← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾ بدل مفرد أي: (١) ما جاءنا بشيرٌ. الاستفهام في زيادة "من" كالنفي، ومن ثم كان الكلام معه غير موجب كما مع النفي، ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: ما في مزيد وقيل: معناه: هل من زيادة للأعداء على أنه طلب للزيادة ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ أي: هل خالق غير الله. عند الأخفش تزاد "من" في الإِيجاب (٢) كقوله تعالى (٣): ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ وقد مضى. قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وزيادة الباء لتأكيد النفي والإِثبات في نحو: ما زيد بقائم، وبحسبك زيد، و ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ (٤) ". قال المُشَرِّحُ: زيدت الباء في ما زيد بقائم لتراخي الخبر عن حرف النفي لثقله به، وأما قولك: بحسبك زيد، وكفى بالله فدخلت الباء فيه لتحقيق إضافة الفعل إلى الفاعل على سبيل المبالغة لأن المعنى بحسبك زيد، ويكفيك الله ما في هذا الكلام [نوع نظر] (٥)، وذلك أنه يقتضي أن تكون الباء في بحسبك زيد، وكفى باللهِ مزيدة لتأكيد النفي، وأنها ليست كذلك، نظيره رباط الخيل لغُزَاة الرُّوم بنواحي (٦) خلاط ورساتيق (٧) أرمينية فإن قوله: ورساتيق أرمنية يقتضي أن يكون رباط الخيل برساتيق (٧) أرمينية فإن

стр. 1367

قوله: ونواحي أرمينية لغُزاة الرُّوم، وكذلك ها هنا. فإن سألت: فما بالهم قد حكموا على أن الباء في قولك: ما زيد بقائم مزيدة، مع أنها لتأكيد النفي، واللام في قولك: ان زيدًا لقائم غير مزيدة مع أنها لتأكيد معنى الابتداء؟ أجبتُ فيه حرفان: الحرفُ الأول: أن الباء أبدًا تقع في الطي فلا يلتفت إليها لتمام المعنى بدونها بخلاف اللام فإنها تقع في الصدر وكذلك لزيد منطلق، و ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ وأما إنَّ زيدًا لقائم فلدخول إنّ. الحرف الثاني: -وعليه الاعتماد- أن خبر ما لا يكون على أصله [وهو النصب، حتى تكون الباء زيادة بخلاف اللام فإن خبر المبتدأ على أصله] (١) وإن لم تكن اللام زيادة. تخمير: هذه الحروف لها اشتراكات، فمن والباء جارّتان، ولا وأن للاستقبال وإن وما لنَفي الحال.

стр. 1368

[باب حرفا التفسير] قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف: (حرفا التفسير) وهما "أيْ" و "أنْ"، تقول نحو قوله (١): ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومه، فكأنك قلت: تفسيره: من قومه، أو معناه: من قومه، قال الشَّاعر (٢): وتَرْمِيْنَنِي بالطَّرْفِ أَيْ أنْتَ مُذْنِبٌ … وتَقْلِيْنَنِي لكنَّ إِيَّاكِ لا أَقْلِي" قال المُشرِّحُ: إنما (٣) صلحت "أي" للتَّفسير؛ لأنَّه حرف تنبيهٍ، وتفسيرُ الشَّيءِ تنبيهٌ على معناه، كأنه قالَ: تفسير رَميته بالطَّرف أي: أنت مذنب، لكن إياك: أي لكنّني، ونظيره قول أبي الطيب (٤):

стр. 1369

تَوَالَتْ بلا وَعْدٍ ولَكِنَّ قَبْلَهَا … شَمَائِلَهُ مِنْ غَيْرِ وَعْدٍ بها وَعْدُ أي على رواية من روى "شَمَائِلُهُ" بالرَّفع (١) وقال (٢): فَلَوْ كُنْتُ ضَيِّبًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي … ولكنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيْمُ المَشَافِرِ ومنه ما أنشده الإِمامُ عبدُ القَاهِرِ الجُرْجَانِيُّ في فصل (٣) بيان المفتوحة والمكسورة من كتابه الموسوم بـ (مفتاح الإِعراب) (٤). * فَلَوْ أنَّ حُقَّ اليَوْمَ مِنْكُمْ إِقَامَةٌ (٥) * قال جارُ الله: " (فصلٌ) وأمّا أنْ المفسرة فلا تأتي إلا بعد فعل في معنى القول كقولك: ناديته أنْ قُمْ، وأمرته أَنْ اقعُد، وكتبت إليه أن ارجع". قال المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ (٦): و"أن" التي بمعنى "أي" تحتاج إلى ثلاثة أشياء (٧). أولها: أن يكون الفعلُ الذي تفسره فيه معنى القَول، وليس بقول. والثَّاني: أن لا يَتَّصل بها شيءٌ من صلة الفعل الذي تفسره، لأنه إِذا اتصل به شيء صار من جملته، ولم يكن تفسيرًا له، وذلك قولك: أوعزت

стр. 1370

إليه بأن (١) افعل (٢) لأن الباء تصل الثاني بالأول وصل الناقص بما يتممه وتفسير الكلام لا يكون إلا بعد تمامه. والثَّالثُ: أن يكون ما قبلها كلامًا تامًا، لأنها وما بعدها جملة تفسر جملة قبلها ومن أجلَ ذلك قَوْلُه (٣): ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ونحوه بمعنى "إنه" ولم يصلح أن يكون بمعنى "أي"، لأن ما قبلها غيرُ تامٍّ، وهو مُبتدأ لا خبرَ معه فافهم ذلك. ومعنى قول أبي سَعِيْدٍ: وليس يقول احترازًا عما لو قُلتُ له: أن قم لم يجز، لأن القول يحكي ما بعده ويؤتي باللَّفظ الذي يَصلح في ابتداء وقوعه. قال جارُ الله: "وبذلك فُسّر قولُهُ (٤): ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا﴾ وقوله (٥): ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ ". قال المُشَرِّحُ: الخليلُ (٦): "أن" في هذه المنزلة بمنزلة "أي"، لأنك إذا قُلت: انطلق بَنُو فلانٍ أن امشوا فأنت لا تريد أن تخبر أنهم انطلقوا بالمشي، ولكن تريدُ انطلقوا، فقال بعضهم لبعض: امشوا. وقيل: انطلقوا بمعنى تكلموا، كما يقال: انطلق فلان في الحديث، ويقال: امشوا أي: أكثروا، والمشاء: هو النَّماء ومنه سُمّيت الماشِيَةُ، وأهل الكوفة يجعلون "أن" في موضع نصب بإسقاط الجار، كأنه قال: انطلقوا بالمشي أي: بأن قال بعضهم لبعض: امشوا، كأنّه قيل: انطلقوا بهذه الحال، وهذا تنبيه على أن "أن" هي المصدرية تسمي "أن" المُفسرة "أن" التي للعبارة.

стр. 1371

[باب الحرفان المَصْدَرِيَّان] قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف: (الحرفان المصدريان) وهما "ما" و"أن" في قولك: يعجبني ما صنعت، وما تصنع أي: صنعك قال الله تعالى (١): ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ أي: برحبها". قال المُشَرِّحُ: أما معنى "ما" التي هي مع الفعل بمنزلة المصدر فدلالتها مع الماضي على معنى المضي ومع المضارع على معنى الحاضر أو المستقبل من ذلك الفعل، وذلك: سرني ما صنعت أمس، و"ما نفعني مال ما نفعِني مال أبي بكر"، وشمرني ما تصنعه الآن أو غدًا، أي: ما تريد صنعه غدًا. قال جارُ اللهِ: "وقَدْ فُسِّرَ به قَوْلُهُ (٢): ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ قال الشَّاعر (٣):

