← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في الأعلامِ الأربعةِ، أو لا تكونُ، بأن تكونَ معلومةً بطريقِ الإِجمالِ كما في المُشتري والمرِّيخ فإنَّا وإن كُنا نَعلم أنَّ المشتريَ بمعنى فاعلٍ من الشراءِ والمريخُ فعيلٌ من التَّمريخِ، وهو بمعنى الفاعلِ الكثيرِ الفعل كالضِّحِّيكِ (١) للضاحكِ الكثيرِ الضَّحكِ، والفِسِّيقُ للفاسقِ الكثيرِ الفسقِ، ولأنَّه لا بُدَّ من أن يكوِنَ معنى الاشتراءِ والتَّمريخِ موجودًا في الكوكبين دفعًا للاشتراكِ والمجازِ، لكنَّا لا نعرفُ بطريقِ التفصيلِ وجودَ المعنيين فيهما، وهذا معنى قولِ الشيخِ: وما لم يُعرَفُ باشتقاقٍ من هذا النَّوعِ فملحقٌ بما عُرف، وإذا تأملتَ لفظَ سيبويه (٢) عَقِيبَ ذكره الثُّريا والسِّماك والعَيوق فيما لَزمه الألفُ واللامُ فهو بهذه المنزلةِ، وإن كان عربيًا تعرِفه، ولا تعرف ما اشتُقَّ منه فإن ذاك لأنَّا جَهِلنا ما عَلم غَيرنا، أو يكونَ الآخرُ لم يَصل إليه علمُ وصولِ الأولِ علمت أنّي قد أصبتُ في تعريفِ سياقِه الكلامَ المحزّ كما أنّني طَبقت في تعريفِ مقدّمته المَفصِل، يقول: جَهلنا اشتقاقَه، لأنَّه لم يصل إِلينا عِلمُه، ووصل إلى غيرنا من أهل عصرنا، أَو ممن هو قبلَ عصرنا، وهذا نصٌّ منه على قيامِ معنى الاشتقاق هناك، لكنَّا لم نَقف عليه. وأمّا بالنظر إلى استعمال العرب فكالنّجم والصعقِ، وفي المسألة وجه آخر إليه ذهب (٣) سيبويه وهو أنَّ السِّماك والدّبران والعَيُّوق إنما تَلزمه اللَّام من قِبَلِ أنه عِندهم الشيءُ بعينِه كالصفاتِ الغالبةِ، وإنما أُزيل عن لفظِ السَّامِكِ والدَّابِرِ والعَائِقِ فقيل: السّماك والدّبران والعَيُّوق، كما فُصل بين العَدل والعدِيل وبناءٍ حصين وامرأةٍ حَصَانٍ. قالَ سيبويه (٤): وبمنزلةِ هذه النجوم الأربعاءُ والثلاثاءُ. قالَ المشرّحُ: يعني أنّه أُريد به الثالثُ والرَّابعُ فأزيل لفظَهُ كما فُعِلَ بالسّماكِ ومحصولُ المَعنى: أنَّ المَقصودَ من هذه الأعلام هو الفاعِل إلا أن

стр. 177

الفِرارَ إلى فِعالٍ وفَعِلانَ وفَيعولٍ لِدَفع الاشتِبَاهِ. وهذا من قبيلِ العدلِ في الأعلامِ. قَالَ جارُ اللَّه: "وغيرُ اللَّازِمِ نحو الحارِثُ والعبَّاسُ والمُظَفَّرُ والفَضلُ، والعَلا، وما كانَ صِفةً في أصلِه أو مصدرًا". قالَ المُشرحُ: هذا الفصلُ فيه شَعَثٌ أَلُمَّ شعثه (١) ثم أُنبّهك عليه فأقولُ (٢): إنَّ (٣) العلَمَ إذا كانَ منقولًا عن اسمِ جنسٍ فإنه يجوزُ إدخالُ اللَّامِ عليه، لأنَّ اللَّفظَ متى كانَ منقولًا عن شيءٍ فهو على شَرَفِ أن يَعُودَ إلى ذلك الشَّيء، فالعَلَمُ المنقولُ عن الجِنسِ يريدُ (٤) الجنسَ، ولهذه المسألةِ نظير وهو: أنَّ الشَّمسَ متى وَقَعَت عَلى ظَاهرِ الماءِ سَخَّنَته ولَطَّفته حتى يَتَحَوَّلَ هواءً ويَرتَفِعَ، وذلك الهواءُ مع أنَّه هواءٌ على شَرَفِ أن يعودَ إلى الماءِ، ولذلِكَ إذا جاءَ اللَّيلُ وضَرَبَه البَردُ انعَقَدَ وصارَ ماءً ونَزَلَ فذلِكَ هو الطَلُّ، بِخِلافِ سائرِ أجزاءِ الهواءِ الذي لا عَهدَ له بالمائِيَّة، فإذا أدخلتَ عليه اللَّامَ فهو جِنسٌ ولذلك قُلنا: إنَّ المفعولَ في بابِ علمت ما كان أصلُه المبتدأ والخبرَ عادَ إلى الابتِداءِ بأدنى شيءٍ، وهذا الجنسُ المعرَّفُ باللَّامٍ يجوزُ إسقاطُ اللامِ عنه حتى يعودَ علمًا، لأنَّ هذا الاسمَ بدونِ اللامِ علمًا (٥) فهو ذلك الفصل وأما التّنبيهُ على الشَّعثِ فمن وجهين: أحدُهما: أنَّ طرحَ اللامِ عن ذلك الاسم ليصير وزنُه جِنسًا عندَ إدخالِ اللّام عليه، لا لأنَّه في الأصلِ صفةٌ أو مصدرٌ، ويشهدُ لكونه جنسًا قولهم: نِعمَ العمرُ عمرُ بن الخطّابِ، وبئسِ الحجاجُ الحجاجُ بن يوسفَ، وقد علمتَ أنَّ فاعلَ نعمَ وبئسَ لا يَكونُ إلا جِنسًا. الثاني: - أنَّ ما ذكره من الحكم غيرُ مقصورٍ على ما كانَ في الأصلِ

стр. 178

صفةً، أو مصدرًا، بل هو حكمٌ مَثُوطٌ لِكُلِّ من كانَ في أصلِهِ جنسًا، ألا ترى أنّك لو قلتَ: بنو اللّيث في ليثِ بن نصرِ بن سيّارٍ فإنَّك تقول أيضًا في ذلك (١) بنو ليث (٢). قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ (٣)؛ وقد يُتَأَوَّلُ العلمُ بواحدٍ من الأُمَّة المُسمَّاةِ به فلذلِكَ من التَّأويلِ يُجرى مُجرى رَجُلٍ وفرسٍ فيجتَرأ على إضافتِه وإدخالَ اللامِ عليه. قالوا (٤) مُضر الحَمراء، ورَبيعة الفَرَسِ، وأنمارُ الشّاء قالَ (٥): عَلا زيدُنا يومَ النَّقا رأسَ زيدِكم … بأبيض ماض الشَّفرَتَينِ يَماني (٦) وقالَ أبو النَّجمِ (٧): باعدَ أمَّ العمرو عن أَسِيرِها … حُرَّاسُ أَبوابٍ على قُصُورِها (٨)

стр. 179

وقالَ الآخرُ (١): - رأيتُ الوليدَ بنَ اليزيدِ مُباركًا … شَديدًا بأَحناءِ الخِلَافةِ كاهِله (٢) وقالَ الأخطلُ (٣):

стр. 180

وَقَد كانَ مِنهُم حاجِبٌ وابنُ أُمّهِ … أَبو جندَلٍ والزيدُ زيدُ المَعَارِكَ وعن أبي العبَّاس: إذا ذَكر الرَّجُلُ جماعةً اسمُ كلِّ واحدٍ منهم زيدٌ قِيل له: فما بينَ الزيدِ الأوّلِ، والزيدِ الثّاني، وهذا الزّيد أشرفُ من ذاك الزّيد، وهو قليلٌ". قالَ المشرّحُ: - نُبَيّنُ في هذا الفصل طريقَ تنكيرِ العلمِ، وطريقُهُ أن يرادَ بِالعلم مسمى ذلك الاسم، كما لو أردَتَ بزيدٍ [مسمّىً بزيدٍ، وبعمرو مسمّىً بعمروٍ، وهذا طريقٌ في تنكيرِ العلم] (١)، وطريقٌ آخرٌ: وهو أن يُشهَرَ العلمُ بمعنىً من المعاني فيجعَلَ العلمُ بمنزلةِ الجنسِ الدَّالِّ على ذلك المعنى كما في قولهم: لكلِّ فرعونٍ موسى، أي لكلِّ جَبَّاَرٍ بطلٌ قهارٌ محقٌّ. فهذا معناه لا أن يرادَ بفرعون وموسى فرعونُ موسى (٢). قالَ الشيخُ (٣): - مُضرُ وربيعةُ وأنمارُ إخوةٌ ثلاثةٌ وهم بنو نِزار (٤)، فحين حضره الموتُ جعلَ الميراثَ بينهم شُورى، وقال: ليحكُمْ بينَكم أفعى نَجران، فلما ماتَ حكمَ لمضرَ بالذّهب، وبالقبُّة الحمراء وكانت من أَدَمٍ. ولربيعةَ بالفرس ولأنمار بالشاءِ، فأضيفَ لكلّ واحدِ منهم ما حَكَمَ له به لاختصاصِهِ، لأنَّ من عاداتِهِم الإِضافةُ بأدنى ملابَسَةٍ. "يومَ النَّقَا" (٥) أي في اليومِ الذي كُنا في النَّقا، الباء في "بأبيضَ" للملابسةِ. بَعُدَ فهو بعيدٌ وأبعدَه غَيِرُه، وباعدَ وبعَّده تبعيدًا، عنى بأسيرها نفسَه، لأنَّه أسيرُ حبِّها. "الأَحناءُ" النَّواحي والجوانبُ، وأصلُها أحناءُ السرّجِ والقَتَبِ. الشيخُ (٦): شبَّهه [الجمَلَ] (٧) في اضطلاع (٨) كاهِلِه بأحناءِ الرَّجلِ.

