قال جارُ اللَّهِ (١): "ولا تدخل على مضمر فتقول: حتاه، كما تقول: إليه".
قال المُشَرِّحُ (٢): ["حتى"] (٣) لا تدخل على مضمر حتى لا يؤدي إلى اختلاط الضمائر، وذلك أن ما بعد "حتى" كما يتفق منصوبًا يتفق أيضًا مجرورًا ولذلك لا يتصل المنصوب من الضمائر بالاسمِ كما لا يتَّصل المجرور منها بالفِعل، فإن كان الضميرُ منفصلًا جارُ أن تدخل عليه و"حتَّى" حينئذٍ تكون هي العاطفة؛ وهذا لأن دخولَها على الضميرِ المُنفصِل مما لا يُؤدي إلى اختلاطِ الضَّمائر، ولأنَّ المنفصل بمنزلةِ المُظهر، دل عليه مسألة الاخبار بالذي عن دِرْهَمٍ في قولك: أعطى عبدُ اللَّهِ: زيدًا درهمًا، كما (٤) تقول: الذي أعطى عبد اللَّه زيدًا درهمٌ تريد: أعطاه، فحذفت الهاء، ويجوز إثباتها، ولك أن تقولَ: الذي أعطى عبدُ اللَّهِ زيدًا إياه درهمٌ، وهو القياس، لأنَّك جعلت ضمير الدّرهم في موضعه. قالَ ابنُ السَرَّاج (٥): ومن قال أياه لم يجز حذفه، لأنه كالظاهر.
فإن سألت ما الدَّليلُ على أنه لم يجز حذفه، والدَّليل عليه أنه يجوز ما ذكرته الذي أعطى عبد اللَّه زيدًا درهمٌ، وبعد حذف الضَّمير المنفصل يعودُ الكلامُ إلى هذه الصُّورة فيجوز؟
أجبتُ: بلا يجوز، لكن إذا نويت بالمحذوف الضميرُ المتصل، أما إذا نويتَ به المنفصل فلا.
стр. 1262
قالَ جارُ اللَّهِ: "وتكون عاطفةً ومبتدأ ما بعدها في نحو قول امرئ القيس:
وحَتَّى الجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بِأَرْسَانِ" *
قال المُشَرِّحُ: أمَّا العطفُ فكقولك: جاءَني القومُ حتَّى زيدٌ، وضربتُ القومَ حتَّى زيدًا. وأما الابتداء، فأن يقع بعدها (١) الجملة الابتدائية، وذلك في نحو قول جرير (٢):
وما زَالَت القَتْلَى تمجُّ دماءها … بِدجْلَةَ حتَّى ماءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ
وقالَ الفَرَزْدَقُ (٣):
*فَوَاعَجَبًا حتَّى كليبٌ تَسُبُّنِيْ *
يعني: أتعجب بسبة النَّاس إياي حتَّى كليبٌ تسبني. صدر البيت (٤).
مَطَوْتُ بِهِمْ حتَّى تَكِلُّ غُزِيُّهم … وحتَّى الجِيَادُ .......... البيت
стр. 1263
مَطَوتُ بهم: أي: مَدَدْتُ بهم في السَّير، ويروى: (سَرَيْتُ). الغُزِيُّ: جَمْعُ غازٍ، ونحوه الحَجيج: جمع حاجٍّ، وقطني: جمع قاطنٍ. الشَّيخ (١) ﵀ وضعَ "ما يقدن بأرسان" موضع الكلال، كقول أبي العلاء:
* ولو في عُيُون النَّازِيَاتِ بأَكْرُعِ *
وضع "النَّازِيَات بأَكْرُعِ" موضع الجَرَادِ. وما قبله (٢):
ومجر كغُلَان الأُنَيْعِمِ بالغٍ … ديّارَ العَدُوِّ ذي زُهَاءٍ وأَرْكَانِ
الغُلَّان: جمعُ غالٍّ، وهو نبتٌّ، شبَّههم بالنَّبْتِ لما عليهم من خُضرة الأسلحة. الأُنَيْعِمُ: في عِرَاقِيَّات الأبيوردي (٣):
فَيَا الرَّيَّان جَبَلَ أَيْن مَوَارِدٌ … تَرَكْتُ لَهَا مَاءَ الأُنَيْعِمِ صَادِيَا
بالغٌ ديارَ العَدُوٍّ يعني: أنه لا يمكن رده على الموضع الذي فيه يسير لكبرته ومناعته، وأنه لا يقاومن جيش ذي زهاء أي: ذي عدد، وحزر يحزر ويعد فلا يمكن ضبطه. الأركان: هي النواحي.
قال جارُ اللَّهِ: "ويجوز في مسألة "السَّمكة" الوجوه الثلاثة".
قالَ المُشَرِّحُ: أمَّا الجَرُّ فعلى ما ذكرنا أنَّ الرَّأسَ يكونُ منتهي له ويُحتملُ أن يكون منتهي عندَه.
وأمَّا النَّصبُ فالرأس منتهي به.
стр. 1264
وأمَّا الرَّفعُ فمُحتمل، أَلا ترى كيف انتهى "المَطو" في بيتِ امرئ القَيس عندما بعد "حتَّى". وفي قولهم: أكلتُ السمكةَ حتى رأسها انتهى الأَكلُ بما بعدَ "حتى".
قالَ جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) و"في" معناها الظَّرفية، كقولك: زيد في أرضه، والرَّكضُ في المَيدان ومنه نظرت في الكتاب، وسعي في الحاجة".
قال المُشَرِّحُ: الكتابُ (١) كأنه احتوى وأحاط به. وأمَّا سعي في حاجته فمعناه: استولى عليه الحِرْص على تخليصها والسّعي (٢) لكفايتها حتى منعه التّقديم والتَّأخير للقيام بسائرِ أشغاله ومهماته، فكانه منها في ظرفٍ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وقولهم: في قولِه (٣): ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ إنّها بمعنى "على" عمل على (٤) الظاهر. والحقيقةُ أنها على أصلها لتمكن المصلوب في الجذع تمكن الكائن في الظَّرف فيه".
قال المُشَرِّحُ: لم (٥) يَزَلِ النَّاسُ يقولون بأن "في" في الآية بمعنى "على"، وليس كذلك، وهذا لأنَّ "في" تفيد من التَّمكن ما لا تفيده "على" بدليل أن الكائن في الظَّرف وإن تحرك لا يكادُ يخرج عن الظَّرف بخلاف المستعلي.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) والباء معناها الإِلصاق كقوله: به داءٌ، أي: التَصَقَ به وخامره".
стр. 1265
قالَ المُشَرِّحُ: الباء (١) ليست للاستعانة ها هنا، إنما هي بمعنى تعليق أحد المعنيين بالآخر.
قالَ جارُ اللَّهِ: "ومررتُ به وارد على الاتساع والمعنى: التصق مروري بموضع يقرب منه".
قال المُشَرِّحُ: الباء ها هنا ليست للاستعانة أيضًا.
قالَ جارُ اللَّهِ: "ويدخلها معنى الاستعانة في نحو كتبتُ بالقلمِ وفي نحرتُ بالقدومِ وبتوفيق اللَّهِ حججتُ، وبفلان أصبتُ الغرض".
قال المُشَرِّحُ: يريدُ كتبتُ مستعينًا بالقلمِ، ونحرتُ مستعينًا بالقدوم فكأنَّك ألصقتَ استعانتك بالقلمِ والقَدوم، والاستعانة في بعض هذه الفصول دون البعض، والإِلصاق شامل للفصول كلها.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وبمعنى المُصاحبة في نحو خرج بعشيرته، ودخل عليه بثيابِ السَّفر، واشترى الفَرس بسرجِهِ ولجامِهِ".
قال المُشَرِّحُ: معناه: خرج ملتبسًا بعشيرته ودخل عليه ملتبسًا بثياب السَّفر وهذه الباء تُسمى بـ[ـاء] المُلابسة (٢).
