← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وأسرع انطلاقًا وأشدَّ سمرة، كذلك تقول ها هنا ما أجود جوابه وأسرع انطلاقه وأشد سمرته. وأمَّا قولهم: ما أعطاه [للمَال] وما أولاه للمعروف فلأنَّه ورد في أفعل التفضيل كما ذكرنا هو أعطاهم للدرهم، وأولاهم للمعروف، وكذلك ما أشبهها لأنه [قد] ورد في أفعل التَّفضيل هي أشهى إليَّ، ولعل ما أمقته كذلك. قالَ جارُ اللهِ: "وذكر سيبويه (١) أنَّهم لا يقولُون ما أقيله استغناء عنه بما أكثر قائلته كما استَغْنَوْا بتَرَكْتُ عن وذرتُ". قالَ المُشَرِّحُ: [ما أقيله] كأنه استعمل في القيل وهو سير (٢) [نصف] النَّهار فلا يُستعمل في القيلولة، يقول: استعمل الفعل من القيلولة وأميت منه التعجب، كما استعمل المضارع والأمر في قولهم: هذا يذره وذره وأُميت منه الماضي. قالَ جارُ اللهِ: "ومعنى ما أكرم زيدًا [أي] شيءٌ جعله كريمًا كقولك: أمرٌ أقعده عن الخروج ومهمٌّ أشخصه عن مكانه، تريد أن قُعوده وشُخوصه لم يكونا إلا لأمرٍ، إلا أن هذا النَّقل من كل فعل خلا ما استثنى [منه] فمختصٌّ بباب التَّعجب، و [غير منكرٍ] في لسانهم أن يجعلوا لبعضِ الأَبواب شأنًا ليس لغيره لمعنى". قالَ المُشَرِّحُ: الذي استثنى من هذه القَضِيَّة أفعال الألوان والعُيُوب؛ لأنَّها وإن كانت ثلاثية فأصلها باب أفعل وأفعال، قوله: في لسانهم أن يجعلوا لبعض الأبواب شأنًا، مثاله قولهم: اللهم [اغفر] لنا أيَّتُها العصابة، ولا يجوز اللهم اغفر لهم أيتها العصابة.

стр. 1227

قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا أكرم بزيدٍ، فقيل (١): أصله أكرم زيد أي صارَ ذا كَرَمٍ كأغدَّ البعير أي: صارَ ذا غُدَّةٍ، إلا أنه أُخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر، كما أُخرج على لفظ الخَبر ما معناه الدُّعاء في قولهم: رحمة الله، والباء مثلها في [قولهم]: كَفَى بالله". قالَ المُشَرِّحُ: هذه تمشية الشيخ أبي عليٍّ الفارسي" (٢) [﵀]. قالَ جارُ اللهِ: "وفي هذا ضربٌ من التَّعَسُّفِ، وعندي أن أسهل مأخذًا منه أن يُقال: إنه أمرٌ لِكُلِّ أَحد بأن يَجعل زيدًا كريمًا [أي] بأن يَصِفَهُ بالكرمِ والباء مزيدةٌ مثلها في: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ [إِلَى التَّهْلُكَةِ] (٣)﴾ للتَّأكيد والاختصاص". قالَ المُشَرِّحُ: الفرق (٤) بين ما قاله النَّحويون وبين ما قاله الشَّيخ [﵀] أنَّ الباء على مذهبه زيادةٌ في المنصوب وهي كثيرةٌ، وفي ما قالوه زيادةٌ في المرفوع وهي قليلة. قالَ جارُ اللهِ: "أو بأن تَصِيْرَ ذا كرمٍ والباء للتَّعدية، هذا أَصلُهُ، ثم جَرَى مجرى المَثَلِ فلم يُغيّر عن لفظِ الواحدِ في قولك: يا رَجُلان أكرم بزيدٍ، ويا رجال أكرم بزيدٍ". قالَ المُشَرِّحُ: وكونُ الباءِ للتَّعدية أيضًا كثيرٌ، بخلاف زيادة الباء في المرفوع إلا أنها إنما لا يُغير المثل، لأنَّه شبيهٌ الواقع بحالِ من ضُرِبَ به المَثَلُ. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): واختلفوا في "ما" فهي عند سيبويه غير

стр. 1228

موصولةٍ ولا موصوفةٍ، وهي مبتدأ وما بعده خبره، وعند الأخفش موصولةٌ وصلتها ما بعدها، وهي مبتدأ محذوف الخبر. وعند بعضهم فيها معنى الاستفهام كأنه قيل أي شيءٍ أكرمه". قالَ المُشَرِّحُ: تقدير المحذوف على تقدير الأخفش الذي أكرمَ زيدًا موجودٌ. قالَ جارُ اللهِ: " ([فصل]): ولا يتصرف في الجملة التعجبية بتقديمٍ ولا تأخيرٍ ولا فَصْلٍ، فلا يقال: عبدُ الله ما أحسن وبزيدٍ أكرمْ، ولا أحسن في الدَّارِ زيدًا، ولا أكرم اليَوْمَ بزيدٍ وقد أجاز الجَرْمِيُّ الفَصل، وغيره من أصحابنا وينصرهم قول القائل: ما أحسن بالرَّجل أن يصدق". قالَ المُشَرِّحُ: كلُّ كلامٍ صار علمًا لمعنى فالقياس أن لا يتصرف فيه حتى لا يختل الفهم، ولأن ما في التعجب من الفعل جامد غير متصرف والجرمي قد أجاز الفصل بالظَّرف وذلك أن ارتباط بعض أجزاء الجملة التعجبية بالبعض لا يكون أقوى من ارتباط المُضاف بالمضاف إليه والجار والمجرور ثم جازَ الفصل بين الفصلين بالظَّرف، فكذلك ها هنا. قول القائل في كلامِ الشَّيخ ﵀ ليس بثبتٍ إنما هو غير موزون. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ويقال: ما كانَ أحسن زيدًا للدلالة على المضي وقد حُكي ما أصبح أَبردها، وما أَمسى أدفأها. والضمر للغَدَاة". قالَ المُشَرِّحُ: ابنُ السراج (١): وهذا عندي غير جائزٍ ويفسد تَشبيههم ما ظَنُّوه أن "أمسى" و"أصبح" أزمنة مؤقتة، و"كان" ليست مؤقتة، ولو جازَ في "أصبح" و"أمسى" لجازَ [ذلك] (٢) في "أضحى" و"ما زال" هذه ألفاظه.

стр. 1229

[باب الفعل الثلاثي] قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الفعل الثلاثي للمجرد منه ثلاثة أبنية فعل وفعل وفعل، وكل واحد من الأولين على وجهين متعد وغير متعد ومضارعه على بنائين مضارع فعل على يفعل، ومضارع فعل على يفعل ويفعل والثالث على وجه واحد غير متعد، ومضارعه على بناء وأحد وهو يفعل". قالَ المُشَرِّحُ: هذه (١) الأبواب الثلاثة دعائم الأبواب لا سيما فعل يفعل. قال ثعلب: وإذا أشكل عليك فعل فلم تدر من أي باب هو؟ فأحمله على فعل يفعل فإنه أصل الأبواب كلها. ابن جني: إن باب فعل المتعدي [ان] يجيء على يفعل مكسور العين كضرب يضرب وحبس يحبس. وباب فعل غير المتعدي أن يكون على يفعل مضموم العين كقعد يقعد، وخرج يخرج، وإنما قد يتداخلان فيجيء هذا في هذا وهذا في هذا. هذه كلمة. قال نصر بن سيار (٢): "أرحبكم الدخول في طاعة الكرماني" أي: وسعكم. قال الخليل: وهي شاذَّةٌ لم يَجئ في الصَّحيح فعل متعديًا غيره.

