[باب فعل الأمر]
قالَ جارُ اللَّهِ: "ومن أصناف الفعل مثالُ الأمرِ وهو الذي على طريقة المضارع للفاعل (١) المخاطب، لا يخالف بصيغته صيغته إلا أن تنزع الزائدة فتقول في يضع: ضع، وفي تضارب ضارب، وفي تدحرج دحرج ونحوهما مما أوله متحرك، فإن سكن زدت، لئلّا تبتدئ بالساكنِ همزة وصل فتقول في يضرب اضرب، وفي ينطلق ويستخرج انطلقْ واستخرجْ".
قالَ المُشَرِّحُ: مثال الأمر أبدًا على طريق المضارع من الفعل الذي تصوغه منه؛ تفسير ذلك أنك تجد فاء الفعل [وعينه] (٢) فيه على ما هما عليه في المضارع، تقول: اضرب. فتجد الضاد ساكنة والراء مكسورة كما تجدها كذلك في يضرب، وتقول: اذهب فتجد الفاء ساكنة والعين مفتوحة كما أنهما كذلك في يذهب، وعلى هذا القياس أبدًا، هذه ألفاظ الإِمام عبد القامر الجرجاني [﵀].
فإن سألتَ: الهمزةُ تكسر إذا كانت العين مكسورة، وتضم إذا كانت مضمومة فكيفَ لم تُفتح إذا كانت مفتوحة؟
أجبتُ: لئلا يُظن أنه مضارع موقوف عليه فتقع اللَّبسة. ألا ترى أنك لو
стр. 1157
قلت حينئذ افتح دار الأمير لم يكن فرق بين أن يكون هذا إخبارًا، وبين أن يكون أمرًا.
قالَ جارُ اللَّهِ: "والأصل في يكرم يُؤَكْرم كيُدَحْرج، فعلى ذلك (١) خرج أكرم".
قالَ المُشَرِّحُ: لما مست الحاجة إلى المجيء بالهمزة والمجيء بالهمزة الأصلية أقل.
فإن سألتَ: فلم سقطت الهمزة في مضارع أكرم؟
أجبتُ: لئلا يكتفي في الحكاية همزتان، ثم أطرد في غير الحكاية، ونحوه سقوط الواو في يعد، لئلا يتخلل أجنبي بين أختين ثم أطرد كما في تعد ونعد وأعد.
قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصل): وأما ما ليس للفاعل فإنه يؤمر بالحرف داخلًا على المضارع دخول لا ولم، كقولك: لتضرب أنت وليضرب زيد، ولأضرب أنا، وكذلك ما هو الفاعل، وليس لمخاطب كقولك: ليضرب زيد، ولأضرب أنا".
قالَ المُشَرِّحُ: أمر الخطاب (٢) بمثال (فاعل) له شريطتان.
إحداهما: أن يكون للفاعل.
والثانية: أن يكون للمخاطب.
فإذا فقدت إِحدى الشريطتين فاللام كقولك: لتضرب أنت، لأنه ليس للفاعل، وليضرب زيدٌ، لأنه ليس للمخاطب.
تخمير: ونحوه قولهم: لتُعنَ بحاجتي: إنما كان الأمر فيه باللام
стр. 1158
من حيث إن الأمر في فعل ما لم يُسم فاعله يتوجه في الحقيقة إلى الفاعل المتروك ذكره. قال الإمام عبد القاهر الجرجاني: فقولك: لتُعن في معنى ليعُنك أمرُ حاجتي. الأمر كما يكون لغير الأمر فقد يقع للأمر.
فإن سألتَ: الأمر إنما يكون لغير الأمر أما أن يكون له فكيف يصح؟
أجبتُ: أما في قولك: لتضرب [نحن] الآن فكأنك قلت: لتضرب أصحابي وأنا معهم في الضرب كواحد منهم، وأمّا فيما إذا قلت: لأضرب أنا فمعناه: أنا المتعين لضرب المستعين بأعواني عليه.
قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصل): وقد جاء قليلًا أن يؤمر بالفاعل للمخاطب بالحرف، ومنه قراءة النبي ﷺ (١): ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (٢).
قالَ المُشَرِّحُ: الأخفش: إدخالُ اللَّام في أمرِ المُخاطب لغةٌ رديئةٌ؛ لأنَّ هذه اللام إنما تدخل في الموضع الذي لا تقدر فيه على (أفعل) إذا خاطبت قلتَ قُم لأنك قد [استغنيت عنها] (٣)، والأمر كما ذكره الأخفش، إلا أن من المواضع ما يحسن فيه الأمر باللام للفاعل المخاطب، وذلك إذا كان المأمور جماعة بعضُها غايبٌ وبعضُها مخاطبٌ كقوله ﷺ : "لتأخذوا مصافكم" فالخطاب (٤) يفيد الخطاب واللام تفيد الغيبة فمجموع الأمرين مستفاد العموم، ولو قُلتَ: خُذوا مصافكم (٥) لأوهم خصوص الجماعة (٦) المخاطبة وعليه قراءة النبي ﷺ : ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ الفاء في فلتفرحوا مزيدة كما في "فاجْزَعِيْ" من قوله (٧):
стр. 1159
لا تَجْزَعِي إن مُنْفِسًا أَهْلَكْتُه … فإذا هَلَكْتُ فعندَ ذلِكَ فَاجْزَعِيْ
قالَ جارُ اللَّهِ: (فصل): وهو مبني على الوقف عند أصحابنا البَصريين، وقال: الكوفيون: هو مجزومٌ باللام مضمرة، وهذا خُلف من القول".
قالَ المُشَرِّح: احتج الكوفيون (١) في المسألة بشيئين:
أحدهما: أن اللَّام [مما] (٢) يضمر كما في قوله (٣):
* مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كلُّ نَفْسٍ *
فتضمره ها هنا لأنَّ الأصل في المضارع الإِعراب.
وثانيهما: أن الفعل المنهي عنه معرب مجزوم نحو: لا تقم ولا تقعد، فكذلك فعل الأمر نحو قم واقعد إذ النّهي ضدُّ الأمرِ والأشياء تُجرى على نقائضها، كما تُجرى على نظائرها.
حُجَّةُ البصريين: أن الأضمار على (٤) خلافِ الأصلِ فلا يُصار إليه إلا بدليلٍ.
стр. 1160
قوله: "الأصلُ في المضارع الإِعرابُ فلا يبنى إلا بدليلٍ".
قُلنا: ما ذكرت من الدّليلُ إن دلَّ على إضمار اللام في أمر المخاطب، فها هنا ما يدل على عدم إضماره، وذلك أن الأصلَ في المضمرات يكون ممكن الإِظهار، وإظهار اللام ها هُنا غير ممكن؛ لأنه [لو أمكن إظهاره] (١) لا يخلو من أن يظهر مع إعادة المحذوف، أولا مع إعادة، لا وجه إلى أن يكون لا مع إعادة لأنك لو قلت: لقم لقومًا لقوموا لم يكن شيئًا، بدليل أن اللام إنما تكون للأمر إذا [دخل على] (٢) المضارع.
ولا وجه إلى أن يكون مع إعادة المحذوف، لأنه يلزمك أن تقول: لا تضرب أو لتا يضرب، وذلك محال.
стр. 1161
[باب الفعل المتعدي وغير المتعدي]
قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الفعل المتعدي وغير المتعدي فالمتعدي على ثلاثةِ أضربٍ متعدٍّ إلى مفعول به، وإلى اثنين، وإلى ثلاثة، فالأول نحو قولك: ضربت زيدًا، والثاني نحو: كسوت زيدًا جبةً، وعلمتُ زيدًا فاضلًا، والثالث: أعلمتُ زيدًا عَمْرًا فاضلًا.
وغير المتعدي ضرب واحد وهو ما تخصص بالفاعل كذهبَ زيد (١) ومكث وخرج، ونحو ذلك".
قالَ المُشَرِّحُ: غيرُ المتعدي على ضربين:
أحدهما: أن يكونَ وصفيًّا كقولك: قام (١) زيد.
