← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

تمضي أول كلامك على اليَقين ثم تَعْرضه للشَكّ، ومع "إما" كلامك من أوله مبني على الشك". قال المُشَرِّحُ: نظيرُ هذه المسألة كافُ التَّشبيهِ في "كَأَنَّ"، ولأنهم أدخلوا "إما" في أول الكلام ليعادلوا بين الاسمين. قال جارُ اللَّهِ: "ولم يعد الشيخ أَبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيُّ "إما" في حروفِ العطف (١) لدخول العاطف عليها، ووقوعها قبل المعطوف عليه". قال المُشَرِّحُ: عُذْرُ المتقدمين إشراك الثاني الأول في الإِعراب. قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) و"لا"، و"بل"، و"لكن" أخواتٌ في أن المعطوف بها مخالف للمعطوف عليه فلا تُبقي ما وجب للأول كقولك: جاءَني زيدٌ لا عمرو، و"بل" للإِضراب عن الأول منفيًا أو موجبًا كقولك جاءَني زيدٌ بل عَمْروٌ وما جاءَني بكرٌ بل خالدٌ، و"لكن" إذا عطف بها مفرد على مثله كانت للاستدراك بعد النَّفي خاصةً كقولك: ما رأيت زيدًا لكن عمرًا، وأمَّا عطف الجملتين فنظيره "بل"، تقول: جاءني زيد لكن عمرو لم يجئ، وما جاءني زيد لكن عمرو جاء". قال المُشَرِّحُ: "لا" للنفي بعد الإِيجاب تقول: جاءَني زيدٌ لا عمرٌو ولو قلتَ: ما جاءني زيدٌ لا عمرٌو لم يجز. عن بعض الأدباء: "بل" مثل البَدَل "لكن" مثل عطف البيان، اللام مع اللام والنون مع النُّون، وأنا ممن يَدور في خلده ذلك (٢) وتدعوه النَّفس إلى أن يخلع ربقة التقليد (٣)، ويقول بأن "بل"

стр. 1332

ليست من حُروف العطف، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برَجُلٍ حِمَارٍ فانجرار حمارٍ بأنه بدل الغَلَط، لكن لَيس في الكلام دلالةٌ لفظية على أنه بدل الغلط، فإذا قلت: مررت برجل بل حمار فهو هو (١) إلا أن فيه دلالة لفظية على كونه بدل الغلط، وهذا يقتضي أن لا تكون "بل" من حروف العطف، لأن العطف هو الذي لولاه لما حظي العطوف بإعراب المعطوف عليه وها هنا يحظى بدونه. ونظير هذه المسألة "أيْ" في قولك مررت بالليث أي: الأسد، [فإن لم يكن أي] (١) من حروف العطف لقولهم: مررت باللَّيث الأسد فإن لم يكن "أي" من حروف العطف فـ "بل" لا تكون [منها، ثم إذا جاءت "بل" بعد كلام منفي كقولك: ما رأيت زيدًا بل عمرًا فمعناه على وجهين: أحدهما: الإِضراب] (٢) عن الأول والاعتماد في الجحد على الثاني بتقدير: بل ما رأيت عمرًا. والآخر: أن تكون بمعنى "لكنْ " بتقدير: لكن عمرًا أي: بل رأيت عمرًا، وهذا عند المُبَرِّدُ أجودُ؛ لأنّه من رأيت أقرب. لا يجوز جاءني زيد لكن بشر. فإن سألت: فلمَ لا يجوزُعلى معنى النَّفي لكنْ بشر لم يجئ كما كان ما جاءني زيدٌ لكن عمرو بمعنى عمرو جاءني؟. أجبتُ: النفي لا يكون ألا بحرفِ النفي، وليس كذلك الإِيجاب؛ لأنه لا علامة له بحرف قوله: "وأما في عطف الجملتين فنظيره "بل" يريد: أنَّهما كما تَجِيْءُ بعد النَّفي حينئذ كذلك (٣) تجيء بعد الإِثبات، كما تَقولُ: ما جاءني زيدٌ لكنْ عمروٌ جاء، فكذلك تقول: جاءَني زيدٌ لكن عَمرٌو لم

стр. 1333

يجئ، وكان يُونس يُخرجه عن حروف العَطفِ ويقول: هو تخفيف "لكنَّ" لدخول الواو، فإذا قلت: ما جاءَني زيدٌ لكنْ عمرٌو كان التقدير لكن جاءَني عمرٌو، وإذا قلت: ما رأيت زيدًا لكن عمرًا كان المعنى لكن رأيت عمرًا، وكذلك يضمر حرف الجر فإذا قلت: ما مررت بزيدٍ لكن عمرٍو، فإنه يقول في عمرو: إنه مجرورٌ بباء مُضْمَرَةٍ. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهرِ الخرْجَانِيُّ ﵀ هذا مذهبٌ قَوِيٌّ. [باب حروف النَّفى] قال جارُ اللَّهِ: "ومن أصناف الحروف: حروف النفي وهي "ما"و"لا" و"لما" و"لن" و"أن". فـ "ما" لنفي الحال في قولك: ما تفعل، وما زيد منطلق ومنطلقًا على اللغتين، ولنفي الماضي المقرب من الحال في قولك: ما فعل، قال سيبويه: أما "ما" (١) فهي نفي لقول القائل هو يفعل إذا كان في فعل حال وإذا قال: لقد فعل، فإن نفيه ما فعل فكأنه قيل: واللَّه ما فعل". قال المُشَرِّحُ: - الشيخ ﵀ في "ما فعل" معنى القسم. قال جارُ اللَّهِ: " (فصل) ولا لنفي المستقبل في قولك: لا تفعل، قال سيبويه (٢)، أما "لا" فيكون نفيًا لقول القائل: هو يفعل ولم يقع الفعل". قال المُشَرِّحُ: قوله: "هو يفعل ولم يقع الفعل" بمعنى إذا أريد به الاستقبال.

стр. 1334

قالَ جارُ اللهِ: وقد نفى بها الماضي في قوله تعالى (١): ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ وقولُهُ: * وَأَيُّ أَمْرٍ سَيّءٍ لَا فَعَلَهْ *" قال المُشَرَّحُ: "لا" إذا أدخل على الماضي فلا يَكادُ يفرد، وأمَّا قولُهُ تعالى (٢): ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ فلأنَّه فيما كان في آخره فعناه فاكتفى بواحدة من الأخرى، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بثلاثة أشياء فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ … ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فكأنه قيل: فلا فعل ذا ولا ذا، وأمَّا قوله: * وأيُّ أمرٍ سَيِّءٍ لَا فَعَلَهْ (٣) * فهو مكرر من حيث المعنى. قال جارُ اللَّهِ: "وتنفي بها نفيًا عامًا في قولك: لا رجل في الدار وغير