قال جارُ اللَّهِ: "وتكون مزيدةً من المَنْصُوبِ كقوله (٣): ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله (٤): ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ وقوله:
* سُوْدُ المَحَاجِرِ لا يَقْرأْنَ بِاْلسُّوَدِ *"
قال المُشَرِّحُ: الشيخُ (٥) ﵀ أصلُهُ: فستبصر ويبصرون أيَّكم
стр. 1266
هو المَفتون، بنصب "أيّ"، على أنّها هي الموصولة، كأنه قال فستبصرون ويبصرون الذي هو المفتون منكم، ثم إنّه حذف الشَّطر الأول الذي هو ["هو"] (١) من صلتها فَصَارَ أَيَّكُمْ المَفْتُوْنُ كَقَوْلِهِ (٢): ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ في قراءَة من قرأَ بالنَّصب (٣) ثم أُدخِلت الباء مزيدةً، فقيل: "بأيِّكُمْ المَفْتُون" فدخولها على المَنْصُوْبِ كما ترى، ولا يُقال: إن أصله: ويبصرون أيكم المفتون على أن أيًّا: المُبتدأ، والمفتون: خبرة، وأن أيًا هي المتضمنة لمعنى الاستفهام التي من شأنها التَّعليق، فإن "أُبصر" ليس من الأفعال التي تعلق. كما أن ﴿نَنْزَعُ﴾ في الأخرى كذلك، ولأنك تقول: علمت بأيهم في الدَّارِ معلقًا. ويزعُم الكُوفِيُّون أن المَفتون مصدرٌ، والباء متعلقة به وكأنه قيل بايكم (الفتنة) (٤) أول البيت (٥):
تِلْكَ الحَرَائِرُ لا رَبَّات أخْمِرَةٍ … سَوْدُ المَحَاجِرِ .......... البيت
يصف بذاذتهن وسماحتهن.
قال جارُ اللَّهِ: "وفي المرفوع كقوله (٦): ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وبحسبك زيد، وقوله امرئ القيس (٧):
стр. 1267
أَلَا هَلْ أَتَاهَا والحَوَادِثُ جَمَّةٌ … بأنَّ امرأ القَيْسِ بنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَا"
قالَ المُشَرِّحُ: المعنى: كفى باللَّهِ شهيدًا وحسبك زيدًا، وهل أتاها أنَّ امرأ القيس. زيادة الباءِ في المَنصوب واسعةٌ كثيرةٌ، وأمَّا في المرفوع فقليلةٌ، تَمْلِكَ: أمُّ امرئِ القَيْسِ. بَيْقَرَ الرَّجُلُ: أقامَ بالحَضرِ وتركَ قومَهُ بالبادية، وفي "شَرْحِ تصريف المازني لابن جني" (١) بيقرَ الرَّجُلُ: إذا خرج من الشَّام إلى العراق. ويقال بيقر: إذا خَرَجَ من أرضٍ أو مات (٢).
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) واللَّام للاختصاص كقولك: المال لزيد، والسرج للدابة، وجاءَني أخٌ له وابنٌ له وقد تقع مزيدة، قال اللَّه (٣): ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ ".
قالَ المُشَرِّحُ: (رَدِفَ لَكُمْ) أي: ردفكم، ونحو قوله (٤): ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ وهو أقربُ مأخذًا من الأول.
стр. 1268
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) و"رُبَّ" للتقليل، ومن خصائصها أن لا تدخل إلا على نكرةٍ ظاهرةٍ أو مضمرة".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما تدخُلُ علىٍ النَّكرة لما ذكره أبو العباس (١) في "رُبَّ" فلذلك لا تقع إلا على تكرة؛ لأنَّ ما بعدها يخرج مخرج التَّمييز. ابن السَرّاج (٢): والنَّحويون كالمجمعين على أن (رُبَّ جوابُ لما (٣)، تقول: ربَّ رجلٍ عالم لمن (٤) قال لك: ما رأيت رجلًا عالمًا، أو قدرت أنه يقوله ربّ رجلٍ عالمٍ تُريدُ [رُب] (٥) رجلٍ عالمٍ قد رَأيْتُ، وضارعت أيضًا حرفَ النَّفي إذا كان حرفُ النَّفي يليه الواحد المنكور وهو يُرادُ الجماعة.
قالَ جارُ اللَّهِ: "والظَّاهِرَةُ يلزمها أن تكونَ مَوْصُوفةً بمُفردٍ أو جُملةٍ كقولك: ربَّ رجلٍ جوادٍ، وربَّ رجلٍ جاءَني، وربَّ رجلٍ أَبوه كريم".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما لزمته الصفة لأنه أبلغ في إثبات التَّقليل ألا تَرى أن رجلًا قائمًا أقل من رجلٍ بانفراد.
قال جارُ اللَّهِ: "والمضمرة حقها أن تفسر بمنصوب، كقولك: ربَّهُ رَجُلًا".
قالَ المُشَرِّحُ: اِعلم أن" رُبَّ" تستعمل على ثلاثِ جهاتٍ.
الأولى: أن تَدخلَ على نكرةٍ ظاهرةٍ موصوفةٍ.
الثَّانيةُ: أن تدخل على مُضمرٍ مُفسرٍ بمنصوبٍ كما في: نِعْمَ رجلًا زيدٌ وإنما لزم التفسير المضمر؛ لأنَّه بمنزلة الصفة فيكون أبلغَ في التقليل، وعند المضمر الهاء على لفظ واحد، وإن وليها المؤنث والاثنان والجمع وحكى
стр. 1269
الكوفيون (١): ربَّه رجلًا رأيت، وربهما رجلين، وربهم رجالا، وربهن نساء فمن وحد قال: إنه كناية عن مجهول، ومن لم يُوحد قال: إنه ردُّ كلامٍ كأنّه قيل له: ما لك جوار؟ فقال: ربَّهن جوار قد ملكتُ. والثالثة: أن تصلها بـ "ما" على ما يساق إليك.
قال جارُ اللهِ: "ومنها الفعل الذي تُسلطه على الاسم يجب تأخره عنها".
قالَ المُشَرِّحُ: كان من (٢) حق "رُبَّ" أن تكون بعد الفعل موصلًا له كأخواته إلى المجرور، إذا قلت ما مررت برجل، وذهبت إلى غلام، ولكن لما كان معناه التقليل وكان لا يعمل إلا في نكرة صار مقابلًا لـ "كم" إذا كانت خبرًا، فجعل له صدر الكلام كما جعل لـ "كم"، ولأن معناها التَّقليل كالنفي والنفي كالاستفهام له صدرُ الكلام، وهذا لأن الاستفهام ينقل الجملة الخبرية عن الخبر إلى الاستفهام، فكذلك النَّفي ينقل الجملة الإِبتدائية عن الإِثبات إلى النَّفي، ويشهد لكون التقليل بمنزلة النفي قولهم: كل ما يقول ذلك إلا زيد، والمعنى: لا يقول ذلك إلا زيد.
قال جارُ اللهِ: "وأنه يجيء محذوفًا في الأكثر كما حذف مع الباء في اسم اللهِ، وقال الأعشى (٣):
رُبَّ رِفدٍ هَرَقْتُهُ ذلِكَ اليَوْ … مَ وأَسْرَى مِنْ مَعْشَرٍ أَقْيَالِ
стр. 1270
فـ "هرقته" و "من معشر" صفتان لـ "رفد" و"أسرى" والفعل محذوف".
قال المُشرِّحُ: اِعلم أن الفعل العامل في "رُبّ" أكثر ما تستعمله العرب محذوفًا، وربما جيء به توكيدًا، أو زيادةً في البيانِ تقول: ربّ رجلٍ عالم أَتيت. أقيال: جمع قَيْلٍ وهو الملك من مُلوك حمير، وأصله: قيِّلٌ بالتّشديد، ونحوه مَيْتٌ في مَيْتٌ، وهو الذي له قول. كأنَّه قال: رُبَّ رفدٍ مهراق في ذلك اليَوم ضممته إلى أسرى.
قال جارُ اللهِ: "ومنها أن فعلها يجب أن يكون [ماضيًا] (١) تقول: رب رجلٍ كريمٍ قد لقيت، ولا يجوز سألقى أو لألقين".