والثاني: أن يكون جُعليًا نحو ضُرب زيدٌ مبنيًا للمفعول.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): وللتَّعدِيَة أسبابٌ ثلاثة وهي الهمزة، وتثقيل الحشو، وحرف الجرِّ، تتصل ثلاثتها بغيرِ المتعدي فتُصَيِّرُهُ مُتعديًا، وبالمُتعدي إِلى مفعول واحدٍ فتُصيره ذا مفعولين نحو قوله أذهبته وفرَّحته وخرّجت به وأحفرته بئرًا، وعلمته القرآن وغَضَّبت عليه الضَّيعةَ، وتتصل الهمزة بالمُتعدي إلى اثنين فتنقله إلى ثلاثةٍ نحو أعلمت".
стр. 1162
قالَ المُشرِّحُ: "غضَّبت" [يعني قد] (١) تعدى إلى المفعول الأول.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): والأفعال المتعدية إلى ثلاثة على ثلاثة أضرب:
[ضربٌ] منقولٌ بالهمزة عن المتعدي إلى مفعولين وهو فعلان أعلمت وأريت، وقد أجاز الأخفش أظنت وأحسبت وأخلت وأزعمت.
وضربٌ متعدٍ إلى مفعولٍ واحدٍ قد أُجري مُجرى أعلمت لموافقته له في معناه فعدي تعديته وهو خمسةُ أفعالٍ: أنبأتُ، ونباتُ، وأخبرتُ وخبّرتُ وحدثت، قالَ الحارثُ بن حِلِّزَةَ:
* فَمَنْ حَدَّثْتُمُوْهُ لَهُ عَلَيْنَا العَلَاءُ *
قالَ المُشَرِّحُ: هذه المسألة تدل على أن التعديةَ بالهمزة عند الأخفش قياسٌ. صدر البيت (٢):
أَوَ مَنَعْتُمْ ما تُسْأَلُونَ فَمَن حُدَّثْتُمُوْهُ … البيت
مَنَعْتُمْ: مبني للفاعل، تُسألون: مبني للمفعول. حُدَّثتموه: لما جعل مبنيًا للمفعول انتقص منه المفعول الأول، لأنه أُقيم مقامَ الفاعلِ فصارَ الفعلُ متعديًا إلى مفعولين فالهاء أحد المفعولين وله علينا العلاء وهو المفعول الثاني.
قالَ جارُ اللهِ: "وضربٌ متعدٍ إِلى مفعولين وإلى الظرف المتسع فيه كقولك: أعطيتُ عبدَ الله ثوبًا اليوم، وسرق زيد عبد الله الثوب الليلة".
стр. 1163
قالَ المُشَرِّحُ: عبد الله هو المفعول [الأول "وثوبًا" هو المفعول] الثاني واليومَ هو الظرف المُتسع فيه، وفي (شرح الكتاب) عبد الله قد سقط منه حرف الجر، أبو سعيد السيرافي جاز أن تكون اللَّيلة مفعولةً على السعة بمنزلة:
* يَا سَارِقَ اللَّيْلَةَ أَهْلَ الدَّارِ *
وقد جاز أن يكون ظرفًا.
تخمير: تقول: يوم الجمعة سير بزيد فيه فرسخان، وإن جعلت يوم الجمعة مفعولًا قلت: يوم الجمعة سِيرَ بزيد فرسخان فإن قدمت الفرسخين أيضًا ويوم الجمعة ظرف قلت: الفرسخان يوم الجمعة سيرا فيه بزيد، وإن جعلت يوم الجمعة مفعولًا قلتَ: سيراه، فإن أقمتَ يوم الجمعة مقامَ الفاعلِ قُلتُ الفرسخان يوم الجمعة [سير] (١) بزيد فيهما [وإن جعلتَ الفرسخين مفعولين على السَّعةِ قلت الفرسخان يوم الجمعة سيراهما بزيدٍ] (٢)، وتقول: على هذا القياس: أما الليلةَ فَكَانهَا زيدٌ منطلقٌ، وفكان زيد إياها منطلقًا، أما اليوم فكانه زيد منطلقًا وفكان زيد إياه منطلقًا، وكذلك أما اليوم فليسه زيد منطلقًا، وفليس زيد إياه منطلقًا، وأما الليلة فليسها زيد منطلقًا وفليس زيد إياها منطلقًا، ولا تقول أما اليومَ فليتَهُ زيدًا منطلق تُريد (٣): ليتَ فيه؛ لأنّ "ليت" ليس بفعلٍ، ولا هذا موضع مفعول فيُتَّسع فيه.
قالَ جارُ اللهِ: "ومن النَّحويين من أَبى الاتساعَ في الظَّرفِ في الأفعال ذات المَفْعُولين".
قالَ المُشرِّحُ (٤): المفعولين في قوله: "ذات المَفْعُولين" جمع لا مثنى.
стр. 1164
ابنُ السراج ولا تقول: اليوم أنا مُعلمه زيدًا بشرًا منطلقًا لأنه لا يكون فعلًا يتعدى إلى أربعة مفعولين.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): والمُتعدي وغيرُ المتعدي سيان في نصب ما عدا المفعول به من المفاعيل الأربعة، وما ينتصب بالفعل من الملحقات بهن كما ينصب ذلك بنحو ضرب وكسا وأعلم تنصبه بنحو ذهب وقرب".
قالَ المُشرِّحُ: المفاعيل عندي في الحقيقة ثلاثة على ما ذكرته في قسم الأسماء، وأما المنصوب بمعنى "اللام [والمنصوب بمعنى] (١) "مع" فليسا بمفعولين (٢).
стр. 1165
[بابُ المبني للمَفعول]
قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الفعل المبني للمفعول. وهو: ما استُغني عن فاعله فأقيم المفعول مقامه وأُسند إليه معدولًا عن صيغة فَعَلَ إلى صيغة فُعِلَ، ويسمى فعل ما لم يسم فاعله، والمفاعيل سواء في صحة بنائه لها إلا المفعول الثاني في باب علمت والثالث في باب أعلمت، والمفعول له والمفعول معه، تقول: ضرب زيد وسير سير شديد، وسير يوم الجمعة وسير فرسخان".
قالَ المُشَرِّحُ: الضمير في "بنائه" للفعل. وفي "لها" للمفاعيل. المفعول الثاني في باب علمت لا يصح إسناد الفعل إليه وذلك أنه بمنزلة المفعول غير الصحيح. ألا ترى إذا قلت: علمت زيدًا منطلقًا فهو بمنزلة: علمت زيد في صفة الانطلاق، والمفعول الصحيح مع غير الصحيح إذا اجتمعا فالإِسناد إلى الصحيح، فإن لم يكن الأول فعلمت حينئذ لا يتعدى إلى مفعولين، وكذلك الإِسناد في باب أعلمتُ، فأمَّا المنصوب بمعنى "اللام" والمنصوب بمعنى "مع" فلأنهما ليسا بمفعولين في الحقيقة على ما مضى.
تخمير: اِعلم أنَّك إذا قلتَ: سيرَ بزيدٍ سيرًا فالوجه النصب لأنك لو رافعته لكان بعض الفعل فاعلًا له وذلك لا يجوز. ابن السراج: فإن وصفته فقلت: شديدًا وهيّنًا فالوجهُ الرفعُ لأنَّك لما نعته قربته من الأسماء وحدثت فيه فائدة لم تكن في سِيْر.
стр. 1166
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وإذا كان للفعل غير مفعول فبني لواحد بقي ما بقي على انتصابه كقولك: أعطى زيدٌ درهمًا وأعلم أخوك منطلقًا وأعلم أخوك عمرًا خيرَ الناسِ".