стр. 1335

عام في قولك لا رجل في الدار ولا امرأة، ولا زيد في الدار ولا عمرو". قال المُشَرَّحُ: النفي العام وغير العام قد ذكرناه في قسم الأسماء الفرق بين النفي بلا وبين النفي بـ "ما" أن "ما" تنفي ما أوجبه موجب يقال: زيد في الدار فتقول: ما زيد في الدار، ومن ثم كان لها صدر الكلام، لأن ما أوجبه موجب يجب أن يؤدي الصيغة ثم يدخل عليه حرف النفي، وأما "لا" فإنه لا يجب فيها مثل هذا، لأنها تأتي في حشو الكلام نحو جئت بلا شيء، وتأتي مبتدأة في لا رجل في الدار. قال جارُ اللهِ: " (فصل) و"لم" و"لما" لقلب معنى المضارع ونفيه إلا أن بينهما فرقًا وهو أن لم يفعل نفي فعل، ولما يفعل نفي قد فعل". قال المُشَرَّحُ: إنَّما جعل سيبويه (١) لم يفعل نفي فعل، ليبين حكمه ومعناه بنقيضه، لأن حق النقيضين أن يشتركا في مواقعهما وأحكامهما إلا من جهة معناهما، ومثلهما ضربت زيدًا، وما ضربت زيدًا. قال جارُ اللهِ: "وهي "لم" ضمت إليها "ما" فازدادت في معناها أن تضمنت معنى التوقع والاقتصار واستطال زمان فعلها ألا ترى أنك تقول ندم ولم ينفعه الندم أي: عقيب ندمه، وإذا قلته بلما كان على أن لم ينفعه إلى وقته". قال المُشَرَّحُ: أما أن "لم" ليس فيه توقع فلقوله تعالى (٢): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ وأما أن في "لما" توقعًا فلقوله تعالى (٣) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾. أصل "لَمَّا" هنا "لَمْ" ضمت إليها "ما" ليصلح الوقت عليها وتزيد على معنى "لم" بطول زمانها.

стр. 1336

قال جارُ اللهِ: "وتسكت عليها دون أختها في قولك: خرجت ولمَّا أي: ولمَّا تخرج كما تَسكت على "قد" في: .... .... ..... ..... .... .... ..... وَكَأَنْ قَدِ (١) ". قال المُشَرَّحُ: الفرق بينهما أن الحرف لا يتنزل منزلة الفعل إلا إذا تضمن معناه من جهتين، لأنه ما من حرف إلا وهو متضمن معنى الفعل ألا ترى أن الباء للإِلصاق والإِلصاق معنى فعل، والهمزة للاستفهام والاستفهام معنى فعل، فلو نزل الحرف بتضمنه معنى الفعل منزلته لكانت جميع الحروف منزلة منزلة الفعل، وذلك بمعزل عن الصواب، وقولك: لما متضمن معنى الفعل من جهتين بخلاف "لم" ألا ترى أنك إذا قلت: خرجت ولمَّا، فمعناه: خرجت و [انتفى] (٢) انتفاءً ممتدًا [إلى أن آن] (٣) خُروجك فمن حيث أنه يفسر ما [تنفي فقد تضمن من جهة، ومن حيث أنه يفسر] (٤) به وهو معدى إلى المصدر فقد تضمن معنى الفعل من جهة أخرى، وإذا تنزل منزلة الفعل جاز أن ينزل ما عمل فيه، لأنه بمنزلة إضمار الفاعل، ونظير هذه المسألة حروف النداء، فإنه لما نزل منزلة الفعل من جهتين، من جهة أنك إذا قلت: يا زيد اسقني، فمعناه: أدعوك للسقي، فقد تعدى كما ترى إلى المفعول الصحيح وغير الصحيح. قال أبو سعيد السيرافي: الفرق بين "لم" و "لمَّا" كالفرق بين فعل وقد فعل، وكقولك: جاء زيد وتقول: المراد لم يجئ زيد، وتقول: جاء زيد وقد تعمم فتقول: جاء زيد ولما يتعمم، و"قد" و"لما جميعًا في موضع الحال من زيد، وقال أيضًا: ومن أجل طول زمان "قد" و"لما" جاز حذف الفعل منهما كقولك اعتذر زيد وقد نفعه الاعتذار واعتذر غيره ولما وارف الشخوص.

стр. 1337

"وكأن قد" أي: ولما ينفعه الاعتذار، وكأن قد شخص. قال جارُ اللهِ: " (فصل) و"لن" لتأكيد ما تعطيه "لا" من نفي المستقبل تقول: لا أبرح اليوم مكاني فإذا وكدت وشددت قلت: لن أبرح اليوم مكاني، قال الله تعالى (١): ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ وقال (٢): ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ ". قال المُشَرَّحُ: تقول: لن يذهب زيد أبدًا لمن قال: يذهب زيد غدًا. قال جارُ اللهِ: "وقال الخليل: أصلها لا أن، فخفف بالحذف، وقال الفراء نونها مبدلة من الألف في "لا" وهي عند سيبويه حرف برأسه وهو الصحيح". قال المُشَرَّحُ: "لن" نفي سيفعل، تقول: سيقوم عمرو فيقول: لن يقوم عمرو (٣). وزعم الخَلِيْلُ أن أصل "لن": "لا" "أن" ولذلك نصبت الفعل، إلا أنها خففت لكثرة ورودها كما حققت ويلمَّه، وأيشٍ تريد ونحو ذلك، ونظيره حذفا بعد تخفيف قراءة من قرأ (٤): ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بفتح اللام وسكون الثاء. فردّ عليه سيبويه بأنَّ قال: لو كان أصلها "لا" "أن" لما جاز زيدًا لن أضرب كما لا يجوز زيدًا لا أن أضرب، لأن أضرب ويضرب صلة "أن"، وما بعد الموصول لا يعمل فيما قبله.

стр. 1338

وَزَعَمَ الفَرَّاء (١) أن أصل "لن" لا [أبدلت من ألفها النون ومذهب سيبويه هو رأي الشيخ -وهو الصَّوابُ- أن] (٢) لا يحكم عليها بخلاف ظاهرها لأن الأدوات لا تصرف لها، وهو قول أكثر النحويين. فإن سألتَ: ما بالكم قد حكمتم على "إمَّا" بأن أصلها "ان" ضمت إليها "ما" وإِمَّا من قبيل الأدوات؟ أجبت: بأنَّ "إما" تنزل منزلة الفعل على ما ذكرناه فجاز أن يتصرف بخلاف "لن". قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) "إنْ" بمنزلة "ما" في نفي الحال، وتدخل على الجملتين الفعلية والاسمية كقولك: إن يقوم زيد وإن زيد قام، قال الله تعالى (٣): ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ وقالَ (٤): ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. قال المُشَرَّحُ: "إن" أصلها المجازاه إلا أن الجزاء المعلق بالشرط لما كان عدمًا قبل وجود الشرط خرجت "ان" إلى معنى النفي. قال جارُ اللهِ: "ولا يجوز إعمالها عمل "ليس" عند سيبويه (٥) وأجازه المُبرد. قال المُشَرَّحُ: زعم المُبرد (٦) أنه يجوز إن زيدٌ قائمًا، لأنه لا فرق بينهما في المعنى، وهو مذهب الكوفيين، وحجة سيبويه ما ذكرته في قسم الأسماء. تخميرٌ: وحروف النفي ستة يشترك اثنان في نفي الحال وهما "ما"

