وأمَّا قولك: قد علمت إن زيدًا ليقوم إذ هي لامُ الابتداء، وأما قراءة سَعِيْدِ بن جُبَيْرٍ (١): ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ (٢) فقد قال أبو عُثمان (٣) فتح "إن" وجعلَ اللَّام زائدةً كما في قوله (٤):
* أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوْزٌ شَهْرَ بَهْ *
ومما عسى أن يكون من هذا الباب -أعني باب زيادة اللام- ما قاله ابن جني (٥) أخبرني أبو عَلِيٍّ أن أبا الحَسَنِ حكى أنَّ زيدًا وجهه لحسنٌ.
قالَ جارُ الله: "ولها إذا جامعتها ثلاثةٌ مداخلٍ، تدخل على الاسم إن فصل بينها وبين "إن" كقولك: إنَّ في الدَّارِ لَزَيْدًا، وقوله تَعَالَى (٦): ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ وعلى الخبر كقولك: إنّ زيدًا لقائم وقوله تعالى (٧): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وعلى ما يتعلق بالخبر إذا تقدمه كقولك إن زيدًا لطعامك آكل، وإن عمرًا لفى الدار جالس، وقوله تعالى (٨): ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقول الشاعر:
إنَّ امرءًا خَصَّني عَمْدًا مَوَدَّتَهُ … عَلَى التَّنائي لَعِنْديْ غيرَ مَكْفُوْرِ
ولو أخرت فقلت: آكك لطعامك، أو غير مكفور لعندي لم يجز؛ لأن اللَّام لا تَتَأَخَّر عن الإِسم والخبر".
стр. 1297
قال المُشَرِّحُ: الأصل: لإِنَّ في الدَّارِ زَيْدًا، ولإِنَّ في ذلك عبرةً، وكذلك بقية الأَمثلة كهذا (١)، لأن لام الابتداء كما تَدخل على الفعل في نحو قول امرئ القَيْس (٢):
* لَنَامُوا فَمَا إنْ مِنْ حَدِيْثَ وَلَا صَالِ *
تدخل على الحَرف أيضًا في نحو قوله (٣): ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾، و"إنَّ" في الحقيقة حرفٌ، فبعد ذلك لا تخلو من أن تغلبه الفعلية أو لا تغلبه، فإن غلبته وَجَبَ أن تَدخل عليه اللَّام كما في الفعل، وإن لم تَغلبه وَجَبَ أن تدخل عليه أيضًا، لأنه حرف [كما دخلت على الحروف] (٤).
فإن سألتَ: فلمَ فُرقَ بين إن ولام الابتداء؟.
أجبتُ: لأنَّ معناهما واحدٌ بدليل أنَّهما للتوكيد، ويقعان أيضًا جوابًا للقسم، فأخَّروا اللام.
فإن سألتَ: فلم لَمْ يُؤَخِّروا "إنّ"؟.
أجبتُ: لأنّ "إنَّ" عاملةٌ واللام غيرُ عاملةٍ والعامل أَقوى، فَوَجَبَ تأخير الأضعفِ هذا البيت لأبي زُبَيْدٍ الطَّائِي (٥)، وبعده:
стр. 1298
أَرْعَى وَأَرْوَى وَأَدْنَانِي وَأَظْهَرَنِيْ … عَلَى العَدْوِّ بِنَصْرٍ غَيْرِ تَعْذِيْرِ
يمدح بهذا الشّعر الوَليد بن عُقبة بن أبي مُعَيْطٍ، وكانت بني تغلب أخذت إبلًا لأَبي زُبَيْدٍ فأخذ له الوليد بحقّه من بَني تغلب وارتجع إبله. يقول: خَصَّني بمودته، وأَخذ لي بحقّي، ولم يكن بينَنَا ما يُوجب ذلك أَرْعَى: أي جَعَلَ لإِبلي ما تَرْعَاهُ، وأَرْوَى أي أَرْوَاهَا من المَاءِ، وأَظْهَرَنِي أي جَعَلَنِي ظاهرًا عليهم قاهرًا لهم. التقدير: أن يفعل الشيء فلا يبالغ فيه، يقول: إنه نَصَرَنِي نصرًا بالغَ فيه ولم يُقَصِّر.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتقول: عَلِمْتُ أنّ زيدًا قائمٌ، فإذا جئتَ باللَّام كسرتَ وعَلَّقْتَ الفعل قال الله تَعالى (١): ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: فرق بين: علمت إن زيدًا قائمٌ، وعلمت إن زيدًا لقائمٌ وذلك أن علمت أن زيدًا قائمٌ معناه: علمت قيام زيد، وأمَّا علمت إنَّ زيدًا لقائمٌ فمعناه: علمتُ زيدٌ قائمٌ، وبين المعنيين فرقٌ.
قال جارُ الله: "ومما يحكى عن جُرأَةِ الحَجَّاجِ على الله أن لسانه سَبَقَ بقَطْعِ العاديات إلى فتحة "إنَّ" فأسقط اللَّام".
стр. 1299
قال المُشَرِّحُ: يقول جَرَى على لسانِه فتحة "إن" فأسقط اللَّام من ﴿لَخَبِيرٌ﴾ (١).
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولأن محل المكسورة وما عملت فيه الرَّفعُ جازَ في قولِكَ: إنَّ زيدًا ظَرِيفٌ وعَمرًا، وإن بِشْرًا رَاكِبُ لا سَعِيْدًا، أو بَلْ سَعِيْدًا أن ترفع المعطوف حملًا على المحلّ، قالَ جرير (٢):
إنَّ الخِلَافَةَ والنُّبُوَّةَ فِيْهِمُ … وَالمَكْرُمَاتُ وَسَادَةٌ أَطْهَارُ"
قال المُشَرِّحُ: إذا قُلنا: إن زيدًا ظريفٌ فمحصوله زيدٌ ظريفٌ، فلذلك جازَ في معنى المعطوف الرَّفع.
قال جارُ الله: "وفيه وجهٌ آخرُ ضعيفٌ، وهو عطفه على ما في الخبر من الضمير".
قال المُشَرِّحُ: وفيه وجه آخرُ ليس بذلك، وتقول تعطف على ما في
стр. 1300
الخبر من الضمير المرفوع الراجع إلى اسم ["إن" لكنَّ] (١) العطف على هذا الضَّمير لا يَحسن إلا بعد التَّأكيد.
قال جارُ الله: "و"لكن" تُشَايِعُ "إنَّ" في ذلك دون سائر أخواتها".
قال المُشَرِّحُ: معنى الابتداء مع هذه الحروف قد زال إلا مع "إن" و"لكن"، أما مع "إن" فظاهر وأما مع "لكن" فظاهر أيضًا، لأن معناه لكن إن بخلاف "أن" فإن معناه على ما قد مضى معنى المفرد، وبخلاف سائر الحروف؛ لأن الغالب عليهما الفعلية فلا يبقى معها معنى الابتداء، ألا ترى أنك إذا قلت: ليت زيدًا قائم فليس معناه معنى زيدٌ قائمٌ، بل أتمنى أن يكونَ زيدٌ قائمًا، بخلاف إنَّ زيدًا قائمٌ، ولكن زيدًا قائمٌ، فإن معناهما معنى زيد قائم، ولكن زيد قائم.
قال جارُ الله: "وقد أَجرى الزَّجاجُ الصّفة مُجرى المعطوف، وحمل عليه قوله تعالى (٢): ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وأباه غيره وإنما يصح الحَمْل على المَحَلّ بعد مُضِىّ الجُملة".
قال المُشَرِّحُ: الزجاج (٣) يقول: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ مرفوع بأنَّه صِفَة ﴿رَبِّي﴾ والنَّحويون يقولون بأنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ.
واحتج الزَّجاج بقولهم: يا زيدُ الظَّريفَ، يجوز نصب الظريف حملًا على المحل كذلك ها هنا، رفع ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ حملًا على مَحَلّ "ربّي".
حجّة النَّحويين: إنما يُحمل على ﴿رَبِّي﴾ إذا استَقَرّ عليه معنى الابتداء، ولم يَستقر عليه إلا بعد مُضي الخبر.
فإن سألتَ فقد مضى الخبر ها هنا؟.
стр. 1301
أجبتُ: إنه مُضِيُّ كلا مضيٍّ، وهذا لأن من شأنِ الصفة أن تَعقب المَوصوف ونظير هذه المسألة: أين بيتك أزرك؟ وهل تأتينا فتحدثنا؟.