قالَ المُشَرِّحُ: البناء للمفعول نقيض التعدية، وذلك أن البناء للمفعول ينتقص الفعل مفعولًا كما أن التعدية تزيده مفعولًا.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وللمفعول به المتعدي إليه بغير حرف الجر من الفعل على سائر ما ما بني له أنه متى ظُفِرَ به في الكلام فممتنع أن يُسند إليه غيره تقول: دُفع المال إلى زيد وبلغ بعطائك خمسماية برفع المال وخمس المائة، ولو ذهبت تنصبها مسندًا إلى زيد وبعطائك قائلًا: دفع إلى زيد المال: وبلغ بعطائك خمسماية كما تقول منح زيد المال وبلغ عطاؤك خمسماية خرجت عن كلام العرب".
قالَ المُشَرِّحُ: الكلامُ إذا (١) كانَ فيه مفعولٌ صحيحٌ فإنه لا يجوزُ بناءُ الفعلِ إلا له، فإذا فُقد فحينئذٍ يُسند إلى أي مفعولٍ شئتَ من المفاعيل المذكورة في الكلامِ الفعلُ، تقول: جذبت زيدًا إلى داره جذبًا شديدًا يومَ الجمعةِ خلفَ القاضي ثم جُذب إلى داره جذبًا شديدًا خلفَ القاضي فترفع "زيدًا" لقيامه مقامَ الفاعل، ولا ترفع لهذا المعنى غيره، لأن المفعول به بعد طرح الفاعل أسبق حضورًا بالبال [فتكون إقامته مقام الفاعل أولى. أمَّا أنه أسبق حضورًا بالبال] (٢) فلأنه بالإِضافة إلى سائر المفاعيل مفردٌ، أما بالإِضافة إلى المفعول غير الصحيح فلأن غير الصحيح مجذوب إليها والصحيح مجذوب، ولا شبهة في أن المجذوبَ مفردٌ.
وأما بالإِضافة إلى نوعي المفعول فيه فلأن ذلك كما عرفت مجذوب
стр. 1167
وهما مجذوب فيهما فهذا هو المفعول غير الصحيح ونوعي المفعول فيه. وأما المفعول المطلق فلا دلالة للفعل عليه، كما له على المفعول به دلالة، وهذا لأن معنى المفعول المطلق يرجع إلى معنى التأكيد. ألا تَرى أنَّك إذا قلت: جذبت زيدًا جذبًا (١) فمعناه أوجدت فيه جذبًا جذبًا بليغًا بحيث قد استوجب أن يذكر مرتين ونفس الجذب لا يدل على الجذب البليغ بخلاف المفعول به فإن الجذب يدل ضرورة أن الفعل لا يكون بدون المفعول فكان المفعول به عند طرح الفاعل خاطرًا بالبالِ، ولم يكن المفعول المطلق عند ذلك خاطرًا. أما أنه إذا كان أسبق خطورًا بالبال فإقامته مقام الفاعل أولى فظاهر؛ لأنه أمكن إقامته مقام الفاعل، وفي وقت لم يمكن فيه إقامة غيره مقامه فيقام.
تخمير: الفعل (٢) إذا تعدى إلى المفعول بواسطة حرف الجر فالمفعول ما هو؟ أهو المجرور بدون الجار أم هو به، فعند النحويين المفعول هو المجرور مع الجار وهذا سهو، ألا ترى أن الباء في قوله: خرجت بزيدٍ بمنزلة الهمزة وتثقيل الحشو في أخرجتُ وخرَّجتُ فكما أن الهمزة وتثقيل الحشو في أخرجت وخرجت ليسا جزءًا من المفعول إنما هما جزءٌ من الفعل كذلك ها هنا؛ لأن هذا الفعل المتعدي بحرف الجر يُجعل مبنيًا للمفعول ولو لم يكن الجار جزءًا من الفعل لما جاز بناؤه من المفعول؛ لأن الفعل اللازم لا يجعل مبنيًا للمفعول، ولأن الجار ها هنا قد تعدى به الفعل وصار معه بمنزلة الفعل المتعدي، وشيءٌ من الفعل المتعدي لا يكون جزءًا من المفعول.
فإِن سألتَ: ما ذكرت من الدليل إن دل على أنه جزءٌ من الفعل فها هنا
стр. 1168
ما يدل على أنه [ليس جزءًا] (١) منه إذ [لو] كان جزءًا منه لما تأخر عن الفاعل (٢) [في خرجت بزيد وخرج عمرٌو بزيدٍ؛ لأن جزءًا من الفعل لا يتأخر عن الفعل] (٣)؟.
أجبت: لو كان جزءًا من الفاعل لتأخر ما في خرجت بزيد فلأنه لو لم يكن يتأخر لكان [الجار] (٤) مقدمًا فبعد ذلك لا يخلو من أن يتقدم مع المجرور أولًا مع المجرور.
لا وجه أن يتقدم لا مع المجرور؛ لأنَّ ذلك مما يُوقع الفصل بين الجار والمجرور، وذلك لا يجوز.
ولا وجه أن يتقدم مع المجرور؛ لأنَّه يلزم ذلك اتصال تاء الضمير بالاسم، وذلك لا يجوز.
فإن سألتَ: ما ذكرتَ من الدليل إن دل على أن الجار جزء من الفعل فها هُنا ما يدل على أنه ليس جزءًا منه وذلك أنه لو كان جزءًا منه للزم من ذلك أحد الأشياء المحذورة وهو: إما تأخر الجزء من الفعل، وإما الفصل بين الجار والمجرور، وإما اتصال تاء الضمير بالاسم؟
أجبت: نعم لكن لمعارضٍ (٥)، إمّا على تقدير تأخر الجار عن الضمير قليلًا يلزم من ذلك أحد المحذورين اللذين هما الفصل بين الجار والمجرور واتصال تاء الضَّمير بالاسم، وإما على تقدير التقدم قليلًا يلزم من ذلك أحد المحذورين الآخرين اللَّذَيْن هما تأخر الجزء من الفعل على الفاعلِ واتصال
стр. 1169
تاء الضَّمير بالاسم أنْ [لو] كان الواقع [هو الفصل بين الجار والمجرور أحد المحذورين اللذين هما تأخر الجزء من الفعل عن الفاعل] والفصلُ بين الجار والمجرور أن [لو] كان الواقع هو اتصال تاء الضمير بالاسم، والدليلان إذا تعارضا ولأَحدهما معارضٌ فترك العمل بماله معارضٌ أولى نظيره: القِصاصُ واجبٌ على القاتل بالنص، ثم يقال بأنه لو وجب عليه القصاص للزم من ذلك الضَّررُ بالقاتل والضرر منتف، لأنا نقول يلزم من ذلك الضرر بالقاتل لكن لمعارض آخر وهو دفع الضرر عن المقتول. فحاصل المسألة أنه لا يترك العمل بالموجب للقصاص للزوم الضرر بالقاتل، بل يعمل به، ولزوم الضرر بالقاتل مضاف إليه المعارض. كذلك ها هُنا فهذا في خَرَجْتُ بزيدٍ. أما في خرجِ عَمْروٌ بزيد فلئلا يلزم من ذلك تقديم المفعول على الفاعل تقديمًا أبديًّا.
قالَ جارُ اللهِ: "ولكن إذا أردت الاقتصار على ما ذكر المدفوع إليه، والمبلوغ إليه قلت: دُفع إلى زيد وبُلغ بعطائك".
قالَ المُشَرِّحُ: هذا بناءً على ما ذكرته من أن الكلام إذا لم يكن فيه مفعول غير صحيح وفيه مفعول صحيح فإنه يُسند إليه الفعل.
قالَ جارُ اللهِ: "ولذلك لا تقول: ضُرب زيدًا ضربٌ شديدٌ، ولا يومُ الجُمعة، ولا أمامُ الأميرِ، بل تَرفعه وتَنصبهما".
قالَ المُشَرِّحُ: [يريد] (١) أنه إذا كان في الكلام مفعولٌ صحيح وفيه سائر المفاعيل فإن الإِسناد إلى المفعول الصحيح.
