← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وآكلًا في الحقيقة انتصابها على الحال. قال أبو سعيد السيرافي (١): إذا قلت: كدت أفعل كذا فلسْتَ مخبرًا أنَّك فعلته [ولا أنك] (٢) عريت منه عري من لم يرَ منه ولكنك رُمته وتعاطيتَ أسبابه حتى لم يبقَ بينك وبينه شيء إلا موافقته [فإذا قلت: كدت أفعله] (٣) فكأن أفعل حدًّا انتهيت إليه فكأنك قلت: كنت مقاربًا لفعله وعلى حد فعله. قوله: "ولكن عدل عن الاسم إِلى الفعل لغرض" ذلك الغرض زيادة الاشتغال بالفعل تمام البيت في الحماسة (٤): * وَكَمْ مِثْلها فارَقْتُهُا وهي تَصْفِرُ * فَهْمٌ (٥): قبيلة تأبَّط شرًا. ويحتمل أن يكون المراد به واحد الأفهام، كأنه يقول: فارقت عقلي لشدة الخوف. الضمير في مثلها للخُطة "تصفر" من الصفير يريد: أن تلك الخُطة تصفر تعجبًا مني.

стр. 1122

[بابُ نصب الفعل المضارع] قالَ جارُ اللهِ: "المنصوب إنتصابه "بأَنْ" وأخواته كقوله: أرجو أن يغفر الله لي، و ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ (١) وجئت كي تعطيني، وإذن أكرمك". قالَ المُشَرِّحُ: الحروف الناصبة للفعل هذه الأربعة. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وينصب بأن مضمرة بعد خمسة أحرف وهي: "حتى" واللام و"أو" بمعنى "إلى" وواو الجمع، والفاء في جواب الأشياء الستّة الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعَرض وذلك قولك: سرتُ حتى أدخلَها، وجئتك لتكرِمَني، ولألزمنك أو تعطيَني حقّي، ولا تأكل السمك وتشرب اللَّبن، وآتني فأُكرِمَك و ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ (٢)، وما تأتينا فتحدثَنا و ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ (٣) و ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ (٤) مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٥)، وأَلَا تَنْزِلَ فَتُصِيْبَ خَيْرًا". قالَ المُشَرِّحُ: الذي (٦) يدل على أنَّ هذه الحروف لا تنصب الفعل إنما

стр. 1123

ينصبه "أن" المضمرة بعدها أن اللامَ من حروف الجر فتجر ما بعدها ولن تجره إلا إذا كان ما بعدها اسمًا، ولن يكون اسمًا إلا إذا كان "أن" بعدها مضمرة. فإن سألتَ: فكيف حَكَمُوا على "كيّ" بأنها تعمل النصب لا بإضمار أن مع أنها من حروف الجر، وأما حكمهم عليها فظاهر، وأما أنها من حروف الجر فلأنك تقول: قصدت فلانًا فيقالُ: كيمه فتقول: كي يحسنَ إليَّ، ولو لم تكن من حروف الجر لما سقط عند دخولها ألف ما الاستفهامية، ونظير كيمه عمه وفيمه على أنا نقول: قيام المضارع مقامَ الاسمِ لا يوجبُ أن يكونَ المضارعُ في تقديرِ "أن" ألا ترى أنك تقول: أتيتك يوم يقوم زيدٌ، والمعنى أتيتك يوم قيام زيد و"أن" ليست فيه مضمرة بدليل أنه لم ينتصب الفعل، ولذلك لو قلت: أتيتك يوم أن يقوم زيد لم يجز؟ أجبتُ: ما الدليل على أن "كي" من حروف الجر؟ وأما ما ذكرت من الدليل فهو إن دل على كي من حروف الجر فدخول لام كي عليه مما يدل على أنَّها ليست منها، وهذا لأنه يُقال: جئتك لكي تفعل كذا كما يقال: جئتك لأن تفعل، ولو كانَتْ هىِ الجارَّة لما دخل عليها لام كي لأنَّها من حروف الجر، وحرف الجر لا يدخل على مثله. ومن ثَمَّ قالوا بأن الكاف في قوله (١): * يَضْحَكْنَ عَنْ كالبَرَدِ المُنْهَمِّ * اسمٌ لا حرفٌ.

стр. 1124

وأمَّا قوله: "قيام المضارع مقام الاسم لا يوجب أن يكون المضارع في تقدير (أن) ". فنقول: لا نُسَلِّمُ. قوله بأن "أن" لو كانت مضمرة لانتصب المضارع في أتيتك يوم يقومُ زيدٌ ولم ينتصب. فنقول: ما الدَّليلُ على أنَّه لم يَنْتَصِب؟ ألا ترى إلى حكايةِ الكوفيين أن العرب تضيف إلى "أن" و"أن" فتقول: أعجبني يوم أنك محسن، ويوم أن يقومَ؟ فَمَنْ أجازَ ذلك وجب أن يجيز هذا فينصب "يقوم"؟ على أنا نقول أن "لا" تصلح في هذا الموضع لأن هذا موضع تعاقب فيه الجملة الفعلية الجملة الابتدائية. وأمَّا (حتى) فهي الخارجة إلى معنى اللام تقول: اتَّجرتُ حتى أربحَ، وأسلمتُ حتى أدخلَ الجنة أي: لأدخل فيكون حكمها حكم اللام. وأمَّا "أو" فهي وإن كانت في الأصل الكائنة لأحد الشيئين إلا أنها قد خرجت إلى معنى "إلى" فتنزل تنزيلها، وذلك لألزمنك أو تعطيني، لأن محصول معناه لزمي إياك واقع إلى وقت الإعطاء. فإن سألتَ: النَّحويون فيها على عبارتين: إحداهما: ما ذكرتَ. والثانية: أنَّها بمعنى "إلا" وهذا لأنه وإن كان الأصل فيها أحد الشيئين إلا أنها خرجت إلى معنى "إلا" في نحو قولك: لأضربن زيدًا أو عمرًا، ألا ترى أن المعنى على أن ضربَ زيدٍ واقعٌ لا محالة إلا أن يقعَ ضربُ عَمرو، وكذلك ضرب عمرو واقعٌ لا محالة إلا أن يقعَ ضربُ زيدٍ، فمن ثمَّ دخلها معنى "إلا"؟

стр. 1125

أجبتُ: [سواء كانت بمعنى "إلى" أو بمعنى "إلا"] (١) فإن "أن" بعدها مضمرة، أما إذا كانت بمعنى "إلى" فلما ذكرنا وأما إذا كانت بمعنى ["إلا" (٢)] فلأن الاستثناء ها هنا من عام الظرف الزماني فيلزم أن يكون المستثنى ظرفًا زمانيًا أيضًا، ولن يكون المستثنى ظرفًا زمانيًا إلا إذا كان ما بعد "إلا" الاستثناء مصدرًا مضافًا إليه الزمان، ولن يكون مصدرًا إلا إذا كان [بعده إن (٣)] مضمرة. وأمَّا الواو فهي في الأصل وإن كانت العاطفة إلا أنها قد خرجت إلى معنى "مع" (٤) في نحو قولك: ما شأنك وزيدًا وما صنعت وأباك فوجب أن يلي الاسم، ولن يلي الاسم إلا إذا كانت "إن" بعدها مضمرة. وأمَّا الفاء: فهي وإن كانت في الأصل المعقبة إلا أنها في بعض المواضع [تجري إلى معنى مع] (٥)، وذلك فيما إذا حملت قولك: ما تأتينا فتحدثنا على تفسير سيبويه ألا ترى أن معناه ما تأتينا مع الحديث، وإذا كانت كذلك، وَجَبَ أن تلي الاسم إذا قصد بها المقاربة، ولن تلي الاسم إلا إذا كان بعدها أن مضمرة وتبقى على معناها الأصلي إذا قُصد بها التَّعقيبُ. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): ولقولك: ما تأتينا فتحدثنا معنيان: أحدُهما: ما تأتينا فكيف تحدثنا، أي: لو أتيتنا لحدثتنا. والآخر: ما تأتينا أبدًا إلا لم تحدثنا، أي منك إتيان كثيرٌ ولا حديث منك. وهذا تفسير سيبويه".