стр. 1339

و"إن" واثنان في نفي المستقبل، وهما "لا" و"لن"، واثنان في نفي الماضي وهما "لم" و"لما". [بابُ حروف التنبيه] قال جارُ اللهِ: ومن أصناف الحروف: حُرُوف التَّنبيه وهي "ها" و"ألا" و"أما" تقول: ها إنّ زيدًا منطلقٌ، وها أفعل كذا، وألا إن عمرًا بالباب، وأما إنك خارج، وألا لا تفعل، وأما واللهِ لأفعلن". قال المُشَرَّحُ: "ألا" و"أما" على وجهين: أحدهما: التقرير والتخصيص، وذلك: ألا تقومُ، أما تجلسُ، ألا ماء أشربه، قال الله تعالى (١): ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٢). والثاني: التَّنبيه المَحضُ والتَّحقيق، وهما مركبتان في هذا الوجه مغيرتان عما كانتا عليه من المعنى قبل، وهو المراد ها هنا والفرق بين "ألا" "وأما" في هذا الوجه، وبينهما في الوجه الأول: أن حرف الاستفهام لم يركب في هذا الوجه بحرف الجحد تركيبًا، والدليل على ذلك أنك لو أخرجتهما عن الكلام الذي دخلنا عليه لتغير معناه، وليستا كذلك في الوجه الثاني، كأنهما فيه كالزيادتين، ولذلك جاز أن تليهما "لا" (٣) مرة أخرى كقوله (٤): * أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا * ويليهما -فيما نحن فيه- الاسم، والفعل بأنواعه، والحرف، وذلك في

стр. 1340

قولك: ألا زيد في المسجد ألا أنه خارج، ألا قام زيدٌ ألا لا يَقُوْمَنّ، وكذلك أمّا زيدٌ في الدّار، أما إنه منطلق. قال الزجاج (١): ألا استفتاح وتنبيه. ويجوز فتح أن بعد "أما" خاصة لما ذكرته في الحروف المشبهة بالفعل، والفرق بين "ألا" و"أما" أن "أما" للحال و"ألا" للاستقبال. قال جارُ اللَّهِ: "وقال النابغة (٢): ها إنَّ تَا عُذْرَةٌ إنْ لَمْ تَكُنْ قُبِلَتْ … فإِنَّ صَاحِبَهَا قَدْ تَاهَ فِي البَلَدِ وقال: ونَحْنُ اقْتَسَمْنَا المَالَ نِصْفَيْنِ بَيْنَنَا … فقُلتَ لَهُمْ هَذَا لَهَاها وذَالِيَا وقال: * أَلَا يَا أصبِحَانِي قَبْلَ غَارَةَ سِنْجَالِ * وقال: أَمَا وَالَّذِيْ أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِيْ … أَمَاتَ وأَحْيَى والَّذِي أَمْرُهُ الأَمْرُ" قال المُشَرَّحُ: قال: يا لها عذرة أي: عذر، قال (٣): تقبل عذرتي وحبا بدهم … يصم حنينها سمع المنادي ويروي: (إن لم تكن نفعت). يريد: وهذا ليا (٤)، وإنما جاز تقديمها

стр. 1341

على الواو لأن "ها" تنبيه، والتنبيه قد يدخل على الواو إذا عطفت جملة على أخرى كقولك ألا وإن عمرًا مقيم. سنجال: -بكسر السين المهملة- من قرى أذربيجان (١) عن الخارزنجي والغوري تمامه: * وقَبْل مَنَايَا غادِيَاتٍ وآجَالِ * البيت الأخير من أبيات الحماسة (٢). قال جارُ اللهِ: " (فصل) وأكثر ما تدخل "ها" على اسم الإِشارة والضمائر كقولك: هذا وهذه وها أنذا، وها هوذا، وها أنت ذا، وها هي ذه وما أشبه ذلك". قال المُشَرَّحُ: أما (٣) "ها" فمعناها تنبيه المخاطب إذا أردت أن تنبه على ما بعدها من الأسماء المبهمة عنده بمنزلة الأسماء المظهرة كزيد وشبهه فيكون أفهم، ولذلك لا تدخل إلا على الأسماء المبهمة وما أتى بعدها من الأسماء المضمرة المنفصلة في أكثر الكلام، ولو أدخلت على المضمرة

стр. 1342

وحدها لم يمتنع أيضا تقول: ها هو قاعد لشبهها بها من جهة وقوعها على كل شيء من الحيوان وغيره، من غير أن تفصل شيئًا من شيء مع حاجتها في البيان عن معناها إلى غيرها كحاجة المبهمة (١)، ومن ثم قال المُبَرِّدُ: علامات الإِضمار كلها مبهمة، وقال عَلِيُّ بن عِيْسَى: المبهم من الأسماء ما يصلح بعد حاضر، ويفتقر في البيان عن معناه إلى غيره. أما قولهم: "ها إن ذا" ونحوه فها عند سيبويه داخلةٌ على الأسماء المضمرة وهي عندَ الخليل مع الأسماء المُبهمة في التقدير على أنهم أرادوا أن يقولوا ها أنا فجعلوا أنا بين ها وذا فمن قدرها مع "ذا" فإنه يحتجُّ بقول زُهَيْرٍ (٢): * تَعَلَمَا هَا لَعَمْر اللهِ ذَا قَسَمًا * ويحتج أيضا بقول لبيد (٣): * فَقُلْتُ لَهُمْ هَذَا لَهَا هَا وذَالِيَا * وبقولهم: ها الله ذا: ومعناه والله هذا، لأن اسم الله ظاهر لا يدخل عليه التنبيه، وربما حكاه أبو الخطاب (٤) من أن العرب تقول: هذا أنت وأنت هذا. ومن قدر إن ها مع أنا ونحوه دون ذا في التنبيه فإنه يحتج بقوله

стр. 1343

تعالى (١): ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ﴾ لأن "ها" الأولى لو كانت منويًا بها التأخير لم تعد في أولاء وهذه حجَّةُ سيبويه، لأنه قال (٢): وقد تكون "ها" غير مقدمة على ذا أي: هي في موضعها. قال أبو سَعِيدٍ السِّيْرَافِيُّ: ها في هذه الحروف للتنبيه، والأسماء بعدها مبتدآت، والخبر أسماء الإِشارة "ذا" ونحوه، وإن شئت جعلت أنت ونحوه الخبر والإِشارة هي الاسم وقال أيضًا: إنما يقول القائل ها أنا ذا طلب رجل لم يدر أحاضرٌ هو أم غائبٌ فيقول المطلوب ها أَنا ذَا. ابنُ الأَنْبَارِي (٣): إنما جَعَلُوا المكني بين "ها" و"ذا"، إذا أرادُوا القريبَ في الأخبار بمعنى ها أنا ذا ألقى فلانا، قد قرب لقائي إياه، وذكر أيضا (٤) أن قول العامة هو ذا لقي فلانًا خطأ عند جميع العلماء، لأن العرب إذا أرادت هذا المعنى قالوا: ها هو يلقى فلانا، وها أنا ذا ألقى فلانا وأنشد قول أمية (٥): لَبَّيْكُما لبَيْكُمَا ها أَنَا ذا لَدَيْكُما قال عليُّ بن عِيْسى: إنَّما كثُر التنبيه في "ذا" ونحوه ولم يكثر في "أنت" ونحوه، لأن "ذا" مبهمة من حيث تصلح لكل حاضر، والمعنى على واحد بعينه فقوي بالتنبيه لتحريك النفي على طلبه بعينه إذا لم يكن علامة تعريف في لفظه، وليس كذلك "أنت"، لأنه للخاطب خاصة، وقال أيضا:

стр. 1344

ومع التنبيه في "ها أنا" مع أن الانسان لا ينبه على نفسه إنما ينبه على ما أغفله، من حالة أن التنبيه، وإن كان على ما أغفله من حاله، فإنه ينبه بذكر ما لم يعلم، فلذلك خرج التنبيه على النفس والمعنى على حال النفس ولو جاء على الأصل لكان لا بدَّ من ذكر النفس ففيه مع ذلك إيجاز. قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) ويحذفون الألف عن "أما" فيقولون: أم واللهِ: وفي كلام هجرس بن كليب أم وسيفي وزريه، ورمحي وفصليه، وقوسي وأذنيه لا يَدَع الرَّجُل قاتل أبيه وهو ينظر إليه". قال المُشَرِّحُ: إنهم (١) يخففون "أما" بحذف ألفها اعتمادًا على القسم بعدها، لأنه يعرفها وذلك أن "أما" من مقدمات اليمين وطلائعه، زرّ السيف حذُه كذا رأيته في (حاشية المفصل) (٢). رماحُ العرب كانت ذات شعبتين. قال جارُ اللهِ: "وبعضهم يبدل همزتها هاء فيقول هما والله، وهم والله، وبعضهم عينًا فيقول عما واللُّه وعم والله". قال المُشَرِّحُ: كأنهم ينفرون من الهمزة لأنها أدخل الحروف في الحلق إذ هي من أقصى الحلق فتبدل هاء مرة وعينًا أخرى.

стр. 1345

[بابُ حُرُوفِ النِّداء] قال جارُ الله: "ومن أَصناف الحروف: (حروفُ النداء) وهي "يا" و "أيا" و "هَيا" و "أي" والهمزة و "وا"، فالثلاثة الأول لنداء البعيد ومن هو بمنزلته من نائمٍ أو ساهٍ". قالَ المُشَرِّحُ: معاني هذه الحُروف التَّنبيه ودعاءُ المنادي بوصل اسمه الظاهر بحرف من هذه الحروف تنبيهًا له وتَصويتًا به ليقبل على المُنادي، وهي لا تدخلُ إلا على الأسماء فإن كانت المَسافة بين المنادِي والمنادَى أطول كان الحرف الذي ينادى به أطول. قال جارُ الله: "وإذا نُودي بها مَنْ عَدَاهُم فلحِرص المُنَادِي على إقبال المَدْعِوِّ إليه ومفاطنته لما يدعوه له". قالَ المُشَرِّحُ: الضميرُ في مفاطنته يرجع إلى المَدْعِوِّ. قال جارُ الله: "وأيْ والهمزة للقَريب و"وا" للنُّدبة خاصة". قال المُشَرِّحُ: النُّدبة: وجعٌ وغمُّ يَلْحَقُ الباكي على الميت فيدعوه وإن كان يعلمُ أنه لا يجيبه إلى إزالة ما لحقه من الأمر الفظيع. قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وقولُ الدَّاعي يا ربِّ، ويا الله، استقصار منه

стр. 1346

لنفسه وهضمٌ لها، واستبعادٌ عن مظانّ القبول والاستماع، وإظهار الرغبة في الاستجابة بالجُؤَار". قال المُشَرِّحُ: استقصار أي: نسبة منه نفسَهُ إلى التقصير، وفي أبيات السقط (١): يَسْتَقْصِرُ (٢) العِيْسَ عَلَى بُعْدِ المَدَى … وهُنَّ أَمْثالُ الظِّباءِ النُّفَّزِ

стр. 1347

[باب حروفُ التَّصديق والإِيجاب] قال جارُ الله: "ومن أصناف الحروف: (حروف التصديق والإِيجاب) وهي: "بلى"، و"نعم" و "أجل" و"جير" و "أي" و"إنَّ". فأما "نعم" فمصدقة لما سبقها من كلام منفي ومثبت تقول: إذا قال لك قائلٌ قامَ أو لَمْ يَقُم: نَعَم، تصديقًا لقوله، وكذلك إذا وقع الكلامان بعد حرف الاستفهام، وذلك إذا قال: أقام زيدٌ أو لم يقم فقلت: نعم فقد حققت ما بعد الهمزة، و"بلى" إيجابٌ بعد النَّفي، تقول لمن قال: ألم يقم زَيْدٌ؟ بلى، أي: قد قامَ، قالَ الله تعالى (١): ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ أي: نَجْمَعَهَا". قال المُشَرِّحُ: "نعم" حرف، أَلا ترى أن نقيضتها، وهي "لا" حرف، ولذلك بنيت على السكون وهي تحقيق وتصديق لما تقدمها من الكلام نفيًا كان أو إثباتًا، كقول القائل: قامَ زيدٌ، فإذا قلتَ: نَعَمْ فقد صدقته على أنه قام، وإذا قال: لم يقم زيد فقلتَ: نعم فقد صدقته على أنه لم يقم، وكذلك إذا كان في الكلامِ حرفُ استفهامٍ ثم قلت: نعم، فهو تصديق للكلام المتقدم باطّراح حرف الاستفهام، كقول القائل: هل قامَ زيدٌ؟ فإذا قلت: نعم فكأنك قلت: لَم يَقم زيدٌ، قال سيبويه (٢): أمَّا "بلى" فتوجب بعد النفي قال

стр. 1348

الله تعَالى (١): ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ أي: هو قادِرٌ على ذلك وقال (٢): ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ (٣) أيْ: قَدْ آمنتُ، ولو قيلَ لإِنسانٍ: هل قام زَيْدٌ؟ فقال: بَلَى، كان غيرَ جائزٍ، لأنه من مواضع "نعَمْ"، وليس من مواضعِ "بَلَى" إنما جاز "بلى" في قولِهِ [تَعَالى] (٤): ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ (٥) وليس في الكلام الذي تقدمها لفظُ النَفي، لأن معنى قوله (٦): ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ يؤول إلى معنى ما هُدِيْتُ. فقيل له: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ أي قد هُديت. الفَرَّاء: إنما اختاروا "بَلَى" للرجوع عن النفي والإِقرار (٧) بما بعده، لأن أصلها كان رجوعًا محضًا على الجحد، إذا قالوا ما قام زيد بل عمرو فكانت "بل" كلمة عطف ورجوع لا يصلح الوقوف عليها، فزادوا ألفًا ليصلح الوقوف عليها، ونظيرها "لم" و"لما". قال جارُ الله: و"أجل" لا يُصدّق بها إلى في الخَبر خاصةً يَقُول القائل قد أتَاك زيد فيقول: أجل ولا تستعمل في إلا في جواب (٨) الاستفهام". قال المُشَرِّحُ: أَصل "أجَلْ" من الخبر لأنّه انقيادٌ إلى ما الخبر إليه وهو يُستعمل في جواب الخبر، يقال: قد أتاك زيد أو يأتيك فتقول: أجل وتصدقه، ولا يصلح أن يقال هل خَرَجَ أو يخرجُ فتقول: أجَلْ. قال جارُ الله: "و "جير" نحوها بكسر الرَّاءِ. قال الشاعر (٩):