قالَ جارُ اللهِ: "وأما سائر المفاعيل فمستوية الأقدام لا تفاضل بينها إذا اجتمعت في الكلام في أن البناءَ لأيِّها شئت صحيح غير ممتنع تقول:
стр. 1170
استُخِف بزيد استخفافًا شديدًا يومَ الجمعة أمام الأمير إن أسندت إلى الجار مع المجرور، ولك أن تسند إلى يوم الجمعة أو إلى غيره، وتترك ما عداه منصوبًا".
قالَ المُشَرِّحُ: الكلامُ إذا لم يكن فيه مفعول صحيح، وفيه سائر المفاعيل فلك الخيار في الإِسناد إلى أيّها شئت. قوله: وإن أسند إلى الجار مع المجرور منظورٌ فيه كما ذكره.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ولك في المفعولين المتغايرين أن تُسند إلى أيهما شئت تقول: أُعطي زيدٌ درهمًا وكُسي عمروٌ جبةً وأعطي درهم زيدًا، وكسيت جبة عمرًا، إلا أنَّ الإِسناد إلى ما هو فاعل في المعنى أحسن وهو زيد لأنه عاط وعمرو لأنه مكتس".
قالَ المُشَرِّحُ: إذا كان للفعل مفعولان ثانيهما غير الأول فلك أن تُسند إلى أيهما شئت إلا أن الاختيار أن تسند إلى ما هو فاعل في المعنى.
стр. 1171
[بابُ (ظنّ) وأخواتها]
قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الفعل أفعال القلوب، وهي سبعة: ظننتُ، وحسبتُ، وخلتُ، وزعمتُ، وعلمتُ، ورأيتُ، ووجدتُ، إذ اكُنَّ بمعنى معرفة الشيء على صفة كقولك: علمت أخاك كريمًا، ورأيته جوادًا، ووجدت زيدًا ذا الحفاظ".
قالَ المُشَرِّحُ: [هذه] (١) الأفعال تقتضي مفعولين وثانيهما هو الأول. الأربع الأول للشك والثلاث الباقية لليقين.
قالَ جارُ اللهِ: "تدخل على الجملة من المبتدأ أو الخبر إذا قصد اقتضاؤها على الشك أو اليقين فتنصب الجزأين على المفعولية وهما على شرائطهما وأحوالهما في أصلهما".
قالَ المُشَرِّحُ: المفعولان في باب علمت -في الأصل- مبتدأ وخبره فالمفعول الأول هو المبتدأ والمفعول الثاني هو الخبر. عني بأحوالهما كونهما معرفة ونكرة، وشرائطهما إعادة الضمير من الخبر إلى المبتدأ.
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ): ويُستعمل أَرَيْتُ استعمال ظَنَنْتُ فيقال: أريتُ زيدًا منطلقًا، وأرى عمرًا ذاهبًا، وأتن تَرى بشرًا جالسًا؟ ويقولون … ".
стр. 1172
قالَ المُشَرِّحُ: رأيت تتعدى إلى مفعولين فإذا عدي بالهمزة صار متعديًا إلى ثلاثة ثم إذا جعل مبنيًا للمفعول عادت الحال الأولى جذعة.
فإن سألتَ: فأين المفاعيل في قوله (١): ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾؟
أجبتُ. هو من قولهم فلان يرى رأي الخوارج، فقصر على مفعول واحد، وإليه ذهب أبو عبيدة في تأويل الآية (٢) [فقال]: وأرنا مناسكنا، أي: علمنا وأنشد (٣):
* أَرِيْنِيْ جَوَادًا ماتَ هُزْلًا لَعَلَّنِي *
[قالَ جارُ اللهِ: "ويقولون في الاستفهام متى تقول زيد منطلقًا؟ وأتقول عمرًا ذاهبًا؟ وأكلُّ يوم تقول عمرًا ذاهبًا؟ وأكل يوم تقول عمرًا منطلقًا؟ بمعنى تظن قال:
أَجُهَّالًا تَقُولُ بَنِي لُؤَيٍّ … لَعَمْرُ أبِيْكَ أم مُتَجَاهِلِيْنَا
قالَ عمر بن أبي ربيعة:
أمَّا الرَّحِيْلُ فدونَ بعدِ غَدٍ … فَمَتَى تَقُوْلُ الدَّارَ تَجْمَعُنَا] (٤)
قالَ المُشَرِّحُ: اِعلم أنك إذا قلت: تقول بني لؤي جهالًا وأتقول بني لؤي جهالًا فمعنى القول في الفصلين واحدٌ وإن كانت صورتهما مختلفة إلا أن طريقة النَّصب أفهم الوجهين فيلزم الاستفهام لكونه ملزمًا ونظيره هذه
стр. 1173
المسألة: أعبدَ الله ضربته بالنصب قال الراجز (١):
مَتَى تَقُوْلُ القُلُصَ الرَّوَاسِمَا … يُدْنِيْنَ أمَّ قاسمٍ وقَاسِمَا
البيت للكميت (٢). وفي شعره أيضًا:
أَنُوَّامًا تقولُ بني لُؤَيٍّ … لعمرُ أبِيْكَ أم مُتَنَاوِمِيْنَا
عَنِ الرَّامِي الكِنَانَةَ لم يردها … ولكن كادَ غيرُ مُكَايِدِيْنَا
يخاطب بذلك أهلَ اليَمن. بنو لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النَّضر وهم قريش، يقول أتظنُّ قريشًا تغفل عمنْ هَجَا شعراء نزار لأنهم إذا هجوا شعراء مضر، والقبائل التي منها هؤلاء الشعراء فقد تعرضوا لسبِّ قُريش، فهم بمنزلة الذي رمى رجلًا فقيل له في ذلك إنما رميت كنانته ولم أرمه فكان عُرضة أن تصيب الرجل. يريد من هجا بني (٣) كنانة وبني أسد، ومَنْ قَرُب نَسَبُهُ من قريشٍ فهو يعرض لسب قريش. يُحرِّضُ عليهم الخلفاء.
ما قبل بيت عمر بن أبي ربيعة (٤):
стр. 1174
قالَ الخَلِيْطُ غَدًا تصَدُّعُنَا … أو شَيْعَهُ فَمَتَى تُوَدِّعُنَا
التَّصَدُّعُ: هو التفرق، ومشيع الشيء: ما يتلوه يقال: ما أتيتك غدًا أو شيعة كأنها قالت: ترحل غدًا أو بعد غد (١) ثم قالت: بل نرحل غدًا و"غدًا" قبل بعد غد، تريد أن تعرف حاله من بعدها، وكيف حزنه على فقدها.
قالَ جارُ اللهِ: "وبنو سُليم يجعلون باب قلت أجمع مثل ظننت".
قالَ المُشَرِّحُ: بنو سُلَيْمٍ يُجرون متصرف قُلت في غيرِ الاستفهام أيضًا مُجرى الظَنِّ فيعدونه به إلى مفعولين فعلى مذهبهم يجوز فتح "أن" بعد القول.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): ولها ما خلا حسبت وخلت وزعمت معان أخر لا يتجاوز عليها مفعولًا واحدًا، وذلك قولك: ظننته من الظنة وهي التهمة ومنه [قوله] عز وعلا (٢): ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ وعلمتُه بمعنى عَرَفْتُهُ، ورأيته بمعنى أبصرته، ووجدت الضالة إذا أصبتها، وكذلك رأيت الشيء بمعنى أبصرته وعرفته ومنه قوله (٣): ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ وأتقولُ إنَّ زَيْدًا منطلقًا أي أتفوه بذلك".
قالَ المُشَرِّحُ: هذا وجهٌ آخر لانفتاح "إنَّ" بعد القول.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): ومن خصائصها أن الاقتصار على أحد المفعولين في نحو كسوت وأعطيت مما تغاير مفعولاه غير ممتنع تقول: أَعطيتُ درهمًا ولا تذكر من أعطيته، وأعطيت زيدًا ولا تذكر ما أعطيته، وليس لك أن تقول: حسبت زيدًا ولا منطلقًا وتسكت لفقدها ما عقدت عليه حديثك".
