحدهما يعتمد على الآخر، حتى أن موت أحدهما كان يؤدي إلى موت الثاني لعجزه عن التمثل وحده. وأنه مثلما أن الزفير ليس إلا وجهاً واحداً من شقي عملية النفس، فكذلك هاتان الفلسفتان في عدائهما الأزلي هما عملية من النقد الذاتي ضرورية بشقيها. ولكن بما أن التخلي عنهما معاً معناه العقم عن تأدية أية نظرة أو فكرة فان التعارض يستدعي اختياراً موقتاً فيما بينهما. فأنا اكتب كمادي يحاول أن يفسر لكم منطوقات مثالي متطرف، أما انتم، فمهما يكن مذهبكم، بالفطرة أو اكتساباً، ارسطوطاليسيين كنتم أو افلاطونيين، بنثاميين أوكولردجيين، ماديين أو مثاليين، فعليكم أن تعيدوا تفسير ملاحظي بدوركم مرة أخرى. وهناك مفكران آخران طبعاً أثرهما أساساً على رتشاردز وان لم يشر إليهما إلا قليلا منذ " معنى المعنى " وهما الفيلسوف الأميركي المهمل شارلس ساندرز بيرس والأنثروبولوجي برونسلاف مالينووسكي. ففي " معنى المعنى " يلحظ المؤلفان انه كان في مقدور بيرس أن يحل قبلهما مشكلة المعنى لو لم يصده " الفقر " عن ذلك، ويلخصان في الملحق ما استغنى رتشاردز عن مصطلحات بيرس في تصنيفه للدلالات، ولكنه استفاد كثيراً من التفكير الكامن وراءها (كما فعل بعض أصحاب المنطق

стр. 489

الوضعي أيضاً، الذين استعاروا مع هذا شيئاً من المصطلحات) ، وعرف بيرس في " القواعد الأساسية في التفكير " بأنه " حجة عظيم جداً ". وأقتبس المؤلفان في " معنى المعنى " أيضاً من مؤلف مالينووسكي عن السحر الكلامي بين قبائل التروبرياند وجعلا ذيلا لكتابهما مقالة لمالينوسكي في " مشكلة المعنى في اللغات البدائية " وكتبا عنها هذا التوضيح (١) . المؤلفان مدينان للدكتور مالينووسكي ديناً جد خاص، فعودته إلى إنجلترة بينا كان كتابهما في المطبعة، مكنتهما من أن يستمعا بتأملاته التي قضى فيها السنين الطوال كمشتغل في الاثنولوجيا، في المنطقة الصعبة الواقعة بين اللغويات والسكولوجيا. هذا وأن جمعه المتفرد بين التجربة العملية وتمكنه التام من المبادئ النظرية، يجعل موافقته على كثير من النتائج الثورية التي توصلا إليها مشجعاً بوجه خاص. أما الإسهام الذي جاد به قلمه وأرفق بالكتاب ذير عليه فسوف يكون، حسبما يشعر المؤلفان، قيماً لا للأثنولوجيين، فحسب، بل لكل من لديه اهتمام حي بالكلمات وأوجهها. ومقالة مالينووسكي نفسها وثيقة بعيدة الشان وكان لإحدى الأفكار التي قدمتها أعني " المشاركة الاجتماعية " Phatic Communion (أي ذلك المظهر من اللغة الذي لا يتميز بشيء إلا أنه يشد أواصر العلاقة بين