قال المُشَرِّحُ: إنما شرطُ أن يكون المُسلط على "رب" ماضيًا لأن "رب" مع ما في صلتها -على ما ذكرناها- في جوابِ ما فعلتَ. قال أبو العباس (٢) في "رب": تُنبئ عن ما وقعت عليه أنه كان وليس بالكثير.
تخمير: موضع "رُبَّ" وما عملت فيه نصب قال ابنُ السَّراج (٣): يدلُّ على ذلك أن كم تبنى عليها "ورُبّ" لايجوز فيها، وذلك قولهم: كم رجل أفضل منه فجعلوه خبرًا لـ "كم"، كذا رواه سيبويه عن يونس [عن] (٤) أبي عمرو بن العلاء، وأن العرب تقوله (٥)؟ ولا يجوز ربَّ رجلٍ أفضل فتجعله خبرًا لرُب، كما جعلته خبرًا لـ "كم".
فإن سألت: ما بالك تركت في هذه مذهبك، بدليل أنك قد قلت "رُبَّ" وما عملت فيه نصب ومن مذهبك أن المفعول هو المجرور دون حرف
стр. 1271
الجر، لأن حرف الجر عندك بمنزلة جزءٍ من الفعلِ و"رُبَّ" حرف جر، ألا ترى أنك لا تقول: بربَّ رجلٍ مررتُ، كما تقول بكم رجل مررت؟.
أجبت: مقابلتها لـ "كَمْ" هي التي أجرتها مجرى الأسماء من وجه، ومن ثَمَّ قال الشَّيخُ ﵀: وقد تستعملها العربُ في معنى نقيضتها وهي "كم" التي للتكثير، وأنشدوا في ذلك بيت الحماسة (١):
فإن تُمْسِ مَهْجُورَ الفَنَاءِ فَرُبَّمَا … أقَامَ بِهَا بَعْدَ الوُفُودِ وُفُوْدُ
ونظيرتها في ذلك "قد" فإنها للتقليل إذا دخلت على المضارع ثم انقلبت إلى معنى التكثير في نحو قول زهير (٢):
أَخُو ثِقَةٍ لا تُهْلِكُ الخَمْرُ مالَهُ … وَلكنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نائِلُهْ
بخلاف سائر الحروف الجارة. وإذا قيل لك: ما أحسنت؟ فقل: رب إحسانٍ تقدم منّي إليك. فقد قال ابنُ السّراجِ (٣): كأنَّك قلت: قد فعلت من إحسان إليك من تقدم.
قال جارُ اللهِ: "وتُكَفُّ بـ "ما" فتدخل حينئذٍ على الاسم والفعل كقوله: ربما قام زيد، وربما زيد في الدار قال أبو دُؤادٍ:
رُبَّمَا الجَامِلُ المُؤَبِّلُ فِيْهُمُ … وعَنَاجِيْجُ بَيْنَهُنَّ المَهَارُ"
قال المُشَرِّحُ: [ابنُ السَرَّاجِ] (٤): ولما كانت "رُبَّ" تأتي لما مضى فكذلك رُبّما لما وقع بعدها الفعل كان حقه أن يكون ماضيًا فإذا رأيتَ الفعلَ
стр. 1272
المضارعَ بعدها فثم إضمار "كان". عَنَى الشيخ (١) ﵀ بالإِسم والفعل الجُملة الإِسمية والجُملة الفعلية.
الجاملُ: مرفوعٌ. في (ديوان الفارابي) (٢) أبَّلَ الرَّجُلُ أي: اتّخذ إبلًا. ويكون للنّتاج والنّماء ولا يكون للاعتِمال. الحراجيج في النُّوق والعناجيج في الخَيل. قال أبو عُبَيْدٍ: العَنَاجِيْجُ: جيادُ الخَيْلِ، واحدها عُنْجُوْجٌ. وقبله:
أقفرت من سروب قومي تعار … فأروم فشابه فالستار
بعد ما كان سرب قومي حينًا … لهم النخل كلها والبحار
فإلى الدرر "فالمرواتُ" منهم … فحفير فناعم فالديار
فقد أمست ديارهم بطن فلج … فمصير لصيفهم تِعْشَارُ (٣)
سروبُ القومِ: ما يسر حوله من إبلٍ وخيلٍ وغنمٍ، أَروم بفتح الهمزة والسِّتار بكسر السين (فالمروات) بالرفع، تِعْشَارُ: مكان وهو بكسر التاء المثناة والشين المعجمة كذا رأيت هذه الأسامي في نسخة مُصْلَحَةٍ من (ديوان شعره) (٤).
стр. 1273
قال جارُ اللهِ: "وفيها لغاتٌ: "رُبُ": الرّاء مضمومة، والباء مخففةٌ مفتوحةٌ أو مضمومةٌ أو مُسْكَنَةٌ. "و"رَبّ": الراء مفتوحةٌ والباءُ مشددةٌ أو مخففةٌ، و"ربَّت" بالتاء والباء مشددةٌ أو مخففةٌ".
قال المُشَرِّحُ: قوله: "أو مسْكَنَةٌ" بسكون السِّين كَذَا السَّماعُ.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وواو القَسَمِ مبدلة عن الباء [الالصاقية في أقسمت بالله، أبدلت عنها عند حذف الفعل، ثم التَّاء مبدلة عن الواو] (١) في تاللهِ خاصةً".
قال المُشَرِّحُ: تحقيق (٢) الكلام في هذا الفَصل أن تقول (٣): الأصل في القسم حلف بالله، ثم والله، [ثم تَاللَّه] (٤)، وهذا لأنه لما كثر العطف على موضع باء القسم بالواو، غلب الواو على القسم، نظيره: ما زلت وزيدًا حتى فعل، بمنزلة ما زلت بزيد، وكذلك في قولك: جئتُ والشمسُ طالعةٌ، والمعنى: جئت [غلسًا بوقت] (٥) طلوع الشمس، ولأن الواو كالباء مخرجها من الشفتين إلا أنه أخفَّ من الباء لتجافي الشفتين عنه وانضمامهما على الباء، والتاء أبدلت عن الواو لمقاربتها لها باتساع المخرج، وأنَّها من أقرب مخارج حروف [الفم إلى الواو، وأنها] (٦) من حروف الزيادة، ولأنها قد أبدلت منها في تُراث وتُجَاهٍ وتُخَمَةٍ.
فإن سألتَ: فما بالهم خَصُّوا التاء باسم الله؟.
أَجبتُ: لأنَّهم لمبالغتهم في التَّيَمُّنِ باسم الله استحبُّوا الابتداء وفي
стр. 1274
الباء وإن وقع به الابتداء ظاهرًا لم يقع به تقديرًا (١)، لاقتضاء الباء فعلًا سابقًا، فلا يكون اسم الله مبتدأ به تقديرًا، وكذلك الواو لإِبهامه العَطْفَ.
قال جارُ الله: "وقد رَوَى الأَخْفَشُ (٢) تربِّ الكَعْبَةِ".
قال المُشَرِّحُ: إنما قيل ذلك، لأنَّه بمنزلةِ اسمِ (٣) اللهِ تَعَالَى في الظُّهور وكثرةِ الاستعمال.
قال جارُ الله: "فالباء لأصالتها تدخل على المُظهر والمُضمر فتقول: بالله وبك لأفعلنَّ، والواو لا تدخل إلا على المظهر لنقصانها عن الباء. [والتاء لا تدخل من المظهر] (٤) إلا على واحدٍ لنقصانها عن الواو".
قالَ المُشَرِّحُ: الباء أعمُّ مخرجًا من الواو والتاء ولذلك يقالُ: بالله إلَّا فعلتَ، ولَمَا فعلت، ولا يقالُ ذلك بالواو والتاء.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وعلى للاستِعْلَاءِ تقولُ: عليه دينٌ، وفلان علينا أميرٌ، وقالَ الله تعالى (٥): ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الفُلْكِ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: يقال: عليه دينٌ، لأن الدّين يستعلي من يلزمه، ولذلك يقولون: رَكِبَهُ دينٌ، وكذلك الأميرُ كأن له علوًا، ولذلك يخاطب صاحب الحرمة بالمجلس الرّفيع والمجلس العالي.