стр. 1175
قالَ المُشَرِّحُ: في سائر الأفعال المتعدية إلى مفعولين يجوز الاقتصار على أحدهما: أما في باب علمت فلا. وأما قوله:
* فَلَمْ أَعْرِفِ الأَطْلَالَ لكن (١) أَخَالَهَا *
فعلى معنى التوهم.
قالَ جارُ اللهِ: "فأمَّا المفعولان معًا فلا عليك أن تسكت عنهما في البابين قال الله تعالى (٢): ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وفي أَمثالهم (٣): (مَنْ يَسْمَعْ يَخَل) ".
قالَ المُشَرِّحُ: قوله: فأما المفعولان بالفاء. عنى بالبابين باب علمت وأعلمت.
قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا قولُ العرب ظننت ذاكَ، فذاك إشارة إلى الظن، كأنهم قالوا: ظننت فاقتصروا".
قالَ المُشَرِّحُ: ذاك في قولهم: ظننت ذاك إشارة، ومنه: عبد الله أظنُّه منطلق ونحوه: (وأجعله الوارث منا) على رأي الشيخ ﵀.
قالَ جارُ اللهِ: "وتقول: ظننت به إذ جعلته موضع ظنك كما تقول ظننت في الدَّارِ فإن جعلت الباء مزيدة بمنزلتها في: ألقى بيده لم يجز السكوت عليه".
قالَ المُشَرِّحُ: إذا جعلته موضع ظنِّك فالمفعولان متروكان كأنك قلت: ظننت به الخير حاصلًا أو نحوه، فإن جعلت الباء مزيدة كان المجرور هو المفعول الأول.
стр. 1176
قالَ جارُ اللهِ: (فصل): ومنها أنها إذا تقدمت أعملت ويجوز فيها الإِعمال والإِلغاء مُتوسطةً ومتأخرةً قال (١):
أَبا الأَراجِيْزِ يا بنَ اللُّؤم تُوْعِدُني … وبالأَرَاجِيْزِ خِلْتُ اللُّؤْمُ والخَوَرُ
قالَ المُشَرِّحُ: إذا تأخرت كان الإِلغاء فيها أحسن منه إذا توسطت وهذا محصولُ كلامِ أبي سعيد السيرافي (٢)، وهذا لأنها إذا توسطت كانت متأخرة من وجه متقدمة من وجه، لأنها (٣) وإن كانت متأخرة عن أحد المفعولين فهي متقدمة على [المفعول الآخر بخلاف ماذا تأخرت. قوله: "وفي الأراجيز": أحد المفعولين] (٤) و"اللؤم والخور" هو المفعول الآخر (٥). وعندهم أن الشعر
стр. 1177
الفحل هو القصيد، وفحول الشعراء أصحاب القصيد. البيت للَّعِيْن المنقري يهجو عمرو بن لَجَأ التَّيْمِيّ (١).
تخمير: اِعلم أن "أعلمت" إذا لم يُسم الفاعل فيها وسطتها بين المفعولين فالقياس فيها أن تلغى الغاء ظننت لأنها صارت بالنقل الذي دخل فيها بمنزلة الفعل المتعدي في الحقيقة. ألا ترى أنك إذا قلت: أعلمت زيدًا عمرًا خير الناس فقد أوصلت إلى زيد علمًا، كما أنك إذا قلت: أعطيت زيدًا درهمًا، فقد أوصلت إلى زيد درهمًا فصار مخالفًا لباب ظننت وأخواتها فأعرفه بحثًا سقتُهُ إليك كما سيق إليَّ.
قالَ جارُ اللهِ: "ويلغى المصدر إلغاء الفعل فيقال: متى زيد ظنك ذاهب، وزيد ظني مقيم وزيد أخوك ظني، وليس ذلك في سائر الأفعال".
قالَ المُشَرِّحُ: المفعولان في هذا الباب أصلهما المبتدأ والخبر فبأدنى شيء يعودان إلى أصلهما ولذلك قلنا: بأن العلم متى كان منقولًا عن الجنس جاز دخول اللام عليه بغير كراهية.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): ومنها أنها تعلق وذلك عند حرف الابتداء والاستفهام والنفي كقولك ظَنَنْتُ لزيد منطلق، وعلمت أزيد عندك أم عمرو، وأيُّهم في الدَّارِ، وعلمت ما زيد منطلق".
قالَ المُشَرِّحُ: اشتقاق التعليق من قولهم: امرأة معلقة لا ذات بعلٍ ولا مطلقة، ومما يوقفك على حقيقة المعلقة المسألة المذكورة في كتاب النكاح: رجل تزوج أختين في عقدين ولا يُدري أيّهما الأولى (٢) فرق بينه وبينهما، لأنه لو لم يفرق بينه وبينهما بقيت الأولى معلقة لا ذات بعل ولا مطلقة. ثم أفعال القلوب عند انعزالها عن العمل بأحد الأشياء الثلاثة تسمى معلقة؛ لأنها
стр. 1178
حينئذ لا معملة ولا غير معملة، فكان لها شبةٌ بها وإنما يبطل عملها عند أحد هذه الأشياء الثلاثة لما مضى في أوائل قسم الأسماء.
تخمير: الذي يقول: علمتُ لزيدٌ أخوكَ أم عمروُ ويأتي بلفظ الاستفهام وليس غرضه الاستفهام ولكن أن يدل على أنَّه قد علم ما يطلبه المستفهم بمثلِ هذا الكَلام، والذي يَطْلُبُ هو معرفته غير الذي هو أخو المخاطب من بين زيدٍ وعمروٍ.
تخمير: اعلم أنه لا يجوز أن يلي "أي" إذا كانت استفهامًا شيئًا من الأفعال إلا أفعال القلوب؛ لأنك تحتاج أنَّ تلغيها إذ لا يعمل في الاستفهام ما قبله، وخُصت بذلك أفعال القلوب لأنها قد تلغى وأمَّا الأفعال المؤثرة فلا يجوز أن تدخل على الاستفهام؛ لأنها لو دخلت عليه لا تخلو من أن تلغيها أو تعملها وكلا الأمرين لا يجوز.
أمَّا إلغاؤها فلأن الأفعال المؤثرة لا تلغى.
وأما إعمالها فلأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه.
فإن سألتَ: ما الدليل على أن ما قبل الاستفهام لا يعمل في الاستفهام والدليل عليه أنك تقول: أيَّهم تضرب فتنصب "أيهم" بتضرب وهو مقدم عليه من حيث المعنى؟
أجبت: لا نُسلِّم أن تضرب مقدم على أيَّهم من حيث المعنى، وهذا لأن "أيًا" نائبة (١) من حيث المعنى عن شيئين:
أحدهما: الاسم المستفهم عنه فهو غير مقدم.
والثاني: الاستفهام.
والفعل وإن كان مقدمًا عليه من حيث الاسم المستفهم عنه فهو غير
стр. 1179
مقدم عليه من حيث الاستفهام، فلا يكون مقدمًا عليه، ضرورة أن الفعل مؤخر عنه، وقد وقع التعارض في تقديمه فيمتنع تقديمه.
قالَ جارُ اللهِ: "ولا يكون التعليق في غيرها".
قالَ المُشَرِّحُ: ابنُ السراج: لا تقول جعلتك (١) إنَّك لخارجٌ.
تخمير: اِعلم أن "جعل" تجري مجرى أفعال المقاربة مرة، وتجري [مجرى] أفعال القلوب أخرى، تقول: جعل يفعل كذا وجعلت زيدًا أميرًا قال اللُه تعالى (٢): ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ وتشاركها أيضًا في جواز أن يتعدى فيها فعلا الضمير المتصل أو المستكن إلى مثله كقولك: جعلتك أميرًا. أي قدرت ذلك في نصيبك وإحسانك بجعلك نظيرًا لزيدٍ. قال الإِمام عبد القاهر الجرجاني: فأمَّا الإِلغاء والتَّعليق فلا يكون فيه.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): ومنها أنك تجمع فيها بين ضميري الفاعل والمفعول، فتقول: علمتني منطلقًا ووجدتك فعلت كذا ورآه عظيمًا".
