غزا ديوي بكتابه " دراسات في النظرية المنطقية " Studies in Logical Theory عالم النشاط الفكري، بما ذلك في ميدان الجماليات، بالمبدأ العلمي الأساسي، مبدأ " الاستمرار " إذ قال:
هذه النظرة لا تعرف تمييزاً ثابتاً بين القيم التجريبية للحياة غير التأملية، وأشد أعمال العقل العقلاني تجريدية. وهي لا تعرف فجوة ثابتة لتفصل بين أعلى تحليقات النظرية وانضباط جزئيات البناء والسلوك العملي، بل هي تمضي، حسب المناسبة والفرصة التي تهيئها إحدى اللحظات، من نزعة الحب والكفاح والعمل إلى نزعة التفكير والعكس بالعكس. وتغير محتوياتها أو مادتها ما فيها من تقيم ذهاباً وإياباً من حالة صناعية أو نفعية إلى حالة جمالية أو أخلاقية أو عاطفية أما المبدأ الأساسي فيها فهو الاستمرار في التجربة واستمرار التجربة.
(ذهب ديوي في كتابه " المنطق - نظرية البحث " المنشور سنة ١٩٣٨ إلى أن بيرس قد سبقه إلى لفت الانتباه " نحو مبدا استمرار البحث " ولكن أين ذكر بيرس هذا؟ الكشف عن هذا يحتاج إلى مستكشف أجراً مني ليعرف موضعه في كتابات بيرس، ولا يستبعد يكون رتشاردز قد عثر عليه عند بيرس، فقصر مسافة التأثير الصادر عن ديوي) .
أما الأثر الرئيس في رتشاردز فهو أثر زميله شارلس كاي ارغدن (مثل هذا الأثر يخلق رابطة معقدة لأنه يصعب علينا بأي حال أن تعرف من أيهما يتجه الأثر) أما أوغدن فأنه سيكولوجي - أو كان ذلك - ذو أثر عظيم واطلاع متنوع قل أن يتحلى به أحد في هذه البلاد، وهو مثل رتشاردز أحد العقول " الموسوعية " الكبرى، وأما مذهبه السيكولوجي
стр. 492
كما يدل عليه " معنى السيكولوجيا " (أو " أبجدية السيكولوجيا ") - فأنه " حيادي " توسطي يقوم على التركيب الانتقائي الكثير من أكثر النظريات والمعلومات الحديثة فائدة وجدوى. وكثير من كتاباته تركيبي تمهيدي على هذه الطريقة وكان رئيس تحرير " للمكتبة الأممية في السيكولوجيا والفلسفة والمنهج العلمي " المشهورة، وهي التي جعلت بعضاً من خير الكتب التي تمثل كل المذاهب في هذه الميادين وغيرها في متناول القراء وتضمنت مؤلفات هامة في النقد الأدبي، ثم أشرف في الوقت نفسه على سلسلة " تاريخ الحضارة " المسماة (النفس - مجلة سنوية للسيكولوجيا العامة والتطبيقية " وعلى منشورات " دار النفس " المبسطة Psyche Mineatures وهي سلسلة رخيصة (تباع الواحدة بشلنين ونصف) قيمة من الكتيبات شبيهة بالكتب الكبرى التي تصدر عن " المكتبة الأممية "، سلسلة اختصت في سنواتها الأولى بالطب وفي سنواتها الأخيرة بالكتب التي تتصل بالإنجليزية الأساسية. ومن هذه الأربعة هيأ أوغدن، بسعة خيال وعدم تحيز، ميدانا لكل نظرة جادة علمية أو مشارفة للعلم. وفي الوقت ذاته كتب أثني عشر كتاباً أما منفرداً أو بالاشتراك، بما في ذلك تاريخ موجز للعالم، بالتعاون مع إ. هـ. كارتر، ونشره في سلسلة " كلاسيكيات نلسون ". وظلت له دائماً رغبته الحية في الأدب، وبخاصة في جيمس جويس (كتب أوغدن مقدمة لقطعة من " يقظة فينيغان " نشرت بعنوان " حكايات تحكى عن سام وساءون "، وترجم Anna Livia Plurabelle إلى الإنجليزية في مجلة " فترة الانتقال " Transition) وهو مؤسس ومحرر مجلة كمبردج Cambridge Magazine التي يسميها رتشاردز " أكثر المجلات الأسبوعية إثارة بإنجلترة، في أيامها " ويخبرنا رتشاردز أيضاً في " الإنجليزية الأساسية وفوائدها " إن أوغدن " رجل أعمال حيوي وله مناحي متعددة ليس هناك أحد يعرفها أكثر منه " وإنه " خبير في نطاق واسع " وإنه " ذو
стр. 493
قريحة مشهور حق الشهرة بحدة خطراته الذهنية ومغالاتها وإحالتها ". فلا عجب إذن من أن هذا العلامة حين سلط علمه ومواهبه المتنوعة على الطبعة الجديدة من " الموسوعة البريطانية " عام ١٩٢٥ في مراجعة كتبها في Saturday Review of Literature قد استطاع أن يمزقها صفحة إثر صفحة.
وبينا كان أوغدن منهمكاً في صور هذا النشاط منذ سنة ١٩٢٠ فصاعداً، وجه طاقته الرئيسية، في الوقت نفسه، إلى الإنجليزية الأساسية وبين عامي ١٩٢٠ - ١٩٢٩ أي منذ أن أدرك هو ورتشاردز إمكانات قاموس إنجليزي محدود أثناء كتابتهما للتعريفات في " معنى المعنى " حتى نشر أوغدن أول جريدة بالكلمات الأساسية في " Psyche " استطاع أن يوجد المبنى النظري للغة، وان يختار ألفاظ معجمه. وفي سنة ١٩٣٠ نشر في كتاب " الإنجليزية الأساسية " كل هذا الهيكل، مجرباً بضعة تغييرات على جريدة الكلمات الأولى. وحقق خلال العقد الرابع من القرن " المعجم الأساسي "، ونشر من خلال معهده الاورتولوجي بلندن سلسلة من الكلاسيكيات مترجمة في الإنجليزية الأساسية، تشمل، مادة متباينة كالتوراة و " الجمال الأسود " Black Beauty ونشر مؤلفات مختلفة تدعو للإنجليزية الأساسية وتشيعها وتوسعها مثل " الإنجليزية الأساسية الأشد لمعاناً " Brighter Basic و " الإنجليزية الأساسية للأمور العملية " Basic For Business و " الفلك الأساسي " A Basic Astronomy وغيرها. وقد كان رتشاردز زميلا له في أكثر هذه المؤلفات وإن كان رتشاردز يميز أوغدن بأنه وحده في " كيف نقرأ صفحة " وضع المشكلة وقام بالبحوث وأبتكر اللغة. وفي كل ما اشتركا فيه ابتداء من " أسس علم الجمال " حتى آخر مؤلف في الإنجليزية الأساسية، على مدى ربع قرن، ليست ثمة طريقة تنبئنا أي الأفكار والمقررات، أو أي أجزاء من المادة، قد صدرت عن هذا
стр. 494
أو ذاك. وقد نفترض دون شاهد حقيقي أن أوغدن أثر في رتشاردز فوجهه نحو السيكولوجيا وبنثام والإنجليزية الأساسية، وإن رتشاردز أثر في أوغدن فوجهه نحو الأدب وكولردج والإنجليزية الأساسية في التعليم. أما الاستنتاج المحسوس الوحيد الذي قد يبلغه المرء في دراسته لرتشاردز فهو إن إسهام رتشاردز في النقد كان يكون غير ما هو وربما كان أقل لو لم يلتق بأوغدن، وإن كان من المستحيل علينا أن نقول أين كان يختلف وكم كان يقل.
أما تأثير رتشاردز في الآخرين فمشكلة اسهل بكثير، إذ انه في ميدان النقد قد أثر في كل واحد وقد تحدثنا قبل عن دوره في خلق النقد الحديث. ومن أول من أولوه عناية وقرأوه قراءة متعاطفة، في هذا اللبد، ووقعوا تحت تأثيره، الشاعر كونراد ايكن الذي قرر نفس التقرير الثوري الوارد في " مبادئ النقد الأدبي "، وذلك في كتابه " شيكات " قبل رتشاردز بخمس سنوات " ١٩١٩) وهو ناقد لو قيض له جمهور مماثل وتأثير ووثائق لكان هو الذي ابتدأ حركة النقد الحديث، بلا ريب؛ أما كتابه " شكيات " فعنوانه الفرعي " ملاحظ على الشعر المعاصر " ويتألف من سلسلة من قطع نشرت في المجلات عن شعراء بأعيانهم في الغالب، وفيه يقول ايكن في كتابات فرويد (وكان على معرفة دقيقة مبكرة به، أن الشعر بعد كل هذا نتاج أنساني خالص، وانه من ثم لابد من أن يلعب دوراً محدداً في الحاجات الوظيفية الحيوانية عند الإنسان ". ثم يقول في موضع آخر قولا أكمل مما تقدم " ألن نتعلم أبداً انه ليس حول الشعر شيء غيبي أو فوق الطبيعي، وأنه نتاج طبيعي عضوي ذو وظائف يمكن الكشف عنها وانه محط التحليل؟ وقد يكون من المؤسف أن يترك نقادنا وشعراؤنا هذه المهمة للعلماء بدلا من أن يباشروها
стр. 495
هم أنفسهم ". فلما ظهر " مبادئ " رتشاردز سنة ١٩٢٤ راجعه ايكن بحماسة، وهو ذو إحساس نادر المثال بأهميته، وقد اثر ذلك في رتشاردز فيما يظهر حتى انه عندما ظهرت الطبعة الثانية سنة ١٩٣٦ زودت بملحقين، وكان أولهما - " في القيم " - نقاشاً " لمراجع صديق هو المستر كونراد ايكن " وهي الإلتفاتة الوحيدة التي وجهها رتشاردز نحو أي من زملائه النقاد بأميركة.
وأما أثر رتشاردز في تلميذه ومريده الأكبر، وليم إمبسون وفي ر. ب. بلاكمور فقد تحدثنا عنه فيما سبق (انظر الفصلين الخاصين بهما) . وكان تأثيره الآخر الكبير في كنث بيرك إذ أثر فيه إلى حد بالغ بمصادره الأساسية اعني بنثام وبيرس وكولردج لكن منذ ظهور " مبادئ النقد " اصبح اكثر التأثير هو انحياز بيرك ليعمل كل ما يخالف فيه رتشاردز ويهاجم بيرك في كتابه " مقولة مضادة " Counter Statement رفض رتشاردز - دون أن يذكر اسمه - للمثل الأفلاطونية، واعتبارها مصطلحاً لفظياً لا يشير إلى حقائق. أما في كتابه التالي " الثبات والتغير " Permanence and Change فيقر بدينه المعين لكتاب " معنى المعنى " ويقتبس من كتاب " آراء منشيوس في العقل " ليعزز نقطة يتحدث عنها ويخطئ بإسهاب فكرة رتشاردز في " التقرير الكاذب " في كتاباه " العلم والشعر " (ويقتبس من كتاب " المبادئ " ما يقوي وجهة نظره) ويستعمل آراء رتشاردز، بعامة، نقطة اندفاع ينطلق منها إلى ملحوظاته الخاصة. وكذلك يهاجم في كتابه " نزعات نحو التاريخ " كتاب رتشاردز " فلسفة البلاغة " من حيث إنه أستخف فيه بقدر " العنصر " والوظيفة الاجتماعية للكلمات، مقتبساً من كتاب آخر لرتشاردز ما يقوي به حجته أيضاً. وفي كتابيه: " فلسفة الشكل الأدبي " و " نحو الدوافع " يقتبس عدداً من استبصارات رتشاردز، وينتقد بحدة كتاب " كيف نقرأ صفحة "
стр. 496
في فصل عنوانه: " الاصطلاحات الخمسة الكبرى " ويتهمه بأنه يفتقر إلى أي نوع من " اللب ".
