← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

* أَيَا شَجَرَ الخَّابُوْرِ ما لَكَ مُوْرِقًا * الإِمَّةُ: -بالكسر- النعمة. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وظل وبات على معنيين: أحدهما: اقتران مضمون الجملة بالوقتين الخاصين على طريقة "كان". والثاني: كينونتهما على معنى صار، ومنه قوله عزَّ اسمه (١): ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: ظلَّ وباتَ لا تكون حال الأفعال المذكورة في الفصل المتقدم تامًا، ولذلك اقتصر معناه على معنى الناقص. قالَ جارُ اللهِ: (فصلٌ): والتي في أوائلها الحرف النافي في معنى واحد، وهو استمرار الفعل بفاعله في زمانه". قالَ المُشرِّحُ: ينبغي أن تعلم أن ما زال، وما برح، وما فتئ، وما انفك

стр. 1192

أربعتها بمعنى وهو استغراق الزمان كله. هذه ألفاظ الإِمام عبد القاهر الجرجاني [﵀]. قالَ جارُ اللهِ: "ولدخول النفي فيها على النفي جرت مجرى "كان" في كونها للإِيجاب، ومن ثم لم يجز: ما زال زيد إلا مقيمًا، وخطئ ذو الرمة في قوله (١): * حَرَاجِيْجَ ما تَنْفَكُّ إِلَّا مُنَاخَةً * قالَ المُشرِّحُ: هذه الأفعال نزلت منزلة "كان" في كونها للإِيجاب. فإن سألتَ: لو جرت هذه الأفعال مجرى "كان" في كونها للإِيجاب لجاز أن يتقدم [خبر] ما انفك على ما انفك كما في سائر الأفعال الموجبة من الناقصة؟ أجبتُ: ابن كيسان يجيز: قائمًا ما زال زيدٌ، على أنا نقول عند تقديم خبر "ما انفك" لم يتقرر بعد كونه للإِيجاب بخلاف قوله: * … ما تَنْفكُّ إلا مُنَاخَةً * فإنه تقرر، ونظير هذه المسألة جاءني القوم ليس زيدًا ولا يكون عمرًا، "فليس" و"لا يكون" ها هنا وإن كان في الأصل للنفي إلا أنهما نُزلا منزلة حرف الاستثناء فلذلك لا يجوز أن يعطف عليهما بالواو، ولا يقال: ضربت القوم وليس زيدًا ولا عمرًا، وأكرمت القوم ولا يكون عمرًا ولا زيدًا، ومن ثم

стр. 1193

لا [تقول]: أليس أحد في الدار، لأن المعنى يزول إلى قولك أحد في الدار وأحد لا يستعمل في الواحد ولذلك لا يجوز أن تجيء إلا مع التقدير، فلا يقال: أليس زيد إلا فيها بدل، لأن المعنى يؤول إلى قولك زيد إلا فيها، وذا لا يكون كلامًا. ذكره ابن السراج (١). الحراجيج: جمع حرجوج، وهي: الناقة الطويلة على وجه الأرض (٢) من الحرج وهي خشب يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى عن الأصمعي. ويشهد له بيت طرفة (٣): * وناجِيَةٍ مِثْلُ الأَرَانِ نَسَأْتُهَا * وكذلك بيت الشماخ (٤): وعنسٍ كألواحِ الأَرانِ نَسَأْتُهَا … إذا قيلَ للمَشْبُوبَتَيْنِ هُمَاهُمَا تمامه: * عَلَى الخَسْفِ [أَوْ نَرْمِيْ بِهَا بَلَدًا قَفْرًا * من أوطانها التي لا تنفصل عنها إلا ولها بعد الانفصال هاتان الحالتان: إما الإناخة على الخَسفِ في المَراحل.

стр. 1194

أو السير في البلد القفر. قالَ جارُ اللهِ: "وقد يجيء محذوفًا منها حرف النفي. قالت امرأة سالمُ بن قُحْفَان: * تَزَالُ حِبَالٌ مُبْرَمَاتٌ أُعِدُّهَا * وقالَ امرؤ القيس: * فَقُلْتُ أَمَا -والله- أَبْرَحُ قاعِدًا * وقال: تَنْفَكُّ تَسْمَعُ ما بقِيْـ … ـتَ بِهَالِكٍ حتَّى تكُوْنَه وفي التنزيل (١): ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾. قالَ المُشَرِّحُ: قُحْفَانُ: بضم القاف وسكون الحاء المهملة تَمَامُهُ (٢): * لَهَا مَا مَشَى يَوْمًا عَلَى خُفِّةِ جَمَلْ *

стр. 1195

لها أي: للإِبل. تمام بيت امرئ القيس (١): * ولو [قطعوا] (٢) رأسي لديك وأوصالي * بعده: المرءُ قد يَرْجُو الحَيَا … ةَ مؤملًا والموتُ دونه الشيخُ ﵀ يُروى أن أبا بكر الصديق ﵁ كان تتمثل بهذا كثيرًا. الحَرَضُ: الذي أَذَابَهُ الحُزْنُ أو العشق، وهو في معنى مُحرض وقد حَرِضَ بالكسر، وأحرَضَهُ الحبُّ؛ أي: أفسده، قاله أبو عمرو (٣) وأنشد للعَرْجِيِّ: إنِّي امرؤٌ لَجَّ بِيْ حُبٌّ فأَحْرَضَنِي … حَتَّى بَلِيْتُ وحتَّى شَفَّنِي السَّقَمُ قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): و "ما دام" توقيت للفعل في قولك: أجلس

стр. 1196

ما دمت جالسًا كأنك قُلتُ: أجلس بدوامٍ جلوسك، نحو قولهم: أتيتك خفوق النجم، ومقدم الحاج، ولذلك كان مفتقرًا إلى أن يُشفع بكلامٍ، لأنه ظرف لا بد له مما يقع فيه". قالَ المُشرِّحُ: في إيراد مقدم الحاج ها هنا نظرٌ، وقد مضى في قسم الأسماء. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): و"ليس" معناه نفي مضمون الجملة في الحال تقول ليس زيد قائمًا الآن ولا تقول: ليس زيد قائمًا غدًا، والذي يصدق أنه فعل لحوق الضمائر وتاء التأنيث ساكنة، وأصله لَيِسَ كَصَيِدَ البعير". قالَ المُشَرِّحُ: الدليل على أن وزنه (فَعِلَ) بكسر العين إذ لو كان بفتحها لما احتاجوا فيه إلى التخفيف، إذ الفتح خفيف ألا ترى أنك تقول في فخذ فخذ، وفي عضد عضد، ولا تقول في جمل جمل. صَيِدَ البعيرُ أصابه الصيد، وهو: داء في عنق البعير (١). قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وهذه الأفعال في تقديم خبرها على ضربين، فالتي في أوائلها (ما) يتقدم خبرها على اسمها لا عليها، وما عداها يتقدم خبرها على اسمها وعليها، وقد خُولف في "ليس" فجُعل من الضرب الأول، والأول هو الصحيح". قالَ المُشرِّحُ: قوله: والأول هو الصحيح معناه يجوز تقديم خبر "ليس" على "ليس" وإليه ذهب سيبويه (٢).