стр. 1372

يُسَرُّ المَرءُ ما ذَهَبَ اللَّيَالِي … وَكَانَ ذَهَابُهنَّ له ذَهَابَا" قالَ المُشَرِّحُ: الرِّوايةُ: "يُسَرُّ" مَبْنِيًّا للفاعِل، و"المَرْءُ" منصوبٌ و"ما" في محلّ الرَّفْعِ بأنه فاعلُ "ذهب". ولو رُويَ "يُسَرُّ" مبنيًا للمفعول و"المرءُ" مرفوعٌ بأنه فاعلُ "يسرُّ"، و"ما" للمُدَّة لكانَ وجهًا وأنشد الشَّيخُ (١): أَعدّ سِنِيْنِي فَارِحًا بمُرُوْرِهَا … ومَأْتَى المَنَايَا مِنْ سِنِيٍّ وأَشْهُرُ علي بن عيسى: إنما أعملت "أن" في الفعل المضارع ولم تعمل "ما" لأن "أن" نقلته نقلين إلى معنى المصدر والاستقبال، و"ما" لم تنقله إلَّا نقلًا واحدًا، إلى معنى المصدر فقط، وكلُّ ما كان أقوى على تغيير معنى الشيء كان أقوى على تغيير لفظه. قال جارُ الله: "وتقول: بَلَغَني أن جاء عمرَّو، وأريد أن تفعلَ وإِنَّه أهلٌ أن يفعلَ وقال اللَّه تَعالى (٢): ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: أما معنى "أن" المفتوحة التي هي مع الفعل بمنزلة المصدر فدلالتها مع المُضي على معنى الاستقبال لأنَّها يدخل عليها، ولا تقع الحال، ولا تعمل إلا في باب المستقبل ويُدل على إيجابها المستقبل أنَّك إذا

стр. 1373

قلت: أن تَأتني خيرٌ لك لم تقصد إلا إتيانًا يقع في زمان. ذكره الإِمام عبد القاهر الجُرجاني في (شرح المائة) (١). قوله: وإنه أهلٌ أن يفعلَ -بالتَّنوين- أي أهلٌ لذلك، وإن شئت أصفتَ بمعنى أهل ذلك ونحوه أتيته مخافةً أو مخافةَ أن يفعل، والأول هو المَرْوِيُّ عن الشيخ ﵀. تخمير: الفرقُ (٢) بين ذكر "أَنْ" مع الفعل بمعنى المصدر وبين الإِفصاح بذكر المصدر من وجهين: أحدُهما: -فيما ذَكَرَهُ عليُّ بن عِيْسَى- أنَّ ذكرَ المصدر بمنزلة المُجمل، لأنه يحتمل الفعل (٣) الذي نُسب إلى فاعله، والمفعول (٤) الذي فعل به والفاعل (٥) الذي فعله، وإذا ذكرت "أن" مع الفعل فقد أفصحت بالمعنى الذي أردت من ذلك مثال ذلك: أعجبني ضربُ زيدٍ وأن ضُرِبَ زيدٌ، وأن يُضربَ زيدٌ. والآخر: أن ذكر المصدر لا يدلُّ على زمانٍ بعينه وذكر "أن" مع الفعل تدل على أن الفعل وقع مع فاعله فيما مَضى. أو يقع فيما يأتي نحو ما ذكرنا. وفرقٌ ثالثٌ: وهو أن "أن" وصلتها له شبه بالمُضمر في أنه لا يوصف كما [لا] (٦) يوصف المُضمر ولذلك اختار أبو عُمَر الجَرْمِيّ في ﴿الْبِرَّ﴾ من قوله تعالى (٧): ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ النَّصب (٨) لأنه إذا اجتمع

стр. 1374

مظهرٌ ومضمرٌ فالوجهُ أن يكونَ المضمرُ الاسمُ من حيث أنه أذهب في الاختصاص من المُظهر. قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وبعضُ العَربِ يرفعُ الفعلَ بعد "أن" تشبيهًا بـ "ما" قال: أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا … مِنِّي السَّلامَ وأن لا تُشْعِرَا أَحَدَا" قالَ المُشَرِّحُ: ما قبل البَيْتِ (١): يا صَاحِبَيَّ فَدَتْ نَفْسِي نُفُوْسَكُمَا … وحيثُما كُنْتُمَا لَاقَيْتُمَا رَشَدَا أَنْ تَحْمِلَا حاجَةً قَدْ خَفَّ مَحْمَلُهَا … وَتَصْنَعَا نِعْمَةً عِنْدِيْ بِهَا وَيَدَا "أن تَحْمِلَا حاجةً" في موضعِ النَّصْبِ بفعلٍ مُضمرٍ دَلَّ عليه ما مَضَى من النِّداء والدُّعاء، تقديره أسألكما. قال جارُ الله: "وعن مُجَاهِدٍ (٢): ﴿أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ (٣)﴾ بالرَّفْعِ". قال المُشَرِّحُ: ﴿يُتِمَّ﴾ بضم التاء والرَّضاعةَ بالنصب.

стр. 1375

[باب حروف التحضيض] قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف: (حُروف التَّحضِيْض) وهي: "لَوْلَا"، و "لَمَّا"، و "هَلَّا"، و"أَلَا" تقول: لولا فعلتَ كَذَا، ولو ما ضَرَبْتَ زيدًا وهلَّا مررتَ به، وأَلَا قُمْتَ: تريدُ استبطاءَه وحثَّه على الفِعْلِ ولا تَدْخُلُ إلا على فعلٍ ماضٍ أو مستقبلٍ قالَ الله تَعالى (١): ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ (٢) وقال (٣): ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ وقالَ (٤): ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ". قال المُشَرِّحُ: سيبويه (٥) "لولا" و"لوما" و"هلا" و"ألا" معناها واحدٌ وهو التَّحضِيْضُ، وقال الفَرَّاءُ: معناها لَوْمٌ على ما كان، وحثٌّ على ما يكون، وقالَ غيرهما: معنى "لولا" و"لو ما" للتحضيض أو التأنيب وذلك: قولك في التحضيض: لولا تزورني، وفي التَّأنيث: لولا زرتني أي: لم تزرني، قال

стр. 1376

الله تعالى (١): ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ وقال: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾. قال جارُ الله: "فإن وقع بعدها اسمٌ منصوبٌ أو مرفوعٌ كان بإضمار رافعٍ أو ناصبٍ، كقولك: لِمَنْ ضَرَبَ قَوْمًا: لَولا زَيْدًا، أي: لَولا ضَرَبْتُهُ، قال سيبويه: وتقول: لولا خيرًا من ذلك وهلَّا خيرًا من ذلك أي: هلا تفعل خيرًا من ذلك قال: ويجوز رفعه على معنى هلا كان منك خير من ذلك قال جرير: تَعُدُّوْنَ عَقْرَ النِّيْبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُمْ … بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلَا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا" قالَ المُشَرِّحُ: حكم هذه الحُروف أن يليها الفِعل لا غير، لأنَّ الحَضّ على الشيءِ معناه: تَوكيد الأمرِ بفعله. ومتى وليها اسمٌ كقولك: لولا زيدٌ أضمرت (٢) بعدها الفعل ويجوز فيه النَّصب نحو لولا زيدًا أي: لولا ضربت زيدًا، وإنما حُسن إضمار الفِعل فيها وتأخيره دون غيرها من الحروف التي يليها الفعل نحو "قد" و"لم" وشبههما؛ لأنَّ هذه الحروف لما جُعل فيها معنى التخصص واستدعاء الفعل صارت كأنها أفعال فجاز إيلاءُ [الاسم] (٣) إياها تَشْبِيْهًا لها بالفعل، وحذف الفعل معها لذلك. فإن سألتَ: هذه الحروف كما جُعل فيها معنى التَّحضيض فكذلك قد (٤) جُعل فيها معنى التَّقريب، ولم يُجعل فيها معنى النَّفي وكما أن التخصيص فعل فكذلك التَّقريب والنَّفي. أجبتُ: التَّحضيضُ من حيثُ أنه [حضٌّ] (٥) يستدعي الفعل بخلاف

стр. 1377

التقريب والنفي فإنهما من حيث أنهما تقريب ونفي لا يستدعيانه، إنما خرجت "لو" عن معناها بدخول "لا" و "ما" عليها إلى معنى التَّحضيض لما فيها من معنى الطَّلب للفِعل المُتمنى والمَحضُوض عليه. الضَيْطَرُ: هو الرَّجُلُ الضَّخمُ الذي لا غَناءَ عنده، وكذلك الضَّوْطَرَى. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهرِ الجُرْجَانِيُّ (١): لولا تعدون الكَمِيّ أو لولَا تَعْقِرُوْنَ. وفي (حاشية المفصل) (٢): يُحكى أنَّ [أبا] الفَرَزْدَق (٣) وهو غالبٌ [من بني مالك] (٤) عاقر على ما مضى سُحيمَ بن وُثَيْلٍ اليَرْبُوْعِيَّ فعقره غالب، وغالب (٥) فيما حكاه الإِمام عبد القاهر الجرجاني هو الذي أتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٦) فقال له: من أنت قال: غالب، فقال أميرُ المؤمنين ﵁: صاحبُ الإِبل الكثيرة قال: نعم، قال: ما فعلت إبلك؟ قال دعدعتها النَّوائب وفرقتها الحقوق فقال: ذلك خيرُ سبلها (٧).