قالَ جارُ اللهِ: "فإن لم يمض لزمك أن تقولَ: إن زيدًا وعَمْرًا قائمان بنصب عَمْرْوٍ لا غيرُ".
قال المُشَرِّحُ: تقول: إنَّ زيدًا، وعمراً قائمان، ولا تقول وعمرٌو، كما لا يَجُوز هل من رجلٍ وحمارٌ موجودان برفع حمارٍ، فإن نصببت عمرًا جازَكما إذا جررت حمارًا فقلت: هل من رجلٍ وحمارٍ موجودان، والفَرَّاء (١) يجيز إن هذا وزيدٌ قائمان، وإن الذي عندك وزيدٌ قائمان إذا كان اسمُ "إنَّ" لا يتبين فيه الإِعراب، هذا إذا كان الخبرُ متعددًا وأما إذا كان غير متعدد فإنه يجوز كقوله (٢):
فمَنْ يَكُ أَمْسَى بالمَدِيْنَةِ رَحْلُهُ … فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيْبُ
وذلك أن هذا عطفُ جملةٍ على جملةٍ، ولا يجوز أن يكون عطف مُفْرَدٍ على مفرد.
قال جارُ الله: "وزَعَمَ سيبويه أن ناسًا من العرب يغلطون فيقولون: إنهم أجمَعون ذاهِبُون وإنَّك وزيدٌ ذاهبان، وذلك أن معناه معنى الابتداء فيرى أنه قال: هم كما قال (٣):
стр. 1302
* وَلَا سَابِقٍ شَيْئًا إذَا كَاْنَ جَاْئِيَا *"
قال المُشَرِّحُ: عند الفراء (١) يجوز إنهم أجمعون قومه، وإنه نفسه يقوم، وعلى ذلك ما ذكرنا في ما لا يتبين فيه الإعراب من المؤكد. قوله: فيُرى: هو بالياء المثناة التّحتانية مبنيًا للفاعل أي فيرى القائل ويُحتمل أن يكون مبنيًا للمفعول، وتَتِمَّةُ كلام سيبويه (٢): فتوهم الباء.
قال جارُ اللَّهِ: "وأمَّا قولُهُ: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ فعلى التَّقديمِ والتَّأخيرِ، كأنّه ابتدأ والصَّابِئُون بعد ما مضى الخبرُ وأنشدَ:
وإلَّا فَاعْلَمُوْا أَنَّا وَأَنْتُمْ … بُغَاةٌ مَا بَقِيْنَا فِي شِقَاقِ"
قال المُشَرِّحُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ (٣)، هذا اسم "إنّ"، وخبره الجملة الابتدائية وهي: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مرفوعٌ والخبرُ محذوفٌ تقديره: والصَّابِئُون كذلك، فهي عطفُ جملةٍ على جملةٍ، وكذلك معنى البيت، وإلا فاعلموا أنَّا بغاةٌ وأنتم كذلك. هذا البيتُ لبشر بن أَبي خَازِمٍ بالخاء المُعْجَمَةِ وقبله (٤):
إذا جُزَّتْ نَوَاصي آل بَدْرٍ … فأَدُّوها وأَسْرَى في الوِثَاقِ
وإلّا فَاعْلَمُوا .............. … .................. البيت
стр. 1303
الشِّقاق: هي العداوة وأصله من [شقِّ]، (١) الوادي. سبب هذا الشعر أن قومًا من آل بَدْرٍ من الفَزَارِيِّين جاورُوا بني لام من طيء فعمد بنو لام إلى الفزاريين فجَزُّوا نواصيهم، وقالوا: مننا عليكم ولم نقتلكم، فغضب بنو فَزَازَةَ من أجلِ ما صَنَعَ بنو لامٍ بالفزاريين، فيقول بشر قد جزرتم نواصيهم فاحملوها إلينا وأَطلقوا من أسرتُم منهم وإن لم تفعلوا فإنا نطلبكم فإن أصبنا منكم أحدًا طلبتمونا، فصارَ كلّ منا ظلم يطلب صاحبه والمعنى بقينا متعادين أبدًا.
تخمير:
ها هنا أربع من المسائل.
إن زيدًا وعَمْرًا منطلق لا تجوز.
إن زيدًا وعَمْرٌو منطلق جائز.
إن زيدًا وعمرًا منطلقان جائز.
إن زيدًا وعَمْرٌو منطلقان لا تجوز.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا يجوز إدخال "إن" على "أن"فيقال: إنّ أن زيدًا في الدارِ، إلا إذا فُصل بينهما كقولك: إن عندنا أنّ زيدًا في الدَّارِ".
قال المُشَرِّحُ: إنما لا يجوز إن أن (٢) زيدًا في الدار، لأنهما حرفان مُتجانسان لفظًا اجتمعا لمعنىً.
فإن سألتَ: فكيفَ جاز تكرار "أن" في قولك: إن أن زيدًا منطلق وقوله:
* [مُرَّ يا مُرَّ مُرَّة بنَ تُلَيْدٍ] (٣) *
стр. 1304
أجبتُ: بين هذه الصُّورة وتلك الصُّورة فرقٌ، وذلك أن إحدى الكلمتين هناك كالزيادة، وأمَّا ها هُنا فبخلافه، بدليل إنّ كلَّ واحدٍ من الحرفين لا بد له من اسم وخبر، ونظيره قولهم -على مانقله سيبويه-: إن زيدًا لما لينطلقن، ومما يجانس هذه المسألة بعينه بعض الحلو من الأغذية بين الحامضين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتخففان فيبطل عملهما، ومن العرب من يعملهما، والمكسورة أكثر إعمالًا، ويقعُ بعدهما الفعل".
قال المُشَرِّحُ: أعلم أن التَّخفيف والكف بـ "ما" في هذا الباب بمنزلة التعليق في أفعال القلوب، وهذا لأن الاسمين أصلهما الابتداء، فبأدنى شيء يعودان إلى أصلهما وإن كانت إنَّ المكسورة أكثرُ إعمالًا لقوتها واستقلالها بفائدتها ولذلك بقيت معها الجُملة على حالها بخلاف المفتوحة و ["إن" مستضعفة] (١) ولذلك انقلب معها الاسم إلى تأويل المفرد.
قال جارُ الله: "والفعل الواقع بعد المكسورة يجب أن يكون من الأَفعال الدَّاخلة على المُبتدأ والخبر، وجوز الكوفيون غيره".
قال المُشَرِّحُ: هذه الحروف حقها أن لا تدخل إلا على اسمين هما مبتدأ وخبر، فإن دخلت على الفعل فلا بد أن تدخل على فعل داخل على المبتدأ والخبر، حتى لا يفوت على هذه الحروف دخولها على المبتدأ والخبر رأسًا.
وأما حُجَّة الكوفيين فعما قليل تساق إليك.
قال جارُ اللهِ: "ويَلْزَمُ المَكْسُوْرَةِ اللَّام في خبرها، والمفتوحة تُعوض عمَّا ذهب منها أحدُ الأحرف الأربعة: حرف النفي وقد وسوف والسين تقول:
стр. 1305
إن زيدٌ لمنطلقٌ ﴿وَإِنْ كُلٌّ (١) لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (٢) وقُرِئَ (٣) ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ على الإِعمال وأنشدوا:
فَلَوْ أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخَاءِ سَأَلْتِنِي … طَلَاقَكِ لَمْ أَبْخَلْ وأَنْتِ صَدِيْقُ
وقال تعالى (٤): ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (٥) وقال (٦): ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ " (٧).
