لإِنْ عَادَ لِيْ عَبْدُ العَزِيْزِ بِمِثْلِهَا … وأَمْكَنَنِي مِنْهَا إِذَنْ لَا أُقِيْلَهَا"
قالَ المُشَرِّحُ: هذا الفصل من الوجه الذي لا تعمل فيه "إذن" (١) أما في قولك: أنا إِذَن أُكرمك فقد وَقَعَ الفعل خبرًا للمبتدأ، وأمَّا قوله (٢):
لا تَتْرُكَنِّي فِيْكُمُ شَطِيْرَا … إنّي إِذَنْ أهْلَكَ أَوْ أَطِيْرَا
فشيءٌ شاذٌّ. والوجهُ فيه عندي أن يرفع "أهلَكُ" كما يقتضيه الإِعراب، ويحل "أو" بمعنى "إلّا" ويضمر بعدها "إن". وأما في قولك: إن تأتني إذن آتك فقد وقع الفعل جزاءً للشَّرط، وأما في قولك: والله إذن لا أفعلُ فقد وقع جوابًا للقسم.
ما قبل البيت (٣):
حَلَفْتُ وَرَبَّ الرَّاقِصَاتِ إِلَى مِنىً … بَغُوْلُ البِلَادَ نَصُّها وذَمِيْلُهَا
"بغول" بالغين المعجمة، ومثله بيت العراقيات:
تَهْوِيْ إِلىَ البَيْتِ العَتِيْقِ وَرَبِّهَا … إذ غَال منْ تَأَوِيْبِة البَيْدَاءُ
стр. 1402
شاذٌّ على روايةِ من رواه بنَصب "البَيداء" على أنه مفعول غال ويشهد له بيت أبي الطيب (١):
وَحَكَمْتُ فِي البَلَدِ العَرَاءِ بِنَاعِجٍ … مُعتَادِهِ مُجْتَابِهِ مُغْتَالِهِ
وكذلك بيتُ مروان بن أَبي حَفْصَةَ (٢):
أَلَا رُبَّما قَدْ غَالَ طُوْلُ نَهَارِنَا … تُنَازِعُنَا فِيْهِ الحَدِيْثَ المُكَتَّمَا
أي: بمثلِ تلك المقالة التي قالَها. كان عبدُ العزيز قد وَعَدَ كثير عِدَةً فتأخر عنه كثير فقال: إن عاد لي عبد العزيز بعدة أخرى سارعت إليها وما رددتها، ويروى: "ما أُفيلها" بالفاء، من فال يفيل: إذا ترك الجيد من الرأي وفعل ما لا ينبغي للعاقل أن يفعله، يقول: لا أفيل من تنجُّز ما وعدني.
قال جارُ الله: "وإذا وقعت بين الفاء والواو وبين الفعل ففيها الوجهان، قال الله تعالى (٣): ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾ وقُرِئَ ﴿لَا يَلْبَثُونَ﴾، وفي قولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمْك بالنَّصب والجزم والرفع، [الجزم على أنه مجزوم معطوف على مجزوم والرَّفع على الابتداء لأن التقدير أنا إذن أكرمك، والنَّصب على الأصلِ لأنه وحده غير معتمد] (٤) ".
قال المُشَرِّحُ: هذا الفصل هو الذي يجوز أن تعمل فيه إذن ويجوز أن لا تعمل وذلك أن تقعَ "إذن" بين الواو والفاء وبين الفعل والمستقبل، وذلك
стр. 1403
أنها إذا وقعت بينهما كانت بمنزلة ما هو في حشو الكلام (١)، وكالشيء الواقع في الطَيِّ ضرورة أنه لا يبتدأ بهما. أما النَّصبُ فعلى إعمال"إذن" وتقديرهما على الابتداء وجُعل ما بعدهما مستغنيًا عما قبلهما، لأن ما بعد الواو والفاء يجوز استئنافه على أنّهما لعطف جملةٍ على جملةٍ. ومما يوضح ما ذكرته قولك: زيد يقوم إذن يكرمك إذا عطفت (٢) إذن يكرمك على يقوم الذي هو الخَبر ورفعت يكرمك بتقدير ويكرمك إذن، وإذا عطفتها على الجملة المتقدمة بأسرها نصبته لأن إذن وقعت ها هنا مبتدأة، وقولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمك إن عطفت وإذن أكرمك على أنك جزمت أكرمك، وإن جعلتَه مستأنفًا نصبته، وإن رفعت فعلى: وأنا إذن أكرمك ونحوه ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ (٣) قال أبو سَعِيْدٍ السِّيرافِيُّ (٤): شبه أصحابنا إذن من الحروف الناصبة بـ "ظننت" وأخواتها في الأفعال العاملة، وذلك أن ظننت متى قدمت على مفعوليها عملت لا غير، كقولك: ظننت زيدًا قائمًا، وإذا قُدِّم عليها أحد مفعوليها جازَ إعمالها وإلغاؤها كقولك: زيدٌ ظننت قائمٌ، وزيدًا ظننت قائمًا، وإذا تقدم عليها المفعولان كان إلغاؤها أحسن كقولك: زيدٌ خارجٌ ظننت أي: في ظني فكذلك "إذن" فيما ذكرنا، لأنها تَصلح أن يستدرك بها كقولك أتاني الخبرَ إذن، كما يستدرك بظننت في قوله: زيدٌ خارجٌ ظننت ونحو ذلك، ولذلك جاز الفصل بين"إذن" وما عملت فيه دون أخواتها نحو "لن" و "كي" أيضًا بالأيمان ونحوها إذن والله أقوم.
стр. 1404
[بابُ حرفِ التَّعليلِ]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصنافِ الحرف:
(حرف التَّعليل)
وهي (كي).
يقول القائل: قصدت فلانًا، فتقول له: كيمَه؟ فتقول كي يحسنَ إليَّ، وكيمَه مثل فِيْمَه، وعمَّه، ولِمَه، ودخل الجر على (ما) الاستفهامية محذوفًا ألفَها، ولحقت هاء السكت".
قال المُشَرِّحُ: "كي": معناها (١) الغَرض الذي من أجله يقع فعل يطلب به وقوع فعلٍ آخر، والفعلُ الذي قبل "كي"، يجوز أن يكونَ أيّ نوع كان من أنواع الفعلِ، ويجوز أن لا يكون الذي بعده إلا مستقبلًا منتصبًا. قال سيبويه (٢): وأما "كي"، فجواب قول القائل: كيمه مثل لمه فتقول كي يكون كذا وكذا. وقال عليُّ بن عِيسى: معنى "كي" كمعنى لِكَذا (٣) نحو: صَلَّيْتُ كي أدخلَ الجَنَّةَ ويكون في جوابِ "لِمَ" كقول القائل: لِمَ فعل فتقول: كلي يكونَ كذا وكذا، والأصل أن يقول: ليكون كذا وكذا، فأتى باللَّامِ في
стр. 1405
الجَوَاب كما أَتى بها في السُّؤال، ومعناهما واحدٌ. الهاءُ في كيمَه ولِمَه وفِيْمَه مزيدةٌ في الوقف عوضًا مما حُذف.