стр. 1197

فإن سألت: فكيف كان هذا المذهب هو الأول؟ أجبتُ: لأن قوله: وما عداها يتقدم خبرها على اسمها وعليها يتضمن ذكر هذا المذهب وهو مقدم على فعله فجعل من الضرب الأول. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وفصَّل سيبويه بين تقديم الظرف وتأخيره بين اللغو منه والمستقر، فاستحسن تقديمه إذا كان مستقَرًا نحو قولك (١): ما كان فيها أحد [خيرٌ منك] (٢)، وتأخيره إذا كان لغوًا نحو قولك: ما كان أحدٌ خيرًا منك فيها، ثم قال (٣): وأهل الجفاء يقرؤون: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قالَ المُشَرِّحُ: المستقَر -بفتح القاف- كذا سمعنا في (المفصل) وفي (الكشاف) والمراد به الموضع، ولفظ ابن السراج (٤): إذا كان الظرف غير محل سماه الكوفيون الصفة الناقصة وجعله البصريون لغوًا، وإنما استُحسن تقديمه إذا كان مستقرًا أنه إذا كان كذلك كان خبرًا، وإذا كان لغوًا كان متعلقًا بالخبر، وتقديم نفس الخبر أولى من تقديم المتعلق. فإن سألت: فتأخير اللغو إذا كان هو المستحسن فلم قدم في التنزيل: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾؟ أجبت: المعنى بذلك أن في تقديم المستقر جهةَ حسنٍ ليس في تقديم اللغو، ويجوز أن يعتقد للشيء جهة حسن وتحصل له جهة حسن أخرى مثاله

стр. 1198

عالم وحافظ للقرآن فتأخير الحافظ ها هُنا أولى. وأما إذا كان العالم قليل الاحتياط في أفعال الوضوء والصَّلاة فتأخير العالم ها هنا أولى. والذي قدمه في القراءة المشهورة هو الاهتمام والعناية؛ لأن الاسم أن يذكر أولًا الذي تبقى عنه الكفاءة. تخمير: إذا كان الظرف لغوًا لم يجز في الخبر إلا الرفع وذلك قولك: فيك عبد الله راغب، ومنك أخواك هاربان (١)، وإليك قومك قاصدون. قال ابن السراج: لأن "منك" و "فيك" و "إليك" في هذه المسألة لا [تكون] محالًّا ولا يتم بها الكلام، وقد أجاز الكوفيون فيك راغبًا (٢) عبد الله شبهها القراء بالصفة التامة لتقدم "راغبًا" (٢) على عبد الله. عنى بالجَفاء الغلظ وقلة اللُّطف وفي كلام الصابئ: "فعومل معاملة فيها جفاء من غير مكروه في الجسم". وقال أبو زَيْدٍ البَلْخِيّ: "فإنه لا يكاد يحتمل معدة أحد من أهل النعمة والدعة خصوصًا الذي ترق طبائعهم منهم، أكلتين في اليوم والليلة يكون في كل واحدة منها لحم، وإنما يحتمل ذلك معدة الجفاة الطبائع والتركيب من الناس الذي يعتملون الأعمال الشاقة ويتحركون بالحركات القوية من الفَعَلَةِ وأَشباههم". ومما أعثرني عليه كتاب (الأغاني) -له الله من كتابٍ-: ما منعك من معرفته إلا غلظ الطبع وجفاء الخلق. وهذه المسألة تمد بطبيعتك في تقرير ما أسلفناه من الحال أعني قوله: وقد مَنَعُوا في مررت راكبًا بزيد أن يجعل الراكب حالًا من المجرور.

стр. 1199

[باب أفعال المقاربة] قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الفعل أفعال المقاربة منها "عسى" ولها مذهبان: أحدهما: أن تكون بمنزلة قاربَ، فيكون لها مرفوعٌ ومنصوبٌ، إلا أن منصوبها مشروطًا فيه أن يكون "أن" مع الفعل متأولًا بالمصدر، كقولك: عسى زيد أن يخرج في معنى قارب زيدٌ الخروجَ. قال الله تعالى (١): ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾. والثاني: أن يكون بمنزلة "قرب" فلا يكون لها إلا مرفوع، إلا أن مرفوعها "أن" مع الفعل في تأويل المصدر كقولك: عسى أن يخرج زيدٌ في معنى قرب خروجُ زيدٍ (٢). قال اللهُ تعالى (٣): ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ". قالَ المُشرِّحُ: "عسى" موضوعة لفعل يتوهم كونه في الاستقبال وهو على لفظ المضي ولذلك احتاج إلى ذكر "أن" بعده؛ لأنه لا مستقبل له. وهو على معنيين (٤):

стр. 1200

فإذا قلتَ: عسى زيدٌ أن يخرجَ فهو ها هُنا بمعنى قارب. وإذا قلتَ: عسى أن يَخرج زيدٌ فمعناه: قَرُبَ خروجُ زيدٍ. فإن سألتَ فلمَ لا يجوز أن تكون "عسى" بمعنى قرب (١) في الوجهين فإذا قلت: عسى زيدٌ أن يخرج فالمعنى قرب زيد من أن يخرِج، لكن حرف الجر قد حذف وحروف الجر تحذف عند "إن" و"أن" كثيرًا. وأمَّا قولهم: "عسى الغُوبْرُ أَبْؤُسًا" فهو منصوبٌ على أنه خبر "كان"، وخبر "عسى" محذوف، وهو يكون، وكذلك لم لا يجوز أن يكون "عسى" في الوجهين بمعنى قارب، لكن إذا قلتَ: عسى أن يخرجَ زيدٌ فمعناه: قارب [زيد الخروج، وإذا قلت عسى زيدٌ أن يخرج فمعناه: قارب] (٢) الخروج زيدٌ فهو على أحد الوجهين بتأخير المفعول، وعلى الوجه الثاني بتقديمه؟. أجبتُ: أمَّا الأول: فلأن "عسى" لو كان بمعنى "قرب" في الوجهين لما [جاء] عَسَاكَ. وأمَّا الثاني: فلأنَّه لو كان بمعنى "قارب" في الوجهين لخلا عن فاعله ونحوه قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ومنها "كادَ" ولها اسمٌ وخبرها مشروطٌ فيه أن يكون فعلًا مضارعًا متأولًا باسم الفاعل كقولك: كاد زيدٌ يخرج، وقد جاءَ على الأصل: * ...... وما كِدْتُ آيِبَا * كما جاء: "عَسَى الغُوَيْرُ أبؤسًا".

стр. 1201

قالَ المُشَرِّحُ: "كاد" لما كان لمقاربة الأمر على سبيل الوجود والحصول أجري مجرى "حصل" (١)، ولذلك سقط عن خبره "أن" بخلاف "عسى" فإنه لمقاربة الأمرِ على سبيل الرِّجاء والطَّمع، ومن ثَمَّ قالوا: إنَّ "كاد" أبلغُ في تقريب الشيءِ من الحال و"عسى" أَذهب في الاستقبال. ألا تَرى أنَّك لو قلتَ: كادَ يذهبُ بعد عام لم يجز؛ لأنَّ "كاد" توجب أن تكونَ شديدةَ القربِ من الحال، ولو قلت: عسى الله أن يدخلني برحمته الجَنَّةَ لكان جائزًا، وإن لم تكن شديدة القرب من الحال، وكذلك قوله: * … وَمَا كِدْتُ آيِبَا * بمعنى وما حَصَلَتْ آيبا، ولو كان بمعنى القُرب لما كان له ها هُنا معنى. قولهم: "عسَى الغُوير أبؤُسًا" معناه: قارب الغوير أَبؤسًا. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وقد شَبَّه "عسى" بـ "كاد" من قال: عَسَى الكَرْبُ الَّذي أَمْسَيْتُ فيه … يكونُ وراءَه فرجٌ قَرِيْبُ و"كاد" بـ "عسى" من قال: * قَدْ كَادَ من طُولِ البِلَا أَنْ يَمْصَحَا " قالَ المُشَرِّحُ: "كادَ أصله أن يكون مقرونًا بـ "أن" لأنه في الأصل من أفعال المقاربة وهذه حقيقة مهجورةٌ؛ لأن "كادَ" قد خرج إلى معنى "حصل" على ما ذكرته وهو مجاز مستعمل. قوله: * يكون وراءَه فرجٌ قريبٌ *