стр. 490

المتكلم والسامع) (١) أثراً بعيد المدى. حتى إن الرأي النقدي الذي عرضه رتشاردز في " رأي كولردج في الخيال " ناظراً إلى أن التقييم النقدي هو في أوسع حدوده " مشاركة اجتماعية " ليس إلا فكرة مالينووسكي في صورة جديدة من السبك. أما العلاقة بين رتشاردز وديوي فأنها تمثل مشكلة واقعية، فهو يقتبس من ديوي - عابراً - مرة اخرى، حسبما يتأدى إليه علمي، في " معنى المعنى " ويذكره باحتقار في " الأساسي في التعليم " ولم يقدم أي اعتراف يدل انه على معرفة بمؤلفات ديوي وآرائه (وإذا كان غير عارف به فذلك شاهد مخزن أخر على ميل عند اكثر المقروئين من النقاد الإنجليز - وكودول مثل آخر - ميل الاستخفاف بالفكر الأميركي المتميز) . أما اوغدن من الناحية الأخرى فقد كان جاداً في الاقتباس من ديوي منذ عهد مبكر يعود إلى عام ١٩٢٦ في " معنى السيكولوجيا " ومن المشكوك فيه إلى حد بعيد ان يكون رتشاردز قد جانب الاحتكاك بأفكار ديوي، وهو الذي عاش سنوات في اميركة، وله اهتمام خاص بالفلسفة، كما أن ديوي ألقى حينئذ محاضرات جفورد في ادنبره. وعلى أية حال فقد تقدم القول بان اكبر إسهام أساسي لرتشاردز في كتاب " مبادئ النقد "، أي النظرة التي أحدثت ثورة نقدية وبها بدأت الحركة الجديدة، وهي ان التجربة الجمالية مثل أية تجربة إنسانية أخرى - إنما هي إعادة - في قالب جديد - لنظرة تميز بها ديوي في الفكر الحديث. فمنذ سنة ١٩٠٣

стр. 491

غزا ديوي بكتابه " دراسات في النظرية المنطقية " Studies in Logical Theory عالم النشاط الفكري، بما ذلك في ميدان الجماليات، بالمبدأ العلمي الأساسي، مبدأ " الاستمرار " إذ قال: هذه النظرة لا تعرف تمييزاً ثابتاً بين القيم التجريبية للحياة غير التأملية، وأشد أعمال العقل العقلاني تجريدية. وهي لا تعرف فجوة ثابتة لتفصل بين أعلى تحليقات النظرية وانضباط جزئيات البناء والسلوك العملي، بل هي تمضي، حسب المناسبة والفرصة التي تهيئها إحدى اللحظات، من نزعة الحب والكفاح والعمل إلى نزعة التفكير والعكس بالعكس. وتغير محتوياتها أو مادتها ما فيها من تقيم ذهاباً وإياباً من حالة صناعية أو نفعية إلى حالة جمالية أو أخلاقية أو عاطفية أما المبدأ الأساسي فيها فهو الاستمرار في التجربة واستمرار التجربة. (ذهب ديوي في كتابه " المنطق - نظرية البحث " المنشور سنة ١٩٣٨ إلى أن بيرس قد سبقه إلى لفت الانتباه " نحو مبدا استمرار البحث " ولكن أين ذكر بيرس هذا؟ الكشف عن هذا يحتاج إلى مستكشف أجراً مني ليعرف موضعه في كتابات بيرس، ولا يستبعد يكون رتشاردز قد عثر عليه عند بيرس، فقصر مسافة التأثير الصادر عن ديوي) . أما الأثر الرئيس في رتشاردز فهو أثر زميله شارلس كاي ارغدن (مثل هذا الأثر يخلق رابطة معقدة لأنه يصعب علينا بأي حال أن تعرف من أيهما يتجه الأثر) أما أوغدن فأنه سيكولوجي - أو كان ذلك - ذو أثر عظيم واطلاع متنوع قل أن يتحلى به أحد في هذه البلاد، وهو مثل رتشاردز أحد العقول " الموسوعية " الكبرى، وأما مذهبه السيكولوجي