стр. 181

واللّامُ في الوليد، واليزيدِ على ما ذكره الفَراء (١) دخلَ للتفخيم، ومنه قوله تعالى (٢): ﴿وَالْيَسَعَ﴾ عندَ بعضِهم، فإن سألتَ: إلى أين ينصرفُ الضميرُ في قوله: "وهو قليلٌ" إلى المضافِ العلم، أم إلى المعرّفِ باللّامِ، أم إلى كليهما، أم إلى قولِ أبي العَبَّاسِ؟. أجَبتُ: إلى المعرَّفِ باللّامِ نصَّ عليه ابنُ جنىّ (٣) في كتابه المعروفِ بـ "سرَّ الصناعةِ" المعروفِ بِقصدِهِ أيضًا، وذلِكَ (٤) أنَّ تعريفَ العَلَم على مُخالَفةِ الأصلِ، ألا تَرى أنَّ تعريفَه بالإِضافةِ أكثرُ، لأنَّ مخالفةَ الأصلِ فيها أخفى، بخلافِ تعريفِه باللّام، وهذا لأنَّ الإِضافةَ على ضربين. حقيقيّةٌ مجازيةٌ، فالحقيقيةُ وإن كانت تفيدُ التعريفَ لكنّ المجازيةَ لا تفيدُه، فإيرادُ الإِضافة على العَلمِ في الجملةِ لا يفيدُ، لأنَّ سلبَ التعريفِ ما لم يُتَبَيَّن أنَّ الإِضافةَ فيه حقيقيةُ بخلافِ التعريفِ باللّامِ فإنَّه يفيدُ أنَّ العَلَمَ قد سُلِبَ التَّعريفَ. قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ وكلّ مثنى ومجموعٍ من الأعلام فتعريفُه باللّامِ إلَّا نحوَ: أبَانين، وعِمَايتين، وعَرَفَات وأذرِعَات قالَ: (٥) وقَبلىَ مات الخالِدان كلاهُما … عميدُ بني حَجوانَ وابنُ المُضلَّلِ (٦) وأراد خالدَ بنَ نَضْلَةَ، وخالدَ بنَ قَيس بن المُضَلَّلِ، وقالوا لكعب بن كلَّاب، وكعبِ بنِ ربيعةَ، وعامرِ بنِ مالِك بنِ جعفرٍ، وعامرِ بنِ الطفيلِ،

стр. 182

وقيسِ بنِ عَنَّابٍ وقيس بن هَزَمة: الكَعبانِ، والعَامِرانِ، والقَيسانِ، قالَ (١): أَنا ابنُ سعدٍ أكرَم السّعدينا (٢) قالَ المشرح: التَّثنية لا تكونُ ما لم يكن بين الاسمين اشتراكٌ لفظًا ومعنًى، وذلك في العَلَمِ يَستَحيلُ، وذلك لأنَّه -وإن كان بينهما اشتراكٌ لَفظيٌّ- فليس بينَهما اشتراكٌ معنويٌّ -، اللَّهُمَّ- إلّا إذا نُويَ بهما التَّنكيرُ، فحينئذٍ يجوزُ، لأنَّ قولك: زيدان مسمّيًا زيدٍ، وأمَّا نحو: أَبانين (٣)، وعِمَايَتَينِ (٤)، وعرفاتَ (٥)، وأذْرَعاتُ (٦) فهي وإن كانت على صورةِ التّثنية والجمَع فليست بمثناةٍ ولا مجموعةٍ، ألا تَرى أنّه لم يُوضع أَبانٌ وعمايةٌ بدئِيًا (٧)، وأذرع أولًا، بل هي صِيغٌ مرتجلةٌ للمثنّى والجَمع. فإن سألتَ: ما تقولُ في يومِ عرفةَ؟. أجبتُ: قال الفَراء (٨): لا واحدَ له يصحَبُه، وقولُ الناسِ (٩): نزلنَا عرفةَ شبيهُ مولَّدٍ وليس بعربيٍّ محضٍ. الجيم في جَحوان مقدَّمٌ على الحاءِ، وهو رَجُلٌ من بني أَسَدٍ (١٠) المُضَلَّلُ بفتح اللّام المُشَدّدَةِ. نَضْلَةُ بفتحٍ النُّون وسكون الضادِ المعجمةِ. عَنَّابٌ من أعلام الرِّجالِ، ولا شَكّ في أنَّ الروايةَ عن الشيخِ ها هنا بالنُّونِ المشدَّدَةِ. هَزَمةُ

стр. 183

بفتح الهاءِ والزّاي. أكرمَ السّعدينا بكسر الميم، كذا صَحّتِ الروايةُ عن الشيخِ، وفي روايةِ سيبويه (١) أكرمَ السّعدينا بالنَّصبِ على المدحِ. قالَ جارُ الله: "وفي حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ: هؤلاء المحمّدون بالباب، وقالوا: طلحةُ للطَّلحاتِ، وابنُ قيسِ الرّقياتِ، وكذلك الأسامتانَ، والأسامات". قالَ المشرحُ: أَتي عمرُ بحُلَلٍ من اليَمَنِ، فأتاهُ محمدُ بنُ (٢) جعفرِ بن أبي طالبٍ ومحمدُ (٣) بنُ أبي بكرٍ الصّديقِ، ومحمدُ (٤) بنُ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ، ومحمدُ (٥) بنُ حاطبٍ، فَدَخَل عليه زيدُ (٦) بنُ ثابتٍ فقال: يا أميرَ المؤمنين هؤلاء المُحَمّدون بالبابِ، يطلبون الكُسوة. طلحةُ الطلحاتِ: طلحةُ بنُ عبدِ الله بن خَلَفٍ الخُزاعي (٧)، وكانَ أبوه كاتِبًا لعُمَرَ بنِ الخَطَّاب على ديواني الكوفةِ والبصرةِ، وكان طلحةُ بسجِستان، وبها ماتَ، وحُميد

стр. 184

الطويل، الذي يَروي عن مالكٍ مولاه، وزُريقٍ جدِّ طاهرِ بن الحُسين ذي اليمنيين مولى عبد الله بن خَلَف. وأنشدَ النَّحويون (١): رَحِمَ اللَّهُ أعظُمًا دَفَنُوها … بِسِجِستَانَ طَلحَةَ الطَّلَحَاتِ وأما طلحةُ بن عُبيد الله بن عُثمان من الصحابة فَتَيميٌّ، وهو الذي يُقال له: طَلحةُ الخيرِ وطلحةُ الجودِ وطلحةُ الفَيَّاضُ هو من العشرةِ المبشرةِ بالجنّةِ (٢) ابنُ قَيسِ الرُّقيَّات: إنما أُضيفَ إلى الرُّقيات، لأنَّه اتّفق له عدةُ جَدّاتٍ اسمُ كلِّ واحَدةٍ منهن رُقيةُ، وقيلَ شَبَّبَ بثلاثِ نسوةٍ اسمُ كلِّ واحدةٍ منهنّ رُقَيَّةُ، فأُضيف إِليهنَّ لذلك ولهذا قيلَ قيسُ الرُّقيات، وكذلك ابنُ قيس الرُّقيَّاتِ، أُجرِي اللَّقبُ على الاسمِ كما قيلَ: عبدُ الله بَطَّةُ، ويشهدُ له نصُّ السِّيرافيّ (٣) يقالان جميعًا أمَّا الإِجراءُ فوجهه كما ذكرنا ظاهرٌ، إنما الشأنُ في الإِضافةِ، وهي بمنزلةِ الإِضافةِ في حَبِّ رُمَّانٍ، يريد التَّنكيرَ تثنية وجمعًا كما يُورد على عَلمِ الشَّخص فكذلك على عَلمِ الجنسِ وذلك نحو الأُسامَتان والأُسامات. قالَ جارُ الله: "فصلٌ، وفلانٌ وفلانةُ وأبو فلانٍ وأمُّ فلانةَ، كنايات عن أَسامي الأناسِيّ وكُناهم، وإذا كَنَّوا عن أعلامِ البَهَائم أَدخلوا اللّامَ فقالوا الفلانُ والفلانةُ". قالَ المشرحُ: أعلامُ البهايمِ لا تخلو مع العلمين عن شَوبٍ من الجِنسيَّةِ، فيدخلُ على الكنايةِ عنها اللّامُ. أمّا بيانُ المقدمةِ الأولي: فلأنَّ الأعلامَ وضعت لإِحرازِ الفُرَصِ وصيانَتِها عن الضياع، وهذا لأنَّ الفُرصةَ كثيرًا ما تتفق للمرءِ وهو عنها غافلٌ،

стр. 185

فلا بُدَّ من لفظٍ إذا دُعِي به كانَ لإِحرازِ (١) تلكَ الفرصَة بلا تَرَاخٍ وذلك هو العَلَم وإطلاقُ العَلمِ لمثلِ هذه الفُرص إنما يُفيدُ إذا وَقَعَ بإزاءِ العاقِلِ إطلاقُهُ (٢)، أمَّا إِذا وَقعَ في مقابلةِ غيرِه من الحيواناتِ والجماداتِ فلا تَحصُلُ هذه الفُرَصُ كما لا تحصُلُ باسمِ الأَجناسِ. أمّا بيانُ المقدمةِ الثانيةِ: - فلأنَّ الكنايةَ عن الشيءِ مما يُراعى فيه أحوالُ ذلك الشيءِ، ولذلك قُلنا بأنَّ الكناية إذا كانت عن اسمِ جنسٍ فلها لفظٌ وهو هَنٌ، ومتى كانت عن عَلَمٍ فلها لَفظٌ وهو فُلانٌ (٣)، كذلك متى كان المكنى عنه ذكرًا أو أنثى فإنه يُفْرَقُ بينهما في الكنايةِ، ومن ثَمَّ قالَ أصحابُنا: لو قالَ: لفلانٍ عليَّ كذا وكذا دِرهَمًا فعليه أحدٌ وعشرون درهمًا. إذا ثبت هذا رقَّيتك إلى الغرض المطلوبِ فقلتُ: أعلامُ البهايم من حيثُ أنها أعلامٌ كُنى عنها بما يُكَنّى عنَ الأعلام ومن حيثُ أنَّ بها شوبًا من الجنسية، والأجناسُ بدون حرفِ التَّعريفِ نكراتٌ أدخلَ عليها اللَّام توفيرًا على الشَّبهين حَظَّهُما. فإن سألتَ: فكيفَ لم يلزَم أعلامَ البَهَايمِ اللَّامُ كما لَزِمَت ها هنا؟ أجبتُ: الحاجةُ إلى إدخالِ اللّام ها هنا أقوى من الحاجةِ إلى إدخالِ (٤) اللّامِ هناكَ، وهذا لأنَّ المتكلمَ هَا هنا يَرَى العَلَمَ الحَقيقِيَّ والمَجَازِيَّ صَدمةً واحدةً فيَرى ائتِلامَ العلم المَجَازِيّ أما هُناك فلا يَرى. قالَ جارُ الله: "وأمَّا هَنٌ وهَنَةٌ فللكنايةِ (٥) عن أسماءِ الأجناسِ". قالَ المشرحُ: هَنٌ بوزن أَخٌ كنايةٌ عن الشيءِ من الأشياءِ، وأصلُهُ: هَنَوٌ، تقولُ: هذا هَنُكَ شيؤك، وأمَّا قوله (٦):

стр. 186

وقد بَدا هَنْكِ من المئْزَرِ فقد قالَ سيبويهِ: إنَّما سَكّنَهُ ضَرُورةً (١).