стр. 1202

خبر "عسى"، وقد شبه فيه "عسى" بـ "لعل"، كما شبه "لعل" بـ "عسى" في قوله (١): * لَعَلَّكَ يومًا أن تلِمَّ ملمَّة * والذي به يثلج الصدر قوله: * عَسَاكَ تُعْذَرُ إن قَصَّرْتَ في مَدْحِي * ألَا تَرى أنَّه أُجري مُجرى "لعلَّ" حذو القُذة بالقُذة. فإن سألت: فهل يجوزُ أن يكونَ حذف"إن" عن خبر "عسى" على تشبيهه بـ "كاد"؟ أجبتُ: بأنه يجوزُ ذلك لوجهين: أحدهما: أن الشَّبه [بين "عسى" و"لعل" فوق الشبه] (٢) بين "عسى" و "كاد" ومن ثم قالوا: بأن "كاد" تُستعمل في الممكن وغيره بخلاف "عسى" و"لعل". الثاني: أنَّ "كاد" إذا طرح عن خبره "أن" فهو على معنى "حَصَلَ" فلا تَبقى للمقاربة. قوله (٣):

стр. 1203

* قَدْ كَادَ منْ طُوْلِ البِلَاء أن يَمْصَحَا * على الحقيقة المهجورة. البيتُ لهُدْبة بن الخَشْرَم (١). "فرجٌ قريبٌ" بالجيم. وقبله: فأرقني اكتئاب أبي نُمَيْرٍ … فَقَلْبِي من تَذَكُّرِهِ كَئِيْبُ فقلتُ له هَدَاكَ الله مهلًا … وخيرُ القولِ ذو العَيْجِ المُصِيْبُ وبعده: فَيَأْمَنُ خائفٌ ويُفَكُّ عانٍ … ويَأْتِي [أَهْلَهُ] الرَّجُلُ الغَرِيْبُ العيج: بفتح العين والياء يقال: ما عجت بكلامه، أي: ما انتفعت به، وتناولت دواء فما عجت به، أي: لم أنتفع به. كان هدبة قد هرب من أرض قومه لأن السلطان طلبه من أجل قتله ابن عمه زياد بن مزيد (٢).

стр. 1204

قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): وللعربِ في "عسى" ثلاثةُ مذاهب: أحدُها: أن يقولوا عست أن تفعل كذا وعسيتما إلى عسيتنَّ وعسى زيدٌ أن يفعل وعسيا إلى عسين، وعسيت وعسينا. والثاني: أن لا يتجاوزوا عسى أن تفعل، وعسى أن يفعلا، وعسى أن يفعلوا. والثالث: عساك أن تفعل إلى عساكن، وعساه أن يفعل إلى عساهن، وعساني أن أفعل وعسانا". قالَ المُشَرِّحُ: "عسى" في أحدِ الوُجوه لا تتصرف، وفي الوَجهين تتصرف، ففي أحدهما: تتصرف بالضَّمير المرفوع، وفي الآخر بالضمير المنصوب. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتقول: كاد يفعل إلى كِدْن، وكدت أن تَفعلَ إِلى كدتُنَّ وكدتُ أَفعل وكِدْنَا. وبعضُ العربِ يقول: كُدت بالضم". قالَ المُشَرِّحُ: كذا (١) حكاه سيبويه، وزَعم الأصمعي: أنه سمع من العَرب مَنْ يقول: لأفعل ذلك ولا كودًا فجعلها من الواو قال: * ونَهْنَهْتُ نَفْسِي بَعْدَ ما كُدْتُ أَفْعَلَهْ * وَرَوَاهُ الفَرَّاء بالضَمِّ. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): والفصل بين معنى "عسى" و"كاد" أن "عسى" لمُقاربة الأمرِ على سبيلِ الرَّجاء والطمع تقول: عَسى الله أن يَشفي مريضك، تريد: أن قربَ شفائِهِ مرجوٌّ مطموعٌ فيه، و"كاد" لمقاربته على سبيلِ الوُجود والحُصول تقول: كادت الشَّمس تغرب، تريد: أن قربها من الغُروب قد حصل".

стр. 1205

قالَ المُشَرِّحُ: معنى هذا الفصل قد مَضَى. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): وقوله (١): ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ (٢) على نَفْيِ مُقاربة الرُّؤية وهو أبلَغُ من نفسِ الرُّؤية ونظيرُهُ قول ذي الرُّمة: إِذَا غَيَّرَ النَّأي المُحِبِّيْنَ لَمْ يَكَدْ … رَسِيْسُ الهَوَى من حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ قالَ المُشَرِّحُ: روى عن عنبسة (٣) أنه قال: قدم ذو الرمة الكوفة فوقف ينشد الناس بـ (الكُناسة) قَصيدته الحائية التي منها (٤):

стр. 1206

هي البُرْؤُ والأسقامُ والهَمُّ والمُنَى … وموتُ الهَوَى في القَلْبِ منّي المُبَرِّحُ وكانَ الهَوَى النَّائِي يُمحي فَيمَّحي … وحبُّكِ عندقي يَسْتَجِدُّ ويَرْبَحُ إذَا غَيَّر [النَّأْيُ] المُحِبِّيْنَ … ... … ... .... … البيت فلمَّا [انتهى] ناداهُ ابنُ شُبْرُمَةَ [قال] أَراه قد يبرح؟ فشَنَقَ ناقته وجَعَلَ يتأخر [بها و] يفكر، ثم قال: إذا غيَّر النأي المُحبين لم أَجِدْ … رَسِيْسَ الهَوَى من حبِّ مية يبرحُ قال عَنْبَسَة: فلمَّا انصرفتُ حدَّثْتُ أبي فقالَ: أخطأَ ابنُ شُبْرمةَ حين أنكر على ذي الرمة [ما أنشده] (١) وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شُبرمة، إنما هذا كقوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ إنما هو لم يَرَهَا ولم يَكَدْ. والإِمام عبد القاهر الجُرجاني ذكر كلامًا لتقرير كلام أبي (٢) عَنْبَسَةَ فأنا أولًا [أنقلُ] (٣) كلامه ثم أُورد بعد ذلك ما عليه حقيقة هذه المسألة. قال ﵀: اعلم (٤) أن سبب الشُّبهة في ذلك أنه قد جَرى في العُرف أن يُقال: ما كاد يفعلُ ولم يكد يفعلُ في فعل قد فعل على معنى أنه لم يفعل إلا بعد الجُهد وبعد أن كاد في الظَّن بعيدًا أن يفعله كقوله

стр. 1207

تعالى (١): ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فلما كان مجيءُ النَّفي في "كاد" على هذا السبيل توهَّم ابن شبرمة أنه إذا قال: * لَمْ يَكَدْ رَسِيْسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ * [فقد] (٢) زعم أن الهوى بَرَحَ، ووقع لذي الرُّمة مثل هذا الظَنّ وليس الأمرُ كالذي ظناه، فإن الذي تَقتضيه اللَّفظة (٣)، إذا قيل لم يكد يفعل وما كاد يفعل أن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله، ولا قارب أن يكون ولا ظنَّ أنه يكون وكيف بالشَّك في ذلك؟ وقد علمنا أن "كاد" موضوع يدل على شدَّة قُربِ الفعلِ من الوُقوع، وعلى أنه قد شارفَ الوجود، وإذا كان كذلك كان محالًا أن يوجب نفيه وجود الفعل، لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل [الوجود] (٤) وجوده، وأن يكون قولك (٥): ما قارب أن يفعل مقتَضِيًا على البيت أنه قد فعل وإذ [قد] (٦) ثبت ذلك فمن سبيلك أن تنظر فمتى لم يكن المعنى على أنه قد [كانت] (٦) هناك صورة تقتضي أن لا يكون الفعل وحال يبعد معها أن يكون، ثم تغير الأمر كالذي تَرَاهُ في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فليس إلا أن تلزم الظاهر وتَجعل المعنى على أنَّك تَزْعُم (٧) أن الفِعل لم يُقارب أن يكونَ فضلًا عن أن يكون. فهذا كلامُ الإِمام عبد القاهر الجُرجاني. وفيه نظر. والكلام فيه مبنيٌّ على أَصلين:

стр. 1208

أحدهما: ما ذكرنا من أن "كاد" إذا استعمل بغير "ان" فهو بمعنى حصل. وثانيهما: أن الكلامَ متى اشتمل على قيدٍ زائدٍ على أصل المعنى ثم دخل على ذلك الكلام النفي فإنه يتوجه إلى ذلك القيد لا إلى أصل الكلام. بيانه أنك تقول: جاء زيدٌ راكبًا فيكون كلامًا مشتملًا على ما وراء المعنى على قيد، وأما أصل المعنى فجاء زيد، وأما القيد فكونه راكبًا حالة المجيء، فإذا قلت: ما جاء زيد راكبًا فالنفي ها هنا يتوجه إلى ركوب زيد لا إلى أصل مجيئه، حتى إن قولك: ما جاء زيد راكبًا إثبات لمجيئه، إذا ثبت هذا فوجه المسألة أن قوله: … ... … لَمْ يَكَدْ … رَسِيْسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ معناه: أنه لم يَحصل رسيسُ الهَوَى بارحًا، ومحصوله حصل غير بارحٍ، كما أن قولَكَ لم يَجِئْ (١) زيدٌ راكبًا معناه جاءَ غيرُ راكبٍ وقولنا: حصل غير بارحٍ يقتضي أن لا يكون لذلك حاصلًا، ثم يحصل، فهذا معنى قول ابن شبرمة أراه قد بَرَحَ، وعلى ذلك قولهم: فَعَلَهُ وما كاد يفعل، معناه: فعله بعدَ أن حصل غير فاعلٍ له، وعليه قوله تَعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ معناه: حَصَلَ غير راءٍ لها بعد أن [كان] (٢) رائيًا لها وقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ المعنى: ذَبَحُوْهَا بعد أن حَصَلُوا غيرَ فاعلين للذَّبح. فهذا تَحقيق الكَلامِ في هذا الفصل فليَكُنْ تَعْرِيْجُكَ عَلَيْهِ. وأمَّا قولهم: أصابت بديهيته وأخطأت رؤيته، فلا يُلتفت إليه فإن ذا الرُّمة

стр. 1209

أجل من أن يُنبه لخطأ فتنبه له (١). قالَ جارُ اللهِ: "ومنها" "أوشك" (٢): تستعمل استعمال "عسى" في مذهبها واستعماد كاد تقول: يوشك زيد أن يجيء، ويوشك أن يجيء زيد، ويوشك زيد يجيء قال (٣): يُوشك من فرَّ من مَنِيَّتِهِ … في بعضِ غرَّاتِهِ يُوافقها قالَ المُشَرِّحُ: ما بعد البيت: مَنْ لَم يَمُتْ غِبْطَةً يمُت هَرَمًا … للموتِ كأسٌ فالمرءُ ذائِقهُا غَبَطَ البعير واغتَبَطَهُ: إذا نحره من غير علة، وهو بالعين المهملة، واعتبط فلان -على البناء للمفعول- إذا مات شابًا. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ومنها "كَرَبَ" و"أَخَذَ" و"جَعَلَ" و"طَفِقَ" تستعمل استعمال "كاد"، وتقول كرب يفعل وجعل يقول ذاك، وأخذ يقول، قال الله (٤): ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا [مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ] (٥)﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: أصل كرب هو الدُّنو يقال: كربتُ الأرضَ قلبتها (٦) للحرث؛ لأنَّ ذلك أَدنى لها منه، وكربت حياة النار إذا دنا انطفاؤها (٦)، قال (٧):

стр. 1210

أَبُنَيَّ إنَّ أباك كاربُ يَوْمِهِ … [فإِذَا دُعِيْتَ إلى المَكَارِمِ فاعدِلِ] (١) وإناء كربان، أي: دانٍ من الامتلاء.

стр. 1211

[باب نعم وبئس] قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الفعل فعلا المدح والذم هما "نعم" و "بئس" وضعا للمدح العام والذم العام". قالَ المُشَرِّحُ: مذهب سيبويه والبصريين أن "بئس" و"نعم" فعلان ماضيان، أمَّا الكُوفيُّون: فعلى أنهما اسمان (١) احتج الكوفيون في هذه المسألة بقول العرب: "يا نعم المولى ويا نعم النصير"، والأصل في حرف النداء أن يكون دخوله على الاسم، وبأنه لا يحسن اقتران الزمان بهما فلا يحسن أن تقول: نعم الرجل أمس، ولا نعم الرجل غدًا، وبأنه (٢) قد جاء عن العرب ما نقله قُطرب: "نَعِيْمُ الرَّجُلُ أنتَ" بفتح النُّون وباليَاءِ بعد العَيْنِ، وفَعِيْل ليس من أبنية الأَفعال فَتَعَيَّن أن يكونَ اسمًا. حجة البصريين: قولهم: نعمت المرأةُ هندٌ، وبئستِ المرأةُ سُعاد فلحوق

стр. 1212

التاء بهما دليل على أن الكلمةَ فعلٌ وهذا قطعي. قوله: "وضعا للمدح العام والذم العام" أصل "نعم" و "بئس" أن يكون فاعلهما جنسًا تمدحه بـ "نعم" أو تذمه بـ "بئس"، ثم تندرج منه إلى الفرد، ولذلك (١) لم يجيزوا نعم الذي قام أنت، ولا نعم الذي ضرب أنت، من أجل أن "الذي" بصلته مقصود إليه بعينه، فإن جاء لمعنى الجنس كقوله تعالى (٢): ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ فـ "نعم" و"بئس" يدخلان على "الذي" في هذا [المعنى] (٣) عند أبي العباس (٤)، قال ابن السراج (٥): والذي قال قياسٌ إلا أني وجدتُ جميع ما يدخل عليه "نعم" و"بئس" وترفعه وفيه الألف واللام فله نكرة تنصبه "نعم" إذا فقد المرفوع و"الذي" ليست له نكرة البَتَّة. قالَ جارُ اللهِ: "وفيها أربع لغات (فَعِلَ) بوزن حَمِدَ وهو أصلها قال: * نَعِمَ السَّاعُوْن في الأَمْرِ المُبَرّ * (وفَعِل) و (فِعِل) بفتح الفاء وكسر العين و (فعل) بكسرهما، وكذلك كل فعل واسم على فَعِل ثانيهما حرف حلق كفخذ وشهد" (٦). قالَ المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ في (شرح الكتاب) (٧) في كلِّ واحدة منها أربعُ لغات في "نعم" و"شهد" كسر الفاء لكسرة العين، ثم حذفت

стр. 1213

الكسرة التي على العين، ونظيره قولهم: ضعفي بل هذا أشدُّ من الأول من حيثُ أنه أقرا الكسرة في الفاء مع العين وفي الأول كانت الكسرة المحذوفة منه (١) في تقدير الإِثبات. ما قبل البيت (٢): ففداء لِبَنِيْ قَيْس على … ما أَصَابَ النَّاسَ من شرٍّ وضُرْ ما أقَلَّتْ قَدَمَايَ إنهم … نَعِمَ السَّاعُون … البيت ما أَقَلَّتْ قَدَمَاي: أي ما حَيِيْتُ، عنى بالأمر المُبر: الأمرُ الغالب العظيم، من أبرَّ فلانٌ على أصحابه إذا غَلَبَهُم وعلا فيهم. قالَ جارُ اللهِ: "ويُستعمل "ساءَ" استعمال "بئْسَ" قال الله تعالي (٣): ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: [لهذه المسألة] (٤) كلامٌ يجيءُ عمَّا قليلٍ. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وفاعِلُها إمَّا مظهرٌ معرَّف باللَّامِ أو مضافٌ إلى المُعرف به، وإمَّا مُضمر مميَّزٌ بنكرةٍ منصوبةٍ، وبعد ذلك اسمٌ مرفوعٌ هو المخصوص بالمدح والذم، وذلك قولك: نعم الصَّاحبُ أو نعم صاحبُ القوم زيدٌ، وبئس الغلامُ أو بئس غُلامُ الرجلِ بشرٌ، ونعم صاحبًا زيدٌ وبئس غلامًا بشرٌ".