стр. 1378

قال جارُ الله: " (فصلٌ): ولـ "لولا" و"لوما" معنى آخر وهو امتناع الشيء لوجود غيره، وهما في هذا الوجه داخلتان على اسم مبتدأ كقولك: لولا علي لهلك عمر". قال المُشَرِّحُ: "لولا" و"لوما" في هذا الوجه يدخلان على جملتين ابتدائية وفعلية، لربط الثانية بالأولى، والجملة التي تليها هي الابتدائية، والتي هي جوابها الفعلية، وذلك قولك: لولا زيد بالبصرة لخرج بكر. قال أبو سعيد السيرافي: والأصل فيه: زيد بالبصرة خرج بكر فلا تتعلق إحدى الجملتين بالأخرى، فإذا دخلت لولا علقت إحداهما بالأخرى فصارت الأولى شرطًا والثانية جَزَاءً، ويكثر فيهما حذف الخبر من الشرط كقولك: لولا زيدٌ لجاءني بكرٌ، أي: لولا زيدٌ عندي. قال سِيْبَوَيه (١): "لولا" و"لوما" لابتداء وجواب فالأول: سبب ما وقع، وما لم يقع يعني أنك تقول: لولا زيدٌ لزرتك، فزيد سببُ أنه لم يزره، ولولا زيد لم أزرك، فزيد سبب أنه زاره.

стр. 1379

[بابُ حرف التقريب] قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف: (حرف التَّقريب) وهو "قَدْ" يقرب الماضي من الحال، إذا قلتَ: قد فعل، ومنه قول المؤذن: "قد قامت الصلاة" ولا بدّ فيه من معنى التَّوَقُّعُ. قال سيبويه: وأما "قد" فجوابُ هل فَعَلَ؟ وقال أيضًا: فجوابُ لِمَّا يَفْعَلُ، وقال الخَلِيْلُ: هذا الكلامُ لقومٍ ينتظرون الخَبَرَ". قال المُشَرِّحُ: و"قد" تدخل على الأفعال خاصة، ومعناها على ثلاثة أوجه: الأول: وهو فيها الأصل: تقريب الماضي من الخال في الإِخبار كقولك: رأيت زيدًا قد عزم على الخروج أي: عازمًا عليه، وكذلك: كنت أتمنى لقاءَ زيدٍ وقد لقيته أي: فيما قرُب من الحال. الثاني: الإِخبار عن فعل مُتوقع في الحال، ومسئول عنه كقولك: قد ركب الأميرُ، وقد جاءَ زيدٌ لمن يقدَّر أنه يتوقع ذلك، وهذا يرجع إلى معنى التَّقريب، لما فيه من تقريب الفعل من الحال في الإِخبار، لأنه إنما يتوقع ما قرب من الحال. قال سيبويه (١): وأمَّا قد فعل فجوابُ هل فَعَلَ؟ وقالَ أيضًا:

стр. 1380

فجواب لَمَّا يَفْعَلُ، وقال الخليلُ: هذا الكلامُ لقوم ينتظرون الخبر. أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ (١): يعني أن الإِنسان إذا سُئِلَ عن فعلِ [فاعل] (٢) أو علم أنه يتوقع أن يخبر به قيل له: قد فَعَلَ، فإن كان المخبرُ مبتدئًا قال: فعل فلانٌ كَذا وكَذا. ونظير ذلك إذا أردت أن تنفي والمحدث يتوقع إخبارك قلتَ: لمَّا يفعل، وهو نقيض قد فَعَلَ، وإذا ابتدأت قلتَ: لم يفعل إذا قيل لما يفعل فإنك ترد عليه بقد فعل، وإذا قيل: قد فعل فإنك ترد عليه بلمَّا يفعل. قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتكون للتَّقليل بمنزلة "ربما" إذا دخل على المضارع كقولهم: إنَّ الكذوب قد يَصدقُ". قالَ المُشَرِّحُ: الثالثُ: تَقْلِيْلُ الفعل في الإِخبار بمعنى تقريبه من الحال كقولك: قد يَصدق الكاذِبُ، وقد يَعْثُرُ الجوادُ، وذلك لما بين التقريب والتقليل من المقاربة، ألا تَرى أنَّ التقريبَ في الحقيقةِ تقليلُ المَسَافَةِ. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) ويجوزالفصلُ بينه وبين الفعل بالقسم كقولك: قَدْ -واللهِ- أحْسَنْتَ وقد -لَعَمْرِي- بُثُّ ساهِرًا، ويجوز طرح الفعل بعدها إذا فُهم كقوله (٣): أَفِدَ التَّرَحُّلُ غيرَ أنَّ رِكَابَنَا … لَمَّا نَزَلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ" قال المُشَرِّحُ: إنما حَسُنَ الفَصْلُ بين "قَدْ" ولم يحسن في الألف واللام وسوف والسين، لأنَّهم إذا تَوَسَّعُوا في "قَدْ" بإفرادها وطرح ما بعدها لدلالة ما تقدَّمها عليه فلأن يَتَوَسَّعُوا فيه بالفصل أولى. الرِّوايةُ: "أحسنتَ" بفتح التاء، التاء في "بتُّ" مضمومة "ساهرًا" بالرَّاء لا بالدَّال. "ركابنا" بإضافة ركاب إلى الضمير، لأن ركابَنا جمعُ ركوبةٍ.

стр. 1381

[بابُ حروف الاستقبال] قال جارُ الله: ومن أَصناف الحرف: (حروفُ الاستقبالِ) وهي سوف والسّين و"أن"، و"لا"، و"لن"، قال الخليل: أن سَيَفْعَل، جوابُ لن يَفعل، كما أن ليفعلن جوابُ لا يفعل لما في لا يفعل من اقتضاء القسم". قالَ المُشَرِّحُ: السين، و"سوف" و"لن" تختص بالمستقبل، وأما "لا" و "أن" فقد يدخلان على الماضي، أن سيفعل جواب لن يفعل، لأنها للاستقبال، إلا أنها في النفي الذي يدل على أن [في] (١) يفعل اقتضاء قسم أنه يقع في جواب القسم وكذلك قوله: والله لا يفعل. قالَ جارُ اللهِ: "وفي سوف دِلالةٌ على زيادة تنفيس، ومنه سوفته كما قيل: من آمين أَمَّن، ويُقال: سَفْ أَفْعَلَ". قال المُشَرِّحُ: ابنُ السَرَّاج: ولما فيها من زيادة معنى السين جاءت أتمّ مما عليه السين. قال جارُ الله: "وأن" تدخل على الماضي والمضارع (٢) فتكون معه في تأويل المصدر، وإذا دخل على المضارع لم (٣) يكن إلا مُستقبلًا كقولك: أريد أن تخرج".

стр. 1382

قال المُشَرِّحُ: هذا المعنى قد مضى. قال جارُ اللَّه: "ومن ثم لم يكن منه بدُّ في خبر "عسى" ولما انحرف الشاعر في قوله (١): عَسَى طَيِّءٌ من طيءٍ بَعْدَ هَذِهِ … ستُطْفِيءُ غَلَّاتِ الكُلَى والجَوَانِحِ عما عليه الاستعمال جاء بالسين التي هي نظيرة "أن". قال المُشَرِّحُ: هذا المعنى أيضًا قد مضى ذكره في الأفعال الناقصة. فإن سألتَ: أي علّة في الكُلى حتى أُضيف إليها. أجبت: لأن (٢) المزاجَ عند ورود الهُمومِ والأحزانِ عليه مما ينفعل فيسخن وإذا سخن المزاج حَمِيَ البَوْلُ واحتدَّ والبولُ ممرُّه على الكُلى فكأنه قال: سيطفئ الغلل التي يظهر في البول أثرها. قال جارُ اللهِ: "وهي مع فعلها ماضيًا أو مضارعًا بمنزلة "أنَّ" مع ما في خبرها".