стр. 1126

قالَ المُشَرِّحُ: هذا (١) الكلام [منحصر] (٢) فيما ذكره من المعنيين والذي يدل على انحصاره فيهما أن المعنى ما تأتينا فتحدثنا: ما يكون منك إتيان فحديث. وهذا نفي لمجموع أمرين فلا يخلو أن ينتفي بانتفاء كلا جزئيه، وهذا أحدُ الوجهين، أو بانتفاء أحد جزئيه، وأما أن ينتفي الإِتيان ويثبت الحديث وهذا محال؛ لأنه لا حديث إلا بالإِتيان، فتعين على هذا الوجه أن يثبتَ الإِتيان وينتفي الحديث، وهذا هو الوجه. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): ويمتنع إظهار "أن" مع هذه الأحرف إلا اللام إذا كانت لام كي فإن الإِظهار جائز معها". قالَ المُشَرِّحُ: ها هنا فصلان: أحدهما: امتناعُ إظهار "أن" مع هذه الحروف. والثاني: جواز إظهارها مع لام "كي". أمَّا الفصل (٣) الأول (٤): فإنما يمتنع إظهار "أن" مع هذه الحروف لأنها في الأصل للعطف فلو ظَهرت "أن" بعدها لظهر عطف الاسم على الفعل، وذلك غيرُ مستحسنٍ. وأما الفصل الثاني: فلأنَّ اللَّامَ ليست من حروف العطف، إنما هي من حروف الجر، والجار لا يدخل على الفعل فأجبر ظهور "أن" بعدها، ليظهر أن اللَّام غير داخلةٍ على الفعل. قالَ جارُ اللهِ: "وواجبٌ إن كان الفعل الذي تدخل عليه داخلة عليه "لا" كقوله لئلا تعطيني".

стр. 1127

قالَ المُشَرِّحُ: يجبُ إظهار أن إذا كان الفعل الذي تدخل عليه داخلة عليه "لا" وذلك أن "إن" ها هنا هي المصدرية، وكونها مصدرية مما يُوهم أنها لا تدخل إلا على نفس الفعل، فإذا دخلت على الحرف وجب إبرازها لئلا يتوهم انتفاؤها. قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا المؤكِّدة فليس معها إلا الالتزام للإِضمار". قالَ المُشَرِّحُ: الفرقُ بين الموضعين؛ أن الواقعة بعد "لا" تأكيدٌ للنفي مزيدة من وجه، وذلك أنها تتبع للام تأكيد النفي، ولام تأكيد النفي كذلك، أمَّا أنَّ بعده اللام مزيدة فلتأدية أصل المعنى بدونه، وأما أنها غير مزيدة فلأن لها أثر في المعنى، لأنها تفيد تأكيد معنى النفي [فمن حيث أنها مزيدة يجب أن لا تكون في الكلام، ومن حيث أنها غير مُزيدة يجب أن تكون فيه. فقلنا إنها تضمر بعد توكيد معنى النفي] (١) ولا تظهر عملًا بالشبهين مقدار الوسع. تخمير: إذا قلت: ما كنتُ أضربك جاز أن يكون الضرب مما يجوز كونه، وأما إذا قلت: ما كنت لأضربك جعلته بمنزلة الشيء الذي لا يكون أصلًا، ويمتنع من حيث عادتك وسجيتك. تخمير: قالوا: ما كان عبد الله ليقومَ، ولم يكن ليقومَ، ولا تقل ما يكون ليقوم، وكذلك هذا لا يجوز في أخوات "كان". ابنُ السَّرَّاجِ: وهذا مما يقع فيه السَّماع، والحرف فيه أنَّ لام تأكيد النفي لا يستعمل إلا في النفي الواقع فيما لم يزل وذلك (٢) لا يحصل -إذا تأملت- إلا إذا [كان] (٣) ماضيًا. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وليس يحتم أن ينتصب الفعل في هذه المواضع، بل للعُدُولِ به إلى غير ذلك من معنىً وجهةٍ من الإِعراب مساغٌ.

стр. 1128

فله بعد "حتى" حالتان هو في إحداهما مستقبل أو في حكم المُستقبل فيَنصب، وفي الأخرى حالٌ أو في حكمِ الحالِ فيرفع، وذلك قولك: سرت حتى أدخلَها [وحتى أدخلُها] (١) تنصب إذا كان دخولك مُترقبًا لما يوجد، كأنَّك قلتَ: سرت كي أدخلها ومنه قولهم: أسلمت حتى أدخلَ الجَنة، وكلمته حتى يأمرَ لي بشيءٍ، أو كان مُقتَضِيًا إلا أنه في حكم المُستقبل من حيث أنّه في وقتِ وجودِ السَّيْرِ (٢) المفعول من أجله كان مترقبًا. ويرفع إذا كان الدخول يوجد في الحال كأنَّك قلت: أنا أدخلها الآن، ومنه قولهم: مَرِضَ حتى لا يرجونه، وشربت الإِبل حتى يجيء البعير يجرُّ بَطْنَهُ [أو يَقَضَّى، إلا أَنَّك تحكي الحال الماضية وقُرئَ قوله -سُبحانه (٣) -: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ منصوبًا ومرفوعًا] (٤). قالَ المُشَرِّحُ: "حتى" (٥) من عوامل الأسماء لا غيرُ عند البصريين (٦) فإن دخلت على الاسم فذاكَ، وإن دخلت على الفعل، فإمّا أن يكونَ الماضي أو المضارع، فإن كان الماضي فهي العَاطِفة كقولك: سرت حتى دخلت الكوفة، وهذا لأن "حتى" في الأصل هي الجارة إلا أنها جُعلت عاطفةً، لأنها خرجت إلى معنى العَطْفِ في قولك: أكلتُ السمكةَ حتَّى رأسَها. ألا ترى أنَّها جمعت بين ما بعدها وما قبلها في الحكمِ الثَّابِتِ لما قبلها.