قالَ جارُ الله: "وتقول على الاتساع مررت عليه إذا جُزْتَهُ".
стр. 1275
قالَ المُشَرِّحُ: كما يقال: مررت به (١) يقال مررت عليه. في "الحماسة" (٢):
مَرَرْتُ عَلَى دَارِ امْرئِ السُّوءِ حَوْلَهُ … لَبُوْنٌ كَعِيْدَانٍ بِحَائِطِ بُسْتَانِ
قالَ جارُ الله: "وهو اسمٌ في نحو قوله:
* غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بعدَ ما تَمَّ ضِمْؤُهَا *
أَيْ: من فَوْقه".
قال المُشَرِّحُ: إنما يستعمل اسمًا إذا دخلت عليه "من" خاصة، إذ لا فرق بينها حرفًا وبينها اسمًا.
فإن سألت: "على" كما تكون اسمًا وحرفًا فكذلك تكون فعلًا، تقول: علا زيدًا ثوبٌ، كما تقول على زيدٍ ثوبٌ فهو أحد الأشياء، فكيف أورده في ما هو أحد الشَّيئين؟.
أجبتُ: صورته إذا كان فعلًا غير صورته إذا كان حرفًا واسمًا تمامه (٣):
* تَصِلُّ وعَنْ قَيْضٍ بِبَيْدَاءَ مَجْهَلِ *
стр. 1276
"تصل" بالصاد المهملة، يقال: جاءَت الخَيْلُ تَصِلُّ عَطَشًا، وذلك إذا سَمِعْتَ لأجوافها صليلًا أي: صوتًا. القَيْضُ: ما يُغْلَقُ من قشور البيض الأعلى، يصفُ قطاةً.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وعن للبعد والمُجاوزة، كقولك: رمى عن القَوس، لأنَّه يقذِفُ عنها بالسَّهم ويبعده وأَطعمه عن الجُوع وكساه عن العَرى لأنَّه يجعل الجُوع والعرى مُتَبَاعدين عنه، وجَلَسَ عن يمينه أي: مُتَرَاخِيًا عن بَدَنه في المكان الذي بحيال يمينه".
قال المُشَرِّحُ: بدنه في قوله: "عن بدنه" بالنُّون.
[قال جارُ اللهِ: "وقال الله تَعالى (١): ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾.
قالَ المُشَرِّحُ: كأنه ضمَّن المخالفة معنى التَّباعد] (٢).
قال جارُ الله: "وهو اسم في نحو قولهم: جلست من عن يمينه، أي: من جانبها".
قال المُشَرِّحُ: الدَّلِيْلُ عليه قولُ ذِي الرُّمة (٣):
فَقُلْتُ اجْعَلِيْ ضَوْءَ الفَرَاقِدِ كلِّها … يَمِيْنًا ومَهْوَى النَّجْمِ مِنْ عَنْ شَمَالَكِ
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والكاف للتَّشبيه كقولك: الذي كزيدٍ أخوك".
قال المُشَرِّحُ: التَّشبيه: عقدُ القَلْب على أن أَحَدَ الشَّيئين يسد مَسَدّ الآخر في معنى من المعاني.
стр. 1277
فإن سألت: لم لا يجوزُ أن تكون التَّشبيه اسمًا، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد كالأسد فمعناه مثل الأسد؟.
أجبتُ: لأنه لو كان اسمًا فيما ضربناه من المِثال لما استقل به الصّلة ألا ترى أنك لو قلت: مررت بالذىِ مثلَ زيدٍ لكان خُلْفًا من القول فعلمنا ذلك سيبويه وهو الصَّوابُ الذي لا (١) محِيْصَ عنه.
[قال جارُ الله: "وهو اسمٌ في نحو قوله (٢):
* يَضْحَكْنَ عَنْ كَالْبَرَدِ المُنْهَمِّ] (٣) *"
قال المُشَرِّحُ: المُنْهَمُّ. المُذَابُ، يقالُ: همَّ الشَّحْمُ فانْهَمّ. قال (٤):
* يهم فيه القَوْم همَّ الشَّحْمِ *
قالَ جارُ اللهِ: "ولا تدخل على الضمير استغناء عنها بمثل، وقد سد نحو قوله:
*وأُمِّ أَوْعَالٍ كَهَا أوْ أَقْرَبَا *"
قال المُشَرِّحُ: المُبرِّدُ يجيزُ دخولَ كافِ التَّشبيه على الضَّمير (٥)، كما يُجيز دخولَ "حتى" عليه أيضًا، وعند سيبويه (٦) لا يجوزُ؛ لأن من شأنِ
стр. 1278
المَجرور بالكاف أن تُطَّرح عنه الكاف فيكون تَشبيهًا على سبيل المُبالغة، ولذلك دخل على المَرفوع في قولهم: ما أَنا كأنتَ، وذلك لا يَتَأَتَّى فيما إذا دخل على المُضمر. قالَ العَجَّاجُ (١):
نحى الذنابات شمالًا كَثَبَا … وأُمَّ أوعالٍ كَهَا أوْ أَقْرَبَا
ذَاتَ اليَمِيْنِ غَيرَ أن تَنَكَّبَا
الذَّنَابَاتِ (٢): موضعٌ بعينه. وأمَّ أوعالٍ: هَضْبَةٌ، والكَثِب: هو القريب تنكب: تجوّز، وفي نحّى: ضميرٌ يعود إلى حمارٍ وحشيٍّ، ومعنى: "نحى الذنابات" أنه مضى في عدوه ناحية من الذَّنابات، فكأنه تجاهل عن طريقه، وأم أوعال من عن شماله بالقرب من الموضع الذي عدا فيه. كها: أي كالذنابات أو أقرب إليه منها، يقول: والهضبة التي هي أم أوعال عن يمينه مثل الذنابات عن شماله. "غير أن تنكبا" يريد: هما عن يمينه وشماله ومقدار ما بين كل من الموضعين وبين طريقه واحد إلا أن يجود في عدوه فتصير الذنابات إن مال إليها في العدو أقرب من أم أوعال، وأن مال في العدو إلى أم أوعال صارت أقرب إليه من الذنابات. وأم أوعال رفع بالابتداء وكها خبرها. ومحفُوظي وأمَّ أَوْعَالٍ بالنَّصب.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ): ومذ ومنذ لابتداء الغاية في الزمان كقولك: ما أريت مذ يوم الجمعة يوم السبت، وكونهما اسمين ذكر في الأسماء المبنية".
стр. 1279
قال المُشَرِّحُ: الشيخُ ﵀ كما ذكر هذا الفصل في قسم الأسماء فقد شرحته أنا أيضًا هناك.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) و "حاشى" معناها التَّبرئة، قال الشاعر (١):
حَاشَى أَبِيْ ثَوْبَانَ أنَّ بِهِ … صِنًّا عن المَلْحَاةِ والشَّتْمِ"
قال المُشَرِّحُ: "أبو ثَوْبان" كنيةُ رجلٍ. يقال: ظن (٢) عليه بكذا، وظن عنه، كما يقال: بخل عليه بكذا، وفي درعيات السقط (٣):
بدونها ظنَّ عن أقاربه … كاملُ عَبْسٍ إذا الضّراب فَأَى
وقال الله تعالى (٤): ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾، وقال الإِمام عبد القاهر الجرجاني: قد تقدم قبل هذا البيت ذم لقوم واستثنى أبا ثوبان منهم.
قالَ جارُ الله: "وهو عندَ المُبرِّدِ (٥) يكون فعلًا في نحو قولك: هجم القوم حاشا زيدًا بمعنى جانب بعضهم زيدًا فاعل من الحشا وهو الجانب".
قال المُشَرِّحُ: لو قلت في تفسير حاشا هنا جانب كلهم زيدًا لكان أوجه.
стр. 1280
قال جارُ اللهِ: "وحكى أبو عمرو الشيباني (١) عن بعض العرب: اللهم اغفر لي ولِمَنْ يَسْمَع حاشا الشَّيطان وابنَ الأصبغ".