وأما الكتاب الذي أثر في بيرك، في الدرجة الأولى، وهو يقتبس منه باستمرار، وكثيراً ما قال فيه أنه أحد كتابين أو أحد الثلاثة الكتب التي تعد اخصب مؤلفات حديثة كتبت عن الادب، فذلك هو " مبادئ النقد الأدبي "، إذ منه استقى عدداً من أفكاره وخاصة فكرته عن العمل البدائي الملازم للنزعات. وأهم نقد لبيرك على رتشاردز هو، بعامة، ميله للتهوين من شان العناصر " الرمزية " و " الواقعية " في اللغة والفن، وهي الخصائص التي يسميها بيرك " الحلم " و " اللوحة " في ثالوثه المكون من الحلم والصلاة واللوحة بينا هو بخاصة ينص على قيمة " الصلاة " أو عناصر النقل. وموقفه هذا أدى عملياً إلى توزيع للجهد مؤثر، وذلك إن بيرك نفسه نزع بخاصة إلى النص على العناصر الواقعية والرمزية وميز الأخيرة منهما بالاهتمام حتى أن الرجلين اللذين " فيما اعتقده على الأقل) هما اعظم ناقدين أدبيين معاصرين، قد تخصصا على الترتيب في الفن من حيث هو نقل وفي الفن من حيث هو تعبير وتركا ما بينهما خلاء كراحة اليد.
وهناك ناقد آخر تأثر رتشاردز يستحق أن نتحدث عنه، وهو مجهول في هذه البلاد؛ ذلك هو جورج هـ. و. رايلاندز وهو مثل إمبسون متخرج في كمبردج، ونشر كتاب " الكلمات والشعر " سنة ١٩٢٨ توسيعاً لمبحثه الذي قدمه لنيل الشهادة. واثر رتشاردز فيه بارز ملحوظ وان لم يذكر في الكتاب إلا مرة واحدة من حيث انه حرم على كلمة " جميل " أن تدخل حمى النقد، وأذن فأن رايلاندز فيما اقدر تلميذ آخر من تلامذة رتشاردز. وكتابه " الكلمات والشعر " دراسة للعبارة الشعرية كمظهر من مظاهر الأسلوب يكشف القسم الأول منه الطبيعة العامة للعبارة الشعرية
стр. 497
ويدرس الثاني استعمالات شيكسبير بإسهاب. وكل ما فيه من فرضيات عامة فإنما هي " رتشاردية " حتى في قوله انه " يستعمل المجهر " في دراسة الشعر، وان النقد " تمزيق للدمية " وطريقته تنزع إلى أن تكون سبقاً لامبسون باكتشافها المحدود لنواحي الغموض. والكتاب مثير موح بقدر غير بسيط، وقد سبق إلى الكشف عن عدد من الوسائل الفنية التي توسعت من بعده: ومنها فهرسة بلاكمور لاستعمال الكلمة وتتبع سبيرجن للصور واستكشاف بيرك للموسيقية المتناسبة. أما إذا نظرنا إليه نظرتنا إلى عمل تام مصقول فأنا نجده شذرات مخيبة للأمل لا يقارن بمؤلفات إمبسون أو رتشاردز نفسه وهو شاهد قيم، مع ذلك، على أن الغرس النقدي الذي غرسه رتشاردز إذا ركز على النص آتى أكله في أي مجال من البحث اختاره باحث، وانه إذا كان مجاله شيكسبير بخاصة أثمر من المادة دائماً ما عجزت الدراسة التقليدية عن جنيه واستثماره.
ويكاد كل ناقد معاصر بإنجلترة أن يكون قد قبس قبسة من أثر رتشاردز، وقد نحتاج أن نشير إلى شيء من هذه المؤثرات بالإضافة إلى ما ذكراناه عن كل من إمبسون ورايلاندز. فهناك ت. س. اليوت وهو يخالف رتشاردز بعامة، ولكنه قد قبل بعض آرائه ومنها نظرته إلى عدم مناسبة " المعتقد " للشعر، وقد علق في حاشية مقاله عن " دانتي " تعليقه طويلة في كتاب " مقالات مختارة "، عبر فيها عن موافقته المعدلة على هذه النظرة كما عبر عن مخالفته المعدلة لفكرة " التقرير الكاذب " في " العلم والشعر ". وخصص في كتابه " فائدة الشعر وفائدة النقد " فصلا عنوانه مقراً أثناء ذلك بقيمته العظيمة لأنه كان في الدرجة الأولى، باحثاً في " سوء الفهم المنظم ". وتقبل هربت ريد، وهو في موقفه الرومانتيكي المباين يحارب القيم التي وجدها رتشاردز في الشعر، كثيراً من أفكاره
стр. 498
واستطلاعاته بأعيانها. وتأثره ف. ر. ليفز كسائر عصبة Scrutiny إلى حد كبير، وأثرت فيه مؤلفاته حتى إنه في كتبه الأولى يقتبس منه، ويستغل آراءه، ويثني عليه دائماً ولا يعبر عن أية مخالفة له. غير إن مراجعته على " رأي كولردج في الخيال " المنشورة في Scrutiny آذار (مارس) ١٩٣٥ هجمة مريرة على رتشاردز، لهربه الاجتماعي والسياسي في نقده؛ ومنذ ذلك الحين تحرر ليفز من سحر رتشاردز إلى حد ما (١) .
أما ل. ك. نايتس وهو من عصبة Scrutiny أيضاً فلم يبعد في تسلقه هذا الغصن بل أحس إنه لا حاجة له أن يتسلقه واستمر يقطف من ثمراته، أعني يقتبس من رتشاردز، ويستغل آراءه بهدوء، دون أن يرتهن أساساً يقيمه. ويعترف ستيفن سبند في المقدمة عن كتابه " العنصر الهدام " The Destructive Element إنه استوحاه (واقتبس عنوانه) من تعليقه لرتشاردز على إليوت، وفي البحث الذي هو لب الكتاب في العلاقة بين الشعر والمعتقد، يعود بين الحين والحين إلى اهتصار نتف من آراء رتشاردز. وتقر إلزي إليزابث فير التي بدأت كتابها " شعر جرارد مانلي هوبكنز " حين كانت طالبة بكمبردج، " بمساعدة رتشاردز وتشجيعه "، وتقتبس منه ومن إمبسون على نطاق واسع.
ولقد انصفه وهاجمه على التوالي اثنان من النقاد الإنجليز الذين يقطنون اميركة اليوم، وهما دافيد ديشز واريك بنتلي وكلاهما مدين كثيراً لمؤلفات رتشاردز الأولى؛ فانصفه ديشز في مقال له حماسي تحدث فيه عن ميزته وأثره في كتابة " الكتب التي غيرت عقولنا " وهاجمه بنتلي هجوماً جائراً
стр. 499
جاز حد الاعتدال في " مجلة جبال روكي " شتاء ١٩٤٤. غير أن أحد هجوم تلقاه رتشاردز، عدا سورة بنتلي، صدر عن الناقد الإنجليزي الماركسي اللامع إليك وست، إذ خصص فصلاً في كتابه " الأزمة والنقد " Crisis and Criticism ليثبت أن كتابات رتشاردز قد أفسدها بمحاولته أن ينتزع الشعر من العمل الاجتماعي وان قراءاته للشعر مكبوحة " بأردأ أنواع الإرجاع المخزونة " يعني روح المحافظة الاجتماعية. (من الممتع ان نلحظ أن النقاد الماركسيين الشياي، مترسمين خطى كودول، يدعون اليوم إلى التقارب بينهم وبين رتشاردز. كتب شاعر شاب اسمه هوبرت نيكلسون إلى مجلة " عصرنا " Our Time أيار (مايو) ١٩٤٤ يهاجم بلاهة ف. ج. كلينجدر، وقال ان الماركسيين يحسنون صنعاً لو زادوا من التفاتهم إلى آراء رتشاردز عن طبيعة التجربة الفنية وقيمها، ويبدو أن عدداً من المسهمين في مجلة Modern Quarterly قد اخذوا بنصيحته) . ولعل الناقد البريطاني المعاصر الوحيد - من المشهورين - الذي لم يتأثر في الحقيقة بآراء رتشاردز هو ج. ولسون نايت، الناقد الانتقائي المتحمس لمذهبه فانه لم يذكره إلا مرة، عابراً، حسبما أعلم. (قد يفسر هذا الموقف قول رتشاردز مرة في نايت أنه مثل على من يبني نظريات محكمة على أسس خادعة) .
وكان تأثيره رتشاردز على النقاد الأميركيين، إلى جانب بيرك وبلاكمور وايكن شاملا. فيعترف ف. أ. ماثيسون في كتابه " ما حققه ت. س. اليوت " بفضل خاص لرتشاردز (ولادموند ولسن!!) " في الإثارة والتحدي خلال السنوات الأخيرة الماضية " وكتابه حافل باستطلاعات رتشاردز مستمدة بخاصة من " النقد التطبيقي " الذي يسميه ماثيسون " أنضج حديث له عن الشعر والمعتقد ". وفي " النهضة الأميركية " American Renaissance يمضي ماثيسون في استغلاله له ولغيره من كتب
стр. 500
رتشاردز وتلقت كل جماعة الجنوب تأثير آراء رتشاردز بقوة، فيعتمدها كلينث بروكس خلال كتابه " الشعر الحديث والاتباعية " ويزيد اعتماده لها في " الزهرية المحكمة صنع " ويستغلها ورن في دراسته عن كولردج وفي غيرها. أما رانسوم وتيت اللذان أكثرا الكتابة عن رتشاردز (كتب عنه رانسوم في مقال له في The World " s Body وفصلا طويلا في " النقد الجديد " وكتب تيت عنه في مقالاين في " العقل في جنون ") فقد اتفقا على مهاجمة انحيازه المبكر إلى المنطق الوضعي، بقوة وعنف، بينا تقبلا بحماسة كثيراً من مناهجه ونتائجه (استعمل تيت في هجومه ألفاظاً مثل " يخدع ") .
وما كتاب " القصص الحديث " Modern Fiction لهربرت مللر إلا تطبيقاً ضحلاً لبعض أفكار رتشاردز الواردة في كتابيه " معنى المعنى "، و " المبادئ "؛ إلا أن المؤلف أيضاً مروع من اصطلاح " التقرير الكاذب " (من بين كل النقاد الذين أفادوا من رتشاردز ومن مؤلفاته الأخيرة أيضاً لم يستطع ان يزدرد هذا المصطلح دون غصص إلا كلينث بروكس وف. ر. ليفز) ويكبح مللر من جما الاعتماد على رتشاردز في كتابه " العلم والنقد " وان كان اعتماده ما يزال أساسياً، ويثني على رتشاردز على وجه العموم، بحماسة بينا يتهمه، على التعيين، بضيق شديد في السيكولوجيا وبإغفال القرائن الاجتماعية في الشعر و " بفقدان المضاء والإيحاء " في مؤلفاته المتأخرة. ويفيد ليونل ترلنغ في كتابه " ماثيو آرنولد " من رتشاردز كما يفيد من كل مظهر - تقريباً - من مظاهر النقد الحديث، في حذر بالغ، حتى إننا حين نجده يتحدث عن مصطلح " التقرير الكاذب "، مثلاً، يستحيل علينا أن نقول انه يقبله أو ينكره، ويقتبس في كتابه " إ. م. فورستر " E.M. Forester بعض تقريرات رتشاردز عن فورستر،، دون أي تحديد لموقفه منها.