قالَ المُشَرِّحُ: الرِّوَايَةُ بين ضَميري الفاعل والمفعول من غير توسط، والعطف وإنما جازَ أن تجمع فيها بين ضميري الفاعل والمفعول لأن ذاك وإن كان جمعًا بينهما من حيث الظاهر فليس جمعًا من حيث المعنى. ألا تَرى أن المعنى علمت انطلاقي متحققًا، ووجدت فعلك موجودًا، ورآه عظيمه واقعًا بخلاف شتمتني وضربتك. وتقول: زيد ظننته منطلقًا ولا يجوز زيد ظن منطلقًا، والأصل فيه أن تعدية المضمر إلى المضمر جائزة. ولا يجوز تعدية المضمر إلى المظهر، وكلامُ الشَّيخِ ﵀ يوميء إلى هذه اللطيفة، وذلك من حيث تثنية المضمر.
стр. 1180
قالَ جارُ اللهِ: "وقد أجرت العرب عدمت وفقدت مجراها فقالوا: [عدمتني] وفقدتني، قال جران العَود:
لَقَدْ كَانَ لي عن ضَرَّتَيْنِ عَدِمْتُنِي … وعَمَّا أُلاقي منهما مُتَزَحْزَحُ (١)
ولا يجوز ذلك في غيرها، فلا تقول: شتمتني ولا ضربتك ولكن شتمت نفسي وضربت نفسك".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما أجروا عدمت وفقدت مجرى أفعال القلوب؛ لأنهما بمنزلة وجدت. جِرَانُ العَوْدِ: سُمي لقوله في هذه الحائية.
خُذَا حَذَرًا يا جَارَتَيَّ فإنَّنِي … رأيتُ جِرَانَ العَوْدَ قد كادَ يَصْلُحُ
كادَ من الأفعال. كان اتخذ لهما قطيعًا من جلدٍ طريء وألقاه في الشَّمس ليجف فرآه قد أخذ يجف فأنذرهما.
стр. 1181
[باب الأفعال الناقصة]
قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الأفعال الناقصة: هي كان، وصار، وأصبح، وأمسى، وأضحى، وظل، وبات، وما زال، وما برح، وما انفك، وما فتئ، [وما دام] (١)، وليس. يدخلن دخول أفعال القلوب على المبتدأ، والخبر، إلا أنهن يرفعن المبتدأ وينصبن الخبر، ويسمى المرفوع اسمًا والمنصوب خبرًا ونقصانهن من حيثُ أن نحو ضرب وقتل كلام متى أخذ مرفوعه، وهؤلاء ما لم يأخذن المنصوب مع المرفوع لم يكن كلامًا".
قالَ المُشَرِّحُ: "يَكُنَّ" في "لم يكنَّ [كلامًا] (١) " بتشديد النون الفرق بين فعل التام والفعل الناقص، أن الفعل الحقيقي يدل على معنى وزمان نحو قولك: ضرب يدل على [ما مضى من الزَّمان وعلى الضرب وكان -فيما زعموا- يدل على معنى من الزَّمان فقط] (٢).
ابنُ السراج (٣) فإذا قالوا: كان زيدٌ قائمًا فإنما معناه: زيد قائم فيما مضى من الزمان. ولذلك لا يجوز الاقتصار على الفاعل ها هنا، بخلاف سائر الأفعال التامة.
стр. 1182
وهذا الكلامُ عندي معترضٌ عليه، وذلك أن سائرَ الأَفعال الماضية إنّما كانت تامةً من حيثُ أن فيها خُصوصُ [زمانٍ] (١) وخصوصُ لَفْظٍ فمن حيث خصوص الزَّمان يدلُّ على المُضي، ومن حيث خُصوص اللَّفظ يدل على خصوصِ مَعنى المَصدر، وخُصوص [الزَّمان] (١) مع خصوص اللفظ موجود ها هنا فوجَب أن يكون تامًا، ولعلهم عنوا أن الفعل الناقص وإن كان يدل على معنى المصدر كما يدل (٢) على معنى الزمان، لكن الخبر ما انعقد لتعريف معنى المصدر فيه، لأنه معلوم، فكان دلالته عليه وعدم دلالته بمنزلةِ واحدةٍ (٢).
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): ولم يذكر سيبويه منها إلا كان وصار وما دام وليس، ثم قال (٣): وما كان نحوهن من الفعل مما لا يستغني عن الخبر، ومما لا يجوز أن يلحق بها آض وعاد وغدا وراح. وقد جاءت بمعنى صار في قول العرب: ما جاءت حاجتك، ونظيره قعد في قول الأعرابي: (أرهف شفرته حتى قَعَدَتْ كأنَّها حربة) ".
قالَ المُشَرِّحُ: هذا استفهام كأنه قال: أيُّ شيءٍ صارت حاجتك وفي جاءت ضمير ما، وانما أنث لتأنيث الخبر كقولهم: من كانت أمك.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وحال الاسم والخبر مثلهما في باب الابتداء والخبر من حيث إن كون المعرفة اسمًا والنكرة خبرًا أحد الكلام، ونحو قول القُّطامي:
* ولا يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكَ الوَدَاعَا *
وقول حَسّان:
стр. 1183
* يَكُوْنُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ ومَاءُ *
وبيتُ الكتاب:
* أَظَبْيٌ كانَ أُمَّكَ أَمْ حِمَارُ *
من القلب الذي كان يُشَجِّعُ عليه أَمْنُ الالتباس".
قالَ المُشَرِّحُ: الاسمُ في بيتِ حسّان وإن كان نكرةً غير موصوفة فهي بمنزلةِ الموصوفةِ، وهذا كما قلنا في: (شرُّ اهرَّ ذا نابٍ) المعنى عَسَل وأيُّ عسلٍ، وماءٌ وأيُّ ماءٍ. وأما بيت القطامي فمنزلة الموصوف أيضًا لأن معناه: لا يك وداع في موقف وداعك. وأمَّا بيتُ الكتاب:
* أَظَبْيٌ كانَ (١) أُمَّكَ أَمْ حِمَارُ *
فشاذٌّ، [ودليل] (٢) شذوذه أن الضَّمير المستكن في "كان" ها هنا نكرة، وهذا لأن الضَّمير إذا رجع إلى نكرةٍ فهو على وجهين:
إمَّا إن كان في موضع تحسن فيه الإِشارة إليه كما في قولك: جاءني رجل فأكرمته فذلك معرفة.