قال المُشَرِّحُ: "ابنَ الأَصبغ" بالنَّصب، بالصَّادِ المُهملة والغين المُعجمة، العطف ها هُنا كالعطفِ في قوله (٢):
* وباتَ على النَّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ *
وقوله:
* إلا ابن عبدِ الله والمَطَرُ *
وقول الفرزدق (٣):
تَنَظَّرتُ نَصْرًا والسِّماكين أَيْهُما … عليَّ من الغَيْثِ استَهَلَّتْ مَوَاطِرُهْ
تنظرتُ: أي انتظرتُ، السِّماكين: أي: نَوْءُ السِّماكين، أيْهُما: بتخفيف أَيِّهما.
стр. 1281
قالَ جارُ اللهِ: "وقوله تعالى (١): ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ بمعنى براءَةَ اللهِ من السُّوءِ".
قال المُشَرِّحُ: أبو علي الفارِسِيّ: جانب يوسف الفاحشة لأجل الله.
فإنْ سألتَ: فلمَ حُذِفَ الألف فيه؟.
أجبتُ: لأن الأَفعال قد حُذفت منها في قولك: لم يك، ولم أدر، ولم أُبَلْ، وقد حَذَفُوا الألفَ من الفِعل في قَوْلهم: أصابَ النَّاسَ جَهْدٌ فلو تَرَ أهلَ مكةَ، إنما هو تَرَى. قالَ الشَّيخُ: أبو عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ (٢): فحذفت الألف اللينة (٣) المنقلبة عن اللَّام كما حذفت عن "حاشا" واللَّام الجارة عوض من (٤) المحذوف من آخره. وحاشَى لا يُستثنى به في كلِّ موضع -اللهم- إلا من مُوجب لا تَقول: عندي درهمٌ حاشا قيراطٍ، ولا أقوم حاشَا أن تقوم.
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وعَدا وخَلا مرَّ الكلامُ فيهما في الاستثناء".
قال المُشَرِّحُ: كما مر فيهما مَتْنًا فقد مرَّ شرحًا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) و "كي" في قولهم: كيمه من حروف الجرّ بمعنى لِمَهْ".
قالَ المُشَرِّحُ: عليُّ بن عِيْسَى: معنى "كي" كمعنى "لكذا" (٥) نحو: صلَّيْتُ لكي أدخلَ الجَنّة والأصلُ أن تقول: لأَدْخُلَ الجَنَّة وكيْمَه: هي كي دخلت عليها "ما" الاستفهامية، وسيجيء هذا القسم إن شاء الله.
стр. 1282
قال جارُ اللهِ: "وتُحذف حروف الجرّ فيتعدى الفعل بنفسه كقوله تَعالى (١): ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ وقولِهِ:
* مِنَّا الَّذِي اختِيْرَ الرِّجَالُ سَمَاحَةً *
وقولِهِ:
* أمَرْتُكَ الخَيْرَ فَاْفْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ *"
قال المُشَرِّحُ: تَمَامُ البَيْتِ الأولِ (٢):
.................... … وجُوْدًا إذا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ
البيت للفرزدق وبعده:
وَمِنَّا الّذي قادَ الجِيَادَ على الحَفَا … بِنَجْرَانَ حتَّى صبَّحَتْهَا التَّرايِعُ
الزَّعازِعُ: جمعُ زَعْزَعٍ وهي الرِّيحُ الشَّدِيْدَةُ، أراد الشِّتاء، وفيه تقلُّ الأَلبان، وتُعدم الأَزْوَادُ، ويَضِنُّ الجَوَادُ، فيقول: هو جَوادٌ في مثل هذا الوقت وعنى بهذا الجواد؛ غالبُ بن صَعْصَعَةَ، وكان جوادًا، وهو الذي عاقَر سُحَيُمَ ابنَ وُثَيْلٍ الرِّيَاحِيَّ فَعَقَرَهُ.
عنى بالذي قادَ الجِيَادَ على الحَفَا: -فيما يقال- عَمْرو بن جَدِيْرٍ من بني نَهْشَلٍ، ويُقال: بَلْ الأَضْبَط بن قُريعٍ من بني سَعْدٍ، ويُقال: بل الأَقرع بن حابس، وهذا أشبَه بالشِّعر، يُريد أنه أبعد الغُزاة حتى حَفِيَتْ خيلُه
стр. 1283
إلى أن أَتى نَجران وغَنِمَ التَّرايع وهي: الخَيلُ الكِرَامُ، وقيلَ: هي انتزعت من أيدي الأعداء، وقيل: هي التي تترع إلى أوطانها. تَمامُ البيت الثاني (١):
* فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَاْلٍ وذَاْ نَشَبِ *
قال جارُ اللهِ: "وتقول: استغفر الله ذنبي".
قال المُشَرِّحُ: هذا الكلام منظورٌ فيه، واستغفر الله ذنبي على الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه، وهذا لأن من أسباب التَّعدية نقل الفعل الثلاثي إلى استفعل فإذا كان غَفَرَ متعديًا إلى مفعول أكسبه النقل إلى الاستفعال مفعولًا ثانيًا، كقولهم: نَسَخْتُ الكتاب، واستَنْسَخْتُ زيدًا الكتابَ وخَزن اللآلئ واستخزنه اللآلئ. ومما يُسْتَأنَسُ به في هذا الباب بيتُ الأُستاذ أبي اسماعيل الكاتب:
* كأنَّ القِطَار استخزَنَتْها لآلِيَا *
стр. 1284
ولعل استغفر الله من ذنبي محمولٌ على أَتوبُ إليه من ذنبي.
قالَ جارُ اللهِ: "ومنه دَخَلْتُ الدَّارَ".
قال المُشَرِّحُ: هذا جيِّدٌ؛ لأن الأَصل دخلتُ في الدَّارِ.
قال جارُ اللهِ: "وتُحذف مع "أنَّ" و "أَنْ" مُستمرا".
قال المُشَرِّحُ: يحسن حذف الجار مع "أن" المفتوحة لثلاثة أشياء:
أحدها: كثرةُ ورودها في الكلام.
وثانيها: طولُها بالصِّلة؛ لأنها مع ما بعدها بمنزلة اسمٍ.
وثالثها: طلبُها العامل اللَّفظي؛ لأنها لا تأتي إلا معتمدةً على شيء قبلها يعمل فيها، إما ظاهرًا أو مقدّرًا.
قال جارُ اللهِ: (فصلٌ) وتضمر قليلًا، ومما جاءَ من ذلك "رُبَّ" والباء في القَسَم، وفي قول رُؤبة: "خيرٍ" إذ قيلَ له: كيفَ أَصْبَحْتَ؟ واللام في لاه أبوك".
قال المُشَرِّحُ: في هذا الفصل وما قبله يعرف الفرق بين الحذف والإِضمار.
стр. 1285
[بابُ إنّ وأخواتها]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحروف.
(الحروف المشبهة بالفعل) وهي: "إنَّ" و "أنَّ" و"لكن" و "كأن" و "ليت" و "لعل" وتلحقها "ما" الكافة فتعزلها عن العمل، وتبدأ بعدها الكلام، قال الله (١): ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقال (٢): ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ وقالَ ابنُ كُرَاعٍ.
تَحَلَّلْ وعَالِجْ ذاتَ نَفْسِكَ وانْظُرَنْ … أَبَا جُعَلٍ لَعَلّمَا أَنْتَ حَالِمُ
وقال:
أَعِدْ نَظَرًا يا عَبْدَ قَيْسٍ لَعَلَّمَا … أَضاءَتْ لَكَ النَّارُ الحِمَارَ المُقَيَّدَا"
قال المُشَرِّحُ: يقول ناس (٣) من النحويين في قوله (٤): ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ المعنى: ما حرَّمَ ربي إلا الفواحشَ والدَّليل على صحةِ ذلك قَوْلُ الفَرَزْدَقِ (٥):
стр. 1286
أَنا الذَّائِدُ الحَامِيْ الذِّمارَ وإنّما … يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِيْ
ألا تَرى أنَّه في تقديرِ: ما يُدافع إلا أنا، ولو بقيَ معه الكلامُ موجبًا لما كان ذلك.