قال المُشَرِّحُ: اِعلم أن بين البصريين والكوفيين في نحو قوله (٨): ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ خلافًا فالكوفيون يقولون: "إن" ها هنا بمعنى النافية، واللام بمعنى "إلا" الاستثنائية، وكان الكسائي يوافق الكوفيين إذا كان بعد إن فعل إذ النفي يطلب الفعل، ويوافق البصريين إذا كان بعدها اسمٌ. قال أبو سَعيْدٍ السِّيرافي ولو جاز أن تكون اللام بمعنى "إلا" لجاز أن نقول: جاءَني القوم لزيدًا بمعنى إلا زيدًا. والبصريون يقولون بأن إن ها هنا هي المخففة، واللام هي الفارقة بين "إنْ" المخففة و"إنَّ" النافية، وهذا لأن "إنَّ"
стр. 1306
و "أنَّ" إذا خُففا فربما اشتبهتا بـ "إن" النافية و"أن" المصدرية. وأمَّا [المكسورةُ] فيلزم خبرها اللام للفرق، وهي في الأصل لام الابتداء. وأمَّا المفتوحة فلا تخلو من أن تدخل على جملة إسمية أو فعلية، فإن دخلت على جملة إسمية فلا حاجة إلى الفرق، ضرورة أن "إنْ" المصدرية لا تدخل على الاسم وإن دخلت على جملة فعلية فلا (١) تخلو من أن تدخل على فعل ماض أو غيره، فإن دخلت على ماضٍ لا تخلو من أن يكون مُثبتًا أو منفيًا، فلئن (٢) كان منفيًا فلا بُدَّ من أن يكون معه حرف النّفي، وإن كان مثبتًا فلا بد معه من "قَدْ" ضرورة أن "قد" لتقريب الماضي من الحال (٣)، وتقريبُ الماضِي من الحالِ ليس من معنى المَصدر في شيءٍ، والمَصدرية متى اقترنت بالفعل لم تفد غير نفس المَصدر، ولذلك انسلخ معها الفعل عن الاستقبال في نحو قوله:
إِذَا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوْا … أنْ لَا تُفَارِقَهُم فالرَّاحِلُونَ هُمُ
وإن دَخَلَتْ على غَيْرِ ماضٍ فلا بدّ من أن يكون مضارعًا، بعد ذلك لا يخلو من أن يكون للحالِ أو الاستقبالِ، فإن كان للحال لا يخلو من أن يكون مثبتًا أو منفيًا، فإن كان مثبتًا فلا بدَّ معه من "قد"، وإن كان منفيًا فلا بد معه من السِّين أو سوف، وإن كان منفيًا فلا بد معه من "لا" النافية.
فإن سألتَ: فيمَ تقع التفرقة (حِيْنَئِذٍ) (٤) بين "إنْ" المصدرية وبين "إنْ" المخففة، وهذا لأن "لا" النافية كما تقترن بالمخففة تقترن بالمصدرية وذلك إذا قلت: علمتُ أن لا تخرج وأن لا تخرج؟.
стр. 1307
أجبتُ: التفرقة بينهما تقع من حيث المعنى، وذلك أنه إن عنى بالفعل الاستقبال فهي المُخففة، وإن عنى به نَفْس [المصدر فهي] (١) المصدرية كقولك: عجبت من أن لا يُعطى زيدٌ يومَ يُعطى الناس، فإن كان يوم يعطى النّاس مترقبًا فهي المُخففة، وإلّا [فَـ]ـهي (٢) المصدرية.
فإن سألتَ: كيفَ تحقيق معنى "إنْ" على المذهب البصري في قوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾.
أجبتُ: معناه إنَّك لمن الكاذبين في ظَنّنا، وإنَّ أكثرهم لفاسقين في وِجْدَاننا﴾.
كنت (٣) قد سمعتُ: "أنك" و"سألتني" و"فراقكَ" بفتح الكاف والتاء ثم أَخَبَرَنِيْ مُسْمِعِي بعدَ كَذَا وعشرين سنةً أنها بالكَسْرِ، كَذَا نَقَلَهُ ابن الأنباري عن الفَرَّاء في (الزَّاهر) (٤) [قال وأنشده في باب (تذكير المؤنث) يصف بالسخاء نفسه] (٥).
قال جارُ اللهِ: "وأَنْشَدَ الكُوفِيُّونَ:
بِاللَّهِ رَبِّكَ إن قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا … وَجَبَتْ عَلَيْكَ عُقُوْبَةُ المُتَعَمِّدِ"
стр. 1308
قال المُشَرِّحُ: الرِّوَايَةُ: "بِاللَّهِ رَبِّكَ" بالباء المُوحدة، وأنشده ابن جِنّي في (سرّ الصِّناعة) (١) (شَلَّتْ يَمِيْنُكَ) كأنه قال: إنّك قتلت مسلمًا فلذلك وَجَبَتْ عليك عُقُوبة المُتعمد.
قال جارُ اللهِ: "ورووا" إِن تَزِيْنُكَ لَنَفْسُكَ، وإنْ تَشِيْنُكَ لَهِيَهْ" … ".
قال المُشَرِّحُ: تفسير الكُوفيين ها هنا أسوغُ مذاقًا.
فإن سألتَ: فكيف تطبيق الكلام على مذهب البصريين على أن الشيخ أبو علي الفارسي قد قال (٢) فالمكسورة إذا خُففت لا يكون ما بعدها إلا على إضمار القصة والحديث؟.
أجبتُ: لعل معناه: إنك لَنَفسك تَزينك، وكذلك تأويل "إن" في
стр. 1309
البيت إنك لمسلمًا قاتلٌ واجبٌ عليك عقوبة المُتعمد، وهذا بمنزلة قولهم: إن زيدًا لطعامك آكل.
قال جارُ الله: "وتقول: علمت إنْ زيدٌ منطلقٌ والتقدير: إنه زيد منطلق وقال الله تعالى (١): ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وقال:
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا … أَنْ هَالِكٌ كلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ
وعلمتُ أن لا يخرجَ زيدٌ، وأن قد خَرَجَ وأن سوفَ يخرجَ وأن سيخرجَ قال الله تعالى (٢): ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ وقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: الشَّيخُ أبو عليٍّ الفارسي في "إنَّ" المفتوحة المشدّدة لا تخفف؛ أنَّ هذه إلا، وإضمار القصة والحديث يُراد معها. أن المفتوحة في البيت لما دخلت على الجملة الاسمية لم تحتج معها إلى التعويض.
فإن سألتَ: فاين التَّعويض في قوله (٣): ﴿وَأَنْ لَوْ اسْتَقَامُوا﴾ وفي قراءةِ نَافِعٍ (٤) ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَ﴾؟.
أجبتُ: ما في "لو" من معنى النَّفي، ولذلك لو قلتَ: جاءني رجلٌ إلا زيدٌ لجاز أن يكون "إلا زيد" على الوَصف وأن تكون على الاستثناء قالوا لأن "لو" يشوبها معنى النفي، ولهذا أجاز المبرد أن تكون "إلا" في قولك لو كان معي رجل إلا زيدٌ استثناء وقد علمت أنّ البدلَ في الاستثناء لا يكون إلا في
стр. 1310
غيرِ المُوجب من الكلام ولذلك جاز في الشَّعر أن تفعلين تشبيهًا للجزاء بالذي.
فإن سألتَ: هذا معارض لما نقلته عن الشيخ ﵀ في قسم الأسماء من أن "لو" بمنزلة "إن" في أن الكلام معه موجب؟.
أجبتُ: إذا وقع تعارض بين معنى نص الشَّيخِ والمُبرد وفَّقنا بينهما فقلنا: ذلك قبل تمام المجازاة عند ذكر الشرط والجزاء، أما بعد تمام المجازاة فلا، وذلك أنها بمجموعها تجعل عبارة عن النفي ومنه قوله تعالى (١): ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾.
أمَّا قراءةُ نافع فكون الفعلِ دعاءً يعرف أنها ليست بالمصدرية وهذا لأنَّ كونَ الفعل دعاءً ليس من معنى المَصْدَرِ في شيءٍ. وأمَّا قوله تعالى (٢): ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ فحرف الشَّرطِ هنا قد سدَّ مسدَّ السين وسوف، ومن قال بأن "أن" ها هنا هي المصدرية فقد وَهِمَ، لأن ما نزل في الكتاب سماعهم، ولأن "إذا" يمتنع أن تكون هي المصدرية ومثلها قوله (٣):
هَلْ في القَضِيَّةِ أنْ إِذَا اسْتَغْنَيْتُمُ … وأَمِنْتُمُ فأنَا البَعِيْدُ الأَجْنَبُ
من التَّبيين في الدّلالة على وجوبِ ذلك التقدير، أعني: تقدير إِضمار الشأن والقصة ببيت الأعشى (٤) ها هُنا، ومن أجلِ ذلك جاز تقديم "هالك"
стр. 1311
ولو كانت الجملة بعدها إذا خففت باقيةً على حكمها قبل التخفيف لوجب أن لا يجوز "هالك". قال الإِمامُ عبدُ القاهرِ الجُرْجَانِيُّ: كما لا يجوز أن يقول أن هالكٌ كل من يحفى وينتعل. "من يحفى" بالحاء المهملة هو الفقير ومن ينتعل هو الغني. يقول: في فتية كالسيوف في مضائهم في الأمور وقد علموا أنه لا ينجو من الموت أحد، فهم لا يبالون بالموت، ونحوه في المعنى ما أَنشدنِيْه بعضُ كبارِ الأَئِمَّةِ ببُخارى:
عَلَيْها رِجَالٌ من خُرَاسَانَ أَيْقَنُوا … بأنَّ الفَتَى مِنْ مَوْتِهِ غَيْرُ سَالِمِ
ويحتمل أن يكون المعنى أنَّهم صِبَاحٌ وجوههم كالسيوف ضياؤها، وقد علموا أن الهلاك يشتمل على الناس كلهم فهم يسعون لنيل الملاذ قبل أن يحال بينها وبينهم.