стр. 1383

قال المُشَرِّحُ: يقول الجملة كما تُنقل (١) بعد أنّ المشددة مفردًا فكذلك بعد أنْ المُخففة. فإن سألتَ: فكيفَ جازَ الابتداء (٢) "بأن" المفتوحة النَّاصبة للفعل ولم يجز "بأنْ" المفتوحة الناصبة للإِسم؟. أجبتُ: لأن "أنَّ" المشددة لو ابتدئ بها لاستهدفت لدخول "أنَّ" عليها واجتماعهما قبيح. قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتميمٌ وأسدٌ يحوِّلُون هَمْزَتَهَا عينًا فينشدون بيتَ ذي الرمة: * أَأَنْ تَرسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً * "أَعَنْ تَرَسَّمْتَ" وهي عَنْعَنَةُ بني تَمِيْمٍ. وقد مرَّ الكلام في "لا" و"لن"". قالَ المُشَرِّحُ: ترسَّمتُ الديارَ: تأمَّلتُ رسومها. الخَرْقَاءَ صاحبة ذِي الرُّمة: وهي من عامرِ بن رَبيعة بن عامر بن صَعصعة منقولة من الخَرْقاء وهي ضد الرَّفيقة، وتَمامُ البيت (٣): * ماءُ الصَّبَابَةِ من عَيْنَيْكَ مَسْجُوْمُ *

стр. 1384

[باب حرفا الاستفهام] قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف: (حرفا الاستفهام) وهما: الهمزة و "هل" في نحو قولك: أزيد قائمٌ، وأقامَ زيدٌ، وهل عمرٌو خارجٌ، وهل خرجَ عمرٌو". قال المُشَرِّحُ: الهمزة لنقل الجُملة من معنى الخبرِ إلى معنى الاستخبار، وهي نظيرة الميم في أنهما ظرفان. الميم من أول مخارج الحروف، والهمزة من آخرها، وهل لها معنيان: أحدهما الاستفهام. قال جارُ الله: "والهمزة أعمُّ تصرفًا في بابها من أختها، تقول أزيدٌ عندَكَ أم عمرٌو؟ وأَزيدًا ضربتُ؟ وأتضرب زيدًا وهو أخوك؟. قال المُشَرِّحُ: والفرق (١) بين "هل" في الاستفهام وبين الهمزة أن الهمزة تقعُ مواقعَ الاستفهامِ كلِّها، ولا تقع كذلك "هل"، تقول: أزيد عندك أم عمرو بمعنى: أيهما عندك، ولا يجوز أن تقع "هل" في هذا المعنى لأن الاستفهام "بهل" يدور على وجود الفعل وعدمه كقولك: هل تضرب (٢) زيدًا

стр. 1385

فمعناه: أم لم تضربه (١)، وكذلك إذا قلت: هل عندك زيدٌ فمعناه: أم ليس عندك، وفرق بين أن تقول: أي الشيئين وجد، وبين أن تقول: هل وجد هذا الشيء أم لم يوجد؟ وتقول: أزيدًا ضربت، ولا تقول: هل زيدًا ضربت لأن قولنا: أزيدًا ضربت معناه: أَم عمرًا، وقد ذكرت أن هل لا تقع هذا الموقع. وتقول: أتضربُ زيدًا، وهو أخوك، لأنَّك في الأول تَدَّعِي أن الضَّرْبَ واقعٌ به لتوبيخه، ولا كذلك في الثاني، لأن موضع "هل" لاستقبال الاستفهام فلا يجاوزه. تَخْمِيْرٌ: وتكون الهَمزة للتَّقرِيرِ (٢) ومعنى التَّقرِيْرُ ها هنا أن تلجئ المخاطب إلى الإِقرارِ بأمرٍ قد كان، فإذا قلتَ أضربتَ زيدًا لم يكن غَرَضُكَ أن يُعلمك أمرًا لم تعلمه. قال الإِمامُ عبدُ القاهر الجُرْجَانِيُّ (٣): ولكن (٤) أن تقرره أي: تحمله على الإِقرار بفعل قد فعله. قالَ جارُ الله: "وتقول لمن قال لك: مررت بزيد، وتوقعها قبل الواو والفاء وثم، قال الله تعالى (٥): ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ وقال (٦): ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ وقال (٧): ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ ولا تقع هل في هذه المواقع". قال المُشَرِّحُ: أمَّا قولُه: أَبزيدٍ فلأن الهمزة أجلَدُ وأكثرُ تصرفًا فتدخل في بعض الكلام كما تدخل في كله، ولا كذلك "هل" فإنها لا تقتَطِعُ بها (٨)

стр. 1386

بعضَ الكلامِ دونَ تمامِهِ، وأمَّا المسائل الثلاث فلأن الواو والفاء و"ثم" لما كانت من جملة عطف عليها بهن، صار ما فيه واحدة منهن بعض تلك الجملة وجاز اقتطاعها بالهمزة (١) من تلك الجُملة ولم يجز بـ "هل" لما ذكرنا وهذا معنى قول سيبويه. قال جارُ الله: " (فصلٌ) وعند سيبويه (٢) أن هل بمعنى "قد" إلا أنَّهم تَرَكُوا الألفَ قبلها، لأنَّها لا تقعُ الا في الاستفهام، وقد جاءَ دخولها عليها في قوله (٣): سائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوْعٍ بِشِدَّتِنَا … أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفْحِ القَاعِ ذِيْ الأَكَمِ" قالَ المُشرِّحُ: لما كانت "هل" لا تقع إلا بعد همزةِ الاستفهامِ، جرت مجرى حرف الاستفهام، فحذفت الهمزة. الرواية في (بشَدَّتِنَا) فتح الشين. قالَ جارُ الله: " (فصلُ) وتحذف الهمزة إذا دلَّ عليها الدَّليل قال: لَعَمْرُكَ ما أَدْرِي وإن كنتُ دارِيًا … بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ" قالَ المُشَرِّحُ: أم بثمان دليل على حذفِ همزة الاستفهامِ. البيتُ لعمر بن أبي ربيعة (٤)، وقبله:

стр. 1387

بَدَا لِيَ مِنْهَا مِعْصَمٌ يَوْمَ جَمَّرَتْ … وَكَفُّ خَضِيْبُ زُيِّنَتْ بِبَنَانِ فَلَمَّا الْتَقَيْنَا بالثَّنِيَّةِ سَلَّمَتْ … وَنَازَعَنِي البَغْلُ اللَّعِيْنُ عِنَانِي فَوَاللهِ مَا أدْرِي ........... … ....................... جَمَّرَتْ: أي رَمَتِ الجِمَارَ، الثَّنية: عند جمرة العَقَبَة. قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وللاستفهام صدرُ الكلامِ لا يجوز تقديم شيءٍ مما في حيزِه عليه لا تقول ضربتُ أزيدًا وما أَشبه ذلك". قال المُشَرِّحُ: كلُّ حرفٍ للاستفهامِ لا يقعُ إلا في صدرِ الكلامِ؛ لأنَّه ينقل الجُملة عن الخبر إلى الاستخبار فيكون له صدرُ الكلامِ، ألا تَرى أَن "ما" لما كانت لنقلِ الجملةِ عن الإِثبات إلى النَّفي كان لها صَدرُ الكلامِ. كذلك هذا.