стр. 492

كما يدل عليه " معنى السيكولوجيا " (أو " أبجدية السيكولوجيا ") - فأنه " حيادي " توسطي يقوم على التركيب الانتقائي الكثير من أكثر النظريات والمعلومات الحديثة فائدة وجدوى. وكثير من كتاباته تركيبي تمهيدي على هذه الطريقة وكان رئيس تحرير " للمكتبة الأممية في السيكولوجيا والفلسفة والمنهج العلمي " المشهورة، وهي التي جعلت بعضاً من خير الكتب التي تمثل كل المذاهب في هذه الميادين وغيرها في متناول القراء وتضمنت مؤلفات هامة في النقد الأدبي، ثم أشرف في الوقت نفسه على سلسلة " تاريخ الحضارة " المسماة (النفس - مجلة سنوية للسيكولوجيا العامة والتطبيقية " وعلى منشورات " دار النفس " المبسطة Psyche Mineatures وهي سلسلة رخيصة (تباع الواحدة بشلنين ونصف) قيمة من الكتيبات شبيهة بالكتب الكبرى التي تصدر عن " المكتبة الأممية "، سلسلة اختصت في سنواتها الأولى بالطب وفي سنواتها الأخيرة بالكتب التي تتصل بالإنجليزية الأساسية. ومن هذه الأربعة هيأ أوغدن، بسعة خيال وعدم تحيز، ميدانا لكل نظرة جادة علمية أو مشارفة للعلم. وفي الوقت ذاته كتب أثني عشر كتاباً أما منفرداً أو بالاشتراك، بما في ذلك تاريخ موجز للعالم، بالتعاون مع إ. هـ. كارتر، ونشره في سلسلة " كلاسيكيات نلسون ". وظلت له دائماً رغبته الحية في الأدب، وبخاصة في جيمس جويس (كتب أوغدن مقدمة لقطعة من " يقظة فينيغان " نشرت بعنوان " حكايات تحكى عن سام وساءون "، وترجم Anna Livia Plurabelle إلى الإنجليزية في مجلة " فترة الانتقال " Transition) وهو مؤسس ومحرر مجلة كمبردج Cambridge Magazine التي يسميها رتشاردز " أكثر المجلات الأسبوعية إثارة بإنجلترة، في أيامها " ويخبرنا رتشاردز أيضاً في " الإنجليزية الأساسية وفوائدها " إن أوغدن " رجل أعمال حيوي وله مناحي متعددة ليس هناك أحد يعرفها أكثر منه " وإنه " خبير في نطاق واسع " وإنه " ذو

стр. 493

قريحة مشهور حق الشهرة بحدة خطراته الذهنية ومغالاتها وإحالتها ". فلا عجب إذن من أن هذا العلامة حين سلط علمه ومواهبه المتنوعة على الطبعة الجديدة من " الموسوعة البريطانية " عام ١٩٢٥ في مراجعة كتبها في Saturday Review of Literature قد استطاع أن يمزقها صفحة إثر صفحة. وبينا كان أوغدن منهمكاً في صور هذا النشاط منذ سنة ١٩٢٠ فصاعداً، وجه طاقته الرئيسية، في الوقت نفسه، إلى الإنجليزية الأساسية وبين عامي ١٩٢٠ - ١٩٢٩ أي منذ أن أدرك هو ورتشاردز إمكانات قاموس إنجليزي محدود أثناء كتابتهما للتعريفات في " معنى المعنى " حتى نشر أوغدن أول جريدة بالكلمات الأساسية في " Psyche " استطاع أن يوجد المبنى النظري للغة، وان يختار ألفاظ معجمه. وفي سنة ١٩٣٠ نشر في كتاب " الإنجليزية الأساسية " كل هذا الهيكل، مجرباً بضعة تغييرات على جريدة الكلمات الأولى. وحقق خلال العقد الرابع من القرن " المعجم الأساسي "، ونشر من خلال معهده الاورتولوجي بلندن سلسلة من الكلاسيكيات مترجمة في الإنجليزية الأساسية، تشمل، مادة متباينة كالتوراة و " الجمال الأسود " Black Beauty ونشر مؤلفات مختلفة تدعو للإنجليزية الأساسية وتشيعها وتوسعها مثل " الإنجليزية الأساسية الأشد لمعاناً " Brighter Basic و " الإنجليزية الأساسية للأمور العملية " Basic For Business و " الفلك الأساسي " A Basic Astronomy وغيرها. وقد كان رتشاردز زميلا له في أكثر هذه المؤلفات وإن كان رتشاردز يميز أوغدن بأنه وحده في " كيف نقرأ صفحة " وضع المشكلة وقام بالبحوث وأبتكر اللغة. وفي كل ما اشتركا فيه ابتداء من " أسس علم الجمال " حتى آخر مؤلف في الإنجليزية الأساسية، على مدى ربع قرن، ليست ثمة طريقة تنبئنا أي الأفكار والمقررات، أو أي أجزاء من المادة، قد صدرت عن هذا

