← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

[بَاب الكلَام وَمَا يتَألف مِنْه] قالَ جارُ اللهِ: فصلٌ؛ "في معنى الكلمةِ والكلامِ، الكلمةُ هي اللّفظة الدالةُ على معنىً مفردٍ بالوضعِ". قالَ المشرِّحُ: أشرحُ أولًا (١) كلامَ الشّيخِ ﵀ (٢) - ثُمِّ أورِدُ عليه بحثًا، فأقول: أمَّا اشتراط اللَّفظةِ (٣) فلِئلا ينتقِضَ الحدُّ بالإِشاراتِ الدّالة على المعاني، كعَقدِ الحسابِ بالأصابعِ، [وأمَّا اشتراطُ الدّالةِ فلئلا ينتقضُ الحدُّ بالمهملِ] (٤)، وأمَّا اشتراطُ المفردِ فلئلا ينتقضَ الحدُّ بالمركب، من نحوِ المضافِ إليه مع المضافِ (٥)، والخبرِ مع المبتدأ، والفعلِ مع الفَاعلِ، وأمَّا اشتراطُ قولِه: "بالوضعِ"، فلئلّا ينتقضَ الحدُّ بالمحرَّفِ، فهذا شرحُ كلامِهِ. وأمّا البحثُ: فهو أنَّ قولَه: "بالوضعِ" غيرُ مفتقرٍ اليه، وأمَّا المحرَّفُ فقد خَرَجَ بقولِهِ: الدّلالةُ على معنىً، وهذا لأنَّه مأخوذٌ من دلالةِ اللَّفظِ على معنى أنَّه لو أُريد به ذلِكَ المعنى وقعت الإِرادةُ عاريةً عن الخطأِ، والمُحَرَّفِ وإن أريدَ به معنىً لم تَعر إرادةُ ذلِكَ المعنى عن الخَطَأِ. فإن سألتَ: ما الدليلُ على أنّه لم يعَر إرادةُ معنى المُحرَّفِ عن الخطأِ؟

стр. 142

أجبتُ: لأنّ المحرفَ لا يخلُو من أن يكونَ له سِوى هذا المعنى الذي وَقَعَ فيه التَّحريفُ معنىً آخرُ، أولًا، فإن لم يكن له فذاك، وإن كان قلنا: ما الدليلُ علي أنَّ المحرَّفَ لا يُسمَّى كَلِمَةً؟ وكذلك التّاءُ في "اللّفظةِ" غيرُ مفتَقرٍ إليها (١) لأنَّ التاءَ للإِفرادِ وقد حَصَلَت الغُنيَةُ بقولِكَ [مفردُ (٢). وأمّا الحدُّ الذي للمذهبِ أن يُقال (٣): الكلمةُ لفظٌ له دلالةٌ مفردةٌ. فإن سألتَ: اللفظ غيرُ مأخوذٍ في حدِّ الكلمةِ بدليلِ أنّ المنوى في ضَرَبَ يُسمَّى كَلِمَةً، لأنَّه متى نَوَيتَ فيه الفاعِلَ كان كلامًا، والكلامُ هو المُرَّكبُ من كلمتين؟ أَجَبتُ: المُرادُ باللَّفظِ ما كانَ ملفوظًا به إمّا حقيقةً وإِمَّا حُكمًا، وأنّه ملفوظٌ به حكمًا بدليل أنَّ المنوى مما يُجتَزأُ به فاعلًا كما بالملفُوظِ به حَقيقةً. ونظيرُ هذه المسألةِ التَّشبيهُ، الشَّبَه بالاستعارة فإنَّه متى نُوى فيه المشبّه فهو حَقِيقةٌ كما في قوله (٤): أسدٌ عليَّ وفي الحُروب نَعامَةٌ … فَتخاءُ تَنفُرُ من صَفيرِ الصَّافِرِ

стр. 143

فقد جَعلتَ النِيَّةَ فيها بِمَنزِلةِ اللَّفظِ. قالَ جارُ اللهِ: - "وهو جِنسٌ (١) تَحتَهُ ثلاثةُ أَنواعٍ: الاسمُ، والفِعلُ، والحَرفُ". قالَ المشرحُ: الكلمةُ متى دَلّت على معنى لا تخلو، إمَّا أن تدلَّ عليه في نَفسِهِ، أو "لا في نفسِهِ" فلئن دَلّت عليه لا في نفسِهِ فهو الحرفُ، وإن دَلَّت عليه في نفسِهِ لم تَخلُ، إمَّا أن تدلَّ عليه مقترنًا بزمانِ، أو لا مقترنًا بزمانٍ، فإن دَلّت عليهِ لا مقترنًا بزمانٍ فهو الاسمُ، وإن دلَّت عليه مقترنًا بزمانٍ فهو الفعلُ. قال جارُ الله: "والكلامُ هو المركّبُ من كلمتين أُسنِدَت إحداهُما إلى الأُخرى، وذلك لا يَتَأتَّى إلَّا في اسمين كقولك: زيدٌ أخوك وبشرٌ صاحبُك، أو في فعلٍ واسمٍ نحو ضَرَبَ زيدٌ وانطلَقَ عمروٌ وتسمى الجملةَ". قال المشرحُ: الإِسنادُ في اللغةِ هو الإِضافةُ، وفي الإِعرابِ إضافةُ إحدى الكلمتين إلى الأُخرى على وجهِ الإِفادةِ، والإِفادةُ لا تكونُ إلَّا في الابتداءِ، والفِعل والفاعِلِ، وهذا لأنَّ الإِفادةَ متى وَقَعَت بينَ شيئين فأَحَدُ الشَّيئين يَستَحيلُ أن يَكونَ حَرفًا، لأنَّ الحَرفَ لإِيقاعِ العُلقَةِ بينَ شيئين، ولهذا قالُوا الحرفُ نَسَبٌ ورابطٌ، وإيقاعُ العُلقَةِ بينَ شَيئينِ، ولا شَيئين مُحالٌ. وأمَّا حَرفُ النِّداءِ مع المُنادى فذاكَ [ .............. ] (٢) منزلةِ الفِعلِ على ما يَأَتي في موضعِهِ إن شاءَ اللهُ تَعالى. قالَ جارُ الله: "القسمُ الأولُ من الكتابِ وهو قسمُ الأسماءِ. الاسمُ ما دَلَّ على معنى في نفسِه دلالةً مجردةً عن الاقَتِرانِ". قالَ المشرحُ: قوله: "في نفسِهِ" لئلا ينتقضَ الحدُّ بالحرفِ، لأنَّ

стр. 144

الحرَف وإن كانَ يدلّ على معنى لكن في غَيره، كما يَجيءُ في بابِ الحروفِ بيانُه. وقوله: "مجردةٌ عن الاقترانِ": معناه عن الاقترانِ بزمانٍ، واشتراطُ هذا الوصفِ لئلَّا ينتقض الحدُّ بالفعلِ، ولك أن تقولَ هذا غيرُ منعكسٍ بالصَّبوحِ والغَبُوقِ فإنَّ المحدودَ فيهما موجودٌ والحدُّ منتَفٍ، بدليلِ أنَّهما دَلّا في أنفسِهما دلالةً مقترنةً بزمانٍ، ومتى كانت دلالَتُهُما مقترنةً بزمانٍ، لم تَكُن مجردةً عن الاقترانِ بزمانٍ، والمحصلون (١) على زيادةِ وصفِ التَّحصيل فيه. قالَ جارُ الله: "وله خصائص منها: جوازُ الإِسنادِ إليه، ودخولُ حرفِ التَّعريفِ، والجَرُّ، والتَّنوينُ، والإِضافةُ. قال المشرِّحُ: كلُّ إخبارٍ إسنادٌ ولا ينعكسُ، بدليلِ أنَّك إذا قلتُ: اضرب ولا تَضرب فقد وُجدَ الإِسنادُ في كُلًّ منهما، ولم يُوجَدُ الإِخبارُ، وهذه علامةٌ وليست بحدٍ، إذ لو كانَ حدًّا لانعكَسَ، وهو غيرُ مُنعكسٍ بقولهم أينَ، وكيفَ ومتى، فإنَّ هذه أسماءٌ، ولا يجوزُ الإِسنادُ إليها. ومن علاماتِ الاسمِ أيضًا دخولُ حرفِ التَّعريف، نحو الرَّجلُ والفرسُ، و"ليسَ من امبر أمصيامُ] (٢) في امسفر" (٣) فكانَ حرفُ التَّعريف أعمَّ وأَشْيَعَ من لامِ التَّعريفِ. والجَرُّ أيضًا نَحو: خَرَجتُ من البَصرةِ إلى الكُوفةِ. والتَّنوينُ في قولِكَ: جاءَني رَجُلٌ وزَيدٌ، ومن علاماتِه أيضًا كونُ الكلمةِ مضافةً كقولك: غُلامُ زيدٍ، ودارُ عَمرٍو.