стр. 1129

وإن كان المُضارع فإِمَّا أن يكونَ مرفوعًا أو منصوبًا، فإن كان مرفوعًا فهي العاطفة أيضًا، وإن كان منصوبًا فعلى إضمار "أن" كما ذكرنا. وعند الكوفيين "حتى" من عوامل الأفعال بمنزلة "أن" و "كي" إلا أنه يبطل عملها في الفعل الذي هو في معنى المضي كما يبطل إذا قلت: سرت حتى صبَّحتُ القادسية وقوله [تعالى (١)] ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ بالرّفع في مذهبهم [بمعنى] (٢) حتى (٣) قالَ. ثم إذا نُصب فعلى وجهين: أحدهما: أن تكون بمعنى "إلى أن" نحو: سرت حتى تطلعَ الشمس، والمعنى: إلى أن تطلعَ الشمس، أي: كان آخر سيرى طلوع الشمس. والآخر: أن يكون بمعنى "كي" كقولك: كلت الأمير حتى يأمر لي بشيء. المعنى: منتهى غرضي هذا، وليس آخر تكليمك إياه. قال عليُّ بن عيسى (٤): والفرق بين "حتى" إذا نصبت الفعل بمعنى "إلى أن" وبينها إذا نصبت بمعنى "كي" أن الغاية في "إلى أن" يتصل العمل فيها من ابتدائه إلى انتهائه كقولك: سرت سيرًا متصلًا حتى أدخلها، فلم يكن هناك [فصل [بينَ] العملين] (٥) السير والدخول. وأما وجه "كي" فعلى خلافِ هذا. وذلك أن يكون أحد العملين في هذا الوقت والآخر في وقتٍ آخر. وإن ارتفع المضارع بعدَها فعلى الوَجهين أيضًا: الاتصال والانفِصال. أمَّا الاتصالُ فكقولك: سرت حتى أدخلَها أي: أنه كان دخولك

стр. 1130

متصل بالسير كاتصاله بالفاء، إذا قلت: سرت فأَدخلها. وأمَّا الانفصال: فنحو: لقد رأى مني عامًا أولَ شيئًا حتى لا أستطيع أن أكلمه العامَ، ولا بدّ في الرَّفعِ من أن يكون الأول سببًا يؤدي إلى الثاني توطئه له، لأن أصل "حتى" الغاية، ومن ثم لم يجز في قولك: سرت حتى تطلعُ الشمس الرَّفع؛ لأن طلوع الشمس غايةً لسيرك (١)، وينقطع عنده، وليس سيرك سبب (٢) لطلوع الشمس. قوله: "وهو (٣) في أحدهما مستقبل أو في حكم المستقبل". أمَّا المُسْتَقْبَلُ فكقولك: أسلَمتُ حتَّى أدخلَ الجَنَّةَ، لأن دخول الجَنَّة كما هو مُستقبلٌ بالإِضافة إلى وقت وجودِ الفعلِ فمستقبل أيضًا بالإِضافة إلى الحال. وأمَّا ما هو في حكمِ المستقبل فكقولك: سرت حتى أدخلها [فإنه] (٤) وإن كان غيرَ مستقبلٍ بالإِضافة إلى الحال، لكنه مستقبل بالإِضافة إلى وقت وجود الفعل. وأمَّا الحالُ فكقولك: سرت حتى أدخلُها -بالرفع- لأنك تقولُ هذا القول في وقت دخولك. ومرضَ حتَّى لا يرجونه؛ لأنَّ عدم الرَّجاء متحقق [في الحال] (٥). وأمَّا ما هو في حكمِ الحالِ. فكقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [بالرفع لأنَّه حكايةُ حالٍ ماضيةٍ.

стр. 1131

فإن سألتَ: فما وجُه الفرقِ بين قراءتي النَّصبِ والرَّفعِ في قوله : ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ﴾] (١) من حيث المعنى؟ أجبتُ: النَّصب بمعنى الاستقبالِ على تقديرِ: وزلزلوا [إلى أن] (٢) يقولَ الرَّسولُ، فيكون انتهاءُ الزلزلةِ قولَ الرّسول. وأمَّا الرفعُ فعلى معنى الحال على تقدير وزلزلوا حتى يقول الرسول في حال الزلزلة، بمنزلة وزلزلوا ويقول الرسول. قالَ جارُ اللهِ: "وتقول: كان سيرى حتى أدخلَها بالنصب ليس إلا". قالَ المُشَرِّحُ: ولا يجوز (٣) في "أدخلَها" ها هُنا سوى النَّصب، وذلك لأن "كان" ها هُنا هي الناقصة فتقتضي خبرًا، ولا شيء ها هنا يتوقع منه أن يكونَ خبرًا سوى قولك: "حتى أدخلَها" فيجب أن يكون خبرًا، ولن يكون خبرًا إلا إذا انتصب (٤) ما بعد "حتَّى"، لأنّه إذا انتصب ما بعد "حتى" كان "حتى" هي الجارَّةُ فتقتضي متعلقًا هو الخبر. وإنما قُلنا بأنه إذا انتصب ما بعد "حتَّى" كانت (٥) هي الجَارَّةُ، وذلك لأنَّه إِذا انتصبَ ما بعدها فإما أن تكونَ بمعنى "إلى" أو بمعنى لام كي على ما ذكرناه، وحرف الجر لا بدَّ له من متعلق هو الخبر، وتقديره كان سيرى ممتدًا إلى دخولها، أو واقعًا لدخولها، فيصح الكلام ويوفر [على ما كان مقتضاها] (٦) بخلاف ما إذا رفعت فإن "حتى" [حينئذٍ] (١) تكون للعطف، والمعطوفُ ليس في شيءٍ من خبر "كان".

стр. 1132

قالَ جارُ اللهِ: "فإن زدت "أمسِ" وعلَّقته "بكانَ" أو قلتَ سيرًا متعبًا وأردت كان التَّامة، جازَ فيه الوجهان". قالَ المُشَرِّحُ: إذا زدتَ في المسألةِ "أمسِ" فقلت: كان سيرى أمس حتَّى أدخلها جازَ فيه الوجهان: أمَّا النصبُ: فلجوازِ أن تكون "حتى أدخلَها" هو الخبرُ، [وذلك إذا كان "أمسِ" معلَّقًا بـ "سيرى". وأمَّا الرَّفعُ فلجوازِ أن يكونَ "أمسِ" هو الخبر] (١) ويكون حتَّى أدخلها للعطف، وتقديره: كان سيرى واقعًا أمس وأدخلها. قوله: "وعلقته بكان" يعني: جعلتَ "أمسِ" خبرَ "كان" لا صلةَ "سيري"، وكذلك إذا قلتَ: كان سيري سيرًا متعبًا جاز فيه الوجهان. أمَّا النَّصبُ فمعناه كان سيري سيرًا متعبًا إلى الدخول. وأمَّا الرفعُ فمعناه: كان سيري سيرًا متعبًا وأدخل الآن. وكذلك إذا أردتَ كان التَّامة ففيها الوجهان. أمَّا النَّصْبُ فعلى شيئين. أحدهما: أن يكون لـ "حتى" من الإِعراب محل. والثاني: أن يكون في محل النصب على الحال، وذلك إذا كان "حتى" بمعنى لام كي أو بمعنى "إلى" وتقديره: وقع سيري للدخول أو وقع سيري إلى الدخول، والمعنى: وقع سيري مُمتدًّا إلى الدخول وأمَّا الرَّفْعُ فعلى العطف، كأنك قلت: وقع سيري وأدخلها.