قال جارُ الله: "واختُلف في إعرابها فهي عند البصريين مجرورةٌ، وهي عند الكوفيين منصوبةٌ بفعلٍ مضمرٍ كأنَّك قُلتُ: كي يفعل ماذا، وما أرى هذا القول بعيدًا من الصَّواب".
قال المُشَرِّحُ: "ما" هي الاستفهامية وهي في محل الجر كما هي كذلك في لِمَه وفِيْمَه عند البصريين. وقالَ الكوفيون (١): موضع "ما" في "كَيْمَه" ونحوها نصبٌ على المَصْدَرِ بتقدير كي يَفْعَلَ ماذا، كأن قائلًا (٢) قال أقوم كي يقومَ، فلم يَفهم المخاطبُ يقوم فقال: كَيْمَه، وليس لكي فيها عملٌ. قال أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ: ولو كان الأمرُ على ما قالُوا لجازَ أن تقولَ: أن من لن مه وإذ مه، وإذا لم يفهم المخاطب ما بعد هذه الحروف من الفعل.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وانتصابُ الفعلِ الذي بعد "كي" إما أن يكونَ بِها نفسها أو بإِضمارِ "أن"، فإذا أدخلت اللَّامُ فقلت: لكي يفعلَ فهي العاملةُ كأنَّك قلت لأن يفعلَ".
قال المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ (٣): أما "كي" فالذي (٤) ينتصب بعدها من الفعل المضارع على وجهين:
أحدُهُما: -وهو قول سيبويه (٥) - أن تكون هي الناصبة بمنزلة "أن"
стр. 1406
لشبهها بها من جهةِ أن ما يقعُ بعدها لا يكون إلا فعلًا مستقبلًا، وقال أيضًا: وبدخول اللَّام عليها كدخولها على "أن" كقولك: أجيئك لكي تُكرمني، كما تقول لأن تُكرمني.
والآخر: -وهو قولُ الخَلِيْلِ (١) - أن يكونَ انتصابُهُ بعد كي بإضمار "أن" كانتصابه بعد اللَّامِ، إذا قلت: أتيتك لتكرمَني أي: لأن تُكرمني، وكذلك كي تُكرمني تقديره: كي أنَ تُكرمني. وقال أيضًا: - وروى أبو عُبَيْدَةَ عن الخَلِيْلِ أنه قال: لا ينتصب شيءٌ من الأفعال المُضارعة إلا بـ "أن" مظهرةً أو مقدرةً. وعن عليِّ بن عيسى: إنما لم يَحسن إظهار "أن" بعد "كَيْ" كما حَسُنَ بعد اللَّامِ لأن الكلام بعدَ اللام محمولٌ على التَّصريح بذكر المَصدر، وبعد "كي" محمولٌ على التَّأويلِ دونَ التَّصريحِ بذكره ألا ترى أنك تقول -في تقدير قولك: جِئْتُكَ كَيْ تُكْرِمَنِي-: جِئْتُكَ كي إكرامك، فلما كان معنى الكلام محمولًا على التأويل حمل على اللَّفظ فيها بحذف "أن" على التَّأويل ليكون اللفظ مشاكلًا للمعنى، وذلك أن اللَّام أوسعُ مجالًا في الكلام من "كي" لدخولها على الاسم والفِعْل. وحسنَ تقديمها على الفِعل الذي هو سبب لِوُقُوعها كقولك: لأكرمك جئتَ قال الله تعالى (٢): ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي وكذلك جَعَلْنَا [ما رأيت] (٣).
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وقد جاءَت مظهرةً بعدها "أن" في قول جميل (٤):
стр. 1407
فَقَاْلَتْ أَكُلَّ النَّاسِ أَصْبَحْتَ مَاْنِحًا … لِسَانَكَ كَيْمَا أَنْ تُغَرَّ وتُخْدَعَا"
قال المُشَرِّحُ: أبو سَعِيْدٍ السِّيْرَافِيُّ إلا أن "أن" لا تظهر بعدَ كي إلا في الشِّعر.
تخميرٌ: حكى الكُوفيون عن العَرب ذكروا أنّها بمعنى واحد وهي: أردت لأقوم، وأردت لأن أقوم، وأردت كي أقوم، وأردت لكي أن أقوم، قال سيبويه (١): وسألته -يعني الخليلَ- عن معنى أريدُ لأن تفعلَ، فقال: المَعنى: إرادتي لهذا، كما قال (٢): ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ (٣) الْمُسْلِمِينَ﴾.
стр. 1408
[بابُ حَرفِ الرَّدْعِ]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحرف حرف الردع وهو "كلا" قال سيبويه (١): هو ردعٌ وزجرٌ، وقال الزَّجاجُ (٢): "كلَّا" ردعٌ وتنبيهٌ وذلك قولك: كلَّا، لمن قال شيئًا ينكره نحو فلانٌ يُبْغِضُكَ وشِبْهه أي: ارتَدعِ عن هَذا وتَنَبَّه عن الخَطَأِ فيه قالَ الله تَعَالَى بعد قَوله (٣): ﴿رَبِّي أَهَانَنِي (١٦) كَلَّا﴾ أي: لَيْسَ الأمرُ كذلك لأنَّه قد يُوسِّع في الدُّنيا على من لا يُكرمه من الكُفَّارِ، وقد يُضَيِّقُ على الأَنبياء والصَّالحين للاستِصْلَاحِ".
قال المُشَرِّحُ: أبو حاتم: "كلا" في القرآن على وجهين:
على معنى الرد للأول وبمعنى "لا" كما وصفنا.
وعلى معنى "ألا" التي للتنبيه ويستفتح بها الكلام نحو (٤) ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ وقالَ بعضُ المفسرين: "كلَّا" معناها حقًّا، وهو يقرب من معنى "ألا"، وعن الفَرَّاء: "كلا" حرفُ ردعٍ بمعنى "نَعَمْ" و"لا" في الاكتفاء، وتكون صلة لما بعدها كقولك: كلَّا ورَبِّ الكَعْبَة، بمنزلة: إيْ
стр. 1409
ورب الكعبة، وقالَ الله (١): ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ كما قال (٢): ﴿إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾، وعن أبي بكر بن الأَنباري عن أَبي العبَّاس أحمد بن يَحيى يقول: لا يُوقف على "كلا" في جَميع القُرآن، لأنَّها جوابٌ، والفائدة فيما بَعدها، وقالَ بعضهم: يوقفَ على "كلَّا"، في جميع القُرآن؛ لأنها بمعنى انتبه، إلا في موضعٍ واحدٍ وهو قوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ ابن الدهان: والذي عليه أكثر العلماء أن "كلا" يحسن الوقف عليها إذا كانت ردًا للأوَّلِ بمعنى لَيْس الأمرُ كذلك، ويكون ما بعدها مستأنفًا، ويحسن الابتداء بها إذا كانت بمعنى "ألا" وحقًّا كقوله (٣): ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.