стр. 501
وقد أفاد مارك شورر إفادة جوهرية مشمولة بالإدراك من رتشاردز وبخاصة في كتبه الثلاثة: " العلم والشعر " و " كولردج " و " وليم بليك ". وقد نضيف إلى هذا الثبت زيادات لا حد لها، ومن النقاد الأميركيين الكبار واحد يشبه نايت في إنجلترة من حيث انه لم يتأثر برتشاردز مطلقاً، ذلك هو أيفور ونترز.
أن الصورة العامة التي تبرز من وراء ذلك كله هي صورة رتشاردز مؤثراً في كل ناقد جاد معاصر - على وجه التقريب - ونكاد لا نجد فيهم واحداً، إلا أن يكون مريداً مأخوذاً بسحر أستاذه مثل إمبسون، يرافقه موافقة مطلقة، بل أكثرهم يهاجمه بمرارة من اجل مسائل محددة أو عامة. والناس فريقان في الأنظار إليه فأما الدوائر الشعبية - في أحد الطرفين - فترى فيه امرءاً " صعب المكسر " (يذكر هو في " فلسفة البلاغة " كيف وصله سيل من رسائل الإعجاب من ملتاثين لا شبهة في لوثتهم حول كتابه " معنى المعنى ") وهو في أقصى الطرف الثاني أي في نظر خير نقادنا مصدر كثير من الاستطلاعات العظمى والأخطاء الفذة. ولكن يبدو انه من غير المعقول أن يقول رتشاردز بهذا القدر من الأثمار ثم يكون خاطئاً بالقدر الذي يحسبونه؛ والرجال الذين استغلوا مصطلحاته ورسائله الفنية وهم يعتقدون انهم في الوقت نفسه يستطيعون أن يطرحوا أفكاره عن الأدب جانباً، إنما هم ضحايا مغالطة منطقية، ذلك لان مصطلحاته ووسائله الفنية هي نفسها أفكاره عن الادب، وشجرة التفاح الخاوية لا تستطيع أن تعطي ثمراً صالحاً كهذا الذي اعطته، فيما يبدو.
بقيت بضعة مظاهر من إنتاج رتشاردز في حاجة إلى جلاء. وأبعدها عن مجال التكهن اهتمامه الكبير بالشرق، فقد كان أستاذاً زائراً بجامعة شنج هوا في بكين، بالصين خلال سنتي ١٩٢٩، ١٩٣٠ يدرس الإنجليزية الأساسية ويدرس الفكر الصيني، ويعمل في إنجاز كتابه عن منشيوس
стр. 502
ثم كان في بكين مرة أخرى عام ١٩٣٧. وفيما بين هذه التواريخ كان مسؤولا، فيما يبدو، عن إغراء إمبسون بالتعليم في الشرق. وقد اهتم رتشاردز كثيراً بالفكر الصيني، وبخاصة فلسفة كونفوشيوس، منذ البدء. ويسجل اليوت في " فائدة الشعر وفائدة النقد " ان كونفوشيوس نجح في الجمع بين زملاء غير متجانسين ويقول:
مما يستحق أن انوه به عابراً أن المستر رتشاردز يشارك في اهتمامه بالفلسفة الصينية كلا من عزرا بوند والمرحوم أيرفنج بايت. هذا وان البحث في محط اهتمام مشترك بين ثلاثة مفكرين، يبدون غير متقاربين، أمر يستحق الجهد فيما اعتقد. وهذا مظهر يشير، على الأقل، إلى محاولة انتزاع النفس من الموروث المسيحي، ويبدو لي أن بين أفكار هؤلاء الرجال الثلاثة تشابها طريفاً.
وأول كتاب من كتب رتشاردز " أسس علم الجمال " يفتتح ويختتم باقتباسات من " تشنج يونج " أي مبدأ التوازن والانسجام، وهذه الاقتباسات هي في الحقيقة عظم نظريات المؤلف ومحور الكتاب. واقتبس رتشاردز في كتبه التالية من كونفوشيوس ومنشيوس وتشوانج تزو وغيرهم بانتظام، وعالج في كتابه " آراء منشيوس في العقل " - بطبيعة الحال - الفكر الصيني على نطاق واسع وأرفق بالكتاب ملحقاً من أربع وأربعين صفحة مكتوبة بالحروف الأصلية. لكن إلى أي مدى يبدو لديه الفكر الصيني هاماً؟ يمكن أن نتصور ذلك من إحدى رسالاته إلى مجلة " بارتزان "، وهي في مقدار صفحة ونصف صفحة وقد صدرها بعبارة مقتبسة من تشوانج تزو ولعلها الرسالة الوحيدة التي نشرتها مجلة أميركية مصدرة على هذا النحو.
وقد يلحظ المرء عابراً، دون أن يغوص متعمقاً الأسباب في تعلق
стр. 503
رتشاردز بالفكر الصيني، أن اعتدال الفكر الصيني واتزانه قد يكونان سبباً وجيهاً في اجتذاب مفكر وقف جهده على التوفيق بين أرسطوطاليس وأفلاطون، وبنثام وكولردج، والمادية والمثالية، والواقعية والظاهرية، والوضعية واللاوضعية، والطبيعية وما وراء الطبيعية (وهو نفسه قد أقر مرة أثر مرة انه يقوم بهذا العمل) .
أن هذا الإخلاص للتوفيق بين المتناقضات الجدلية وللمبدأ المبين في " النقد التطبيقي " حيث تنبثق الحقيقة من بين الأخطاء المتعارضة هو الذي صنع طريقة رتشاردز المتميزة، تلك الطريقة التي يسميها أحياناً كثيرة باسم التعريف المتعدد، والترجمة المتعددة، والتفسير المتعدد (ونسميها نحن " المعنى المكثر ") . وكل كتاب من كتبه يمثل " مائدة) فكرية تجلس إليها كثير من الآراء المتعارضة. فأما " أسس الجمال " فيرتكز على فهرسة مصنفة مفسرة لكل تعريف قيم من تعريفات " الجمال ". وأما " معنى المعنى " فيعيد في أساسه هذا الشكل المفهرس من التصنيف ويقوم بنفس المهمة حول كلمة " معنى " كما يوجد كل مصطلح ضروري عن طريق التعريف المتعدد، في ترجمة من الإنجليزية إلى الإنجليزية. ويعتمد " مبادئ النقد الأدبي " بقوة على جمع تعريفات الآخرين للمسائل التي يبحثها رتشاردز، ومنها يستنبط تعريفه، فثلما فعل في تعريفه المشهور " للقصيدة ". ويورد " آراء منشيوس في العقل " تفسيرات متعددة لعبارات مستمدة من منشيوس حتى هربرت ريد، ويجمع القرارات المتعددة لمصطلحات مثل " جمال " و " معرفة " و " صدق " و " نظام "، ويقوم " رأي كولردج في الخيال " بأداء الشيء نفسه في كلمة " خيال ".
وكل كتبه، بما في ذلك مؤلفاته في الإنجليزية الأساسية، ترتكز على التمييزات المتعددة أو التعريفات للكلمات الرئيسية بالإنجليزية الأساسية، فمثلا ليس " التفسير في التعليم " مشبهاً " للنقد التطبيقي " من حيث انه " مائدة "
стр. 504
للمسودات فحسب، بل أن رتشاردز نفسه يملؤه بالترجمات المتعددة لجمل تبدو بسيطة. وقد يلحظ المرء هذه الظاهرة نفسها في شكل أوضح وهو غرام رتشاردز في استعمال المقتبسات التصديرية (هذا المظهر مبالغ فيه بعض الشيء في الرسالة التي كتبها إلى مجلة بارتزان) فكتاب " معنى المعنى " يبتدئ بإحدى عشرة اقتباسه تصديرية على الصفحة المواجهة للصفحة الأولى. وكل فصل يفتتح باقتباستين أخريين أو بثلاث. ويكاد كل فصل في كل كتاب ألفه يكون مفتتحاً باقتباسه جديدة أو اثنتين أو ثلاث وينتج عن هذا كله أن يحوي الكتاب من كتبه مجموعة مختارة من أفكار هذا أو ذاك. وإذا أدرك المرء أن هذا، على وجه الدقة، هو ما عمله أوغدن بانتظام من اجل الفكر الحديث - على الأقل - في السيكولوجيا التركيبية وفي " المكتبة الأممية للسيكولوجيا والفلسفة والمنهج العلمي " وفي سلسلة " تاريخ الحضارة " وفي مجلة " نفس " وفي النشرات النفسية المبسطة Psyche Miniatures وفي مكتبة الإنجليزية الأساسية وفي غير هذه كلها - إذا أدرك المرء ذلك كله أحس بمعنى توحيد الجهود بين الرجلين وأثره في الإكثار من المقتبسات التي تتسرب من خلال " المنفذ الضيق " - نسبياً - في الإنجليزية الأساسية. لقد كان دستور كل من رتشاردز وأوغدن، دائماً هو: من صراع الأفكار المتضاربة تنبثق الحقيقة. وهذا الدستور مقنع أكثر من أن يقال: من صراع الأفكار المتضاربة تنبثق الحقيقة إذا كانت تترجم بسهولة في ٨٥٠ كلمة عظيمة.
وهذا يقودنا إلى مشكلة انشغاله بالإنجليزية الأساسية، وهو ناقد أدبي. ولنقل دون تذرع باللطف: يبدو انه ليس ثمة من وجه للتوفيق بين الاثنين، فإذا استمر يعمل بالإنجليزية الأساسية طرح النقد جانباً، وتنازل عن مكانته، مكانة خير نقادنا الأحياء. ويبدو أن مبدأ الإنجليزية الأساسية في النقد، كما لحظنا في الفصل السبق من إمبسون، سطحي
стр. 505
في خير أحواله؛ وهو خداع في شر أحواله، وهو حتى في يدي رتشاردز وإمبسون عقيم لم ينجب استبصارات نقدية ذات قيمة خاصة. وقد أقر إمبسون - متكرهاً - أن الشعر لا يمكن أن يكتب بالإنجليزية الأساسية لأنه بحاجة إلى أفعال مركبة، وبالمثل يمكننا أن نقول أن النقد بحاجة أيضاً إلى أفعال مركبة. الفن " عمل " جدلي ديالكتيكي كما عرف كل امرئ منذ أرسطوطاليس حتى رتشاردز، والنقد أيضاً " عمل " جدلي ديالكتيكي كما عرف كل امرئ منذ أرسطوطاليس حتى رتشاردز، حتى أن رتشاردز بخاصة قد كرس كل مؤلفاته لتأثيل هذه الحقيقة. و " الأعمال " أفعال وتحتاج أفعالا لتصفها وتخبر عنها، أما الإنجليزية الأساسية من الناحية الأخرى فإنها لغة الأسماء، لغة " الحالات " أو " المواقف " تحمل فيها الأسماء كل المعاني، ويحاول المعبر بها أن يقتر في استعمال الأفعال ما أمكنه (نستطيع أن نرى الآن أن بذور هذا الصراع كانت موجودة منذ ان صدر " أسس علم الجمال " وبعد أن عرف أوغدن ورتشاردز الجمال في مصطلح التجربة كله بأنه توازن عضوي " للأعمال " الضمنية انتهيا إلى انه يؤدي إلى " حال " من التوازن العضوي) ولما تطور هذا الميل الجديد في مرحلة الإنجليزية الأساسية كان مصحوباً بانتقالة من أرسطوطاليس إلى إفلاطون، من العمل الواقعي إلى الحال المثالية ومن ثم أيضاً انتقلا من الأخذ بتقييم أرسطوطاليس للشعر إلى تقييم أفلاطون. هل أدرك رتشاردز أي شيء من هذا، من المستحيل لينا أن نعرف مدى ذلك؛ نعم انه خطا خطوة ملموسة واحدة على الأقل لإنهاء هذا الصراع، وتلك الخطوة هي أنه قضى حقبة من الزمن تخلى فيها عن كتابة أي نقد أدبي، ولم ينحرف عن هذه الخطة إلا مرتين صغيرتين.