стр. 1133

قَالَ جارُ اللهِ: "وتقول: أسرت حتى تدخلها؟ بالنصب، وأيهم سار حتى يدخل بالنصب والرفع". قالَ المُشَرِّحُ: معنى الأَول (١): أسرتُ للدخولِ؟ أو أَسرت إلى وقتِ الدُّخولِ؟ ولا يجوزُ في هذا الوجهِ الرَّفْعُ، وذلك أن يدخل المرفوع بعد "حتى" (٢) حكمٌ منك على ثُبُوتِ الدُّخول، والحكمُ منك على ثبوتِ الدُّخول مبنيٌّ على علمك بالسَّيْرِ، وعلمُك بالسيرِ غيرُ متحققٍ ها هُنا بدليلِ أنك مستفهم عنه، فنزلت منزلةَ قولِكَ: ما سرتُ حتى أدخلها. ولو قلتَ أيُّهم سارَ حتى يدخلها لجازَ فيها الوَجهان، لأنَّ سيره معلومٌ لكَ، وإنما السُّؤال ها هُنا عن السَّائِرِ، فإذا كان كذلك لم يكن في مثلِ قولك: أتقرضني فأشكرك؟ لأن الاستفهام ها هنا عن الاقراض. وأمَّا النصب فلأن المعنى أسار أحدكم حتى يدخلها، وعلى الوجهين قرئ قوله تعالى (٣): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ الرفعُ قراءةُ ابن كثيرٍ والنصبُ قراءة ابن عامرٍ وعاصمٍ (٤). قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وقرئ قوله تعالى (٥): ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ بالنَّصب على إضمار ان، والرفع على الاشتراك بين ﴿يُسْلِمُونَ﴾ و ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ﴾، أو على الابتداء كأنه قيل: أو هم يُسلمون". قالَ المُشَرِّحُ: إذا نَصَبْتَ فـ "أو" ها هنا بمعنى "إلى" و "إن" بعده

стр. 1134

مضمرة، وإذا رفعت فعلى "إن"، أو هي العاطفة. ثم هذه الجُملة المعطوفة إما أن تكونَ بظاهرها فعلية أو إسمية ويكون المبتدأ محذوفًا وتقديره: أو هُم يُسلمون. فإن سألتَ: أليس من شأنِ العطفِ المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه، والذي يناسب الجملة الفعلية هو الجملة الفعلية أمَّا الجملةُ الإِسميةُ فلا تناسبها، فكيف جاز ها هنا قلب الجملة الفعلية إسمية؟ أجبتُ: إذا قلبت الجملة الفعلية إسمية كانت المناسبةُ أكثرَ، لأن هذه الجملة حينئذ تخرج إلى باب الكناية والمعنى: تقاتلونهم أو لا تقاتلونهم لأنّهم مسلمون. قالَ جارُ اللهِ: "وتقول: هو [قاتلي] أو أفتدي منه، وإن شِئْتَ ابتدأته على أو أنا أفتدي". قالَ المُشَرِّحُ: إذا (١) نصبتَ الفعل ها هُنا فعلى "أن"، أو بمعنى "إلى" أو "أن" بعدها مضمرة. وإن رفعتَ فعلى الجُملة الابتدائية. قالَ جارُ اللهِ: "وقال سيبويه في قولِ امرئِ القَيس: فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنّما … نُحَاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوْتُ فَنُعْذَرَا لو رفعتَ لكان عَرَبِيًّا جائِزًا على وجهين: على أن تشرِّك بينَ الأولِ والآخرِ كأنَّك قلتَ: إنما نحاول وإنما نموت (٢).

стр. 1135

أو على أن يكون مبتدأ مقطوعًا من الأول، أو نحن ممن يموتُ. قالَ المشرِّحُ: هذه المسألة بعينها هي المسألة المذكورة. ما قبل البيت (١): بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُوْنَهُ (٢) … وأَيْقَنَ أنَّا لاحِقَانِ بِقَيْصَرَا فَقلْت لَهُ … ... … ... … ... … ... البيت كان حُجر أبو امرئ القيس قد ولى بني أسد فعسفهم فتمالوا على قتله، فخرج امرُؤُ القَيْسِ إلى قَيْصَرَ يستمده. الدرب: المضيق من مضايق الرُّوم. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ويجوز في قوله (٣): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ (٤) أن يكون ﴿تَكْتُمُوا﴾ منصوبًا ومجزومًا، كقوله: * ولا تَشْتُمَ المَوْلَى وتَبْلُغْ أَذَاتَهُ *" قالَ المُشَرِّحُ: أما النَّصبُ فعلى أن الواوَ واوُ الصرفِ كما في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. ابنُ السَّرَّاجِ (٥): إنما يكون ذلك إذا لم يرد الاشتراك بين الفعل والفعل. أما الجزم فلانعطافه (٦) على النهي. المعنى لا

стр. 1136

تلبسوا الحق بالباطل ولا تكتموا، ونظيره في الوجه ما أَنشده من البَيت (١)، لأن المعنى ولا تَبْلُغُ أذاتَه. قالَ جارُ اللهِ: "وتقول: زُرني أزورَكَ، بالنَّصب يعني: لتَجتمع الزّيارتان كقولِ رَبيعة بن جُشم: فَقُلْتُ ادعِيْ وأَدْعُوَ إنّ أنْدَى … لِصَوْتٍ أَنْ يُنَادِيَ دَاعِيَانِ وبالرَّفعِ (٢) يعني زيارتك على كلِّ حالٍ، فلتكن منك زيارة كقولهم: دعني ولا أعود". قالَ المُشَرِّحُ: أزرك (٣) عطف على مصدر الفعل الذي قبلها والمعنى

стр. 1137

لتكن زيارة منك وزيارة مني، والواو ها هنا واو الصرف. دعني ولا أعود معناه: لا أعود فدعني. يقال: فلان أندى صوتًا من فلان (١): إذا كان بعيدَ الصوتِ واشتقاقه من النداوة. قالَ جارُ اللهِ: "وإن أردت الأمر أدخلت عليه اللَّام فقلت: ولأزرك،

стр. 1138

وإلا فلا عمل، لأن تقول زرني أزرك، لأن الأول موقوف. قالَ المُشَرِّحُ: زرني وأزرك (١) لأن الأول مبني، وحروف العطف لا تُشَرِّكُ في البناء إنما تُشرِّكُ في الإِعراب. قالَ جارُ اللَّهِ: "وذكر سيبويه في قولِ كَعْبٍ الغَنَوِيِّ: وما أَنا للشَّيء الذي لَيْسَ نَافِعِي … ويَغْضَبُ مِنْهُ صَاحِبِي بِقَؤُوْلِ الرَّفعُ والنَّصبُ. وقالَ (٢): ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ أي: ونحن نقرُّ". قالَ المُشَرِّحُ: الرَّفْعُ (٣) في و "يغضب" على العطف كأنه قال: ليس ينفعني ويغضب، والنَّصب على إضمار "أن". الشَّيْخُ: أي: لا ينفعني أو الغضب أي: اجتمع فيه عدم نفعي، وغضب صاحبي. بعضهم يروي هذا البيت لطُفَيْلٍ الغَنَوِيّ، والصَّحِيْحُ: إنه لكَعْبٍ. قال الشيخ (٤) ﵀ رأيت (٥) لطفيلٍ قصيدةً في ديوانه [على هذا الروي] وليس فيها هذا البَيت، فلعلَّ هذا الذي غَرَّ مَنْ رَوَاهُ لِطُفَيْلٍ.