стр. 1388

[باب حرفا الشرط] قال جارُ الله: "ومن أصناف الحرف: (حرفا الشرط) وهما "إنْ"، و"لو" يدخلان على جملتين فيجعلان الأولى شرطًا والثانية جزاءً كقولك: إِن تضربني أضربك، ولو جئتني لأكرمتك خلا أنَّ "إن" تجعل الفعل للاستقبال -وإن كان ماضيًا- ولو تجعله للمضي -وإن كان مستقبلًا- كقوله تعالى (١): ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: "إن" الجَزائية إِذا دخلت على جُملتين (٢) أخرجت كل واحدةٍ منهما عن كونها كلامًا كما أن "أن" المصدرية إذا دخلت على جملةٍ جعلتها مفردًا فأخرجتها عن كونها كلامًا تقول: يأتيني زيدٌ فيكون كلامًا فإِذا أدخلت عليه "أن" فقلت: أَنْ يَأتِيْني زَيْدٌ [صارَ في معني إتيانِ زيدٍ] (٣) فلا يكون له فائدةٌ حتى تأتيَ باسمٍ فتقول: إن يأتني زيد خيرٌ له فعلى، وتقول (٤): يسرني أن يأتني زيدٌ. أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: أصلُ جوابِ الشَّرطِ أن يكونَ فعلًا

стр. 1389

مستقبلًا وأن يكونَ محذوفًا مُلْتَبِسًا بالشَّرطِ. ونظير هذه المَسألة أن الأصلَ في عَدَدِ القلَّةِ أن يُضاف إلى جمع القِلَّة فإن وَلِيَهُ فعلٌ ماضٍ نحو إن قمت أحال معناه إلى الاستقبال. فإن سألتَ (١): فَمَا بَالُ "إن" لم تحمل نحو قوله: إن كنتَ [جئتك] (٢) في المَوَدَّةِ ساعةً … فَذَمَمْتُ سيفَ الدَّوْلَةِ المَحْمُوْدَا فإنَّ المرادَ به الماضِي، ومن ثَمَّ قالَ أبو العبَّاس: ومِمَّا يُسأل عنه في هذا الباب قولك: إن كنت زُرْتَنِي أَمْسِ أكرمتك اليومَ فقد صارَ ما بعدَ "أن" يقع في معنى الماضي (٣)؟. أجبتُ: لأن "إن" و "أن" اقتضى تغيير الشرط إلى الاستقبال [لكن وقوع الماضي في مقام الخبر يقتضي أن لا يتغير إلى الاستقبال] (٤) وهو آخرهما (٥) وجودًا فتكون الغلبة له. قال جارُ الله ﵀: "وزعمَ الفَرَّاء أن "لو" تستعمل في الاستقال كـ "إن". قال المُشَرِّحُ: مثال ذلك قولك: لو استقبلت أمرك بالتوبة لكان خيرًا لك، والمعنى إن استقبلت. قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا يخلو الفعلان في باب "إن" من أن يكونا مضارعين أو ماضيين، أو أحدهما مضارعًا والآخر ماضيًا، فإن كانا مضارعين فليس فيهما إلا الجزم، وكذلك في أحدهما إذا وقع شرطًا، فإذا وقع جزاءً

стр. 1390

ففيه الجزمُ والرَّفعُ قال زُهير (١): وإن أَتَاهُ خَلِيْلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ … يَقُوْلُ لا غَائِبٌ مالِي ولا حَرِمُ" قال المُشَرِّحُ: الشَّرط (٢) إذا كان ماضيًا والجزاءُ مضارعًا جاز في الجزاء وجهان رفعه وجزمه، أمَّا الجزمُ فقياسٌ وعليه قوله تعالى (٣): ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾. أمَّا الرَّفْعُ فاستحسانٌ، وذلك أن الجزاءَ حيث ينجزم [ينجزم] (٤) تبعًا للشرط فإذا لم ينجزم المَتبوع وهو الشَّرط لم ينجزم أيضًا التبع وهو الجزاء. تخميرٌ: اعلم أنَّ الأحسنَ في باب المُجازاة أن يكونَا مضارعين لأن حقيقةَ الشرطِ للاستقبال (٥)، فوجبَ أن يكون اللَّفظ على ذلك. ويجوز أن يكونا ماضيين لأنّ الماضي أخفُّ من المضارع. في باب الأعداد فاستعملوه لخفته ومنهم (٦) إذ كان حروف الشرط يدل على الاستقبال وقد يجوز أن يكون الأول ماضيًا والثاني مضارعًا وهو أحسن من أن تنعكس هذه القضية وليس في الحسن بمنزلة الأوليين لمخالفتك فيه بين الشرط والجزاء وهما مستويان في الحكم، بخلاف ما إذا جعلت الشرط مضارعًا والجزاءَ ماضيًا فإنه قبيحٌ، والفصل بينهما: أن الجزاء في هذا الفصل كما خالف الشرط فقد

стр. 1391

خالف قضية المُجازاة [بخلاف الفصل المتقدم فإنه وإن خالف الجواب لم يخالف قضية المُجازاة] (١) لانجزامه. تخميرٌ: اعلم (٢) أن الجواب إذا تقدم حرف الشرط فإنه لا يعمل فيه وإن كان مضارعًا، وهذا لأن الحروف ضعيفةٌ لا تعمل فيما قبلها، والأحسن إذا قدمت الجَواب أن يكون ما بعدَ "إن" فعلًا ماضيًا ليتجاوب الجواب والشرط في إبائهما (٣) على حرف الشرط وامتناعهما عن الأفعال المتوجهة إليهما من (٤) حرف (٥) الشرط. حَرَمَهُ الشيءَ يَحْرِمُهُ حَرْمًا، مثل سَرَقَهُ يَسْرِقُهُ سَرْقًا أي: مَنَعَهُ، والمراد به في البيت الممنوع، وهذا من باب التسمية بالمصدر. البيت لزُهير يمدحُ هَرِمَ بن سنانٍ. قال جارُ الله: " (فصلٌ" وإن كان الجزاء أمرًا أو نهيًا، أو ماضيًا صحيحًا أو مبتدأ، أو خبرًا فلا بدَّ من الفاء كقولك: إنْ أتاك زيدٌ فأكرمْه وإنْ ضربك فلا تضربْه، وإنْ أكرمتني اليوم فقد أَكرمتك أمسِ وإنْ جئتني فأنتَ مكرمٌ". قال المُشرِّحُ: اعلم (٦) أن المجازاة إذا كانت حقيقيةً فالجزاء لا يدخل عليه الفاء، لأنه بدونه، وذلك مثل قولك: إن كان كذا كان هذا وإن لم يكن كذا لم (٧) يكن هذا، أمَّا إذا لم تكن حقيقةً فلا بد فيها من الجزاءِ شرطًا (٨) وذلك إن أتاك زيدٌ فأكرمه وإنْ ضربَكَ فلا تَضْرِبْه؛ لأنَّ الأمرَ والنَّهيَ ليسا من

стр. 1392

المُجازاةِ في شَيْءٍ، وإن أَكرمتني اليومَ فقد أَكرمتك أمسِ؛ لأن الفعل الماضي لا يكونُ جزاءً حقيقيًا. فإن سألتَ فلمَ وَقَعَ الجَزَاءُ ها هنا ماضيًا؟. أجبتُ: لأن "إن" وإن اقتضى استقباله فقد تقضي مضيّه وهو آخرهما وجودًا فكانت الغلبة له، وإن جئتني فأنت مكرم ليس بجزاء حقيقي، والنكتة فيه ما قاله الشَّيخُ الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرْجَانِيُّ (١) وهو أن يقال: كل ما لو أردت أن تجعله شرطًا لم يصح فإذا أردت أن تجعله جزاء وجب أن يكون بالفاء. قال جارُ الله: "وقد تَجِيءُ الفاءُ محذوفةً في الشُّذوذ كقوله: * مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا * قال المُشَرِّحُ: معناه: فالله يشكرها. تمامه: * والشَرُّ بالشَرِّ عندَ اللهِ مِثْلَانِ * البيت لكعبِ بن مالكٍ الأَنصاري (٢) وقبله: فإنّما هذه الدُّنيا وزِيْنَتُها … كالزَّادِ لا بدَّ يومًا إنه فانِي قال جارُ الله: "وتقام "إذا" مقامَ الفاءِ قالَ الله تَعَالَى (٣): ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ".