стр. 145

[بَاب إسْم الجِنس] قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصنافِ الاسمِ: اسمُ الجنسِ، وهو ما عُلّقَ على شيءٍ، (١) وعلى كلّ ما أشبَهه. قال المشرحُ: اسمُ الجنسِ هو ما جازَ إطلاقُهُ على مَوضوعين مُختلِفين بالمعنى المشتركِ بينهما وهو نفسُ الرجوليّة. فإن سألتَ: ما الدليلُ على أنّ نفسَ الرجوليَّة مشتركةٌ بينهما، أجبتُ: لأنَّ ها هنا رُجوليةً، [وهناك رجوليةً مخصوصةً] (٢)، فيكونُ في كلِّ واحدٍ من الرجلين (٣) نفسُ الرُّجوليةِ، فبعدَ ذلك لا يَخلو من أن يكون نفسُ الرّجوليّة ها هنا مغايرةً لنفسِ الرُّجوليّةِ هُناك، أو لا يكونُ، فلئن لم يكن فذاكَ، وإن كانَت فتلك أدنى ما يمكن بين الشَّيئَينِ من المُغايَراتِ، وذلك هو المعنيُّ بالمُشتَرَكِ. وها هُنا لطيفةٌ: وهي أنَّ حِصّة كلِّ فَردٍ من أفرادِ الجِنسِ لو تَجَرَّدت عن المشخّصاتِ التي بها يعقلُ الشخص هل تتمايز الحِصَصُ أم لا؟ اختَلَفَ الأوائِلُ والحَقُّ أنَّها تَتَمايَزُ، لأنَّ نَفس الحِصّةِ ها هنا واقعةٌ، ونفسَ الحصّةِ هناك واقعةٌ، فلو لم تَتَمايَز في أنفُسِها للزمّ من ذلك أن يكونَ الشيءُ حالًّا في محلين مختلفين في وقتٍ واحدٍ، وذلك محالٌ (٤). وإليه ذهَبَ الشيخُ، لأنَّه

стр. 146

جَعَلَ الحِصَصَ متمايِزَةً بدليلِ أنَّه جَعَلَهَا متشابهةً فدلّ على أنّه لما [جعلَها متشابهةً] (١) ذهبَ إلى تمايُزِها في أنفُسِها. قالَ جارُ الله: "وينقسمُ إلى اسمِ عينٍ واسمِ معنى، وكلاهُما ينقسمُ إلى اسمٍ غير صفةٍ، وإلى اسمٍ هو صفةٌ، فالاسمُ غيرُ الصّفَةِ نحو: رجلٌ وفرسٌ، وعلمٌ وجهلٌ، والصفةُ نحو راكبٌ (٢) وجالسٌ ومفهومٌ ومضمرٌ. قال المشرّحُ: اسمُ العين ما له شخص كرجلٍ وفرسٍ، واسم المعنى ما ليس له شخص وهو اسمُ الحدثِ كعلمٍ وجهلٍ، وينضم إليه أسماءُ الأزمنةِ كالسّاعةِ واليومِ والليلةِ، قال (٣) ابن السّراج (٤)، فالشخصُ نحو رَجُلٌ وفَرَسٌ وحَجَرٌ وبَلَدٌ وعَمَرُ وبكرٌ، وأَمَّا ما كانَ غيرَ شخصٍ فنحو الضَّربُ والأكلُ، والظنُّ والعلمُ واليومُ والساعةُ. واسمُ العَين يَنقَسِمُ إلى اسمٍ غيرِ صفةٍ كنحو ما ذكرناه من رجلٍ وفرسٍ، واسمٍ هو صفةٌ والمعنيُّ به ما كانَ دالًّا على حالٍ لغيره وهو جارٍ كراكبٍ ألا ترى أنّ الركوبَ معنى حالٌ لغيره وهو جارٍ لأنَّه يقالُ: رجلٌ راكبٌ. وكذلك اسم المعنى ينقسمُ إلى اسمٍ هو غيرُ صفةٍ كنحو ما ذكرنا من عِلمٍ وجَهلٍ، واسمٍ هو صفة كمفهومٍ ومضمرٍ ألَا تَرى أنَّه يُقالُ عِلمٌ مَفهومٌ واسمٌ مضمرٌ.

стр. 147

[بَابْ العِلم] قالَ جارُ الله؛ "ومن أصنافِ الاسمِ العلمُ، وهو ما عُلّقَ على شيء بعينه غيرَ متناولٍ ما أشبَهَهُ". قالَ المشرّحُ: العلمُ: هو ما أُطلق على شيءٍ بعينِه، أي من حيثُ هو هو، ثم لم يَجُز إطلاقُه على شيءٍ آخرَ بالمعنى المشتَركِ بينهُما، وهذا لأنَّ العلَمَ يدخلُ تحتَ العِلْمِ وهويّتُه، وهُوِيّةُ الشيءِ يستحيلُ أن تكونَ مشتركةً. وها هنا بحثٌ: وهو أنَّ العَلَمَ على نوعين، علمُ شخصٍ وعلمُ جنسٍ، فعلمُ الشّخصِ ما أُطلِقَ بحسبِ شخصٍ نحو زيدٌ وعمروٌ، وعَلَمُ الجِنسِ: ما أُطلِقَ بحسبِ جنسٍ كثعالةَ فإنَّه علمٌ للثَّعلبِ، وذؤلَة فإنَّه علمٌ للذئبِ، وأسامةَ فإنّه علمٌ للأَسدِ فعلمُ الشخصِ بمنزلةِ المعرّفِ باللّامِ تعريفَ عهدٍ، وعلمُ الجنسِ بمنزلةِ المعرّفِ (١) باللَّامِ تعريفَ جنسٍ. ثُمَّ الجِنسُ نوعان: الأوَّلُ كقولك: أرجلٌ خيرٌ أم امرأةٌ؟ والثَّاني: نحو أَرجُلٌ جاءَك أم امرأةٌ؟ وعلَمُ الجنسِ كاللّامِ يكونُ في كلِّ واحدٍ من الجنسين، تقولُ: ذؤالةُ شرٌ من أسامةَ، فهذا علمُ الجَنسِ الأوّل، وأسامةُ في الطريقِ أي: من هذا الجنسِ شيءٌ في الطريقِ. فَنَقُولُ: الذي ذكره الشَّيخُ من حَدِّ العَلَمِ لا يَفِي إلَّا بِتَحدِيدِ العَلَمِ الشَخصيّ، أَلا تَرى أنَّ عَلَمَ الجنسِ كما لا يجوزُ إِطلاقهُ على الجِنس كلِّه، يجوزُ على أي شيءٍ اتفَقَ منهُ، فقَد عُلِّقَ على كلِّ (٢) شيءٍ،

стр. 148

وعلى كلِّ ما أشبَهَهُ بالمعنَى المشتَرَكِ بينَهما فلا يكونُ معلقًا على شيءٍ بعينه غيرَ متأولٍ ما أشبهه، فإذًا لا يكونُ ما ذكره الشيخُ من حدِّ العلمِ متناولًا لعلمِ الجنسِ. والحدُّ الجامعُ لهما أن نقولَ: العلمُ هو الدالُّ على معنى دلالةً يتضمَّنُ الإِشارة إليه على وجهِ الافرادِ والاستبدادِ. فقولُنا: الدّالُ على معنى ظاهِرٍ، وقولنا: دلالةٌ يتضمّنُ الإِشارَة إليه، لئَلَّا ينتقضَ الحدُّ بالمُنَكَّرِ من اسمِ الجنسِ، وهذا لأنَّ كلَّ واحدٍ من العَلمين يدلُّ على معنًى دلالةً يتضمن الإِشارةُ إليه. أمّا العلمُ الشَّخصيُّ فظاهرٌ، ألا تَرَى أنَّك إذا قُلتَ: جاءَني زيدٌ فكأنَّك قُلتَ جاءني ذلك الشَّخصُ المعين. وأما عَلَمُ الجنسِ فكذلك، لأنَّه مفسرٌ بما فيه الألفُ واللّامُ (١)، لتعريف الجسِ، وما فيه اللامُّ لتعريفِ الجنسِ كما يدلُّ على معنى هو الجنس يدلُّ على الإِشارةِ إليه أيضًا، وهذه الإِشارةُ هي المستفادةُ من اللامِ، ومتى دلّ التفسيرُ على معنى، دلّ مفسرُهُ على ذلِك المعنى أيضًا، وإلّا لم يكن تفسيرًا بخلافِ المنكر من اسمِ الجنسِ، فإنّه -وإن دلَّ على معنًى- لكن دلالةً تَتَضمّنُ الإِشارةُ إليه أيضًا، وقولنا عَلى وجهِ الافرادِ، لئلّا ينتقضَ الحدُّ بالمعرّفِ باللّامِ والإِضافةِ من الأجناسِ، فإنه -وإن دَلّ على معنًى وعلى الإِشارةِ-، لكن لا على سبيلِ الإِفرادِ، لأنَّ المعنَى المشارِ إليه ثمَّ يستفادُ من نفسِ الاسم، والإِشارةُ تستفادُ من اللّامِ أو الإِضافةِ. وقولنا: والاستبداد لئَلا ينتقضَ الحدُّ باسمِ الإِشارةِ، وذلك أنَّ اسمَ الإِشارةِ وإن دلَّ على معنى دلالةً تتضمّنُ الإِشارةَ إليه على وجهِ الإِفرادِ، لكن (٢) لا على وجهِ الاستبدادِ، وهذا لأنَّ اسمَ الإِشارةِ لا يجوزُ إطلاقُه إلا إذا كانَ المشارُ إليه موجودًا في الخارِج، أو مذكورًا سابقًا، بخلافِ العلمِ فإنه يجوزُ إطلاقُه وإن لم يكن أحدُ الأمرين موجودًا. فهذا هو الحدُّ الصالحُ للمذهبِ (٣).

стр. 149

قال جارُ الله: "ولا يَخلو من أن يكونَ اسمًا كزيدٍ وجعفرٍ، أو كنيةً كأبي عمروٍ وأمّ كلثومٍ. أو لقبًا كَبطَة وقُفّةَ". قال المشرِّحُ: الشَّيءُ متى علق عليه علم فإمّا أن يكونَ هو التعليقة الأولى، أولا يكون، فلئن كانت فهو اسمٌ، وإن لم تَكُن لا يخلو من أن يقصدَ بها إمَّا التحقيرُ وإما التعظيمُ، أو لا يقصدُ. فلئن لم يُقصَد فهو أيضًا اسمٌ، أنشدني بعض الطُّلّاب (١): أسمّيكِ سُعدى في نسيبِيَ مرّةً … وأسماءَ تاراتٍ وآونَةً سَلْمى وإن قصدَهُما فهو اللّقبُ. فبعدَ هذا كلٌّ من الاسمِ واللقبِ لا يخلو من أن يضاف إليه الأبُ والأمُّ، أو لا يضاف، فلئن لم يضف فهو الاسمُ، وإن أضيفَ فهو الكنيةُ. قالَ جارُ الله: "وينقسمُ إلى مفردٍ ومُركَّب ومنقولٍ ومرتجلٍ فالمفرد نحو زيدٌ وعمروٌ، والمركب نحو بَرَقَ نَحرُه، وتَأَبطَّ شَرًّا، وذَرا حُبًّا، وشابَ قرناها". قال المشرحُ: العَلمُ إمّا مَنقولٌ، وهو ما نُقل من مَعنًى إلى مَعنًى كيزيدَ فإنَّ معناهُ في الأصلِ الزيادةُ، وجعفَرٍ فإنَّ معناه في الأصلِ النَّهرُ. وإمَّا مرتجلٌ وهو ما ليس بمنقولٍ، من ارتجلَ شعرًا أو خُطبةً، أي أنشأهما من غير