وتبقى لرتشاردز مهنة التعليم وكانت من قبل غلافاً في إنتاجه فأصبحت
стр. 506
لباً. كان " خلاصنا " من قبل في يد الشعر، فاصبح اليوم في عهدة " التعليم " " اعظم الجهود الإنسانية ". كان " معنى المعنى " يصوب إلى مهنة التعليم نظرة قاصمة، مهيئاً مادة تجعل افراد هذه المهنة " يفكرون " (كان بمعنى من المعاني نكتة " عملية " طالما أحتبسها الأستاذ في صدره حتى طبقها على تلامذته) أما " التفسير في التعليم " فانه إسهام في " مكتبة أصول التدريس " وهناك نوع من الكتابة غير موجودة في تلك المكتبة "؛ يقول رتشاردز:
أنه هو ذلك الوصف الذي قد يتناول بصراحة ونزاهة طرق الأساتذة في تصحيح إنشاء طلبتهم ومناقشتهم فيه، ويفصل في التفسير الذي يقدمانه حول تلك التصحيحات؛ ولو انك قارنت المجلات التربوية الفنية بالمجلات التي تتحدث عن طب الأسنان، في هذه الناحية، لوجدت الأولى هزيلة رديئة. ذلك لأنها تزخر بالتفسيرات المكرورة للمبادئ، ولكن أين نستطيع ان نجد تاريخ القضية الذي يفصل العلاج الموصوف لفقرة مضطربة؟ ان طبيب الإنسان قادر على أن يدل زملاءه كيف يعالج سناً متعفنة، أما المدرس فانه فيما يبدو لا يرضى أن يعترف في إسهاب، بكيفية نقده لمقال رديء. ذلك لأنه إن فعل ذلك، أثار من حوله تعليقات قد تكون مربكة، ولكن الرجل المؤمن بمبدأه لا يجفل من ذلك. والمعلومات التي قد تنتج من تنظيم دراسة الاضطرابات الهامة وسوء الفهم - بحيث تصبح مظاهر منظمة في الأدب المحترف، كما ينظم وصف الإجراءات في المجلات المتصلة بطب الأسنان، - أقول أن تلك المعلومات قد تحدث ثورة في التطبيق. وإذا تم هذا، صح لنا حينئذ ان نفيد من أخطاء بعضنا البعض، مثلما كان
стр. 507
أطباء الأسنان - وما زالوا - يفيدون.
حقاً عن هذا نوع من الانحدار نزل فيه رتشاردز من ناقد جرئ يريد " أن يبعث في الشعر إنعاشاً عاماً " إلى رجل يقارن، الطرق " الهامة " التي تستعمل في تثبيت سن متعفنة. ثم مضى ينزل في سلمه الجديد، بعد ما تغير ميزانه حتماً، فإذا به ينتهي في النهاية إلى رجل يسهم (١٩٤٠) في المونوغرافات التربوية عن " القراءة وتطور الطالب " أو ينافس مورتمر أدلر، والتفاهة التي تسمى " مائة كتاب عظيم " و " كيف نقرا كتاباً " How To Read a Book (وقد زينت هذه قراءة كتابه نفسه، مع تحفظ واحد هو انه لم يدلنا " كيف نقرا كتاباً ") فيقدم في الرد على هذه التفاهة، تفاهة جديدة سماها " مائة كلمة عظيمة " و " كيف تقرا صفحة " (وهو يوحي بان " وصفات " عصبة أدلر قد لا تتعمق جذور المشكلة) .
أن رتشاردز ذو نصيب من سعة الإطلاع هائل يكاد لا يساويه فيه احد، فليس هو فحسب ملماً بالأثني عشر ميداناً التي أشرنا إليها قبلا، وجعلها ملكاً له، بل انه يكاد أن يكون قد غزا كل مجال آخر من مجالات المعرفة. ولنمثل على ذلك بنقطة صغرى فنقول أنه ليس كفئاً فحسب ليقتبس من الطبيعيات النظرية بثقة نفسية، ولكنه قادر أيضا على أن يقتبس " المادية والنقد التجريبي " بنفس تلك الثقة. غير إن اتساع معرفته قد تمخض، في الوقت نفسه، عن عجز يحول بينه وبين أن يتمسك بوجهة من وجهات النظر في وقت ما، ذلك لأن نسبية الفكرة التي ترى أن كل وجهة نظر فهي صحيحة نوعاً ما، تستتبع حتماً إن أية وجهة نظر لا يمكن أن تكون تماماً صحيحة.
وقد كان لدى رتشاردز دائماً نوع من التهاون الغريب الولوع نحو الأفكار (وهو هذا المظهر من التهاون الذي قد يحشي هوامش " معنى
стр. 508
المعنى " " بحكايات احتقارية " عن الذوق المشبوه) وهذا بمعناه الواسع عدم تقدير للمسؤولية الاجتماعية لا تلمسه ولا تلطفه المسؤولية الاجتماعية، بل تكريس الجهود التي نراها في تهيئة الثقافة والحكومة العالمية والسلم للعالم، وذلك بوقف حياته كلها على التعليم والإنجليزية الأساسية. فبهذا المعنى الواسع يصبح " الإكسير " الشافي الذي يصور أقصى المسؤولية لا مسؤولا لأنه في الحقيقة يحتقر هذا العالم الكبير المعقد إذ يفترض يمكن أن يعالج " بدواء " واحد.
أما الشعر الذي كان طريق " خلاصنا " فلم يكن ذلك النوع من الإكسير عند رتشاردز، لأنه يتضمن كل تعقيدات العالم ومتناقضاته، وكانت مهمة الناقد، أن يزيد، من خلال الحب والجهد. القدرة العامة على تحقيق التجربة الشعرية في شكلها الكامل لا أن يبسطها أو أن يترجمها ميسراً. وقد ظل رتشاردز حتى في أشد أحواله تعلقاً لالعلم، المثل الأعلى للرجل الذي نجته خصائصه الشخصية من صرامة طريقته نفسها (ظاهرة إنجليزية يمثلها على نحو اقل كل من مود بودكين وكودول) فكانت النتيجة النهائية من كل آلية معنى المعنى "، كما تقدم القول، إعادة الأحوال والظروف " التي يمكن في ظلها إنعاش الشعر " وهدف كتاب " المبادئ " إلى شعر أحسن، وتجربة أحسن، يجعل الشعر " اقدر "، وبتعميق المتعة فيه " في مناسيب كثيرة ". وألح كتاب " العلم والشعر " على " معرفة حارة بالشعر " فتلك هي ما يحتاجه الناقد بالإضافة " إلى قدرته على تحليل سيكولوجي هادئ ". ولما طبعت مجلة فوريوزو (ربيع ١٩٤٠) رسالة من رتشاردز إلى تلميذه السابق رتشاردز إبرهارت عن قصيدة لإبرهارت عنوانها " تأمل " كانت تلك الرسالة نقداً بانياً فنياً مباشراً، من النوع الذي قد يكتبه شاعر لآخر، وهي مليئة بمعرفة " حارة " في الشعر واهتمام بالغ به. أما الانطباع الذي قد تتركه محاضرة
стр. 509
برنستون " تفاعل الكلمات " في نفس القارئ (وهي آخر نقد نصي لرتشاردز يتناول قصيدة، فيما أعلن) فهو إلى أي درجة كانت " الذكرى السنوية الأولى " للشاعر دن عجيبة مدهشة بالغة القيمة في نفس رتشاردز.
أن الذين نقدوا رتشاردز بحدة (إلا القليل النادر منهم) قد كانوا ينهون نقدهم دائماً بتقديرهم بكفاءاته الشخصية ودقة إحساسه بالشعر. فكتب بلاكمور يقول: " ناقد محبوب لا ينافسه أحد في حبه للشعر ومعرفته به ". ويقول تيت: " أما قواه العقلية الكبرى وعلمه واحتفاله بالشعر - وهو احتفال معوق بعض الشيء، وأن كان متميزاً اليوم مثلما كان قبل خمسة عشر عاماً - إنها كلها خصائص من النزاهة الفكرية التي قلما تقع عليها في أي عصر ". وينتهي هربرت مللر إلى هذا القول: " كانت النزعة الكبرى في تفكيره أن يقيم بين الفن والرغبات الكبرى الأخرى علاقة حية، ويحقق بذلك حرية أكثر وكمالا أزيد في الحياة ". أما آرثر ميزنر فانه يقول عنه في سياق هجومه الحاد (المجلة الجنوبية، خريف ١٩٣٩) : " لقد حاول المستر رتشاردز، كأي امرئ في عصرنا يبذل من الجهد ما وسعه، أن يثير نحو الشعر رغبة واضحة نبيلة ". وينتهي إلى قوله: " أن المستر رتشاردز في خير أحواله عزيز القرين ". ومن ثم ترى ان هناك إطراء عاماً للرجل نفسه، مثلما وجدنا استفادة عامة من نقده وهجوماً عاماً على أفكاره. ومن المجمع عليه أن شخصيته وذكاءه وإحساسه وظرفه، أمور قد خلصت نقده من أي خطر واجهه، وكل ما نرجوه أن تنجيه الآن من آخر الأخطار وأشدها ضرراً، اعني التضحية بالنقد من اجل " الإكسير " الذي يخلص العالم، وإذا عجزت تلك الخصائص، وإذا لم يعد رتشاردز إلى نقد الأدب، فما يزال لدينا في كتبه الأولى إنتاج يضاهي اجمل ما أنتجه عصرنا، وإنتاج آخر يخطف البصر، فائضاً عنه. وهذان الاثنان ليسا في خطر.
стр. 510
الفصل الحادي عشر
كنث بيرك
والنقد المتصل بالعمل الرمزي
١
- كان كنث بيرك يصر أحياناً على أن الكتاب جملة واحدة امتدت واستطالت، فان صح هذا كانت الطريقة النقدية تهيئة للمادة التي تتناول تلك الجملة. وفي الحق أن لدى بيرك عدداً من الجمل أي لديه عدد من الطرق النقدية في كل كتاب من كتبه ولكنا لو اخترنا جملة واحدة منها نحدد بها طريقته لكانت هي قولة: إن الأدب عمل رمزي: كلمتان اثنتان تطور بينهما فكان في البدء يؤكد " الرمز " وكان في أواخر أيامه يؤكد " العمل " وقد استعان بما قيض له من غنى وخصب على أن يستغل كل " الحيل " النقدية، فأما أن نجعله ممثلا لكل مظهر من مظاهر النقد الحديث وأما أن نحده إعتسافاً باتجاه واحد فنتخذه ممثلا للتعبير الرمزي الذي كان خير ميادينه وفيه بز من عداه من النقاد فلم يدرك أحد منهم شأوه. ولقد كتاب ذات يوم مقالا بعنوان " مشكلة القيمة الذاتية " ثم جعله ملحقاً بكتابه " نحو الدوافع " وفيه يقول دون حيطة أو تهيب: " بدأت الحديث عن
стр. 511
ثلاثة ميادين هي: النحو والبلاغة والرمز وأنا أرى إن النقد الحديث ربما لم يستطع ان يقدم شيئاً جديداً حياً لدارس الأدب إلا في الميدان الثالث ". بيد أن هذا القول غير صحيح - وأن استغل معنى الحيوية في عبارته هذه - ويشهد كتابه على عدم صحته، ولكن مهما يكن من شيء فهو يشير إلى الجدة المدهشة التي تبدت في دراساته للعمل الرمزي حتى أن من يقرؤه لأول مرة يحس إحساس من استكشف أرضاً جديدة لم يكن رآها من قبل خلف منزله.