стр. 1410
[بابُ اللَّامَاتِ]
قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصنَافِ الحَرْفِ اللَّاماتُ: وهي: لامُ التَّعريف ولامُ جوابِ القَسَمِ، واللَّامُ المُوَطِئَةَ للقَسَمِ، ولامُ جوابِ "لَوْ" و"لَولا" [ولامُ الأمرِ] (١)، ولامُ الابتداءِ، واللَّامُ الفارقةُ بين "إنْ" الخفيفة والنَّافية".
فأمَّا لامُ التَّعريفِ فهي اللَّامُ الساكنةُ التي تدخلُ على الاسمِ المنكورِ فتعرّفه تعريفَ جنسٍ كقولك: أهَلَك النَّاسُ الدِّينارَ والدِّرْهَمَ، والرَّجلُ خيرٌ من المَرأة أي: هذان الحجران المعروفان من بين سائر الأحجار، وهذا الجنس من الحَيوان من بين سائر أَجناسه، وتَعريف عهدٍ كقولك: ما فعل الرَّجل، وأَنْفَقْتُ الدَّرهم، لرجل ودرهم معهودين بينك وبين مُخاطبك".
قالَ المُشَرِّحُ: اعلم (٢) أنَّ اللَّام لنفسِ الإِشارة لكن الإِشارة تقع إلى فردٍ لمخاطبك به عهد، وهذا هو المراد بتعريف العَهد، وأُخرى تقع إلى الجنس، وهذا هو المُراد بتعريف الجِنس، فمعنى اللَّام واحدٌ على كلِّ
стр. 1411
حالٍ، لكن إن دخل على المعهود فهو لتعريف العهد، وإن دخل على الجنس فهو لتعريف الجنس، فاعرفه فإن غلط الناس فيه عظيم (١)، وهي فائدة مذهبية.
قال جارُ اللَّه: "وهذه اللام وحدها هي لام حرف التعريف عند سيبويه، والهمزةُ قبلها همزة وصلٍ مجلوبةٍ للابتداء (٢) بها كهمزة اينَ واسم، وعند الخليل أن حرف التعليل "أل" "كهل" و"بل"، وإنما استَمَرَّ بها التَّخفيف للكثرة".
قال المُشَرِّحُ: أمَّا مذهبُ سيبويه (٣) فظاهر، وأمَّا مذهبُ الخَليلِ فقد قال ابن كَيْسان أنها في الأصل ألف قطع، ولكنها لما كثرت في الكلام استخفوا طرحها إذا كان قبلها كلام فأشبهت ألف الوَصْلِ.
قال جارُ اللَّه: "وأهل اليَمَنِ يجعلون مكانها الميم، ومنه (٤): "ليس من امبرامصيام في امفسر" ومنه:
* يَرْمِي وَرَائِي بالسَّهْمِ وامْسَلِمَهْ *"
قال المُشَرِّحُ: الرِّوايةُ بالسَّهْمِ بتشديد (٥) السين وامسلمهْ: بالميم الساكنة بعد الواو، والمُراد بها: السَّلِمَةُ بكسر اللَّام وهي الحِجَارة.
صدرُ البيت (٦):
стр. 1412
ذاكَ خَلِيْلِيْ ذُو يُعَاتِبُنِي … يرمي .............. البيت
قال جارُ اللَّه: " (فصلُ) ولامُ جوابِ القَسَمِ في قولك: واللَّه لأَفعلن".
قال المُشَرِّحُ: أمَّا لامُ اليَمين وجوابها فمعناها تأكيد معنى الخبر في المقسم عليه مع ربطه بحرف القسم كقولك: واللَّه ليقومنَّ زيدٌ.
قال جارُ اللَّه: "وتدخل على الفعلِ الماضي كقولكَ: واللَّه لكذبَ.
وقال امرؤُ القَيْسِ (١):
حَلَفْتُ لَهَا باللَّهِ حَلْفَةَ فَاجرٍ … لَنَامُوا فَمَا إن من حَدِيْثَ ولا صَالِي"
قالَ المُشَرِّحُ: سيبويه (٢): وسألتُ الخليلَ عن قولِ اللَّه (٣) ﴿وَلَئِنْ﴾
стр. 1413
أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ فقال (١): المعنى ليظلن، وذهب بعض الكوفيين إلى أن "إن" أجيبت بجواب "لو" تشبيهًا بها (٢) من جهةِ المعنى، ولذلك زَعَمَ الفَرَّاءُ أن "لو" تستعمل في الاستقبال "كإن" (٢).
قال جارُ اللَّه: "والأكثر أن تَدخُل عليه مع "قد" كقولك: واللَّه لقد خرج".
قال المُشَرِّحُ: لا يكاد يقول: واللَّه قام.
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلُ) واللَّام الموطِئَةَ للقسم هي التي في قولك: واللَّه إن أكرمتني لأكرمنَّك".
قال المُشَرِّحُ: للنَّحويين في اللَّام الأولى والثانية في قولك: لئن زُرْتَني لأزورَنَّك ونحوه كلامٌ، فأكثر البَصريين (٣) على أن اللَّام الأولى مؤكدةٌ، والثانية لامُ جوابِ القَسم بمعنى واللَّه إن زرتني لأزورنَّك. قال عليُّ بن عِيسى: ويصلح أن تكون الأولى جوابًا، والثانية مؤكدةً إلا أن الأُولى أحقٌ بالتأكيد، لأنه يجوز طرحها، ولا يجوزُ طرحُ الثانيةِ، وبعضهم يجعلها على تقدير قسمين بمعنى واللَّه إن زرتني، واللَّه لأزورنك. ذكر هذا أبو سَعِيْدٍ السِّيرافي عن أبي بكر مبرمان وغلَّطه أبو سعيد السِّيرافي؛ لأنَّ الشَّرطَ وحده لا يُفيد، وهذا يرجع إلى معنى التوكيد.
وقال الكُوفيون وكثيرٌ من البَصريين: اللَّامُ الأولى خلف من القسم، والثانية لامُ جواب القسمِ بتقدير: واللَّه إن زُرتني لأزورنَّك، وكان الزَّجاجُ: يُضَعِّفُ أن تكون الأُولى لامُ قسمٍ فيقول: إنك إنما تَحلف على فِعْلِكَ لا على فعلِ غَيْرِكَ. وإنما دخلت إعلامًا أن الجُملة بكاملها معقودةٌ بالقسم.
стр. 1414
واعلم أنَّ العربَ إذا أدخلت هذه اللَّام على حرفِ الشَّرط آثروا الماضي على المُستقبل إشفاقًا على الإِتيان بمستقبلٍ [غيرِ] (١) مجزوم لأنَّه يبطل منهاج القسم. ومن العرب من يجيء بمستقبل ويجزمه بـ "إنّ" بعدَ دُخول اللَّام عليه تغليبًا للأصل المعروف لها ولا يَلتفت إلى ما حدث من معنى اليَمين. فتقول: إن تزرني لأزورَنَّك، وإن تزرني أزرك، وعلى الأول فصحاء العرب، وبه نزل الكتاب ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ .. وَلَئِنْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ (٢).
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) ولامُ جواب "لو" و"لولا" نحو قوله (٣): (﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. وقوله (٤): ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ ودخولها لتأكيدِ ارتباطِ إحدى الجُملتين بالأُخرى".