стр. 1230

وأمَّا المُعتَلُّ فاختلفوا فيه. قالَ جارُ اللهِ: "فمثال فَعَلَ: ضربه يضربه وجلس يجلس، وقتله يقتله، وقعد يقعد، ومثال فَعِلَ: شَرِبَه يَشْرَبُه، وفَرِحَ يَفْرَحُ، ووَمِقَه يَمِقُه، وَوثِقَ يَثِقُ، ومثال فَعُل كَرُمَ يَكْرُمُ". قالَ المُشَرِّحُ: ذكر لكل باب مثالين (١) مثالًا متعديًا، ومثالًا لازمًا. قالَ جارُ اللهِ: "وأما فَعَلَ يَفْعَلُ: فليس بأصل ومن ثم لم يجئ إلا مشروطًا أن يكون عينه أو لامه أحد حروف الحلق: الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء إلا من شذَّ من أبى يأبى وركن يركن". قالَ المُشَرِّحُ: القياس أن يختلف من حركة عينهما كما أنهما يختلفان معنًى كما في سائر الأبواب من الثُّلاثية والمتشعبة والرُّباعية والمَبني للمفعول، إلا أنَّ حروفَ الحَلْقِ مُسْتَثْقَلَةٌ لتسفلها فجبروها لخفة الفتحة؛ لأن فيها صعودًا، فهذا هو الذي ألجأهم إلى فتحها. وأمَّا الحرفُ الذي عليه مَدَارُ هذه المسألة فهو أن الفعل إذا كان غَرِيْزِيًّا غير مُحتمل للتفاوت في كلّ كرة فإنه لا يختلف فيه عينا الماضي والمضارع وذلك نحو باب الطَّبائع نحو [تقول] (٢): شرُفَ يشرُف وكرُم يكرُمُ، وكذلك مطاوعات فعل وفاعل وفعلل، وهي التفعيل والتفاعل والتفعلل. أمَّا إذا كان غير غَريزي محتملًا للتفاوت فإن عين الماضي فيه تُخالف عين المضارع، وذلك نحو كَتَبَ وأكرم وجرب ودحرج. فإن سألت: فما تقولُ في [قولهم]: انكسر ينكسر؟ أجبتُ: الكلامُ فيه مبنيٌّ على الفَرق بين فَعَلَ بالتخفيف وفعَّل بالتشديد فتقول: (فَعَلَ) كأنه لذات الفعل وللابتداء، و (فعَّل) كأنه للمبالغة وللانتهاء

стр. 1231

فكان الأول مما يحتمل التفاوت؛ لأنه إذا أتى بالفعل على أيِّ وجهٍ كان فقد أتى بذات الفعل بخلاف الثاني وذلك بخلاف المضموم (١) العين في الماضي والمُستقبل فإنه خاصٌّ للطبائع في المعنى والمستقبل فيهما، متفقان من حيثُ المعنى؛ لأن الموجب لهما شيءٌ واحدٌ وهو الطَّبيعة. فإن سألتَ: فما تقولُ في المكسور العَين [في الماضي والمستقبل؟]. أجبتُ: أنه ليس من الأبواب لقلَّته فإنه ليس شيءٌ منه إلا وقد جاءت فيه لغةٌ أخرى مستقلة إلا منقلبة يقال: رَكَنَ إليه يَرْكُنُ بالضم وحكى أبو زيدٍ ركِنَ إليه بالكسر يركن، وأمَّا ما حكاه أبو عمرو من رَكَنَ يركن -بالفتح فيهما- فمن تداخل اللغتين. ومن هذا الباب قول العرب: أحزنني هذا الأمر، فإذا صاروا إلى المستقبل قالوا يحزُنُني كأنهم قَصَدُوا في أَبى يأبى أن يكون مهموز اللَّام حتى لا يقع بين أبى من الآباء وبين أبى من الأبوة اشتراك، إلا أن وقوع الهمزة فيه فاءً منعهم من ذلك فـ (يأبى) في افتتاح العين بمنزلة (يهب) في سقوط الواو. قالَ جارُ اللهِ: "وأما (٢) فعُل يفعُلُ نحو فَضُل يفضُلُ ومت تموت فمن تداخل اللغتين وكذلك فعل يفعِل نحو كدت تكاد. وللمزيد فيه خمسة وعشرون بناءً تمر في أثناء التَّقاسيم بعون الله، والزيادة لا تَخلو إما (٣) أن تكون من جنسِ حروف الكلمةِ، أو من غير جنسها، كما ذُكر في أبنية الأسماء". قالَ المُشَرِّحُ: الزِّيادة من جنس حروف الكلمة كالباء في جلبب وتجلبب.

стр. 1232

وأمَّا التي من غير جنسها كالهمزة في أكرم، والواو في حوقل. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وأبنية المزيد فيه على ثلاثة أضرب، موازن للرُّباعي على سبيل الإِلحاق، وموازن له على غير سبيل الإِلحاق، وغير موازن له. فالأول على ثلاثةٍ أوجه: ملحق مدحرج نحو شَمْلَلَ وحَوْقَلَ وبَيْطَرَ وجَهْوَرَ وقَلْنَس وقلنسي. ومُلحق يَتَدَحْرَجَ نحو: تَجَلْبَبَ وتَجَوْرَبَ وتَشَيْطَنَ وتَرَهْوَكَ وتَمَسْكَنَ وتَعَاقَلَ وتَكَلَّمَ. وملحق باحْرَنْجمَ نحو اقْعَنْسَسَ واسْتَلْقَى. ومصداق الإِلحاق اتحادُ المصدرين. والثاني: نحو أخرج وجرَّب وقاتل، يوازن دحرج غير أن مصدره مخالف لمصدره. والثالث: نحو انطلق واقتدر واستَخرج واشهابٌ واشهب، واغدودن واعلِوَطَّ". قالَ المُشَرِّحُ: شملل شَمْلَلَةً: إذا أَسْرَعَ من قولهم: ناقةٌ شملة وشمليل وشملال أي: خفيفة سريعة. حَوْقَلَ: بالحاء المُهملة من الحقلة، وهي ما بقي من نفيات التَّمر، لأن قولهم: حوقل الرجل معناه كَبُرَ وضَعُفَ فصار كأنَّه لم يبقَ منه إلا بقاية العُمر، قال الراجز (١): يَا قوْمُ قَدْ حَوْقَلْتُ أو دَنَوْتُ

стр. 1233

وبَعْدَ حِيْقَالِ الرِّجَالِ المَوْتُ وهو في المَعنى قريبٌ من قولهم: شيخٌ قاحلٌ أي: كبيرٌ مُسِنٌّ. جَهْوَرَ من الجَهَارَةُ وهو ارتفاع الصوت وظهوره. بيطر الدابة: أصلها من البَطَرِ، وهو الشَقُّ في جِلْد أو غيره ومنه سمي البِيْطَار؛ لأنَّهم كثيرًا ما يصفونه بالشَقِّ، قال (١): أقبٌ لَمْ يَثْقِبُ البِيْطَارُ سُرَّتَهُ … وَلَمْ يَدِجْهُ ولَمْ يَقْطَعْ له عَصَبَا قلنس وقلنسي كلاهما من القلنسوة. تجلبب: يحتمل أن تكون من الجلبة وهي جلدة تعلو الجرح للبرء، أو من الجلب وهو سحاب ليس فيه ماء قال تأبط شرًا (٢): * وَلَسْتُ بِجُلْبٍ جُلْبِ ريحٍ (٣) وقَرَّةٍ * الواو في (تَجَوْرَبَ) مزيدةٌ، لأنها كذلك في (جَوْرَبَ) والدليل على أنها مزيدة في (جَوْرَبَ) أنها وقعت موقع الواو من (حَوْقَلَ) وهي ثَمَّ مزيدةٌ فكذلك ها هنا. تَشَيْطَنَ: من الشيطان وهو كلُّ عاثٍ متمرِّدٍ من الجِنٌ والإِنس والدَّواب، قال جَرير (٤): أيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيطان من غَزَلي … وهنَّ يَهْويْنَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا

стр. 1234

وأصله من شَطَنَ: إذا بَعُدَ. يقال: مرَّ الرجل يترهوك وكأنه معرب الواو فيه مزيدة لأنها وقعت موقع الواو من سهوكته فتسهوك أو بروهلك، والواو ثم مزيدة لقولهم: سهكت الريح: إذا أطارت تُرابها. قال (١): * رَمَادًا أطارَتْه السَّوَاهِكُ رَمْدَدَا * (تغافل): الرِّواية فيه بالغَين المعجمة. (أحرنجم القوم): إذا ازدحموا. (أقعنسَسَ): وقد مَضى في قسم الأسماء فألحقوا بنات الثلاثة بالرباعية فالواو والياء في هذه الأفعال (٢) زيادة، لأنهما لا تكونان [أصولًا] (٣) في ذوات الأربعة إلا في التضعيف. اعلم أن افعللت إنما هي مقصورة من افعاللت لطول الكلمة ومعناها كمعناها. قال سيبويه: وليس شيءٌ يقال فيه افعللت إلا يقال فيه افعاللت إلا أنه قد تقل إحدى اللغتين في الشيء وتكثر فيه الأخرى لكن طرح الألف في أحمر وأصفر وأبيض وأسود أكثر إثباته في اشهاب وادهَامَّ، واكماتَّ أكثرُ يقال: اغددن الليل -بالغين المعجمة-: إذا أظلم. واعلوط بَعيره إعلواطًا: إذا تَعَلَّق بعُنُقه وَعَلَاهُ وهو بالعين المُهملة. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): فما كان على فَعل فهو على معانٍ لا تضبط كثرةً وسعةً، وباب المُبالغة مختصُّ بفعل يفعل منه كقولك: كارمني فكرمته وأكرمته، وكاثرني فكثرته وكذلك عازَّني فعزَزْتُهُ وخاصَمني فخصمته،