стр. 1139

قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصل): ويجوز في: ما تأتينا فتحدثنا الرفع على الاشتراك كأنك قلت ما تأتينا [فما تحدثنا، ونظيره قوله تعالى (١): ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾، وعلى الابتداء كأنَّك قلتَ: ما تأتينا] (٢) فأنت تَجهلُ أمرَنا". قالَ المُشَرِّحُ: معناه لعدم إتيانك تجهلُ أمرَنا، فأنت تحدثنا لذلك بما لا يحدثه العارف بأحوالنا. قالَه الشيخ (٣) [﵀] يريدُ: كما أن قولَكَ فأنت تجهل أمرنا لا مجالَ فيه للنصب فكذلك قوله "فتحدثُنَا" بالرَّفع. قالَ جارُ اللَّهِ: "ومنه قولُ العَنْبَرِيَّ (٤): غيرَ أنَّا لَمْ تَأْتِنَا بِيَقِيْنٍ … فنُرَجِّيْ ونُكْثِرُ التَّأْمِيْلَا أي: فنحن نرجي، وقوله: أَلَمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ القَوَاءَ فَيَنْطِقُ … وهلْ تُخْبِرَنْكَ اليَوْمَ بَيْدَاءَ سَمْلَقُ قالَ سِيْبَويْه: لم يجعل الأول سببَ الآخرِ، لكنه جعله ينطق على كل حالٍ، كأنه قال: هو مما ينطق، كما تقول: ائتني فأحدثك، أي: فأنا مما يحدثك على كل حال".

стр. 1140

قالَ المُشَرِّحُ: لولا (١) ضرورة القافية لجاز فيه النَّصْبُ كما في بيتِ عُمر ابن أبي ربيعة: أَلَمْ تَسْأَلِ الأَطْلَالَ ذا (٢) المَنْزِلِ الخَلِقْ … بِبَرْقَةَ ذي ضَالٍ فتُخْبِرُ إن نَطَقْ فإنه يحتمل الوجَهين. السَّلِقُ: هو (٣) القاع الصفصف، وجمعه: سلقان مثل خلق وخلقان وكذلك السملق والجمع (٤) سمالق، وبعده (٥): بِمُخْتَلَفِ الأَرْوَاحِ بينَ سُوَيْقَةٍ … وَأَحْدَبَ كادَت بَعْدَ عهدِكَ تُخْلِقُ عنى بمختلف الأرواح: الموضع الذي تهب فيه الأرواح من كل وجهٍ. قالَ جارُ اللَّهِ: "وتقولُ: وُدَّ لو تأتيه فتحدثُه، والرفع جيد كقوله تعالى (٦): ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾، وفي بعض المصاحف ﴿فَيُدْهِنُوا﴾. وقالَ ابنُ أَحْمَرَ (٧):

стр. 1141

يُعَالِجُ عَاقِرًا أَعْيَتْ عَلَيْهِ … لِيُلْقِحُهَا فَيُنْتِجَهَا حُوَارَا [كأنه] قال: يُعالج فَيُنْتِجُها، وإن شئت على الابتداء. قالَ المُشَرِّحُ: "تأتيه" بالسكون (١) وقوله: فتحدثه بالنصب لأن المعنى وَدَّ أن تأتيه فتحدثه، وأمَّا الرفعُ فعلى الظاهر. فإن سألت: فإذا كان على معنى إن تأتيه فكيف لم يجز النصب في الأول؟ أجبتُ: هذا بمنزلةِ إنَّ زيدًا منطلقٌ وعمروٌ، بالرفع بالعطف على محل قوله: "زيدًا"، ثم لا يجوز في زيدٍ الرَّفْعُ، لأنَّه إنما يتبين فيه كونه في محلّ الرَّفعِ بعد انقضاء الجملة، كذلك ها هنا إنما يتبين كونه في موضع النَّصب بعد انقضائِه، ونحوه ألا تنزل تُصِبْ (٢) خَيْرًا. قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصل): وتقول أريد أن تأتني فتحدثني ويجوز الرفع، وخيَّر الخليل في قول عُروةَ العُذري (٣): وما هو إلا أنْ أَرَاهَا فَجَاءَةً … فأُبْهَتُ حتَّى مَا أَكَادُ أُجِيْبُ

стр. 1142

بين النَّصبِ والرَّفْعِ في "فَأْبْهَتُ". قالَ المُشَرِّحُ: أما وجهُ النصبِ فظاهرٌ، وهو العَطْفُ. أما وَجْهِ الرَّفعِ فالابتداء كأنَّه قالَ: فأنا مِمن أُبهتُ. قالَ جارُ اللَّهِ: "ومما جاءَ منقطعًا قولُ أَبي اللَّحَّامِ التَّغْلِبِيِّ: عَلَى الحَكَمِ المَأْتِيِّ يَوْمًا إذا قَضَى … قَضِيَّتَهُ أنْ لا يَجُوْرَ ويَقْصِدُ أي: عليه غيرُ الجورِ وهو يَقْصِدُ، كما تَقُوْلُ: أن لا يجور وينبغي له كذا. قالَ المُشَرِّحُ: قوله: و"يقصد" معطوف على "الحكم المأتي" لا على (١) قول: "أن لا يجور"، ونظيره أحب أن تذهب فتضرب زيدًا تنصب "تضرب" عطفًا على "تذهب"، لأن الفعل الثاني انعقد له الحكم الذي انعقد للفعل الأول، وتقول: أحب أن أزورك فيمنعني البواب، ترفع "يمنعني"، لأنه لم ينعقد له الحكم الذي انعقد للزيارة إلا أن الزيارةَ مفعولُ "أحب" بخلاف "يمنعني" المأتي: أبو اللَّحَامِ، بالحاء المهملة التغلبي بالغين المعجمة ما قبل البيت (٢):

стр. 1143

عَمرْتُ فَأَكْثَرْتُ التَّفَكُّرَ خَالِيًا … وساءَلْتُ حتَّى كادَ عُمْرِيَ يَنْفَذُ فأَضْحَت أُمُوْرُ (١) النَّاسِ يَغْشَيْنَ عالَمًا … بما يُتَّقَى منها ومَا يُتَعَمَّدُ جَدِيْرٌ بأَن لا أَسْتَكِيْنَ ولا أَرى … إذا حَلّ أمرٌ سَاحَتِي أَتَبَلَّدُ عَلَى الحَكَمِ المَأْتِيَّ ..... ...... … ....... ...... ....... البيت عَمِرَ الرجل [-بالكسر-] يعمَرُ عَمَرًا وعَمْرًا على غير قياس؛ لأن قياس مصدره التَّحريك، ومنه: أطال اللَّه عُمرك، أي: عشتَ زمانًا طويلًا. "بأن لا أستكين": بأن لا أذل ولا أخضع. تَبَلَّدَ، أي: تَرَدَّدَ مُتَحيِّرًا من البَلَدِ وهو المَفَازَةُ. قالَ جارُ اللَّهِ: "قال سيبويه (٢): ويجوز الرفعُ في جميع هذه الحروف التي تشرِّكُ على هذا المثال". قالَ المُشَرِّحُ: يريد نحو قوله: أريد أن تأتني ثم تحدثني وقوله: * " … أن أراها فجاءة فأبهت … " * والمعنى إن هذا قياسٌ غير مقصورٍ على السَّماع.

стр. 1144

وأمَّا قوله (١): وإِنِّيَ لا تَجْزْوْنَنِي عندَ ذلِكُم … ولكنْ سَيَجْزِيني الإِلهُ فَيُعقِبَا وقوله (٢): سأتركُ مَنْزِلِي لبَنِي تَمِيْمٍ … وأَلْحَقُ بالحِجَازِ فَأَسْتَرِيْحَا وقول طرفة (٣): لَنَا هَضْبَةٌ لا ينزِلُ الذِّلُّ وَسْطَهَا … ويَأْوِي إليها المُسْتَجِيْرُ فَيُعْصَمَا فقد قال أبو سعيد السيرافي: الوَجهُ فيه الرفعُ.