قال المُشَرِّحُ: إنما دَخَلَتْ اللَّامُ في جوابِ "لَوْ" دونَ جَوَابِ "إن" لأنَّها غيرُ عاملةٍ بمنزلةِ "قَدْ" فَدَخَلَتْ توكيدًا لربطها فقط وأما "إن" فعاملة في الشّرط والجواب فدل انجزامه على ارتباطه بما قبله.
قال جارُ اللَّه: "ويجوز حذفُها كقوله تَعالى (٥): ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ ويجوزُ حذفُ الجوابِ أصلًا كقولك: لو كان لي مالٌ وتسكت أي: لأَنفقتُ وفعلتُ [وفَعَلْتُ] (٦)، ومنه قوله تعالى (٧): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ وقوله (٨): ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ ".
стр. 1415
قال المُشَرِّحُ: أمَّا قولُهُ: لو كان لي مال وتسكت فذلك عند فضل الصدقة. وأمَّا قولُه تعالى (١): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾ فقد مضى تقدير جوابه المحذوف.
وأمَّا الآية الثانية فمعناها: لكنت أكفّ عنكم أذاكم.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) ولامُ الأمرِ نحو قولك: لِيَفْعَلْ زيدٌ وهي مكسورة، ويجوزُ تسكينها عند واو العطف وفائِهِ (٢) كقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: إذا (٣) اتصلت لام الأمر بواو العطف وفائه حسن فيها التَّسكين وهو قراءَة الجُمهور في قوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ على التَّشبيه بكَبْدٍ في كَبِدٍ، لأنَّها صارت معها كبعض حروفِ الكلمة في أنَّها لا يوقف عليهما ودونها، ونحوها ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ (٤) و ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (٥) بإسكان الهاء.
فإن سألتَ: فلم جازَ التَّسكين في هذه اللَّام دونَ لامِ "كَيْ"؟.
أجبتُ: للإِيْذَانِ بعملها، لأنَّ عملها التَّسكين. أمَّا إذا دخل (ثم) كقوله (٦): ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ فقد اختلفوا فيه.
حجة من حرك أنّها لما كانت على أكثرِ من حرفٍ كانت في تقدير المُنفصْل، ولذلك يوقف عليها، فلم تكن بمنزلةِ الفاء والواو.
стр. 1416
وحجَّة من أسكن أن المِيْم من "ثُم" أعني ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ بمنزلةِ الفاءِ والواوِ، ومن ثمَّ قالوا (١): أَرَاكَ مُنْتَفْخًا فجعلوا منْتَفْخًا من مُنْتَفِخًا بمنزلة كَبْدٍ وقال (٢):
* فَبَاتَ مُنْتَصْبًا وَمَا تَكَرْدَسَا *
ومن ذلك ما أَنْشَدَهُ أَبُو زَيْدٍ (٣):
* قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيْقَا *
وقد قُرِئَ بكسرِهِمَا معًا وهو مراد الخبر وغيره. قال الزَّجاجُ (٤): وقد
стр. 1417
حَكَى الفَرّاء فَتْحُها عن بَعْضِهِمْ، كما حُكَى بعضُ البَصريين فتح لامِ الإِضافةِ، وهما شاذَّان جدًّا.
قال جارُ الله: "وقد جاءَ حذفها في ضرورةِ الشّعر قال (١):
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كلُّ نَفْسٍ … إذَا ما خِفْتَ من أمْرٍ تَبَالَا
قالَ المُشَرِّحُ: التَّبَالُ والتَّبَابُ متقاربان.
قال جارُ الله: " (فَصلٌ) (٢) ولامُ الابتداء هي اللَّام المفتوحة في قولك: لَزَيْدٌ منطلقٌ، ولا تدخل إلا على الاسم والفعل المُضارع كقوله تَعالى (٣): ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٤) وفائدتها توكيدُ مضمونِ الجُملةِ".
قالَ المُشَرِّحُ: هذه اللَّام هي لامُ الابتداءِ، وأمَّا اللام في نحو قوله تَعالى (٥): ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا﴾، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ - ولولا نحو قوله تَعالى (٦): ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ لقلت لامُ الابتداءِ في الأصلِ لامُ جوابِ القَسَمِ.
стр. 1418
قالَ جارُ الله: "ويجوزُ عندنا إن (١) زيدًا لسوف يقوم ولا يجيزه الكوفيون".
قال المُشَرِّحُ: الكلامُ فيه [قد مَضَى] (٢) في أول قسمِ الأَفعال مُشبعًا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) واللَّامُ الفارقةُ في نحوِ قوله تعالى (٣): ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ وقوله (٤): ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ وهي لازِمةٌ لخبرِ "إنّ" إذا خُفِّفَتْ".
قال المُشَرِّحُ: هذه اللَّام قد مضى شَرْحُها في أول هذا الكِتَاب.
стр. 1419
[بابُ تاءِ التَّأنِيْث]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحرفِ (تاءُ التَّأنِيْثِ الساكنة).
وهي التاء (السَّاكنة) (١) في ضربتُ، ودخولها للإِيذانِ من أَول الأمر بأن الفاعل مؤنث، وحقها السكون، ولتحركها في رمتا لم ترد الألف الساقطة لكونه عارضًا إلا في لغة رديئة يقول أهلها رماتا".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما حقها السكون، لأنها حرف، والأصل في الحروف البناء، والأصل في البناء السكون. الألف في رمت سقوطها للهرب من التقاء الساكنين، وكذلك رمتا، لأن التاء وإن تحركت إلا أن تحركها عارض لم يعتد به.
فإن سألتَ: فكيف قالوا: لم يخافا، فأعادوا الألف مع أن تحرك اللام عارض، لأن أصله السكون، بدليل قولهم: لم يخف؟.
أجبتُ: أَيْشٍ تَعْنِي بقولِكَ: تحرك اللّام في لم يخافا عارض أتعني أن الدَّلِيْلَ قد دل على سُكونه؟ أم تَعني به شيئًا آخر؟ إن عنيتَ به شيئًا آخر فلا بدّ من تِبْيَانه، وإن عنيتَ ذلك قلنا: النَّظَرُ إلى فعلِ الواحدِ اقتَضى سكون اللَّامِ، فالنَّظَرُ إلى أن نقل الجَزْمِ من فعلِ الاثنين من اللام إلى النُّون يقضي أن لا تسكن اللام فوقع التعارض بينهما فلا بدَّ من التَّرجِيْحِ من وجه آخر.
стр. 1420
[باب التنوين]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحَرْف (التَّنوين)، وهو على خمسة أضربٍ: الدَّالَّ على المكانة في نحو: زَيْدٍ ورجلٍ، والفاصِلُ بين النكرة والمعرفة في "صهٍ"، و"مهٍ"، و"إيهٍ"، والعوضُ من المضاف إليه في "إذٍ" و "حينئذٍ"، ومررت بكلٍّ قائمًا، ولات أوانٍ، والنائِبُ منابَ حرفِ الإِطلاقِ في إنشادِ بني تَمِيْمٍ: في نحو قولِ جريرٍ (١):
أَقِلّي اللَّومَ عاذِلَ والعِتَابَنْ … وقُوْلِيْ إن أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَاْبَنْ
والتَّنوين الغالي في نحو قولِ رؤبة (٢):
стр. 1421
* وَقَاتِمِ الأَعْنَاقِ خَاوِيْ الْمُخْتَرَقْن *
ولا تَلحق إلا القافية المُقَيَّدة".