стр. 1235

وهاجاني فهجوته، إلا ما كان معتل الفاء كوعدت أو معتل العين واللام من بنات الياء كبعت ورميت فإنَّك تقول فيه أَفعله بالكَسْرِ كقولك: خايرته فخُرته وأخيره. وعن الكسائي أنه استثنى أيضًا (١) ما فيه أحدُ حروفِ الحلق فإنه يُقال فيه أفعله بالفتح وحكى أبو زيدٍ (٢) شاعرته أشعره وفاخرته أفخره بالضم. قالَ المُشَرِّحُ: ما كان مُعتل الفاء فإنه لا يكون يفعل منه إلا بالضم إلا كلمة يتيمة وهي مع ذلك لغةُ بني عامر وحدها، وأمَّا المعتل العين واللام من بنات الياء فلئلا يختلط بنات الياء ببنات الواو. تخمير: قال سيبويه (٣): وزعم الخليل أنك حيث قلت: حزنته لم ترد جعلته حزينًا، كما أنك حيث قلت أدخلته أردت جعله داخلًا لكنك أردت أن تقول: جعلت فيه حزنًا، كما قلت كحلته جعلت فيه كحلًا ودهنته جعلت فيه دهنًا. قالَ جار اللهِ: "قال سيبويه: وليسَ في كلِّ شيء يكون هذا أَلا ترى أنَّك لا تقول: نازَعَنِي فَنَزَعْتُهُ استغني عنه بغلبته". قالَ المُشَرِّحُ: [استغني عنه بغلبته] (٤) لكونه مستَثْقَلًا، وأصابه العوض عنه، أمَّا كونه مُستَثْقَلًا فلكون الضَّمة مُستَثْقَلَةً على الزاي لكونه من حروفِ الصَّفير ووقوع العين بعده. أمَّا إضافة العوض عنه فظاهرة. قالَ جارُ اللهِ: "و (فَعِلَ) تكثر فيه الأعراض من العلل والأحزان وأضدادها كسَقِمَ ومَرِضَ وحَزِنَ وفَرِحَ وجَذِلَ وأَشِرَ، والألوان كأدِمَ وشهِب وسَوِدَ. وفعُل للخِصَال التي تكون في الأَشياء كحسُن وقبُح وصغُر وكبُر".

стр. 1236

قالَ المُشَرِّحُ: عنى بالخِصال الغَرائز والطّباع. وهذه ألفاظ سيبويه. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وَتَفَعْلَلَ يجيءُ مطاوعُ فعلل كجوربه فتجورب وجلببه فتجلبب، وبناء مقتضيًا كتسهوك وترهوك". قالَ المُشَرِّحُ: بعضُ الأدباء (١): كم راجعت النفس في تقديم تفعلل في المتشعبة على سائرها فأعوزني التخريج. ولك أن تجيبه بأن تفعلل رأسُ المطاوعة، لأنَّ فعللًا لا يكون مُتَعَدِيًا إلا وتفعلل مُطاوعه. قالَ جارُ اللهِ: " (فَصْلٌ): وتَفَعَّل يجيء مطاوع فعل نحو: كسرته فتكسر، وقطعته فتقطع، وبمعنى التَّكَلُّف نحو: تشجع وتبصر وتحلم وتمرأ. قال حاتم (٢): تَحَلَّمْ عَلَى الأَدْنَيْن وَاسْتَبْقِ وِدَّهُمْ … وَلَنْ تَسْتَطِيعَ الحِلْمَ حَتَّى تَحَلَّمَا [قالَ المُشَرِّحُ: الأَدَنَيْن -بفتح النون، وكذلك بفتح ما قبل الياء- وإن كان جمعًا، ونحو مررت بالمُصطفين]. قالَ جارُ اللهِ: "قال سيبويه: وليس هذا مثل تجاهل، لأن هذا يطلب أن يصيرَ حليمًا، ومنه تقيس وتنزر". قالَ المُشَرِّحُ: التفعل (٣): تطلب، والتفاعل جزء؟. تقيَّسَ فلانٌ: إذا تَشَبَّه بقيس عيلان، أو تمسك منهم بسببٍ أو حلفٍ أو جود أو ولاء، قال رؤبة (٤):

стр. 1237

* وَقَيْسُ عَيْلَانَ ومَنْ تَقَيَّسَا * وعيلان ها هنا بالعَين المهملة وهو اسمه [الناس] (١) وأخوه إلياس بن مضر بن نزار، وقيس لقبه. وتنزر الرجل إذا تشبه بالنزارية وأَدْخَلَ [فيهم نفسه]. قالَ جارُ اللهِ: "وبمعنى استفعل كتكبر وتعظم وتعجل الشيء وتيقنه وتقصاه وتثبته (٣) وتبينه". قالَ المُشَرِّحُ: استعجلت الشيءَ طلبتُهُ على عجلته، ويقال: تعجل من الكرى. كذا تيقنه واستيقنته كأنه تكلف حتى تيقنه. واستقصى فلان في المسألة وتقصى كأنه طلب أقصاها. تثبته (٢) واستثبته (٢) كأنه طلب ثباته (٢). وأبان الشَّيءَ فهو مُبين وأبنتُهُ أنا أي: أوضحته واستَبَان الشَّيء: إذا ظَهَرَ، واستَبْيَنْتُهُ أي: عَرَفْتُهُ، وتبين الشيءَ: ظَهَرَ، وتبينْتُهُ أنه. قال الجوهري (٣): تتعدى هذه الثلاثة ولا تتعدى. قالَ جارُ اللهِ: "وللعمل بعد العمل في مُهلة كقولك: تجرعه وتحسَّاه وتَعَرَّفَهُ وتَفَوَّقَهُ ومنه تَفَهَّم وتَبَصَّر وتَسَمَّع". قالَ المُشَرِّحُ: كأن (٤) معناه شَرِبَهُ جُرْعةً جُرْعةً، وحَسْوَةً حَسْوَةً وغَرْفَةً غَرْفَةً وفَيْقَةً فَيْقَةً وأفواقًا فُواقًا. قالَ جارُ اللهِ: "وبمعنى اتخاذ الشيءِ نحو: تبوأت الدار [تدبرت المكان] (٥)، وتوسدت التُّراب، ومنه تبناه".

стр. 1238

قالَ المُشَرِّحُ: كان (١) المثبت في المتن تَديَّرْتُ المكان، ومكان تَبَوَّأتُ. وعن العِمْرَانِيِّ: قلتُ لصاحب (الكشاف): تديرت تفيعلت وليس بتفعلت إلا أنه لم تصح الواو فيه. فقال: هو كما تقولُ. فقلت: فلماذَا أثبتَّه في باب تفعلت؟ فقال: إنّ الشيخ الإِمام عبد القاهر قد أورده في باب تفعّلت [ويفوتني]. قلت: في أيُّ كتاب أورده؟ فقال: ليس في ذكرى الساعةَ مكانة. قلت: هل أضرب القَلم؟ فقال: نعم. قلت: وأي شيءٍ أكتب مكانه؟ فقال: الأمر بيَدك: أكتُب مكانَه شيئًا يوافقه نحو تبوأت الدَّار اتخذتها مباءَة، وتأثَّلت المَكَانَ جعله لنفس أُثلة أي: أصلًا ووسدته الشيءَ فتوسده، إذا جعلته تحت رأسه، تبنيت فلانًا: اتخذته ابنًا. قالَ جارُ اللهِ: "وبمعنى التجنُّب كقولك: تحوَّب وتألَّم، وتَهَجَّد وتَحَرَّج: أي تَجَنَّب الجُوْب والإِثم والهُجود والحَرَج". قالَ المُشَرِّحُ: الحاب والحُوب -بالضَمَّ-: الإِثم، يقال: حبتُ بهذا، أي: أَثِمْتُ تحوب حُوْبًا وحُوْبَةً وحيابة، قال النابغة الذُّبياني (٢): صَبْرًا بَغِيْضَ بن رُيْثٍ إنَّها رَحِمٌ … حُبْتُمْ بِهَا فأنَاخَتْكُمْ (٣) بِجَعْجَاعِ

