← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وثانيهما: أن بعض القراء (١) قرأ: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ (٢) بالإِمالة، وإنما تُمال الأصلية لا المُبدلة، ولأنهم أمالوا (٣) الأَلف في ﴿هُدًى﴾ من قوله (٤): ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾، ولو كانت هي المبدلة لما جازت إمالتها كما في رأيت عمرًا. ثالثهما: أن ألفَ ﴿هُدًى﴾ كتبت في المصحف بالياء، والمبدلة لا يجوز كتابتها بالياء (٥). حجَّة سيبويه: حمل حال الاشتباه على حال عدم الاشتباه وأمَّا حُجَّة أبي عثمان: فيقول: لم قلت بأن الألف تدل على التنوين في حالين (٦)؟ فلئن قال: قياسًا على صورة النصب قلنا بين الحالتين وحالة النصب فرق، وذلك أن ما قبل التنوين في حالة النصب كما هو مفتوح صورة فهو مفتوح معنى، [أما في الحالتين فغير مفتوح معنى] (٧). أما حجة الإِمامين فنقول: الشعر قسمان مطلق ومقيد وهذا الشعر من قبيل المقيد [والمقيد] (٧) لا حظ له في الحركة والتنوين هذا كما لو قلت مكان سرى شرف. أمَّا قوله بأن بعض القراء قرأ: ﴿سَمِعْنَا فَتًى﴾ بالإِمالة وإنما تمال الألف الأصلية فحديث زور، ألا تراهم يقولون: درست علمًا، والألف هنا هي المبدلة من التنوين، فإذا أمالوا الألف الثابتة في (عمادًا) للألف الممالة

стр. 1472

قبلها فأي شك يبقى لك بعد هذا (١)؟! ولعل الإِمالة فيه لاشتباه الألف المبدلة بالألف المنقلبة. وأمّا قولهم: بأنهم أمالوا الألف في "هدى" من قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ فنقول: إذا أُميل ألف "هدى" فإما أن تكون [ألف] (٢) النار ممالة، أو لا تكون، فلئن كانت ممالة جاز أن تكون الألف في هدى ممالة للمشاكلة كما في ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (٣)، وإن لم تكن ممالة جاز أن تكون الإِمالة لاشتباه الألف المبدلة بالألف المنقلبة، وبالشبه ثبت في الفرع الحكم الثابت في الأصل، فكيف الاشتباه؟! ومن ثمَّ أجاز سيبويه (٤): أين تظن زيدًا ذاهبٌ فألغى الظَنَّ، وإن كان "أين" غير مُستقر، كما جازَ إلغاؤه إذا كان مُسْتَقِرًّا. وأمّا أن كتابة المصحف جوز قياسه [فليس بقياس] (٥) بل سنة متبعة. تخمير: أواخر الأسماء على نوعين، إما صحيحة، وإما معتلة. فالصحيحة على ضربين: مهموزة، وغير مهموزة، وكلا الضربين قد ذكرنا في الوقف أحكامه. والمعتلة على صنفين أيضًا قد أمضينا في الوقف أحكامه وأما ما في آخره ألف [أو واو] (٥) أو ياء ساكن ما قبله أو ألف ممدودة فحكمه حكم الصحيح. قال جارُ الله: " (فصلٌ) والوقف على المرفوع والمنصوب من الفعل الذي اعتلت لامه بإثبات أواخره نحو يغزو ويرمي. وعلى المجزوم،

стр. 1473

والموقوف منه بإلحاق الهاء نحو لم يعزه ولم يرمه ولم يخشه واعزه وارمه واخشه وبغير هاء نحو لم يغز ولم يرم واغز وارم". قال المُشَرِّحُ: الوقف على الفعل المعتل بإثبات آخره، ولا يحذف منه شيء، لأنه ليس مما يلحقه التنوين في الوصل فيحذف منه. وأمَّا المجزومُ والموقوف فيكون الوقف عليه بالهاء نحو لم يغزه واغزه، والهاء -ها هنا- وإن كانت هاء الاستراحة والتبيين إلا أنها جعلت في هذا عوضًا عن المحذوف ومن العرب من يقول: لم يغز واغز بغير هاء مع اجتماع ساكنين. ابنُ السرَّاج (١): وهذه اللُّغة أقلُّ اللِّغَتَيْن. قال جارُ الله: "إلَّا ما أفضى به ترك الهاء إلى حرفٍ واحدٍ فإنه يجب الإِلحاق نحو فه وره". قال المُشَرِّحُ: أمَّا ما يكون على حرفٍ واحدٍ فلا بدّ من الهاء ضرورة أن الابتداء لا يكون إلا بمتحرك والوقف لا يكون إلا على ساكن. قال جارُ الله: " (فصلٌ) وكلُّ واوٍ أو ياءٍ لا تحذف [تحذف] (٢) في الفواصل والقوافي كقوله تعالى (٣): ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾، ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ (٤)، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ (٥)، وقول زهير: ................... وبعـ … ـض القَوْمِ يَخْلق ثمَّ لا يفر"