стр. 1393

قال المُشَرِّحُ: يمكن (١) أن يكون ذلك تَشْبِيْهًا لها بإِذَا التي للمفاجأة نحو خرجت فإذا زيدٌ على الباب، لأن الشرط يؤدي إلى الجواب فكأنه يهجم عليه، ومما يُوضح هذا الكلام أنه لا بد للمفاجأة من عمل يتقدمه عمل كما أنَّه لا بدَّ للمجازاة من فعل يتقدمه فعل (٢) وكذلك (٣) الثاني في المفاجأة موقوف على الأول كما في المجازاة فـ "إذا" ها هنا ظرفُ زمان في مثل: آتيتك إذا أحمرَّ البُسر، وبينهما (٤) ظرف مكان ويسمى ظرف المفاجأة، قال الإِمام عبد القاهر الجرجاني (٥): هي تَجري مجرى الفاء في ربط الجملة بما قبلها، وجعلها آخرًا وقالَ أيضًا: ولا تدخل إذا إلا على الجملة من المبتدأ والخبر. قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا تستعمل "إن" إلا في المعاني المحتملة المشكوك في كونها، ولذلك قَبُحَ أن احمر البُسر كان كَذَا، وإن طلعت الشمس آتكِ إلا في يومِ المُغِيْم". قال المُشَرِّحُ: إن حق ما يجازى به أن لا يدري أيكون [أم لا] (٦)، إذا قلت: إن أمطرت السماء جلسنا للحديث حسن لأنه (٧) لا يدري أتمطر [فيه] (٨) وإنْ (٩) قُلتَ: إذا أمطرتِ السّماءُ جَلَسْنَا للحديثِ جازَ على أنَّكَ تُخبر بوقوع الجلوسِ في ذلك الوقت.

стр. 1394

قال جارُ الله: "وتقولُ: إن مات فلانٌ كان كذَا، وإن كان موته لا شبهة فيه إلا أن وقتَه غيرُ معلومٍ فهو الذي حسن فيه" (١). قال المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: وقولك: إن ماتَ فلانٌ كان كَذا وكَذا أحسنُ من قولك: إن احمرَّ البُسر، لأن الموت وإن كان معلومًا أنه كائن فإنه لا يُعرف وقته، واحمرار البُسر معلومُ الوقتِ. قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتَجيء مع زيادة "ما" في آخرها للتَّأكيد قالَ الله تَعالى (٢): ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ وقال: * فإمّا تَرَيْنِيْ اليَوْمَ أُزْجِيْ ظَعِيْنَتِي *" قالَ المُشَرِّحُ: في (الكشَّاف) فأمَّا "ما" فمذهبُ سيبويه بمنزلةِ لامِ القَسم في أنَّها إذا دخلت دخَل معها النُّون المؤكدة، و"ما" ها هنا هي المُسلطة لأنها سلطت إن على دخول النون في الشرط، وأنشدَ ابنُ السَّراج (٣): ﵀ فإمّا تَرَيْنِيْ اليَوْمَ أُزْجِيْ مَطِيَّتِيْ … أصَعِّدُ سَيْرًا في البلَادِ وأَفْزَعُ فإنِّي مِنْ قَوْمٍ سِوَاكُمْ وإنَّما … رِجَالِيَ فَهْمٌ بالحِجَازِ وَأَشْجَعُ صحَّ بالشِّين المُعْجَمة. قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والشَّرطُ كالاستفهامِ في أن شيئًا مما في خبره لا يتقدمه نحو قولك: أتيتك إن أتيتني، وقد سألتك لو أعطيتني، ليس ما

стр. 1395

تقدّم فيه جزاءً مقدمًا ولكن كلامًا واردًا على سبيل الإِخبار والجزاء محذوف". قال المُشرِّحُ: - ابنُ السَرَّاج (١): فأمَّا قولك: أجيئك إن جئتني، وآتيك إن أتيتني فالذي عندنا أن الجوابَ محذوفٌ كفى منه الفعل المتقدم، وإنما يستعمل هذا على وجهين: إما أن يضطر إليه شاعر. وإما أن يكونَ المُتكلم قد ابتدأ محققًا بغير شرطٍ ولا نيَّةٍ له فيقول القائل: أجيئك فيعده بذلك على أنه جاءك؟، ثم يبدُو له أن لا يجيئه إلا بسبب؟ فيقول: إن جئتني فيُشبه الإِستثناء ويغني عن الجواب بما تقدم، وقال الإِمام عبدُ القاهِر الجُرجانِيُّ: والدَّليلُ على أنَّك إذا قلت: آتيتك إن أتيتني كان الشَّرطُ مُتَّصِلًا بآتيتك وأن الذي يجري في كلامهم من أنه لا بدَّ من إضمار الجَزاء ليس على ظاهِره، ولكن على توقَّفنا (٢) على أن الشَّرْطَ مُتَقَدِّمٌ في النّفس على الجزاء أنا إن (٣) عملنا على هذا الظَّاهِرِ صارَ إلى تبيين ابتداء كلامٍ ثانٍ، واعتقادِ ذلك يؤدّي إلى إبطال ما اتَّفق عليه العُقلاء في الأيمان من اقتران الحكم بين أن يصل الشّرط في نطقه، وبين أن يقف ثم يأتي بالشرط، وأنه إذا قال لعبده: أنت حرٌّ إن شاء الله فوصل لم يَعتق، وإذا قال أنتَ حرٌّ ووقف، ثم قال: إن شاء الله فإنه يعتق، هذه ألفاظه [﵀] (٤). قال جارُ اللَّهِ: "وحذف جواب "لو" في القرآن والشعر كثيرٌ".

стр. 1396

قال المُشرِّحُ: أمَّا (١) في القرآن فكقوله تَعالى (٢): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ ومعناه: لكان هذا القرآن، ويقالُ: لو كان قد وجب في قرآن أن لا نقبلَ ولا نؤمنَ به حتى تقع هذه الأمور لكان لكم أن تقترحوا ذلكم وأن تقولوا لن نؤمنَ به حتى تأتينا هذه الأمور. كذا ذكره الإِمام عبد القاهر الجرجاني وأما في الشعر فكقوله (٣): وجِدَّك لَوْ شَيْءٌ أَتَانَا رَسُوْلُهُ … سِوَاكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ عَنْكَ مَدْفَعَا والمعنى: لو أَتانا رسولُ سِوَاكَ لَدَفَعْنَاهُ، وهذا لأنَّ أُختَهَا يُحذَفُ عنها الشَّرْطُ والجَزَاءُ تقول: لا أزور فلانًا لأنه ظالم، فيقال لك: زره وإن، فلئن يحذف هنا مجرد الجزاء أولى. قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) ولا بُدَّ من أن يَليها الفِعل نحو قوله (٤): ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ (٥) على إضمارِ فعلٍ يفسره الظَّاهِر، ولذلك لم يَجز ولو زيدٌ ذاهبٌ، ولو أنّ عمرًا خارجٌ. ولطلبهما الفعل وجب في أن الواقعة بعد لو أن يكون خبرها فعلًا كقولك: لو أن زيدًا جاءَني لأكرمته قالَ الله تَعالى (٦): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ ولو قلتَ: لو أنَّ زيدًا حاضري لأكرمتُهُ لم يجز". قال المُشرِّحُ: هذا القسم قد مضى في قسم الأسماء لخفته، وربما

стр. 1397

حسن تقديم الاسم على الفعل في هذا الموضع مع أن "لو" تطلب الفعل لما فيها من معنى المجازاة، لأنها غير عاملة في الفعل، فحسن الفَرقُ بينها وبينها في اللَّفظ، ولذلك تقدَّم الاسمُ على الفعل إذا كان الفعل ماضيًا في "إنْ" أيضًا كقوله (١): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ ولم يَحسن إذا كان الفعلُ مستقبلًا نحو: إن زيدٌ يأتني أكرمه إِلَّا في الشَّعرِ، لأنَّ "إن" قد عَمِلَتْ في يأتني فأشبهت "لم" و"لن" في أنه لا يفرَّقُ بينها وبين الفعل. قال جارُ اللهِ ﵀: " (فصلٌ) وقد تَجيء "لو" في معنى التَّمني في قولك: لو تأتيني فتحدثني، كما تقول: ليتك تأتيني، ويجوز في فتحدثني النَّصب والرَّفعِ قال الله تَعالى (٢): ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ وفي بعضِ المصاحف ﴿فيُدْهِنُوا﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: وقد يدخل "لو" معنى التمني لأنها للتقرير (٣) كما أن التمني بـ "ليت" للتقرير إلا أن التَّقرير بـ "لو" في ما ذكر عليٌّ بن عِيْسى للإِيجاب عن المعنى غيره للاستمتاع بالمقدر فيكون جوابها بالفاء، ونصب ما بعدها من الفعل المُضارع بإضمار "إن"، لأنّها إذا صرفت عن العطف أضمرت بعدها "إن" ليدل بالمخالفة بين الأول والثاني في اللفظ على أنهما مختلفان في المعنى، أن الأول سبب لوقوع الثاني، ويجوز رفعه على العَطْفِ وكذلك على الاستئناف.