стр. 187

[بَابُ المعَرّب] قالَ جارُ الله: "ومن أصنافِ الاسمِ المعربُ، الكلامُ في المعربِ وإن كان خَلقيًا من قبَلِ اشتراكِ الاسمِ والفعلِ في الإِعرابِ بأن يَقَعَ في القسمِ الرابعِ، إلا أنَّ اعتراضَ موجبين صوَّبَ إِيرادَه في هذا القسمِ: أحدُهما: أنَّ حقَّ الإِعرابِ للاسمِ في أصلِهِ، والفعلُ إنَّما تَطَفَّلَ عليه فيه، بسببِ (١) المضارعةِ. والثاني: أنَّه لا بُدَّ من تقدُّمِ معرفةِ الإِعرابِ للخائضِ في سائِر الأبوابِ". قالَ المشرِّحُ: سُمي الإِعرابُ إِعرابًا لأنَّ معرَب الكلامِ كأنَّه يَتَحَبَّبُ إِلى السَّامِعِ بإفهامِ كلامِهِ، ألا تَرى أنَّ كونَ كلامِهِ مغلقًا غير مفهومٍ مما يُضنِي السَّامعَ وينفِّرُهُ عنه، واشتقاقُه من قولهم: امرأةٌ عروبٌ، إِذا كانت مُتَحَبِّبةً إلى زوجِها، أو لأنَّ الإِعرابَ من قولهم: عَرُبَتْ معدةُ البعيرِ (٢) والفصيلِ، إذا تَغَيَّرت وفسدَت، والتَّعريبُ (٣) ظاهرٌ أما على جهةِ التغير فمن وجهين، أحدُهما: - أنَّهم قد فَسَّروا الإِعرابَ باختلافِ الآخرِ لاختلافِ العوامِلِ، وذلك هو التَّغييرُ. والثّاني: وقوعُ البناءِ في مقابلةِ الإِعرابِ، إذ البناءُ يَدُل على الثباتِ

стр. 188

واللُّزومِ، وأصلُه من بناءِ الدارِ، أمّا من جهةِ الفسادِ، فلأنَّه إزالةُ العَرَب الذي هو الفَسَادُ الهمزةُ فيه للسّلبِ، كالإِقساطِ، وِالإِشكاءِ، وهما إزالةُ القسط والشَّكوى، وهذا لأنَّ الكلامَ إذا لم يُعرب تَمَكَّنَ فيه فَسَادٌ، بدليل أنَّه إِذا قيلَ: ما أَحسنَ زَيْدْ من غيرِ إعراب اشتَبَهَ المعنى، واشتباهُ المعنى فَسادٌ في الكلامِ، فإعرابُه إزالة فسادِه، إلَّا أنك إذا رفعتَ زيدًا فأحسنَ فعلٌ، وإذا جررتَه فأحسنَ اسمٌ، والكلامُ استفهامٌ، وإذا نصبتَه فأحسنَ مع ما تعجُّبٌ. حقُّ الإِعراب. أن تَقَعَ الكلمةُ في المشتركِ لأنَّه مما يشتَرِكُ فيه الاسمُ والفعلُ، إلا أنَّ حاجةً الخائض في أبواب الإِعرابِ إِلى معرفةِ تفسيره قَدَّمته، ألا تَرى أنَّا إذا تَكَلَّمْنَا في المنصرفِ من الاسمِ وغيرِ المنصرفِ منه فقلنا: المنصرفُ من الاسمِ تامُّ الإِعرابِ، وغيرُ المنصرفِ منه ناقِصُه وأنت لا (١) تعرفُ تفسيرَ الإِعرابِ، فإِنَّك تقولُ: ما الإِعرابُ؟ فهذا تقريرُ الوجهِ الثَّاني من الوجهين المتقدّمين للإِعرابِ. وأمَّا الوجهُ الأوّلُ فباطلٌ وإنا نقدّمُ وجهَ (٢) تصحيحه ثُمَّ نُبَيِّنُ وجهَ بطلانِه فنقول: الأصلُ في الإِعرابِ هو الاسمُ، وذلك لأنَّه مما تَتَوارَدُ عليه الأحوالُ المختلفةُ واللَّفظُ واحدٌ، أَمَّا أنها (٣) تتواردُ عليه الأحوالُ المختلفةُ، فلأنَّه يتواردُ عليه كونُه فاعلًا ومفعولًا ومضافًا إليه، وهذه أحوالٌ مختلفةٌ، وأما [كونُ اللَّفظِ واحدًا] (٤) فظاهرٌ بخلافِ الفعلِ فإنَّه لا أصالةَ له في الإِعراب وهذا لأنَّ الفعلَ مما لا تَتَوارَدُ عليه الأحوالُ المختلفةُ، لأنَّها لو تَوَارَدَت عليه فإمَّا أن تكونَ هذه الأحوال الَّتي ذكرناها في طريقِ (٥) الاسمِ أو لا تكونُ، ولا وجهَ إلى أن تكون لأنَّ ورودَ هذه الأحوال على الفعلِ مستحيلُ. ولا وجهَ إلى أن لا تكونَ، لأنَّ تلكَ الأحوالَ لو لم تكن هذه، فإمَّا أن تكونَ كونَه ماضيًا أو حالًا أو مستقبلًا، أو شيئًا آخر، لا وجهَ [إلى أن تكونَ شيئًا آخرَ يقتضيه الأصل] (٦)،

стр. 189

ولا (١) وجهَ إلى أن تكونَ هذه، لأنّه لا حاجةَ إلى إيرادِ الإِعرابِ على الفعل من أجلِ بيانِ هذه الأحوالِ، إِذ اختلافُ صيغةِ الفعلِ نَفيُ بيانِها، ألَا تَرى أنَّ للماضي صيغةً، وللحالِ صيغةً، وللمستقبل صيغةً، وإنَّما أعرِبَ المُضارعُ من بينِ سائرِ الأفعالِ لمضارعتِهِ الاسمَ، أَلَا تَرى أنَّه يقعُ موقعَه، تقولُ: جاءَني رجلٌ يضربُ، كما تقولُ: جاءَني رجلٌ ضاربٌ، ومررتُ برجلٍ يضربُ كما تقولُ: مررتُ برجلٍ ضاربٍ. ورأيتُ رجلًا يضربُ، كما تقولُ: رأيتُ رجلًا ضاربًا. فإن سألتَ: فكما تقولُ: جاءني رجلٌ يضربُ، فكذلك تقولُ: جاءَني رجلٌ ضَرَبَ. أجبتُ: لَعَلَّهم يقولون المضارعُ أكثرُ مناسبةً لاسمِ الفاعلِ من الماضي له. هذا (٢) وجهُ (٣) تَصحيحِهِ. وأمَّا وجهُ بطلانِه، فلأنَّ استيجابَ المضارع الإِعراب لكونه شبيهًا بالاسمِ يقتضي أن يكونَ إعرابُ المضارعِ مُؤخرًا عن إعرابِ الاسمِ، وإعرابِ المضارعِ غيرَ مؤخرٍ عن إعرابِ الاسمِ. أمَّا بَيَانُ المُقَدِّمة الأولى: فلأنَّ الشيءَ متى استَوجَبَ بالمشابَهَةِ حُكمَ شي فلا بُدَّ من أن يكونَ حُكمُ ذلك الشيءِ مقدّمًا على حُكمِ هذا المُستَوجِبِ، وهذا بَدِيهيٌّ. [وأمّا] (٤) بيانُ المقدّمةِ الثانيّة فلأنَّ المضارعَ قد ظَفِرَ بإعرابِهِ حالةَ الإِفرادِ، والاسمُ لم يظفر به إلا حالةَ التّركيبِ، وحالةُ التركيبِ مؤخرةٌ عن حالةِ الإِفرادِ. بيانُ أنَّ المضارعَ قد ظَفر به حالةَ الإِفرادِ، أنَّ الواضعَ وَضَعَهُ معربًا حينَ كان إفرادُ الكلمِ. وبيانُ أنَّ الاسمَ لم يظفَر به معربًا إلَّا حالةَ التركيبِ ظاهرٌ، وذلك لأنَّ (٥) الأسامي في الأصلِ وُضعت عاريةً عن

стр. 190

الإِعرابِ، ألا تَرى أنَّك إذا عَلَّمتَ صَبيًا أفرادَ الأَسامي فإنَّك تَقُولُ وقت أوقات، حين أحيان، فلا تُعربُها البَتَّةَ، لأنَّه لا تركيبَ، وبيان أن حالةَ التركيبِ مؤخرةٌ عن حالةِ الإِفرادِ بديهي فهذه مسألةٌ صالحةٌ للمذهبِ (١). قالَ جارُ اللَّه: "فصلٌ والاسمُ المعربُ ما اختلفَ آخرُه باختِلافِ العواملِ فيه لفظًا أو محلًّا، بحركةٍ أو حرفٍ، فاختلافُه لفظًا بحركةٍ في كلِّ ما كانَ حرفُ إعرابه صحيحًا أو جاريًا مجراه، كقولك: جاءَ الرجلُ، ورأيتُ الرّجلَ، ومررتُ بالرّجل، واختلافُه لفظًا بحرفٍ في ثلاثةِ مواضعَ، في الأسماءِ الستَّةِ مضافةً، وذَلك: جاءَني أبوه وأخوه وحموه وهنوه وفوه وذومال، ورأيتُ أباه ومررتُ بأبيه وكذلك الباقية. وفي كِلا مضافًا إلى مضمرٍ، تقول: جاءني كلاهما، ورأيتُ (٢) كليهما، ومررتُ بكليهما، وفي التثنية والجمع على حدِّها تقولُ: جاءني مُسلمانِ ومُسلمونَ، ورأيتُ مُسلمينِ ومُسلمينَ ومررتُ بِمُسلمَينِ ومُسلمينِ، واختلافه مَحَلًّا في نحو العصا وسُعدى والقَاضِي في حالَتَي الجَرّ والرَّفع، وهو في النَّصبِ كالضَّاربِ. قالَ المشرِّحُ: الأحماءُ قرابةُ الزَّوج مثل أَبيه وأَخيه. وعن عُمَر (٣): "لا يدَخُلَنَّ رجلٌ على امرأةٍ وإن قيل حَموها ألا حَموها الموتُ". الإِعرابُ على نوعين: بالحركاتِ وبالحروفِ، ثم الإِعرابُ بالحركاتِ على ضربين ظاهرٌ ومقدَّرٌ. فالظاهرُ في موضعين، في كلِّ ما كانَ حرفُ إعرابِه صَحيحًا، كزيدٍ ورجلٍ أو جاريًا مجرى الصَّحيحِ، وهو أن يكونَ حرفُ إعرابه علةٍ ساكنًا ما قبلَه كظَبيٍ ودلوٍ. والمُقَدّرُ في موضعين أيضًا، في كل ما كان في آخره حرفٌ مقصورٌ، كالعَصَا وسُعدى، أو ياءً مكسورًا ما قَبلَها،