وإما إن كان في موضع لا يحسن الإِشارة إليه فيكون نكرة ولولا الرواية لرفعت المنصوب ها هنا لتكون "كان" هي المزيدة. صدر بيت القطامي (٣):
قِفِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ضُبَاعَا … ولا يَكُ … .... … البيت
стр. 1184
هي ضُبَاعَةُ: -بالضم- بنت زُفر بن الحارث الكلابي، يقول: قفي حتى أودعك قبل أن نَتَفَرَّق. صدر بيت حسان (١):
كأنَّ سلافةً من بَيْتِ رَأْسٍ … ... … ... البيت
ويروى: (كأن خبيئةً)، ويروى: (سبيئةً)، سبأت الخمر سبأً ومسبأً: إذا شريتها لتشربها قال (٢):
* يَعْلُوا بأَيْدِي الرِّجَالِ مَسْبَؤُهَا *
فإذا شَرَيْتَهَا لتحملها إلى بلدٍ آخر قلتَ: سبئت، والسَبَّاءُ: هو الخمارُ. بيتُ رأسٍ: اسمُ قَريةٍ بالشام (٣). كانت تُباع فيها الخُمُور، وبعده:
على أَنْيَابِهَا أو طَعْمَ غَضٍّ … من التُّفاحِ هَصَّرَهُ اجْتِنَاءُ
هَصَّرَهُ، أي: أَمَالَهُ. وأولُ بيتِ الكِتَابِ:
стр. 1185
فإنَّك لا تُبَالِي بَعْدَ حَوْلٍ … أَظَبْيٌ … ... البيت
وأنشد [أبو العباس] المبرد في كتابه الموسوم بـ (المقتضب) لخداش ابن زهير (١). ونظير هذا البيت إعرابًا ما أنشده المُبَرِّدُ أيضًا (٢):
أَسَكْرَانُ كانَ ابنَ المَرَاغَةِ إذ هَجَا … تَمِيْمًا بِجَوْفِ الشَّامِ أَمْ مُتَسَاكِرُ
سَكْرَانُ: مرفوعٌ، وابنُ المَرَاغَةِ: منصوبٌ. وبعده:
فَقَدْ لَحِقَ الأَسَافِلُ بالأَعَالِي … وَمَاجَ القَوْمُ واختَلَطَ النِّجَارُ
يقول: تغيرت أخلاق الناس حتى صار كل قوم منهم يرجعون إلى أصلهم ونجارهم، وما كان عليه أوائلهم، وذهب السؤدد والمكارم حتى أنهم إن بقوا على هذا الوصف سنة لا يبالي إنسان أهجينًا كان أم غيرَ هجين، وقيل: [ما بعد ذلك البيت] (٣):
لَقَدْ بُدَّلْتُ أهلًا بَعْدَ أَهْلٍ … فَلَا عَجَبٌ بذَاكَ وَلَا شَجَارُ
فَقَدْ لَحِقَ … ... … ... … ... … ... البيت
الشّجار والمُشَاجَرَةُ بمعنىً، وهما: النِّزاعُ والمُنازعة.
стр. 1186
قالَ جارُ اللهِ: "ويجيئان معرفتين معًا ونكرتين معًا (١) والخبر مفردًا وجملة بتقاسيمها".
قالَ المُشَرِّحُ: محصول هذا الفصل أنَّ المبتدأ والخبر إما أن يكونا معرفتين وإما أن يكونا نكرتين، فبعد ذلك إمَّا أن يكون المبتدأ هو المعرفة والخبرُ النكرة وإما العكس، مثال ذلك كان زيدٌ المُنْطَلِق، كان رجلٌ ظريفٌ منطلقًا، كان زيدٌ منطلقًا، كان مِزَاجَها عسلٌ وماءٌ.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): و "كان" على أربعةِ أوجهٍ: ناقصة كما ذكرنا، وتامة بمعنى وقع ووجد كقولهم: كانت الكائنة والمقدور كائن، وقوله تعالى (١): ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وزائدة في قولهم: إن من أفضلهم -كان- زيدًا، وقال (٢):
جِيَاذْ بَنِي أَبي بكرٍ تَسَامَى … عَلَى كانَ المُسَوَّمَة العِرَابِ
ومن كلام العرب: وَلَدَتْ فاطمةُ بنت الخرشب الكملةَ من بني عبس لم يوجد -كانَ- مثلُهم، والتي فيها ضمير الشأن".
قالَ المُشَرِّحُ: مثال التي فيها ضميرُ الشَّأنِ قولهم: كان أنت خير من زيد، وهي على حسب مذهبهم في الأصل الناقصة. والمعنى كان الأمر والشأن أنت خير من زيد.
وعندي: أن "كان" ها هُنا هي التَّامة والجُملة بعدها محكيةٌ والمعنى وقع (٣) هذه الوَقعة وهي أنتَ خيرٌ من زيدٍ.
стр. 1187
تخمير: الأفعال المؤثرة لا يجوز أن يُضمر فيها المجهول مع الألفاظ التي تدخل على المبتدأ والخبر نحو "كان" و"ظننت" و "إن". هذه ألفاظ ابن السراج ﵀.
تخمير: إذا قلت: كان زيد قائمًا فمعناه فيما مضى من الزمان جارُ أن يكون الزمان [منقطعًا] (١) فيكون زيد في وقت إخبارك عنه هذا غير قائم.
وجاز أن يكون غير منقطع فيكون زيد في وقت إخبارك عنه هذا (٢) قائمًا وعليه قوله (٣): ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا (٤) حَكِيمًا﴾.
قالَ جارُ اللهِ: "وقيل في قوله (٥):
بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأَنَّهَا … قَطَا الحَزْنِ قَدْ كانَتْ فِرَاخًا بُيُوْضُهَا
إنَّ "كان فيه بمعنى "صار".
قالَ المُشَرِّحُ: إنّما جعلها ذات فراخٍ لأنَّه أسرع لها.
قالَ جارُ اللهِ: (فصل): ومعنى صار الانتقال وهو في ذلك على استعمالين:
أحدهما: قولُك: صار الفقيرُ غنيًا والطِّيْنُ خزفًا.
стр. 1188
والثاني: صارَ زيدٌ إلى عمروٍ ومنه: كلُّ حيٍّ صائِرُ إلى الزَّوالِ.
قالَ المُشَرِّحُ: الفرقُ بين الاستعمال الأول والثاني أنَّ الأول جملة دخل عليه "صار" والثاني غير جملة، إذ لا تقول زيد إلى عمرو. هذا محصول كلام أبي سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيِّ في (شرح الكتاب).
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): وأصبح، وأمسى، وأضحى على ثلاثة معان:
أحدها: أن يقترن مضمون الجملة بالأوقات الخاصة التي هي الصباح والمساء والضحى على طريقة "كان".
والثاني: أن تفيد معنى الدخول في هذه الأوقات كأظهر وأعتم، وهي في هذا الوجه تامة يسكت على مرفوعها، قال عبد الواسع بن أسامة:
ومِنْ فَعَلَاتِيْ أَنَّنِي حَسَنُ القِرَى … إذا اللَّيْلَةُ الشَّهْبَاءُ أَضْحَى جَلِيْدُهَا
والثالث: أن تكون بمعنى "صار" كقولك: أصبح زيد غنيًا وأمسى أميرًا وقال عدي:
ثم أَضْحَوا كأنَّهُمْ وَرَقٌ جَفَّ … فأَلوْتَ به الصَّبا والدَّبُوْرِ"
قالَ المُشَرِّحُ: المعنى الأول: ما ذَكَرَه أبو سَعِيْدٍ السِّيرافي في (شرح الكتاب) (١) إذا قلت: أصبحَ زيدٌ عالمًا فكأنك قلت: دخل وقت الصَّباح وهو عالم.
والثاني: دخل في الصَّباح والمَساء والضُّحى.
والثالث: أن تكون هذه الأفعال (٢) بمعنى "صار" من غير أن يوجد فيها معنى الوقت الذي هو الصباح والمساء والضحى.