ثم اِعلم أنَّ في النَّحويين من يقول بأن "ما" في نحو قولك: إنما زيدٌ قائمٌ اسمٌ، وموضعه نصبٌ، والجملةُ التي بعدها في موضعِ الخَبَرِ ويشبه ذلك بالهاء التي تلحق هذه الحروف أعني ضمير الشأن والقصة، وأنا لاندر الموضع، وأنا لا أستبعد هذا القول.
ثم اعلم (١) أنَّ موضعَ "إنما" على أن يَجيءُ بخبرٍ لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحَّته كقولك: إنما هو أخوك، إنما هو صاحِبُك، وقوله [تعالى] (٢): ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، ومن ثَمَّ قال بَعْضُهُمْ: "إنما" إذا رَفَعْتَ ما بعدها يصير فيها معنى التقليل تقول: إنما أنا بشرٌ، إذا أردت التواضع وقال سيبويه: تقول (٣): إنما سرتُ حتى أدخلها: إذا كنت محتقرًا لمسيرك وأمَّا قوله (٤):
إنَّما مصعبٌ شهابٌ من اللـ … ـــــهِ تَجَلَّت عَنْ وَجْهِهِ الظَّلْمَاءُ
فَمُنَزَّلٌ هذه المَنْزِلَةَ.
وشيءٌ آخرُ: وهو أنَّك إذا قُلتَ: إنَّما جاءَني زيدٌ عُقل منه أنك أردت أن تنفي أن يكون الجائِي غيره، فمعنى الكلام معها تشبيه بالمعنى في قولك: جاءَني زيدٌ لا عمروٌ.
стр. 1287
وابنُ كُرَاعَ (١): بفَتْحِ العَيْنِ، وهو غيرُ مُتَصَرِّفٍ، لما فيه من تركيبِ التَّأنيث المُستحكم بالعَلَمِيَّةِ، لأنَّ كُراع اسمُ أمِّه. تَحَلَّلَ في يَمِيْنِه: إذا استثنى فكأنه تكلف الحِلَّ، وذلك أن يَقول إن شاءَ الله. و"ذات" زائدة وهذا تَدْرِيْسٌ. يقولُ: قد اضطَرَبَ عقلك فبادر نفسك بالعلاج وقبله (٢):
أَتَتْكَ يَمِيْنٌ من أُناس لتركبن … على ودوني هَضْبُ غَوْل فَقَادِمُ
لتركبن على: بمعنى لتركبن على قَصدٍ (مكروهي) (٣) وفي ["يركبن"] (٤) ضمير يعود إلى أُناس، غول: موضع (٥).
стр. 1288
يهجوه (١) بأنهم يقيدون الأُتُن ليَأْتُوها. قالَهُ أبو عَلِيٍّ الدَّقَاقُ (٢).
قالَ جارُ اللهِ: و"منهم من يَجعل "ما" مزيدة ويعملها الا أن الأعمال في كأنَّما وليتَما ولعلّما أكثر منه في إنّما، وأنَّما، ولكنَّما، وروي بيت النَّابغةِ:
* قالَتْ أَلَا لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامُ لَنَا *
على الوجهين".
قال المُشَرِّحُ: حكى (٣) إعمالها مع "ما" عن الكِسائي. قال ابنُ السَّرَّاجِ: وجدتُ ذلك في (مختصر) بخطِّه كَذَا نقله عنه بعضِ الأُدباء، إنما كان إعمال هذه أكثر من تلك، لأن لها معاني فعملها قائم بعمانيها. وأما "إن"، و"لكن" فمعناهما غير زائد على معنى الابتداء شيئا سوى التأكيد والايجاب لما بعدهما، فإذا قلتَ: إنما زيدٌ قائمٌ، فكأنَّك قلت: عمروٌ قائمٌ لا زيدٌ، وأمَّا كأنَّما بكرٌ ذاهبٌ، وليتما زيدٌ قائمٌ، ولعلما عمروٌ منطلقٌ فليس كذلك.
تَمَامُهُ (٤):
стр. 1289
* إِلَى حَمَامَتِنَا ونِصْفُهُ فَقَدِ *
ومثلُهُ قوله (١):
لَيْتَ الحَمَامُ لِيَهْ
إِلَى حَمَامَتِيَهْ
وَنِصْفُهُ قَدِيَهْ
تَمَّ الحَمَامُ مِيَهْ
قال جارُ اللهِ: "و"إنَّ" و"أن" هما يؤكدان مضمون الجُملة ويُحققانه إلا أن المكسورة الجُملة معها على استقلالها بفائدتها، والمفتوحة تقلبها إلى حكم المفرد، تقول: إنَّ زيدًا منطلقٌ وتسكت كما تَسكت على "زيدٌ منطلقٌ"، وتقول: بلغني أن زيدًا منطلق، وحق أن زيدًا منطلق فلا تجد بُدًّا من هذا الضَّميم كما لا تَجده مع الانطلاق ونحوه".
قال المُشَرِّحُ: الذي أَوجب الكسرة في همزة "إن" التي بها يبتدأ أنه الأَصل لما ابتدأته وبعدها ساكنٌ كما فعلت بقولك: إضرب ونحوه (٢) إلا أن يعوض عنه، لأن التقاء الساكنين أوجب تحريك أحدهما، وذلك في: من
стр. 1290
ابنك؟ ومن الرجل؟ فكذلك هذا من أجل أنه لا يبتدأ بساكن كما لا يجمع بين ساكنين، يجب أن يحرك بالكسر، لأن الحاجة إلى تحريكه من جهة أنه لا يمكن النطق به كما لا يمكن بذلك. إن مع ما في خبرها جملة وأن مع ما في خبرها بمنزلة مفرد.
الضّميم: فعيل بمعنى مفعول من الضَمّ.
قال جارُ اللهِ: "وتعاملها معاملة المَصدر حيث توقعها فاعله ومفعوله ومضافًا (١) إليها في قولك: بلغني أن زيدًا منطلق، وسمعت أن زيدًا خارج، وعجبت من أن بكرًا واقفٌ".
قال المُشَرِّحُ: معناه بلغني إنطلاقُ زيدٍ، وسمعت خروجَ عمروٍ، وعجبت من وقوفِ بكرٍ.
قال جارُ اللهِ: "ولا تُصدر بها الجملة كما لا تُصدر بأختها، بل إذا وَقَعت في موضع المبتدأ التزم تقديم الخبر عليها، فلا يقال: إنَّ زيدًا قائمٌ حقٌّ".
قال المُشَرِّحُ: إنما (٢) كان كذلك لئَلَّا تتهيأ لدخول "إنَّ" المكسورة عليها.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والذي يُميز بين مواقعها أنَّ ما كان مظنةً للجُملة وقعت فيه المَكسورة كقولك مفتتحًا: إن زيدًا منطلقٌ، وبعد "قال" لأن الجُمل تحكى بعده. وبعدَ الموصول لأنَّ الصلة لا تكون إلا جُملةً".
قال المُشَرِّحُ: تقول مفتتحًا إن زيدًا منطلقٌ، كما تقول: زيذٌ منطلقٌ وكذلك بعد "قال" لأن الجُمل تحكى بعده، وهذا إذا لم يكن "قال" بمعنى فَاهَ، أو بمعنى ظَنَنْتُ، كما هو مذهب بني سُلَيْم، وكذلك قولك: قال فلانٌ:
стр. 1291
إن زيدًا منطلقٌ، [وكذلك] (١) بعدَ الموصول كقوله تعالى (٢): ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾.
قال جارُ اللهِ: "وما كان مِظَنَّةً للمُفْرَدِ وقعت فيه المفتوحة نحو مكان الفاعل والمجرور وما بعد "لولا"، لأن المفرد فيه ملتزم في الاستعمال".