стр. 150

تهيئةٍ قبلَ ذلك. وينقسمُ إلى مفردٍ نحو زيدٌ وعمروٌ، ومركبٌ، وهو إمَّا جملةٌ كَبَرَقَ نَحرُه في اسمِ رَجُلٍ، وهو في الأصلِ جُملةٌ (١) مركبة من فعلٍ وفاعلٍ مظهرٍ، وتأبَّط شرًا، جملةٌ مركبةٌ (١) من الفعلِ والفاعلِ المستَكِنِّ والمَفعولِ، والَّذي يَدُلُّ على أنَّ الفاعلَ فيه مستكنٌ أنَّهم اتفقوا على كَونِهِ جُملةً فَلَولا أنَّ الفاعِلَ فيه مستكنٌّ لما كانَ جملةً، وسُمى بذلك، لأنَّه قَدِمَ على الحيّ وتحتَ إبطِهِ حيّة (٢). وذرا حبًّا: في اسمِ رجلٍ، وهو بتشديدِ الرَّاءِ والباءِ أيضًا. وشابَ قرناها: في اسمِ امرأةٍ، والسببُ في إطلاقِ هذه الأسماءِ كتأبّط شرًّا ظاهرٌ ينبئُ عنه الاسمُ. قالَ جارُ الله: ويزيدُ في قولِ الشَّاعر: (٣). نبئتُ أخوالي بني يزيدُ … ظلمًا علينا لهم فَدِيدُ

стр. 151

قالَ المشرحُ: أولًا أشرحُ هذا البيتَ ثمَّ أعودُ إلى كلامِ الشيخِ فأقولُ: نبّأتُ: مما يجري مَجرى أَعلمتُ لموافقتِهِ له في معناه فيتعدى إلى ثلاثةِ مفعولين، فإما بُني الفعلُ للمفعولِ ها هنا أقيمَ المفعول الأولُ مقامَ الفاعلِ وهو تاء الضَّمير، "وأخوالي" هو المفعولُ الثَّاني، و"بَنى يَزيد" منصوبٌ على أنّه عَطفُ بيانٍ لأخوالي، و"ظُلمًا" منصوبٌ على أَنه المنصوبُ بمعنى اللّام، والفديدُ: هو الصِّياحُ، وقد فدَّ يفِدُّ فديدًا، ورجلٌ فدّادٌ وفي الحديث (١): (إنَّ الجفاءَ والقسوَةَ في الفدَّادين) وهم الذين تَعلو في حُروثِهم ومواشِيهِم أصواتُهم. يريدُ يصيحون لظلمِهِم علينا، ويحتملُ (٢) أن يكونَ انتصابُه على التَّمييز، يريد أنهم يصيحون ظلمًا لا عدلًا وإنصافًا. وهذه الجملةُ أعني (ظلمًا علينا لهم فديدُ) في محلّ النَّصبِ على أنَّه المفعولُ الثالثُ لنُبِئّتُ.

стр. 152

فهذا شَرحُ البَيتِ. عُدنا إلى كلامِ الشيخِ: اعلم أنهم قد تورطوا في هذا البيت في شيء، وذلك أنّ الأسماء المعربة أمَّا منصرفةٌ وإمَّا غيرُ منصرفةٍ. ويزِيدُ في البيت معربٌ فلا يخلو من أن يكونَ منصرفًا، أو غيرَ منصرفٍ، فإن كانَ منصرفًا فالوجهُ أن يَنجَرَّ، وإن كانَ غير منصرفٍ، فالوجهُ أن ينفتحَ، فما هذا الرّفع؟ خرَّجوا فقالوا: هذا العلمُ منقولٌ، والعلمُ كما يكونُ منقولًا عن المفردِ، يكونُ منقولًا عن الجملة، والجملةُ كما تكونُ فعلًا فاعله مظهرٌ، تقعُ أيضًا فعلًا فاعلُه مضمرٌ مستكنٌ، فهذا العلَمُ منقولٌ عن جملةٍ فعلُ فاعِلها مضمرٌ مستكنٌّ، والجملةُ إذا وَقَعِت موقعَ المفردِ لم يظهر فيها إعرابُ المفردِ كقولك: رأيتُ رجلًا أعجبَني كَرمُه [فأعجبني كرمُه] (١) جملةٌ وَقَعَت (٢) في محلِّ النَّصب لأنَّها صفةُ (رجلًا) ولا يظهرُ فيها إعرابُ الوصفيّة، وكذلك مررت برجلٍ أعجبني كرمُه، جملةٌ في محلِّ الجَرِّ على أنَّها صفةُ رَجُلٍ، ولا يظهَرُ فيها إعرابُ الجَرِّ، كذلك ها هُنا، ألا تَرى أنّه لو كانَ (٣) في الفاعلِ ضميرٌ بارزٌ ثم وَقَعَت موقعَ المجرُورِ لما ظَهَرَ فيه إعرابُ المجرورِ، فكذلك في (يَزيدُ) في البيتِ. وهذا الكلامُ عليه اعتراضٌ أذكره، ثم أذكُر الوجهَ الذي يصلُح للمذهب، فأقولُ: الشيءُ إذا كانَ بمنزلةِ الجملةِ ثم أوقعناهُ موقعَ المفردِ ثم أردنا أنَ يظهرَ فيه إعرابُ المفردِ، والجزءُ الأوّلُ منه قابلٌ للإِعراب، فإنّا نظهِرُ الإِعراب في الجزءِ الأولِ منه. بيانُه أنا إذا قُلنا: مررتُ برجلٍ ضَاربٍ أبوه، فإنَّه يجوزُ، ثُمَّ قولنا: ضاربٌ أبوه بمنزلةِ الجملةِ، لأنَّه بمنزلةِ الفعلِ والفاعلِ، وقد أوقعناه موقعَ المفردِ، لأنَّا جعلناه صفةً لرجلٍ فإذا أَردنا أنَ يظهرَ فيه إعرابُ المفردِ أعربنا الجزءَ الأوَّلَ منه وهو ضاربٌ. و (يزيدُ) علمٌ منقولٌ عن جملةٍ، بمنزلةِ الجملةِ، لأنَّه جملةٌ من حيثُ الصورةِ، غيرُ جملةٍ من حيثُ المعنى، والجزءُ الأولُ منه قابلٌ للإِعراب فوجَب أن يعربَ، فهذا

стр. 153

هو الاعتراضُ (١) والوجهُ الجيّدُ أن نقولَ: العَلَمُ متى نُقِلَ عن الفعلِ المضارعِ فإمَّا أن ينقلَ مع تلكَ الرّفعةِ، أو لا مع تلكَ الرّفعة، فإن نُقلَ لا معِ تلكَ الرّفعةِ انصَبَّ على ذلك العَلمِ وجوه الإِعرابِ، وإن نُقل مع تلكَ الرفعة، فالعَلمُ أبدًا مرفوعٌ، ضرورَة أنَّ تلك الرفعةَ من نفس الاسمِ، ولذلك لو سَمَّيتَ بخمسةَ عشَر فقلت: هذا خمسةَ عشَر ففيه الرَفعُ والإِبقاء على الفتحِ. قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا غيرُ جملةٍ اسمان جُعلا اسمًا واحدًا نحو مَعدي كرب، وبعلَبَكُّ وعمرَويه، ونفطويه أو مضافٌ ومضافٌ إليه كعبدِ منافٍ وامرئِ القَيس والكُنى". قال المشرِّحُ: مَعِدي: أصلُه مَعدِيٌّ بالتَّشديدِ من عدّاهُ (٢) الكَرب. وكرب من الأعلام، ومنه أبو كربِ اليَمانيّ (٣). ولعلَّ اشتقاقَه من الكربة.

стр. 154

وياء معدي على كلِّ حالٍ ساكنةٌ. بعلَ: اسم صنمٍ لقوم إلياسَ النبي [﵇] (١). وَبكٌّ: مصدَرٌ من بكَّ عنقَه أي دقَّها، وهو بمجموعه اسم بلدٍ (٢)، كما أنّ الأوّل بمجموعه اسمُ رجلٍ. وعَمرويه (٣) وعمر في الأصل بمعنًى واحدٍ، وويه من الأصوات، وهو بمجموعه اسم رجل. نفط هو الكبريت، وويه من الأصواتِ أنشدني بعضُهم (٤): لا خيرَ في النَّحو وأصحابِه … إذا انتَهى النَّحو إلى نِفطَوَيه أَحرَقَه اللَّهُ بنصفِ اسمِهِ … وصيَّرَ الباقي صُراخًا عَلَيه قالَ جارُ الله: "والمنقولُ على ستةِ أنواعٍ: منقولٌ عن اسمِ عينٍ كثورٍ وأَسَدٍ، ومنقولٌ عن اسمِ معنًى كفضلٍ وإياسٍ، ومنقولٌ عن صفةٍ كحاتمٍ ونائلةَ، ومنقولٌ عن فِعلٍ، إمَّا ماضٍ كَشمَّرَ وكَعْسَبَ، وإمَّا مُضارعٍ كتَغلبَ ويَشكُرَ وإمَّا أمرٍ كاصمُت في قولِ الرَّاعِي (٥):

стр. 155

أشلى سَلُوقيَّةٍ باتت وباتَ بها … بوحش أصمُتَ في أصلابها أوَدُ (١) وأَطرِقَا في قولِ الهُذَلِيّ (٢): على أطرِقا بالباتِ الخِيَا … م إلَّا الثمامَ وإلّا العِصِيّ (٣)