стр. 1474

قال المُشَرِّحُ: أمَّا إذا كان اسم فإنه لا يخلو من أن يكون منونًا، أو لا يكون فلئن كان منونًا فحكمه ما ذكرنا من أن الأجود فيه حذف الياء ولئن كان غير منون فالأجود إثبات الياء. أما الفعلُ فإنما حذف منه الياء، لأن حالة الوقف مشتبهة بحالة الجزم، وفي حالة الجزم تسقط فكذلك في حالة الوقف. ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ إشارة إلى قوله تعالى (١): ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا [فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا]﴾ (٢). صدر البيت (٣): ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتُ وَبَعْـ … ـضُ القَوْمِ ........... البيت يمدح هرم بن سِنان المري. يقول: إنك بجراءتك وجودة آراءك إذا هممت بأمرٍ مضيت فيه وأتممته. وفي كلام الحجاج: إني لا أهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت، وقول الآخر: * ماضٍ على الهَمّ مقدام الوَغَى بَطَلُ * قال جارُ الله: "وأنشدَ سيبويه (٤): لا يَبعد الله أحبابًا تركتهم … لم أدْرِ بعدَ غَدَاةِ الأَمْسِ ما صَنَعُ أي: ما صنعوا".

стр. 1475

قال المُشَرِّحُ: مِنَ النَّاس مَنْ يُجري القوافي الإِنشاد مُجرى الكلام فيقول (١): * أَقِلّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتَابَنْ * * واسأَلْ بِمَصْقَلَةَ البَكْرِيّ ما فَعَلْ (٢) * في أي كلام كان ما فعل. فإن سألتَ: فإذا أُجري مُجرى الكلام فلم سقط الواو الذي لا يجوز إسقاطه إعرابًا؟!. أجبتُ: إظهارًا للوقف، وهذا، لأن الشعر مسكن الآخر. فإذا قُلت: ما صَنَعُوا لم يُدْرَ أواصلٌ أنت أم واقف؟! فإذا حذفت الواو عُلم أنَّك واقفٌ. ونظير هذه المسألة حَذو القُذة التنوين الغالي، بل هذا أولى من ذلك، لأنَّ حالَ الوَقْفِ أنقص (٣) من حالِ الوَصل. البيت لابن مقبل، وبعده (٤):

стр. 1476

لَوْ سَاوَفَتْنَا بَسَوْفٍ من تَحِيّتِهَا … سَوف العَيُوْفِ لراح الرَّكْب قد قَنِعْ ساوفتنا: بالفاء من السّوف، وهو الشَمُّ، يقول: لو دنت منا فشممنا رائحتها لقنعنا. ويروى: * لو ساعَفَتْنا بسوفٍ من تَحِيَّتها * والمُساعفة والمساعدة من وادٍ واحدٍ والعيوف: الناقة التي تَشمّ الماء ولا تشربه، يريد (١): قد يرضى منها بمقدار الشم وإن منعته ما سواه، والمعنى: إِذا نال منها هذا القدر رضي أصحابه ومن معه من (٢) أجل رضاه. قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وتاء التأنيث في الاسم المفرد تقلب هاء في الوقف نحو غرفة وظلمة". قال المُشَرِّحُ: "في الاسم المفرد" احترازًا عن نحو غرفات وظلمات. قالَ جارُ الله: "ومن العرب من يقف عليها تاء قال: * بل جَوْزتيها كَظَهْرِ الحَجفَتْ *

стр. 1477

قال المُشَرِّحُ: الوقف على التاء لغة حكاها حمزة عن أبي الخطاب. علي بن عيسى: وإنما جاز إبدال الهاء من تاء التأنيث لأن الهاء طرف من أقصى الحلق والهاء تزاد طرفًا لتكون خلفًا من الواو التي هي أختها في الموضوع الذي لا يصح فيه. ومن العرب إذا سكت على الهاء جعلها تاء فقال: هذا طلحت وخبز الذرت. أصحاب اللغة يقولون: "بل" ها هنا بمعنى "رب" ونظيره (١): * بل مَهْمَهٍ قَطَعْتُ بعدَ مَهْمَهِ * جوز كل شيءٍ: وسطه، وجمعه أجواز، يقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب حجفة ودرقة، وجمعها حجف، والمحاجف: المقاتل صاحب الحجفة. وحجفت فلانًا: إذا عارضته ودافعته. قال الإِمام عبد القاهر الجرجاني ويقولون: تهياء كظهر المجن من الملامسة (٢).