стр. 1349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1350

وقُلْنَ عَلَى الفِرْدَوْسِ أوّلُ مَشْرَبٍ … أَجَلْ جَيْرِ إن كانَتْ أُبِيْحَتْ دَعَاثِرُهْ وقال: جَيْرِ لافْعَلَنّ بمعنى حقًّا، و "إن" كذلك قال: ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلَاكَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إِنَّهُ" قالَ المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: ويجوز أن يكون جيرِ إنما يكسر لأنّه يُحلف به، فيقال: جيرِ لأفعلنَّ تقع موقع الاسمِ المحلوفِ به وهو مفتوحٌ نحو يَمين اللَّه لأَفعلن فيُبنى على الكسرِ دلالةً أنه مبني معرف كما بني قبلُ وبعدُ على الضَمّ لذلك. الدَّعاثِرُ: جمع دُعْثُوْرٍ وهو الحَوْضُ المُتَهَدِّمُ، من الدَّعْثَرَةِ وهي الهَدْمُ وفي الحديث (١): " (لا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم سِرًّا إنَّه [ليُدرك] الفارس فيدعثره) " أي: فيهدِمُهُ ويُطَحْطِحُهُ بعد ما صارَ رجلًا. إنما وقعَ إنّ موقعَ القسم، لأن "إنّ" للتحقيق والتأكيد والقَسم كذلك، ولذلك انتصب قَسَمًا على أنه مصدر مؤكد لنفسه وذلك في البيت الماضي في قِسم الأسماء. قال جارُ اللَّهِ: "و "أيْ" لا تستعمل إلا في القَسَم إذا قال لك المستجير هل لك كَذَا؟ قلتَ أيْ واللَّه وأيْ لعمري، وإيْ ها اللَّه ذا".

стр. 1351

قال المُشَرِّحُ: "إيْ" إيجاب وتصديق ونظيره (١): ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ إلا أنَّ معنى "بَلَى" إثباتُ ما نُفِيَ فقط. يجوز إيْ واللَّهِ بالنَّصب، وها اللَّهِ لا يجوزُ إلا بالخَفْضِ، لأن "إي" ليست بعوض عن حرف القَسم إنما هو جوابٌ لمن سأَلَكَ عن الخَبرِ فقلت: أيْ واللَّه لقد كانَ كذَا بخلافِ ها، فإنه عوضٌ عن الواو. وقالَ ابنُ جِنيّ: ألا ترى أنها لا تجتمع معها، وهآللَّه بمد الألف وحذف ألف الوصل بمنزلة آلله، ويجوز قصرها مع حذف ألف الوصل على ما يجيء في المشترك إن شاء اللَّه -تعالى-. قال عليٌّ بنُ عِيْسَى (٢): وإنما جارُ دخولها في القسم لأن "هاء" حرف تنبيهٌ يُحتاج إليها في المواضع التي يُحال في بيانها على غيرها كما احتيج إليه في المبهم لما ذكرنا قبل، والقسم من تلك المواضع، لأنه يحال في بيانه على غيره من الفعل المحذوف منه وهو أحلف ونحوه، فاحتيج فيه إلى هاء كذلك، وقدّمها على اسم اللَّه كما قدم قومٌ هاهوذا قال زهير (٣): * تَعَلَّمْ هَا لَعَمْرُ اللَّه ذَا قَسَمًا * قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وكنانةُ تكسر العين في نَعِمْ في قراءةِ عُمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ (٤)، وحكى أن عمر

стр. 1352

رضي اللَّه عنه سأل قومًا عن شيء فقالوا: نَعَمْ، فقال عمر: إنما النَّعَم الإِبل، فقُولُوا: نَعِمْ". قال المُشَرِّحُ: في نَعِمْ لغتان: فتح العين وكسرها، فالفتح لغة أكثرِ العَرب، والكسرُ لغةُ كنانة. قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وفي "أي" اللَّه ثلاثةُ أوجهٍ، فتح الياء وتسكينها والجَمع بين ساكنين هي ولام التعريف المدغمة وحذفها". قال المُشَرِّحُ: أي من أي الله ثلاثة أوجه: أي اللَّه بفتح الياء ساكنة. ومدها للمدغم الذي بعدها مع حذف الوصل من الله كما قلت: ها الله إذا مددت. الثالث: إلّه بحذف الياء لالتقاء الساكنين فتبقي من اللفظ همزة مكسورة بعدها لام مشدَّدةٌ.

стр. 1353

[بابُ حروف الاستثناء] قال جارُ اللَّه: "ومن أصناف الحرف: (حروف الاستثناء) وهي "إلا". و"حاشا" و "عدا" و "خلا" في بعض اللغات". قال المُشَرِّحُ: هذه الحروف قد مضى شرحها في قسم الأسماء.

стр. 1354

[باب حرفا الخطاب] قال جارُ الله: "ومن أصنافِ الحرف: (حرفا الخطاب) وهما الكاف والتاء اللاحقتان علامة للخطاب في "ذاك" و"ذلك" و"أولئك" و"هناك" و"هاك" (١) و"حيهلك" "النجاك" و"رويدك" و"أرأيتك" و"إياك" وفي "أنت" و"أنت"". قال المُشَرِّحُ: الكافُ في هذه المواضع لا حظَّ له من الإِعراب، استدل النحويون بثلاثة أشياء: أحدها: دخول اللَّام في النجاك. الثاني: ثُبوت النُّون في ذانك. الثالث: عدمُ جوازِ الإِبدال من الكافِ ذاك نفسك زيد، ولكن ذاك نفسك زيد، على توكيد ذواتها وقد مضى جميع ذلك في قسم الأسماء. [أرأيتك] (٢): بفتح التاء بمعنى: أخبرني، والدليل على أنه ليس باسم قولهم: أريتك زيدًا ما صنع، وقوله تَعالى (٣): ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ

стр. 1355

عَلَيّ﴾ لو كان الكاف فيها اسمًا ولم يكن للخِطَاب لَوَجَبَ أن يكون الاسمُ الذي بعدَ [الكافِ هو] (١) الكافُ في المعنى، ألا تَرى أن أرأيت يتعدى إلى مفعولين، يكون الأول منهما هو الثاني، وفي كون المفعول الذي بعده ليس الكاف وإنَّما هو غيره دلالة على أنه لَيس باسم. تَخمير: إعلم أنَّ هذه الكاف لمُخاطبة الواحدِ، وقد يُخاطب بها الجَمْعُ كما في قوله (٢): ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ وقال (٣): ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾. قالَ جارُ الله: " (فَصْلٌ) (وتلحقُهُما) التَّثنية والجَمع والتَّذكير والتأنيث كما تلحق الضمائر قال الله تَعالى (٤): ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وقال (٥): ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقال (٦): ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ وقال (٧): ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ وقال (٨): ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ﴾ وقال (٩): ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ ". قال المُشَرِّحُ: أما ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ فلأن المخاطب صاحبا يوسف، والمشار إليه ما ذكره لهما. أمَّا ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فلأن المشار اليه يوسف والمخاطب النّسوة. [وأمَّا] (١٠) ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ فلأن المشار إليه الجنة،