стр. 1189
الجليد (١): ثَرىً يسقط من السماء فيسقط على الأرض تقول منه: جلدت الأرض فهي مجلودة. وكذلك السقيط والضريب. وصف الليلة بالشهبة لشهبة الجليد فيها. الجدب عندهم يكون في الشتاء وذلك لفَقد المَرعى وانقطاع الحُبوب والثمار. ما قبل البيت (٢):
وتأمل ربّ الخورنق إذا … أشرف يومًا وللهدى تفكيرُ
سرَّه ما رأى وكثرةُ ما … يملِكُ والبَحر معرضًا والسَّديرُ
فارعَوى قلبُهُ فقال وما … غِبْطَةُ حيٍّ إلى الممات يَسيرُ
وأخو الحضر إذ بناه وإذ … دجله تجبى إليه والخابورُ
شادَه مَرْمَرًا وجلَّلَهُ كِلْسًا … فللطير في ذُراه وُكُورُ
لم يهبه ريب المنون فباد … الملك عنه فبابه مَهجورُ
أينَ كِسرى كِسرى المُلوك … أنوشِروان وأين قبله سَابورُ
وبنو الأصفر الجلال ملوك … الرُّوم لم يَبْقَ منهُمُ مَذكورُ
أيُّها الشامِتُ المُعَيِّرُ بالدَّهر … أأنت المبرأ المَوْفُورُ
أم لَدَيْكَ العهدَ الوثِيق من … الأَيَّام أم أنت جاهل مَغْرُورُ
مَنْ رأيتَ المنون أبقين أم … مَنْ ذا عليه من أن يضام خَفِيْرُ
ثم بعدَ الفَلاح والخَير … والإِمَّةُ وارَتْهُمُ هناك القُبُورُ
ثم أَضْحَوْ [كأنهم] … ... … ... البيت
стр. 1190
الخِرْنَقُ (١): اسم قصر بالعراق، فارسي معرب (٢)، بناه النعمان الأكبر الذي يقال له: الأعور، وهو الذي لبس المسوح فسار في الأرض ذكره. الجوهري (٣): ذكروا أنه أشرف من الخرنق في زمن الرَّبيع فنظر نحو المشرق حتى رجع نظره حسيرًا عن بلوغ أقاصي خيله ونَعَمه فقال: لمَن هذا؟، فقالوا: لَكَ -أبيت اللَّعن- ثم نظر نحو الغرب إلى بياض أنهارٍ جاريةٍ، وجنانٍ زاكيةٍ فقال: لمن هذا؟ فقالوا: لك -أبيت اللعن- فقال: فهل أوتي أحدٌ مثل هذا؟ فقام رجل من الرائضة -والرائضة بقية أهل العلم، لا تخلو الأرض منهم- فقال: -أَبيت اللَّعْنَ- إنما أُعجبت بفانٍ لا يبقى وزائلٍ لا يدوم، قال فكيفَ المَخْرَجُ؟ قال: العَمَلُ بطاعةِ اللهِ والتَّخلي عن الدُّنيا، قال: فإذا فعلتَ ذلك فمه؟ فقال: ملكٌ دائمٌ لا يزول، ومقامٌ ليس بعده شخوصٌ، وحياةٌ لا تموت، قال: فإذا كان وقت السحر فاقرع على بابي، فأتاه الرجل في الوقت فإِذا هو قد صبَّ على نفسه أمساحًا، وساح معه حتى لحقا برأسِ جبلٍ وجعلا يعبدان الله حتى لحقا به.
السَّدِيْرُ (٤): نهرٌ. الحَضَرُ: قصر (٥) بأرض الجزيرة وصاحبه عدي بن نصر الساطرون وهو أبو عمرو بن عدي. الخابور موضع: قال (٦):
стр. 1191
* أَيَا شَجَرَ الخَّابُوْرِ ما لَكَ مُوْرِقًا *
الإِمَّةُ: -بالكسر- النعمة.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وظل وبات على معنيين:
أحدهما: اقتران مضمون الجملة بالوقتين الخاصين على طريقة "كان".
والثاني: كينونتهما على معنى صار، ومنه قوله عزَّ اسمه (١): ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ ".
قالَ المُشَرِّحُ: ظلَّ وباتَ لا تكون حال الأفعال المذكورة في الفصل المتقدم تامًا، ولذلك اقتصر معناه على معنى الناقص.
قالَ جارُ اللهِ: (فصلٌ): والتي في أوائلها الحرف النافي في معنى واحد، وهو استمرار الفعل بفاعله في زمانه".
قالَ المُشرِّحُ: ينبغي أن تعلم أن ما زال، وما برح، وما فتئ، وما انفك
стр. 1192
أربعتها بمعنى وهو استغراق الزمان كله. هذه ألفاظ الإِمام عبد القاهر الجرجاني [﵀].
قالَ جارُ اللهِ: "ولدخول النفي فيها على النفي جرت مجرى "كان" في كونها للإِيجاب، ومن ثم لم يجز: ما زال زيد إلا مقيمًا، وخطئ ذو الرمة في قوله (١):
* حَرَاجِيْجَ ما تَنْفَكُّ إِلَّا مُنَاخَةً *
قالَ المُشرِّحُ: هذه الأفعال نزلت منزلة "كان" في كونها للإِيجاب.
فإن سألتَ: لو جرت هذه الأفعال مجرى "كان" في كونها للإِيجاب لجاز أن يتقدم [خبر] ما انفك على ما انفك كما في سائر الأفعال الموجبة من الناقصة؟
أجبتُ: ابن كيسان يجيز: قائمًا ما زال زيدٌ، على أنا نقول عند تقديم خبر "ما انفك" لم يتقرر بعد كونه للإِيجاب بخلاف قوله:
* … ما تَنْفكُّ إلا مُنَاخَةً *
فإنه تقرر، ونظير هذه المسألة جاءني القوم ليس زيدًا ولا يكون عمرًا، "فليس" و"لا يكون" ها هنا وإن كان في الأصل للنفي إلا أنهما نُزلا منزلة حرف الاستثناء فلذلك لا يجوز أن يعطف عليهما بالواو، ولا يقال: ضربت القوم وليس زيدًا ولا عمرًا، وأكرمت القوم ولا يكون عمرًا ولا زيدًا، ومن ثم
стр. 1193
لا [تقول]: أليس أحد في الدار، لأن المعنى يزول إلى قولك أحد في الدار وأحد لا يستعمل في الواحد ولذلك لا يجوز أن تجيء إلا مع التقدير، فلا يقال: أليس زيد إلا فيها بدل، لأن المعنى يؤول إلى قولك زيد إلا فيها، وذا لا يكون كلامًا. ذكره ابن السراج (١).
الحراجيج: جمع حرجوج، وهي: الناقة الطويلة على وجه الأرض (٢) من الحرج وهي خشب يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى عن الأصمعي. ويشهد له بيت طرفة (٣):
* وناجِيَةٍ مِثْلُ الأَرَانِ نَسَأْتُهَا *
وكذلك بيت الشماخ (٤):
وعنسٍ كألواحِ الأَرانِ نَسَأْتُهَا … إذا قيلَ للمَشْبُوبَتَيْنِ هُمَاهُمَا
تمامه:
* عَلَى الخَسْفِ [أَوْ نَرْمِيْ بِهَا بَلَدًا قَفْرًا *
من أوطانها التي لا تنفصل عنها إلا ولها بعد الانفصال هاتان الحالتان:
إما الإناخة على الخَسفِ في المَراحل.
стр. 1194
أو السير في البلد القفر.
قالَ جارُ اللهِ: "وقد يجيء محذوفًا منها حرف النفي. قالت امرأة سالمُ بن قُحْفَان:
* تَزَالُ حِبَالٌ مُبْرَمَاتٌ أُعِدُّهَا *
وقالَ امرؤ القيس:
* فَقُلْتُ أَمَا -والله- أَبْرَحُ قاعِدًا *
وقال:
تَنْفَكُّ تَسْمَعُ ما بقِيْـ … ـتَ بِهَالِكٍ حتَّى تكُوْنَه
وفي التنزيل (١): ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾.
قالَ المُشَرِّحُ: قُحْفَانُ: بضم القاف وسكون الحاء المهملة تَمَامُهُ (٢):
* لَهَا مَا مَشَى يَوْمًا عَلَى خُفِّةِ جَمَلْ *
стр. 1195
لها أي: للإِبل. تمام بيت امرئ القيس (١):
* ولو [قطعوا] (٢) رأسي لديك وأوصالي *
بعده:
المرءُ قد يَرْجُو الحَيَا … ةَ مؤملًا والموتُ دونه
الشيخُ ﵀ يُروى أن أبا بكر الصديق ﵁ كان تتمثل بهذا كثيرًا.
الحَرَضُ: الذي أَذَابَهُ الحُزْنُ أو العشق، وهو في معنى مُحرض وقد حَرِضَ بالكسر، وأحرَضَهُ الحبُّ؛ أي: أفسده، قاله أبو عمرو (٣) وأنشد للعَرْجِيِّ:
إنِّي امرؤٌ لَجَّ بِيْ حُبٌّ فأَحْرَضَنِي … حَتَّى بَلِيْتُ وحتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ
قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): و "ما دام" توقيت للفعل في قولك: أجلس