стр. 191

كالقاضِي والغَازِي. في حالتي الرَّفعِ والجَرِّ، وهذا لأنَّ وُرُودَ الحركتين في مثلِ هذه الياءِ مستثقلٌ. فإن سألتَ: ما بالهم عدُّوا مثلَ العَصا وسُعدى في المعرباتِ ولم يَعُدُّوا المبنيَّ فيها، مع أنَّ الإِعرابَ في كلِّ واحدٍ من الموضعين (١) [ممتنعٌ وغير] (٢) موجودٍ من حيثُ الظَّاهِرُ ومقدَّرٌ من حيثُ المعنى؟ أجبتُ: هذا النوع من المعربِ لا يخلو مِن أن يلحقَه التنوين أو لا يلحقَه، فإن لحقَه ظَهَر الفرق بينه وبين المبني، لأنَّ [المبني] (٣) كما لا يَمَسُّه الإِعراب لا يَلحقه التنوين أيضًا، وإن لم يلحقه فالفرق بينه وبين المبني ظاهر، لأنَّ المبنيَّ هو الذي امتَنَعَ إعرابُه لمناسبةِ الحرفِ، أو مع مجاورَتِهِ له، ولا كذلك هذا النوعُ من المعربِ، فإنه حيثُ امتنعَ فيه الإِعرابَ امتَنَعَ لاستثقالِه على أحدِهِما، وامتناعِهِ على الآخرِ. وأمَّا الإِعرابُ بالحرفِ ففي أربعةِ مواضعَ. أحدُهما: - الأسماءُ الخمسة وهي أبوه وأخوه وحموه وفوه وذومال، وإنما كان إعرابُ هذه الأسماء الخمسة بالحرف، لحرفٍ مبنيٌّ على أربعِ مقدماتٍ. الأولى: - أنَّ الاسمَ يجبُ أن يكونَ أقلَّ من ثلاثةِ أحرفٍ، حتى يكونَ إعرابُه بالحرفِ بمنزلةِ التّعويض. الثانيةُ (٤): - أنَّه يَجِبُ أن يكونَ السّاقِطَ من ذلكَ الاسمِ هو اللَّامُ، حتَى يكونَ التَّعويضُ إذًا واقعًا موقِعَه. الثالثة (٥): - أنَّه يجبُ أن تكونَ اللَّامُ السّاقطةُ واوًا، حتى يكونَ انقلابُها إلى الألفِ أو إلى (٦) الياءِ أَخَفَّ.

стр. 192

الرابعةُ: يجبُ أن لا يكونَ لذلك الاسمِ اسمٌ غيرُ ساقطٍ منه اللّامُ، ويكونَ إعرابُه بالحركةِ كالغدِ، فإنّهُ يفالُ في معناه غَدوٌ، وإعرابُه كما تَراه بالحركةِ، لأنَّه إذا كانَ له مثلُ ذلك الاسمِ فقد وقَعَ الغُنيَةُ عن إعرابِ هذا بالحرفِ. فإن سألتَ: ما بالك جَعَلتَ هذه الأسماءَ خمسةً، وهي باتفاقِ النَّحويين ستةٌ، معدودةٌ فيها هنوه؟ أجبتُ: الهَنُ ليس من هذه الأسماءِ تقولُ هذا هَنُكَ أي شَيؤُك، كذا هو في الصِّحاحِ (١)، وفي شعرِ أبي الطَّيب (٢): إذا كَسَبَ الإِنسان من هَنِ عِرسِهِ ومن أبياتِ الكتاب (٣): وقد بَدا هَنْكِ من المِئزَرِ وفي الحديث (٤): "فأعضُّوه بهنِ أبيه ولا تَكَنَّوا" وفي المثلِ (٥): (منَ يَطُل هَنُ أبيه يَنتطِقُ به) أي يتقوّ بإخوتِهِ، وهذا كما قالَ (٦): ولو شاءَ ربِّي كانَ أيرُ أبيكُمُ … طَويلًا كأيرِ الحارثِ بن سدوس وسَدوسُ: هو ابنُ دَهبل بن شَيبان، وكان للحارثِ أحَدَ وعشرين ذكرًا (٧).

стр. 193

وإنما غَرّهم قولُ امرئِ القيس (١): وقد رَابني قولُها يا هَناهُ … ويحَكِ أَلحقتِ شَرًا بِشَرّ (٢) الموضِعُ (٣) الثاني، التَّثنِيَةُ: تقولُ جاءَني مُسلمانِ، ورأيتُ مُسلمَينِ ومررتُ بِمُسلمينِ. الموضع الثالثُ: الجمعُ على حدِّ التثنيةِ، وهو جمعُ السلامةِ بالواو والنون وبالياء والنّون تقول: جاءَني مُسلمونَ، ورأيتُ مسلمينَ، ومررتُ بمسلمينَ. الموضعِ الرابعُ: "كِلا" إذا أضيفَ إِلى المضمِر، أمّا إذا أُضيفَ إِلى المُظهَرِ فلا يَكُونُ من هذا الباب لأنَّه يَستوي فيه الأحوالُ تقول: جاءني كلاهما، ورأيتُ كِلَيهُما، ومررتُ بِكلَيهِما. وفَرّق بين الحالين فيها، لأنَّه إِذا أُضيف إِلى المُظهر في التثنية لا يَجري على المُثَنَّى، ألا ترى أنَّك لا تقولُ: جاءني الرجلان كِلا الرجلين، ومررتُ بالرجلين كِلا الرجلين، بخلافِ ما إذا أُضيف إلى المُضمر فإنَّه حينئذٍ يجوزُ أن يجري على المُثَنَّى، والتأكيدُ يَقَعُ للمؤكِّدِ في تَثنِيَتِهِ.

стр. 194

[بَاب الممنُوع مِنَ الصَّرف (*)] قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ والاسمُ المعرَبُ على نَوعين، نوعٌ يستوفي حركاتِ الإِعراب والتَّنوين كزيدٍ ورجلٍ ويسمَّى المُنصرفَ، ونوعٌ يُختَزَلُ عنهُ الجَرُّ والتَّنوينُ لِشَبهِ الفِعلِ ويُحَرَّكُ بالفتحِ في موضعِ الجَرِّ كأحمدَ ومروانَ إلا إذا أُضيفَ أو دَخَلَه لامُ التَّعريفِ، ويُسَمّى غيرَ المنصرفِ واسمُ المُتَمَكِّنِ يجمَعُهما، وقد يُقالُ للمنصرفِ الأمكنُ". قالَ المشرِّحُ: اعلَم أنَّ كلامَ النّحويّين في باب ما لا يَنصَرفُ مُخَبَّطُ (١)، وأنا أُورد أولًا تحقيقَ قاعدةِ ذلك البابِ (٢)، لأتمكَّن به من تخريج المسائِلِ، ثُمَّ أُفسِّرُ كلامَ الشّيخِ فأقولُ: مدارُ الأمرِ في بابِ ما لا ينصرفُ على حرفين، على الحكايةِ، وعلى التَّركيبِ أمَّا الحكايةُ ففي موضِعَين: أحَدهما: ما فيه وزنُ الفِعل مع الوصفِ، نحو رجُلٌ أعلَمُ وأجهَلُ، والثَّاني:

стр. 195

ما فيه وزنُ الفِعل مع العَلَمِيَّةِ، نحو يزيدُ ويشكرُ وامتناعُ الصرفِ في هذين الموضعين (١) بطريق الحكايةِ الفِعليَّةِ (٢). بيانُ ذلك أنَّ إطلاقَ هذه الألفاظ في هذين الموضعين في الأصل إطلاقُ الأفعالِ على الشيءِ ثُمَّ كَثُرَ حتى فارقتها الفعليّة إمَّا إلى الوصفيّةِ وإمَّا إلى العَلَميّةِ، وما فيها من امتناعِ الصّرفِ حكايةٌ فعليةٌ كما في يزيدُ من قوله (٣): نُبِئّتُ أخوالي بَنِي يَزِيدُ وقوله (٤):

стр. 196

أَنا ابنُ جَلا وطلّاعِ الثَّنايا فإن سألتَ: ما بالُ الفِعليَّةِ قد فارَقَت في (١) أحدِ الموضعين إلى الوصفيّة، وفي الموضعِ الثاني إلى العَلَميَّةِ؟ أجبتُ: لأنَّه لم يكن في أحدِ الموضعين موصوفٌ مذكورٌ فصارَ بالغلبةِ (٢) عَلمًا، وفي الموضعِ الثاني موصوفٌ مذكورٌ فصار بالغلبةِ (٢) وصفًا (٣)، وهذا أصلُها، ثم أدارَ الواضعُ الحكايةَ الفِعليّةَ على وزنِ الفعلِ إمَّا مع الوصفِ، وإمَّا مع العَلَميَّةِ فأمَّا (٤) نحو أَفكلٍ وأيدعٍ فإنه ليسَ في الأصل فعلًا، ولم يُوجد فيه إحدى الخُلَّتين ولو سَميتَ بنرجس وذَهبٍ منعتَهُ الصَّرفَ، لأنَّ هذا الوزن من أوزانِ الفعلِ بخلافِ نَهشلٍ، لأنَّه بمنزلةِ جَعفرٍ. وأمَّا (٥) التركيبُ فعلى نوعين: نوعٌ يتضمنُ الشطرُ الثاني منه معنى الحرفِ، نحو هو جاري بيتَ بيتَ، أي بيتًا لبيتٍ، أو بيتًا إِلى بيتٍ (٦)، وخمسةَ عشرَ، أي خمسةٌ وعشرةٌ ولا مدخلَ لهذا النوعِ من التّركيبِ في باب ما لا ينصرفُ. ونوعٌ لم يَتَضّمنْ الشطرُ الثَّاني منه معنى الحرفِ نَحو بَعلَبَكّ وحَضرموت، وهذا النوع من التركيبِ هو المعتبرُ في بابِ ما لا ينصرفُ، وهو أنواعٌ كنحو (٧) ما ذكرناه من بَعلبك وحَضرموت. وثانيهما [: تركيبُ الزّيادةِ نحو الألفِ والنُّون المضارعتين لألفِ التأنيث في سكران وعثمان] (٨) والمضارعةُ في اللّغة هي المشابهةُ ولذلك سُمي الضَّرعُ ضَرعًا لأنَّه يشابهُ صاحبَه. والمُراد (٩) بألفِ التأنيثِ في إحدى الوَجهتين هي