стр. 1214

قالَ المُشَرِّحُ: قالوا معناه: نعمَ الصَّاحِبُ صاحبًا زيدٌ، وبئس الغُلام غلامًا بشر. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وقد تجمع بين الفاعل الظاهر وبين المميز تأكيدًا فيقال نعم الرَّجلُ رجلًا زيدٌ قال جرير (١): تَزَوَّدْ مثلَ زادِ أَبِيْكَ فِيْنَا … فنِعْمَ الزَّادُ زَادُ أَبِيْكَ زَادَا" قالَ المُشَرِّحُ: إذا قلت: نعمَ الرَّجُلُ رجلًا زيدٌ فقولك، رجلًا توكيدٌ لأنَّه مستغنى عنه بذكر الرجل أولًا، وهو بمنزلة [قولك]: عندي من الدَّراهم عشرون درهمًا. وهذه ألفاظ ابنُ السَّراج (٢). قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): قوله تعالى (٣): ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ "نعم" فيه مسند إلى الفاعل المُضمر، ومميزه "ما" و"هي" نكرة لا موصولة ولا موصوفة، والتقدير: نعم شيئًا هي". قالَ المُشَرِّحُ: هذا (٤) الذي حكاهُ الشَّيخُ [﵀] مذهبُ سِيبويه (٥). وفيه كلامٌ. اِعلم أنَّهم قالوا: حكم [نعم] إذا وصلت بـ "ما" أن يبطل عملها تقول:

стр. 1215

نعما أنت، ونعما زيدٌ ونعما صَنَعْتَ؛ لأنَّها (١) بنيت مع "ما" لتدخل على ما لم يكن يَصِحُّ دخولها عليه كما ذلك في"رب" و"إنَّ" ونحوهما. أمَّا قوله (٢): ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا﴾ فـ ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ رفع على ظاهر كلام سيبويه؛ لأن موضعه كموضع زيد في قولك: بئس رجلًا زيد و"ما" في معنى شيءٍ "واشتروا به" نعتٌ "ما"، وإليه ذهب في هذه الآية الزجاج (٣). وقال الفراء (٤) ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ يجوز أن تَكون في موضع خفضٍ برده على الهاء في "به" ويذهب إلى أن "ما" بمعنى "الذي" وهي موصولة بقوله و: ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ و: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ بَدَلٌ من الهاءِ فيصير أيضًا في صلة "ما" وبئسما في هذا الوجه تسمى مُنْكَفِئَة، لأنّ تقديرها بئس الذي اشتروا به أنفسهم، فالكلام تام وليس بمنزلة بئس الرجل، لأن الكلام لا يتم ثَمَّ حتى تقول: زيدٌ، ويتم بقولك: بئسما صنعت وبئسما اشتريت به نفسك، وقالَ أيضًا: وتقديره عند الكسائي بئس شيئًا شيءٌ صنعت، على أنه أضمر "ما" أخرى، لأن بعدها فعل فإن كان بعدها اسم فهو بمنزلة زيدٌ نعم الرَّجُلُ، وذلك قولك: نعما صَنِيْعُكَ، ومثله من كلامِ العرب: "بئسما تزويج بغيرِ مهرٍ" (٥). قال جار الله: " (فصلٌ) وفي ارتفاع المخصوص بالمدح مذهبان: أحدهما: أن يكون مبتدأ خبرُهُ ما تقدم من الجملة كأن الأصل: زيدٌ نعم الرجل.

стр. 1216

والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: نعم الرجل هو زيد، فالأول على كلام والثاني كلامين". قالَ المُشَرِّحُ: "زيد" مبتدأ، و"نعم الرجل" جملة فعلية مقدمة على المبتدأ وهي خبر له، ونحوه مررت به المسكينُ فـ "المسكين" مبتدأ، و "مررت به" خبره (١). فإِنْ سَأَلْتَ: فأَين العائِدُ من الخبرِ إلى المُبتدأ؟ أجبتُ: الرجل لما كان شائعًا في جنسه (٢) كأنَّه بأسره كان مُنسحبًا على زيدٍ فُنِّزل ذلك منزلة العائد إليه، ونحو: * [فـ]ـأَمَّا القتالُ لا قتالَ لَدَيْكُمُ (٣) * وقوله (٤):

стр. 1217

* [فـ]ـأمَّا الصُّدُوْدُ لا صُدَوْدَ لَجَعْفَرٍ * ولأن المعنى زيدٌ موصوفٌ بهذه الصفة وهي: نعم الرَّجُلُ فتكون الجُملة متضمِّنَةٌ للعائد، ونظيرُ هذه المسألة ضميرُ الشأن والقصة إذا وَقَعَ مبتدأ. فإن سألتَ: فهل يجوزُ على القِيَاس: زيدٌ نعمَ الرّجل؟ أجبتُ: بين هذه الصُّورة وتلك فرقٌ، وذلك أن نعم فعل غير متصرف لا بدَّ له من مضمرٍ مفسر أو مظهرٌ، ومن ثَمَّ لم يكن له مستقبل ولذلك قالوا: نعم المرأة أحسن من قام المرأة، وكذلك تقول: أخواك نعم رجلين وإخوتك نعم رجالًا فلا يثنى ولا يجمع، ولا تقول: أخواك قام، ولا إخوتك قام. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): وقد يحذف المخصوص إذا كان معلومًا كقوله (١): ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: نعم العبدُ أيُّوب، وقوله (٢): ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ أي: فنعم الماهدون نحن". قالَ المُشَرِّحُ: مهدت (٣) الفراشَ مهدًا أي: إذا بسطته ووطأته. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ويؤنث الفعل ويثنى الاسمان ويُجمعان نحو قولك: نعمت المرأةُ هندٌ، وإن شئت قلتَ: نعمَ المرأة [هندٌ]، وقالُوا: هذه الدَّار نعمت البَلَدُ لما كان البلدُ الدار كقولهم: من كانت أُمك، وقال ذو الرمة: أو حرَّةٌ عيطَلٌ ثَبْجَاءُ مُجْفِرَةٌ … دَعَائمَ الزَّوْرِ نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ وتقول: نعم الرَّجلان أَخَوَاك، ونعمَ الرِّجالُ إخوتك ونعمت المرأتان هندٌ ودعدٌ، ونعمت النِّساء بناتُ عَمِّكَ".

стр. 1218

قالَ المُشَرِّحُ: عنى بالاسمين الرجل والمرأة في قولك (١): نعم الرجل زيد ونعمت المرأة هند. هذا الفصل يشتمل على معان. أحدها: أن الفعل غير متصرف فجاز أن تلحق به تاء التأنيث. وثانيها: أن فاعل نعم وبئس مما تلحقه التثنية والجمع. وثالثها: أن الفعل ربما يؤنث لتأنيث الخبر وربما يؤنث لتأنيث المبتدأ. ناقةُ حرَّةٌ: كريمة (٢). العَيْطلُ: [بالعين المهملة] (٣) من النِّساء الطويلة العُنق (٤) وكذلك من النُّوق. ثَبْجَاءُ: عظيمة الثَّبَجِ وهو: ما بين الكاهل إلى الظَّهر. مجفرة: عظيمةُ الجَفْرِ وهي الوسط. دعائم الزُّور: عظامه، وانتصابها على التَّمييز. البلدة: الأرض يقال: هذه بلدتنا كما يقال بحرتنا أي: أَرضنا. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ومن حقِّ المخصوص أن يجانس الفاعل وقوله (٥): ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ على حذفِ المُضاف أي: ساءَ مثلًا مثلُ القومِ [الذين كذَّبوا] (٦)، ونحوه قوله تعالى (٧): ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أي: مثل الّذين كَذَّبوا يجوز أن يكون محل "الذين" مجرورًا صَفةً للقوم ويكون المخصوص بالذَّم محذوفًا أي: بئس مثل القَوْمِ المكذبين مثلهم".