البيتُ للأعشى، وقبله (١):
وقَدْ غَدَوْتُ إِلى الحانُوتِ يَتْبَعُني … شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُوْلٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ
الشَّاوي: هو الشّواء، والمِشَلُّ: هو الذي يشلُّ في السَّفود اللحم من شللت الثَّوب: إذا خطتُهُ خياطةً خفيفةً. والشُّلُوْلُ بمعنى المِشَلِّ، وقيل: الشلول: هو الذي عادته ذلك. رجلٌ شُلْشُلٌ -بالضم- أي: خَفِيْفٌ عن الجوهري (٢). يقول: أغدو إلى بيت الخمار ومعي غلامُ شوَّاءٌ طبَّاخٌ.
стр. 1312
قال جارُ الله: " (فصْلٌ) والفعلُ الذي تَدْخُلُ عليه المَفْتُوحَةُ مشدَّدة أو مُخَفَّفَةٌ يجب أن يُشاكلها في التَّحقيق كقوله تعالى (١): ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ وقولُه تعالى (٢): ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ فإن لم يكن كذلك نحو أرجو وأطمع وأخاف فلتدخل على "إنْ" الناصبة للفعل كقوله تعالى (٣): ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ وكقولك: أرجو أن يحسنَ إليّ، وأخاف أن تسيءَ إليّ، وما فيه وجهان كظننت وحسبت وخلت فهو داخل عليهما جميعًا، تقول: ظننتُ أن تَخرج وأنك تَخرج وأن ستخرج وقرئ قوله (٤): ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ بالرَّفع والنَّصب".
قال المُشَرِّحُ: يعني بالوجهين في قوله: "وما فيه وجهان" الشَكُّ واليَقين لأنَّ هذه الأفعال تُستعمل مرةً للشك (وأُخرى) (٥) لليَقِيْن.
اِعلم أن الأفعالَ على ثلاثةِ أضرُبٍ:
فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره.
وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار.
وفعلٌ كَرَبَ إلى هذا مرةً، وإلى ذاك أخرى، فالأول: نحو العلم اليقين والثَّاني: نحو الخوف والطَّمع، والثَّالثُ: نحو حسبت وزعمت وظننت، فبعد الأول تقع المشدَّدة وبعد الثاني المخففة، وبعد الثالث تقع تلك مرة وهذه أخرى، فأمَّا استعمالهم إياه استعمال العلم فقوله تعالى (٦): ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ وكذلك قوله (٧): ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ
стр. 1313
الْإِنْسُ والْجِنُّ [عَلَى اللَّهِ كَذِبًا] (١)﴾ إنْ ها هُنا هي المخففة من الشَّدِيْدة لأن "إنْ" الناصبة لا تقعُ بعدها "لن" حتى لا يجتمع في الدِّلالة على معنى الاستقبال حرفان، كما لا يَجتمع "إن" الناصبة بالسين، وكذلك قوله تَعالى) (٢): ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ أما استعمالهم إياه (٣) كاستعمال الحرف فقوله تَعالى (٤): ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾.
تخمير: لو قلت: علمت إن تقول لم يَحسن حتى يأتي بما يكون عوضًا نحو "قد" و "لا" و "سوف" و "السين".
فإن سألتَ: فما تقول في قولِهِ تعالى (٥): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فإنه لم يَدخل بين "إن" و"ليس" شيءٌ؟.
أجبتُ: قال الشيخُ أبو علي الفارسي فإنما جاءَ هذا لأن "لَيس" ليس بفعل (٦).
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتخرج "إنّ" المكسورة إلى معنى "أَجَلْ" قال:
وَيَقُلْنَ شيْبٌ قَدْ عَلَاكَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهْ
وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ: "إنَّ وَرَاكِبَهَا".
قال المُشَرِّحُ: هذا كما لو قِيلَ: أعطاك زيدٌ فقلت إنه أي: أجل، لا أنه أُلحق به في الوَقف الهاء لبيان فَتحة النُّون كراهية أن تسكن فتسقط، لأنَّهم لم يقفوا على مُتحرك، وإنما جاز ذلك في أن، لأنها لما كانت تحقق معنى
стр. 1314
الكلام الذي تكلم به المتكلم نحو إنَّ زيدًا راكبٌ خرجت إلى تحقيق معنى الكلام الذي تكلم به السَّائل. قال الأعرابي لعبد الله بن الزُّبير (١): "لَعَنَ اللهُ ناقةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ"، فقالَ لَهُ: "إِنَّ وَرَاكِبَهَا" ما قَبْلَ البيت (٢):
بَكَرَ العَوَاذِلُ في الصَّبُوحِ يَلُمْنَنِي وَأَلُوْمُهُنَّهْ
وَيَقُلْنَ ............................... البيت
قال جارُ اللهِ: "وتخرج "إن" المفتوحة إلى معنى "لعلَّ" (في) قولهم: إِيتِ السُّوق إنَّك تَشْتَرِيْ لَحْمًا".
قال المُشَرِّحُ: أصلها ائت السُّوق لانَّكِ تَشْتَرِي لَحْمًا، و"إنَّ" مع اللام تجري مجرى "لعل" في مواضع كثيرة، تقول: أطع ربَّك لأنك تُفلح ولعلك تفلح بمعنى وقال حُطَائِطُ بن يَعْفُر (٣):
أَرِيْني جَوَادًا ماتَ هُزلًا لَعَلَّنِي … أَرى مَا تَرَيْنَ [أو بَخِيْلًا] (٤) مُخَلَّدَا
ويروى: (لأنّني أرى) قال المَرْزُوْقِي (٥): هو بمعنى: لَعَلّني، وبيتُ أَبي النَّجم (٦):
стр. 1315
* واغد لعنَّا في الرِّهان نُرسله *
وبعضهم يُنشد "لأنَّا" أي: لَعَلّنَّا، ثم يحذف اللَّام لكثرةِ دورها في الكلام، وعليه قوله تعالى (١): ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال جار اللهِ: "وتُبدِلُ قَيْسًا وتَمِيْمًا همزتها عينًا فتقول: أشهد عَنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ".
قال المُشَرِّحُ: هذا كإِيْرَادِهِمْ بيتَ ذِيْ الرُّمة (٢):
* أَأَنْ تَرَسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً *
"أَعَنْ تَرَسَّمْتَ"، وهي عَنْعَنَةُ تميمٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "لكنَّ" وهي (٣) للاستدراك، توسطها بين كلامين متغايرين نفيًا وإيجابًا، وتستدرك بها النّفي بالإِيجاب، والإِيجاب بالنفي، وذلك قولك. ما جاءَني زيدٌ لكنَّ عمرًا جاءَني، وجاءَني زيدٌ لكنَّ عمرًا لم يجئ".
قال المُشرِّحُ: "لكن" لها شريطتان:
أحدهما: أن تَتَوسط بين كلامين متغايرين نفيًا وإيجابًا.
стр. 1316
الثاني: أن يتناسب المتغايران لو قلت: جاءَني زيد لكنَّ عمرًا لم يضرب لم يجز.