стр. 156

ومنقولٌ من صوتِ كَببَّه وهو نَبَزُ عبد الله بن الحارث بن نوفل، ومنقولٌ عن مركّبٍ وقد ذكرناه". قال المشرحُ: ثورٌ: اسمُ رجلٍ، وأسدٌ أيضًا، وهما منقولان عن واحدِ الثِّيَرَةِ وواحِدِ الأسودِ، فضلٌ: في الأصلِ مصدَرٌ، وإياسٌ في الأصل مصدَرٌ من آسه، ونظيره عِيَاضٌ ومنه (١): (أَزكنُ من إياسٍ). حاتمٌ في الأصل صفةُ مصدَرٍ (٢) من حَتَمَ اللهُ الشيءَ أي فَرَضَهُ وأوجَبَهُ، ولذلك قيلَ للغُراب حاتِمٌ لأنه يَحتِمُ بالبينِ. نَائلةُ: اسمُ امرأةٍ زَنَت في الحرمِ برجلٍ اسمه أُسافٌ فَمَسَخَهُما اللهُ حَجَرَين، وهي في الأصلِ فاعلة من نَالَ الشيءَ ينالُه، أو من نَاله ينولُه إذا أعطاهُ، ومنه قولُ الأصمعِيِّ: شُهرتٌ بالأدب، ونِلتُ بالملُحِ. (شمَّر) بتشديد الميمِ اسمُ (٣) فرسٍ وهو غيرُ منصرفٍ قال (٤): وجَدِّيَ يا حجّاجُ فارِسُ شَمّرا كَعْسَبُ: اسمُ رجلٍ، من الكَعْسَبَةِ وهو العَدُو الشَّديدُ وهو منصرفٌ. تَغلِبُ: في الأصلِ اسمُ رجلٍ، ثُم غَلَبَ على القَبيلةِ، ويؤنِسُك (٥)، وينشَدُ في الأوّل بيتُ أبي الطَّيبِ (٦):

стр. 157

فإن تَكُن تَغلِبُ الغَلباء عُنصُرَهَا وفي الثّاني ما أَنشد فيه بعضُ الأدباء (١): ويَشكُرُ اللهَ لا يَشكُرُ وهما منقولان عن مضارِعي غَلَبَ وشَكَرَ. أصمت (٢): اسمُ مفازةٍ، سُمّيت بذلك لأنَّ من حَقَّ سالِكِها لِفَرطِ مهابَتِها أن يقولَ الرّجلُ لصاحِبِه أُسكُت لئلا يلحقنا الهَلَاكُ أو كأنَّ إنسانًا قالَ لصاحبه اصمُت لنَبأَةٍ أَوجَسَهَا، ويشهدُ له تسميةُ المفازةِ الأُخرى (أَطرقا) قال الشيخُ (٣): يجوزُ أن تكونَ اصمت من باب فَعَلَ يَفعِلُ فلم يبلغنا، وإن لم يكن فمن بابه وهو فَعَل يفعُلُ فلمَّا صارَ اسمًا، وغُيّر عن سِمَتِهِ، غُيِّرَ أيضًا عن حركاتِهِ البنائِيّة، سَلُوقُ: قريةٌ باليَمَنِ (٤)، يُنسَبُ إليها الدُّروعُ السَّلوقِيَّةُ، والكلابُ السَّلوقيَّةُ، بلدٌ وحشٌ أي

стр. 158

قفرٌ كذا هو في الصّحاح (١). فوحشٌ ها هنا ليسَ من الأعلام. الباءُ في بها تَتَعَلَّقُ بباتَت، والضميرُ في بها لِوَحشِ اصمتَ، مقدَّمٌ على هذا الضمير من حيثُ النيّةِ والتقديرِ وهذا لأنَّ من حقِّ المفعولِ غيرِ الصحيح أن (٢) يتقدمَ المعطوفَ على الفعلِ الذي له ذلك المفعول إذ من حقِّ المفعولِ أن ينقضي بجميع أذيالِهِ، ثُم يَنعَطِفُ عليه فعلٌ آخرُ، وقوله: في أصلابها أَوَدُ، صفةُ سَلُوقية، وكِلابُ الصَّيدِ تكون كذلك أَوساطُها مَخروطَة الشَّكلِ. الخِيامُ جمعُ خَيم، وهو بمعنى الخَيمةِ، وهو بيتٌ تَبنيه العربُ من العِيدانِ، ونظيرُ هذا الجمع فَرخٌ وفِراخٌ. هذا محصولُ كلامِ الجوهريّ (٣)، ويشهدُ بمعنى الخيمةِ هذا البيت الذي أنشدَه الشيخُ ها هنا الثُّمامُ نبتٌ ضعيفٌ له شَبَهٌ بالخُوص، وربّما خُشِيَ به خَصاصُ البيوتِ (٤)، الواحدةُ ثُمامةٌ والمراد بالعِصِيّ ها هنا قوائِمُ الخَيمةِ، وبالثُّمام ما يُستَرُ به جوانِبُ الخَيمةِ، وهما من الخيمةِ وقيل للنَّبيّ ﷺ في مسجدِ المدينة: ألا تَسقِفُه؟ فقال: لا، بل عُرُشٌ كَعُرُشِ مُوسى خَشَباتٌ وثُمامُ (٥). القصيدةُ مُقَيَّدَة لأنَّ أَوّلَها. عرفتُ الدّيارَ كرقمِ الدَّويْ … يُزَبِّرُه الكاتِبُ الحِمَيرِيْ [والخيامُ منصوبةٌ] (٦). فإن سألت: فهل لنا إلى معرفةِ أنّ الخيامَ لم (٦)

стр. 159

لم يبقَ منها إلا الثمامُ والعصيُّ سبيلٌ؟ أجبتُ: لأنَّ الثمامَ قد اندرسَ وألوت به الريحُ، وأما العِصيُّ فقد استَصحَبُوها لحاجَتِهم إليها في منزِلِ آخرَ. إنَّما لُقب عبد اللُه بببَّه لأنه كانَ كثيرًا ما يتكلم به في طفولتِه كأنّه يخاطِبُ به أباه فَغَلَبَ عليه ومنه: لأُنكِحَن ببَه … جارِيةٌ خِدَبَّة (١) نَوفَلُ: هو الحارثُ بِنُ عبدِ المطلبِ بنِ هشامِ بنِ عَبدِ مَناف. قالَ جارُ الله: "والمرتَجَلُ على ضربين قياسىٌّ وشاذٌّ فالقياسيٌّ نَحو غَطفانُ وعُمرانُ وحَمدانُ وفَقعسٌ وحُنتفٌ والشَّاذُّ نَحو مُحبَبٌ وموهَبٌ ومُوظبٌ وَمكوزةٌ وحَيَوةٌ". قالَ المشرحُ: القياسيُّ هو الذي لا يَشتمِلُ على مخالفةِ أصلٍ، والشاذُ هو الذي يشتَمِلُ عليه. استَدركَ على الشَّيخِ بعضُ أصحابهِ في فَقعسٍ وحنتفٍ بأنَّهما علمان منقولان لا مُرتجلان لأنَّ فقعسًا هو البلادَةُ، وحنتف هو الجرادُ المنتّف. محبَّبُ اسمُ رجلٍ، والقياس فيه الادغام مُوهَب اسمُ رَجُلٍ وموظِب اسمُ مَوضِعٍ (٢) والقِياسُ فيهما كَسرُ العَينِ، لأنَّ مفعِلًا من المُعتَلِّ الفاءِ بالكَسرِ. مَكَوَزَةِ اسمُ رَجُلٍ، وهي في الأصلِ جمعُ كَوزٍ، ونظيرُ هذه التّسمية مفخَرة، وكما سمّت العربُ بهذه الكلمةِ جمعًا سمّت بها مفردًا قال (٣):

стр. 160

تبغَّى ابن كوزٍ والسفاهة كاسمها والقياسُ فيها مكازةٌ كمقالةٍ ومقامةٍ. حَيوَه: اسمُ رجلٍ والقياسُ فيه حيَّة، لأنَّ الواوَ والياءَ متى اجتمعتا [وسبقت إحداهما بالسكون قُلبت الواو ياءً وأدغمت الياءُ في الياءِ] (١) فإن سألتَ: فلمَ سَلَكَ بهذه الأعلام طريقَ المخالفةِ؟ أجبتُ: أمّا مُحبِبٌ فلئلا يشتبه بمحبٍّ جنسًا وهي جمع محبَّةٍ وتَحيّ جمع تَحِيّةٍ، وحرك في جمع حركةٍ، وأمّا موهَبٌ فلئلا يشتبه بموهِبٍ مفعل من الهبَةِ، وأمَّا موظِبٌ فلئلا يشتبه بموظِبٌ مفعل من الوظوبِ على الشيءِ وهو الدَوامُ، وأمّا مكوزةٌ (٢) فقد صَحّت جمعًا لئلا يشتبه بمفردٍ ونظيره مَسيَفَةٌ في جمع سَيفٍ، ومَشيَخَةٌ في جَمع شَيخٍ، وأمّا حَيَوةُ فَلئلَّا يشتبه بحيَّةٍ جنسًا. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ وإذا اجتمع للرجلِ اسمٌ غيرُ مضافٍ ولقبٌ أضيفَ اسمُهُ إلي لقبِهِ فقيلَ: هذا سعيدُ كُرزٍ وقيسُ قُفّةُ وزيدٌ بطَّةٍ، وإذا كان مضافًا أو كنيةً أُجري اللَّقَبُ على الاسمِ فقيلَ: هذا عبدُ الله بطةُ، وهذا أبو زيدٍ قُفَّةُ". قالَ المشرِّحُ: الكرزُ: الخرجُ (٣)، والجمع كُرَزَةٌ، مثلُ حجر وحجرة وغصن وغصنة. يُقال: كَبُرَ فلانٌ حتّى كأنَّه قُفَّةٌ. قالَ الأصمعي (٤): هي الشَّجرةُ اليابسةُ الباليةُ، والقُفَّةُ أيضًا القرعةُ اليابسَةُ، وربّما اتُّخذ من خُوصٍ ونحوه كهيئتِها، تَجعَلُ فيه المرأةُ قُطنَها. وإنَّما يُضاف أحدُ الاسمين إلى الآخرِ تَوخِّيًا للاختصارِ، وإنما يُؤخرُ اللقَبُ لأنَّه لو قُدّمَ لوقعت الغُنيَةُ عن الاسمِ ونحنُ نُريدُ أن نذكرَ كليهما وإنما يُجرى اللّقبُ على الاسمِ مطلقًا لعدمِ إمكانِ الإِضافةِ.