стр. 1145

[بابُ الجوازم] قالَ جارُ اللَّهِ: "المجزوم تعمل فيه حروف وأسماء نحو قولك: لم يخرجْ ولمَّا يضربْ ولِيَضربْ، ولا تفعلْ وإن تأتني أُكرمْكَ وما تَصنَعْ أَصْنَعْ، وأيًّا تضربْ أضربْ، وبمنْ تَمرُرْ أَمْرُرْ به". قالَ المُشَرِّحُ: حروف الجزم: "لم"، و"لمَّا"، و"لام الأمر"، و"لا" في النفي، و"إنْ" في المجازاة، وأما الأسماء الجازمة فمنها: "أي"، و "مَنْ"، و"ما". قال جارُ اللهِ: " (فصل): ويجزم "بأنْ" مضمرة إذا وقع جوابًا لأمرٍ أو نهيٍ أو استفهام أو تَمَنٍّ أو عرضٍ نحو قولك: أكرمني أكرمْك، ولا تفعل يكنْ خيرًا لك، إن لا تأتني أحدثك، وأينَ بيتك أزرك، وأَلا ماءَ أشربْهُ، وليته عندنا فيحدثْنا، وألا تنزل تصب خيرًا، وجواز إضمارها لدلالة هذه الأشياء عليها. قال الخليل: إنَّ هذه الأوائل (١) كلها فيها معنى "إن" فلذلك انجزم الجواب". قالَ المُشَرِّحُ: قوله: "أكرمني أكرمك" معناه: أكرمني فإنَّك إن أكرمتني أكرمك، وكذلك "لا تفعل يكن خيرًا لك"، معناه: لا تفعل فإنك إن لم تفعل يكن خيرًا لك.

стр. 1146

فإن سألت (١): كيف جاز قولهم: ألا تأتني أحدثك، وألا ماء فأشربه، وألا تنزل تُصب خيرًا مع أنه يفضي إلى أن يكون المعنى إن لم تأتني أحدثك وإن لم يكن ماء أشربه، وإن لم تنزل تُصِبْ خيرًا؟ أجبتُ: بأنَّ ذلك جار مجرى التَّمني، وقد مضى ذلك في قسم الأسماء. قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصل): وما فيه معنى الأمر والنهي بمنزلتهما في ذلك تقول اتَّقى اللَّه امرؤٌ وفعل خيرًا يثبت عليه ومعناه ليتقي الله وليفعل خيرًا، وحسبك يتم الناس". قالَ المُشَرِّحُ: أبو سعيد السيرافي (٢): [وإن كان] لفظه لفظ الخبر، ومعناه [معنى الأمر، كما أن قولهم: غفر الله لزيد ورحمه الله لفظه لفظُ الخبر] (٣) ومعناه الدعاء، وقال أيضًا: وهكذا يقول الواعظ لمن يسمع كلامه ليس قصده بأن يخبر عن إنسان بأنه قد اتقى الله، وعندي (٤): أن هذا على إضمار حرف الشرط والشرط في مثل قولهم: رجلٌ فعل كذا، [وإذا كانُوا قد أضمروا الشرط في قوله تعالى (٥): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ (٦)] (٧) فلأن يجوزُ إضمار حرفِ الشرطِ دون الشرط أولى. قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصل): وحق المضمر أن يكون من جنس المظهر فلا

стр. 1147

يجوز أن تقول: لا تدن من الأسد يأكلْكَ بالجزم، لأن النفي لا يدل على الإِثبات". قالَ المُشَرِّحُ: قولهم: "حق المضمر أن يكون من جنس المظهر" معناه: أن كلَّ نوعٍ من هذه الأنواع متى وقع مثبتًا أو منفيًا ثم أضمر فيه المجازاة وجبَ أن يكونَ الكلامُ بعد إضمار المجازاة فيه من جنس الكلام الأول قبلَ إضمارِ المجازاة إثباتًا ونفيًا، ألا ترى أنك إذا قلت: ائتني أكرمك فهو كلامٌ مثبتٌ، ثم إذا أضمرت فيه المُجازاة فقيل (١): معناه: [إن] (٢) تأتني أكرمك، كان قولك: تأتني أكرمك من جنس الكلام الأول إثباتًا، وإذا قيل لا تفعلن يكن خيرًا لك من جنس الكلام نفيًا. إذا عرفت هذا فوجه انسكابه بك إلى الغرض أن قولنا: لا تَدْنُ من الأسد يأكلْكَ إنما كان غير صحيح؛ لأن المعنى إن لم تدنُ من الأسدِ يأكلك، وهذا -بلا ارتياب- غير صحيح. قالَ جارُ اللَّهِ: "ولذلك امتنع الإِضمار في النفي فلم يُقَل ما تأتينا تحدثنا ولكنَّك ترفع على القطع كأنك قلت: لا تدنُ منه فإنه يأكلك". قالَ المُشَرِّحُ: لو قلتَ (٣): ما تأتنا تحدثنا بالجزم لم يجز لأنه يصير المعنى إن لم تأتنا تحدثنا، وهذا فاسد، ثم العلة في [امتناع] (٤) "إن" تقدر في النفي أن لا تفعل كما قدرت في النهي أنه انما يصح أن تقول أن لا تفعل مع من هم بفعل يفعله النهي [أبدًا] (٣) يكونُ عن فعلِ يكونُ المخاطبُ (٥) قد همَّ بأن يفعله أو ينزل منزلته من هم، ولا يتصور في النفي ذلك. فإن قلتَ لرجلٍ: ما تأتينا فإنَّك تحكم عليه بعدمِ الفعلِ منه فكيف تقول فإنك أن لا تَفعل؟

стр. 1148

قالَ جارُ اللَّهِ: "وإن أدخلتَ الفاءَ ونصبت فحسنٌ". قالَ المُشَرِّحُ: لو أدخلت الفاء في مسألة لا تدن من الأسد يأكلك فحسن، لأن (١) محصولَ المعنى حِيْنَئِذٍ لا يكونُ منك (٢) دنوٌّ من الأسد فأكلٌ منه. تخمير: الفرق بين ما تدنو من الأسد فيأكلك على النفي، وبين لا تدن من الأسد فيأكلك أن الأول يدل على أنه لا يقع أكل من الأسد، وليس كذلك الثاني، لأنه لا يجوز أن تخالف الأمر فيأكلك. قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ): وإن لم تقصد الجزاء فرفعت كان المرفوع على أحد ثلاثة أوجه: إمَّا صفة كقوله (٣): ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ (٤). أو حالًا كقوله (٥): ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. أو قطعًا واستئنافًا كقولك: لا تذهب به تُغلب عليه، وقم يدعوك، ومنه بيت الكتاب (٦): * وَقَالَ رَائِدُهُمْ أَرْسُوا نُزَاوِلُهَا *