стр. 1239

الحَرَجُ: [هو] (١) الإِثم، ومن هذا الباب تلوَّم انتظر انتظار من تجنب الملامة. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وتفاعل [لما] (٢) يكون بين اثنين فصاعدًا، نحو تضاربا وتَضَارَبُوا، ولا يَخلوا من أن يكونَ من فاعل المُتعدي إلى مفعول، أو المُتَعدي إلى مفعولين، فإن كان المتعدي [إلى مفعولٍ كضارب لم يَتَعَدَّ، وإن كان من المتعدي] (٣) إلى مفعولين نحو نازعته الحديث وجاذبته الثوب وناسيته البغضاء، تعدى إلى مفعولٍ واحدٍ كقولك: تنازعنا الحَدِيْثَ، وَتَجَادَبْنَا الثَّوْبَ، وتناسينا البَغْضَاءَ". قالَ المُشَرِّحُ: التَّفاعل (٤) بالإِضافة إلى المفاعلة بمنزلة البناء للمفعول بالإِضافة إلى التعدية، إلا أن ذلك عامٌّ وهذا خاصٌّ. قالَ جارُ اللهِ: "ويجيء ليريك الفاعل أنه [في] (٥) حال ليس فيها نحو تَغَافلت وتَعَاميت وتَجَاهلت، قال: * إذا تَخَازَرْتُ وما بي من خَزَرْ * قالَ المُشَرِّحُ: [الرجز] (٦) لعمرو بن العاص في يوم صِفّين، ويروى: للنَّجاشي الحارثي ويروى -فيما أظُنُّ-: لغيرهما أيضًا وبعده (٧):

стр. 1240

ثُمَّ كَسَرْتُ الطَّرفَ من غيرِ عَوَرْ أَلْفَيْتَنِي أَلوي بُعَيْدَ المُشتَمِرْ ذَا صَوْلة في المُصْمَئِلَّات الكِبَرْ قوله: * ثَمَّ كَسَرْتُ الطَّرْفَ مِنْ غَيْرِ عَوَرْ * تفسير التَّخازر. الألوي: هو الذي يلتوي على خصمه. (بعيد المُشتمر)، أي: أمرُّ في الخصومة إلى مقامٍ لا يمر إليه غيري. المصمئلات: الدَّواهي، الواحدة مُصمئلة. الكبر: جمع الكبرى مثل [الفضل والفضلى] (١). قالَ جارُ اللهِ: "وبمنزلةِ فعلت كقولك: تَوانيت في الأمر وتقاضيته وتجاوز الغاية". قالَ المُشَرِّحُ: تَوَانَيْتُ في الأمرِ أي: وَنَيْتُ، تَجَاوَزَ الغَايَةَ أي: جاوزها. فإن سألت: تقاضيت ها هنا كيف تكون (٢) بمنزلة فعلت؟ أجبت: لأنه ليس ليريك الفاعل في حال ليس فيها وليس مطاوع فاعلت إنما هو بمنزلة ساءلته قَضَاءَ ديني. قالَ جارُ الله: "ومطاوع فاعلت نحو: باعدته فتباعد". قالَ المُشَرِّحُ: في متن (المفصل) (٣):

стр. 1241

* باعَدَ أمَّ العَمْرِ مِنْ أَسِيْرِهَا * قَالَ جارُ اللهِ: " (فصل): وأفعل للتعدية [فى الأكثر] (١) نحو أجلسته وأمكنته". قالَ المُشَرِّحُ: أمكنته (٢) كأنه تعديه مكن. ألا ترى أنه يُقال: فلان بيِّن المكانة. المكان في الأصل مفعل والميم فيه للإِلحاق بفعال ومن [ثم] (٣) كُسِّر على أَمْكِنَةٍ، وهو للإِلحاق الكثير، ونحوه المَصير للمِعَى ولذلك قيل في جمعه مُصران. قالَ جارُ اللهِ: "وللتعويض للشئ وأن يجعل سبب منه نحو أقتلته وأبعته إذا عرضته للقتل والبيع، ومنه: أقبرته وأشفيته وأسقيته إذا جعلت له قبرًا وشفاء وسقيًا، وجعلته بسبب منه من قبل الهيئة ونحوها". قالَ المُشَرِّحُ: سقاه وأسقاه قد جمعهما في قول لبيد (٤): سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأَسْقَى … نَمِيْرًا والقَبَائِل من هِلَاِلِ ويقال: سَقَيْتُهُ أسقيه، وأسقيته [لأرضه، وماشيته] (٥) والاسم السُّقيا بالضم من أسقاه، ونحوها: البقيا من أبقى عليه. قالَ جارُ اللهِ: "ولصيرورة الشيءِ ذا كَذَا نحو: أغدَّ البعيرُ: إذا صار ذا غُدَّةٍ، وأجرب الرَّجُلُ وأنْحَزَ وأَحَالَ إذا صار ذا جَرَبٍ ونَحَازٍ وحَيَالٍ في ماله".

стр. 1242

قالَ المُشَرِّحُ: غُدَّةُ البَعير طاعونه. النَّحاز: كالسُّعال (١) وزنًا ومعنًى، يقال: بَعير ناحِزٌ وبه نَحَازٌ، وأصله النَّحْزِ وهو الدَّق بالمنحاز، أي: الهاون. يقال: الرَّاكب يَنْحَزُ بصدره واسطة الرّحل. حالت الناقة حيالًا: إذا ضربها الفحلُ فلم تَحمل وكذلك النَّخلُ، وأصله من الحَؤول وهو الانقلاب. قالَ جارُ اللَّهِ: "ومنه ألامَ وأَراب وأَصرم النَّخلُ وأحصدَ الزَّرعُ وأَجزَّ". قالَ المُشَرِّحُ: ألامَ الرَّجُلُ أتى بما يُلام به، قال (٢): * ومَنْ يَخْذُل أخاهُ فَقَدْ أَلَامَا * وفي المثل (٣): (ربَّ لائِمٍ مَلِيْم). الرِّيْبَةُ -بالكسر-: التُّهمة والشَكُّ. ورابني فلانٌ: إذا رأيتُ منه ما يَريبك وتَكرهه، وأَراب (٤) الرَّجُلُ كأنه (٥) صار ذا لَؤْمٍ ورِيْبَةٍ. أصرمَ النَّخْلُ وأَحْصَدَ وأَجزَّ حان له أن يُصرم ويُحصد ويُجز فكأنه صَار ذا صرمٍ وصرامٍ (٦) وحَصادٍ وحِصَاد وجَزَازٍ وجِزَازٍ. قالَ جارُ اللهِ: "ومنه أبشر وأفطر وأكب وأقشع الغيم". قالَ المُشَرِّحُ: بشرته بمولود فأبشر إبشارًا، وتقول: أبشر بخيرٍ بقطع الهمزة ومنه: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ (٧)﴾ فطرت الصائم تفطيرًا فأفطر. كبَّه لوجهه فأكَبَّ، أي: صَرَعَهُ فانْصَرَعَ. وهذا من النَّوادر. يقالُ: كبً الله عدوَّ

стр. 1243

المُسلمين ولا يُقال أكبَّ قَشَعَتِ الريحُ السحابَ، أي: كشفته فانقشِعَ وتَقَشّعَ وأَقْشَعَ، وهذا مثلُ أكب كأنه صارَ ذا بشارةٍ وفطرٍ وإكبابٍ وإقشاعٍ. قالَ جارُ اللهِ: "ولوجود الشيء على صفة نحو أحمدته أي وجدته محمودًا، وأحيَت الأرض وجدتها حيَّة النَّبات، وفي كلام عَمْرو بن مَعْدِي كَرب لمُجاشع السُّلمي: (لله دركم يا بني سليم قاتلنكم فما أجبْنَاكم، وساءَلْنَاكُم فما أبْخَلْنَاكُمْ، وهاجيناكم فما أفْحمناكم) ". قالَ المُشَرِّحُ: جاءَ عمرو بن (١) معدي كرب إلى مجاشع السُّلمي فقال [له] مُجاشع: حاجتك فقال: صله مثلي فأعطاه فرسًا من بنات الغَبْرَاء، ودرعًا حصينة، وسَيْفًا باتِرًا، وصُرَّةً فيها كذا وكذا دينارًا فقال عَمرو: لله دركم … الحديث ساءلناكم: بالمد من باب المُفاعلة كذا السَّماع، قال (٢): فَلِلَّهِ مَسؤلًا نَوَالًا ونائِلًا … وصاحبَ هَيْجَا يومَ هَيْجَا مُجَاشِعُ وقوله: "نائِلًا" معطوف على "مسؤولًا" لا على "نوالًا" يقال: نَاله: إذا أعطاه ويجوز أن يحمل قوله تعالى (٣): ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بالتَّخفيف على مَعنى لا يُصادفونك كاذِبًا. قالَ جارُ اللهِ: "وللسلب نحو أشكيتُهُ وأعجمتُ الكتابَ: إذا أزلت الشّكاية والعُجمة".