стр. 161

قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ، وقد سَمَّوا ما يتخذونَهُ ويألفونَه (١) من خيلِهم وإبلهِم وغنمِهم وكلابِهم وغيرِ ذلك بأعلامٍ كلُّ واحدٍ منها مختصٌ بشخصٍ بعينه يعرفونَه به كالأَعلامِ في الأناسيّ وذلك نحو أَعوَجَ ولاحِقٍ وشَدقَمٍ وعُليّانَ وخُطَّةَ وهَيلةَ وضَمرَانَ وكَسَابِ". قالَ المشرحُ: لاحقٌ (٢) وأعوجٌ (٣) من فحولة (٤) الخيل. وشَدقَمٌ وعليّانُ من فحولةِ الإِبلِ، وعُليان غيرُ منصرفٍ وفي المثلِ (٥): "دُونَ عُلَيّانَ خَرطُ

стр. 162

القَتَادِ" وخُطَّةُ: بضم الخاءِ يُقال: (١) "قَبَّحَ اللهُ مِعزىً خيرُها خُطَّةُ". قالَ الأصمعيُّ (٢): كانت عَنْزَ سُوءٍ، وهَيلةُ أيضًا عنزٌ (٣) وهما أيضًا لا ينصرفان. وضمران كلبٌ (٤) وكسابِ (٥) -بكسر الباء- كَلبَةٌ الأول من الضّميرِ، والثاني من الكَسبِ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وما لا يُتَّخَذُ ولا يؤلَفُ فيحتاجَ إلى التّمييزِ بين أفرادِه كالطيرِ والوحوشِ وأحناشِ الأرض فإنَّ العلمَ فيه للجنس بأسره ليس بعضُه أولى به من بعضٍ، فإذا قُلتَ: أبو براقشِ وابنُ دَاية، وأُسَامةُ، وثُعالةُ، وابنُ قَتَرة، وبنتُ طبقٍ، فكأنَّك قلت: الضّربُ الذي من شأنِه كيتَ وكيتَ". قالَ المشرِّحُ: قوله: فيحتاجَ، منصوبٌ على أنَّه جوابُ النَّفي. وفي الصحاح (٦): الحَنَشُ: بالتَّحريكِ كلُّ ما يصادُ من الطَّيرِ والهوامِّ، والجمعُ الأحناشُ. أبو براقش (٧): طيرٌ يتلوَّنُ ألوانًا، قال (٨): -

стр. 163

كأبي براقشَ كلَّ لَونٍ لونُه يُتَخَيَّلُ ومنه بَرقشتُ الشيءَ إذا نَقَشتُه بألوانٍ شتَّى. ابنُ داية (١): الغُراب سمّى بذلك، لأنَّه يقعُ على دابةِ البعيرِ، وهو قِفَاره. ابنُ قِترْة (٢): حيَّةٌ تُشبهُ القَضيبَ من الفضّةِ في قَدرِ المِشّبرِ، وإذا قَرُبَ من الإِنسانِ نَزا فى الهواءِ فوقَعَ عليه من فوقَ، ذكره إمامُ خُراسانَ (٣) أبو منصور الثَّعالِبيُّ، فكأنّهم شَبَّهوا نَزَوانه في الهَواءِ بالسَّهم الَّذي له قَتَرة. بنتُ طَبق (٤): حيّةٌ صَفراءُ من طبعها أن تَنَامَ في الرَّملِ سِتَّةَ أيَّام، ثم تستيقظ في السَّابِعُ فلا تَنفُخُ في شَيءٍ إلَّا أَهلكته قبل أن يَتَحَرَّكَ، وربَّما مرَّ بها الرَّجلُ وهي نائِمةٌ فيأخُذَها كأنَّها سوارٌ من ذَهَبٍ، وربَّما استَيقَظَ في يَدِهِ، فيخرُّ الرجلُ ميتًا. هذه ألفاظُهُ. قالَ جارُ الله: "ومن هذه الأجناسِ ما له اسمُ جنسٍ واسمُ عَلَمٍ كالأسدِ وأسامةَ، والثعلبِ وثعالةَ، وما لا يعرفُ له اسمٌ غيرُ العَلمِ نحو ابنُ مُقرِض وحمارُ قبانٍ". قال المشرحُ: ابنُ مقرض (٥) دُوَيْبَةٌ يقالُ لها بالفارسية "دله" وهو قَتَّالُ. الحمام ذكره الجوهري، وهو أَلطف جسمًا من ابنِ عرسٍ، وهو وَحشي صَعب التَّوَحُّشِ لا يَدجُن في البيوتِ لكنَّه مع ذلك يَصيدُ الَعصافيرَ صيدًا كثيرًا.

стр. 164

و"حمارُ قَبّان" (١) دويبةٌ وقبَّان فعلان من قبَّ لأنَّ العربَ لا تصرفُه، وهو عندَهم معرفةٌ وقيلَ هو منصرفٌ، لأنَّه فعّالٌ من قبن في الأرض أي ذَهَبَ، ونظيرُ هذه المسألة في الوجهين حسَّان: إن أخذتَه من الحِسّ فهو غيرُ منصرفٍ، وإن أخذتَه من الحُسن فهو منصرفٌ، وكذلك حبَّان: أن أَخذتَهُ من الحَيّ فهو غيرُ منصرفٍ، وإن أَخذتَهُ من الحَينِ فهو منصرف. قالَ جارُ الله: "وقد صَنَعوا في ذلك نحوَ صنيعهم في تسميةِ الأناسي فوضَعُوا للجنسِ اسمًا وكنيةً فقالوا للأسَدِ أسامةَ، وأَبو الحرث، وللثعلبِ ثعالةَ وأبو الحصين وللضبعِ حَضاجرَ وأمّ عامرٍ، وللعقربِ شَبوةَ وأمَّ عريطٍ، ومنها ما له اسمٌ ولا كنيةَ له كقولهم قُثَم للضَّبُعان. وما له كنية ولا اسم له كأبي بَراقش، وأبي صبرة، وأُمِّ رباح، وأمِّ عجَلان. قالَ المُشَرحُ: كُنّيَ الأسد بأبي الحَرثِ لِحَرثِهِ وهو كَسبُه. وللثعلب بأبي الحصين لتحصُّنِه بغدرِه، وسُمِّيت الضَّبعُ بحَضاجِر لعِظَمِ بَطنِها، يقالُ وَطبٌ (٢) حضجرٌ ووطبٌ حُضاجرُ، وهي لا تنصرفُ نكرةً كما لا تنصرفُ معرفةً، لأنَّ امتناعَ صَرفِها لما فيها من صِيغة الجمعِ الأقصى. كُنّيَت بأمّ عامرٍ تفاؤلًا لأنَّه أَفسدُ (٣) حيَوانٍ، كما قيل للَديغِ الحيَّةِ سَليمٌ. "شَبَوةُ" من شَبا السّيفِ وهو حدُّه، و"عِريطُ" مرتجلٌ ولعلَّ اشتقَاقَه من اعتَرَطَ في الأرضِ إذا ذَهَبَ فيها، سُمي قُثَم لتَلَطُّخِهِ بِخُرئِهِ من قَثَمَ وأقثم إذا جَمَعَ ومن

стр. 165

ثَمَّ يُقال للأمةِ قَثَام (١) كما يقال لها ذَفَار (٢). فإِن سألتَ: فكيفَ قالَ: لا كنيَةَ لَهُ وقد قيل إنَّ أمَّ عامرٍ كنيتُهُ؟ أجبتُ: تلكَ للضَّبعِ، أمّا الضَّبُعَان فلأنَّه (مُؤَنثٌ) (٢) والضَّبُعَانِ؛ مذكَّرٌ، وجمعهُ ضَباعين، ومثلُه سِرْحَان وسَراحين. "أبي صَبرة" طائرٌ على لونِ الصَّبر. وأمّ رَباح كالسنّورِ يجلَبُ منها الكافورُ الرّباحي"أمُّ عَجلان" طائرٌ، وهو من العَجَلَةِ. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ وقد أَجرَوا المعاني في ذلك مَجرى الأعيان فَسموِا التَّسبيحَ سُبحان والمنيَّةَ شَعرب وأمَّ قَشعم والغدر بكَيسان وهي في لُغَةِ بني فَهم" قال: - (٣). إذا ما دَعوا كَيسانَ كانت كُهولهم … إلى الغَدر أَدنى من شَبابِهِم المُردِ ومنه كَنوا الضَّربة بالرجلِ على مؤخرة الإِنسانِ بأُمِّ كيسان، والمبرَّةَ ببرةَ، والفجرةَ بِفَجَارِ، والكُليَّة بزوبرا قال (٤): إذا قالَ غاوٍ من تنوخَ قصيدةً … بها جَرَبٌ عُدَّت عليَّ بِزَوبرا قالَ المشرحُ: "سبحانَ" علمٌ للتسبيحِ بدليلِ أنه غيرُ منصرفٍ قال الأعشى (٥):

стр. 166

أقولُ لَمّا جاءني فَخره … سُبحانَ من علقَمَةَ الفاخِرُ فلولا أنّه عَلَمٌ لكانَ مُنصرفًا بمنزلةِ غُفران ونُشدان. "شَعوب" من الشَّعبِ وهو الفَريقٌ. كُنّيت المنيةُ بأمِّ قَشعم، لأنَّ جِيَفَ المَوتى مما تَسقُطُ عليها القَشاعِمُ. "كَيسان" بمعنى الغَدر من الكَيَسِ الذي هو خلافُ الحُمق. يقولُ: إذا ما دَعوا الغَدرَ كما يَدعو الرجلُ صاحبَهَ ليقبلَ عليه، فالغدرُ أجوبُ لكهولِهِم ومشايِخِهم الطَّاعنين في السِّنِّ منه لِشَبَابِهِم، يريدُ أنَّ مشايخَهم من شبابِهم. بها جَرَبٌ: يريد عَيْبٌ، عُدت عَلَيَّ: أي نُسبَت إليَّ. قالَ جارُ الله: "وقالوا في الأوقاتِ: لقيتُه غدوةً وبكرةً وسحرَ وَفينةً". قالَ المُشرّحُ: مذهبُ النَّحوِيين أنَّ هذه الأسماء إذا عَنَيتَ بها غُدوةَ يومِكَ، وبكرتَه، وسَحَرَ ليلتِكَ، وفَينَةَ وقتِكَ، فهي غيرُ منصرفَةٍ، وعندي (١)