فإن سألت: ما معنى الاستدراك؟
أجبتُ: رفع وهم تولّد عن كلام متقدم رافعًا شبيهًا بالاستثناء، ومن ثم قالُوا الاستثناء في ["لكن" بمعنى الاستدراك] (١)، فإن كان ما قبلها نفيًا كان ما بعدها موحبًا مستدركًا له ما نُفي عَمّا قبلها كما وصفنا، وكذلك معنى الاستثناء إذا قلت: ما جاءَني القوم إلا زيدًا، ألا ترى أنَّك نفيت المجيء عن القومِ وأثبته لزيدٍ وكذلك إذا قلتَ: جاءَني القوم إلا زيدًا فقد أوجبت المجيء للقوم ونفيته عن زيد. قال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ (٢): وقد أجرت "إلا" مجرى لكنْ إذا قلت: ما في الدَّار إنسانٌ إلا حمارًا أي: لكن حمارًا وإذا قلت: إن لفلانٍ مالًا إلا أنه شقيٌّ، والمعنى لكنّه يترك الانتفاع به وكذلك إذا قلت: إن لزيدٍ مالًا لكن عَمْرًا شَقِيٌّ وإلا أن عَمْرًا شقيٌّ جاز (٣) لتقارب معنييهما.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والتغاير في المعنى بمنزلته في اللَّفظ كقولك: فارقني زيدٌ لكن عَمْرًا حاضِرٌ، وجاءَني زيدٌ لكن عمرًا غائبٌ، وقولِهِ (٤) ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ على معنى النَّفي وتضمن ما آراكهم كثيرًا".
قال المُشَرِّحُ: قوله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: عَصَمَ وأَنْعَمَ بالسَّلامة من الفشل والتنازع في الاختلاف.
قال جارُ اللهِ: " (فصل): وتخفف فيبطل عملها كما يبطل عمل "إنَّ" و"أنَّ" وتقع في حروف العطف على ما سيجيء بيانه".
стр. 1317
قال المُشَرِّحُ: "لكنَّ" و"لكنْ" متقاربتا المعنى إلا أنَّ المشددةَ من الحروف المُشبهة والمخففة من حروف العَطف. قال أبو حاتِمٍ: إذا كانت "لكن" بغير واو في أولها فالتَّخفيف فيها الوجه، نحو ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ﴾ (١) ونَحوه، لأنَّها بمنزلة "بل" من جهة أنَّها لا تدخلُ عليها الواو، ولأنها من حروفِ العطف. وإذا كانت بالواو في أولها فالتَّشديدُ فيها هو الوجه وإن كان الوجهان جائزان.
قال جارُ اللهِ: ""كأنَّ" هي للتَّشبيه ركبت الكاف مع "أن" كما ركبت مع "ذا" و"أي" في كذا وكأي وأصل قولك: كأنَّ زيدًا الأسد، أنَّ زيدًا كالأسد، فلما قدمت الكاف فتحت لها الهمزة لفظًا و [المعنى على الكسر] (٢) ".
قال المُشَرِّحُ: كَذَا، وكأيْ قد مضيا في قسم الأسماء.
قال جارُ اللهِ: [(فصلٌ) والفرق] (٣) بينه وبين الأصل أنك (٤) ها هنا بانٍ كلامك على التَّشبيه من أول الأمر، ومن ثمَّ بعد مضي صدره عن الإِثبات".
قال المُشَرِّحُ: إنما فَتَحُوا الكاف (٥) مع "إن" لأنها (٦) لا تدخل على المفرد وراعوا حقها لفظًا، وإن كان المعنى على الكسرِ، لكونها جملةً، وهذا كقولك: الضارب زيدٌ، [فإنَّ ضارب في قولك: الضارب فعل، بدليل أنك قلتَ: جاءَني] (٧) فمعناه: الذي ضربَ زيدًا جاءَني لكنه أخرج في معرض الاسم مراعاة للام نظير كأنَّ زيدًا الأسدُ، اضرب إمَّا زيدًا وإمَّا عمرًا ونظير زيدٌ كالأسد اضرب زيدًا أو عمرًا.
стр. 1318
قال جارُ اللهِ: " (فصل) وتخفف فيبطل عملها، قال (١):
ونَحْرٍ مُشْرِقِ اللَّوْنِ … كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ
ومنهم من يُعملها قال:
* كَأَنْ وَرِيْدَيْهِ رشاءُ خُلْبِ *
قال المُشَرِّحُ: الخُلْبُ: هو اللِّيف. الرِّوايةُ المشهورة (٢) (كأنْ وَرِيْدَاهُ).
قال جارُ اللهِ: "وفي قوله:
* كَأَنْ ظَبْيَةٌ تَعْطُوْ إِلَى نَاضِرِ السَّلَمْ *
ثلاثةُ أوجهٍ الرَّفعُ والنَّصبُ، والجَرُّ على زيادة "أن"".
قال المُشَرِّحُ: أمَّا الرَّفعُ فعلى إبطال عملها. وأمَّا النَّصبُ فعلى إعمالها. وأمَّا الجَرُّ فكما ذكره الشيخ ﵀ على زيادة "أن".
هذا البيت لِعلْبَاءَ بن أَرْقَمٍ اليَشْكُرِيِّ، وأول البيت (٣):
стр. 1319
فيومًا تُوَافِيْنَا بِوَجْهٍ مُقَسَّمٍ … كأن ................ البيت
وبعده:
ويَوْمًا تُرِيدُ مالَنَا مَعَ مَالِهَا … فإنْ لَمْ نُنِلْهَا لَمْ تُنِمْنَا وَلَمْ تَنَمْ
حذف اسم "كأن" واسمها ضميرٌ يعود (١) إلى المرأة التي تقدم ذكرها يريد: كأنها ظبيةُ. الوجه المقسم: هو الحسن، وأصله القسمة كأن كل موضع منه أُعطي حقَّه وقسمته من المناسبة. تعطو: تمدُّ يدها (٢) إلى أغصان الشجر فتميلها وتأكل منها، وقوله (*): "ويومًا توافينا بوجه مقسم" ننلها من الإِنالة، يريد: فإن منعناها المَطلوب آذتنا (٣) وكلمتنا بكلام يمنعنا النوم (٤).
قال جار اللهِ: "ليتَ" هي للتمني كقوله تعالى (٥): ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾، ويجوز عند الفَراء أن تجرى مجرى أَتمنى (٦) فيقال: ليتَ زيدًا قائمًا، كما يُقال: أَتَمَنَّى زَيْدًا قائِمًا، والكِسَائِيُّ يجيز ذلك على إضمار كان والذي غَرُّهُما منها قول الشاعر:
стр. 1320
* يا لَيْتَ أيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا *
وقد ذكرت ما هو عليه عند البصريين".
قال المُشَرِّحُ: وقد مضى الكلام في هذه المسألة في قسم الأسماء متنًا وشرحًا، وتقديره عند الكسائي (١): يا ليتَ أيامَ الصِّبا كائنةً رواجعًا.
قال جارُ اللهِ: "وتقول: ليتَ أنَّ زيدًا خارجٌ وتسكت كما تسكت على ظننتُ أن زيدًا خارجٌ".
قال المُشَرِّحُ: ابنُ السَّرَّاجِ: تقولُ: ليت أن زيدًا منطلقٌ، فأصل هذا الابتداء والخبر فينوب عن خبر "ليت"، ولا يجوز ليتَ أن يقوم زيد حتى يأتي بخبر.
قال جارُ اللهِ: "لعلَّ" هي لتوقُّعٍ مرجوٍ أو مخوفٍ، وقوله تعالى (٢) ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) ترجٍّ للعِبَادِ، وكذلك قوله (٤) ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ معناه اذهبا أنتما على رجائكما ذلك من فرعون".
قال المُشَرِّحُ: سيبويه (٥) معنى "لعل" و"عسى" طمع وإشفاق، وقد تخرج إلى معنى "كي" فيكون معناها الإِيجاب والتحقيق، وعلى ذلك تفسير أكثر المفسرين قوله (٦): ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: تتقون الشركَ والفواحشَ، وقوله (٧): ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
стр. 1321
تُفْلِحُونَ﴾ أي: تفلحون بالبقاء في دار نعيم مقيم، وقوله (١): ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: ولتشكروا، وهذا تدريس، وتحقيقه ما ذكره الشيخ ﵀.
[قالَ جارُ اللهِ: "وقد لَمح فيها معنى التَّمني من قرأ (٢) ﴿فَاطَّلَعَ﴾ بالنَّصب، وهي في حرفِ عاصمٍ".
قال المُشَرِّحُ: ذلك لأن من يَطمع في الشيء يتمناه] (٣).
قال جارُ اللهِ " (فصلٌ) وقد أجازَ الأَخفش لعلَّ أن زيدًا قائمٌ قاسها على "ليتَ" وقد جاءَ في الشّعر (٤):
لعلَّك يومًا أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ … عَلَيْكَ مِن اللَّائِيْ يَدَعْنَكَ أَجْدَعَا
قياسًا على"عسى"".