стр. 1219

قالَ المُشَرِّحُ: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ منصوبٌ على التَّمييز والقَوْمُ هو الفاعِلُ، و ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ هو المَخصوص بالذَمِّ. فبعد ذلك لا يخلو من أن يجوز ذلك التَّمييز في "بئس" أو لا يَجوز، فإن جازَ فذاك، ولئن لم يجز فالفرقُ بين بئس وساءَ ظاهرٌ، وذلك أن "ساءَ" متصرفٌ بخلاف بئس، ويشهد له قولهم: [نِعْمَ] زيدٌ رجلًا ويحتجوا بقوله (١): ﴿حَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ قالَ ابنُ السَرَّاجِ (٢): و"حسن" ليس كـ "نعم". قالَ جارُ اللهِ: "و (حبَّذا) مما يُناسب هذا الباب، ومعنى حبّ: صارَ محبوبًا جدًّا، وفيها لُغتان فَتح الحاءِ وضَمُّها، وعليها رُوي قولُهُ: * وَحُبَّ بها مَقْتُولَةٌ حينَ تُقْتَلُ * وأصله: حَبَبَ، وهو مسندٌ إلى اسمِ الإِشارةِ إلا أنّهما جريا بعد التَّركيب مُجرى الأَمثال التي لا تُغير، فلم يضم أول الفعل ولا وضع موضع "ذَا" غيره من أسماء الإِشارة بل أُلزمت فيه طريقة واحدة". قالَ المُشَرِّحُ: "حَبَّ" ها هنا من باب (فَعُلَ) بضم العين. فإن سألتَ: لم لا يَجوز أن يكون فَعَلَ أو فَعِلَ بفتح العين وكسرها. أجبتُ: لوجهين (٣): أحدهما: أن الصفة منه حَبِيْبٌ. والثاني: أنه قد وَرَدَ فيه -كما علمت- نقل الضَّمة من العين إلى الفاء.

стр. 1220

وأول البيت (١): فَقُلْتُ اقتُلُوهَا عَنْكُمُ بِمِزَاجِهَا … وحُبَّ بها … ... البيت قَتْلُ الخَمْرَةِ: مزاجها بالماء، وكسر قوّتها [به] فكأنه قَتَلَهَا، قالَ حَسَّانُ (٢): إن الذي نَاوَلَتْني فَرَددتُها … قُتِلَتْ قُتِلْتَ فَلَيْتَها لَمْ تُقْتَلِ الباء في "بها" ها هُنا للتَّعجب، ونظيره قولهم: كفاك بزيدٍ رجلًا. ابنُ السَّراج (٣): وإن دخل دليل التَّعجب كما قالوا إذا قلت: إنك من رجل لعالم لم يسقط "من" لأنها دليل (٤) التعجب. قالَ جارُ اللهِ: " [(فصلٌ)]: وهذا الاسم في الإِبهام مثل الضَّمير في "نعم" ومن ثمَّ فُسر به فقيلَ حبَّذا رجلًا زيدٌ كما يقالُ نعم رجلًا زيدٌ [غير أن الظاهر فضِّل على المضمر بأن استغنوا معه عن المفسر فقيل حبَّذا زيدٌ، ولم يقولُوا نِعْمَ زيد] (٥) ". قالَ المُشَرِّحُ: اختلفوا في "حبَّذا" أن المغلب عليها الإِسمية أم الفعلية (٦) فقال قومٌ: هذا التركيب وهو "حبذا" بمنزلة اسم يرفع ما بعده وهما

стр. 1221

من حيث المعنى مبتدأ وخبره والشيخ [﵀] ها هُنا قد مال إلى المغلب عليها الفعلية بدليل أنه جعل اسم الإِشارة ها هنا بمنزلة الضَّمير في نعم رجلًا زيدٌ عنى بالظاهر: اسم الإِشارة وهو "ذا"، ويحتمل أن يكون "ذا" للإِشارة إلى جنس المحاضرة قال الإِمام عبد القاهر الجرجاني (١): وأنه خلع منه معنى الإِشارة وجعل بمنزلة قولك: الشَّيء. ويحتمل أن يكون "ذا" مزيدة فيرتفعُ زيدٌ بـ "حبَّ" لأنَّه فاعلٌ، ونحو "ذا" ها هنا، ماذا صنعت؟ في أحدِ الوجهين ومن ثم أُجيب بمنصوب فقيل (٢): حبيبًا. تخمير: ولا بدَّ لـ "حبَّذا" من معرفة أو جارٍ مجرى المعرفة فلو قلتَ: حبَّذا رجلٌ وسكتَّ لم يكن شيئًا. قاله الإِمام عبد القاهر الجرجاني. قالَ جارُ اللهِ: "ولأنه لا ينفصل المخصوص عن الفاعل في نعم وينفصل في حبذا". قالَ المُشَرِّحُ: هذا عذرٌ آخر (٣) يقدم في لزوم المفسر في قولهم: حبذا زيد. يقولُ: إن الإِشارة ها هُنا نُزل منزلة الجزءِ من الفعل حتى خرجا عما عليه الفعل والفاعل، ولذلك أجرى على الواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث مُجرى واحدًا في قولك: حبذا زيدٌ وحبَّذا هندٌ وحبذا الزَّيدان [وحبذا الهندان وحبذا الزيدون وحبذا الهندات لولا ذلك لقالوا حبذه وحبذان الزيدان] وهذا الموضع من حيَّات هذا الكتاب وَعَقَارِبِهْ.

стр. 1222

[باب التَّعَجُّب] قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الفعل فعلا التَّعجَبُّ نحو قولك: ما أكرم زيدًا وأكرم بزيد، ولا يُبنيان إلا مما بني منه أفعل التَّفضيل". قالَ المُشَرِّحُ: التعجب له صيغتان: إحداهما: ما أفعله والثانية: أفعل به، والصّيغتان عند البصريين فعلٌ، ويشهد لكونه فعلًا شيئان: أحدهما: اتصال نونُ العمادِ بالضمير في قولك متعجبًا: ما أكرمني وما أكرمنا. والثاني: أنَّك تقولُ: ما أحسنَ وما أجملَ زيدًا إن نصبت زيدًا بـ "أجمل" وإن نصبته بـ "أحسن" قلت: ما أحسن وأجمله زيدًا تريد: ما أحسنَ زيدًا أن "أحسن" و"أجمل" وما أشبه ذلك أفعال. وعندي أن "ما أَفعله" جملةٌ اسميَّةٌ لا فعلية، أصلُها: زيدٌ أَفعل فقدم على المبتدأ الخبرُ، و"ما" هي الإِبهامية، و"أفعل" -في الأصل- أفعل تفضيل، بدليل أنَّ كلَّ ما يبنى منه أفعل التفضيل يبنى منه التَّعجب. ألا تَرى إلى ما ذكره ابن الأنباري أن العرب تقول: هو خيرٌ من ذلك وشرٌّ منه. فلا يُبنى منه أفعل التَّعجب كما لا يُبنى أفعل التَّفضيل، ومن قالَ: هو أخيَرُ منه وأشرُّ [بني] وكذلك (١) ورد على خلافِ القِيَاسِ، هو أَعطاهم للدِّرهم (٢)