стр. 1356

والمخاطب جماعة، وأمَّا ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ﴾ فلأن المشار إليه مفردٌ مذكرٌ، والمخاطب مفردٌ مؤنثٌ. قالَ جارُ الله: "وتقول: أنتما وأنتم وأنتن". قال المُشَرِّحُ: أما [التَّاء] (١) التي تلحق آخر الكلمة فهي أيضًا للخطاب، لا حظّ لها من الإِعراب، فأنت ضمير، والخطاب فيه للمفرد، و"أنتما" ضمير، والخطاب فيهما فيه لاثنين، و"أنتم" ضمير، والخطاب فيه للجمع المذكر، و ["أنتن ضمير، والخطاب فيه للجمع المؤنث] (٢). قال جارُ الله: " (فصلٌ) ونظير الكاف والهاء والياء وثنيتهما وجمعهما في إياه وإياي على مذهب أبي الحسن". قال المُشَرِّحُ: اختلف النَّحويون في "إيا" مع الكاف أختيها، فقال الخليل -ولم يذكره سيبويه خلافًا- أنَّ "إيا" اسم مضاف إلى ما بعده وأن ما بعده في موضع خفض واستدل على ذلك بما حكاه "فإياه وإيّا الشَّواب" (٣) وخالفه جماعة منهم بأنه لا يجوز أن يكون "أيا" مضافًا إلى ما بعده، لأنه ضمير، والضمير لا يضاف. وقالَ بعضُهُم: "إيَّاك" بكاملها اسمٌ في موضع نصب. وقال بعضهم (٤): الياء والكاف والهاء بعد "إيا" هي الأسماء و"إيا"

стр. 1357

عمادٌ لها، لأنَّها لا تقومُ بأنفسها في الإِبانة عن معانيها وحدها، فزعم قائل هذا القول أن "إيا" ليس في موضع نصب، لأنه بمنزلة حرف زائد لا يحول بين العامل والمعمول فيه، أو تكون "إيا" مع الكاف وأختيها في موضع نصب، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر. وقالَ بعضهم: "أيا" اسمٌ مبهمٌ يكنى به عن المنصوب، وجعلت (١) الكاف وأختاها (٢) بيانًا عن المقصود، ليعلم المخاطب من الغائب، ولا موضع للكاف من الإِعراب كما لا موضع لها في "ذلك" و"أولئك". قال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: والصحيحُ من هذه الأقوال قولُ الخليل لأنّي رأيت ما يقع بعد "إيا" من المضمر هو الضمير الذي كان يقعل للمنصوب لو كان متصلًا، بالفعل، لأنك تقول: ضربتك فيكون هذا هو الأصل، ثم تقول: إياك ضربت وكان حق هذا [أن] (٣) يتصل بالفعل، فلما قدموه لما يستحقه المفعول من التقديم والتأخير أتوا بـ "أيا" فتوصلوا بها إلى الضمير المتصل ليتصل بـ "أيا" و"إيا" هو اسمٌ مظهرٌ، واتصال الأسماء بالأسماء يوجب للثاني منهما (٤) الخفض، وجعلوا "إيا" هو الذي يقع عليه الفعل.

стр. 1358

[بابُ الحُروف الزَّائِدَةَ] قال جارُ اللهِ: "ومن أَصْنَافِ الحُروف: (حروف الصلة) وهي "إن" و"أن" و"ما" و"لا" و"من" و"الباء" في نحو قولك: ما إن رأيتُ زيدًا، الأصل: ما رأيت، ودخول "إن" صلة أكدت معنى النفي، قال دريد في الخَنْسَاء: ما إنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِ … كاليَوْمِ هانِئَ أَيْنُقٍ جُرْبِ" قال المُشَرِّحُ: محصول (١) ومذاهب الناس في هذه الحروف على قولين: أحدهما: أنّها زيدت للتوصل إلى الفصاحة، فربما لم يتمكن اللفظ المفرد في الوزن أو في شيء من الأمور اللفظية، فإذا دعم بشيء من هذه الزّوائد صلح. الثاني: أنها زيدت توكيدًا للمعنى. فإن سألتَ: فكان يجب أن تورد "إنّ" و"أنَّ" مشددتين في هذا الباب؟ أجبتُ: زيادة حروف الصفة تبين زيادتها بالإِضافة إلى مالها من

стр. 1359

المعنى، وبالإِضافة إلى أصل الكلام بخلاف "إنَّ" و"أنَّ" فإنه لم يتبين زيادتها بالإِضافة إلى مالها من المَعنى، أما معنى "إن" الزيادة فتوكيد المعنى فقط وهي أن تأتي [ملغاة، وكافة] (١)، فالملغاة كقولك: ما إن رأيت زيدًا. والكافة: نحو قوله (٢): فَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ … مَنَايَانَا ودَوْلَةُ آخَرِيْنَا كفت "إن" "ما" عن العمل في الخبر في لُغة أهلِ الحجازِ. ما بعد البيت (٣): مُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُ … يَضَعَ الهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ

стр. 1360

ما أن ....................................... البيت التَّبَذُّلُ: تركُ التَّضارف. النُّقبُ: جمع نُقبة: بالضَّم، وهي أول ما يَبدو من الجَرَبِ قِطَعًا متفرقةً وهذا مثلٌ للعالم ينتفع بعلمه وعمله. قال جارُ اللهِ: "وعند الفَرَّاءِ أنَّهما حرفًا نفيٍ ترادفا كترادف حرفي التوكيد في إنَّ زيدًا لقائمٌ وقد يقال: انتظرني ما إن جلس القاضي بمعنى مدة جلوسه". قال المُشَرِّحُ: وقد تَدخل "إن" المكسورة على "ما" إذا استعملت اسمًا بمعنى الحين كقولك انتظرني ما إن جلس القاضي: أي وقت جلوسه وأما قولهم: ما إن جزاك الله خيرًا [فـ]ـــقد (١) حمله سيبويه على إضمار القصة في إنَّ المكسور. قال الشيخ أبو علي الفارسي: ولم تضمر القصة مع المكسورة إلا في هذا الموضع. تَخْمِيْرٌ: أمَّا قولهم: انتظرني ما إن جلس القاضي فـ "إن" ها هنا هي الشرَّطية، ومعناه ما جلس القاضي إن جلس، ونظيره: تلوت تلو النبي (٢) ومعناه: تلوت النبي (٢) تلوه، أي: اتبعت النبي (٢) الاتباع الذي يليق به. وقولهم: ما إن جزاك الله خيرًا فهي المخففة من المشددة، وما ها هنا وإن التنبيه، والأصل لأن يصرف الكلام إلى الاستفهام بمعنى الإِنكار. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) ويقولون في زيادة "أن": لما أن جاء أكرمتُه، وأما والله أن لو قمت لقمت". قالَ المُشَرَّحُ: أما معنى "أَنْ" الزيادة فتوكيد معنى الكلام فقط قال (٣):