стр. 1244

قالَ المُشَرِّحُ: يقال: شكا إليه فأشكاه. قالَ جارُ اللهِ: "ويجيء بمعنى فعلت نحو قُلته البَيع وأقلته وشغلته وأشغلته". قالَ المُشَرِّحُ: قلتُ بوزن فُعت، وفيه دليلٌ على أن ألف أقاله من الياء. قالَ جارُ اللهِ: "وبكر وأبكر". قَالَ المُشَرِّحُ: فعل وأفعل ها هنا قد اشتركا في فعل لازم. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل): فعل يواخي أفعل التَّعدية نحو فرحته وعزمته". قالَ المُشَرِّحُ: فَرَحَ به أي: سُرَّ، والفَرَحُ أيضًا البَطَرُ ومنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ (١) لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٢) وأَفرحه: سرَّه، وكذلك فرَّحه. عَزَمَ الرجل للشيء [عزامة] (٣): إذا لَزِمَهُ أداؤه (٤) وعزمتُه حملته على العزامة. قالَ جارُ اللهِ: "ومنه خطأته وفسقته وزنيته وجدعته وعقرته". قالَ المُشَرِّحُ: المعنى نسبته إلى الخطأ والفِسق والزِّنا فكأني جعلته خَطَّاءً وفاسِقًا وزانِيًا، وقلت له جدعًا له وعقرًا، فكأني جعلته ذا جدعٍ وذا (٥) عقرٍ. قالَ جارُ اللهِ: "وللسَّلبِ نحو قزعته وقذيت عينه وجلدت البعير وقردته أي أولت منه القزع والذي والجلد والقراد".

стр. 1245

قالَ المُشَرِّحُ: القُراد واحد القردان، يقال: قرد بعيرك. قالَ جارُ اللهِ: "وفي كونه بمعنى فعل كقولك: زلته وزيَّلتُهُ وعضَته وعوَّضته، ومُزته ومَيَّزْتُهُ". قالَ المُشَرِّحُ: زلتُ الشيء (١) من مكانه أُزيله زيلًا لغة في أزلته قاله الجوهري (٢). قالَ جارُ اللهِ: "ومجيئه للتَّكثير هو الغالب، وعليه نحو قولك: قطعت الثّياب وغلقت الأَبواب، وهو يحول ويطوف أي: يُكثر الجَوَلَان والطَّواف، وبَرَّكَ النَّعم، وريَّض الشاءَ وموَّت المال ولا يقال للواحد". قالَ المُشَرِّحُ: لا يقال (٣) بَرَكَ البعير ولا رَبَضَ الشاء، ولا مَوَتَ البعير (٤)، وفيه تنبيه [على] أن المال (٥) لا يطلق إلا على الجمع. فإن سألت: لو كان التَّفعيل بناءَ تكثيرٍ لما استقام وصف الكثير بالقليل، وفي (٦) قوله تعالى (٧): ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾؟ أجبتُ: المُرادَ به زمانًا قليلًا، وهذا لأنَّ تمتيعَهُ لما كان إلى نَقْصٍ وفَنَاءٍ ونَفَاذٍ وصفه الله بالقلة ومن هذا الباب قوله تعالى (٨): ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾.

стр. 1246

قالَ جارُ اللهِ: " [(فصل)] (١): وفاعَل أن يكون من غيرك إليك ما كان منك إليه كقوله ضاربته وقاتلته". قالَ المُشَرِّحُ: معناه كان بيني وبينه مُضاربة ومُقاتلة، تارة منه إليَّ، وأُخرى (٢) منِّي إليه. قالَ جارُ اللهِ: "وإذا كنتَ الغالب قلتَ فاعلني ففعلته". قالَ المُشَرِّحُ: هذا من بابِ المفاعلة وقد مضى. قالَ جارُ اللهِ: "ويجيءُ مجئَ فعلت كقولك: سافرتُ، وبمعنى أفعلت نحو عافَاكَ الله وطارَقْتُ النَّعلَ". قالَ المُشَرِّحُ: يقال: سَفَرْتُ وأسفَرْتُ سفورًا خرجت إلى السَّفر فأنَا مُسافرٌ وقومٌ سفرٌ. عافاه الله وأعفى بمعنًى. المجان المُطرقة: التي يطرق بعضها على بعضٍ (٣)، وطارقت بين النعلين أي: خصف أحدهما فوق الآخر، ونعل مطارقة، أي: مخصوفة. قالَ جارُ اللهِ: "وبمعنى فعلت نحو ضاعفت وناعمت". قالَ المُشَرِّحُ: ضَعَفْتُ الشيءَ وضاعَفْتُهُ، ونَعَمَهُ الله وناعمه فتنعَّم وامرأة منعَمة ومنعَّمة. قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ): وانفعل لا يكون إلا مطاوعَ فعلٍ (٤) كقولك: كسرته فانكسر وحطمتُه فانحطم إلا ما شذَّ من قولهم: أقحمته فانقحم وأغلقته فانْغَلَقَ وأسفقته فانسفق، وأزعجته فانزعج".

стр. 1247

قالَ المُشَرِّحُ: أسفق الباب وأصفقه: إذا ردَّه. قالَ جارُ اللهِ: "ولا يقعُ إلا حيثُ [يكون] (١) علاجٌ وتأثيرٌ ولهذا كان قولهم: انعدم خطأٌ". قالَ المُشَرِّحُ: انعدم إنما كان خطأ، لأن الانفعال له شريطتان: أحدهما: أن يكون مطاوعُ فعلٍ. الثاني: أن يكون فيه علاجٌ وتأثيرٌ، والشَّريطة الأولى وإن كانت هنا موجودة لأنه يقال: عدمته، لكن الشريطة الثانية وهي العلاج والتأثير مفقودةٌ، ولذلك لو قلت: فقدته فانفقد كان خطأ. قالَ جارُ اللهِ: "وقالُوا: فانقال، لأن القائل يعمل في تحريك لسانه". قالَ المُشَرِّحُ: يريد أن الشريطتين في (انقال) موجودتان. أما أحدهما: فلأن انقال مطاوع فِعْلٍ وهو قال. وأمَّا الثانية: فلأن فيه علاجًا وتأثيرًا. قالَ جارُ اللهِ: " (فصل) (٢): وافتعل يشارك انفعل في المطاوعة كقولك: غممته فاغتم وشويته فاشتوى، ويقال: انغم وانشوى. قالَ المُشَرِّحُ: الاغتمام والانغمام، وكذلك الاشتواء والانشواء. قالَ جارُ اللهِ: "ويكون بمعنى تَفاعل نحو اجَتَوَرُوا، واختَصَمُوا والتَقَوا". قالَ المُشَرِّحُ: يعني تَجاوروا وتَخاصموا وتَلاقوا. قالَ جارُ اللهِ: "وبمعنى (٣) الاتخاذ نحو أذبح وأطبخ واشتوى: إذا اتَّخذ ذبيحةً، وطَبيخًا وشواءً لنفسه".

стр. 1248

قالَ المُشَرِّحُ: فرق بين ذَبَح وأذبح، وطبخ وأطبخ، وذلك أن (١) فَعَلَ عامٌّ يكون له ولغيره، وافتَعَل خاصٌّ لا يكون إلا له. قالَ جارُ اللهِ: "ومنه اكتَالَ واتَّزن". قالَ المُشَرِّحُ: اكتَالَ واتَّزن يريد معناهما كال لنفسه، ووزن لنفسه. قالَ جارُ اللهِ: "وبمنزلته فعلت نحو قرأت واقترأت وخطف واختطف". قالَ المُشَرِّحُ: قرأت واقترأت [بمعنى] (٢). قالَ جارُ اللهِ: "وللزيادة على معناه كقولك: اكتَسب في كَسب، واعتَمَل في عمل. قال سيبويه (٣) أما كَسَبْتُ فإنه يقول أصبت وأما اكتسبت فهو التَّصرف والطلب. والاهتمال بمنزلة الاضطراب". قالَ المُشَرِّحُ: اعتمل أي [اضطرب] في العمل، قال (٤): إنَّ الكريمَ -وأَبِيْكَ- يَعْتَمِلْ … إنْ لَمْ يَجِدْ -يَوْمًا- عَلَى مَنْ يَتَّكِلْ قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): واستفعل أطلت الفعل، تقول: استخفه (١) واستعمله، استعجله إذا طلب خفته (٥) وعمله وعجلته، ومر مستعجلًا أي: مرَّ طالبًا ذلك من نفسه مكلفها (٦) إياه".