стр. 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 168

أنَّها مبنيةٌ، وهَذا لأنَّه قد تَقَرَّرَ في قواعدِ النَّحويين أنَّ الاسمَ متى تَضَمَّنَ معنى الحَرفِ فإنَّه يُبنَى. حُجَّةُ (١) النَّحويين أنَّ هذه الأسماءَ في تلك الحالةِ أعلامٌ معدولةٌ عن اللّام فيمتنعُ الصرفُ أمَّا أنَّها أعلامٌ فظاهرٌ، لأنَّها جُعلت أعلامًا لتلك الغُدوة، وتلَك البكرةِ، وذلك السَّحر، وتلك الفينةِ. وأمّا أنَّها معدولةُ فظاهرٌ أيضًا، لأنَّ الأصلَ فيها أن تكونَ باللَّام عند تلك الغاية، فيقال: رأيتُه الغدوةَ والبكرةَ، والسّحرَ، والفينةَ، وهذه حُجَّةٌ مزيفةٌ، والاعتراض عليها أنها تنتقضُ بأمسِ، فإنَّه جُعل علمًا لذلك الأمسِ، وأنَّه معدول عن اللّامِ، وهو مع ذلك مبنيٌّ. قالَ جارُ اللهِ: "وقالوا في الأعدادِ: ستةُ ضعفُ ثلاثةَ، وأربعةُ نصفُ ثمانيةَ". قال المشرّحُ: أسماءُ (٢) الأعدادِ لها معنيان، أَصلِيٌّ وعارضٌ، فالعارضُ يُراد بها العَدد مع المَعدود، كقولنا ثلاثةُ رجالٍ، ورجالٌ ثلاثةٌ، وخمسُ نساءٍ، ونساءٌ خمسٌ والأصليّ أن يُرادَ بها نفس العَدَدِ كقولنا: ستةُ ضِعفُ ثلاثةٍ، وأربعةٌ نصفُ ثمانيةَ، وهو غيرُ الوصفِ من العددِ، فإذا أُريدَ بها نفسُ العَدَدِ كقولنا: ستةٌ ضعفُ ثلاثةٍ، وأربعةٌ نصفُ ثمانيةٍ، وهو غيرُ الوصف من العددِ، فإذا أُريد بها نفسُ العدد فهي أعلامٌ، والدليلُ على كونِها أعلامًا، أنّها دَلَّت

стр. 169

على معنى دلالةً يَتَضَمَّنُ الإِشارةَ إِليه، على وجهِ الإِفرادِ والاستبدادِ، فتكون أعلامًا، أمَّا دلالتُها على معنى فظاهر، وأمَّا دلالته تتضَّمنُ الإِشارةَ إليه، فلأنَّك إذا قلت: ستةُ ضعفُ ثلاثةٍ فكأنَّك قُلتَ: هذا العدُ ضعفُ ذلك العددِ، ومتى دَلّت على المعنى دلالةً تتضمنُ الإِشارةَ إليه، فقد دَلَ على معنى دلالة تتضمن الإِشارة إليه على وجهِ الإِفرادِ والاستبدادِ، فإن سألتَ: فهذا ينتقضُ برجلٍ وامرأةٍ، وقولك أرجلٌ في الدارِ أم امرأةٌ، فإنَّ كلًّا منهما دَلَّ على معنى دلالةً تتضمّنُ الإِشارة إليه على وجهِ الإِفرادِ والاستبدادِ، وهو مع ذلك ليس بعلمٍ، أمَّا أنَّه دَلَّ على معنى فظاهرٌ، وأَمَّا دلالةً تَتَضَمَّنُ الإِشارةَ إليه فلأنَّك إذا قُلتَ: أرجلٌ في الدارِ أم امرأةٌ، فمعناه: هذا النّوعُ في الدّارِ أم ذلك (١) النّوعُ، وأمَّا على وجهِ الإِفرادِ والاستبداد فظاهرٌ؟ أجبتُ: الكلامُ فيه مبنيٌّ (٢) على مقدمتين: إحداهُما: - أنَّ كلَّ اسمِ جنسٍ له ثلاثةُ معان، الجنسُ الأولُ أعني الجامعَ لحصصِ الأفرادِ نحوَ أرجلٌ خيرٌ أم امرأةٌ وهذا يُسمَّى الكاملَ. الثاني: الجنسُ الثاني وهو ما هو من هذا الجنس كقولك: أكرَم رجلًا امرأةٌ وهو المُسمّى الوَسَطَ الثالث المفرد (٣) نَحو: أَكرمني رَجلٌ وهو المُسمَّى الناقصُ. الثّانية: أنَّ الواضعَ في أولِ وضعه يضعُ الاسمَ بإزاءِ الجنسِ، لا بإزاءِ المفردِ، لأنَّ الذي يخطُرُ بباله حينئذٍ هو الجنسُ، لكنَّ الجنسَ اثنانَ، أحدُهما: المشتركُ بين الأفرادِ، والثاني: الجامعُ لحصص الأفرادِ وهذا الاسم احتملَ أن يكونَ المرادُ به ذلك، وأن يكون المرادُ به هذا لكن لما أطلقه على المفردِ دلَّ على أنَّ المرادَ بالجنسِ هذا الجامعُ لحصصِ الأفرادِ، وهذا لأنَّا (٤) لا نعلمُ أنَّه لا فرقَ بين الفردِ وبين ذلك الجنس إلا

стр. 170

الكثرةُ، وهذا يقتضي أن يكون المراد بذلك الجنسِ هو الجامعُ لحصص الأفراد، فإن سألتَ: ما الدليلُ على أنه لا فرقَ بين الجنس وبين الفردِ سوى الكثرة؟ أجبتُ: لو (١) كان الأمرُ كذلك لكان الشبهُ بين الفرد وبين الجنس أقوى فيكون إطلاقُ الاسم على المفرد أجنبيًا ومتى (٢) ثَبَتَ هذا فوجهُ انسكابه إلى الغرض أن نقول: ما الدليلُ على أنَّك إذا قلتَ: أرجلٌ في الدارِ أم امرأةٌ فرجلٌ وامرأةٌ دالان على معنى دلالةً تتضمنُ الإِشارةَ إليه، قوله المعنى أهذا النوعُ أم ذلك النوعُ؟ قلنا ما الدليلُ على ذلك بل المعنى مُسمى وسط من مسمياتِ ذلك النوع في الدارِ أم مسمّى وَسط من مسميات هذا النوعِ فيها، بخلافِ ما نَحن فيه وذلك لأنَّ الوصفَ من العددِ لكونهِ كثيرَ الوقوعِ غالبَ الاستعمالِ مُقدمًا على غيرِ الوَصفِ منه فانصرَف الجنسُ منه إلى ما انصرفَ إليه الجنسُ من سائرِ الأسماءِ وهو الجامعُ لحصصِ الأفرادِ، وبين الوصفِ من العددِ، وبينَ غيرِ الوصفِ منه مباينةٌ فمتى انصرفَ جنسُ الوصفِ منه إلى الجامعِ لحصصِ الأفرادِ انصرف جنسُ غيرِ الوصفِ منه إِلى المشتَركِ، ضرورةَ أنَّه لا بُدَّ للجنسِ من معنى له سوى هذين، فمتى أَخَذَ ذاك ذاك، [أخَذَ هذا هذا] (٣) ومتى انصرفَ جنسُ غيرِ الوصفِ إِلى المشتَركِ لَزِمَ أن يكونَ غيرُ الوصفِ مع العدد عَلمًا لتعذُّرِ التنكير فيه ضرورةَ أن التنكيرَ (٤) يعتمدُ العدَد ولا عددَ هناك. فخُذه (٥) بحثًا لله دَرُّه من بحثٍ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ ومن الأعلامِ الأَمثلةُ التي يوزنُ بها في قولِك: فَعلان الَّذي مُؤَنَّثُهُ فَعلى، أَفعلُ صفة (٦) لا يَنصَرِفُ، ووزن طلحةَ وأصبع فَعلَة وأَفعَل".

стр. 171

قالَ المشرحُ: الأمثلةُ التي يوزن بها أعلامٌ أيضًا لأنَّها دلت على معنى دلالة تتضمنُ الإِشارة إليه [فتكون أعلامًا على أنها دلت على معنى دلالةً يتضمنُ الإِشارة إليه] (١) فلأنَّك متى قلتَ وزن طلحةَ فعلةُ فكأنَّك قلتَ: وَزنُ طَلحةَ هذا الوزنُ المَخصوص، ومتى دَلّت على مَعنًى دلالةً تتضمن الإِشارة إليه فقد تَمَّ دلالتها على معنى دلالة تتضمنُ الإِشارة إليه على وجه الإِفرادِ والاستبدادِ، فإن سألتَ: فإذا كانت هذه الأمثلة فلم نُوّنت في قولهم فاعلَ يفاعلُ مفاعلةً وفعلَل يفعللُ فعللةً؟ أجبتُ: ذلك تنوينُ المماثلةِ لا تنوينُ علم الصرف لاطرادِ الممثلِ بخلافِ الممثلِ ها هُنا فإنَّه لم (٢) يَطرد. وفي كلامِ الشيخ ها هنا لطيفةٌ: وهي أنه كما مَثَّل كلامه فقد استشهد في ضمنِ التَّمثيل بحكم المسألةِ، ألا تَرى أنَّ في قوله: فعلان الذي مؤنثه فعلى معرفةً، وهو صفةٌ لِفعلانَ وإذا كانت الصّفةُ معرفةً لَزِمَ أن يكون الموصوفُ معرفًا أيضًا، وكون الموصوفِ معرفةً هو حكمُ المسألةِ [، وأفعلَ صفة لا تتصرفُ حال عن أفعلَ، وذلك يَدُلُّ على كونِه معرفةً، وهو حكمُ المسألةِ] (٣)، وكذلك فَعَلة وأَفعَلَ في قوله (٤): ووزن طَلحة وأصبع فعلة وأفعل لأنَّ المعنى وزن طلحةَ وأصبعَ هذان الوزنان. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ وقد يغلبُ على بعضِ الأسماءِ الشائعةِ على أحدِ المسميين به فيصيرُ علمًا بالغلبةِ، وذلك نحو: ابنُ عمَر، وابن عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، غَلَبَت على العَبادِلةِ دونَ من عَداهم من أبناءِ آبائهم، وكذلِكَ ابنُ الزُّبَيرِ غَلَبَ على عبد الله دون غيره من أبناء الزُّبير، وابنُ الصَّعقِ، وابنُ كراعِ، وابنُ دَالانِ، غالبةٌ على يزيدَ وسويدٍ، وجابِرٍ، بحيث لا يذهبُ الوهمُ إلى أحدٍ من إخوَتهم". قالَ المشرَحُ: الأعلامُ على ضربين: قَصدية، واتّفاقِيّة، فالقصديةُ ما لو