стр. 1149

قالَ المُشَرِّحُ: ﴿يَرِثُنِي﴾ صفةُ ﴿وَلِيًّا﴾ معناه: وَليًّا وارثًا، يريد: ويذرهم في طغيانهم عَمِهِيْنَ كأنه قالَ: لم لا أذهب به فقيلَ: لأنك تُغلب عليه. معناه: لماذا أقوم فقيل: لأنه يدعوك. وتَمَامُهُ: * فَكُلُّ حَتْفِ امرئٍ يَجري بِمِقْدَارِ * أرسوا: أي أقيموا، وأصله من إرساءِ المِلَّاح وهو: إلقاؤه المَرْسَاةَ في قعرِ البحرِ. قالَ جارُ اللَّهِ: "ومما يحتمل الأمرين الحال والقطع قولهم: ذره يقول ذاك، ومره يحفرها وقول الأخطل: * كُرُّوا إلى حَرَّتَيْكُمْ تَعْمُرُونَهُمَا * وقوله تعالى (١): ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٢)﴾.". قالَ المُشَرِّحُ: أما الحال (٣) فكأنه قال: ذره قائلًا، وأما القطع فكأنه قال: ذره لأنَّه يقول ذلك. فإن سألتَ: فكيف تقول في مُره يحفرها على معنى الحال؟ أجبتُ: أمره بالحفر حافرًا لها. فإن سألتَ: فإذا كان في الحَفْرِ فما معنى الأمر به؟ أجبتُ: معنى الأمر به في تلك الحال إمَّا الحث والإِغراء وإمَّا الثَّبَاتُ عليه، وإمَّا تَتْمِيْمُهُ. تمام البيت (٤):

стр. 1150

* كَمَا تَكِرُّ إلى أَوْطَانِهَا البَقَرُ * يعني: البَقَرَ الإِنسية، يقول: ارجعوا إلى أوطانِكم أذلاء كما تأوي البقر إلى أوطانها بعد الجهد والكد. قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ): وتقول: إن تأتني تسألني أعطك، وإن تأتني تمش أمش معك برفع المتوسط، ومنه قول الحُطيئة: مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضوءِ نَارِهِ … تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عندها خَيرُ مُوْقِدِ وقد قال عُبَيْدُ اللَّه بن الحُرّ: مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا في دِيَارِنَا … تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونَارًا تَأَحَّجَا فَجَزَمَهُ على البَدَلِ. قالَ المُشَرِّحُ: "تسألني" في محل النَّصب على الحال وكذلك "تمش" نحو إن تأتني تمشِ أمشِ مَعَكَ يجزم أمش، ولا يجوز أن تقول: إن تأتني تأكل آكل معك، لأن الأكل ليس من الإِتيان في شيءٍ. عشوت إلى النارِ (١): استدللت عليها ببصرٍ ضعيفٍ. في (الصحاح) (٢): إذا صدرت عنه إلى غيره قلت عشوت عنه. "خير نار" من

стр. 1151

الكلم المسمى بـ (التجريد) يمدح بهذا الشَّعر بغيضًا، وهو من بني سعد (١) بن زيد مناة. "تلمم" بدلًا من قوله: "تأتنا" وهذا من أوضح الدلائل على أن البدل كما يكون في الأسماء يكون في الأفعال. والمضير في "تأجّجًا" للنار والحطب الجزل وتذكيرهما [على طريقة التَّغليب] (٢)، يقول: إنهم يوقدون النار بالغليظ من الحطب لتقوى نارُهُم فينظر إليها الضِّيفان، وقبله (٣): إذا خَرَجُوا من غَمْرَةٍ رَجَعُوا لَهَا … بأَسْيَافِهِمْ والطَّعنِ حتَّى تَفَرَّجَا مَتَى تَأْتِنَا ........ … ......... البيت

стр. 1152

فصل: قالَ جارُ اللَّهِ: "وتقول (١): إن تأتني آتك فأحدثُك بالجزم، ويجوزُ الرَّفع على الابتداء، وكذلك الواو وثُم، قالَ اللَّهُ تعالى (٢): ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (٣) وقُرِئَ ﴿وَيَذَرْهُمْ﴾ بالجزمِ (٣)، وقال (٤): ﴿إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، وقال (٥): ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: المعنى إن تأتني آتك فإنّني ممنْ يُحَدِّثْكَ، مَن رفع ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ لم يجعل الحرف العاطف للاشتراك، ولكن لعطف جُملةٍ على جُملةٍ، ونظيرها في الوَجهين ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ (٦). قالَ جارُ اللَّهِ: "وسأَل سيبويه الخَليل (٧) عن قوله (٨): ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فَقَال هذا كقولِ عُمرو بن مَعْدِي كَرِبٍ (٩): دَعْنِي فَأَذْهَبُ جانِبًا … يَوْمًا وأَكْفِكَ جَانِبَا

стр. 1153

وكقوله (١): بَدَا لِيَ أنّي لستُ مُدْرِكَ ما مَضَى … ولا سابِقٍ شَيْئًا إذا كَانَ جَائِيَا أي: كما جَرُّوا الثَّاني لأنَّ الأول قد تدخله الباء فكأنَّها ثابتة [فيه] (٢)، فكذلك جَزموا الثاني؛ لأنّ الأول يكون مجزومًا ولا فاءَ فيه، فكأنَّه مجزومٌ. قالَ المُشَرِّحُ: هذا (٣) من جِنْسِ قوله (٤): مَشَائِيْمَ لَيْسُوا مُصْلِحِيْنَ عَشِيْرَةً … ولا ناعِبٍ إلا بِشُؤْمٍ غُرَابُهَا بجر "ناعب"، ومما يشبه هذه المسألة (٥): * أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَبَهْ *

стр. 1154

لأن المعنى: إنَّ أمَّ الحُلَيْسِ، فلذلك حصل في خبر المبتدأ اللَّام، وعكسها قوله تَعالى (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لأن المعنى الذين قالوا ولذلك دخل في خبر المبتدأ الفاء. قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصل): وتقول والله إن أتيتني لأفعلُ بالرفع، وأنا والله إن تأتيني لا آتك بالجزم، لأن الأول لليمين والثاني للشرط". قالَ المُشَرِّحُ: قبل (٢) الخوض في هذه المسألة ألقي عليك مسألتين: إحداهما: من القبيح أن تقول: إن تزرني لأزورنك لأن "إن" إذا جزمت اقتضت بعدها مجزومًا، حتى يظهر أنها جزمته. فإن سألت: فكيف قبُح قولك: إن زرتني أزرك؟ أجبتُ: لأن القسم أوقع للمجازاة في الطَيِّ، أما إذا لم تجزم "إن" وأضمرت فيه القسم فإنه يحسن نحو قولك: إن أتيتني لا أكرمك. وثانيهما: قوله تعالى (٣): ﴿إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقوله (٤): ﴿إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الأَول للشَّرْطِ بدليل أنَّ الشَّرْطَ قَدْ عَمِلَ في الأول. والثاني: للقسم. وأمَّا الجزمُ في ﴿تَغْفِرْ﴾ فهو بـ "لم" لأ بـ "أن" فيكون لليمين. لذلك حَسُنَ قولك إن أتيتني لأُكرمنَّك لأن "إن" لم تعمل في الشرط. وإذا ثبت هذا رقيتك إلى الطلب فقلت: إنما كان الأول لليمين، لأن

стр. 1155

القسم في الأول أوقع في الجزاء في الطيِّ -وإن لم يعمل في الشرط- فيكون الكلام لليمين بخلاف الثاني فإن القسم فيه قد وقع في الطَيِّ لكون الضمير مبتدأ والجزاء قد خرج عن الطَيِّ بعمله في الشرط فيكون للشرط، وللشرط إبهام. وهذا الفصل من حيَّات هذا الكتاب وعقاربه.