قالَ المُشَرِّحُ: التَّنويْنُ غنّةٌ في الخَيْشُوم تلحق آخر الاسم الخفيفِ.
فإن سألتَ أَلَيْسَ إن التَّنوين في "صَهْ" و "رَجُل" للتَّنكير فلم جَعَلْتَ التَّنوين في رجلٍ قِسْمًا بِرَأْسِهِ، وفي صَهٍ قسمًا؟.
أجبتُ هب أن التَّنوين في "رجلٍ" يدلُّ على التنكير (١)، فعلى الخِفّة أيضًا يدلُّ، وذلك لإِمكان الصّرف وامتناعه فيه بخلاف صهٍ فإنه لا يتأتى فيه ذلك، والفَرق بين صه وصهٍ أنك في الثاني لا تبتُّ الكلامَ جملةً، وإنما تُريد بذلك أن تُمسك قدرًا من الزَّمان، وقيل: صهٍ بالتنوين اِفعل سكوتًا، وبغير التنوين افعل السُّكوت الذي تعرفه. التَّنوين الذي هو عوض من المضاف إليه في "إذٍ" و "حينئذٍ"، وقد مضى هذا في قسمِ الأَسماءِ. بنو تميم ينوبون بالتنوين مناب حرف الإِطلاق. قال الإِمام عبد القاهر الجُرجاني (٢) إنما يفعلون ذلك إذا أرادوا تركَ الترنم والغناء، لأجلِ أن التَّنوين ليسَ فيه من الامتداد ما في الألف وأختيها، وهو مع ذلك يشاكل حروف اللّين لما فيه من الغُنة.
والتَّنوين الغالي في نحو قولِ رؤبة:
* وَقَاتِمِ الأَعْنَاقِ خَاوِي المُخْتَرَقِنْ *
بفتح الرَّاء وكسرِ القاف وسكون النُّون، ولا يلحق إلا القافية المُقَيَّدةَ. العرض في إلحاق هذا التّنوين: الدِّلالة على الوَقف من أجل أن الشّعر مسكنُ الآخرِ فلا يُعلم أواصل أنت أم واقفٌ، فإذا لحقت هذه الزّيادة فصل
стр. 1422
الوقف من الوصل، وهذه الزيادة في آخرِ البيتِ بمنزلةِ الزّيادة في أوله المسماة بالجزم.
تخميرٌ: الوَقْفُ على القوافي المُطلقة على ثلاثةِ أوجهٍ (١):
أمَّا أهلُ الحِجَازِ فيتركون القوافي على حالِهَا في الترنم منونها وغير منونها، للفرق بين النَّظم والنثر.
وكثيرٌ من بني تميم يبدلون المدّة نونًا في ما ينون وفي ما لا ينون فهذان وجهان.
الثالث: إجراء النَّظم مجرى النّثر في قوله (٢):
* واسأَل (٣) بِمَصْقَلَةَ البَكْرِيِّ مَاْ فَعَلْ *
ما بعد بيت رؤبة:
* مُشْتَبِهُ الأَعْلَامِ لَمّاعُ الخَفَقْ *
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والتَّنوين ساكنٌ أبدًا إلا أن يُلاقي ساكنًا آخر
стр. 1423
فيكسر أو يُضم، كقوله تَعالى (١): ﴿وَعَذَابِنِ (٤١) ارْكُضْ﴾ وقُرئ بالضَم (٢)، وقد يُحْذَفُ كَقَوْلِهِ:
فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ … وَلَا ذَاكِرِ اللهَ إلَّا قَلِيْلَا
وقُرِئ (٣): ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: القياس فيه الكَسر، والضَمُّ اتباع.
فإن سألتَ: لم كان القياس الكَسر؟.
أجبتُ: لأنه (٤) لو انفتح لأوهم الإِضافة، كما تقول: أكرم جارنا زيدَنَا الظّريفَ، وغلامَنَا الفاضلَ، نصبوا الاسمين مع حذف التنوين، كما كانُوا ينصبون مع إثباته لما كان المحذوف في حكمِ الاثبات. ونظيرُهُ ما حكاه أبو الحسن من أن بعضهم قال في: ﴿الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ (٥) فأمال الفَتحة التي تلي اللَّام من ﴿القَتْلَى﴾ إلى الكسرة كما تُميلها، والألف التي في ﴿الْقَتْلَى﴾ ثابتةٌ، لأن الألفَ التي (٦) في ﴿الْقَتْلَى﴾ حذف لالتقاء الساكنين، والمحذوف لالتقاء الساكنين في حكم الثبات، ومنه قولهم: (يعفر) غير منصرف (٧)، لأنه في تقدير ثبات الفتحة، قُريء في الشَّواذِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ بغير تنوين استخفافًا، أو فرارًا من التقاء السَّاكِنَيْنِ.
البيت لأبي الأسود وقبله (٨):
стр. 1424
فَذكَّرتُهُ ثمَّ عاتَبْتُهُ … عِتَابًا رَفِيْقًا وقولًا جَمِيْلَا
فَأَلْفَيْتُهُ ............ … ..................... البيت
سبب هذا الشّعر أن رجلًا يقال له: نسيب بن حميد كان يغشى أبا الأسود ويتحدث (١) إليه ويظهر له محبة شديدة فقال يومًا لأبي الأسود: قد أصبت مستقة (٢) أصبهانية وهي جبة [فراء طويلة الكمين فقال أبو الأسود: أرسل بها إلي حتى أنظر إليها، فأرسل بها اليه [فأعجبت أبا الأسود] (٣) فقال لنسيب بعنيها بقيمتها فقالَ: لا بلى أكسوكها، فأبى أبا الأسود أن يقبلها إلا بشراءٍ فقال له (٤): أرها من يبصر بها ثم هات قيمتها، فأراها أبو الأسود فقيل له (٤): هي ثمن مائتي درهم، فذكر (٥) ذلك لنسيب، فأبى أن يبيعها، فزاد أبو الأسود حتّى بلغ بالثَّمن مائتين وخمسين درهمًا، فأبى نسيب بيعها (٦) وقال: خُذها هبةً. فيقول: ذكره ما بيننا من المودة فوجدته غير راجعٍ عن قُبح ما يقول.
стр. 1425
[بابُ النُّون المُؤَكِّدةَ]
قالَ جارُ الله: "ومن أَصنافِ الحَرفِ (النُّون المؤكدة) وهي على ضَربين خفيفةٌ وثقيلةٌ (١)، فالخفيفةُ تقعُ في جميعِ مواضعِ الثقيلة إلا في [فعل] (٢) الاثنين، وفعل جماعة المؤنث تقول: اضرِبَنَّ، واضرِبُنَّ، واضرِبِنَّ، [واضرِبَنَّ واضرِبُنَّ واضرِبِنَّ] (٣) وتقول اضربان واضربنَان، ولا تقول: اضربان ولا اضربنان إلا عند يُونس" (٤).