стр. 172

سَمِّيتَ ابنك يزيدَ أو عمرًا، والاتفاقية ما صارَ علمًا بطريقِ الغلبةِ، نحو ابن عمَر، وابن مَسعودٍ وابن عَبّاسٍ، ألا ترى أنه لم يُقصد تسميتها بابن عمَر وابن مَسعودٍ، وابن عَباسٍ كما قصدت تسميةَ ذلك زيدًا وعمرًا بل أكثر وإذا ذكرهما بهذين الوَصفين حتى صارا بهما علمين. ونظيرُ هذا التقسيم المَنصوباتُ على ضربين قَصدية واتّفاقِيّة فالقصدِيةُ كالحالِ والمفعولِ، والاتفاقيةُ كالمنصوبِ في باب إنَّ أَلا ترى أنَّ اسم إنَّ وخبرها في الأصل مبتدأ وخبر فكما بقي الخبرُ على ارتفاعِه كان القياسُ أن يَبقى الاسمُ على ارتفاعهِ، وإنما انتَصَبَ الاسمُ لاتصالِ نون العماد بأنَّ عند اتصالِهِ بضمير الحكايةِ، ضرورةَ أنَّ نونَ العمادِ في الأصلِ لا تَلتَحِقُ إلَّا بمنصوبٍ. العبادلةُ عندَ الشيخ ﵀ وهو رأيُ الفقهاء هؤلاء الثلاثة، وأمّا عُرف المحدثين فالعبادلةُ أربعةٌ ابنُ عمرَ، وابنُ عبّاسٍ، وابنُ عمرو، وابنُ الزُّبيرِ، ولم يذكر فيهم ابنُ مسعودٍ (١) لأنّه من كبار الصَّحابة، وتكلَّموا في لفظِ العبادلة فقالوا: يجوزُ أن يكونَ تكسير عَبدلٍ لأنَّ في العَرَب من يقولُ: في زيدٍ زَيدلٌ، وفي عبدٍ عبدَلٌ، لا أنَّه مشتقٌ من عبدِ الله لأنَّه لا يُشتَقُّ من اسمين اسمٌ، وإن يكونَ جمعًا للعَبِيدِ وضعًا كالنساءِ للمرأةِ. الصاعقةُ: نارٌ تسقطُ من السماءِ في رعدٍ شديدٍ، والصعقُ من بابِ فعلتُه فَفَعَلَ بفتحِ الأولِ وكسرِ الثاني يقالُ صعقتهُمُ السماءُ إذا ألقت عليهم الصّاعقة فَصُعِقوا. ذكروا أنَّه كان يُطعِمُ النَّاسَ بتهامةَ (٢) فهبَّت ريحٌ سَفَت في جفانِهِ التُّراب فشتَمَهَا فرمي بصاعقةٍ فَقَتَلَتهُ فقال بعضُ بني كلابٍ يرثيه (٣): وإِنَّ خويلدًا فابكي عَليه … قَتيلُ الرّيحِ في البلدِ التِّهامِي وكان أشهرَ ولده وأكثرهم مالًا، وأغزرهم شِعرًا، وألزمَهم للحربِ،

стр. 173

وأسرعَهم إلى الوقائع وأشجَاهم للعَدُوِّ، يَزيدُ بن عمرو بن الصَّعِق (١)، فإن سألتَ: إنه قتيلُ الصاعقة فلم جعله قتيلَ الريحِ؟ أجبتُ: لأنَّ هلاكَه كان بسببِ شتمِهِ الريحَ، كما لو شَتَمَ إنسانٌ الوزيرَ فقتلَه الأميرُ، صحَّ أن يُقالَ إنه قتيلُ الوَزيرِ. كُراعُ: اسمُ أمّه هو جابِرُ بُن رَالان السِنّبسِي بكسر السينين المُهمَلَتين من شُعَرَاءِ الحَماسَةِ (٢). قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ (٣)، وبعضُ الأعلامِ تدخلُه لامُ التَّعريف، وذلك على نوعين: لازمٌ وغيرُ لازمٍ فاللازمُ نحوَ النَّجَمُ للثريا والصّعقُ وغير ذلك مما غَلَبَ (٤) من الشائِعةِ، ألا تَرَى أنَّهما هكذا معرّفين باللّامِ اسمانِ لِكُلِّ نجَمٍ عَهده المخاطِبُ والمخاطَبُ، ولكلِّ معهودٍ ممن أصيبَ بالصاعقةِ، ثم غَلَبَ النَّجمُ على الثُّريا، والصَّعِقُ على خويلدِ بن نفيلِ بنِ عمروٍ بن كلابٍ فاللّامُ فيهما والإِضافةُ في ابنِ رالانَ وابنِ كراعٍ مثلان في أنّهما لا يُنزعان". قال المشرّح: العلمُ إذا غَلَبَ باللّامِ والإِضافةِ فإنَّه لا يجوزُ نَزعُ اللَّامِ عنه والإِضافة، لأنَّه صارَ جزءًا من العلمِ، والجزءِ (٥) من العلمِ لا يجوزُ إهدارهُ، وذلك نحوَ النَّجمُ للثريّا، فإنَّه لا يجوزُ أن يقالَ لها نجمٌ، كما لا يجوزُ أن يقالَ في ابن رالان رالان ويبقى علمًا، بخلافِ سائرِ الأعلامِ المعرفةِ باللّامِ فإنَّها مع اللَّامِ أجناسٌ، فإذا نُزعت عنها اللَّامُ عادت أعلامًا، وذلك مثلَ الزيدِ والعمرِو. قالَ جارُ الله: "وكذلك الدَّبران، والعَيوق، والسِّماك، والثُّريا، لأنَّها غلبت على الكواكِب المخصوصةِ من بين ما يُوصف بالدُّبورِ والعَوقِ، والسُّموكِ والثَّروةِ، وما لم يُعرف (٦) باشتقاقٍ من هذا النوع فملحقٌ بما عُرف".

стр. 174

قالَ المشرحُ: اعلم أنَّ هذا الفصل من حياةِ هذا الكتاب وعقارِبِهِ، كَنَزَ (١) هذا الكتاب على نَهجِ كتابِ اللهِ تَعالَى فمنه ظاهرٌ لا يَشتبِهُ كالمحكمِ، ومنه مُشتَبِهٌ لا يَعرفُ تأويلَه إلا هو، ومنه ما هو بين بينَ، يعرفُ بنوع الاستدلالِ. الأعلامُ (٢) متى غَلَبت باللّامِ فلا بُدَّ أن تكونَ مسبوقةً بالجنسيّةِ عَملًا باللَّام، فبعدَ ذلك جنسيَّةُ ذلك الاسمِ لا تخلو من أن تكونَ بالنظرِ إلى الدليلِ والأمارةِ، أو بالنظرِ إلى استعمالِ العربِ، أما النظرُ إلى الدليلِ والإِمارةِ، فكالدبران والعَيّوقَ والسّماك والثُّريا، فإن هذه الأسماءَ وإن لم تَكُن أجناسًا بالنظرِ إلى استعمالِ العربِ، لكنَّها بالنظر إلى الدليلِ والأمارةِ أجناسٌ بيانُه: أن لهذه الأسماءِ وزنًا مخصوصًا، وحروفا مخصوصة، ومعنى كلٍّ منها معلومٌ، وهو بِذَينك المعنيين جنسٌ، أما الدَّبران فهو فعلان، وفعلان يكونُ بمعنى الفاعلِ كالعَدَوان للعادِي، والعدوان للمُعادِي (٣)؛ وهو السائِل من السَّيلان لا من السؤالِ فيكونُ الدبران بمعنى الفَاعل من الدُّبور، سُمي بذلك لأنه يدبُر الثريا، وأما العَيُّوق فهو فَيعول بمعنى فاعِلٍ، ومنه يومٌ صَيهود شديدُ الحرِّ من صَهَدَتهُ الشَّمس أَحرقت دِماغه والقَيُّوم بمعنى القائِم فيكون العيوقُ بمعنى الفاعلِ من العَوقِ وهو المَنعُ سُميِ بذلك لأنَّ الدبران خَطَبَ الثُّريا والعَيُّوقُ يعوقُه عن ذلك ولذلك هما فيما بينهما، أمَّا السِّماكُ فهو فِعالٌ بمعنى فاعلٍ كقولهم: رجلٌ نِقَابٌ ينقِبُ عن غوامضِ العلمِ أي يَبْحَثُ عنها، وشَناق من صفةِ الأسدِ الذي يشنِقُ كلَّ من يَصيدُه أَي يعلّقُهُ بأنيابه. الغُوري (٤) فيكونُ السّماكُ بمعنى الفاعلِ من السُّمُوك سُمي بذلك لِسُموكِهِ،

стр. 175

وأما الثُّريا فتحقيرُ ثَروى. مؤنثةُ ثَروان، وثَروان ذو ثَروةٍ، فتكونُ الثُّريا ذاتَ الثروةِ المحقَّرةِ، أما ثَروتُها فلأنَّها ستةُ أَنجم ظاهرةٌ، في خللِها نجوم مُستَتِرَةٌ خَفِيّةٌ، وأمَّا تحقيرُ ثروتها فظاهرٌ فعُلِمَ أن كلَّ واحدٍ من هذه الأسماء جنسٌ بالنظرِ إلى الدليل والأمارةِ، وهذا معنى قولِ الشيخ: لأنَّها غَلَبَت على الكواكبِ المَخصوصةِ من بين ما يُوصف بالدُّبورِ والعَوقِ والسُّموكِ والثَّروةِ، فبعدَ ذلك تلكَ الأمارة لا تخلو من أن تكونَ معلومةً لنا بطريقِ التَّفصيل كما