قال المُشَرِّحُ: أما مكان الفاعل والمجرور فقد مضيا آنفا، وما بعد "لولا" تقع فيه المفتوحة، لأنَّ المُفرد (٣) لازم وقوعه فيه استعمالًا وإن لم يكن لازمًا تقديرًا، تقول: لولَا عليٌّ لهلكَ عَمْروٌ، ولا تقول: لولَا عليُّ موجودٌ.
فإن سألتَ: لو كان "أن" المفتوحة في مظنّة المفرد لما عطفت عليها الجملة الابتدائية في قوله تعالى (٤): ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ … ﴾ برفعِ العينِ والأنفِ وهي قراءةُ الكِسَائِي (٥)؟
أجبتُ: الجملةُ الابتدائيةُ وقَعْت موقعَ المُفرد ها هنا، كأنه قال: وكتبنا عليهم ذلك الحكمَ هذا محصولُ الكلامِ.
قال جارُ اللهِ: "وما بعد "لو" لأن تقدير: "لو أنَّك مُنْطَلِقٌ لانْطَلَقْتُ" لو وَقَعَ أنَّك مُنْطَلِقٌ، أي: لو وَقَعَ انْطِلَاقُكَ".
قال المُشَرِّحُ: هذا الكلامُ منظورٌ فيه، والصَّوابُ: لو أنك انطلقت لأنّ خبر "أن" الواقع بعد "لو" يجب أن يكون فعلًا، ولذلك ذكر الشيخ ﵀ في حرفي الشَّرط لو قلت: لو أن زيدًا حاضري لأكرمته لم يجز.
стр. 1292
قال جارُ اللهِ: "وكذلك ظننتُ أنّك ذاهبٌ على حذف المفعولين والأصل: ظننت ذهابَك حاصلًا".
قال المُشَرِّحُ: أنّك ذاهبٌ ينزل منزلة ذَهَابِكَ، وهو المَفعول الأول فيُحتاج فيه إلى المفعول [الثاني] (١).
قال جارُ اللهِ: (فصلٌ) ومن المواضع ما يُحتمل المفرد والجملة فيجوز فيه ارتفاع أيِّهما شِئْتَ نحو قولِكَ: أول ما أَقولُ: إني أحمدُ الله إن جعلتها خبرًا للمبتدأ فتَحْتَ، كأنَّك قلتَ: أول مَقُولي حمدُ اللهِ وإن قدرت الخبرَ محذوفًا كسرتَ حاكِيًا، ومنه قوله (٢):
وكُنْتُ أُرَى زَيْدًا -كَمَا قِيْلَ- سيِّدًا … إذَا أنَّه عبدُ القَفَا واللَّهَازِمِ
تَكسر لتوفر ما بَعد "إذا" ما تقتضيه من الجملة، وتفتح على تأويل حذفِ الخبرِ، أي: فإذا العُبوديةُ وحاصلةٌ، وحاصِلةٌ محذوفةٌ".
قال المُشَرِّحُ: "ما" ها هُنا مصدرية، فإن فتحت فالمصدر ها هنا بمعنى اسمِ المَفعول، وإن كسرتَ فهو هو. هذا البيت قد مضى في الظروفِ شرحه.
قال جار اللهِ: " (فصل) وتكسرها بعد "حتى" التي يبتدأ بها الكلام فتقول: قد قال القوم ذلك حتى أن زيدًا يقوله، وإن كانت العاطفة فتحت فقلت: قد عرفت أمورك حتى أنك صالح".
قال المُشَرِّحُ: تكسر كما تقول: حتى زيدٍ يقوله، وتفتح كما تقول: حتى صلاحَكَ.
تخمير: "أن" تقع بعد إلا على وجهين:
стр. 1293
أحدهما: أن يكونَ على تقديرِ الخُلُوِّ من عاملٍ لفظيٍّ، فتكسرها على الابتداء، وتكون هي وما بعدها جملةً كافيةً كقولك: ما قَدِمَ علينا أميرٌ إلا إنه مكرمٌ، قال اللهُ تَعالى (١): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾.
والآخر: أن تكون مضمّنة عاملًا لفظيًا فتفتحها كذلك، وتكون هي وما بعدها في تقديرِ اسمِ مفردٍ نحوَ ما رَضِيْتُ عنك إلا أنَّك سخيٌّ، [أي] (٢): لسخائك قال (تعالى) (٣): ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [أي: كفرهم] (٤) وهو في موضع رفع؛ لأنَّه فاعلُ مَنَعَهُمْ.
تَخْمِيْرٌ: تقولُ: أمَّا أنه ذاهبٌ، وأما إنه منطلق فتفتح وتكسر قال سيبويه (٥): فسألت الخَيل عن ذلك فقال: إذا فَتح فإنه يجعله قولك: حقًّا أنّه منطلقٌ، وإن كسر فكأنه قالَ: ألا إنّه ذاهبٌ.
تَخْمِيْرٌ (٦) مواقع المكسورة جَزْمًا سبعة:
الأول: الافتتاح.
الثاني: ما بعد الموصول.
الثالث: جوابُ القسم.
الرابع: ما بعدَ واوِ الحال.
الخامس: ما بعد حرفِ التّصديق.
السادس: ما بعد حرف التَّنبيه.
السابع: إذا أدخلت اللّام في خبرها.
стр. 1294
وغير جَزْمٍ خمسة: ما بعد "ألا"، ما بعد القَول، ما بعد "إذا"، ما بعد "حتى" (١) ما بعد حرف التنبيه وهو "أما".
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولكون المكسورة للابتداء لم تجامع لامُهُ إلا إياها وقوله (٢):
* ولَكِنَّنِي مِنْ حُبِّها لَعَمِيْدُ *
على أن الأَصْلَ ولكنْ إنَّني، كما أنَّ الأَصلَ في قوله تَعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ لكن أَنَا".
قال المُشَرِّحُ: "أنا" (٣) ضمير المتكلم، والاسم الهَمْزَةُ والنُّون، فأما الألف فإنما تلحقها (٤) في الوقف كما تلحق الهاء (٥) في مسلمونَهْ، وكما أن الهاء التي تلحق للوقف إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيءٍ سقطت، كذلك هذه الألف. ونظيرُ هذه الألف في أنَّها للوقف فإذا اتصلت الكلمة بشيء بعدها سقطت، الألف (٦) في (حَيَّهَلَا)، والألفُ والهاء في هذا الطّرف كهمزة الوصل في الطرف الآخر، ورووا إثبات هذه الألف في الوصل إذا
стр. 1295
لقيها همزة في كلّ القرآن مثل: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (١)، و ﴿أَنَا أَخُوكَ﴾ (٢) ولم يختلفوا في حذفها إذا لم تلقها همزة، إلا في قوله (٣): ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾، ويُشبه أن يكونَ عدم الحذفِ لئلا تُشبه الكلمة بـ "لكنّ" المشدَّدة على أنّه قد جاءَت ألفٌ مثبتةٌ في الوَصْلِ في الشّعر، من ذلك قول الأعشى (٤):
فَكَيْفَ أَنَا وانْتِحَالُ القَوَا … فِي بعدَ المَشِيْبِ كَفَى ذَاكَ عَارَا
وقولُ الآخر (٥):
أَنَا سَيْفُ العَشِيْرَةِ فاعرِفُونِي … حُمَيْدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّنَامَا
وفي (حاشِيَةِ المُفَصَّلِ) (٦) لما كان الضَّمير في "ربي" راجعًا إلى "أنا" الذي هو مبتدأ جازَ هذا التَّقدير تقول: أنا هو صاحبي، ولا تقول: أنا هو الضَّارب. لأنّ لامَ الابتداء لا تدخل إلا على خبر "إن" المكسورة، وأما ما أَنشده قطرب (٧):
ألم تَكنْ حَلَفْتَ باللهِ العَلِيِّ
أنَّ مَطَايَاكَ لَمِنْ خَيْرِ المطيِّ
فقد قال ابن جِنّي: الوجه الصَّحيح -ها هنا- كسر "إن" لتزول الضَّرورة
стр. 1296
وأمَّا قولك: قد علمت إن زيدًا ليقوم إذ هي لامُ الابتداء، وأما قراءة سَعِيْدِ بن جُبَيْرٍ (١): ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ (٢) فقد قال أبو عُثمان (٣) فتح "إن" وجعلَ اللَّام زائدةً كما في قوله (٤):
* أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَ بَهْ *
ومما عسى أن يكون من هذا الباب -أعني باب زيادة اللام- ما قاله ابن جني (٥) أخبرني أبو عَلِيٍّ أن أبا الحَسَنِ حكى أنَّ زيدًا وجهه لحسنٌ.