стр. 1249

قالَ المُشَرِّحُ: أنشدنا الفَضل (١) المُذَكِّر من الخراسية (٢) وهو على رأسِ المِنْبَرِ: وزائرٌ زارَ وما زَارَا … كأنَّه مُقْتَبِسٌ نَارَا مرَّ ببابِ الدَّارِ مُسْتَعْجِلًا … مَا ضَرَّهُ لَوْ دَخَلَ الدَّارَا قالَ جارُ اللهِ: "ومنه استَخرجته أي: لم أَزَلْ أتَلَطَّف وأطلب حتى خرج". قالَ المُشَرِّحُ: فرق (٣) بين أخرجته واستخرجته، وذلك لأن استخرجته لا يكون إلا بحيلةٍ وعلاجٍ [بخلاف] (٤) الإِخراج. قالَ جارُ اللهِ: "وللتحول نحو استتيست الشَّاة، واستنوق الجمل واستحجر الطين: و* إنَّ البُغاث بأَرْضِنَا يَسْتَنْسِرُ * قالَ المُشَرِّحُ: أي: صارت الشَّاةُ تَيْسًا، والجَمَلُ ناقةً، والطِّين حجرًا، والبُغات نَسْرًا. قالَ جارُ اللهِ: "و [للإِصابة] (٥) على صفةٍ نحو [استَطْعمته] (٦) واستَسْمَنْتُهُ واستجدته، أي أَصبته عظيمًا وسمينًا وجيدًا".

стр. 1250

قالَ المُشَرِّحُ: يحتمل أن يكون المعنى ها هنا [عدة] (١) عظيمًا وسمينًا وجيدًا، والمعنيان متقاربان. قالَ جارُ اللهِ: "وبمنزلة فَعَلَ نحو فزه واستفزه، وعلا قِرْنه واستعلاه". قالَ المُشَرِّحُ: القِرْن -بالكسر-: مثلك في الشجاعة. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): وافعوعل بناءُ مبالغةٍ وتوكيدٍ كاخشوشن، واعشوشبت الأرض واحلولى الشيء، في خشن واعشب وحلا قال الخَلِيْلُ: في اعشوشب إنما يريد أن يجعل ذلك عامًّا قد بالغ". قالَ المُشرِّحُ: هو بناءُ مبالغة في الثلاثي مجردًا كان كخشن، أو مزيدًا فيه كأعشب.

стр. 1251

[باب الفعل الرباعي] قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ومن أصناف الفعل الرُّباعي للمجرد منه بناء واحد فعلل، ويكون متعديًا نحو دحرج الحجر، وسرهف الصبي. وغير متعد نحو دربح وبرهم". قالَ المُشَرِّحُ: الشيخُ ﵀ برهم وبرسم إذا حدَّد النظر. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): وللمزيد فيه بناءان افعنلل نحو احرنجم، وافعلل نحو اقشعر". قالَ المُشَرِّحُ: احرنجم تفسيره قد مضى. قالَ جارُ اللهِ: "وكلا بناءىِ المزيد فيه غير متعد وهما في الرباعي نظير انفعل وافعل في الثلاثي. قال سيبويه: وليس في الكلام احرنجمته لأنه نظير انفعلت في بنات الثلاثة زادوا نونًا وألف وصل كما زادوهما في هذا". قالَ المُشَرِّحُ: يقال: ألقيته فاستلقى وطمأنته فاطمأن واطمان واطمأن مقلوب منه ذكره الشيخ ﵀. قالَ جارُ اللهِ: "وليس في الكلام افعللته ولا إفعاللته وذلك نحو احمررت واشهاببت ونظير ذلك من بنات الأربعة اطمأننتُ واشمأززتُ". قالَ المُشَرِّحُ: اشمأزَّ الرجلُ اشمئزازًا أي: انقبض.

стр. 1252

قالَ جارُ اللهِ: "كمل القسم الثاني من كتاب المفصل" (١).

стр. 1253

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القسم الثالث في الحروف قال المُشرِّحُ: الحروفُ جمعُ حرفٍ، كالظروفِ جمعِ ظرفٍ، والسيوف جمع سيف، ويراد بالحرف شيئان: أحدهما: بعض الكلمة، كالجيم من جعفر والضاد من ضرب والفاء من "في". والثاني: أن يُراد به النَّوع الثاني من [الكَلِمِ] (١) وذلك نحو: "من" و"في" و"قد" و"سوف". والمراد بالحرف ها هنا هذا من الأول، لأن هذا الثاني لما لا يتصور معنى إلا بغيره فكذلك الأول لا يُفيد معنى إلا بغيره، وأصله من حرفِ السّيف وهو حَدُّه؛ لأن حرفَ السيفِ طرفٌ من أطرافه، كما أن حرفَ الكلمةِ طرفٌ من أطرافها. قال جارُ اللهِ: "الحرفُ ما دلَّ على معنى في غيره، ومن ثمَّ لم ينفكّ عن اسمٍ أو فعلٍ يَصحبه". قالَ المشرِّحُ: الحرفُ ما دلَّ على معنى في غيره، والمَعنى بذلك (٢):

стр. 1254

أنه دل على معنى لا يُتصور إلا في تَصور معنيين آخرين [أي: في ضمنِ تصورهما وهذا لأنَّ الحروفَ نَسَبٌ وروابطُ، إلا أن جهة النِّسبة مما يتفاوت في كل حرف والنّسبة لا يُتصور معناها إلا بتصور معنيين آخرين] (١) وهما: المَنسوب والمنسوب إليه. فإن سألتَ: هذا الحدُّ ينتقض بلفظِ النّسبة والإِلصاق فإنه يدلُّ على معنى لا يُتَصَوَّرُ إلا بتصورِ معنيين آخرين، وهما المَنسوب والمَنسوب إليه والملصق والملصق به، وَ"بإذا" فإنَّه يدلُّ على المجازاة، وهي لا تُتَصوَّر إلا بتصور معنيين آخرين وهُما الشَّرطُ والجزاءُ وشيءٌ من ذلك ليس بحرفٍ (٢)؟ أجبتُ: أمَّا النَّسبةُ والإِلصاقُ فيريد بذَينك المعنيين يمتنع تجريد الدَّال على ذلك المعنى إذا وقع في التَّركيب جاز [تجريده] (٣) عن اقتران [أحدهما به، ومثل النّسبة الإِلصاق إذا وقع في التركيب جازَ تجريده عن اقتران أحد ذينك المَعنيين] (٤). ألا تَرى أنَّك إذا [قلت] (٥): ثَبَتَتْ النّسبة أو وُجد الإِلصاق فقد وُجد كلّ واحدٍ منهما في التركيب، ولم يقترن به أحد ذينك المعنيين. وأما "إذا" فالمعنى بقولنا: "دل على معنى" اقتصار دلالته على ما تقدم من المعنى. فإنْ [سألتَ: فـ] (٦) "إذا" ليس كذلك؛ لأنَّه كما دلَّ على المُجازاة في

стр. 1255

"إذا" فهو بعينه معنى الوَقت، ألا تَرى أنك إذا قُلتَ: آتيتك إذا احمَرَّ البُسر فالمعنى أتيتك وقتَ احمرار البُسر؟ أجبتُ: معنى "إذا" لو اقتصر على معنى الوقت لما غير الماضي بدخوله عليه إلى الاستقبال، ولما جاز دخول الفاء في بعض الممواضع في جزائه، وذلك نحو: إذا دخلتِ الدَّار فأنتِ طالقٌ، بل جرى مجرى الوقت حينئذٍ، ومن أجل ما ذكرناه حكموا على "إذا" بالاسمية، وعلى ["إن"] (١) بالحرفية لأنه لم يتمخض دلالة "إذا" على ذلك وتمخض دلالة "إن" عليه. ومما ينتبهك على الفرق بينهما قول أصحابنا [﵏] (٢) في مَنْ قال لامرأته: أنتِ طالقٌ إن لم أطلقك: بأنّها لا تطلق حتى يموتَ الزَّوج (٣)، لأن كلمةَ "إن" للشرطِ، وقد جَعل شرطُ الطلاقِ عدمُ التَّطليق، ولا يُتحقق عدمُ التَّطليقِ إلا باليَأْسِ عن الحياة وذلك ينتهي إلى آخرِ جزءٍ من أجزاءِ حياتِهِ. ولو قال: أنتِ طالقٌ إذا لم أطلقك فكلما سَكَتَ وقع الطَّلاق عِند أبي يُوسف ومحمّد، لأن "إذا" للوقت وعند أبي حنيفة [﵀] (٢)، وإن كانت لا تَطلق في الحال، لكن لا، لأنه لم (٣) تمخض "إذا" لمعنى الشرط، بل لكونه أحيانا بمعناه، وحينئذ يكون حرفًا بمنزلة "إن"، قال (٤): * وَإِذَا تُصِبْكَ خَصاصَةٌ فَتَحَمَّلِ * فإذا أُريد به الوقَتُ فكما فَرَغَ من ذلك الكلام وقع الطلاق، وإن أريد به الشرط لم يقعُ للحال، فلا يقعُ بالشك والاحتمال.