стр. 1361

﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ ودليل ذلك جواز حذفها كما ذكرنا (١) قال سيبوبه: وأما "أنْ" فتكون بمنزلة لام القسم في قولهم: أما والله أن لو فعلتَ لفعلتُ، قال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: يعني: أن تكون جوابًا إذا أقسم على شيءٍ في أوله "لو"، ولا يكون جوابُه في غير ذلك، إنما جاز ذلك في هذه المواضع خاصةً كراهية للتَّضعيف بإدخال اللَّامِ على اللام وعن الأنباري (٢): في قوله (٣): ﴿وَأَنْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ من ابتداء بأن أضمر يَمِيْنًا، تأويلها: واللهِ أن لَو استقاموا، ومن لم يبتدأ بها جعلها عطفًا على قوله (٤): ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ بمعنى أُوحي إلى أن لو استقاموا. [وعلى قوله (٥): ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ بتقدير: وآمنا به وآمنا أن لو استقاموا] (٦). فإن سألتَ: لم زيدت المفتوحة بعد "لما" والمكسورة بعد "ما"؟ أجبتُ: أمَّا المفتوحة فلأن "لما" فيها معنى الشَّرط، كقولك: لما جاءني زيدٌ جئت، و"إن" هي أصل الجزاء فاستقبحوا أن يزيدوا عليها إنْ التي هي أصل الجزاء ولئلا يكون الأصل تابعًا للفرع. وأمَّا المكسورةُ فإن "ما" لما زيدت على المكسورة وجب أن تزاد على ما يشاكل لفظ المكسورة و (٧) في ذلك أيضًا تحقيق النفي وتأكيده، لأن كلًا منهما في الأصل للنفي. قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتقول في زيادة "ما" غضبت من غير ما جرم وجئت لأمر ما، وإنما زيدٌ منطلق، وأينَما تجلس أجلس، وبعينٍ مَّا أَرَيَنَّك

стр. 1362

وقالَ الله تَعالى (١): ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ وقال (٢): ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وقال (٣): ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ وقال (٤): ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ وقال (٥) ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ وقال (٦): ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: عضبت من غيرِ ما جُرْمٍ البَتَّة وجئت لأمرٍ مَّا، أي: ما جثت إلا لأمرٍ، وإنَّما زَيْدٌ (٧) منطلقٌ أي: إنَّ زيدًا منطلق. ما في قولهم: أينما تجلس أجلس هي المسلطة كقولك: حيثما تكن أكن، وإذا ما تفعل أفعل وإذا ما تأتني أكرمك، هذه الأسامي (٨) كانت تضاف إلى الجُمل غير عاملة فصارت (٩) ما من حروف المجازاة، كذلك "أين" كانت ظرفًا تعمل فيها العوامل فيما هي التي سلطته على المجازاة فصارت تعمل الجزم. بعين ما أَرَيَنَّكَ: هذا مثل يضرب في استعجال الرسول قال الغوري: أي: أعجل وكن كأني أنظر إليك. وعن ابن كيسان "ما" لا موضع له من الإِعراب، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم و ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: فبرحمة من الله، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ أيَ: أي الأجلين و ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي وإذا أنزلت سورة، وقد تدخل "ما" لغوًا مع حرف التشبيه في مثل قوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ليدل على أن وجود أحد الشيئين مشبه لوجود الآخر فقط، وهذا المعنى ذكره أبو سعيد السيرافي، ونحوه إنه لحق مثل ما أنك ترى الشمس.

стр. 1363

قال جارُ اللهِ: " [(فصل) وفي زيادة "لا"] (١) قال الله تعالى (٢) ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: ليعلم وقال (٣): ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ وقال العَجَّاجُ: * في بئرٍ لا حُوْرٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ * ومنه: ما جاءني زيدٌ ولا عمرو، قالَ الله تعالى (٤): ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ وقال (٥): ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: وأمَّا معنى "لا" التي هي صِلةٌ، فتوكيد معنى الكلام الموجب فقط على أن دخولها فيه وخروجها منه بمنزلة واحدة إلا من جهة التوكيد، كما أن "ما" التي هي صلة بهذه المنزلة وذلك نحو قول الله ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: ليعلم، وقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ أي: فأقسم، ودليله ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ عقيبه. وقوله (٦) ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد، ومثله كثير. في النحويين من يقول: إنما جاز أن تؤكد الإِيجاب بحرف النّفي، لإِظهارِ أن هذا المعنى ليس مما يشك فيه أنه على الإِيجاب قالَ عليُّ بن عِيْسى: وإنما جاز أن يكون حرف النّفي صلة على طريق التَّوكيد، لأنه بمنزلة نفي النَّقيض في مثل قولك: ما جاء إلا زيدٌ، فهو إثبات قد نفي فيه النقيض وحقق المجيء إلى زيدٍ فكأنه قيل في قوله (٧): ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أقسم بيوم القيامة، ولا يجوز الامتناع من القسم بيوم القيامة، فيكفي من هذا دخول "لا" صلة،

стр. 1364

وكذلك "ما" في قوله (١): ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ كأنه قيل: فبرحمة من الله لنت لهم، ولا يجوز أن يقال خلاف ذلك، من أنك لنت لا برحمة من اللهِ وكذلك قوله (٢): * فِي بِئْرِ لا حُوْدٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ * أي: ما سرى في بئر حور. "لا" في قولك: ما جاءني زيد ولا عمرو هي المحققة للنفي. قال عليُّ بن عِيْسى: ولو قلت: ما جاءني زيد وعمرو لاحتمل أن يكون إنما نفيت أن يكونا اجتمعا في المجيء. والفرق بين المُحَقِّقَةُ والصلة، أن الصلة لا تحتاج إلى تقديم نفي، ولا إلى شيئين، إنما تأتي مؤكدة فقط، وتقع أولًا حشوًا عندنا خلافًا للفراء فإنه لا يجوز عنده أن تكون "لا" صلة إلا أن يتقدمها نفيٌ أو معنى نفي وأمَّا المُحقِّقَةُ فالنفي يكون في الشيئين وكذلك "لا" في قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ هي المحققة. وأمَّا قوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ [فـ"لا" هي الصلة، المعنى لا تستوي الحسنة والسيئة] (٣) لأن استوى من الأفعال التي تطلب اسمين فصاعدًا كاختلف واختصم. وقيل: دخلت "لا" في السّيئة لتحقيق أنه لا يتساوى ذا ذا، ولا ذاك ذا، وفي (حاشية

стр. 1365

المفصل) (١) حور: جمع حائر من حار إذا هَلَكَ ونظيره على ما حكاه الغُوري قُتل: جمع قاتلٍ، قال الأعشى (٢): * أنا لأثقالكم يا قومنا قُتُل * وبُزل جمع بازلٍ، وقُرح جمع قارحٍ وهذه الكلمة الأخيرة مما رأيتُه في (حاشية الجامع) (٣) للغوري. قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتُزاد "من" عند سيبويه (٤) في النفي خاصة لتأكيده وعمومه وذلك نحو قوله تعالى (٥): ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ والاستفهام كالنفي، قال الله تعالى (٦): ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ وقال (٧): ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، وعن الأَخفش زيادتها في الإِيجاب". قال المُشَرِّحُ: وأمَّا معنى "من" فدلالتها على تأكيد النفي على العموم كقولك: ما أتاني من أحدٍ [قال سيبويه ولو قلت: ما أتاني أحد] (٨) كان عمومًا وكلامًا مستقيمًا ولكنك أكدت بمن وقال أيضا: ومنزلته في هذا بمنزلة الباء في قولك: ما زيدٌ بقائم. وقال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ إنما تُزاد "من" في هذا الباب لأن فيها (٩) تأول البعض إذ قد نفى كل بعض الجنس الذي نفاه مفردًا، كأنه قال: ما جاءني زيدٌ ولا عمرو ولا غير ذلك من أبعاض هذا الجنس ﴿مَا