стр. 176

في الأعلامِ الأربعةِ، أو لا تكونُ، بأن تكونَ معلومةً بطريقِ الإِجمالِ كما في المُشتري والمرِّيخ فإنَّا وإن كُنا نَعلم أنَّ المشتريَ بمعنى فاعلٍ من الشراءِ والمريخُ فعيلٌ من التَّمريخِ، وهو بمعنى الفاعلِ الكثيرِ الفعل كالضِّحِّيكِ (١) للضاحكِ الكثيرِ الضَّحكِ، والفِسِّيقُ للفاسقِ الكثيرِ الفسقِ، ولأنَّه لا بُدَّ من أن يكوِنَ معنى الاشتراءِ والتَّمريخِ موجودًا في الكوكبين دفعًا للاشتراكِ والمجازِ، لكنَّا لا نعرفُ بطريقِ التفصيلِ وجودَ المعنيين فيهما، وهذا معنى قولِ الشيخِ: وما لم يُعرَفُ باشتقاقٍ من هذا النَّوعِ فملحقٌ بما عُرف، وإذا تأملتَ لفظَ سيبويه (٢) عَقِيبَ ذكره الثُّريا والسِّماك والعَيوق فيما لَزمه الألفُ واللامُ فهو بهذه المنزلةِ، وإن كان عربيًا تعرِفه، ولا تعرف ما اشتُقَّ منه فإن ذاك لأنَّا جَهِلنا ما عَلم غَيرنا، أو يكونَ الآخرُ لم يَصل إليه علمُ وصولِ الأولِ علمت أنّي قد أصبتُ في تعريفِ سياقِه الكلامَ المحزّ كما أنّني طَبقت في تعريفِ مقدّمته المَفصِل، يقول: جَهلنا اشتقاقَه، لأنَّه لم يصل إِلينا عِلمُه، ووصل إلى غيرنا من أهل عصرنا، أَو ممن هو قبلَ عصرنا، وهذا نصٌّ منه على قيامِ معنى الاشتقاق هناك، لكنَّا لم نَقف عليه. وأمّا بالنظر إلى استعمال العرب فكالنّجم والصعقِ، وفي المسألة وجه آخر إليه ذهب (٣) سيبويه وهو أنَّ السِّماك والدّبران والعَيُّوق إنما تَلزمه اللَّام من قِبَلِ أنه عِندهم الشيءُ بعينِه كالصفاتِ الغالبةِ، وإنما أُزيل عن لفظِ السَّامِكِ والدَّابِرِ والعَائِقِ فقيل: السّماك والدّبران والعَيُّوق، كما فُصل بين العَدل والعدِيل وبناءٍ حصين وامرأةٍ حَصَانٍ. قالَ سيبويه (٤): وبمنزلةِ هذه النجوم الأربعاءُ والثلاثاءُ. قالَ المشرّحُ: يعني أنّه أُريد به الثالثُ والرَّابعُ فأزيل لفظَهُ كما فُعِلَ بالسّماكِ ومحصولُ المَعنى: أنَّ المَقصودَ من هذه الأعلام هو الفاعِل إلا أن

стр. 177

الفِرارَ إلى فِعالٍ وفَعِلانَ وفَيعولٍ لِدَفع الاشتِبَاهِ. وهذا من قبيلِ العدلِ في الأعلامِ. قَالَ جارُ اللَّه: "وغيرُ اللَّازِمِ نحو الحارِثُ والعبَّاسُ والمُظَفَّرُ والفَضلُ، والعَلا، وما كانَ صِفةً في أصلِه أو مصدرًا". قالَ المُشرحُ: هذا الفصلُ فيه شَعَثٌ أَلُمَّ شعثه (١) ثم أُنبّهك عليه فأقولُ (٢): إنَّ (٣) العلَمَ إذا كانَ منقولًا عن اسمِ جنسٍ فإنه يجوزُ إدخالُ اللَّامِ عليه، لأنَّ اللَّفظَ متى كانَ منقولًا عن شيءٍ فهو على شَرَفِ أن يَعُودَ إلى ذلك الشَّيء، فالعَلَمُ المنقولُ عن الجِنسِ يريدُ (٤) الجنسَ، ولهذه المسألةِ نظير وهو: أنَّ الشَّمسَ متى وَقَعَت عَلى ظَاهرِ الماءِ سَخَّنَته ولَطَّفته حتى يَتَحَوَّلَ هواءً ويَرتَفِعَ، وذلك الهواءُ مع أنَّه هواءٌ على شَرَفِ أن يعودَ إلى الماءِ، ولذلِكَ إذا جاءَ اللَّيلُ وضَرَبَه البَردُ انعَقَدَ وصارَ ماءً ونَزَلَ فذلِكَ هو الطَلُّ، بِخِلافِ سائرِ أجزاءِ الهواءِ الذي لا عَهدَ له بالمائِيَّة، فإذا أدخلتَ عليه اللَّامَ فهو جِنسٌ ولذلك قُلنا: إنَّ المفعولَ في بابِ علمت ما كان أصلُه المبتدأ والخبرَ عادَ إلى الابتِداءِ بأدنى شيءٍ، وهذا الجنسُ المعرَّفُ باللَّامٍ يجوزُ إسقاطُ اللامِ عنه حتى يعودَ علمًا، لأنَّ هذا الاسمَ بدونِ اللامِ علمًا (٥) فهو ذلك الفصل وأما التّنبيهُ على الشَّعثِ فمن وجهين: أحدُهما: أنَّ طرحَ اللامِ عن ذلك الاسم ليصير وزنُه جِنسًا عندَ إدخالِ اللّام عليه، لا لأنَّه في الأصلِ صفةٌ أو مصدرٌ، ويشهدُ لكونه جنسًا قولهم: نِعمَ العمرُ عمرُ بن الخطّابِ، وبئسِ الحجاجُ الحجاجُ بن يوسفَ، وقد علمتَ أنَّ فاعلَ نعمَ وبئسَ لا يَكونُ إلا جِنسًا. الثاني: - أنَّ ما ذكره من الحكم غيرُ مقصورٍ على ما كانَ في الأصلِ

стр. 178

صفةً، أو مصدرًا، بل هو حكمٌ مَثُوطٌ لِكُلِّ من كانَ في أصلِهِ جنسًا، ألا ترى أنّك لو قلتَ: بنو اللّيث في ليثِ بن نصرِ بن سيّارٍ فإنَّك تقول أيضًا في ذلك (١) بنو ليث (٢). قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ (٣)؛ وقد يُتَأَوَّلُ العلمُ بواحدٍ من الأُمَّة المُسمَّاةِ به فلذلِكَ من التَّأويلِ يُجرى مُجرى رَجُلٍ وفرسٍ فيجتَرأ على إضافتِه وإدخالَ اللامِ عليه. قالوا (٤) مُضر الحَمراء، ورَبيعة الفَرَسِ، وأنمارُ الشّاء قالَ (٥): عَلا زيدُنا يومَ النَّقا رأسَ زيدِكم … بأبيض ماض الشَّفرَتَينِ يَماني (٦) وقالَ أبو النَّجمِ (٧): باعدَ أمَّ العمرو عن أَسِيرِها … حُرَّاسُ أَبوابٍ على قُصُورِها (٨)

стр. 179

وقالَ الآخرُ (١): - رأيتُ الوليدَ بنَ اليزيدِ مُباركًا … شَديدًا بأَحناءِ الخِلَافةِ كاهِله (٢) وقالَ الأخطلُ (٣):

стр. 180

وَقَد كانَ مِنهُم حاجِبٌ وابنُ أُمّهِ … أَبو جندَلٍ والزيدُ زيدُ المَعَارِكَ وعن أبي العبَّاس: إذا ذَكر الرَّجُلُ جماعةً اسمُ كلِّ واحدٍ منهم زيدٌ قِيل له: فما بينَ الزيدِ الأوّلِ، والزيدِ الثّاني، وهذا الزّيد أشرفُ من ذاك الزّيد، وهو قليلٌ". قالَ المشرّحُ: - نُبَيّنُ في هذا الفصل طريقَ تنكيرِ العلمِ، وطريقُهُ أن يرادَ بِالعلم مسمى ذلك الاسم، كما لو أردَتَ بزيدٍ [مسمّىً بزيدٍ، وبعمرو مسمّىً بعمروٍ، وهذا طريقٌ في تنكيرِ العلم] (١)، وطريقٌ آخرٌ: وهو أن يُشهَرَ العلمُ بمعنىً من المعاني فيجعَلَ العلمُ بمنزلةِ الجنسِ الدَّالِّ على ذلك المعنى كما في قولهم: لكلِّ فرعونٍ موسى، أي لكلِّ جَبَّاَرٍ بطلٌ قهارٌ محقٌّ. فهذا معناه لا أن يرادَ بفرعون وموسى فرعونُ موسى (٢). قالَ الشيخُ (٣): - مُضرُ وربيعةُ وأنمارُ إخوةٌ ثلاثةٌ وهم بنو نِزار (٤)، فحين حضره الموتُ جعلَ الميراثَ بينهم شُورى، وقال: ليحكُمْ بينَكم أفعى نَجران، فلما ماتَ حكمَ لمضرَ بالذّهب، وبالقبُّة الحمراء وكانت من أَدَمٍ. ولربيعةَ بالفرس ولأنمار بالشاءِ، فأضيفَ لكلّ واحدِ منهم ما حَكَمَ له به لاختصاصِهِ، لأنَّ من عاداتِهِم الإِضافةُ بأدنى ملابَسَةٍ. "يومَ النَّقَا" (٥) أي في اليومِ الذي كُنا في النَّقا، الباء في "بأبيضَ" للملابسةِ. بَعُدَ فهو بعيدٌ وأبعدَه غَيِرُه، وباعدَ وبعَّده تبعيدًا، عنى بأسيرها نفسَه، لأنَّه أسيرُ حبِّها. "الأَحناءُ" النَّواحي والجوانبُ، وأصلُها أحناءُ السرّجِ والقَتَبِ. الشيخُ (٦): شبَّهه [الجمَلَ] (٧) في اضطلاع (٨) كاهِلِه بأحناءِ الرَّجلِ.
следующие страницы →