وأول كتاب نقدي أصدره بيرك سنة ١٩٣١، عنوانه " مقولة مضادة " Counter Statement وفيه وضع أكثر المبادئ والاتجاهات التي طورها من بعد وسماها " مضادة " لأنها كانت حينئذ (وما تزال) تمثل رأي الأقلية. وهذا الكتاب مجموعة من المقالات: بعضها مما نشره في المجلات ثم أعاد فيه النظر، وهي بعامة تتناول مشكلات أدبية عامة وتشتمل المنهج السياسي المتضمن في مبادئه النقدية، وتدور حول أدباء بأعيانهم وهم فلوبير وباتر ودي غورمونت ومان وجيد. ولا يزال مبدأ " العمل الرمزي " فيها في بدايته إلا أن بيرك دائم التلميح غليه كأن يقول: أن اهتمام جيد بالشذوذ الجنسي جعله من السياسيين الأحرار لأنه درب لديه إحساسه بالمفارقة والتفرد. أما غورمونت فان مجاوزته الحد فيما يكتب غنما نجمت عن عزلته وكونه مصاباً بالجذام. ويقول أيضاً: أن كاتب السيرة يستقطب مشكلاته الذاتية حين يختار أن يكتب عن نابوليون، وهلم جرا. كذلك فان بيرك يلمح إلى بعض الطرق والوسائل التي سيطورها من بعد في دراسة العمل الرمزي ومن أبرز تلك الطريق جمع الصور في قرائنها، كأن يلحظ كيف تعبر كلمة " المستقبل " عند شيكسبير عن نذر الشر - أي توحي بقرائن سيئة - بينا هي توحي بالثقة عند براوننج، وكيف تكون كلمة " العفريت " عند كيتس موحية بالغلبة والسيطرة بينا هي عند
стр. 512
تنيسون مقترنة بالأمان وانعدام الأذى.
غير أن اهتمام الكتاب متوفر على البلاغة، واصطلاحاته متوجهة إلى التفرقة بينها وبين النحو: فهناك التفرقة بين " خطابي " و " واقعي "، وبين " سيكولوجية الشكل " و (سيكولوجية الخبر " وهكذا. ولست تجد في الكتاب حديثاً صريحاً عن " الرمز " بل أن بيرك ليقول ان الفن ليس تجربة وإنما هو شيء مضاف إلى التجربة، وحين يقول ذلك يؤكد مبدأ معارضاً لمبدأ العمل الرمزي، لكنه حين يعود فيهاجم العلية القاتصادية، يعود فيضع نواة المبدأ الثاني هذا - مبدأ العمل الرمزي - فيقول:
" إن الفن أو الأفكار فيه " تعكس " موقفاً ما لأنها - بمعنى من المعاني - تعالج موقفاً ما. فإذا حل امرؤ مشكلة لم يجز لنا ان نقول إن حله لها " مسبب " عن تلك المشكلة. نعم إن المشكلة نفسها قد تحدد طبيعة حله ذاك، ولكنها تستغلق على الحل إلى الأبد إلا إن " أضاف " شيئاً إلى الحل. ومثل ذلك يقال في طرق المشاعر أو طرق النظر التي يستغلها المفكر أو الفنان في معالجة موقف ما. فان كلا منهما يستغل مجموعة من الألفاظ ويكشفان عن رموز يحاولان من خلالها الإحاطة بالموقف، ويظهران نحو الموقف نزعات تكيف أنواعاً من العمل، وكل هذه الأمور ليست " مسببة " عن الموقف الذي يضطلعان بمعالجته ".
ماذا هنا في هذه العبارة سوى الإيمان بان الآثار الفنية " خطط عسكرية " للإحاطة بالمواقف المختلفة - أي أنها عمل رمزي.
ولهذا الكتاب الذي نتحدث عنه أهمية أخرى سوى إشادته بدور البلاغة في الفن وتلميحه إلى الرمز، وتلك هي انه يدافع عن الشعر ضد من ينتقصونه على نحو لم يضطلع به سدني وشللي لان خصومهما المتنقصين للشعر كانوا اقل حذاقة ودراية. عشر صفحات كاملات يدبجها بيرك ليميز أخلاقياً بين توماس ومان وأندريه جيد ثم ينتهي من ذلك إلى
стр. 513
تحكيم الحد الفاصل بينهما استهانة بقيمته. ويسود صفحات أخرى يظهر فيها من خلال النغمة الساخرة الغايات التي يراها مرامي للحياة الفاضلة.
ذلك هو الكتاب الأول. أما الكتاب الثاني فعنوانه الرئيسي هو " الثبات والتغير " وعنوانه الفرعي: " تشريح للغايات ". وقد ظهر عام ١٩٣٥، وهو أقل كتبه حظاً من الصبغة الأدبية. ومن العسير أن ننسبه إلى فرع من فروع الأدب والعلم: أتراه سيكولوجيا اجتماعية او تاريخياً اجتماعياً أو فلسفة أو اتجاهاً أخلاقياً أو نزعة دنيوية أو ماذا؟ فهو يدور حول " الغايات " أو " الدوافع " المستكنة خلف " النزعات " أو " الخطط ". وهو مؤلف من أقسام ثلاثة: عنوان القسم الأول منها " في التفسير " ويشمل نقداً لمجالات من الحياة لا من الفن، وعنوان الثاني " منظورات من خلال التباين "، وهو كشف عن الطبيعة المجازية للنزعات والخطط وعن مراتب المعاني. والثالث هو " أسس التبسيط " وهو منهج نقدي وضعه بيرك ليوضح الفوضى التي تعرض لها في القسمين السابقين، ويضع لها حداً. فهو إذن كتاب عن المجتمع والعلائق الاجتماعية ولكن محوره " الإنسان الفنان " ولذلك فهو يعالج المشكلات الاجتماعية بمصطلح نقدي شعري فكان الجملة التي أبتدأ بها حتى امتدت واستطالت هي " كل الأحياء نقاد " وكأن القسم الأخير منه يعود فيقول: " كل الناس شعراء ". وفي القسم الثاني منه تعرض بيرك لكل ما يريد أن يقوله عن العمل الرمزي فنبه إلى أن قطع شجرة سامقة - وهو موضوع من احب الموضوعات إلى نفسه - قد يكون تعبيراً رمزياً عن قتل الأب. وان نوبات الدوار الحادة التي كانت تهاجم دارون - مثلها مثل عمى جويس - قد تكون تعبيراً رمزياً عن العذاب النفسي على ما في كتابه من " زندقة " وأن عمالا مثل تسلق الجبال ومصارعة الثيران وبناء الإمبراطوريات كلها تحتوي عناصر رمزية أساسية، وأن مذهب مكدوغل النفسي القائم على:
стр. 514
التكامل - والانفصام إذا ما قسته إلى طبيعة تكوين الإمبراطورية البريطانية بدا لك تمثيلا لها، ومن ثم فأنه مذهب ناجع في علاج المرضى من البريطانيين. وعلى الرغم من هذه التفسيرات الرمزية في الكتاب تجد أن بيرك لم يفارق بعد القول بان الآثار الفنية " خطط عسكرية " بل أن الكتاب لينحو إلى أن يستعمل لفظة خطة بمعنى " حيلة ".
غير أن أهم مبدأ يدور عليه هذا الكتاب هو مبدأ " المنظورات من خلال التباين " وتفسير هذا ان ترى شيئاً ما من خلال شيء آخر ليس هو الأول، وهذا هو المجاز - أو هذه هي العلاقة المجازية - يقول بيرك:
ما دامت وثائق العلوم تتراكم على مر الزمن أليس من حقنا ان نرى كل آثار البحث العلمي بل كل المذاهب العلمية ترديداً مثابراً لمجاز خصب غني - مهما تتعدد تشعباته -. ألم نعتبر حيواناً وثالثة لبنة سياسية أو اقتصادية ثم قلنا انه آلة، وهكذا اتخذنا مثل هذا المجاز بل اتخذنا مئات المجازات رمزاً لصف لا ينتهي من المعلومات والتعميمات.
ويقول بيرك انه لحظ نقل هذه العلاقات المجازية أولا عند نيتشه ثم عند تلميذه اشببنجلر إذ وجدهما يحوران مصطلحاً من قرينته الطبيعية إلى قرينة أخرى، فيتضح مفهومه ولكنه يكون مع ذلك تحويراً جريئاً، كالحديث عما يسمى " التقشف والتبرر العربي " أو ما يسميه اليوت " الروح الرياضية المنحلة " أو ما يسميه فبلن " العجز المدرب ". ويمط بيرك من هذا المصطلح في كتابه أثناء التطبيق حتى ليشمل لديه مبادئ مثل " الولادة الجديدة " وهي العمل الرمزي الأكبر في كتبه الأخيرة، فيقول:
" حين نقيم مجموعة من المعاني الجديدة نرى في الفن نوعاً آخر من
стр. 515
التقاعس والتراجع، ذلك أن الفنان يعود فجأة فيراجع ذكريات شبابه لان هذه الذكريات تجمع في ذاتها عنصري الألفة والغرابة، وربما كانت لحظات هذه الولادة موجودة عند كل إنسان، فهي زاوية جديدة من الرؤى ينجلي لديه فيها ما كان منسياً ويصبح مفيداً ملائماً ومن ثم يعود فيحيا في ذاكرته. ومن ثم ارى أن الولادة الجديدة والنظر من خلال التباين أمران مترادفان لأنهما يمثلان عملية من التحول أو الانبعاث ".
وفي كتاب " الثبات والتغير " أيضاً قسط واف من البحث الأدبي العام أما الإشارات الأدبية الخاصة فإنها تكاد تكون عارضة، لا ترد إلا للتمثيل أو المقايسة، ولا يدور حولها بحث مستفيض. فمثلا يشير بيرك إشارة عارضة إلى رمز الجبل عند نيتشه في " الجبل السحري "، ويلمع إلماعاً إلى بعض ما يستخدمه شيكسبير من وسائل أسلوبية، وإلى أن همنغواي يعمد عمداً إلى وصف العرف بأسلوب جين أوستن الرقيق المرهف ويشير أيضاً إلى عدم جدوى التعاويذ والرقى التي يطلقها كل من سويفت ونيتشه ليطردا " العفاريت " التي تسيطر على نفسيهما، ويلمح إلى موضوع " الهوة الفاغرة " الذي يتردد عند كل من اليوت وملتن وهارت كرين وينبه إلى سعي لورنس لإقامة " البناء الكوني الأخلاقي ". ولا يقتبس بيرك شيئاً من نثر أو شعر اللهم إلا اقتباساً من قصة عنوانها " الأصحاب " من تأليف أدوين سيفر ومن عجب انه يقف عند هذه القصة الاجتماعية ويناقشها في شيء من الإسهاب.