قال المُشَرِّحُ: أجراه مَجرى عساك أن تُلم ملمةٌ، كما أجرى "عسى" مجرى "لعل في قوله (٥):
* عَسَاكَ تُعْذَرُ إن قَصَّرْتَ في مَدْحِي *
стр. 1322
قال جارُ الله: " (فصلٌ: وفيها لغات لَعَلَّ وَعَّل (١) وأنَّ ولأنَّ ولَغَنَّ ولَعَنَّ وعند أبي العباس أَصْلُها "عل" زيدت عليها لامُ الابتداء".
قال المُشَرِّحُ: الشاهد بصحة قول أبي العباس وجهان:
أحدهما: قولهم علَّ بمعنى لعل.
وثانيهما: أنَّك لو سميت بـ "لعل" حكيت كما لو سميت بكأن، ولو كان مفردًا لما وجبت فيه الحكاية.
فإن سألت: لو كانت لام الابتداء لجاز (٢) في قولك: لعلَّ زيدًا منطلق وعمرو بالرَّفْعِ كما جازَ إن زيدًا منطلقٌ وعمروٌ؟
أجبت: لام الابتداء كما تدخل على المبتدأ تدخل على ما كان مبتدأ تقول: إن كان زيدًا لهو الظَّريفُ، وقوله : ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ﴾
стр. 1323
[بابُ حروف العطف]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحروف:
" حروف العطف"
قال المُشَرِّحُ: العطفُ في الكلمةِ المُختلفة نظيرُ التَّثنية في الأسماء المُتَّفِقَةِ.
قال جارُ اللهِ: "العطف على ضَرْبَينِ عطفُ مفردٍ [وعطف جملةٍ على جملةٍ".
قال المُشَرِّحُ: إذا] (١) عطفت مفردًا على مفردٍ فهو بمنزلة كلامٍ واحدٍ وكذلك إذا قلتَ: زيدٌ ضربتُ عمرًا وأخاه، وزيدٌ ضربتُ عمرًا ثم أخاه، وزيدٌ ضربت عمرًا أو أخاه، جاز، ولو قلت: زيدٌ ضربتُ عمرًا وضربت أخاه لم يجز لأنَّ الثاني وإن صار فيه الثاني ملتبسًا بالأول لكن في كلامٍ آخر فلم يُغن غناء الأول.
قال جارُ اللهِ: "وله عشرةُ أحرفٍ: فالواو والفاء وثم وحتى أربعتها على جمع المعطوف للمعطوف عليه في حكمٍ، تقول: جاءني زيد وعمرو، وزيد
стр. 1324
يقوم ويقعد، وبكر قاعد وأخوه قائم، وأقَامَ بشرٌ وسافرَ خالدٌ، فتمع بين الرجلين في المجيء، وبين الفعلين في إسنادهما إلى زيدٍ، وبين مضموني الجملة في الحصول".
قال المُشَرِّحُ: ليس في حروف العطف ما يوجب المشاركة بين الثاني والأول سوى هذه الثلاثة أعني: الواو والفاء وثم، وأنها كالأصول و "سوى" "حتى" وسائرها توقع الشّركة بينهما في اللَّفظ دون المعنى، ثم الذي هو أصل لهذه [الأصول] (١) هو الواو، والدَّليل على ذلك أنها لا تُوجب إلا الاشتراك [بين الشيئين] (٢) في حكمٍ واحدٍ، وسائر حروف العطف تُوجب زيادة حكم على هذا ألا ترى أنَّ الفاء توجب الترتيب، و "أو" للشك، و "بل" للإِضراب، فلما كانت في هذه الحروف زيادة معنى على حكم العطف صارت في المعنى كالمركبة والواو مفردةٌ، والمفردةُ قبل المركبة (٣).
فإن سألت فما الفرق بين قولك: قام زيد قام عمرو وبين قولك قام زيد وقام عمرو؟.
أجبت: الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: ما ذكره الإِمام المحقق عبدُ القاهر الجُرْجَانِي (٤) من أن عطف الجملة على الجملة يقتضي أن يكون بينهما تناسب، بدليل أنك لو قلت زيدٌ قاعدٌ وعمرٌو شاعرٌ لم يحسن، ولذلك عابُوا على أبي تمام قوله:
لَا وَالَّذِي هُوَ عَالِمٌ أنَّ النَّوى … صَبِرٌ (٥) وأنَّ أَبَا الحُسَيْنِ كَرِيْمُ
стр. 1325
هذا محصولُ كلامه.
والثَّانِي: أنَّك في الأولِ تقولُ: ادّعى قيامَ زيدٍ ادَّعى قيامَ عمرٍو من غير أن تصرح بتثنية الدَّعوى.
فإن سألت: فما الفرق بين قولك: قامَ زيدٌ قامَ عَمرٌو، وبين قولك: قامَ زيدٌ وقام عمرو وبين قولك: قام زيد وعمرو؟.
أجبتُ: بين ذلك فرق، لأنَّك بالثالث كما لا تصرح بتثنية الدَّعوى لا تثني أيضًا الدَّعوى، وفي الأول إن كنتَ لا تصرّح بتثنية الدَّعوى لكنك تثني الدعوى، وفي الثاني تصرح.
قال جارُ اللَّهِ: "وكذلك ضربتُ زيدًا فعمرًا، وذهب عبدُ اللَّه ثم أخوه ورأيتُ القومَ حتَّى زيدًا، ثم أنها تفترق بعد ذلك".
قال المُشَرِّحُ: هذه الحُروف معانيها تُساق إليك عن قريب.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) فالواو للجمع المطلق من غير أن تكون المبدوء به داخلًا في الحكم قبل الآخر، ولا أن تُجمعا في وقتٍ واحدٍ، بل الأمران جائزان، وجائز عكسهما نحو قولك: جاءني زيدٌ اليوم وعمرو أمس، واختصم بكر وخالد، وسيَّان قعودك وقيامك وقال اللَّه تعالى (١): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وقال (٢): ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ والقِصَّةُ واحدةٌ".
قال المُشَرِّحُ: في قولك جاءني زيدٌ اليومَ وعمرٌو أمسِ جازَ الواو وإن لم يَقترن الفعلان، وفي قولك: اختصم بكر وخالد جارُ الواو مع اقتران الفعلين، وفي قولك: سيَّان قعودك وقيامك جازَ الواو مع استحالة اقترانهما، وفي
стр. 1326
قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ مع اقترانهما. حِطّةٌ: أي: حِطّ عنا ذُنُوبَنَا.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وقال سيبويه (١): ولم تجعل للرجل منزلة بتقديمك إياه يكون أولى بها من الحمار كأنك قلت مررت بهما".
قال المُشَرِّحُ: أي إذا قلت: مررت برجل وحمار.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) والفاء و "ثم" و "حتى" تقتضي الترتيب إلا أن الفاء توجب وجود الثاني بعد الأول بغيرِ مهلةٍ".
قالَ المُشَرِّحُ: الذي يدل على صحة ما قاله الشيخ ﵀ قولك: أعطيت زيدًا مالًا فاستغنى، ولذلك تدخل على جزاءِ الشّرط؛ لأن الجزاءَ لا يتأخر عن الشرط.
فإن سألتَ: فإذا كان معنى الفاء وجودَ الثاني [من غير مهلة فما معنى قوله: ما زلت أسيرُ حتَّى دخلتُ الكوفةَ فالبَصرة] (٢) وبينهما مساوِفُ؟.
أجبتُ: معناه: إنّك لم تَقْطَع سيرك الذي به دخلتَ الكوفةَ حتى وصلته بسيرك الذي به دخلتَ البَصرةَ، ولم يحدث بينهما مُهلة.
ولو قلت: ثمَّ البصرة لكنت قد أحدثت بينهما مهلة.
قال جارُ اللَّهِ: "و "ثمَّ" توجبه بمهملةٍ ولذلك قال سيبويه (٣): مررت برجل ثم امرأة، فالمرور ها هنا مروران".
قال المُشَرِّحُ: ولذلك لا يجوز إدخالها (٤) على الجزاء.
стр. 1327
قال جارُ اللَّهِ: "ونحو قوله تَعالى (١): ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ وقوله (٢): ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ محمولٌ على أنه لما أهلكها حكمَ بأن البَأَس جاءَها وعلى دوام الاهتداء وثباته".