стр. 1223

والدِّينار وأولاهم للمعروف فقيل -أيضًا-: ما أعطاه للدِّينار وأولاه للمعروف فكما أن أفعل التفضيل لا يُبنى من الأَلوان والعُيُوب فكذلك التَّعجب ويَشهد لكونه اسمًا وردد التَّصغير عليه في (١): "ما أحيسنها مقلة" وقال (٢): * يامَا أُمَيْلِحَ عِزْلَانًا شَدَنَّ لَنَا * ولو كانَ فعلًا لما صُغِّر؛ لأن تَصغير الفعل غيرُ متصوَّرٍ، ومن ثَمّ لم يَجُز هو ضُويرب زيدٍ، لأن فيه رائحةً من الفعلِ، بدليل أنه أُعمل عمل الفعل، فإذَا لم يَجز تصغير الاسم لأنَّ فيه رائحة [من] الفِعل فلأن لا يجوز تصغير نَفْسِ الفِعْلِ أَولى، والذي يقتلع الشغب من أصله أنَّك تقول: ما أَقْدَرَ الله وما أَعْلَمَهُ، ولو قلت في تفسيره شيءٌ جَعَلَ الله قادِرًا وشيءٌ جعله عالمًا خرجت إلى أَشنَعِ ما يكون من الكُفر. فإن سألتَ: فلمَ انتصب الاسم بعد هذه الصيغة؟ أجبتُ: نظرًا إلى نون العمادِ في الحِكَاية، وبهذه العلة انتصب اسم "إن". وأمَّا الصيغةُ الثانيةُ فهي (فعلٌ) وأصله من قولهم: كرم الرّجُلُ رجلًا زيدٌ، ولَؤُمَ الرَّجُلُ رجلًا زيدٌ، فيُجرى مُجرى "نعم" و"بئس" في الإِضمار على شريطةِ التَّفسير (٣) إذا أردت المدح أو الذم وفيه (٤) معنى التَّعجب من عِظَم كَرمه وعِظَم لُؤمه، وكذلك أن (فعل) بانفراده يأتي للمُبالغة نحو قَضُو

стр. 1224

الرجل: إذا جاد قضاؤه، وفَقُه: إذا قوي فقهه، وشَعُر: إذا جادَ شعره، ويُحكى (١): ضَرُبَتِ اليد إذا جاد ضَرْبُها، فكيفَ إذا عُومل معاملة نِعم وبئس؟ قال علي بن عيسى: وكذلك كلُّ فعلٍ متصرف فإنه يجوز أن ينقل إلى (فَعُل) في باب المدح ويعامل معاملةَ "نعم" و"بئس" فمن ذلك قوله تعالى (٢): ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، وأمَّا [معتل] (٣) اللام مثل قضى الرجل زيدًا ودعا الرجل بكرًا ففي النَّحويين من يتركه على حاله في هذا الباب والكسائي يَنْقُلُه إلى فَعُل على القياس تقول: رموت اليد يده والرجل، وقضو زيدٌ. وقد شذَّ ثلاثة أحرف علم، وسمع، وجهل، لأن قدرته لا تشتمل على هذه الثلاثة، فهي ليست له حتى يد منها فمن ثَمَّ تركوها على حالها كما كانت. وأمَّا المُضاعف فإنه يُترك على إدغامه نحو جَدَّ الرجلُ. وحكم فعل في هذا الباب جواز (٤) نقل الحركة من العين إلى الفاء تقول ظرف الرجل في ظرف ومثله: * وحُبَّ بها مقتولة [حين تقتل] (٥) * وإذا ثبت هذا قلنا: أكرم بزيد في الأصل أمر مخاطب لوجهين: أحدهما: أن الأمر من المعتل اللام يسقط آخره ويؤنسك في هذا الباب بيت الشريف (٦):

стр. 1225

وأَحْرِ بَأَنْ تَزْهَى زَمَخْشَرُ بامرِئٍ … إذا عُدَّ في أُسدِ الشَّرَى زَمَخَ الشَّرَى والثاني: أنَّه يَحْسُنُ عطف الأمرِ عليه كما في قول الخَفَاجِيِّ: على ما أَنْشَدَنِيْه بعضُ المَوَاصِلَةِ: أعظمْ برأيِكَ إن حَاوَلْتَ وَاضِحَةً … ومتْ له (١) فَعَلَى هَذَا مَضَى السَّلَفُ ولو كان (٢) اسمًا لما جازَ عطفُ الفعلِ عليه. ألا تَرى أنه يجوز لم يقمْ زيدٌ ولم يقعُدْ، [ولا يجوز] (٣) لم يقم زيد ولا يقعد بالجزم وهذا لأن "لا" لنفي المستقبل ورعاية المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه واجبة. فإذا قُلتَ: أقض بزيدٍ وارم بيده فمعناه أثبت معنى قضو زيد ورموت يده، كما لو قلت: أخرج فمعناه أثبت معنى خرج، والمعنى تعجب في القضاء والرماية بزيد وبيده أي بهذه الأداة. قالَ جارُ اللهِ: "ويُتَوَصَّلُ إلى التَّعجُّب مما لا يجوز بناؤهما منه بمثل ما يُتَوَصَّلُ به إلى التفضيل [إلا ما شذَّ من نحوِ ما أَعطاهُ وما أَوْلَاهُ للمعروف، ومن نحو ما أَشْهَاهُ وما أَمْقَتَه] (٤) ". قال المُشَرِّحُ: الذي يتوصل به إلى التَّفضيل مما يمنع التفضيل أن يُصاغ أفعل مما يُصاغ منه ثم تميز بمصادرها، كقولك: هو أجود منه جوابًا

стр. 1226

وأسرع انطلاقًا وأشدَّ سمرة، كذلك تقول ها هنا ما أجود جوابه وأسرع انطلاقه وأشد سمرته. وأمَّا قولهم: ما أعطاه [للمَال] وما أولاه للمعروف فلأنَّه ورد في أفعل التفضيل كما ذكرنا هو أعطاهم للدرهم، وأولاهم للمعروف، وكذلك ما أشبهها لأنه [قد] ورد في أفعل التَّفضيل هي أشهى إليَّ، ولعل ما أمقته كذلك. قالَ جارُ اللهِ: "وذكر سيبويه (١) أنَّهم لا يقولُون ما أقيله استغناء عنه بما أكثر قائلته كما استَغْنَوْا بتَرَكْتُ عن وذرتُ". قالَ المُشَرِّحُ: [ما أقيله] كأنه استعمل في القيل وهو سير (٢) [نصف] النَّهار فلا يُستعمل في القيلولة، يقول: استعمل الفعل من القيلولة وأميت منه التعجب، كما استعمل المضارع والأمر في قولهم: هذا يذره وذره وأُميت منه الماضي. قالَ جارُ اللهِ: "ومعنى ما أكرم زيدًا [أي] شيءٌ جعله كريمًا كقولك: أمرٌ أقعده عن الخروج ومهمٌّ أشخصه عن مكانه، تريد أن قُعوده وشُخوصه لم يكونا إلا لأمرٍ، إلا أن هذا النَّقل من كل فعل خلا ما استثنى [منه] فمختصٌّ بباب التَّعجب، و [غير منكرٍ] في لسانهم أن يجعلوا لبعضِ الأَبواب شأنًا ليس لغيره لمعنى". قالَ المُشَرِّحُ: الذي استثنى من هذه القَضِيَّة أفعال الألوان والعُيُوب؛ لأنَّها وإن كانت ثلاثية فأصلها باب أفعل وأفعال، قوله: في لسانهم أن يجعلوا لبعض الأبواب شأنًا، مثاله قولهم: اللهم [اغفر] لنا أيَّتُها العصابة، ولا يجوز اللهم اغفر لهم أيتها العصابة.