стр. 197

الممدودةُ لأنَّ الهمزةَ في الألفِ الممدودةِ منقلبةٌ عن ألفِ التأنيثِ فإذا هما ألفان، ووجهُ المشابهةِ بينهما هنا [أنَّ الألفَ والنون للتذكير] (١)، كما أنَّ الألفين هناك للتأنيثِ، والذي يَشهدُ لقيام الشَّبهِ بينهما أنَّ سكران يُكَسَّرُ على سُكارى، كما أنَّ صَحراء تُكسر على صَحَارى، وإنما يكُونان للتذكيرِ أن لو كانتا مزيدتين غيرَ مُلتحق بهما تاءُ التأنيثِ، لأنَّهما لو لم تَكونا مزَيدتين لما كانَ لهما دلالةٌ فضلًا من أن تكونَ لهما دلالةٌ على التذكيرِ، وكذلك لو التَحَقَ بهما تاءُ التأنيثِ لما كانتا للتَّذكير، لاستحالةِ أن يكونَ الشيءُ مذكرًا ومؤنثًا في حالةٍ واحدةٍ ولذلك قالوا بأنَّ حَسّان إن أخذتَه من الحُسن فهو منصرفٌ، وكذلك عُريان منصرف لأنَّه يُقال في مؤنثه عُريانة. وثالثُها: تركيبُ التأنيثِ، والتأنيثُ (٢) على ضربينَ بالتاءِ، وبغيرِ (٣) تاءٍ، والذي بالتاءِ إمَّا مظهرٌ وإمَّا مقدَّرٌ فالمظهرُ كما في عائشةَ وفاطمةَ، والمقدَّرُ في كلِّ ما لا يَظهَرُ فيه عَلامةُ التَّأنيثِ، والذي بغيرِ النّا يكونُ بالألفِ، والألفُ على ضربين مقصورةٍ وممدودةٍ. أمّا التأنيثُ بالتاء فإنَّه لا يعتبرُ ما لم يَستَحكم بالعلميَّةِ، وذلك لأنَّه إذا استَحكم بالعلميَّةِ كانَ أَشَدَّ استلزامًا للثّقل، لأنَّه كلما جِيء بالشَّطرِ الأوَلِ منه لَزمَ المجيءُ بالشَّطرِ الثَّاني أيضًا، بخلافِ ما إذا لم يَستَحكم، وكذلِكَ ما [تاءُ التأنيثِ فيه] (٤) مقدرةٌ، لأنَّه بمنزلةِ ما ظَهَرَ فيه تاءُ التأنيثِ وذلك نحو دعدُ وسعادُ، والذي يَدُلُّ على أنَّ تاءَ التأنيثِ فيه مقدرةٌ، إجماعُ النَّحويين على أنَّك لو سَمَّيتَ امرأةً بحَجَرٍ أو حِمْلٍ أو حَبْلٍ ثُمَّ صَغَّرته

стр. 198

فإِنَّه تَعودُ فى التّصغير التَّاءُ بخلافِ نحو حائضٍ وطالقٍ، فإنَّه وإن كانَ تاءُ التأنيثِ فيه مقدرةً فإنّه منصرفٌ لأنَّه بمنزلةِ مانعةً وضاربةً فكما أنَّ العلميَّةَ هناكَ شَرطٌ فكذلك ها هنا. أمَّا ما فيه ألفُ التّأنيث فهوَ غيرُ منصرفٍ لاستحكامِ التّركيب فيه بدون العَلَمِيَّةِ لأنَّ مَبنى الألفِ على عَدَمِ المفارَقَةِ، بخلافِ البِنَاءِ. ورابعُها: تركيبُ الجَمع وهو كلُّ جَمعٍ بعدَ ألفِهِ حَرفان أو ثَلاثةٌ أَوسطُها ساكنٌ، ووجهُ (١) التَّركيبِ فيه أنَّه بمنزلةِ جمعين، تقولُ: رَهط [وأَرهطٌ وأراهطٌ، وعَربٌ وأعرابٌ وأعاريبٌ] (٢) ولذلك سمي الجمع الأقصى ثم أدارَ الواضعُ حكمَ امتناعِ الصَّرفِ على هذا الوزن، وهو (٣): كلُّ اسمٍ أوّلُه مفتوحٌ، وبعدَ ألفِهِ حرفان أو ثلاثةٌ أوسطُها ساكنٌ، ولذلك منعوا حُضاجرَ للضَّبُع الصرفَ، وكذلك لو سَمَّيت ببخاتّي (٤) فإنَّه لا ينصرِفُ، وذلك لِتَسهيلِ الأمرِ على المُتَكَلّمِ. وخامسُها: تركيبُ العلميَّةِ وهو (٥) التركيبُ الذي في نحوِ فُعَل، الأسماء الواردة على هذا الوزن أجناس نحو زُفَر وحُطَم. أعلامٌ هي على ضَربَين: مَنقولةٌ عن أسماءِ الأجناسِ كما لو سَمَّيتَ بزفَر وحطمَ، وغيرُ منقولةٍ كعُمَرَ،

стр. 199

فالضربان الأولان منصرفان، والضربُ (١) الثالثُ غيرُ منصرفٍ. فنقولُ: هذا الضَّربُ إنما مُنِعَ الصرفَ لوجودِ التركيبِ فيه تقديرًا، لأنّه في قوةِ علمين، وهذا لأنَّ الواضعَ قد قَصَدَ تَسمِيَتَه بعامرٍ أولًا، إلَّا أنَّ عامرًا لما كانَ من الأجناسِ خافَ الواضعُ التباسَه فعدَلَ به عن تلكَ الصّيغةِ إلى هذه لأنَّ عمرَ غيرُ موجودٍ في الأجناسِ فكأنَّه قد سمَّاهُ أولًا عامرًا ثم عُمَرَ ثانيًا بخلافِ اسمِ الجنسِ فإنَّه ليس بعلمٍ فضلًا من أن يكونَ في قوةِ عَلَمين، وبخلافِ المنقولِ عن اسمِ الجنس فإنَّه لا يَصِحُّ أن يقالَ إنَّ الواضعَ قَصَدَ تسميَته ناغرٍ وزافرٍ (٢) وحاطم. اسمي فاعلٍ من نَغَرَتِ القِدرُ إِذا غَلَت، ومن حَطَمَ السِّنَّ إذا كَسَرَها إلَّا أنَّه قد عَدَلَ بهما عن فاعلٍ إلىٍ فُعَل إذ لو كانَ العدولُ لهذا المعنى لما عُدِلَ بهما إلى ما عَدَلَ بهما إليه، لأنَّ المعدولَ كما هو مظنَّةُ الالتباسِ فكذلك المعدولُ إليه. تخمير: أَجمَعَ النِحويُّون عن آخرِهم على أنَّ عمرَ وزفرَ غيرُ منصرفين وهذا إجماعٌ باطلٌ، فإنَّ عمرَ وإن كان غيرَ منصرفٍ فليس زُفرُ بمثابِتِه، أَلا تَرى أنَّ زفرَ علمًا منقولًا عن الزَّفرِ بمعنى السَّيِّد، سُمّي بِذَلِكَ لأنَّه يَزدَفِرُ بالأموالِ في الحَمالاتِ مُطِيقًا لها، أَنشدَ الجَوهَرِيُّ في (الصِّحَاحِ) (٣) والإِمامُ عبدُ القاهر في (أسرارِ البلاغة) (٤) لأعشى باهلةَ (٥): يَأْبَى الظُّلامةَ منه النَّوفَلُ الزَّفرُ (٦) وقد اتَّفَقُوا على أنَّ ما كان من الأعلامِ على هذا الوزن وهو منقولٌ فإنَّه

стр. 200

منصرفٌ قال الشيخُ أبو عليّ الفارسيّ (١): لو سَمَّيتَ بزُفَر [وبنُغَرَ وحُطَمَ وجُعَلَ] (٢) فإنَّه مُنصرفٌ مَعرفةً ونَكِرةً. فإن سألتَ في هذه المسألةِ تواردَ إجماعان، أحدُهما: إجماعهم على أنَّ زفرَ غيرُ مُنصَرفٍ، والثاني: إجماعُهُم على أنَّ كلَّ (٣) ما كانَ على هذا الوزنِ وهو عَلَمٌ منقولٌ فإنَّه منصرفٌ، فلمَ جعلتَ هذا الإِجماع بالبطلان أولى من ذلك الإِجماعِ؟ أجبتُ: لأنَّ الإِجماعَ ها هنا إجماعٌ على شيءٍ عدديّ، والإِجماعُ هناك إجماعٌ (٤) على شي تقريري (٥)، وإبطالُ الإِجماعِ على شيءٍ عددي أولى من الإِجماعِ على شيءٍ تقريريٍّ لأنَّ السَهو في العددَّيات أحرى (٦) منه في التَّقريريَّات، ولأنَّه لو بَطَلَ هذا الإِجماع لم يبطل إلّا حكمٌ في (٧) صورةٍ واحدةٍ ولا كذلك ثَمَّ. فبعد ذلك لو أصبتَ زُفَرَ غيرَ منصرفٍ لا يخلو ذلك (٨)

стр. 201

من أن يكونَ في الشعرِ، أو خارجَ الشّعرِ، فإن كانَ خارجَ الشّعرِ لم أقبله، وقلتُ: هذه روايتُك وروايةُ أخوتِك، وإن كان في الشّعرِ حمَلته على مذهبِ الكوفيين، لأنَّ من مذهبِهم أنَّ الاسمَ يمنعُ الصرفَ بالعلميّةِ المجردةِ (١). وسادسُها: تركيبُ العُجمةِ: اعلم أنَّ الأعجميَّ من الأسماءِ لا يُمنعُ الصرفَ إلَّا إذا كانت العُجمةُ فيه والعلميَّةُ توأَمين، أمّا إذا كانت العلميّةُ طارئةً على العُجمةِ فإنَّه البَتَّةَ لا يمتنعُ الصرفُ، بدليل أنَّك لو (٢) سَمَّيتَ باللّجامِ والفرندِ فالاسمُ لا محالةَ منصرفٌ وإِنَّما مُنِعَ مثَلُ ذلِكَ الأعجَمِيِّ الصّرفِ لوجودِ التركيبِ فيه تقديرًا وهو ضَمُّ العَلَمِ العَرَبِيّ إِلى العَلَمِ العَجَمِيّ، وهذا لأنَّ الأعلامَ متى نُقِلَت عن لغةٍ إلى لغةٍ وَجَبَ [حكايَتُها كما هي] (٣) من غيرِ تَغييرٍ ولا تَبديلٍ، وكذلك ما نَقلوا جنسًا من الأعجميَّةِ إلى العربيةِ إلَّا وقد تَصَرَّفوا فيه. وسابِعُها: تَركيبُ التَّكريرِ نَحو آحاد وموَحِد وثُناء ومَثنى وهَلُمَّ جَرا على