стр. 1156

[باب فعل الأمر] قالَ جارُ اللَّهِ: "ومن أصناف الفعل مثالُ الأمرِ وهو الذي على طريقة المضارع للفاعل (١) المخاطب، لا يخالف بصيغته صيغته إلا أن تنزع الزائدة فتقول في يضع: ضع، وفي تضارب ضارب، وفي تدحرج دحرج ونحوهما مما أوله متحرك، فإن سكن زدت، لئلّا تبتدئ بالساكنِ همزة وصل فتقول في يضرب اضرب، وفي ينطلق ويستخرج انطلقْ واستخرجْ". قالَ المُشَرِّحُ: مثال الأمر أبدًا على طريق المضارع من الفعل الذي تصوغه منه؛ تفسير ذلك أنك تجد فاء الفعل [وعينه] (٢) فيه على ما هما عليه في المضارع، تقول: اضرب. فتجد الضاد ساكنة والراء مكسورة كما تجدها كذلك في يضرب، وتقول: اذهب فتجد الفاء ساكنة والعين مفتوحة كما أنهما كذلك في يذهب، وعلى هذا القياس أبدًا، هذه ألفاظ الإِمام عبد القامر الجرجاني [﵀]. فإن سألتَ: الهمزةُ تكسر إذا كانت العين مكسورة، وتضم إذا كانت مضمومة فكيفَ لم تُفتح إذا كانت مفتوحة؟ أجبتُ: لئلا يُظن أنه مضارع موقوف عليه فتقع اللَّبسة. ألا ترى أنك لو

стр. 1157

قلت حينئذ افتح دار الأمير لم يكن فرق بين أن يكون هذا إخبارًا، وبين أن يكون أمرًا. قالَ جارُ اللَّهِ: "والأصل في يكرم يُؤَكْرم كيُدَحْرج، فعلى ذلك (١) خرج أكرم". قالَ المُشَرِّحُ: لما مست الحاجة إلى المجيء بالهمزة والمجيء بالهمزة الأصلية أقل. فإن سألتَ: فلم سقطت الهمزة في مضارع أكرم؟ أجبتُ: لئلا يكتفي في الحكاية همزتان، ثم أطرد في غير الحكاية، ونحوه سقوط الواو في يعد، لئلا يتخلل أجنبي بين أختين ثم أطرد كما في تعد ونعد وأعد. قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصل): وأما ما ليس للفاعل فإنه يؤمر بالحرف داخلًا على المضارع دخول لا ولم، كقولك: لتضرب أنت وليضرب زيد، ولأضرب أنا، وكذلك ما هو الفاعل، وليس لمخاطب كقولك: ليضرب زيد، ولأضرب أنا". قالَ المُشَرِّحُ: أمر الخطاب (٢) بمثال (فاعل) له شريطتان. إحداهما: أن يكون للفاعل. والثانية: أن يكون للمخاطب. فإذا فقدت إِحدى الشريطتين فاللام كقولك: لتضرب أنت، لأنه ليس للفاعل، وليضرب زيدٌ، لأنه ليس للمخاطب. تخمير: ونحوه قولهم: لتُعنَ بحاجتي: إنما كان الأمر فيه باللام

стр. 1158

من حيث إن الأمر في فعل ما لم يُسم فاعله يتوجه في الحقيقة إلى الفاعل المتروك ذكره. قال الإمام عبد القاهر الجرجاني: فقولك: لتُعن في معنى ليعُنك أمرُ حاجتي. الأمر كما يكون لغير الأمر فقد يقع للأمر. فإن سألتَ: الأمر إنما يكون لغير الأمر أما أن يكون له فكيف يصح؟ أجبتُ: أما في قولك: لتضرب [نحن] الآن فكأنك قلت: لتضرب أصحابي وأنا معهم في الضرب كواحد منهم، وأمّا فيما إذا قلت: لأضرب أنا فمعناه: أنا المتعين لضرب المستعين بأعواني عليه. قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصل): وقد جاء قليلًا أن يؤمر بالفاعل للمخاطب بالحرف، ومنه قراءة النبي ﷺ (١): ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (٢). قالَ المُشَرِّحُ: الأخفش: إدخالُ اللَّام في أمرِ المُخاطب لغةٌ رديئةٌ؛ لأنَّ هذه اللام إنما تدخل في الموضع الذي لا تقدر فيه على (أفعل) إذا خاطبت قلتَ قُم لأنك قد [استغنيت عنها] (٣)، والأمر كما ذكره الأخفش، إلا أن من المواضع ما يحسن فيه الأمر باللام للفاعل المخاطب، وذلك إذا كان المأمور جماعة بعضُها غايبٌ وبعضُها مخاطبٌ كقوله ﷺ : "لتأخذوا مصافكم" فالخطاب (٤) يفيد الخطاب واللام تفيد الغيبة فمجموع الأمرين مستفاد العموم، ولو قُلتَ: خُذوا مصافكم (٥) لأوهم خصوص الجماعة (٦) المخاطبة وعليه قراءة النبي ﷺ : ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ الفاء في فلتفرحوا مزيدة كما في "فاجْزَعِيْ" من قوله (٧):

стр. 1159

لا تَجْزَعِي إن مُنْفِسًا أَهْلَكْتُه … فإذا هَلَكْتُ فعندَ ذلِكَ فَاجْزَعِيْ قالَ جارُ اللَّهِ: (فصل): وهو مبني على الوقف عند أصحابنا البَصريين، وقال: الكوفيون: هو مجزومٌ باللام مضمرة، وهذا خُلف من القول". قالَ المُشَرِّح: احتج الكوفيون (١) في المسألة بشيئين: أحدهما: أن اللَّام [مما] (٢) يضمر كما في قوله (٣): * مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كلُّ نَفْسٍ * فتضمره ها هنا لأنَّ الأصل في المضارع الإِعراب. وثانيهما: أن الفعل المنهي عنه معرب مجزوم نحو: لا تقم ولا تقعد، فكذلك فعل الأمر نحو قم واقعد إذ النّهي ضدُّ الأمرِ والأشياء تُجرى على نقائضها، كما تُجرى على نظائرها. حُجَّةُ البصريين: أن الأضمار على (٤) خلافِ الأصلِ فلا يُصار إليه إلا بدليلٍ.

стр. 1160

قوله: "الأصلُ في المضارع الإِعرابُ فلا يبنى إلا بدليلٍ". قُلنا: ما ذكرت من الدّليلُ إن دلَّ على إضمار اللام في أمر المخاطب، فها هنا ما يدل على عدم إضماره، وذلك أن الأصلَ في المضمرات يكون ممكن الإِظهار، وإظهار اللام ها هُنا غير ممكن؛ لأنه [لو أمكن إظهاره] (١) لا يخلو من أن يظهر مع إعادة المحذوف، أولا مع إعادة، لا وجه إلى أن يكون لا مع إعادة لأنك لو قلت: لقم لقومًا لقوموا لم يكن شيئًا، بدليل أن اللام إنما تكون للأمر إذا [دخل على] (٢) المضارع. ولا وجه إلى أن يكون مع إعادة المحذوف، لأنه يلزمك أن تقول: لا تضرب أو لتا يضرب، وذلك محال.
следующие страницы →