قال المُشَرِّحُ: نظير هذه المسألة الأولى: من يظهر منه الفعل المُحكم فهو عالمٌ والمعنى: يحكم عليه بأنه عالم وعاقل ونظير هذه المسألة الثانية: إذا كنت في أمرٍ فكن فيه أي: دُمْ على الكون فيه وأثبُت عليه.
قال جارُ اللَّهِ: "وحتَّى الواجبُ فيها أن يكون ما يُعطف به جزءًا من المعطوف عليه، إمَّا أفضَلُهُ كقولك: مات الناس حتَّى الأنبياءُ، وإمَّا أَدْوَنُهُ كقولك: قدمَ الحُجَّاجُ حتَّى المُشَاةُ".
قال المُشَرِّحُ: إنّما جاز ذلك لأنَّ الأنبياءَ من النَّاس، والمُشاةَ من الحُجَّاج، ولو قلت: ماتَ الناس حتى الخَيْلُ، وقدمَ الحُجَّاج حتى الإِبلُ لما جاز.
قالَ جارُ اللَّهِ: "و "أو" و "أم" و "أمّا" ثلاثتها لتعليق الحكم بأحد المذكورين، إلا أن "أو" و"أما" يقعان في الخبر والأمر والاستفهام نحو قولك: جاءني زيدٌ أو عمرٌو، وجاءني إما زيد، وإما عمرٌو واضرب رأسه أو ظهره، واضرب إما رأسه وإما ظهره، وألفيت إما عبد الله وإما أخاه و "أم" لا تقع إلا في الاستفهام إذا كانت متصلة، والمنقطعة تقع في الخبر أيضًا تقول: أزيد عندك أم عمرو، وفي الخبر "إنها لإِبل أم شاء" (٣).
قال المُشَرِّحُ: المتصلة هي الكائنة بمعنى أيهما، والمنقطعة هي
стр. 1328
المترجمة ببل وهمزة الاستفهام مثال المتصلة: أزيد عندك أم عمرو؟ والمعنى: أيُّهما عندك، والجواب فيها أن تقول: زيدٌ إذا كان عندك زيدٌ أو عمرٌو إذا كان عندك عمرٌو، ومثال المنقطعة في الاستفهام أزيد عندك أم عندك عمرو؟ معناه: بل أعندك (١)، ولو كانت هي المتصلة لما احتيج فيها إلى تكرير الظَّرف كأنَّه غلب على ظنِّك أن الذي عنده (٢) زيدٌ، فاستفهمت ليعود الظَّن نفيًا فلما أتممت الاستفهام غلب على ظنك أن الذي عنده عمرو فأعرضت عن الأول واستأنفت سؤالًا ثانيًا كنحو ما فعلته بدئيًا.
مثالُ المُنقطعة في الخَبَرِ "أنها لإِبل أم شاء"، لو كانت المتصلة لقلت أإبلٌ هي أم شاءٌ؟ كأنه رفع لك أشخاص من بعد فغلب على ظنك أنها إبل، فأخبرت عنها على مقتضى ظنك، ثم لما تم الإِخبار غلب على ظنك أنها شاء فأعرضت عن الإِخبار واستأنفت سؤالًا.
وجواب المنقطعة: "نعم" أو "لا" فإذا قلتَ: نَعَمْ، وجب أن يكون عنده الثاني لاضرابك عن الأول وسؤالك عن الثاني.
تخميرٌ: إذا أتى بعد "أم" المنقطعة حرف النفي كان معناها ومعنى "أو" سواءٌ كقولك أعندك زيدٌ أم لا؟، لأنَّك حيث قلتَ: أعندك زيد؟ قد ظننت أنه عنده، ثم [أدركك ظن مماثلٌ] (٣) للأوَّل أنه ليس عنده فقلت أم لا، وجوابه بنعم أو لا، فإذا قلت هل عندك بكرٌ؟ فالسؤال عن كون بكرٍ عندك وعدم كونه عندك فإذا قلت أَمْ زَيْدٌ لم تتصل. قال أبو سعيدٍ السِّيرافي: وقد شبه النحويون "أم" المنقطعة بـ "بل" ولم يُرِيْدُوا أن ما بعد "أم" تحقيق كما بعد "بل"، وإنما أرادوا أن ما بعد "أم" استفهام مستأنف (٤) بعد كلام يتقدمها،
стр. 1329
كما أن ما بعد "بل" تحقيق مستأنف بعد كلام يتقدمها. قال أيضًا: والدليل على أنها ليست بمنزلة "بل" مجردة قوله (١): ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ أَلَا تَرى أنه لا يجوز بل اتخذ مما يخلق بنات ها هنا (٢) لما ذكرته من المعنى، ومعناه: اتّخذ مما يخلق بنات؟ بألف الاستفهام، ومعنى ذلك للإِنكار عليهم [فيما] (٣) ادَّعوه.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) بين "أو" و"أم" في قولك: أزيدٌ عندك أو عمرٌو وأزيدٌ عندك أم عمرٌو أنَّك في الأول لا يَجهل كون أحدهما عنده فأنت تسأل عنه، وفي الثاني تعلم أن أحدهما عنده فتطالبه بالتعيين".
قال المُشَرِّحُ: إذا قال أزيدٌ عندك أو عمرٌو فمعناه: هل أحدهما عندك؟ وجوابُهُ: لا، أو نعم. وإذا قال: أزيد عندك أم عمرو فمعناه: أيهما عندك؟ وجوابه -على ما ذكرنا-: زيد إن كان عنده، وعمرو إن كان عنده وتقول: الحسن والحسين أفضل أم ابن الحنفية؟ فيكون الجواب أحدهما بهذا اللَّفظ. قال الشيح أبو علي الفارسي (٤): ولا يجوز أن تقول الحسن ولا الحسين لأنَّ المعنى أَأَحدُهما أفضل أم ابن الحنفية؟، فالجواب يكون على ما يتضمنه السؤال.
تخميرٌ: وتأخير الاسم في باب "أو" أحسن نحو أعندك زيد أو عمرو؟ وتقديمه في باب "أم" أحسن، لأن المسألة مع "أم" واقعٌ عن الاسم ومع "أو" عن الفعل.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) ويقال: في "أو" و"إمَّا" في الخبر أنهما للشَكِّ وفي الأَمرِ أنهما للتخيير والإِباحة، والتَّخيير كقولك: اضرب زيدًا أو عمرًا
стр. 1330
وخُذ إمَّا هذا وإما ذاك، والإِباحة كقولك: جالِس الحَسَن أو ابن سِيْرِيْن، وتَعَلّم إما الفِقْهَ وإمّا النحوَ".
قال المُشَرِّحُ: "أو" في أصلها لتسَاوي شيئين فصاعدًا في الشَّك، ثم اتسع فيها فاستعيرت من الشَكِّ. وذلك قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين تريد: أنَّهما سِيَّان في استصواب أَن يُجالسا.
تَخْمِيْرٌ: اعلم أن "إمّا" العاظفة أصلها "إن" (ما) فأُدغمت النون في الميم، والدَّليل على ذلك قوله (١):
لَقَدْ كَذَبَتْكَ نَفْسَكَ فَاكْذِبَنْها … فإِنْ جَزَعًا وإن إجمالَ صَبْرِ
وأراد: "إمّا" والدليل عليه أنك لم تأت لإِنْ بجوابٍ، بعد البيت ولا قبله، أمَّا بعده فظاهرٌ، وأمَّا قبله فلأن الفاء متى دخلت على حرف الشرط لم يجز أن يكون ما قبلها جوابًا لها كقولك: أنا أجيئُك فإن أتيتني وإن أسقطت الفاء فحينئذ (يجوزُ).
فإنْ سألتَ: فلمَ خُصَّت "إنْ" الجزائية بذلك؟.
أجبتُ: لأن الشَّرطَ يجوزُ أن يكونَ، ويجوزُ أن لا يكونَ، ومعنى "إمَّا" في العَطف إيجاد أحد الشيئين، فلمَّا تضارعا من هذا الوجه أُدخلت "إن" الجَزائية في باب (٢) العطف مع "ما"، فأعرفه بحثًا نقلته إليك بلفظ السَّلَفِ.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وبين "أو" و"إما" من الفصل أنك مع "أو"
стр. 1331
تمضي أول كلامك على اليَقين ثم تَعْرضه للشَكّ، ومع "إما" كلامك من أوله مبني على الشك".
قال المُشَرِّحُ: نظيرُ هذه المسألة كافُ التَّشبيهِ في "كَأَنَّ"، ولأنهم أدخلوا "إما" في أول الكلام ليعادلوا بين الاسمين.