стр. 1256

فإن سألتَ: من الناس من يفسر من ذكرت من حد الحرف في صدر الباب بأنه الذي لا يفيد معنًى إلا إذا اقترن به الأسماء والأفعال؟ أجبتُ: لو كان الأمر كذلك لما فهم للحروف وقت إطلاقها معنًى، بل عقب ذلك حتى تلحقها الأسماء والأفعال وتبين بطلان ذلك. قَال جارُ اللهِ: "إلا في مواضع مخصوصة حُذِفَ فيها الفعل واقتُصر على الحرفِ فجرى مجرى الثَّابت نحو قولك: نَعم، وبَلى (١)، وأي، وإنه، ويا زيد و"قد" في قوله: * .................... وكَأَنْ قَدِ * قال المُشرِّحُ: إذا (٢) قيل: هل خرج زيدٌ؟ فقلتَ: نَعَمْ، فمعناه: نَعَمْ خَرَجَ زَيْدٌ (٣)، وكذلك إذا قيل: ألم يخرج زيدٌ؟ فقلتَ: بلى، فمعناه: بلى خرج، وإذا قيل: هل كان كذا؟ فقلت: إيْ واللهِ، فمعناه: أيْ واللهِ كانَ كذا، و"إنَّهْ" بمعنى (جَيْرِ) في قوله (٤): ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلَا … كَ وَقَدْ كَبِرْتُ فقُلْتُ إِنَّهْ مذهبُ النَّحويين أنَّ حرفَ النِّداء أصله أن يُقال: يا أَعني زيدًا، قال سيبويه في تَمْثيله: يا إيَّاك أعني. و"قد" في قوله: "وكأنْ قَدِ" معناه: وكأن زَالت وهذا من قوله (٥): أَفِدَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكَابَنَا .. لَمَّا تَزَلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ

стр. 1257

قالَ جارُ اللهُ: "ومن أصناف الحُروف حروفُ الإِضافة: سميت بذلك لأنَّ وضعها على أن تُفضي بمعاني الأَفعال إلى الأسماءِ، وهي فَوْضَى في ذلك وإن اختَلَفَ [بها] (١) وجوهُ الإِفضاءِ". قال المُشرِّحُ: قومٌ فَوضى في ذلك: متساوون لا رئيسَ لهم، قال الأَفْوَهُ الأَوْدِيُّ (٢): لا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لا سَرَاةَ لَهُمْ … وَلَا سَرَاةَ إذا جُهَّالُهُمْ سَادُوا ويقال: أموالهم فَوضى بينهم، أي: هُم فيها شركاءُ، أنشدَ الشَّيْخُ ﵀ (٣) -: * طَعَامُهُمُ فَوْضَى فَضًا في رِحَالِهَمْ * والمَعْنَى: أنَّها مشتركةٌ في نفس الإِفضاء، وإن كانت جهةُ إفضائها مختلفةً. قال جارُ اللهِ: "وهي على ثلاثةُ أضرب، ضربٌ لازمٌ للحرفية، وضرب كائنٌ اسمًا وحرفًا، وضربٌ كائن فعلًا وحرفًا. فالأولى تسعةُ أحرفٍ، من، وإلى وحتى، وفي، والباء، واللام، ورب، وواو القسم، وتاؤه. والثاني خمسةُ أحرف: على، وعن والكاف، ومذ، ومنذ. والثالث ثلاثة أحرف: حاشا وعدا، وخلا. فصل: "مِنْ" معناها: ابتداءُ الغاية، كقولك: سرتُ من البصرة وكونُها

стр. 1258

مُبَعِّضةٌ في نحو أخذت من الدراهم، ومُبَيِّنَةٌ في نحو: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (١) ومزيدةٌ في نحو: ما جاءَني من أحدٍ. راجع إلى هذا". قال المُشرِّحُ: إذا قلت (٢): سرتُ من البصرةِ فكأنك قلت: ابتداء سيري من البَصرة، وكونها مبعضةً راجعٌ إلى معنى الابتداء. قال أبو العبَّاس: لأنَّ قوله: إنما أخذتُ من ماله، إنما تَجعل من ماله إبتداء غايةٍ ما أُخِذَ فدلَّ على التَّبعيض من حيث صار ما بقي انتهاءً له، وكذلك كونها مبينة راجعٌ إلى معنى ابتداء الغاية، لأنَّ الرجسَ جامعٌ للأوثان وغيرها، قال ابنُ السَرَّاجِ: فإذا قلت ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ فإنما معناه: الذي ابتداؤه من هذا الصّنف، وكذلك كونها مزيدة راجعٌ إلى معنى الابتداء أيضًا في قولك: هل من رجل؟ وما جاءني من رجل لاستغراق الجنس، لأنَّها دخلت لابتداء الجنس إلى انتهائه، بتقدير هل من رجل إلى ما فوقه (٣) في الدار إلا أنه [اكتفى بذكر "من"] (٤) عن [ذكر "إلى" لدلالة] (٥) إحدي الغايتين على الأخرى، ونحوه قوله: رأيتُ الهلالَ من خَلَلِ السَّحاب، أي: من مكاني إلى خَلَلِ السَّحاب. قال جارُ اللهِ: "ولا تُزاد عند سيبويه (٦) إلا في النفي. والأخفش يُجوِّزُ الزيادة في الواجب (٧) ويستشهد بقوله (٨): ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾. قال المُشرِّحُ: معناه: يغفر لكم ذُنوبكم.

стр. 1259

فأن سألتَ: "يغفرْ لكم" مجزومٌ على المجازاة، فلعلّها من تعليل غير الواجب؟ أجبتُ: الكلامُ على المجازاة يبقى موجبًا، قال الشَّيخُ لأن "لو" بمنزلة "إن"، فالكلامُ معه موجبٌ، وقد مضى. قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) و "إلى" معارضةٌ لـ "من" دالةٌ على انتهاء الغاية كقولك: سرتُ من البَصرة إلى بغداد، وكونها بمعنى المصاحبة في قوله (١): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ راجعٌ إلى معنى الانتهاء". قال المُشرِّحُ: ضُمن (٢) معنى فعل يتعدى بـ "إلى"، وهو لا تضموا ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم كبيتِ الكتاب (٣): إذَا تَغَنَّى الحَمَامُ الوُرْقُ هيَّجَنِيْ … وَلَوْ تَعَزَّيْتُ عَنْهَا أمَّ عَمَّارِ فَضَمَّنَ معنى (هيَّجني) معنى (ذَكَّرني). ذكره الشيخ ﵀ (٤) -. قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) و"حتَّى" في معناها إلّا أنها تفارقها في أن مجرورها يجب أن يكون آخر جزء من الشيء، أو ما يلاقي آخر منه لأن الفعل المتعدي به الغرض فيه أن يتقصى ما تعلق به شيئًا فشيئًا حتى يأتي عليه وذلك قولك: أكلتُ السمكةَ حتَّى رأسِها، ونمتُ البارحةَ حتى الصباحِ، ولا تقول: حتى نِصفها أو ثُلثها، كما تقول: إلى نصفِها وإلى ثُلثِها". قال المُشرِّحُ: "حتى" لانتهاءِ الغايةِ بمنزلة "إلى" وهُما يشتركان ويَفترقان، فمن اشتراكهما ما قالَه الأخفش، يقول لك: إئتني فتقول: أما

стр. 1260

حتَّى الليلِ فلا، وأما حتَّى الظهرِ فلا، وأما إلى الليلِ فلا، أو لا يحسُن فيهما إلا الجزاء. وأما افتراقهما (١) فتقول: كتبت إلى زيد ولا تقولُ حتّى زيدٍ، وتقول: أنا إليك أي: أنت غايَتي، ولا تكون "حتَّى" ها هنا، ولأن معنى "إلى" إنتهاء له ابتداء فيما يدل عليه على نقيضِ "مِنْ" كقولك: خرجت من بغداد إلى الكوفة وليس كذلك "حتى"؛ لأنها لا تجيء على مقابلة "إلى"، لا يجوز خرجت من بغداد حتَّى الكوفة، لضعفها عن معنى الغاية، وذلك لخروجها إلى غيرها من المعاني، ولأنَّ "حتى" تصلح للمُفرد والجُملة، نحو ضربتَ القومَ حتّى زيدٍ وسرحت القَومَ حتّى زيدٍ مسرح، ولا تقع "إلى" هذا الموقع، لأنَّها للمُفرد كما أن "من" للمُفرد. قال عليُّ بن عِيْسى: واعلم أن "حتى" تأتي على وجهين: أحدهُما: أن تكونَ غايةً لما انتهى الأمر به. والآخر: أن تكون غايةً لما انتهى الأمر عنده. وإذا جررت بها احتُمل الوجهين، وإذا عطفت بها لم يكن إلا لما انتهى الأمر إليه، كقولك: ضربتُ القومَ حتَّى زيدٍ بالخفض، والثاني: ضربتُ القَوْمَ حتى زيدًا، وجاءني القومُ حتى زيدٌ. قال جارُ اللَّهِ: "ومن حقها أن يدخل ما بعدها فيما قبلها ففي مسألة السمكةِ والبارحةِ قد أُكل الرأسُ ونِيْمَ الصَّباحُ". قال المُشَرِّحُ: هذا الكلام منظور فيه (٢) لأن مسألة البارحة لم ينم الصباح، ألا تَرى أن ما بعد "حتى" بمنزلة التفصيل لما قبل حتى فإذا لم يدخل في الإِجمال لم يَدخل في التَّفصيل.