стр. 202

اتفاقِ النَّحويين إلى رُباعَ، وعندَ الزجّاجِ خاصةً إلى عُشَار (١)، ثم الاسم إذا تَثاقَلَ بالتركيبِ حُذف عنه التَّنوين لأنه شيءٌ زائدٌ على نفسِ الكلمةِ وعُوِّضَ من الجَرِّ الفتحَ لأنَّه أخفُّ فإن سألتَ: كيفَ لم يعوَّض عن الفتحِ الرَّفعِ (٢) لأنَّه أيضًا أخَفُّ؟ أجبتُ: الرَّفعُ من الشَّفتين والفتحُ من أَقصى الحَلقِ، والجرُّ من وَسَطِ الفَمِ، وَوَسَطُ الفَمِ إلى أقصى الحَلقِ أقربُ من الشَّفَتَينِ إليهِ، والجارُ أحقُّ بِصِفَتِهِ. فهذا هو الكلامُ في مَنع الصَّرفِ، وأمَّا أنّ (٣) الاسمَ لم يجرِ عندَ وجودِ (٤) اللّامِ والإِضافةُ فيه (٥) فلأنَّ امتناعَ الصَّرفِ على ما ذكرناه إمَّا لوجودِ التَّركيب فيه، وإمَّا [للحكايةِ الفعلية وأيًّا ما كانَ فإنَّه يُوجِبُ إنجرارَ الاسمِ عندَ ورودِ أحدِ الشَّيئين عَليه، أمَّا اذا كانَ امتناع الصرف لوجودِ التَّركيب فيه] (٦) فلأنَّه عندَ ورودِ أحدِ الشَّيئين يرد عليه تركيبٌ أَقوى، فيقعُ ما كان فيه من التركيب في الطَّيّ فلا يُؤَثِّرُ، وما حَصَلَ فيه من التركيبِ بورُود أحدِ الشَّيئين عليه فهو على شرفِ المُفارقة فلا يُعتبَرُ به (٧)، ومن ثَمَّ قال أصحابُنا (٨) في رجلٍ باعَ دارَه فللجارِ فيها حَقُّ الشُّفعةِ دفعًا لضررِ الدخيل

стр. 203

قإِذا رهَنَهَا أَو باعَها بيعًا جائزًا فليس له فيها حقُّ الشُّفعةِ، لأنَّه من الضّرَرِ على شرفِ المفارقةِ، فلا يعتبرُ. وكذلك قلنا بأنَّ صياقلَ غيرُ منصرفٍ وصياقلةً منصرفٌ فهذا تحقيقُ ما عليه هذا (١) الباب. والآن أُفسِّرُ كلامَ الشَّيخِ فأقولُ: يُختَزَلُ: أي يُقتَطَعُ، والاختزالُ والاقتطاعُ (٢) بمعنىً. قال النحويّون: الأصلُ في الاسمِ أن يكونَ على الإِعرابِ التَّامّ إلَّا أنَّه نَقَصَ إعرابُه مَنعَ الصرفِ لِشَبَهٍ ينعقِدُ بينه وبينَ الفِعلِ، وهذا لأنَّ الفعلَ حيثُ مُنِعَ الجَرِّ والتنوينَ، مُنِعَهما لِثِقَلِهِ، والاسمُ إذا شَابَهَ الفعلَ منعهما أيضًا لوجودِ عِلَّةِ المنعِ فيه حِينَئذٍ. أما بَيانُ المقدّمةِ الأولى: فلأنَّ الفعلَ يَجْرِي فاعِلًا ومَفعولًا، وذلِكَ يَدُلُّ على ثِقَلِهِ، وامتناعِ الجَرِّ والتَّنوينِ فيه (٣) مناسبٌ أن يكونَ بهذا الثِّقَلِ. أمّا بيانُ المقدمةِ الثَّانيةِ فلأنَّ الشَّبَهَ متى وَقَعَ بين الاسمِ وبين الفعلِ يُتَثَاقَلُ فيُمنعُ الجَرَّ والتَّنوينَ عَمَلًا بالشَّبَهِ. وهذه أشياءُ ضَعِيفةٌ تَتَفَرَّقُ هَبَاءً مُنبَثًّا برائِحَةِ مطالبةٍ وشبهِ مُعارضةٍ. فنقولُ: لم يمنعُ الاسمُ الجَرَّ والتَّنوينَ إذا شابَهَ الفعلَ، قولُه: بأنَّه يُتَثَاقَلُ، قلنا: لا نُسَلّمُ، قولُه: عَملًا بالشَّبَهِ قلنا: لِمَ قلتَ بأنَّ هذا مما يُعمَلُ به، وهذا لأنَّ ما من شيءٍ إلَّا وهو يُشبُه شيئًا ثم لا يُعطَى حُكمَهُ، أَلَا تَرى أنَّ في الرجالِ من يُشبِهُ أَباك ثُمَّ لا تُبَجِّلُهُ تبجيلَ أَبيكَ. إنَّما الذي يُعتَبَرُ به من الشبهِ أن يكونَ الشيءُ يُشبِهُ (٤) الشيَء لا يفوتُهُ إلّا الصُّورَةُ، وذلك ما النَّافيةُ فإنَّها لمّا كانت بمعنى "ليس" وهو نَفْيُ الحالِ أُعْملت في المذهبِ الحِجازِيّ عَمَلَها، ومثلُ المبتدأ فإنَّه لما كان بمعنى الفاعلِ أُعطى صورتَه وهي الرَّفعُ، ومثلُ اسمِ الفاعِلِ فإنَّه لما كانَ بِمَعنى المُضارِعِ أُعمِلَ عَمَلَه، فحاصلُ المسألةِ أنَّ المشبَّه (٥) به في هذه الصُّورِ واحدٌ، لا يفوته إلَّا

стр. 204

الصورةُ ولأنَّه لو كان امتِنَاعُ الجَرِّ والتنوين في الفعلِ لِثِقَلِهِ لما دَخَلَه الكَسرُ، لأنَّ الجَرَّ والكَسرَ في الثِّقَلِ بِمنزِلَةٍ، ولَمَا دَخَلَهُ النُّونُ الخفيفةُ والثقيلةُ، لأنَّ التنوين كما هو نونٌ، فكلٌّ (١) من التنوينين أيضًا نونٌ، وقالوا أيضًا إنما يُعادُ الجَرُّ إلى غيرِ المُنصرفِ عندَ ورودِ اللَّامِ والإِضافةِ عليه (٢) لأنَّه بورود أحدهما يستفحلُ الإِسميَّةَ ويَضعُفُ معنى الفعلِ فيعودُ قابلًا للجَرّ وهذه حجةٌ سَخِيفةٌ، أَلا تَرى أنَّه كما يَستَفحِلُ بورودِ أحَدِ الشَّيئين على (٣) الإِسميّةِ فكذلك بإسناد الفِعلِ إليه، ودخولِ الجَارِّ عليه يَستَفحِلُ فوجبَ أن يعودَ إليه الجَرّ والتنوين. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ والاسمُ يُمنع الصَّرفَ متى اجتمَعَ فيه اثنان من أسبابٍ تَسعةٍ أو تَكَرّر واحدٌ وهي العَلمِيَّةُ والتأنيثُ اللازم لفظًا أو معنى في نحو سُعادَ وطلحةَ، ووزنُ الفعلِ الذي يَغلِبُهُ (٤) في نحو أفعلَ فإنَّه أكثرُ منه في الاسمِ، أو يَخُصُّهُ في نحوِ ضَرَبَ إن سُمِّيَ به، والوَصفِيَّةُ في نحوِ أَحمرَ، والعدلُ عن صيغةٍ إِلى أخرى (٥) في نحوِ عمرَ وثُلاثَ، وأن يكونَ جمعًا ليس على زِنَتِهِ واحدٌ كمساجدَ ومصابيحَ، إلا ما اعتَلَّ آخرهُ نحو جوارٍ فإنَّه في الرفعِ والجَرِّ كقاضٍ، وفي النّص كضواربَ وحضاجرَ وسراويلَ في التقديرِ جمعُ حضجرٍ وسروالةٍ، والتركيبُ في نحوِ معدي كرب وبعلَبَكَّ، والعجمةُ في الأعلامِ خاصةً، والألفُ والنونُ المضارعتان لأَلفي التأنيثِ في نحوِ سكران (٦) وعُثمان". قالَ المشرِّحُ: تفسيرُ التكريرِ عمل قليلٍ يجيءُ في متنِ الكتابِ، التأنيثُ اللازِمُ إنما يكونُ مع أَحَدِ الأَلفينِ نحو حُبلى وصَحراء، أو مع العلَميّةِ

стр. 205

نحو عائشةَ وفاطمةَ، والتأنيثُ اللّازِمُ لفظًا نحو طلحةَ، والتأنيث اللازمُ معنىً نحو دَعْد وسُعاد، والتأنيثُ غيرُ اللّازمِ لفظًا نحو: ضَاربةٌ وقائلةٌ، والتأنيث غيرُ اللازمِ معنىً نحو: حائضٌ وطالقٌ. ووزنُ الفعلِ على نوعين: غالبٌ ومختصٌ فالغالبُ نحو: أفعلُ فإنَّه في الفعلِ أكثرُ منه في الاسمِ، وهذا لما ذكرناه من أنَّ الأسماءَ الواردةَ على هذا الوزنِ ضربان أحدُهما: - أن يكونَ فيه هذا الوزن مع الوَصفِ والعَلَمِيَّة، وهذا الضَّربُ في الأصلِ فعلٌ والإِسميَّةُ عارضةٌ فيه فلا تكونُ معتَبرةً، وثانيها: - أن يكونَ فيه الوزنُ لا مع الوصفِ ولا معَ العلميّةِ، وهذا الضَّربُ وإن كان اسمًا محضًا إلَّا أنَّه قليلٌ. والمُختَصُّ في نَحو ضَرَبَ إن سُمِّيَ به، لأنَّ هذا الوزن لا يكادُ يُوجدُ في الأسماءِ. الوصفُ عندَ النَّحويين من أسبابِ امتناعِ الصَّرفِ وذلك في نحوِ أحمَر وسكرانَ. العدلُ على نوعين: عدلٌ في الأعلامِ نحو: عُمرُ. فإنَّ أَصلَه أن يكون عامرًا، وعدلٌ في الأعدادِ نحوَ جاءَني القوَمُ أُحادَ وَموحد وثُنى ومَثنى وثُلاث ومَثلث، وإنما كان معدولًا لأنَّ الأصلَ جاءَني القومُ واحدًا واحدًا واثنين اثنين وثلاثةً ثلاثةً. كلّ جَمعٍ بعد أَلفه حرفان أو ثلاثةٌ أَوسطها ساكنٌ فهو غيرُ منصرفٍ، لأنَّ فيه شيئين: الجمعُ، ولزومُ الجمع، أمَّا الجَمعُ فظاهِرٌ، وأمَّا لُزومُ الجَمعِ فالمعنِيُّ به أَنَّه جمع لَيس على زِنَةِ واحِدٍ وأَنَّه كذلِكَ اللَّهم إلَّا إذا اعتَلَّ آخرُه نحو جوارٍ فإنَّه ينوّنُ في حالتَي الرّفعِ والجَرِّ. وهذا لأنَّ دخولَ التَّنوين فيه، وإن كانَ مخالفًا للأصلِ من حيثُ الظَّاهِرُ فهو موافقٌ للأصلِ من حيثُ المعنى. بيانُه أن التَّنوين حيثُ يُمنَعُ دخولُه على غيرِ المنصرفِ يمنعُ تحقيقًا، والتَّحقيقُ ها هنا دُخُولُ التَّنوين عليه، فإنَّه وإن كان يُثقِلُ الاسمَ (١) من وجهٍ لكنه يُخِفُّ من وجهٍ لأنّه يُسقِطُ منه اليَاء ضَرورةً لالتقاءِ السَّاكِنين. نظيرُ هذه المسألة ما إذا أَمر السُّلطانُ رجلًا بِقَطعِ اليمني من السارقِ فقطَعَ منه اليُسرى عمدًا فلا ضمانَ عليه، لأنَّه وإن أتلفَ فقد أَخلَفَ