قال جارُ اللَّهِ: "ولم يعد الشيخ أَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيُّ "إما" في حروفِ العطف (١) لدخول العاطف عليها، ووقوعها قبل المعطوف عليه".
قال المُشَرِّحُ: عُذْرُ المتقدمين إشراك الثاني الأول في الإِعراب.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) و"لا"، و"بل"، و"لكن" أخواتٌ في أن المعطوف بها مخالف للمعطوف عليه فلا تُبقي ما وجب للأول كقولك: جاءَني زيدٌ لا عمرو، و"بل" للإِضراب عن الأول منفيًا أو موجبًا كقولك جاءَني زيدٌ بل عَمْروٌ وما جاءَني بكرٌ بل خالدٌ، و"لكن" إذا عطف بها مفرد على مثله كانت للاستدراك بعد النَّفي خاصةً كقولك: ما رأيت زيدًا لكن عمرًا، وأمَّا عطف الجملتين فنظيره "بل"، تقول: جاءني زيد لكن عمرو لم يجئ، وما جاءني زيد لكن عمرو جاء".
قال المُشَرِّحُ: "لا" للنفي بعد الإِيجاب تقول: جاءَني زيدٌ لا عمرٌو ولو قلتَ: ما جاءني زيدٌ لا عمرٌو لم يجز. عن بعض الأدباء: "بل" مثل البَدَل "لكن" مثل عطف البيان، اللام مع اللام والنون مع النُّون، وأنا ممن يَدور في خلده ذلك (٢) وتدعوه النَّفس إلى أن يخلع ربقة التقليد (٣)، ويقول بأن "بل"
стр. 1332
ليست من حُروف العطف، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برَجُلٍ حِمَارٍ فانجرار حمارٍ بأنه بدل الغَلَط، لكن لَيس في الكلام دلالةٌ لفظية على أنه بدل الغلط، فإذا قلت: مررت برجل بل حمار فهو هو (١) إلا أن فيه دلالة لفظية على كونه بدل الغلط، وهذا يقتضي أن لا تكون "بل" من حروف العطف، لأن العطف هو الذي لولاه لما حظي العطوف بإعراب المعطوف عليه وها هنا يحظى بدونه. ونظير هذه المسألة "أيْ" في قولك مررت بالليث أي: الأسد، [فإن لم يكن أي] (١) من حروف العطف لقولهم: مررت باللَّيث الأسد فإن لم يكن "أي" من حروف العطف فـ "بل" لا تكون [منها، ثم إذا جاءت "بل" بعد كلام منفي كقولك: ما رأيت زيدًا بل عمرًا فمعناه على وجهين:
أحدهما: الإِضراب] (٢) عن الأول والاعتماد في الجحد على الثاني بتقدير: بل ما رأيت عمرًا.
والآخر: أن تكون بمعنى "لكنْ " بتقدير: لكن عمرًا أي: بل رأيت عمرًا، وهذا عند المُبَرِّدُ أجودُ؛ لأنّه من رأيت أقرب. لا يجوز جاءني زيد لكن بشر.
فإن سألت: فلمَ لا يجوزُعلى معنى النَّفي لكنْ بشر لم يجئ كما كان ما جاءني زيدٌ لكن عمرو بمعنى عمرو جاءني؟.
أجبتُ: النفي لا يكون ألا بحرفِ النفي، وليس كذلك الإِيجاب؛ لأنه لا علامة له بحرف قوله: "وأما في عطف الجملتين فنظيره "بل" يريد: أنَّهما كما تَجِيْءُ بعد النَّفي حينئذ كذلك (٣) تجيء بعد الإِثبات، كما تَقولُ: ما جاءني زيدٌ لكنْ عمروٌ جاء، فكذلك تقول: جاءَني زيدٌ لكن عَمرٌو لم
стр. 1333
يجئ، وكان يُونس يُخرجه عن حروف العَطفِ ويقول: هو تخفيف "لكنَّ" لدخول الواو، فإذا قلت: ما جاءَني زيدٌ لكنْ عمرٌو كان التقدير لكن جاءَني عمرٌو، وإذا قلت: ما رأيت زيدًا لكن عمرًا كان المعنى لكن رأيت عمرًا، وكذلك يضمر حرف الجر فإذا قلت: ما مررت بزيدٍ لكن عمرٍو، فإنه يقول في عمرو: إنه مجرورٌ بباء مُضْمَرَةٍ. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهرِ الخرْجَانِيُّ ﵀ هذا مذهبٌ قَوِيٌّ.
[باب حروف النَّفى]
قال جارُ اللَّهِ: "ومن أصناف الحروف:
حروف النفي
وهي "ما"و"لا" و"لما" و"لن" و"أن".
فـ "ما" لنفي الحال في قولك: ما تفعل، وما زيد منطلق ومنطلقًا على اللغتين، ولنفي الماضي المقرب من الحال في قولك: ما فعل، قال سيبويه: أما "ما" (١) فهي نفي لقول القائل هو يفعل إذا كان في فعل حال وإذا قال: لقد فعل، فإن نفيه ما فعل فكأنه قيل: واللَّه ما فعل".
قال المُشَرِّحُ: - الشيخ ﵀ في "ما فعل" معنى القسم.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصل) ولا لنفي المستقبل في قولك: لا تفعل، قال سيبويه (٢)، أما "لا" فيكون نفيًا لقول القائل: هو يفعل ولم يقع الفعل".
قال المُشَرِّحُ: قوله: "هو يفعل ولم يقع الفعل" بمعنى إذا أريد به الاستقبال.
стр. 1334
قالَ جارُ اللهِ: وقد نفى بها الماضي في قوله تعالى (١): ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ وقولُهُ:
* وَأَيُّ أَمْرٍ سَيّءٍ لَا فَعَلَهْ *"
قال المُشَرَّحُ: "لا" إذا أدخل على الماضي فلا يَكادُ يفرد، وأمَّا قولُهُ تعالى (٢): ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فلأنَّه فيما كان في آخره فعناه فاكتفى بواحدة من الأخرى، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بثلاثة أشياء فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ … ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فكأنه قيل: فلا فعل ذا ولا ذا، وأمَّا قوله:
* وأيُّ أمرٍ سَيِّءٍ لَا فَعَلَهْ (٣) *
فهو مكرر من حيث المعنى.
قال جارُ اللَّهِ: "وتنفي بها نفيًا عامًا في قولك: لا رجل في الدار وغير
стр. 1335
عام في قولك لا رجل في الدار ولا امرأة، ولا زيد في الدار ولا عمرو".
قال المُشَرَّحُ: النفي العام وغير العام قد ذكرناه في قسم الأسماء الفرق بين النفي بلا وبين النفي بـ "ما" أن "ما" تنفي ما أوجبه موجب يقال: زيد في الدار فتقول: ما زيد في الدار، ومن ثم كان لها صدر الكلام، لأن ما أوجبه موجب يجب أن يؤدي الصيغة ثم يدخل عليه حرف النفي، وأما "لا" فإنه لا يجب فيها مثل هذا، لأنها تأتي في حشو الكلام نحو جئت بلا شيء، وتأتي مبتدأة في لا رجل في الدار.
قال جارُ اللهِ: " (فصل) و"لم" و"لما" لقلب معنى المضارع ونفيه إلا أن بينهما فرقًا وهو أن لم يفعل نفي فعل، ولما يفعل نفي قد فعل".
قال المُشَرَّحُ: إنَّما جعل سيبويه (١) لم يفعل نفي فعل، ليبين حكمه ومعناه بنقيضه، لأن حق النقيضين أن يشتركا في مواقعهما وأحكامهما إلا من جهة معناهما، ومثلهما ضربت زيدًا، وما ضربت زيدًا.
قال جارُ اللهِ: "وهي "لم" ضمت إليها "ما" فازدادت في معناها أن تضمنت معنى التوقع والاقتصار واستطال زمان فعلها ألا ترى أنك تقول ندم ولم ينفعه الندم أي: عقيب ندمه، وإذا قلته بلما كان على أن لم ينفعه إلى وقته".
قال المُشَرَّحُ: أما أن "لم" ليس فيه توقع فلقوله تعالى (٢): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ وأما أن في "لما" توقعًا فلقوله تعالى (٣) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾. أصل "لَمَّا" هنا "لَمْ" ضمت إليها "ما" ليصلح الوقت عليها وتزيد على معنى "لم" بطول زمانها.