стр. 1398

قال جارُ الله ﵀ "و"أمَّا" فيها معنى الشرط، قال سيبويه (١): إذا قلت أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ فكأنك قلتَ مهما يكن من شيءٍ فزيدٌ منطلقٌ، ألا تَرى أنَّ الفاء لازمة لها". قال المُشَرِّحُ: "أما" معناها تفصيل المُجمل من الخبر كقولك: أنا أحبُّ وأبغِضُ، فأمَّا من أحبُّ فالمُؤمن، وأمَّا من أُبغض فالكافر، وكقولك: زيدٌ وبكرٌ خارجان فيقول المخاطب: أما زيدٌ فخارجٌ، وأمَّا بكر فمُقيم، فإذا قلتَ: أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ فأصلُ الكلامِ مهما يكن من شيءٍ فزيدٌ منطلقٌ، ثم أُقيم مقامه هذه الجُملة فحصل أمَّا فزيدٌ فمنطلقٌ (٢) فكرهوا أن تكون الفاء التي من شأنها أن تكون متبعة شيئًا فشيئًا في أول الكلام فأخروها إلى الخبر فقالوا أمَّا زيدٌ فمنطلقٌ. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهرِ الجُرْجَانِيُّ: وتقول: إن ذلك لإِصلاح اللفظ، ولكراهية أن يكون على خلاف الأصول وعندي أن معناه: زيدٌ مهما يكن من شيءٍ فهو منطلق، والأصل: أمَّا زيدٌ فمهما يكن من شيءٍ فهو منطلق ثم حَذَفَ الشرط وترك "أما" دليلًا عليه بالفاء في موضعها. أبو سَعِيْدٍ السِّيرافي في قول سيبويه: أمَّا "أما" ففيها معنى الجزاء لأن "أما" في الأصل نائبةٌ عن شرطِ الجزاء، والفاء وما بعدها جوابٌ لها كما وصفنا، والشَّرط الذي نابت عنه يجوز فيه وجهان: أن يحذف جميعه، وأن يحذف بعضُه، أمَّا ما يُحذف عنه جميعه فلا بدَّ من تقديمِ اسمٍ مما بعد الفاء أو ظرف أو شرط فيكون تقديم ذلك عوضًا مما حُذِفَ والمراد أن يكون ذلك المُقدم بعد الفاء، وذلك قولك: أما زيدًا فضربت، وأما بكر فخارج، وأما يوم الجمعة فلا تخرج فيه، وأما إن جاءك زيد فأكرمه والتَّقدير: مهما يكن من شيء فضربت زيدًا، وفبكر خارجٌ، ومهما يكن من شيءٍ فيوم الجمعة لا تَخرج، ومهما يكن من شيءٍ إن جاءك زيد

стр. 1399

فأكرمه. وقال -أيضًا-: أمَّا ما يحذف بعضه مما قبل الفاء فكقولك: أمَّا عِلْمًا فلا علم عند زَيْدٍ، فالعلم منصوب بما دل عليه "أما"، وتقديره: مهما يذكر زيدٌ علمًا: أي من أجل علم فلا علم عنده، ولا يجوز أن يكون العامل في "علمًا" ما بعد الفاء لأنه لا يعمل فيما قبله. قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) و"إذن" جواب وجزاء، يقول الرجل: أنا آتيك فتقول: إذن أُكرمك، فهذا الكلام قد أجبته به وصيرت اكرامك جزاءً على إتيانه". قالَ المُشرِّحُ: "إذن" (١) للنيابة عن ذكر الشَّرطِ في الجوابِ، كنيابةِ "نَعَمْ" عن ذكر المَسؤول عنه في الجَواب، أَلا تَرى أنك إذا قلت: إذن أكرمك لمن قال لك إن تكرمني أزرك ناب ذلك عن قولك: أكرمك للشَّرط الذي شَرَطْتَ كما ناب قولك: نعم في جوابِ من يقول لك أزيدٌ في المسجد عن أن تقول: زيد في المسجد مع اتصال الجواب بالشرط والسُّؤال فيها وتأكيده على الإِيجاز. قال جارُ اللهِ: "وقال الزَّجاجُ: إن كان الأمر كما ذكرت فإني أكرمك". قال المُشَرِّحُ: يقول القائل: زيدٌ يصيرُ إليك فتجيبه وتقول: إذن أُكرمه، وتأويله إن كان الأمرُ على ما تَصِفُ وقع إكرامه. قال جارُ الله: "وإنما تَعمل "إِذَنْ" في فعلٍ مستقبلٍ غيرِ معتمدٍ على شيءٍ قبلها كقولك لمن يقول لك: أنا أكرمك إذَنْ أجيئك". قال المُشرِّحُ: تفسير الاعتماد على ما ذكر الإِمام عبد القاهر الجُرْجَانِيُّ (٢) ﵀ أن يرجع الفعل الواقع بعدها إلى شيءٍ يقتضي فيه رفعًا أو جزمًا كقولك: أنا إذن أكرمك، ووالله إذن لأفعل.

стр. 1400

قال جارُ الله: "فإن حَدَّثَ فقلت: أذن أخالك كاذبًا ألغيتها؟ لأن الفعل للحال". قال المُشَرِّحُ: "إذن" تجيء مع الفعلِ المضارعِ على ثلاثةِ أوجُهٍ: وجهٌ تعمل فيه لا غيرُ. ووجهٌ يجوز أن تعملَ فيه وأن لا تَعْمَلَ. ووجهٌ لا يجوزُ أن تعمل فيه. أمَّا الوجهُ الذي فيه تَعْمَلُ ففيه أربعةُ شرائطٍ: - أن تكون جوابًا. - وأن تكون مبتدأةً. - وأن تكون داخلةً على المستقبل. - وأن يكون ما بعدها غيرُ معتَمِدٍ على ما قبلها. قال عليُّ بن عِيْسَى: وإنْما عملت "إذن" إذا كانت على هذه الأوجه لقوتها فيها لأنَّ كونَها جوابًا قوةٌ لها؛ لأنَّها على أصلها وحق الجواب أن يتقدمه كلام، وكونها مبتدأة قوة لها؛ لبناءِ الكلام عليها، وكونها داخلةً على المستقبل قوة لها؛ لدخولها في جملة أشكالها لأن أخواتها "أن" و"لن" لا تعمل إلا في المستقبل، وكون ما بعدها يجيء غيرَ معتمدٍ على ما قبلها قوة لها؛ لأنَّه يخرجها عن أن تكون بمنزلة الحشو في وسط الكلام، فكلُّ واحدةٍ من هذه الأسباب يقتضي لها هذا الحُكم من العمل فلمَّا اجتمعت وَجَبَ أن تَعمل وذلك قولك: اذن أُسرَّ بك لمن قال لك أجيئُك ونحوه. وأما الوجهُ الذي لا تَعملُ فيه فأن يكون الفِعلُ للحال على ما ذكره الشيخ ﵀. قال جارُ اللهِ: "- وكذلك إذا اعتمدت بها على مبتدإٍ أو شرط أو قسم فقلت: أنا إذن أكرمك، وإن تأتني إذن آتك،، ووالله إذن لا أفعل قال كُثَيِّرٌ: -