وحسبنا هذا التعريف بالكتاب الثاني. أما الكتاب الثالث فعنوانه " نزعات نحو التاريخ " Attitudes Towards History - وقد نشر عام ١٩٣٧ وهو احفل كتبه بمصطلح العمل الرمزي وسنتحدث عنه فيما يلي بشيء من الإسهاب. ويليه من حيث الزمن كتاب رابع عنوانه " فلسفة الشكل الأدبي " The Philosophy of Literary Form وقد ظهر في عام
стр. 516
١٩٤١ - وعنوانه الفرعي " دراسات في العمل الرمزي " وقد نعده ملحقاً للكتاب الثالث يوضح مبادئه النظرية ويضعها في مجال التطبيق العملي. وإذا استثنينا منه المقال الذي يحمل عنوان الكتاب نفسه، فانه لا يعدو ان يكون مجموعة من المقالات والمراجعات التي نشرها صاحبها في حقبة سابقة. أما الوشيجة التي تربط بين تلك المقالات فهي دورانها جميعاً " حول العمل اللغوي أو الرمزي أو الأدبي ومحاولتها إيجاد طرق أدق لتحديد مثل ذلك العمل " وبعبارة أعم " تحديد العمل الأدبي المفرد بعون من نظرية تفسر العمل الأدبي العام ". ولا تزال همة بيرك معلقة بما يسميه " الخطط) أو " النزعات ". إلا أن هناك تطوراً في طبيعة المجاز الذي يستعمله فقد كان يقول في الكتاب الأول أن " الإنسان خطابي " وقال في الثاني: (الإنسان فنان " وفي الثالث " الإنسان ذو رموز " في الرابع: " الإنسان محارب ". وأول صفحة في كتابه الرابع هذا تحاول أن تفرق بين ما يسمى " خططاً " وما يسمى " مواقف " وقد جاء فيها:
" أريد بادئ ذي بدء لا فرق بين " الخطط " و " المواقف " لأني أرى الشعر (والشعر هنا كل اتجاه تخيلي أو نقدي) اتخاذا لمختلف الخطط من اجل الإطاحة بشتى المواقف. وتلك الخطط هي التي تعين قيمة المواقف وتسمي بناءها وتعدد عناصرها البارزة. وهي حين تسميها أو تعددها تنطوي على نزعة ما نحوها.
وهذه النظرة لا تلمنا بأي وجه إلى الذاتية الشخصية أو التاريخية، ذلك لأن المواقف أمور واقعية والخطط التي تعالجها تتضمن محتوى عاماً، ومهما تتداخل المواقف بين فرد وفرد وبين حقبة تاريخية وأخرى فذلك لا يؤثر على طبيعة الخطط نفسها لأنها تتمتع بعمومية تجعلها صالحة لكل فرد وكل زمان ".
стр. 517
وفي ذلك الكتاب مقال عنوانه " الأدب حين يكون عدة للعيش "، وهو يتضمن محاولة لتحديد النقد الاجتماعي - أي النقد المعتمد على علم الاجتماع - وفيه يقترح بيرك أن يصنف الآثار الفنية حسب مصطلح الخطط الأساسية التي يجدها في الأمثال: فهي " خطط لاختيار الأعداء والأصدقاء، والتجنب العين - عين الحسود - وللتطهر والتكفير وللتقديس وللتبصر والانتقام وللوعظ والإنذار ولهذا أو ذاك من التعليمات والأوامر ".
وهذه الخطط وغيرها هي الأعمال الرمزية الأساسية في الفن، ويعرف بيرك العمل الرمزي بأنه " رقص النزعات والميول " ويحاول أن يميز بعناية بين هذا العمل الرمزي وما هو عمل " واقعي "، فيقول:
ثمة فرق - فرق جوهري - بين بناء بيت وكتابة قصيدة عن بناء بيت، ثمة فرق بين كتابة قصيدة عن إنجاب الأطفال، وإنجاب الأطفال، فهناك أعمال عملية واقعية وهناك أعمال رمزية، (وفي هذين الطرفين المتباعدين يتضح الفرق بينها دون عناء، ولكنا يجب ألا نغفل عن هذا الفرق في المنطقة المتوسطة حيث تتخذ بعض الأمور العملية لنفسها عنصراً رمزياً كأن يشتري شخص شيئاً لا ليستعمله فحسب بل ليكون ما اشتراه شاهداً على انتسابه إلى طبقة اجتماعية معينة) .
ويصنف بيرك العمل الرمزي في ثلاث مراتب: المرتبة الأولى هي الجسدية أو البيولوجية وتشمل نطاقاً واسعاً يمتد من الأرق إلى التجربة الحسية الكاملة التي يمارسها المرء نحو قصيدة ما كالإحساس بالظمأ عند قراءة قصيدة " الملاح القديم "؛ والمرتبة الثانية هي الشخصية أو العائلية وتتضمن العلاقات بالأبوين وغيرهما من الأشخاص الأقرباء؛ والمرتبة الثالثة هي مرتبة المجرد كالانضواء القائم حول رمز الولادة الجديدة. غير إن مصطلح " رمز " هذا موشح بالغموض ولذلك يقترح بيرك أن يضع
стр. 518
بدله لفظة " تعدادي " أو إحصائي بمعنى إن النظرة الإحصائية لعدد من الصور أو لعدد من الآثار تكشف عما فيها من قيمة رمزية بينما يكون الأثر الواحد أو الصورة الواحدة شيئاً " عملياً " لا رمزياً. فإذا درسنا مجموعة من الصور المتداعية أو المتكاتفة، تبينا من ورائها مبنى الدوافع وهي فعالة فيها. وفي آخر هذا المقال نفسه يعدد بيرك الوسائل السريعة التي تعين على دراسة الخطط الشعرية التي يستعملها في كتابه كله. وتشمل هذه الوسائل فيما تشمل " أفراد الخطة الدرامية " والحصول على " المعادلات " المكملة لها في الأثر الفني؛ والتنبه " للنقاط الحساسة " أو " اللحظات الفاصلة " وبخاصة البدء والختام والحل والتعسر وضعف الدوافع والقوة في التنظيم الدرامي؛ وإدراك صور " المخاض " أو الولادة الجديدة، وأخيراً إيجاد " الميزة الفارقة " التي تسم كل عمل رمزي في الأدب بسماته المتفردة.
ويستحدث بيرك في كتابه " فلسفة الشكل الأدبي " مصطلحات جديدة أهمها ما يدور حول مبدأ " القوة " حيث يربط بين كل أنواع القوى في مختلف الميادين حتى ليستطيع كل مصطلح منها أن يقدم للآخر خدمة رمزية. ومن أهمها أيضاً تسمية العناصر الثلاثة في الفن، وهذه العناصر هي: الحلم الذي يمثل العوامل الرمزية؛ والصلاة التي تمثل العوامل الخطابية؛ والمخطط أو عوامل التقويم الواقعي (وربما كان هذا العنصر موافقاً لما يسميه العنصر النحوي) . ومن خلال المصطلح الذي يدور حول " القدوة " استطاع بيرك أن يتنقل من الميدان الأدبي إلى الميدان غير الأدبي مستغلا العمل الرمزي حتى إن المرء - حسب تعبيره ليستطيع: " أن يتزوج أو يغتصب بفن السياسة، ويعلن الحرب بالجدال، ويتفوق عقلياً على غيره إذا استطاع الحصول على مميزات اجتماعية، ويحل ويربط بالمعرفة، ويبرز عضلاته بدخله الاقتصادي؟ الخ "، أما في تلوث الحلم والصلاة والمصور
стр. 519
فإنه يستطيع أن يقيم التوازن بين الرمزي والخطابي والنحوي حين يعالج أي أثر فني.
ثم يغفل بيرك كيف يكون الأثر الفني مؤثراً في القارئ أو كيف يكون معبراً عن منشئه ويكتفي بالنظر إليه في ذاته، في ماهيته، في كيفية تكونه، أي يتجه إلى استغلال وسائل التحليل النحوي دون ما عداها. ومن أمثلة هذا النوع دراسة له عنوانها " في موسيقية الشعر " وفيها كشف حاذق للآثار الصوتية في الشعر، كشف لا يتنبه له الناس ولا يلحظونه ويتضمن أشياء مثل الإشباع والتصغير والتفريغ النوعي وما أشبه. وأكمل قطعة يوردها بيرك مثلا على تحليل كتاب مفرد هي القطعة التي حلل فيها كتابه " كفاحي " Mein Kampf لهتلر وبنى تحليله هذا على ثالوث: المخطط والحلم والصلاة، وقد أبان هنالك بمصطلح نحوي خالص إلى أي حد كان ذلك الكتاب يعكس وقائع الحال في ألمانية وفي الموقف الدولي، ووضع بمصطلح رمزي إلى أي حد كان هذا الكتاب هو قصيدة هتلر الشريرة الكبرى، ووضح بمصطلح بلاغي إلى أي مدى وبأي أسلوب خلب هذا الكتاب الشعب الألماني حتى إنه تحول بالعمل الرمزي الذي كان يخيل لهتلر إنه سيسيطر على العالم إلى شيء كاد أن يكون واقعياً. ويكشف بيرك عن العلاقات بين هذه المصطلحات وبين كيف إن العامل الرمزي عند هتلر - مثل اتخاذه اليهود كبش الفداء - دخل في صميم هذا الأثر ومن ثم أحدث عند القارئ عملاً رمزياً وإنه خلبه حتى استطاع أن " يتحول " به إلى هذا المعتقد. ويمضي بيرك الفاهم لطبيعة هتلر في هذا حتى يعود المشكلة من صعيدها الرمزي إلى صعيدها الواقعي.
وهذا الذي تقدم مثل من تطبيقه الذي يتمرس بأدب غير صالح، غير إن أكثر دراساته الأخرى تعالج أدباً خالصاً، وليست دراساته الأدبية هنا عارضة وإنما هي من صميم غاياته. فهو يحلل أدب كولردج
стр. 520
مسهباً، بوجه خاص، في تحليل قصيدة " الملاح القديم " متخذاً منها شعيرة درامية ذات أهمية كبرى، ويحلل " ربات الغضب " لأسخيلوس بتفصيل ليصور نوع المعنى الشعري الذي يناقض به المعنى " السمانتي "؛ وهو يدرس بلاغة أياجو متمثلا فيها صورة كاريكاتورية للفن الروائي مثلما يتمثل في بلاغة أنطونيو انتصاراً بارعا لهذا الفن. ثم يعالج قصتين معاصرتين إحداهما " الراكب المدلج " Night Rider من تأليف روبرت بن ورن والثانية " عناقيد الغضب " The Grapes of Wrath لجون شتاينبك ليمثل بهما على الوسائل التحليلية السريعة التي يسميها هو " البصمات "؛ ثم هو يحلل الأدباء ابتداء من هوميرس ولكريتس حتى فلوبير ولويس كارول في سبيل الكشف عن مشكلات نقدية أخرى ثم يجعل للكاتب ملحقاً يضمنه مراجعات ليوضح بعض تطبيقه النقدي في مجال القصص والشعر والرواية، بل والرسوم، في هذا العصر.
وآخر كتبه هو " نحو الدوافع) ، صدر عام ١٩٤٥ وهو أول ثلاثة كتب تتناول العلاقات الإنسانية ويسمى الثاني منها " بلاغة الدوافع " كما يسمى الثالث " رمزية الدوافع " وغاية هذه المجموعة هي الكشف الشامل عن الدوافع الإنسانية وعن أشكال الفكر والتعبير التي تقوم من حول تلك الدوافع وعن غاياتها القصوى التي تتلخص في تخليص العالم من الحرب أي الوصول من طريق الفهم والتفاهم إلى إقصاء كل أنواع الصراع. ومفتاح هذه الدراسة هو " الدراما " أو " النزعة الدرامية "، والمصطلح الذي يستعمله في التحليل هو مصطلح الدراما ويشمل الأركان الروائية الخمسة أي: الفصل والمشهد والممثل والمكان والغاية. أما " النحو " الذي يشمل في المقدمة بضع مئات من الكلمات، تزايدت من بعد حتى بلغت مائتي ألف كلمة - أما ذلك النحو فانه وقوف عند العلاقات الداخلية القائمة بين هذه الاصطلاحات الخمسة و " إمكان تحولها وتنقلها، والمدى الذي
стр. 521
تستطيع فيه أن تتبادل فيما بينها أو تتجمع مترابطة "، حسبما تتمثل فيما يقال عن الدوافع الإنسانية وبخاصة في مجالات المبادئ " اللاهوتية والميتافيزيقية والتشريعية ". أما البلاغي الخطابي فيعالج أثر القول في الجمهور ويستمد مادته من المقامات البرلمانية والسياسية ومنافسات المحررين وأساليب البيع والمزايدة وأحداث " المناوشات الاجتماعية "، أما الرمزية فيتناول مظاهر التعبير النفسي ويستمد مادته من " أشكال الفن وأساليبه ".