قالَ المُشَرِّحُ: إذا أتيت بالنُّون الخفيفة فأنت مؤكِّد، قال الخليلُ: فإذا أتيت بالثَّقيلة فأنت أشدُّ توكيدًا، وإنما فتحت ما قبل هذه النون في فعل الواحد المذكر مجزومًا كان أو مرفوعًا لأنَّك أبطلتَ إعراب الفعلِ فأسكنته ثم بنيته على الفتحِ لاجتماع أمرين:
أحدهُما: اجتماعُ الساكنين؛ لأن النون الخَفيفة ساكنة والشَّديدة نونان الأولى منهما ساكنة.
والأمرُ (٥) الآخرُ: وقوعُ الالتباسِ، إذ لو كُسر لوقع الالتباس بفعلِ
стр. 1426
المؤَنَّث في لا تضربن زيدًا، ولو ضمَّ لالتبس بفعل جماعةِ الرِّجالِ في لا تَضربُنَّ زيدًا، لأن الأَصل لا تضربِي يا امرأة، ولا تضربُوا يا رجال فالكَسرُ والضَمُّ فيهما يدلان على الياء والواو المحذوفين.
فإن سألتَ: فكيفَ سقطت الواوُ في اضربُن وبقيت الألف في اضربَان؟.
أجبتُ: أمَّا سقوطُ الواوِ في اضربُن فللتَّخفيف مع حصول الغرض من ثبوت الواو. أمَّا بقاءُ الألف في اضربان فلئلا يلتبس (١) عند سقوط الألف بفعل الواحد.
حَذَفُوا النُّون التي هي علامة الرفع في فعل الاثنين والجميع والمؤنَّث (٢) من قولهم: تَفعلان وَيفعلون وتَفعلين لاجتماع أمورٌ منها بطلان الإِعراف مع دخولِ هذه النُّون (٣)، ومنها أن ما قبلها لما انفتح في فعلِ الواحد المذكَّر كأنه صار منصوبًا (٤) وتلك النُّون تُحذف منه في حال النصب، ومنها كراهة التضعيف باجتماع ثلاث نونات فيه.
الخَليلُ وسيبويه (٥): كلُّ موضعٍ تدخل فيه النُّون الثقيلة فإنه تدخل فيه الخفيفة إلا في موضعين، فعل الاثنين، وفعل جماعة المؤنَّث، وذلك لأنها لا تخلو من [أحد] (٦) ثلاثة أشياء.
إمّا أن تترك ساكنة بعد الألف فيجتمع في ألف (٧) الوصل ساكنان، وليس ذلك من كلام العرب في الوسط إلا أن يكون الحرف الذي بعد الألف مدغمًا في مثله نحو: دابّة وشبهها.
стр. 1427
وإمَّا أن تحذف الألف قبلها لاجتماع ساكنين (١) فيصير فعل الاثنين كفعل الواحد فيلتبس به ويصير دخول الألف وخروجها بمنزلتِهِ في فعلِ جماعةِ المؤنَّث فتذهب فائدتها بغير ضرورة.
وإما أن تكسر لالتقاء الساكنين فتكون قد حركتا [ساكنًا] من غير اضطرار إلى ذلك، وكان يونس وجماعة من نحويي البصرة والكوفيين يجيزون ذلك ولهم في النُّطق بها وجهان:
أحدُهُما: أن يدعوها ساكنة في الوصل، لأن المدَّةَ التي قبلها بمنزلة حرف متحرك. وقد حكي عن بعضهم: "حَلْقَتَا البطان" غير محذوف الألف في الوصل.
والآخر: أن تكسروها في الوصل، لاجتماع الساكنين كما كسروا النون من قولهم الزيدان يقومان ونحوه، وقرأ ابن عامرٍ (٢): ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ بكسر النُّون خفيفةً.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا يؤكد بها إلا الفعل المستقبل الذي فيه معنى الطلب، وذلك ما كان (٣) قسمًا أو أمرًا أو نهيًا أو استفهامًا أو عرضًا أو تمنيًا كقولك بالله لأَفْعَلَنَّ، وأَقسمتُ عليك إلّا تَفْعَلَنَّ ولما تَفْعَلَنَّ، واضربنَّ ولا تخرجُنَّ، وهل تَذْهَبَنَّ، وألا تَنْزِلَنَّ وليْتَكَ تَخُرُجَنَّ".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما لَزِمَت النُّونُ المضارعَ في جوابِ القسمِ بعدَ اللَّامِ (٤) ليخلص الفعل للاستقبال ويخرج عن شبه (٥) الحال فكان النون أولى بهذه الإِفادة؛ لأنها تدخل زائدةً مؤكدةً والموضع موضع التَّأكيد، وكذلك مقام
стр. 1428
الأَمرُ والنَّهيُ، لأن الحاجة تشتد إلى توكيدهما، والاستفهام مشبهٌ بالأمر، لأنَّ معناه: أخبرني. العرض بمنزلة الأمر ألا تَرى أنَّ قولَكَ: [أَلَا تنزلن] (١) معناه: انزل، وكذلك [يقوم مقام الأمر والنهي و] التمني، لأن ليتلك تخرجن بمنزلة اخرج.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولا يؤكد بها الماضي، ولا الحال ولا ما ليس فيه معنى الطَّلب".
قال المُشَرِّحُ: إنما (٢) لم يؤكد بها الماضي ولا الحال لاستحالة الطلب فيها.
قالَ جارُ الله: "وأما قولهم في الجزاء المؤكد حرفه بـ "بما" إما تفعلن قالَ الله تَعالى (٣): ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ وقال (٤): ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فلتشبيه "ما" بلام القسم في كونها مؤكدةً، وكذلك قولهم: حيثما تَكوننَّ آتك".
قالَ المُشَرِّحُ: "ما" في قولهم: إما تفعلن لتأكيد معنى المجازاة، كأنه يفيد زيادة عموم، ومزيّة تقرير اعتَبِرْهُ بـ "حيث" و"حيثما" و"أين" و"أينما" فقولك: إمّا تفعلن معناه: إن اتَّفق منك وجود الفعل بوجهٍ من الوُجوه فـ "ما" في المجازاة بمنزلة اللَّامِ في القَسَمِ، وما ها هنا هي المُسلطة، لأنَّها سلطن حرف الجزاء على استجابة نون التوكيد.
قال جارُ اللهِ: "وبجهدٍ ما تَبْلغن، وبعينٍ ما أرينَّك".
قال المُشَرِّحُ: بجهد مَّا تبلغن: كأن معناه: ليكونن بلوغك بجهد بعين
стр. 1429
ما أرينّك وقد مضى في هذا القسم تفسيره.
قال جارُ الله: "فإن دخلت في الجزاء بغير ما ففي الشعر تشبيهًا للجزاء بالنَّهي".
قال المُشَرِّحُ: هذا كقولك: إن تزرني أَزُرْكَ، إنما جارُ دخول النُّون فيه تشبيهًا للجزاء بالنّهي حيث كانا مجزومين غير واجبين، لأنهما يشتركان في معنى الشَكّ.