стр. 1227

قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا أكرم بزيدٍ، فقيل (١): أصله أكرم زيد أي صارَ ذا كَرَمٍ كأغدَّ البعير أي: صارَ ذا غُدَّةٍ، إلا أنه أُخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر، كما أُخرج على لفظ الخَبر ما معناه الدُّعاء في قولهم: رحمة الله، والباء مثلها في [قولهم]: كَفَى بالله". قالَ المُشَرِّحُ: هذه تمشية الشيخ أبي عليٍّ الفارسي" (٢) [﵀]. قالَ جارُ اللهِ: "وفي هذا ضربٌ من التَّعَسُّفِ، وعندي أن أسهل مأخذًا منه أن يُقال: إنه أمرٌ لِكُلِّ أَحد بأن يَجعل زيدًا كريمًا [أي] بأن يَصِفَهُ بالكرمِ والباء مزيدةٌ مثلها في: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ [إِلَى التَّهْلُكَةِ] (٣)﴾ للتَّأكيد والاختصاص". قالَ المُشَرِّحُ: الفرق (٤) بين ما قاله النَّحويون وبين ما قاله الشَّيخ [﵀] أنَّ الباء على مذهبه زيادةٌ في المنصوب وهي كثيرةٌ، وفي ما قالوه زيادةٌ في المرفوع وهي قليلة. قالَ جارُ اللهِ: "أو بأن تَصِيْرَ ذا كرمٍ والباء للتَّعدية، هذا أَصلُهُ، ثم جَرَى مجرى المَثَلِ فلم يُغيّر عن لفظِ الواحدِ في قولك: يا رَجُلان أكرم بزيدٍ، ويا رجال أكرم بزيدٍ". قالَ المُشَرِّحُ: وكونُ الباءِ للتَّعدية أيضًا كثيرٌ، بخلاف زيادة الباء في المرفوع إلا أنها إنما لا يُغير المثل، لأنَّه شبيهٌ الواقع بحالِ من ضُرِبَ به المَثَلُ. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): واختلفوا في "ما" فهي عند سيبويه غير

стр. 1228

موصولةٍ ولا موصوفةٍ، وهي مبتدأ وما بعده خبره، وعند الأخفش موصولةٌ وصلتها ما بعدها، وهي مبتدأ محذوف الخبر. وعند بعضهم فيها معنى الاستفهام كأنه قيل أي شيءٍ أكرمه". قالَ المُشَرِّحُ: تقدير المحذوف على تقدير الأخفش الذي أكرمَ زيدًا موجودٌ. قالَ جارُ اللهِ: " ([فصل]): ولا يتصرف في الجملة التعجبية بتقديمٍ ولا تأخيرٍ ولا فَصْلٍ، فلا يقال: عبدُ الله ما أحسن وبزيدٍ أكرمْ، ولا أحسن في الدَّارِ زيدًا، ولا أكرم اليَوْمَ بزيدٍ وقد أجاز الجَرْمِيُّ الفَصل، وغيره من أصحابنا وينصرهم قول القائل: ما أحسن بالرَّجل أن يصدق". قالَ المُشَرِّحُ: كلُّ كلامٍ صار علمًا لمعنى فالقياس أن لا يتصرف فيه حتى لا يختل الفهم، ولأن ما في التعجب من الفعل جامد غير متصرف والجرمي قد أجاز الفصل بالظَّرف وذلك أن ارتباط بعض أجزاء الجملة التعجبية بالبعض لا يكون أقوى من ارتباط المُضاف بالمضاف إليه والجار والمجرور ثم جازَ الفصل بين الفصلين بالظَّرف، فكذلك ها هنا. قول القائل في كلامِ الشَّيخ ﵀ ليس بثبتٍ إنما هو غير موزون. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ويقال: ما كانَ أحسن زيدًا للدلالة على المضي وقد حُكي ما أصبح أَبردها، وما أَمسى أدفأها. والضمر للغَدَاة". قالَ المُشَرِّحُ: ابنُ السراج (١): وهذا عندي غير جائزٍ ويفسد تَشبيههم ما ظَنُّوه أن "أمسى" و"أصبح" أزمنة مؤقتة، و"كان" ليست مؤقتة، ولو جازَ في "أصبح" و"أمسى" لجازَ [ذلك] (٢) في "أضحى" و"ما زال" هذه ألفاظه.

стр. 1229

[باب الفعل الثلاثي] قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الفعل الثلاثي للمجرد منه ثلاثة أبنية فعل وفعل وفعل، وكل واحد من الأولين على وجهين متعد وغير متعد ومضارعه على بنائين مضارع فعل على يفعل، ومضارع فعل على يفعل ويفعل والثالث على وجه واحد غير متعد، ومضارعه على بناء وأحد وهو يفعل". قالَ المُشَرِّحُ: هذه (١) الأبواب الثلاثة دعائم الأبواب لا سيما فعل يفعل. قال ثعلب: وإذا أشكل عليك فعل فلم تدر من أي باب هو؟ فأحمله على فعل يفعل فإنه أصل الأبواب كلها. ابن جني: إن باب فعل المتعدي [ان] يجيء على يفعل مكسور العين كضرب يضرب وحبس يحبس. وباب فعل غير المتعدي أن يكون على يفعل مضموم العين كقعد يقعد، وخرج يخرج، وإنما قد يتداخلان فيجيء هذا في هذا وهذا في هذا. هذه كلمة. قال نصر بن سيار (٢): "أرحبكم الدخول في طاعة الكرماني" أي: وسعكم. قال الخليل: وهي شاذَّةٌ لم يَجئ في الصَّحيح فعل متعديًا غيره.

стр. 1230

وأمَّا المُعتَلُّ فاختلفوا فيه. قالَ جارُ اللهِ: "فمثال فَعَلَ: ضربه يضربه وجلس يجلس، وقتله يقتله، وقعد يقعد، ومثال فَعِلَ: شَرِبَه يَشْرَبُه، وفَرِحَ يَفْرَحُ، ووَمِقَه يَمِقُه، وَوثِقَ يَثِقُ، ومثال فَعُل كَرُمَ يَكْرُمُ". قالَ المُشَرِّحُ: ذكر لكل باب مثالين (١) مثالًا متعديًا، ومثالًا لازمًا. قالَ جارُ اللهِ: "وأما فَعَلَ يَفْعَلُ: فليس بأصل ومن ثم لم يجئ إلا مشروطًا أن يكون عينه أو لامه أحد حروف الحلق: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء إلا من شذَّ من أبى يأبى وركن يركن". قالَ المُشَرِّحُ: القياس أن يختلف من حركة عينهما كما أنهما يختلفان معنًى كما في سائر الأبواب من الثُّلاثية والمتشعبة والرُّباعية والمَبني للمفعول، إلا أنَّ حروفَ الحَلْقِ مُسْتَثْقَلَةٌ لتسفلها فجبروها لخفة الفتحة؛ لأن فيها صعودًا، فهذا هو الذي ألجأهم إلى فتحها. وأمَّا الحرفُ الذي عليه مَدَارُ هذه المسألة فهو أن الفعل إذا كان غَرِيْزِيًّا غير مُحتمل للتفاوت في كلّ كرة فإنه لا يختلف فيه عينا الماضي والمضارع وذلك نحو باب الطَّبائع نحو [تقول] (٢): شرُفَ يشرُف وكرُم يكرُمُ، وكذلك مطاوعات فعل وفاعل وفعلل، وهي التفعيل والتفاعل والتفعلل. أمَّا إذا كان غير غَريزي محتملًا للتفاوت فإن عين الماضي فيه تُخالف عين المضارع، وذلك نحو كَتَبَ وأكرم وجرب ودحرج. فإن سألت: فما تقولُ في [قولهم]: انكسر ينكسر؟ أجبتُ: الكلامُ فيه مبنيٌّ على الفَرق بين فَعَلَ بالتخفيف وفعَّل بالتشديد فتقول: (فَعَلَ) كأنه لذات الفعل وللابتداء، و (فعَّل) كأنه للمبالغة وللانتهاء
следующие страницы →