стр. 1261

قال جارُ اللَّهِ (١): "ولا تدخل على مضمر فتقول: حتاه، كما تقول: إليه". قال المُشَرِّحُ (٢): ["حتى"] (٣) لا تدخل على مضمر حتى لا يؤدي إلى اختلاط الضمائر، وذلك أن ما بعد "حتى" كما يتفق منصوبًا يتفق أيضًا مجرورًا ولذلك لا يتصل المنصوب من الضمائر بالاسمِ كما لا يتَّصل المجرور منها بالفِعل، فإن كان الضميرُ منفصلًا جارُ أن تدخل عليه و"حتَّى" حينئذٍ تكون هي العاطفة؛ وهذا لأن دخولَها على الضميرِ المُنفصِل مما لا يُؤدي إلى اختلاطِ الضَّمائر، ولأنَّ المنفصل بمنزلةِ المُظهر، دل عليه مسألة الاخبار بالذي عن دِرْهَمٍ في قولك: أعطى عبدُ اللَّهِ: زيدًا درهمًا، كما (٤) تقول: الذي أعطى عبد اللَّه زيدًا درهمٌ تريد: أعطاه، فحذفت الهاء، ويجوز إثباتها، ولك أن تقولَ: الذي أعطى عبدُ اللَّهِ زيدًا إياه درهمٌ، وهو القياس، لأنَّك جعلت ضمير الدّرهم في موضعه. قالَ ابنُ السَرَّاج (٥): ومن قال أياه لم يجز حذفه، لأنه كالظاهر. فإن سألت ما الدَّليلُ على أنه لم يجز حذفه، والدَّليل عليه أنه يجوز ما ذكرته الذي أعطى عبد اللَّه زيدًا درهمٌ، وبعد حذف الضَّمير المنفصل يعودُ الكلامُ إلى هذه الصُّورة فيجوز؟ أجبتُ: بلا يجوز، لكن إذا نويت بالمحذوف الضميرُ المتصل، أما إذا نويتَ به المنفصل فلا.

стр. 1262

قالَ جارُ اللَّهِ: "وتكون عاطفةً ومبتدأ ما بعدها في نحو قول امرئ القيس: وحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ" * قال المُشَرِّحُ: أمَّا العطفُ فكقولك: جاءَني القومُ حتَّى زيدٌ، وضربتُ القومَ حتَّى زيدًا. وأما الابتداء، فأن يقع بعدها (١) الجملة الابتدائية، وذلك في نحو قول جرير (٢): وما زَالَت القَتْلَى تمجُّ دماءها … بِدجْلَةَ حتَّى ماءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ وقالَ الفَرَزْدَقُ (٣): *فَوَاعَجَبًا حتَّى كليبٌ تَسُبُّنِيْ * يعني: أتعجب بسبة النَّاس إياي حتَّى كليبٌ تسبني. صدر البيت (٤). مَطَوْتُ بِهِمْ حتَّى تَكِلُّ غُزِيُّهم … وحتَّى الجِيَادُ .......... البيت

стр. 1263

مَطَوتُ بهم: أي: مَدَدْتُ بهم في السَّير، ويروى: (سَرَيْتُ). الغُزِيُّ: جَمْعُ غازٍ، ونحوه الحَجيج: جمع حاجٍّ، وقطني: جمع قاطنٍ. الشَّيخ (١) ﵀ وضعَ "ما يقدن بأرسان" موضع الكلال، كقول أبي العلاء: * ولو في عُيُون النَّازِيَاتِ بأَكْرُعِ * وضع "النَّازِيَات بأَكْرُعِ" موضع الجَرَادِ. وما قبله (٢): ومجر كغُلَان الأُنَيْعِمِ بالغٍ … ديّارَ العَدُوِّ ذي زُهَاءٍ وأَرْكَانِ الغُلَّان: جمعُ غالٍّ، وهو نبتٌّ، شبَّههم بالنَّبْتِ لما عليهم من خُضرة الأسلحة. الأُنَيْعِمُ: في عِرَاقِيَّات الأبيوردي (٣): فَيَا الرَّيَّان جَبَلَ أَيْن مَوَارِدٌ … تَرَكْتُ لَهَا مَاءَ الأُنَيْعِمِ صَادِيَا بالغٌ ديارَ العَدُوٍّ يعني: أنه لا يمكن رده على الموضع الذي فيه يسير لكبرته ومناعته، وأنه لا يقاومن جيش ذي زهاء أي: ذي عدد، وحزر يحزر ويعد فلا يمكن ضبطه. الأركان: هي النواحي. قال جارُ اللَّهِ: "ويجوز في مسألة "السَّمكة" الوجوه الثلاثة". قالَ المُشَرِّحُ: أمَّا الجَرُّ فعلى ما ذكرنا أنَّ الرَّأسَ يكونُ منتهي له ويُحتملُ أن يكون منتهي عندَه. وأمَّا النَّصبُ فالرأس منتهي به.

стр. 1264

وأمَّا الرَّفعُ فمُحتمل، أَلا ترى كيف انتهى "المَطو" في بيتِ امرئ القَيس عندما بعد "حتَّى". وفي قولهم: أكلتُ السمكةَ حتى رأسها انتهى الأَكلُ بما بعدَ "حتى". قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) و"في" معناها الظَّرفية، كقولك: زيد في أرضه، والرَّكضُ في المَيدان ومنه نظرت في الكتاب، وسعي في الحاجة". قال المُشَرِّحُ: الكتابُ (١) كأنه احتوى وأحاط به. وأمَّا سعي في حاجته فمعناه: استولى عليه الحِرْص على تخليصها والسّعي (٢) لكفايتها حتى منعه التّقديم والتَّأخير للقيام بسائرِ أشغاله ومهماته، فكانه منها في ظرفٍ. قالَ جارُ اللَّهِ: "وقولهم: في قولِه (٣): ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ إنّها بمعنى "على" عمل على (٤) الظاهر. والحقيقةُ أنها على أصلها لتمكن المصلوب في الجذع تمكن الكائن في الظَّرف فيه". قال المُشَرِّحُ: لم (٥) يَزَلِ النَّاسُ يقولون بأن "في" في الآية بمعنى "على"، وليس كذلك، وهذا لأنَّ "في" تفيد من التَّمكن ما لا تفيده "على" بدليل أن الكائن في الظَّرف وإن تحرك لا يكادُ يخرج عن الظَّرف بخلاف المستعلي. قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) والباء معناها الإِلصاق كقوله: به داءٌ، أي: التَصَقَ به وخامره".

стр. 1265

قالَ المُشَرِّحُ: الباء (١) ليست للاستعانة ها هنا، إنما هي بمعنى تعليق أحد المعنيين بالآخر. قالَ جارُ اللَّهِ: "ومررتُ به وارد على الاتساع والمعنى: التصق مروري بموضع يقرب منه". قال المُشَرِّحُ: الباء ها هنا ليست للاستعانة أيضًا. قالَ جارُ اللَّهِ: "ويدخلها معنى الاستعانة في نحو كتبتُ بالقلمِ وفي نحرتُ بالقدومِ وبتوفيق اللَّهِ حججتُ، وبفلان أصبتُ الغرض". قال المُشَرِّحُ: يريدُ كتبتُ مستعينًا بالقلمِ، ونحرتُ مستعينًا بالقدوم فكأنَّك ألصقتَ استعانتك بالقلمِ والقَدوم، والاستعانة في بعض هذه الفصول دون البعض، والإِلصاق شامل للفصول كلها. قالَ جارُ اللَّهِ: "وبمعنى المُصاحبة في نحو خرج بعشيرته، ودخل عليه بثيابِ السَّفر، واشترى الفَرس بسرجِهِ ولجامِهِ". قال المُشَرِّحُ: معناه: خرج ملتبسًا بعشيرته ودخل عليه ملتبسًا بثياب السَّفر وهذه الباء تُسمى بـ[ـاء] المُلابسة (٢). قال جارُ اللَّهِ: "وتكون مزيدةً من المَنْصُوبِ كقوله (٣): ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله (٤): ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ وقوله: * سُوْدُ المَحَاجِرِ لا يَقْرأْنَ بِاْلسُّوَدِ *" قال المُشَرِّحُ: الشيخُ (٥) ﵀ أصلُهُ: فستبصر ويبصرون أيَّكم
следующие страницы →