قالَ جارُ الله: "ولها إذا جامعتها ثلاثةٌ مداخلٍ، تدخل على الاسم إن فصل بينها وبين "إن" كقولك: إنَّ في الدَّارِ لَزَيْدًا، وقوله تَعَالَى (٦): ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ وعلى الخبر كقولك: إنّ زيدًا لقائم وقوله تعالى (٧): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وعلى ما يتعلق بالخبر إذا تقدمه كقولك إن زيدًا لطعامك آكل، وإن عمرًا لفى الدار جالس، وقوله تعالى (٨): ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقول الشاعر:
إنَّ امرءًا خَصَّني عَمْدًا مَوَدَّتَهُ … عَلَى التَّنائي لَعِنْديْ غيرَ مَكْفُوْرِ
ولو أخرت فقلت: آكك لطعامك، أو غير مكفور لعندي لم يجز؛ لأن اللَّام لا تَتَأَخَّر عن الإِسم والخبر".
стр. 1297
قال المُشَرِّحُ: الأصل: لإِنَّ في الدَّارِ زَيْدًا، ولإِنَّ في ذلك عبرةً، وكذلك بقية الأَمثلة كهذا (١)، لأن لام الابتداء كما تَدخل على الفعل في نحو قول امرئ القَيْس (٢):
* لَنَامُوا فَمَا إنْ مِنْ حَدِيْثَ وَلَا صَالِ *
تدخل على الحَرف أيضًا في نحو قوله (٣): ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾، و"إنَّ" في الحقيقة حرفٌ، فبعد ذلك لا تخلو من أن تغلبه الفعلية أو لا تغلبه، فإن غلبته وَجَبَ أن تَدخل عليه اللَّام كما في الفعل، وإن لم تَغلبه وَجَبَ أن تدخل عليه أيضًا، لأنه حرف [كما دخلت على الحروف] (٤).
فإن سألتَ: فلمَ فُرقَ بين إن ولام الابتداء؟.
أجبتُ: لأنَّ معناهما واحدٌ بدليل أنَّهما للتوكيد، ويقعان أيضًا جوابًا للقسم، فأخَّروا اللام.
فإن سألتَ: فلم لَمْ يُؤَخِّروا "إنّ"؟.
أجبتُ: لأنّ "إنَّ" عاملةٌ واللام غيرُ عاملةٍ والعامل أَقوى، فَوَجَبَ تأخير الأضعفِ هذا البيت لأبي زُبَيْدٍ الطَّائِي (٥)، وبعده:
стр. 1298
أَرْعَى وَأَرْوَى وَأَدْنَانِي وَأَظْهَرَنِيْ … عَلَى العَدْوِّ بِنَصْرٍ غَيْرِ تَعْذِيْرِ
يمدح بهذا الشّعر الوَليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْطٍ، وكانت بني تغلب أخذت إبلًا لأَبي زُبَيْدٍ فأخذ له الوليد بحقّه من بَني تغلب وارتجع إبله. يقول: خَصَّني بمودته، وأَخذ لي بحقّي، ولم يكن بينَنَا ما يُوجب ذلك أَرْعَى: أي جَعَلَ لإِبلي ما تَرْعَاهُ، وأَرْوَى أي أَرْوَاهَا من المَاءِ، وأَظْهَرَنِي أي جَعَلَنِي ظاهرًا عليهم قاهرًا لهم. التقدير: أن يفعل الشيء فلا يبالغ فيه، يقول: إنه نَصَرَنِي نصرًا بالغَ فيه ولم يُقَصِّر.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتقول: عَلِمْتُ أنّ زيدًا قائمٌ، فإذا جئتَ باللَّام كسرتَ وعَلَّقْتَ الفعل قال الله تَعالى (١): ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: فرق بين: علمت إن زيدًا قائمٌ، وعلمت إن زيدًا لقائمٌ وذلك أن علمت أن زيدًا قائمٌ معناه: علمت قيام زيد، وأمَّا علمت إنَّ زيدًا لقائمٌ فمعناه: علمتُ زيدٌ قائمٌ، وبين المعنيين فرقٌ.
قال جارُ الله: "ومما يحكى عن جُرأَةِ الحَجَّاجِ على الله أن لسانه سَبَقَ بقَطْعِ العاديات إلى فتحة "إنَّ" فأسقط اللَّام".
стр. 1299
قال المُشَرِّحُ: يقول جَرَى على لسانِه فتحة "إن" فأسقط اللَّام من ﴿لَخَبِيرٌ﴾ (١).
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولأن محل المكسورة وما عملت فيه الرَّفعُ جازَ في قولِكَ: إنَّ زيدًا ظَرِيفٌ وعَمرًا، وإن بِشْرًا رَاكِبُ لا سَعِيْدًا، أو بَلْ سَعِيْدًا أن ترفع المعطوف حملًا على المحلّ، قالَ جرير (٢):
إنَّ الخِلَافَةَ والنُّبُوَّةَ فِيْهِمُ … وَالمَكْرُمَاتُ وَسَادَةٌ أَطْهَارُ"
قال المُشَرِّحُ: إذا قُلنا: إن زيدًا ظريفٌ فمحصوله زيدٌ ظريفٌ، فلذلك جازَ في معنى المعطوف الرَّفع.
قال جارُ الله: "وفيه وجهٌ آخرُ ضعيفٌ، وهو عطفه على ما في الخبر من الضمير".
قال المُشَرِّحُ: وفيه وجه آخرُ ليس بذلك، وتقول تعطف على ما في
стр. 1300
الخبر من الضمير المرفوع الراجع إلى اسم ["إن" لكنَّ] (١) العطف على هذا الضَّمير لا يَحسن إلا بعد التَّأكيد.
قال جارُ الله: "و"لكن" تُشَايِعُ "إنَّ" في ذلك دون سائر أخواتها".
قال المُشَرِّحُ: معنى الابتداء مع هذه الحروف قد زال إلا مع "إن" و"لكن"، أما مع "إن" فظاهر وأما مع "لكن" فظاهر أيضًا، لأن معناه لكن إن بخلاف "أن" فإن معناه على ما قد مضى معنى المفرد، وبخلاف سائر الحروف؛ لأن الغالب عليهما الفعلية فلا يبقى معها معنى الابتداء، ألا ترى أنك إذا قلت: ليت زيدًا قائم فليس معناه معنى زيدٌ قائمٌ، بل أتمنى أن يكونَ زيدٌ قائمًا، بخلاف إنَّ زيدًا قائمٌ، ولكن زيدًا قائمٌ، فإن معناهما معنى زيد قائم، ولكن زيد قائم.
قال جارُ الله: "وقد أَجرى الزَّجاجُ الصّفة مُجرى المعطوف، وحمل عليه قوله تعالى (٢): ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وأباه غيره وإنما يصح الحَمْل على المَحَلّ بعد مُضِىّ الجُملة".
قال المُشَرِّحُ: الزجاج (٣) يقول: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ مرفوع بأنَّه صِفَة ﴿رَبِّي﴾ والنَّحويون يقولون بأنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ.
واحتج الزَّجاج بقولهم: يا زيدُ الظَّريفَ، يجوز نصب الظريف حملًا على المحل كذلك ها هنا، رفع ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ حملًا على مَحَلّ "ربّي".
حجّة النَّحويين: إنما يُحمل على ﴿رَبِّي﴾ إذا استَقَرّ عليه معنى الابتداء، ولم يَستقر عليه إلا بعد مُضي الخبر.
فإن سألتَ فقد مضى الخبر ها هنا؟.