وليس من أهداف هذا الموضوع بل ليس في طوقي أنا أن اعرض معالجة بيرك لكبريات النظريات الفلسفية التي استحدثها الإنسان، وحسبي أن أقول هنا أن غايته لم تكن استخلاصاً لخير ما في تلك النظرات أو دفاعاً عنها بل كانت تشيخصاً لها أو " وضعاً " لها في مواضعها، ليستمد من كل فلسفة مفتاحها. كتب يقول: " ليست غايتي في هذا العصر أن ألخص الفلسفات القديمة أو أتحدث عنها ولكني أحاول أن أجد مصطلحات تعد مفاتيح لها جميعاً ". وكانت محاولته في أن يضعها جديداً تتطلب منه أن يبحث عن المجاز الذي يفتح أمامه سر كل نوع من أنواع الفلسفة فافتتح كتابه بالمجاز الذي يفضي إلى مسالة الخلق " الله خالق) ، وانتهى إلى الدساتير السياسية (الإنسان مشرع) بينا كان عظم الكتاب يدور حول الدراما باعتبارها مفتاحاً (أي الإنسان ممثل، وهذا خير من المجاز القديم الذي كان يقول فيه: الإنسان محارب) . وباتخاذه الدراما مفتاحاً فلسفياً استطاع بيرك أن يدرس الأحوال الإنسانية من أتفه صورها حتى يبلغ أقصاها في دراما الخلق والتكوين.
ولم يتهيب بيرك اتساع الفكر الفلسفي بل ذهب يستمد مادته التحليلية من جميع المصادر حتى انه لم يتورع ان يستشهد بذكريات من سلوكه الفردي فهو يذكر مثلا كيف قرأ سانتيانا ورأى في المنام انه سائح يلبس الملابس البيض على شاطئ المتوسطة، ولم يستكبر ان ينقل ظنونه والخطرات اللاشعورية التي كانت تعتريه، وأن يقتبس ملاحظ وأسئلة
стр. 522
وأحلاماً مما كان يطالعه به أطفاله ليوضح مشكلات الفلاسفة. وكثيراً ما كان يوضح اللفظة بالنظر في أصلها القديم وجذرها.
وبالرغم من أن كتابه هذا مخصص " لوضع " الفلسفات في مواضعها فانه ضمنه قدراً مدهشاً من الحديث عن الأدب وبدأه وختمه بالحديث عن إبسن، فتناول في أوله مسرحية " عدو الشعب " لإبسن وحلل في آخره " بير غنت ". وفي سياق الكتاب اقتبس أمثلة من شعر بوب ووردزوث، وأدب كودول وهمنجوي ورتشارد رايت، ودرس حوار " الفيدروس " ليصور قيمة الديالكتيك.
وبعد أن صدر كتاب " فلسفة الشكل الأدبي " أنتقده رانسوم وأبدى ارتيابه في أن تكون الطريقة المسرحية صالحة لتناول الشعر الغنائي. وتلقى بيرك هذا التحدي فحلل قصيدة شللي " أغنية إلى الريح الغربية " وقصيدة وردزورث " على جسر وستمنستر " وألحق بالكتاب ثلاث ملاحق ليصور كيف يمكن تطبيق الطريقة المسرحية على الشكل الغنائي فكان الملحق الأول " مشكلة القيمة الذاتية " وفيه حديث عام على استغلال الطريقة المسرحية في تحليل القصائد الغنائية، والملحق الثاني هو " الدوافع والموضوعات في شعر ماريان مور " وقد طبق فيه مبادئ تلك الطريقة على مجموعة معينة من القصائد الغنائية. أما الملحق الثالث فعنوانه العمل الرمزي في قصيدة لكيتس وفيه عرض لتطور العمل في قصيدة عنوانها " قصيدة في زهرية إغريقية " وهي خير تطبيق مسهب لطريقة بيرك ".
وفي كتاب " نحو الدوافع " بعض القراءات البلاغية والرمزية، فمن أمثلة القراءات البلاغية الخطابية قولهم أن المشرعين يختارون خطة التردد - كتردد هاملت - فيبحثون ويبحثون لكي يتهربوا من الوصول إلى أحكام حاسمة. وإن المنصات السياسية قد تحلل خير تحليل على الصعيد الخطابي لأنها لا تعبأ كثيراً بالنحو. أما الإشارات إلى النواحي الرمزية فمنها قوله:
стр. 523
إن نظريات فلسفة القوة قد تستوحى من " مشكلات الفرد نفسه حين يحس بالفحولة ". وإن رواية " قتل في الكاتدرائية " شعيرة من شعائر التطهير؛ وإن قصيدة سهراب ورستم التي نظمها آرنولد تعكس الوضع المألوف فتجعل الابن يموت بسيف أبه (لأسباب لا تخفى موجودة في ابن توماس آرنولد نفسه) . وأن تساؤل هيوم حول مسألة " النسب " وهو يهاجم مبدأ العلية وإن العقم في ما يستعمله بنثام من ألفاظ إنما يدلان على نظريات " عازبين "؛ وإن فلسفة الذرائعية وما شابهها من فلسفات تتضمن عقدة الميل إلى الأم. أما الفلسفات الغائية فتمثل المرأة الشهوية الناضجة. وإن الانتقال من الشعر إلى النثر في كتاب ما قد يمثل الانتقال من الدور الأمومي إلى الدور العائلي وهكذا.
وقد نشر بيرك بعض المقالات ولم يكن يشد فيها عن مقاله في كتبه. وفي المقالات التي كتبها قبل ١٩٤١ يعيد بعض ما قاله في أمكنة أخرى. إلى مقالة واحدة عن السريانية. وهنالك مراجعات لم يجمعها وهي تتناول النقاد على اختلاف طبقاتهم ومن أهمها مراجعة دراستين صدرتا عن كولردج ١٩٣٩ وفيها استغل بيرك قراءاته الرمزية لكي يظهر التفاهة في تينك الدراستين، وقد هاجم شذوذ كل من كافكا وكيركجرد ورأى إنهما يمثلان " مرحلة المراهقة التي تعيش على جلد عميرة " و " الثورة على الأب " وقال إن هذا شيء تافه إذا قارناه بما لدى كولردج من عمل رمزي.
وله مقالات وقطع أخرى نشرت بعد ذلك منها " طبيعة ثقافتنا " وقد نشرنا في ربيع ١٩٤١ بمجلة Southern Review ومقالة أخرى ١٩٤٢ في المجلة نفسها بعنوان " فعالية الدوافع عند ييتس " وفيها تحليل للشعر الغنائي بطريقة درامية. أما أحدث مراجعاته فإنها تدور حول النقد المعاصر فهو يراجع كتب رانسوم وتيت وورن وغيرهم مع بعض الالتفات إلى المؤلفات التاريخية واللغوية والفلسفية.
стр. 524
٢ - قد يتوهم من يسمع عنوان " نزعات نحو التاريخ " (٩٣٧) أن موضوعه الأساسي هو التاريخ، ولكن الأمر ليس كذلك، بل الأدب هو محور ما فيه، إذ هو دراسة للنزعات الأدبية من حيث هي عمل رمزي أو شعائري. أما كلمة " التاريخ " في العنوان فلا تشير إلا إلى موضع الأدب في المجتمع ولا تدل إلا على تداخل العلاقات في نزعات الأدب نحو " تحول التاريخ " والسياسية والاقتصاد. وتنقسم تلك النزعات في فئتين: نزعات القبول ونزعات الرفض، ومنها ينبثق شيء ثالث يجمع بين خير ما في كليهما، وهذا ما يسميه بيرك: " الهزلي) ، فأما فئة القبول فإنها " سنية المنزع " وتضم كل الفلسفات التي على شاكلة فلسفة وليم جيمس ووتمان وامرسون، والأشكال الأدبية مثل الملحمة والمأساة والمهزلة والشعر الغنائي والأشكال الشعائرية التي يرتكز حول مبدأ " الخوف من الزنا بالمحرمات " والخصاء الرمزي. وأما فئة الرفض فإنها " إلحادية المنزع " وتضم فلسفات مثل فلسفة ميكافللي وماركس ونيتشه، والأشكال الأدبية مثل المرثية والنقد التهكمي والمحاكاة الساخرة والتهجين الساخر والأشكال الشعائرية التي ترتكز حول عقدة " الثورة على الأب ". وأما الفئة التي هي بين بين - أي فئة " الهزلي " فإنها تتضمن تشابك العواطف المتناقضة المتصارعة، وهذه لا تكون خالصة للفئة الأولى ولا تكون خالصة للفئة الثانية. يقول بيرك:
" إن الشكل " الهزلي " ليتجنب كل هذه الصعوبات ويرينا كيف ان كل عمل تزدوج فيه المادة والتجريدية والخيال والمحسوسات المجسدة والتضحية والأثرة، وهو أيضاً يهف إحساسنا حي يصبح بعض هذه العناصر متمدداً متضخماً على حساب بعضها الآخر الذي يذهب منكمشاً متقلصاً. ولا ريب في انه حين يتوازن اثر البيئة يتوازن جانباً هذه العناصر المتضاربة ".
стр. 525
غير إن إطلاق كلمة " الهزلي " على ازدواج ذينك النوعين من النزعات - أو اتحاد القبول والرفض - قد ضلل كثيراً من القراء لان كلمة هزلي تلتبس لديهم بالرواية " الهزلية ". وإنما أوحى إلى بيرك باستعمال هذا المصطلح انه موقف هزلي حقاً حين تجتمع عناصر القبول والرفض في عالم مقسوم إلى فئتين: إحداهما مجموعة مخلوبة بقول: نعم، والأخرى محمومة مخلوبة بقول: لا، وقد كان في مقدور بيرك أن يتنازل عن هذا المصطلح ويتخذ مصطلحاً غيره ولكنه آثره لجرسه، فيما يقول. وأياً كان مصدر هذا المصطلح فانه يمثل القيم التي يؤمن بها بيرك، ويبدو انه لا يشمل فحسب ما هو تهكمي أو إنساني النزعة أو شكي وإنما يشمل أيضاً ما يتمخض عنه مخاض الأمور الدرامية والديالكتيكية.
وتحت هذا الفئات الثلاث من تلك العناصر، مبدأ واحد هو ما يسميه العمل الرمزي وهو العمل الذي يؤديه الإنسان لان له لذة في أدائه على ذلك النحو. وتتركز تلك الأعمال الرمزية في التبريك وتغيير الهوية والولادة الجديدة والتطهير وما أشبه من طقوس سحرية. ويقول بيرك:
" مبدأنا الأساسي هو إصرارنا على أن الرمزية قد تعالج على إنها نوع من التسمية الشعائرية أو تغيير الهوية. أي أن الإنسان بها يكيف نفسه ليتلاءم مع أحداث متلائمة - قائمة فعلا - أو يغير في نفسه ليتكيف مع أحداث جديدة تفرضها عليه الضرورة، دعنا نوضح هذا على نحو آخر فنقول:
أن شعائر التغير أو التطهير تتركز حول ثلاثة أنواع من الصور هي: التطهر بالثلج والنار والتحلل. أما الثلج فيرمز إلى الخصاء والعقم، وأما النار فتوحي بالخوف من " الزنا بالمحرمات " وأما التحلل فيدور حول انبثاق البذرة مرة أخرى من العفونة والسباخ؟ وقد نلحظ أيضاً رمزين للمنظور القائم وهما الجبل والهوة (وقد يختلط هذان أحياناً برموز الجسور
стр. 526
والعبور والترحل والطيران) ويتضمن الجبل عناصر من الزنا بالمحرمات لأنه يرمز أحياناً إلى الأم كما يرمز الثلج على الجبل إلى العنة وإنها عقاب ينزل بمن يقترف ذلك الإثم. وكذلك هو رمز الهوة فإنها تجمع بين الرحم والشرج، والثاني يجمع كل عناصر التطهر عن طريق التحلل والتعفن ".