قال جارُ الله: "ومن التَّشبيه بالنَّهي دخولها في النفي وفيما يقاربه من قولهم: رُبّما يقولَنّ ذاك، وكثر (١) ما يقولن ذاك. قال [عمر بن هند] (٢):
رُبَّما أَوْفَيْتُ في عَلَمٍ … يَرْفَعَنْ ثَوبي شَمَالَاتُ"
قال المُشَرِّحُ: النَّفي (٣) يشابه النَّهي، ومن ثم يتساوى الكلام المنفي، والكلام المنهي في كونه غير موجب قلّ، قد أجري مجرى المنفي لأنَّ أقربَ شيءٍ إلى المَنفى القَليل، كما أن أَبعد شيءٍ منه الكثير. قال أبو العَبَّاس (٤):
стр. 1430
إذا قلت: قَلَّ رجلٌ يقول ذاك إلا زيد فهذا نفى كثر رجلٌ يقول ذلك إلا زيدٌ، وليست هذه "قل" التي تريدها قلَّ الشيءُ، وإنما تريد ما يقول ذاك إلَّا زيدٌ. انتهت ألفاظه.
تخميرٌ: وأقلُّ رجلٍ على أَفعل التَّفضيل والإِضافة كذلك. ابنُ السَرَّاج فقالُوا: أقلُّ رجلٍ يقول ذلك إلا زيدٌ، ربما كان يقتضي تقليل الفعل الذي وقع عليه فكذلك يقتضي تقليل ما وقع عليه حالًا كقولك: ربما رَمَى، فالرّمي ها هنا قليلٌ.
البيت لجُذَيْمَةَ الأَبْرَشُ وبعده (١):
في فُتُوٍ أنا رابِئُهُمْ … مِنْ كلالٍ عزوةٍ مَاتُوا
الفتو: جمعُ فتى. ربأتُ القومَ: إذا كنتَ لهم طليعةً فوق شرفٍ.
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وطرح هذه النُّون شائعٌ في كل موضع إلا في القسم فإنه فيه ضعيفٌ وذلك قولك: [والله] (٢) ليقومن زيد" (٣).
стр. 1431
قال المُشَرِّحُ: هذه النون يجوز دخولها وخروجها من جميع ما ذكرنا إلا من القسم وحده إذا كان في أول الفعل لام القسم خاصةً، وذلك لإِزالة اللبس لأن هذه اللام قد تدخل على خبر "إن" نحو ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (١) فإذا قلتَ: إن زيدًا ليقومُ اشتبه الحال أهو لام القسم أم لام الابتداء.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإذا لقي الخفيفة ساكن بعدها حذف حذفًا، ولم تحرك كما حرك التّنوين فتقول: لا تضرب ابنك قال (٢):
لا تُهِينَ الفَقِيْرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْر قَدْ رَفَعَهْ
أي: لا تهينَنَّ".
قال المُشَرِّحُ: النون الخفيفة إذا لقيها ساكنٌ من كلمة أخرى حذفت
стр. 1432
لالتقاء الساكنين كما يُحذف حرف (١) المدّ واللّين وترك ما قبلها على حركتِه ولم تُحرك (٢) كما يحرك التنوين وذلك لضعف علامة تمكين الفعل من حيث أنك في الإِتيان بها وتركها مخيَّرٌ، وليس كذلك علامة تَمكين الاسم؛ لأن الإِتيان بها واجبٌ في الاسم المنصرف.
стр. 1433
[باب هاء السكت]
قال جارُ اللَّه: "ومن أَصناف الحرف (هاءُ السَّكت) وهي التي في (نحو) قوله (١): ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ وهي مختَصَّةٌ بحالِ الوَقْفِ، فإِذا أدرجت قلت: ﴿مَالِيْ هَلَكَ﴾، ﴿وسُلْطَانِيَ خُذُوهُ﴾ ".
قال المُشَرِّحُ: هاء السَّكتِ (٢) تُزاد في الوَقْفِ خاصةَّ لبيان الحركةِ نحو ﴿مَالِيَهْ﴾ ﴿وسُلْطَانِيَهْ﴾ أو عوضًا مما حذف من الكلمة كقولك: [قِهْ وعِهْ] (٣).
قال جارُ اللَّه: "وكلُّ متحرك ليس حركتُهُ حركةً إعرابيةً يجوز عليها الوقف بالهاء نحو ثمه، [وليتَمه، وكيفَه] (٤)، وإنه وحيهله، وما أشبه ذلك".
قال المُشَرِّحُ: الأصل في هاء السكت أن تلحق الأفعال التي هي على حرفٍ واحدٍ فلذلك اختصت بالمبنيات.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وحقها أن تكون ساكنة وتحريكها لحنٌ ونحو ما في [إصلاح]، ابن السكيت (٥) من قوله:
стр. 1434
* يا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارِ عَفْرَا *
* يا مَرْحَبَاهُ بِحِمَارِ نَاجِيَهْ (١) *
مما لا معرج عليه في القِيَاس واستعمالِ الفُصحاء، ومعذرة من قالَ ذلك أنَّه أَجرى الوصل مجرى الوقف مع تشبيهه هاء السكت بهاء الضَّمير".
قال المُشَرِّحُ: الوصلُ قد يُجرى مُجرى الوقف، وذلك نحو ثلاثهربعة على ما يَجيء في المُشترك إن شاء الله. أول البيت الأول:
إذا أتى قَرَيْتُهُ بمَاشَا
من الشَّعِيْرِ والحَشِيْشِ والمَا
رحّب بحمارها لمحبته إياها، ونحوه (٢):
أحِبُّ لِحُبِّها السُّودَان حتَّى … أُحِبُّ لِحُبِّها سَوْدَ الكِلَابِ
قال أَبو سَعِيْدٍ: هذه الأَبيات على وجهين: المَدُّ والقَصْرُ.
стр. 1435
[باب شين الوقف]
قال جارُ اللَّه: "ومن أصناف الحرف (شين الوقف) وهي الشين التي تلحقها بكاف المؤنث إذا وقف من يقول: أكرمتش ومررت بكش، وتسمى الكَشْكَشَةُ وهي في تَمِيْمٍ، والكسكسة وهي في بكر، وهي إلحاقهم بكاف المؤنث سينًا".
قال المُشَرِّحُ: كأن الشين والسين تزادان فيه [لبيان] (١) حركة (الكاف) كقولهم: ما الذي جاء بش، ويريدون بك، و ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٢) والكَسْكَسَةُ: تعرض في لغة بكر كقولهم في خطاب المؤنث: أبوس وأمس يريدون: أبوك وأمك.
قال جارُ اللَّه: "وعن مُعاوية (﵁) (٣) أنه قال يومًا من أفصح النَّاس؟ فقام رجل من جرمٍ -وجرمٌ من فصحاء الناس- فقال: قوم تباعدوا عن فراتية العراق، وتيامنوا عن كشكشة تميم، وتياسروا عن كسكسة بكر، ليست فيهم غَمْغَمَةُ قضاعة، ولا طمطمانية حمير، قال معاوية: فمن هم؟ قال: قَوْمي".