стр. 206

كذلك دخولُ التنوين ها هنا فإن ثَقُلَ فقد خَفَّ (١). بخلافِ حالةِ النَّصب فإنَّه لا يَسقُطُ فيها اليّاء من حيثُ أنه لا يَلتَقِي فيها ساكِنان. فإِن سألتَ: دخولُ التّنوين ها هنا وإن كان مُوافقًا للأَصل من حَيثُ أنَّه به يَحصُلُ التَّخفيفُ، فهو مُخالِفٌ للأَصلِ من وَجةٍ آخرَ، من [حيثُ أنَّه به تَسقط الياءُ، وسقوطُ الياء خلافُ الأصلِ] (٢)؟ أجبتُ: دخولُ التنوين عليه وإن كانَ مخالفًا للأصلِ من الوجهِ الذي ذُكر به فهو موافقٌ للأصلِ من وجهٍ آخرَ، وذلك أنّ الاسمَ به يعودُ منصرفًا وذلك موافقٌ للأصلِ إذ الأصلُ في الأسماءِ هو الصرفُ. قال النحويون: حضاجرُ بمعنى الضَّبعِ في التقدير جَمعُ حَضجَرٍ معناه سمي المفرد بالجَمع للمبالغةِ، يقالُ: وطبٌ حَضجَرٌ، وأَوطُبُ حُضاجر كما وُصف المُفرد بالجمعِ في قولِهِ (٣): ........ ومعًا جِياعَا وكذلك سَراويل في التَّقدير جمعٌ كأنَّ كلَّ رِجْلٍ منها سِروَالة. والحقيقةُ ما ذكرتُه من أنَّ حُكمَ امتناعِ الصَّرفِ فيه مُدارٌ على هذا الوزنِ، قالوا الاسمُ إذا وُجدَ فيه التركيبُ لم ينصرف، والمرادُ به التركيبُ الذي لم يَتَضَمَن الشَّطرُ الثاني منه معنى الحَرفِ، وذلك نحو: حَضرموتُ وَبعلَبَكُّ، والعُجمةُ في الأعلامِ خاصةً من أسباب امتناعِ الصرفِ، والمعنى إذا لم تكنِ العُجمَةُ سابقةً لَلعَلميَّةِ، أمَّا إذا طرأتِ العَلَميَّةُ على العُجمةِ كما لو سمَّيتَ باللِّجامِ والفِرِندِ فهو منصرفٌ. قالَ جارُ اللهِ: "إلَّا إِذا اضطُرَّ الشاعرُ فصرفَ". قال المشرحُ: يجوزُ للشاعرِ أن يصرفَ غيرَ المنصرفِ في ضرورةِ

стр. 207

الشّعرِ، وهذا لأنَّ للشاعرِ العملَ بالقياس المهجورِ، وصرفُ غيرِ المنصرِفِ في الشعرِ عملٌ بالقياسِ المهجورِ (١). قالَ جارُ اللهِ: وأمَّا السببُ الواحدُ فغيرُ مانعٍ أبدًا، وما تعلق به الكُوفِيُّون في إجازةِ منعِه في الشعرِ ليس (٢) بثبتٍ. قالَ المشرحُ: السببُ الواحدُ من هذه الأسبابِ التّسعةِ لا يمنعُ الصرفَ اللهمّ إلا عندَ الكوفيين فإنَّهم أَجازوا به منعَ الصّرفِ وتَعَلَّقوا بقوله (٣): أتجعلُ نَهبي ونَهبَ العُبَيـ … ـدِ بينَ عُيينَةَ والأقرَعِ وما كان حِصنٌ ولا حابسٌ … يفوقانِ مرداسَ في مَجمعِ ألا تَرَى أنّه مَنَعَ مرداسًا الصَّرفَ، وليس فيه سببٌ (٤) سوى العلميّة، وأمّا البصريون فقد أسقَطوا الاحتجاجَ به لأنَّ الرّوايةَ عندَهم (يفوقان شَيخَيَّ). قالَ جارُ الله: "وما أحدُ سَبَبيهِ أو أسبابه العَلَمِيّة فحكمُهُ الصرفُ عندَ التنكيرِ كقولك: ربُّ سعادٍ وقطامٍ لبقائِه بلا سَبَبٍ أو على سَبَبٍ واحدٍ".

стр. 208

قالَ المشرحُ: مثالُ ما يَبقى بعدَ التنكيرِ بلا سببٍ سُعادُ وبغدادُ، فإِن في الأولى سببين: التأنيثُ والعَلَمِيَّة، وفي الثانية (١) ثلاثةُ أسبابٍ، التأنيثُ والعجمة والعَلميّةُ، فإذا نكّرتَهما بقيا بلا سببٍ، ضرورةَ أنَّ التأنيثَ بدون العلميَّةِ ليس بسببٍ، وكذا (٢) العجمةَ، فإن سألتَ: ما الدليلُ على أنَّ التأنيثَ بدونِ العلميةِ ليس بسببٍ؟ أجبتُ: لأنَّه لو كان سببًا لكانَ نحو مانعة غير منصرفٍ ضرورةَ أنَّ فيها التأنيثَ والوصفَ، وكذا تقولُ (٣) في العجمةِ، إنَّها لو كانت بدونِ العلميةِ لكانَ نحو: اللِّجام والفرندِ إذا سَمَّيتَ بهما غيرَ منصرفين، مثالُ ما يَبقى بعدَ التنكيرِ على سببٍ وَاحدٍ (٤)، يزيدُ ويشكرُ إذا نَكَّرتَهُما. قالَ جارُ الله: إلَّا نحوَ أحمرَ فإنَّ فيه خلافًا بينَ الأخفشِ، وصاحِب الكتابِ. قالَ المشرحُ: اِعلم أنَّ أحمرَ لا ينصرفُ بالإِجماعِ لما فيه من تركيبِ الوزنِ، فإذا سميت به لم ينصرف أيضًا بالإِجماعِ، وهذا لأنَّ وزنَ الفعلِ، وإن كان لا يُعتدُّ به إلا مع الوصفِ والعَلميّةِ، لكن في الأول وحدُ الوصف وفي الثاني وإن زال لكن إِلى العلمية فإذا (٥) نَكَّرتَهُ فهنا اختَلَفَ سيبويهِ والأخفشُ، فعندَ سيبويه يبقى كما كان غيرَ منصرفٍ، وعندَ الأخفشَ ينصرفُ. كذا روايةُ هذه المسألة في (شَرحِ الكِتاب) (٦) للسيرافي. احتجَّ الأخفشُ (٧)

стр. 209

بأنَّ الوصفيةَ وإن جاءت بعدَ العَلميةِ لكنّه وصفٌ عارضٌ فلا احتجاجَ (١) به كما في نِسوَةٍ أربعَ. حجّةُ سيبويهِ هذا الوصف إنَّما يكونُ عارضًا لو لم يكن الاسمُ في الأصلِ وصفًا، ويخالفُ في نسوةٍ أربعَ، لأنَّ أسماءَ العددِ في الأصلِ لمجرَّدِ، لا للوصفِ (٢).

стр. 210

قالَ جارُ الله: وما فيه سببان من الثُّلاثِيّ الساكنِ الحَشوِ كنوحٍ ولُوطٍ (١) منصرفٌ في اللُّغةِ الفَصيحةِ التي عليها التَّنزيلُ لمقاومةِ السُّكونِ أحدَ السّببين، وقومٌ يجرونه على القياسِ فلا يصرفونَه وقد جَمَعَهما الشاعرُ في قوله (٢): لم تَتَلَفَّع بفضلِ مئزَرِها دَعدُ … ولم تَشق دعدُ في العُلَبِ قالَ المشرحُ: الاسمُ إن وُجِدَ فيه التركيبُ على ما ذَكَرناه من التَّفسيرِ، أو سببان من أسبابِ امتناعِ الصرفِ، كما هو مذهبُ النَّحويين إلا أنَّه متى كان ثُلاثيًّا ساكنَ الحَشوِ فإنه فيه خِفَّةٌ، وأمَّا الاستحسانُ أن يُصرفَ لمقاومةِ الخِفَّة فيه الثقلُ الناشئُ من سببِ امتناعِ الصرفِ فيصيرُ كأنَّ ذلك الثِّقَلَ لم يُوجد فيه. فإن سألتَ: ألا (٣) يجوزُ أن يكونَ انصرافُ دَعدٍ في البيتِ للضَّرورةِ؟ أجبتُ: الأصلُ في الكلامِ أن لا يُحمل على الضرورة لا سيَّما إذا كان مُحتَجًّا به. العُلَب: تكسير عُلْبَةٍ وهي وعاءٌ من جِلدٍ فكأنَّه يقول: إِنَّ دَعدًا مخدومةٌ لا خادِمةٌ تأتَزِرُ كما تَأْتَزِرُ الإِماءُ، منعَّمة لا بَدويَّةٌ حتى يكونَ مشرَبَها من الجلدِ الإِناءُ.

стр. 211

قالَ جارُ اللهِ: وَأَمَّا ما فيه سَبَبٌ زائِدٌ كَماهِ وَجُورِ فإنَّ فيه ما في نُوحٍ مع زِيادَةِ التَّأْنيثِ فلا مقالَ في امتناعِ صرفِهِ. قالَ المُشَرِّحُ: ماه (١)، وجور (٢) في اسمِ بَلَدَين غيرُ منصرفَيْن، فإنَّ التركيبَ فيه من جِهَتَين: من جهةِ التأنيثِ، ومن جهةِ العُجمَةِ، فالخفَّةُ، وإن كانت تقاوِمُ أحدَ الثِّقلين لكنَّ الثقلَ الثَّاني يَبْقَى بلا معارضٍ فيعمَلُ عليه. قالَ جارُ الله: التكريرُ في نحوِ بُشرى، وصَحراء، ومساجِدَ ومصابيحَ نُزّلَ البناءُ على حرفِ تأنيثٍ لا يقعُ منفصلًا بحالٍ، والزِّنَةُ التي لا واحدَ عليها منزلةَ تأنيثٍ ثانٍ وجَمعٍ ثانٍ. قال المشرحُ: عنى بقوله: لا يقعُ منفصلًا بحالِ، أن مَبنَى الألفِ على اللزومِ (٣) وعدمِ المفارقةِ، بخلافِ تاءِ التأنيثِ فإنَّ مَبناها على المفارقةِ.