стр. 494

أو ذاك. وقد نفترض دون شاهد حقيقي أن أوغدن أثر في رتشاردز فوجهه نحو السيكولوجيا وبنثام والإنجليزية الأساسية، وإن رتشاردز أثر في أوغدن فوجهه نحو الأدب وكولردج والإنجليزية الأساسية في التعليم. أما الاستنتاج المحسوس الوحيد الذي قد يبلغه المرء في دراسته لرتشاردز فهو إن إسهام رتشاردز في النقد كان يكون غير ما هو وربما كان أقل لو لم يلتق بأوغدن، وإن كان من المستحيل علينا أن نقول أين كان يختلف وكم كان يقل. أما تأثير رتشاردز في الآخرين فمشكلة اسهل بكثير، إذ انه في ميدان النقد قد أثر في كل واحد وقد تحدثنا قبل عن دوره في خلق النقد الحديث. ومن أول من أولوه عناية وقرأوه قراءة متعاطفة، في هذا اللبد، ووقعوا تحت تأثيره، الشاعر كونراد ايكن الذي قرر نفس التقرير الثوري الوارد في " مبادئ النقد الأدبي "، وذلك في كتابه " شيكات " قبل رتشاردز بخمس سنوات " ١٩١٩) وهو ناقد لو قيض له جمهور مماثل وتأثير ووثائق لكان هو الذي ابتدأ حركة النقد الحديث، بلا ريب؛ أما كتابه " شكيات " فعنوانه الفرعي " ملاحظ على الشعر المعاصر " ويتألف من سلسلة من قطع نشرت في المجلات عن شعراء بأعيانهم في الغالب، وفيه يقول ايكن في كتابات فرويد (وكان على معرفة دقيقة مبكرة به، أن الشعر بعد كل هذا نتاج أنساني خالص، وانه من ثم لابد من أن يلعب دوراً محدداً في الحاجات الوظيفية الحيوانية عند الإنسان ". ثم يقول في موضع آخر قولا أكمل مما تقدم " ألن نتعلم أبداً انه ليس حول الشعر شيء غيبي أو فوق الطبيعي، وأنه نتاج طبيعي عضوي ذو وظائف يمكن الكشف عنها وانه محط التحليل؟ وقد يكون من المؤسف أن يترك نقادنا وشعراؤنا هذه المهمة للعلماء بدلا من أن يباشروها

стр. 495

هم أنفسهم ". فلما ظهر " مبادئ " رتشاردز سنة ١٩٢٤ راجعه ايكن بحماسة، وهو ذو إحساس نادر المثال بأهميته، وقد اثر ذلك في رتشاردز فيما يظهر حتى انه عندما ظهرت الطبعة الثانية سنة ١٩٣٦ زودت بملحقين، وكان أولهما - " في القيم " - نقاشاً " لمراجع صديق هو المستر كونراد ايكن " وهي الإلتفاتة الوحيدة التي وجهها رتشاردز نحو أي من زملائه النقاد بأميركة. وأما أثر رتشاردز في تلميذه ومريده الأكبر، وليم إمبسون وفي ر. ب. بلاكمور فقد تحدثنا عنه فيما سبق (انظر الفصلين الخاصين بهما) . وكان تأثيره الآخر الكبير في كنث بيرك إذ أثر فيه إلى حد بالغ بمصادره الأساسية اعني بنثام وبيرس وكولردج لكن منذ ظهور " مبادئ النقد " اصبح اكثر التأثير هو انحياز بيرك ليعمل كل ما يخالف فيه رتشاردز ويهاجم بيرك في كتابه " مقولة مضادة " Counter Statement رفض رتشاردز - دون أن يذكر اسمه - للمثل الأفلاطونية، واعتبارها مصطلحاً لفظياً لا يشير إلى حقائق. أما في كتابه التالي " الثبات والتغير " Permanence and Change فيقر بدينه المعين لكتاب " معنى المعنى " ويقتبس من كتاب " آراء منشيوس في العقل " ليعزز نقطة يتحدث عنها ويخطئ بإسهاب فكرة رتشاردز في " التقرير الكاذب " في كتاباه " العلم والشعر " (ويقتبس من كتاب " المبادئ " ما يقوي وجهة نظره) ويستعمل آراء رتشاردز، بعامة، نقطة اندفاع ينطلق منها إلى ملحوظاته الخاصة. وكذلك يهاجم في كتابه " نزعات نحو التاريخ " كتاب رتشاردز " فلسفة البلاغة " من حيث إنه أستخف فيه بقدر " العنصر " والوظيفة الاجتماعية للكلمات، مقتبساً من كتاب آخر لرتشاردز ما يقوي به حجته أيضاً. وفي كتابيه: " فلسفة الشكل الأدبي " و " نحو الدوافع " يقتبس عدداً من استبصارات رتشاردز، وينتقد بحدة كتاب " كيف نقرأ صفحة "
следующие страницы →