إذن فعلى هذا ينزع كل عمل فني إلى أن يكون شعيرة موت أو ولادة جديدة مع تغيير في الهوية، وهو تنظيم على هذا النحو أو ذاك بحسب ما يقلبه الفنان أو يرفضه من رموز التسلط. وبهذا الفهم يحلل بيرك ما لا يحصر من الأعمال الأدبية، ومن أكثرها توضيحاً لمبدأه هذا تحليلاته للرموز في أدب توماس مان (وكان مان من احب الأدباء إلى نفسه في كل مراحل حياته) . مثال ذلك انه يرى في " الجبل السحري " شعيرة ولادة جديدة، ويرى هانز كاستروب مهيئاً للعودة إلى المجتمع في النهاية بعد ان قضى سبع سنوات على جبل الأمومة وكان عقابه على ذلك الخصاء الرمزي والموت والولادة الجديدة، إذ قدر له وجود جديد في منظر الثلج - وهذه هي الشعيرة التي عاش فيها مان نفسه وانتحل وجوداً جديداً فاصبح من مشايعي القضية الألمانية في الحرب العالمية الأولى بعد أن كان مسالماً حر الاتجاه. أما " موت في البندقية " و " ماريو والساحر " فإنهما شعيرتان من شعائر الفداء والتطهر لنفس مان الفنان؛ ففي القصة الأولى كان عقاب الأثم الشهواني الذي يمثله آشنباخ هو الموت وفي الثانية قسم مان وجود الفنان شطرين شطر يمثله سيبولا وهو الفنان الردئ، شهوي ومجرم ورمز فاشي وعقابه الموت، وشطر يمثله سارد القصة وهو الفنان الطيب وقد تخلص من الإجرام بسبب موت سيبولا، ولذلك سحره القاص في النهاية مبرأ من العقاب. وأما القصص التي تتناول " يوسف " فإنها ولادة جديدة في الهوة كما إن " الجبل السحري " كان رمز ولادة جديدة على الجبل. وفي هذه القصص انتقل مان إلى جماعية أرحب من
стр. 527
القومية الألمانية السابقة وتطهر من إجرامية الفنان وتخلص منها فاحتقب إجرامية أوسع وهي ازدواج الجنس عند النبي صاحب الفيض والإمداد، ومن هذه النزعة تخلص أيضاً في النهاية.
ويجمل بيرك رأيه في طبيعة الشعائر الأدبية عند الأديب بقوله:
إن تغيير الهوية، وهو العمل الذي يجعل من الأديب شخصاً آخر، ويحفظ له ذاته في الوقت نفسه يمنحه تعقيداً كثيراً في الأحداث، أي يجعله يراها كذلك حتى إنه ليرى " الخبايا التي في الزوايا " ويوشحه بشيء من استكناه الغيب ويمنحه قوة البصيرة، ولا يعنينا هنا أن تكون بصيرته هنا على صواب أو خطأ وإنما الذي يعنينا إنها موجودة هنالك. وهذه البصيرة إما أن تجعله أحكم مما هو أو أشد حمقاً ولكنها في الحالتين تمثل القاعدة التي تنبني عليها فروع عمله وتشعباته ولذلك ترى إن يوسف في قصص مان لم يكن مهيأ النفس للنبوة - أي لارتفاع درجة البصيرة والكهانة عنده - إلا بعد أن ولد من جديد في الهوة.
والولادة الجديدة تعني التكيف للتواؤم مع المجتمع لأنها شعيرة تمكن الشاعر من أن يقبل الضرورات التي خلقتها في طريقه مشكلات العرب والتشاريع. وفي الولادة الجديدة عنصر من التراجع يسبق الانبثاق، وهذا التراجع يشمل معنى عودة الجنين إلى الرحم، و " الثورة الأولى " التي أحدثها الجنين حين أحس أن كهفه أصبح له سجنا ومن ثم فإنك حين تختبر هذه الشعيرة تجد رموزاً مثل " الهوة " ممثلة للعودة إلى الرحم والعودة من الرحم.
وهذا يشمل أيضاً الرهبة والخوف من " الزنا بالمحرمات " لأن الذي كبر في السن يستطيع أن يعود إلى أمه عودة المحب لا عودة طفل لم يخبر بعد النواحي الجنسية؛ وهو أيضاً يشمل الشذوذ الجنسي، رمزياً كان ذلك الشذوذ أو حقيقياً، لأنه يمثل ثورة على " قطبي " العلاقة بين الأب
стр. 528
والأم، ولأن طرح نير الرموز المتعلقة بالتسلط يساوي الذبح الرمزي للأب؛ وكذلك يشمل أيضاً رمزية الخصاء ومشمولات من العنة عقاباً على الأثم الرمزي؛ وقد تشمل العنة أيضاً شيئاً من صور " الخنثوية " لتغير في الهوية أحدثته تلك الشعيرة. والأشكال الأدبية نفسها أعمال رمزية فالتراجيديا شعيرة من شعائر التكفير والفكاهة شعيرة لتخفف من عبء الموقف والهجاء تفريغ لرذائل اللذات على " كبش فداء " ثم التضحية به للتخلص منها. بل إن الأديب ليعبر عن نفسه رمزياً بما يختاره من موضوع فيعبر عن عمق التعاطف في نفسه حين يقتبس من أدباء آخرين ولو كان هو يهاجم، وهو يكتب ما " يسند وجوده ". بل أن أشد المظاهر مسحة عقيلة تتضمن عناصر رمزية كالذي يلحظه بيرك في فلسفة هيوم وبنثام وإنما فلسفة " عازبين " أو قوله إن جهود باستير في التعقيم تتضمن رموزاً من التطهر والخصاء. بل إن أسوأ أي الآثار الأدبية وأتفهها تتضمن مثل تلك العناصر الرمزية فتنبئ عن الحقيقة رغماً عن أنف كاتبيها. ويقول بيرك، كأنما يردد فيما يقوله رأى بليك في ملتن وأن ملتن كان من حزب الشيطان حسبما صوره في الفردوس المفقود - يقول:
قد يعلن الكاتب إنه يساند هذا الرأي أو ذاك فإذا قرأت آثاره وجدته يعلي من شأن العاندين المعادين لذلك الرأي يصورهم بأحسن مما يصور معتنقيه. وهنا تمكن حقيقة موقفه في ذاك الرأي.
ويقول في موضع آخر:
إذا عددنا مجموعات الصور وجمعناها معاً اهتدينا إلى العناصر الهامة المختفية في اللجج الرمزية، وعندئذ استطعنا أن نكشف عن " الموقف الحقيقي " للمؤلف، حيث يفتضح الكذب ولا ينطلي على أحد. فإذا جعل الكاتب شخصياته الفاضلة
стр. 529
بليدة وصور شخصياته الشريرة بقوة فإن فنه قد انحاز إلى جانب الأشرار بالرغم من " موقفه المزور " الذي يعلنه على الناس. وإذا تحدث كاتب عن " المجد " واستخدم في ذلك صور " الدمار " حكمنا إن موضوعه الحق هو " الدمار ".
كيف نهتدي إلى الكشف عن العمل الرمزي في آثار هذا الفنان أو ذاك؟ يقول بيرك:
نهتدي إلى ذلك بطريقتين: الأولى، أن نختبر النظام الداخلي ونرى السياق فيه، وأي تابع لأي متبوع بذلك نكشف عن محتوى الرمز بكشفنا عن الوظيفة التي يؤديها وذلك يكون بالتحليل المجاري كأن نلحظ طبيعة الصور التي يستعملها الأديب؛ والثانية: أن نفسر المضمون الرمزي في أحد الكتب بمقارنته إلى الرموز المشابهة في كتب أخرى.
وأوضح الدلائل الهادية هي مجموعات الصور أو الرموز وبخاصة في التداعي، الذي يقود حتماً من صورة إلى أخرى - وهذا يشبه ما فعلته كارولاين سبيرجن في دراسة شيكسبير وما قام به آرمسترونغ في دراسة في هذا الميدان نفسه - وقد يلج الإنسان إلى ربط الرموز على خط غير مستقيم، وهناك أمور هامة لابد من ممارستها، منها عناوين المؤلف، فقد لحظ بيرك مثلاً أن هويسمان حين انتقل من المذهب الطبيعي إلى الكاثوليكي كانت كل عناوينه أثناء اعتناق المذهب الأول والثاني " أسماء ". أما عناوين كتبه في فترة الانتقال فكانت " حروف جر ". ومن الأمور الهامة أيضاً البدء والختام، وتوقف الاستمرار على نهج واحد كالانتقال من الشعر إلى النثر أو عدم استيفاء المجاز أو عدم استيفاء المادة نفسها بل إن التوريات والعلاقات الصوتية ذات أهمية رمزية [كالذي يجد في كلمة حضرموت إيحاء بمعنى الموت فلا يسافر إليها] . بل يغالي
стр. 530
بيرك في هذا فيرى في ترديد حرف مثل " م " معاني، ويرى في ترديد حرف مثل " ك " معاني أخرى وهكذا سائر الحروف. ثم أن التاريخ نفسه هام في الهداية إلى العمل الرمزي ولذلك يتحدث بيرك عن تنقل شيكسبير من مجموعة صور إلى أخرى ويحاول أن يقرن ذلك إلى نقطة تحول في التاريخ نفسه.
وفي آخر الكتاب ثبت بالمصطلحات التي استعملها بيرك وتفسير لها. وقد عمد عمداً إلى وضعها حيث وضعها لأنه يرى أن الترتيب المعجمي معكوس فلابد لك لكي تدرك معاني الكلمات التي تبدأ بالهمز من إدراك معاني الكلمات التي تبدأ بالحروف المتأخرة، ولذلك فهو لا يعرف مصطلحاته إلا بعد ان يجريها في الاستعمال. ويقول في هذا:
" لقد رأيت في هذا المقام ان أدع للقارئ ان يلتقط ما استطاع التقاطه من معاني المصطلحات، فأجريتها في الاستعمال لتكشف هي بذاتها عما أردته لها. أي إنني أريد لها أن تشف وتوحي وان تزداد دلالة على المعنى كلما كثرت صفحات الكتاب، ولذلك عمدت إلى وضعها في قرائن مختلفة. ومن ثم أخرى التعريفات حتى النهاية لان كل مصطلح حينئذ قد ينكشف لعيني القارئ من خلا معرفته للمصطلحات كلها على ذلك النحو المتدرج ".
وهذا عمل إليه بيرك كثيراً أي أنه يضع معجماً من المصطلحات ويلحقه بكل كتاب من كتبه ليجمل فيه فحوى ذلك الكتاب إذ أنه يعتقد أن آراءه مصطلحات. وقد وضع في كتابه " التغير والثبات " معجماً يضم كل الأفكار والمبادئ التي استحدثها حتى عام ١٩٣٧ مثل: الهوية. طقوس الولادة الجديدة، الصلاة الدنيوية، التجريد، العناقيد، الجوهر. الصور. حياة الخير. مشكلة الشر. المنظور من خلال التباين. ومن هذا ترى ان بعضها رمزي وبعضها مصطلح نقدي وبعضها يعبر عن نظرات اجتماعية