стр. 1366

جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ بدل مفرد أي: (١) ما جاءنا بشيرٌ. الاستفهام في زيادة "من" كالنفي، ومن ثم كان الكلام معه غير موجب كما مع النفي، ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: ما في مزيد وقيل: معناه: هل من زيادة للأعداء على أنه طلب للزيادة ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أي: هل خالق غير الله. عند الأخفش تزاد "من" في الإِيجاب (٢) كقوله تعالى (٣): ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ وقد مضى. قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وزيادة الباء لتأكيد النفي والإِثبات في نحو: ما زيد بقائم، وبحسبك زيد، و ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ (٤) ". قال المُشَرِّحُ: زيدت الباء في ما زيد بقائم لتراخي الخبر عن حرف النفي لثقله به، وأما قولك: بحسبك زيد، وكفى بالله فدخلت الباء فيه لتحقيق إضافة الفعل إلى الفاعل على سبيل المبالغة لأن المعنى بحسبك زيد، ويكفيك الله ما في هذا الكلام [نوع نظر] (٥)، وذلك أنه يقتضي أن تكون الباء في بحسبك زيد، وكفى باللهِ مزيدة لتأكيد النفي، وأنها ليست كذلك، نظيره رباط الخيل لغُزَاة الرُّوم بنواحي (٦) خلاط ورساتيق (٧) أرمينية فإن قوله: ورساتيق أرمنية يقتضي أن يكون رباط الخيل برساتيق (٧) أرمينية فإن

стр. 1367

قوله: ونواحي أرمينية لغُزاة الرُّوم، وكذلك ها هنا. فإن سألت: فما بالهم قد حكموا على أن الباء في قولك: ما زيد بقائم مزيدة، مع أنها لتأكيد النفي، واللام في قولك: ان زيدًا لقائم غير مزيدة مع أنها لتأكيد معنى الابتداء؟ أجبتُ فيه حرفان: الحرفُ الأول: أن الباء أبدًا تقع في الطي فلا يلتفت إليها لتمام المعنى بدونها بخلاف اللام فإنها تقع في الصدر وكذلك لزيد منطلق، و ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ وأما إنَّ زيدًا لقائم فلدخول إنّ. الحرف الثاني: -وعليه الاعتماد- أن خبر ما لا يكون على أصله [وهو النصب، حتى تكون الباء زيادة بخلاف اللام فإن خبر المبتدأ على أصله] (١) وإن لم تكن اللام زيادة. تخمير: هذه الحروف لها اشتراكات، فمن والباء جارّتان، ولا وأن للاستقبال وإن وما لنَفي الحال.

стр. 1368

[باب حرفا التفسير] قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف: (حرفا التفسير) وهما "أيْ" و "أنْ"، تقول نحو قوله (١): ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومه، فكأنك قلت: تفسيره: من قومه، أو معناه: من قومه، قال الشَّاعر (٢): وتَرْمِيْنَنِي بالطَّرْفِ أَيْ أنْتَ مُذْنِبٌ … وتَقْلِيْنَنِي لكنَّ إِيَّاكِ لا أَقْلِي" قال المُشرِّحُ: إنما (٣) صلحت "أي" للتَّفسير؛ لأنَّه حرف تنبيهٍ، وتفسيرُ الشَّيءِ تنبيهٌ على معناه، كأنه قالَ: تفسير رَميته بالطَّرف أي: أنت مذنب، لكن إياك: أي لكنّني، ونظيره قول أبي الطيب (٤):

стр. 1369

تَوَالَتْ بلا وَعْدٍ ولَكِنَّ قَبْلَهَا … شَمَائِلَهُ مِنْ غَيْرِ وَعْدٍ بها وَعْدُ أي على رواية من روى "شَمَائِلُهُ" بالرَّفع (١) وقال (٢): فَلَوْ كُنْتُ ضَيِّبًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي … ولكنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيْمُ المَشَافِرِ ومنه ما أنشده الإِمامُ عبدُ القَاهِرِ الجُرْجَانِيُّ في فصل (٣) بيان المفتوحة والمكسورة من كتابه الموسوم بـ (مفتاح الإِعراب) (٤). * فَلَوْ أنَّ حُقَّ اليَوْمَ مِنْكُمْ إِقَامَةٌ (٥) * قال جارُ الله: " (فصلٌ) وأمّا أنْ المفسرة فلا تأتي إلا بعد فعل في معنى القول كقولك: ناديته أنْ قُمْ، وأمرته أَنْ اقعُد، وكتبت إليه أن ارجع". قال المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ (٦): و"أن" التي بمعنى "أي" تحتاج إلى ثلاثة أشياء (٧). أولها: أن يكون الفعلُ الذي تفسره فيه معنى القَول، وليس بقول. والثَّاني: أن لا يَتَّصل بها شيءٌ من صلة الفعل الذي تفسره، لأنه إِذا اتصل به شيء صار من جملته، ولم يكن تفسيرًا له، وذلك قولك: أوعزت

стр. 1370

إليه بأن (١) افعل (٢) لأن الباء تصل الثاني بالأول وصل الناقص بما يتممه وتفسير الكلام لا يكون إلا بعد تمامه. والثَّالثُ: أن يكون ما قبلها كلامًا تامًا، لأنها وما بعدها جملة تفسر جملة قبلها ومن أجلَ ذلك قَوْلُه (٣): ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ونحوه بمعنى "إنه" ولم يصلح أن يكون بمعنى "أي"، لأن ما قبلها غيرُ تامٍّ، وهو مُبتدأ لا خبرَ معه فافهم ذلك. ومعنى قول أبي سَعِيْدٍ: وليس يقول احترازًا عما لو قُلتُ له: أن قم لم يجز، لأن القول يحكي ما بعده ويؤتي باللَّفظ الذي يَصلح في ابتداء وقوعه. قال جارُ الله: "وبذلك فُسّر قولُهُ (٤): ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ وقوله (٥): ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ ". قال المُشَرِّحُ: الخليلُ (٦): "أن" في هذه المنزلة بمنزلة "أي"، لأنك إذا قُلت: انطلق بَنُو فلانٍ أن امشوا فأنت لا تريد أن تخبر أنهم انطلقوا بالمشي، ولكن تريدُ انطلقوا، فقال بعضهم لبعض: امشوا. وقيل: انطلقوا بمعنى تكلموا، كما يقال: انطلق فلان في الحديث، ويقال: امشوا أي: أكثروا، والمشاء: هو النَّماء ومنه سُمّيت الماشِيَةُ، وأهل الكوفة يجعلون "أن" في موضع نصب بإسقاط الجار، كأنه قال: انطلقوا بالمشي أي: بأن قال بعضهم لبعض: امشوا، كأنّه قيل: انطلقوا بهذه الحال، وهذا تنبيه على أن "أن" هي المصدرية تسمي "أن" المُفسرة "أن" التي للعبارة.
следующие страницы →