стр. 1436
قال المُشَرِّحُ: الفُراتية (١) لغة أهل الفرات الذي هو نهر الكوفة، ويروى: لَخْلَخَانِيَّة العراق وهي لُكنة في الكلام من لَخَّ في كلامه إذا جاء ملتبسًا مستَعْجمًا، وعن الأَصمعي: [نطق] (٢) فلان نطقا (٢) لخلخانيًا وهو [نطق] (٢) الأعاجم. والغَمْغَمَةُ لا تبين الكلام ويقال لأصوات الأبطال و [الثّيران] (٣) عند الذعر غماغم، ويقال الغمغمة الكلام المنكر الذي لا يفهم، والطَّمْطَمَانِيَّة أن يكون الكلام مشتبهًا بكلام العجم، ورجلٌ طَمْطَمَانِيُّ: كَذَا رأيتُهُ بخطّ الشيخ، في كتاب (٤) "المعربات" الطَّمْطَمَانِيَّة: تعرض في لغة حمير كقولهم: طابَ أمهوي يريدون الهوى.
стр. 1437
[باب حروف الإِنكار]
قال جارُ اللَّه: "ومن أصناف الحَرْف (حَرْفُ الإِنكار): وهي زيادة تلحق الآخر في الاستفهام على طريقين أحدهما: أن تلحق وحدها بلا فاصل كقولك: أزيدُنِيه. والثاني: أن يفصل بينها وبين الحرف الذي قبلها "إِنْ" مزيدة كالتي في قولهم: ما إن أفعل فيُقال: أزيدُ إنّيه".
قال المُشَرِّحُ: الدَّال مضمومةٌ في كلا الموضعين، والنون في الأول مكسورة، وأمَّا الثانيةُ فساكنةٌ بعدها همزة مكسورة ثم ياء مكسورة في كلا الموضعين. حرفُ الإِنكار (١) في الفصل الأول هو اليَاء والهاء للوقف. وأما في الفصل الثاني فقد قال الإِمام عبد القاهر الجرجاني: على أن يكون علمًا للإِنكار. والياء تَلحق لمدّ الصوت والهاء للوقف، ومنهم من يجعل التنوين في أزيدنيه للإِنكار أيضًا ويخرجه على أن يكون علم الخفة، وهذا لأنَّ هذا التَّنوين تُلحْقه بالإِنكار، ولحوق ياء الإِنكار به بمنزلة الوَقف عليه بدليل أنَّ ياءَ الإِنكار تلحقه هاء الوقف، وهاء الوَقف لا تلحق من الحُروف إلا ما كان هو معرض للوقف عليه وذلك نحو ياءَ الضَّمير في (حِسَابِيَهْ) و (كِتَابِيَهْ)، وفي الوقف لا يكون في الاسم التنوين الذي هو علم الخفة.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) ولها معنيان.
стр. 1438
أحدهما: أن يكون الأمر على ما ذكر المُخاطب.
والثاني: أن يكون على خلاف ما ذكره كقولك لمن قال: قدم (١) زيدٌ أزيدنيه منكرٌ لقدومه أو لخلافِ قدومه، ويقول لمن قال: غَلَبَني الأميرُ: آلاميرُوْهُ قال الأخفش: كأنك تهزأ به وتنكر تَعَحُّبه من أن يغلِبَه الأمير".
قال المُشَرِّحُ: آالأميرُوْهُ (٢) في أوله ألف ممدودة، وراء مضمومة، وواوه ساكنة، والهاء مضمومة.
قال جارُ الله: "قالَ سيبويه (٣): وسمعنا رجلًا من أهل البادية قيل له: أَتخرج إن أخصبت البادية؟ فقال: أأنا إنيه منكرًا لرأيه أن يكون على خلاف أن يخرج".
قال المُشَرِّحُ: أأنا بهمزتين مفتوحتين إنِّيْه بهمزة ونون مكسورتين، وبعد النون ياء ساكنة، والهاء في آخره مكسورة.
[قال جارُ الله] (٤) " (فصلٌ): ولا يخلو الحرف الذي يقع بعده من أن يكون [متحركًا أو ساكنًا] (٥)، فإن كان متحركًا تبعه معه في حركته، فيكون ألفًا أو ياءً أو واوًا بعد المفتوح والمضموم والمكسور كقولك في هذا عمر: أعمروه. وفي رأيتَ عُثمانًا أعثماناه، ومررت بحذام أحذامِيْه. وان كان ساكنًا حُرِّك بالكسر ثم تبعته كقولك: أزيدنيه، وأزيدإنيه".
قال المُشَرِّحُ: ألا ترى أن النون في زيد كان ساكنًا، ثم تحرك بالكسر ثم تبعه.
стр. 1439
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإن أجبت من قال: لقيتُ زيدًا وعمرًا قلت أزيدًا وعمرنيه، فإذا قال: ضربت عمر قلت: أضربت عمراه، وإن قال ضربت زيدًا الطويل قلت: أزيدًا الطويلاه فتجعلها في منتهى الكلام".
قال المُشَرِّحُ: تجيء بها في آخر الكلام فتجعلها بعد المَعطوف وبعد المفعول وبعد الصِّفة ونظير هذه المسألة ما إذا استفهم الواقف بمن وذلك في ما إذا قيل له: أرأيت رجلًا وامرأة قال مَنْ ومَنه، وإذا قيل: رأيت امرأة ورجلًا قال من ومنا فتلحق العلامة في آخر الكلام.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتترك هذه الزيادة في حال الدَّرْ فيقال: أزيدًا يا فتى كما تركت العلامات في "من" حين قلت: "من يا فتى".
قالَ المُشَرِّحُ: كنت تقول -كما مضى في قسم الأسماء- منان ومنون ومنتان ومنات، إذا قال جاءني رجلان وجاءني رجال، وجاءني امرأتان وجاءني نساء، وذلك في حال الوقف أمَّا في حال الوصل فلا علامة.
стр. 1440
[باب حروف التذكير]
قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الحرف (حرف التذكير) وهو أن يقول الرَّجُلُ في نحو قالَ ويقولُ ومن العام قالا فيمد فتحه اللام ويقولوا من العامي إذا تذكر ولم يرد أن يقطع كلامه".
قالَ المُشَرِّح: وكذلك تَمدُّ ضمة اللام، وكسرة الميم.
قال جارُ اللهِ (فصلٌ) وهذه الزِّيادة في إتباع ما قبلها إن كان متحركًا بمنزلة زيادةِ الإِنكار فإذا سَكن حرّك بالكسر كما حرك ثَمْة ثم تبعته.
قالَ المُشَرِّح: وفي هذه المَسألة ومسألة الإِنكار دليلٌ على أن الساكن إذا حرك حرك إلى الكسر.
قال جار اللهِ: "قال سيبويه (١): سمعناهم يقولون إنه قدي وأَلِي يعني: في قد فعل، وفي الألف واللام [إذا] (٢) تذكر الحارث ونحوه، قاق: وسَمِعنا من يُوثق به يقول: هذا سيفنى يريد سيف من صفته كيت وكيت".
قال المُشَرِّح: الرّواية (٣): يعني في قد فعل على الفعل المُضارع.