стр. 212

[بَابُ وُجُوه الإعرَاب] قالَ جارُ الله: "القولُ في وجوهِ إعرابِ الاسم هي الرَّفعُ، والنَّصْبُ والجَرُّ فكل [واحدٍ منها عَلَمٌ على معنى] (١)، فالرَّفعُ عَلمُ الفاعلية". قالَ المشرّحُ: الأصلُ في المرفوعاتِ بعدَ الفعل (٢) المضارعِ الفَاصِلُ، لأنَّ الواضعَ لَمَّا فَرَغَ من وَضْعِ المفاريدِ فقد استَفَزَّه إلى وضع ما يَدُلُّ على الفاعِلِ حاجةً، لم يستفزّه إلى سائر المرفوعات فيكون أسبقَ بالرَّفعِ ضرورةً. [أمَّا] (٣) بيانُ المقدّمَةِ الأولى (٤) فلأنَّ الواضِعَ كما فرغَ من وضعِ المفاريدِ فقد تَبَيَّنَ أنَّه فَعَلَ ما يَقْتَضِي وَضعَ الفاعِلِ لأنَّه لو حينئذٍ تبيَّن أنَّه وَضَعَ الفعلَ، وَوَضْعُ الفِعلِ يقتَضِي الفاعِلِ ضرورَةَ أن "عن" المقدرةَ فيه تَقْتَضِي ما يَدْخُلُ عَلَيْهِ، وذلِكَ هو الفاعلُ. وأمّا بيانُ المقدّمَةِ الثَّانِيةِ: فلأنَّ الواضِعَ كما فرغَ من وضعِ المفاريدِ، لم يتبيَّن أنَّه فَعَلَ ما يقتضي وَضعَ سائِرِ المَرْفوعاتِ، لأنَّه لَو تَبَيَّنَ حِينَئِذٍ فذلِكَ

стр. 213

المُقْتَضِي لا يَخلو من أن يَكُونَ إحدى الكَلِم الثَّلاث، أو شيئًا آخرَ، لا وَجهَ إلى أن يكونَ شيئًا آخرَ، يَقتضِيهِ الأصْلُ، ولا وجهَ إلى أن يكونَ إحدى الكَلِمِ الثَّلاثِ، لأنَّ الإِسمَ شيءٌ منه لا يقتَضي مرفوعًا -اللَّهم- إلَّا المصدرَ والصّفةُ، وهما لا يَقتضيانه بوضعهما، لأنَّهما لو اقْتَضَيَا بوضعِهِما مرفوعًا لما جازَ إخلاؤُهما في موضعٍ غيرِ ذلك المرفوعِ، ولأنَّه لا مرفوعَ لهما سِوى الفاعلِ بالإِجماعِ. [وكذلك الفعلُ لا مرفوعَ له سوى الفاعلِ] (١). وأمّا الحرفُ فإنَّه لا يخلو من أن يكونَ له اقتضاءُ مرفوعٍ، أو لا يكون، فلئن لم يكن فذاكَ، وإِن كان فالواضعُ كما فَرَغَ من وضع المفاريدِ لم يكن للحرفِ اقتضاءُ مرفوعٍ، لأنَّ الحرفَ حينئذٍ غيرُ موضوعٍ، لأنَّا لا نَعني بالمفاريدِ الاسم والفِعلَ، والواضِعُ كما فَرَغَ إِلى النسبةِ والرابطةِ، والنسبةُ متأخرةٌ عن المنسوبِ والمنسوبِ إليه، فعُلم أنَّ الواضِعَ كما فَرَغَ من وضعِ المفاريد فقد استفزّه إلى وضعِ ما يَدُلُّ على الفاعِل حاجةً لم يستَفِزَّه إلى وَضعِ سائرِ المرفوعاتِ. وأما بيانُ المقدمةِ الثالثةِ (٢): فلأن الواضعَ يتبعُ الحاجةَ. فإن سألتَ: ما الدليلُ على أنَّ (عن) مقدرةٌ في الفعلِ؟ وإن سلَّمنا أنَّها مقدرةٌ، ولكن لِمَ قلتَ إن ذلك يقْتَضِي وَضْعَ الفاعِلِ عُقيبَ فَراغِ الواضعِ عن المفرداتِ؟ ألا تَرى أنَّ "عن" كما هي مقدَّرةٌ بالإِضافةِ إلى الفاعل، فكذلك على مقدرةٌ فيه بالإِضافةِ إِلى المفعولِ، ثُمَّ ذلك لَا يَقْتَضِي، وضعَ المفعول عقبَ فراغِ الواضعِ عن المفرداتِ، ثُمَّ هذا ينتقضُ بالمبتدأ فإنَّه مُسنَدٌ إليه بما ذكرتُه من التفسيرِ وليس هو بفاعلٍ؟ أجبتُ: أمَّا قوله: لم قلتَ: بأنَّ عن مقدرةٌ في الفعلِ؟ فنقولُ: لأنَّا إذا قلنا: ضَرَبَ زيدٌ فمعناه صدرَ الضَّربُ عن زيدٍ، فزيدٌ في التفسيرِ مُقَابلٌ بزيدٍ في المفسّر فَيبقى في طرفِ التفسير

стр. 214

صدورُ (١) الضَّربِ عن، وفي طرف المفسَّر ضرب فيكون ضَرَبَ "صدورُ الضَّربِ عن" ضرورةً. فإنَ سألتَ: ما الدليلُ على أنَّ قولَنا: ضرب زيدٌ معناه (٢): صدور الضرب عن زيدٍ، وهذا لأنَّ المفسّر يبتدئ متعديًا ويَتِمُّ مُتعديًا، بخلافِ التَّفسِيرِ فإِنه يَبتدئُ لازمًا وَيَتمُّ مُتَعَدِّيًا؟ أجبتُ: تفسيرُ الفعلِ مع تفسيرِ الإِسنادِ على وجهِ التفصيلِ بابٌ مفتوحٌ، فبعدَ ذلك لا يخلو من أن يكونَ ما ذكرناه من التفسيرِ مطابقًا لذلك المفسّرِ، أو لا يكونَ، فلئِن (٤) كانَ فذاك، وإن لم يكن قُلنا: هذا القَدرُ من التفاوتِ ساقطٌ عن الدّالِّ عن حدِّ الإِسنادِ، إذ لو لم يكن ساقطًا لانسَدَّ بابُ تفسيرِ الفعلِ مع تفسيرِ الإِسنادِ على وجهِ التَّفصِيلِ ولأنَّه (٥) كما ذَكرنَاه بابٌ مفتوحٌ. بيانه أنه لو لم يَكن ساقطًا ثُمَّ فُسر الفِعلُ بشيءٍ فذلك الشيءُ لا يخلو من أن يكونَ فعلًا، أو لا يكون، لا وجه إلى أن لا يكونَ، لأنَّه حينئذٍ يَلزمُ ما كان من التَّفاوتِ، بل أشنَعَ، فيتعين أن يكونَ فعلًا فلا يخلو من أن يكون متعديًا، أو لا يكون، لا وجهَ إلى أن يكونَ متعديًا، لأنَّ ذلك المُتَعَدِّي لا يخلو من أن يكونَ مطابقًا للفعل المفسَّر به أو لا يكون لا وجهَ إلى أن لا يكونَ لأنَّه حينئذٍ يلزمُ ما ذكرته من المخالفةِ، ولا وجهَ إلى أن يكونَ حينئذٍ لا يَتَفَسَّر الإِسنادُ بطريقِ التَّفصيل، بل يكون ذلك (٦) تمثيلًا إِسنادٍ بإسنادٍ كما لو قيل: ما اللَّيثُ؟ فقلتَ: الأسدُ، فتعيَّن أن يكون غيرَ متعدٍّ، فلا يخلو من أن يكونَ مجهولًا أو غيرَ مجهولٍ، لا وجهَ إلى أن يكونَ مجهولًا، لأنَّه حينَئِذٍ يلزم ما ذكرتُه من المخالفةِ، بل أَقوى، فتعيَّن أن يكون غير [متعدٍّ كما ذَكرناه] (٧) غيرَ

стр. 215

مجهولٍ، فعُلم أنَّ هذا القَدرَ من التفاوتِ لو لم يكن ساقطًا على الدالِّ على حدِّ الإِسناد لانسدَّ بابُ (١) تفسيرِ الفعلِ مع تفسيرِ الإِسنادِ على وجهِ التفصيلِ، وأنَّه مفتوحٌ، وأما قوله: لم قلتَ بأنَّ الواضعَ كما فَرَغَ من وضعِ المفاريدِ، فقد وَضَعَ الفاعلُ، فنقولُ: ضرورةَ أنَّ عن المقدرةَ في الفعلِ لا بُدَّ لَه من شيءٍ يدخُلُ عليه، وأمَّا على المقدرةُ في الفِعل فنقولُ: قِصَّةُ ما ذكرنا من الدليلِ أنَّ الواضعَ كما فَرَغَ من وضعِ المفاريدِ، وضعَ المفعولَ إلَّا أنَّه وَجَدَ المانعَ من ذلك، وهو اعتراضٌ (٢) عن المقدّرةِ مقدَّمةً على "على" المقدَرةِ، فمن (٣) ادَّعى مثلَ ذلك ها هُنا فقد ادَّعى المعارِضَ فعليه الدَّليلُ، وأمَّا قولُهُ بأنَّ هذا ينتقضُ بالمبتدأِ، فإنَّه مسند إليه وليسَ بفاعلٍ، فنقولَ: ما الدليلُ على أنَّ المبتدأِ مسندٌ إليه؟ بل المسندُ إليه في بابِ الابتداءِ ضميرُه، وهذا لأنَّ المسنَدَ إليه هو الذي إليه أضيفَ الفعلُ بعنَ المقدرة، والذي أضيفَ إليه الفعلُ ها هنا ضميرُ المبتدأ لا المبتدأ، أَلا تَرى أنَّك إذا قُلْتَ: زيدُ ضَرَبَ فمعناه: زَيدٌ صَدَرَ الضَّربُ عنه فعن تدخُلُ على ضَمِيرِ زيدٍ، لا على زَيْدٍ نَفْسِه. قالَ جارُ اللَّهِ: والفاعلُ واحدٌ ليس إلَّا. قالَ المشرِّحُ: يريدُ ليسَ إلَّا هذا المذكورَ. قال المُبَرَّدُ: والعربُ تفعلُ ذلك فيما عُرف معناه كقولهم: أتاني زيدٌ ليس إلَّا. أي ليس إلَّا هذا الذي ذكرتُه، ونظيرُه أتاني زيدٌ ليسَ غيرُ، ثم الذي يدلّ على أنَّ الفاعِلَ واحدٌ أنَّ "عن" المقدَّرَةَ لا تدخلُ إلَّا على اسمٍ. فإِن سألتَ: أليسَ الفاعلُ في قولك ضَرَبَ الرَّجلان، وضربَ الرِّجالُ وضربَ زيدٌ وعمرو مُتعدّدًا؟ أجبتُ: المعنِيُّ (٤) بتعدُّدِ الفاعلِ ليس ذلك، بل المعنِيُّ ارتفاعُ اسمين
следующие страницы →