стр. 1401

لإِنْ عَادَ لِيْ عَبْدُ العَزِيْزِ بِمِثْلِهَا … وأَمْكَنَنِي مِنْهَا إِذَنْ لَا أُقِيْلَهَا" قالَ المُشَرِّحُ: هذا الفصل من الوجه الذي لا تعمل فيه "إذن" (١) أما في قولك: أنا إِذَن أُكرمك فقد وَقَعَ الفعل خبرًا للمبتدأ، وأمَّا قوله (٢): لا تَتْرُكَنِّي فِيْكُمُ شَطِيْرَا … إنّي إِذَنْ أهْلَكَ أَوْ أَطِيْرَا فشيءٌ شاذٌّ. والوجهُ فيه عندي أن يرفع "أهلَكُ" كما يقتضيه الإِعراب، ويحل "أو" بمعنى "إلّا" ويضمر بعدها "إن". وأما في قولك: إن تأتني إذن آتك فقد وقع الفعل جزاءً للشَّرط، وأما في قولك: والله إذن لا أفعلُ فقد وقع جوابًا للقسم. ما قبل البيت (٣): حَلَفْتُ وَرَبَّ الرَّاقِصَاتِ إِلَى مِنىً … بَغُوْلُ البِلَادَ نَصُّها وذَمِيْلُهَا "بغول" بالغين المعجمة، ومثله بيت العراقيات: تَهْوِيْ إِلىَ البَيْتِ العَتِيْقِ وَرَبِّهَا … إذ غَال منْ تَأَوِيْبِة البَيْدَاءُ

стр. 1402

شاذٌّ على روايةِ من رواه بنَصب "البَيداء" على أنه مفعول غال ويشهد له بيت أبي الطيب (١): وَحَكَمْتُ فِي البَلَدِ العَرَاءِ بِنَاعِجٍ … مُعتَادِهِ مُجْتَابِهِ مُغْتَالِهِ وكذلك بيتُ مروان بن أَبي حَفْصَةَ (٢): أَلَا رُبَّما قَدْ غَالَ طُوْلُ نَهَارِنَا … تُنَازِعُنَا فِيْهِ الحَدِيْثَ المُكَتَّمَا أي: بمثلِ تلك المقالة التي قالَها. كان عبدُ العزيز قد وَعَدَ كثير عِدَةً فتأخر عنه كثير فقال: إن عاد لي عبد العزيز بعدة أخرى سارعت إليها وما رددتها، ويروى: "ما أُفيلها" بالفاء، من فال يفيل: إذا ترك الجيد من الرأي وفعل ما لا ينبغي للعاقل أن يفعله، يقول: لا أفيل من تنجُّز ما وعدني. قال جارُ الله: "وإذا وقعت بين الفاء والواو وبين الفعل ففيها الوجهان، قال الله تعالى (٣): ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾ وقُرِئَ ﴿لَا يَلْبَثُونَ﴾، وفي قولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمْك بالنَّصب والجزم والرفع، [الجزم على أنه مجزوم معطوف على مجزوم والرَّفع على الابتداء لأن التقدير أنا إذن أكرمك، والنَّصب على الأصلِ لأنه وحده غير معتمد] (٤) ". قال المُشَرِّحُ: هذا الفصل هو الذي يجوز أن تعمل فيه إذن ويجوز أن لا تعمل وذلك أن تقعَ "إذن" بين الواو والفاء وبين الفعل والمستقبل، وذلك

стр. 1403

أنها إذا وقعت بينهما كانت بمنزلة ما هو في حشو الكلام (١)، وكالشيء الواقع في الطَيِّ ضرورة أنه لا يبتدأ بهما. أما النَّصبُ فعلى إعمال"إذن" وتقديرهما على الابتداء وجُعل ما بعدهما مستغنيًا عما قبلهما، لأن ما بعد الواو والفاء يجوز استئنافه على أنّهما لعطف جملةٍ على جملةٍ. ومما يوضح ما ذكرته قولك: زيد يقوم إذن يكرمك إذا عطفت (٢) إذن يكرمك على يقوم الذي هو الخَبر ورفعت يكرمك بتقدير ويكرمك إذن، وإذا عطفتها على الجملة المتقدمة بأسرها نصبته لأن إذن وقعت ها هنا مبتدأة، وقولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمك إن عطفت وإذن أكرمك على أنك جزمت أكرمك، وإن جعلتَه مستأنفًا نصبته، وإن رفعت فعلى: وأنا إذن أكرمك ونحوه ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ (٣) قال أبو سَعِيْدٍ السِّيرافِيُّ (٤): شبه أصحابنا إذن من الحروف الناصبة بـ "ظننت" وأخواتها في الأفعال العاملة، وذلك أن ظننت متى قدمت على مفعوليها عملت لا غير، كقولك: ظننت زيدًا قائمًا، وإذا قُدِّم عليها أحد مفعوليها جازَ إعمالها وإلغاؤها كقولك: زيدٌ ظننت قائمٌ، وزيدًا ظننت قائمًا، وإذا تقدم عليها المفعولان كان إلغاؤها أحسن كقولك: زيدٌ خارجٌ ظننت أي: في ظني فكذلك "إذن" فيما ذكرنا، لأنها تَصلح أن يستدرك بها كقولك أتاني الخبرَ إذن، كما يستدرك بظننت في قوله: زيدٌ خارجٌ ظننت ونحو ذلك، ولذلك جاز الفصل بين"إذن" وما عملت فيه دون أخواتها نحو "لن" و "كي" أيضًا بالأيمان ونحوها إذن والله أقوم.

стр. 1404

[بابُ حرفِ التَّعليلِ] قال جارُ اللهِ: "ومن أصنافِ الحرف: (حرف التَّعليل) وهي (كي). يقول القائل: قصدت فلانًا، فتقول له: كيمَه؟ فتقول كي يحسنَ إليَّ، وكيمَه مثل فِيْمَه، وعمَّه، ولِمَه، ودخل الجر على (ما) الاستفهامية محذوفًا ألفَها، ولحقت هاء السكت". قال المُشَرِّحُ: "كي": معناها (١) الغَرض الذي من أجله يقع فعل يطلب به وقوع فعلٍ آخر، والفعلُ الذي قبل "كي"، يجوز أن يكونَ أيّ نوع كان من أنواع الفعلِ، ويجوز أن لا يكون الذي بعده إلا مستقبلًا منتصبًا. قال سيبويه (٢): وأما "كي"، فجواب قول القائل: كيمه مثل لمه فتقول كي يكون كذا وكذا. وقال عليُّ بن عِيسى: معنى "كي" كمعنى لِكَذا (٣) نحو: صَلَّيْتُ كي أدخلَ الجَنَّةَ ويكون في جوابِ "لِمَ" كقول القائل: لِمَ فعل فتقول: كلي يكونَ كذا وكذا، والأصل أن يقول: ليكون كذا وكذا، فأتى باللَّامِ في

стр. 1405

الجَوَاب كما أَتى بها في السُّؤال، ومعناهما واحدٌ. الهاءُ في كيمَه ولِمَه وفِيْمَه مزيدةٌ في الوقف عوضًا مما حُذف. قال جارُ الله: "واختُلف في إعرابها فهي عند البصريين مجرورةٌ، وهي عند الكوفيين منصوبةٌ بفعلٍ مضمرٍ كأنَّك قُلتُ: كي يفعل ماذا، وما أرى هذا القول بعيدًا من الصَّواب". قال المُشَرِّحُ: "ما" هي الاستفهامية وهي في محل الجر كما هي كذلك في لِمَه وفِيْمَه عند البصريين. وقالَ الكوفيون (١): موضع "ما" في "كَيْمَه" ونحوها نصبٌ على المَصْدَرِ بتقدير كي يَفْعَلَ ماذا، كأن قائلًا (٢) قال أقوم كي يقومَ، فلم يَفهم المخاطبُ يقوم فقال: كَيْمَه، وليس لكي فيها عملٌ. قال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: ولو كان الأمرُ على ما قالُوا لجازَ أن تقولَ: أن من لن مه وإذ مه، وإذا لم يفهم المخاطب ما بعد هذه الحروف من الفعل. قال جارُ الله: " (فصلٌ) وانتصابُ الفعلِ الذي بعد "كي" إما أن يكونَ بِها نفسها أو بإِضمارِ "أن"، فإذا أدخلت اللَّامُ فقلت: لكي يفعلَ فهي العاملةُ كأنَّك قلت لأن يفعلَ". قال المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ (٣): أما "كي" فالذي (٤) ينتصب بعدها من الفعل المضارع على وجهين: أحدُهُما: -وهو قول سيبويه (٥) - أن تكون هي الناصبة بمنزلة "أن"
следующие страницы →