стр. 1478

ما قبل البيت: ما بال عين عن كراها قد جَفَت مسبلة تَسْتَنٌ لما عَرَفَتْ دارًا لسلمى بعد حولٍ قد عَفَتْ بل جوزتيها .......... البيت قد جفت، أي: انقطعت عن كراها، وصفها بالأسنان كما وصف السيل بالاعتنان في بيت العراقيات (١): وتسطو كما يعتن في جريانه … أتى إذا مارد ريعانه طغى والاعتنان والاستنان متقاربان. قال جارُ الله: "و "هيهات" إن جُعل مفردًا وقف عليها بالهاء وإلا بالتاء، ومثله في احتمال الوجهين "استأصل الله عِرْقَاتَهُمْ وعِرْقَاتِهِمْ".

стр. 1479

قال المُشَرِّحُ: قد ذكرنا في قسم الأسماء أن "هيهات" تكون مفردًا وجمعًا، فإذا وقفت عليه مفردًا فهو [بالهاء] (١) كغرفة وحجرة، وإذا وقفت عليه جمعًا فهو بالتاء انفسح العرقات العرق. قال جارُ الله: "وقد يجري الوصل مجرى الوقف منه قوله: * مثل الحَرِيْقِ وافقَ القِصَبَّا *" قال المُشَرِّحُ: لهذا وجه من القياس، وهو أن الحرف الذي للإِطلاق لما لم يلزم، لأن في الناس من يجري القوافي في الإِنشاد مجرى الكلام على ما مر آنفًا فلذلك يلزم أن تقول: الأضخم على هذا فلا يطلق، فإذا كان ذلك وجهًا في الإِنشاد علمت أن الحرف الذي للإِطلاق غير لازم، وإذا لم يلزم لم يعتد به، وإذا لم يُعتَدَّ به كان الحرفُ المُشَدَّد كأنَّه الموقوف عليه في الحُكم. ومن إجراء الوصل مجرى الوقف قوله (٢): إن تَبْخَلِي يا هندُ أو تَعْتَلِّي أو تُصْبِحِيْ فِي الظَّاعن المُوَلِّي بِبَازِلٍ وَجْنَاءَ أو عَيْهَلِّ قبل البيت (٣):

стр. 1480

لَقَدْ خَشِيْتُ أَنْ أَرى جِدَبَّا في عامِنَا ذَا بَعد ما أَخصبَّا إذا الدَّبا فوقَ المُتون دبَّا وهبَّت الرِّيحُ له فهبَّا يترك ما أبقى الدَّبا سَبْسَبَّا أو كالحَريقِ وافقَ القَصَبّا والتِّبْنَ والحَلْفَاءَ فالْتَهَبَّا كأنَّه اللَّيلُ إذا اسْلَحَبَّا عنى بالجدبب: الجَدْب فزاد في آخره للضرورة باءين، وهذا كقوله: فُؤَادِدِي … انقَطَعْ وضِرْسِسِي … قَدْ انْقَلَعْ وكقولهم: فطن فطننّ بزيادة نونين، وكذلك عنى بالأخصب: أخصبب فشدده. المتون: جمع متن، وهو المكان فيه صلابة وارتفاع يقول: أَخشى

стр. 1481

أن أَرى هذا العام جدبًا بعد الخصب فإذا دب صغار الجراد وهبّت الرّيح تركت المكان الذي أبقى فيه الجراد شيئًا من النبات أجرد لا شيءَ فيه، لأنها استأصلت النبت وقطعته وحملته من مكان [إلى مكان] (١) آخر. التهبا: أي: التهب. اسلحبَّ الليلُ: إذا امتَدَّ. والمكان إذا ذَهَبَ نباته وتولى خِصبه رُؤي كأنه مظلمٌ. قال جارُ الله: "ولا يختص بحال الضرورة يقولون (٢): ثلثهربعة، وفي التَّنزيل (٣): ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ". قال المُشَرِّحُ: الهاء ها هنا كما نابت عن التاء فكذلك نابت عن الهمزة وأيضًا لتقارب مَخْرجيهما. أما ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ فقد ذكرتُهُ في قسم الحروف. قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتقول في الوقف على غير المتمكنة: أنا بالألف وأنه بالهاء، وهُوْ بالإِسكان، وهوه بإلحاق الهاء [وها هنا] (٤) وها هناه، وهؤلاء، وهؤلاه إذا قُصر". قال المُشَرِّحُ: أنه بإبدال الهاء من الألف لتقارب المخرجين، ومنه الحديث (٥): "فقلتُ مَهْ" وفي حديث حاتم (٦): "هكذا قردي أَنَهْ"، وقال (٧): إذا ما [ترعرعَ] (٨) فينا الغُلَا … مُ فما أن يُقال له من هُوَهْ

стр. 1482

"إذا قصر" معناه: إذا قصر هؤلاء وهؤلاه. وفي "المُقتصد" للإِمام عبد القاهر الجرجاني: أمَّا نحو ها هنا وهؤلا -فيمن قصرها-. الوقف عليه بالألف كألف حبلى، إذ ليس فيه تَنوين فيبدل وبعضهم يقول: ها هناه وهؤلاه ولا يفعلون ذلك بأفعى وأعمى، لأنه في حكم المعرب. قال جارُ الله: "وأكرمتك وأكرمتكه وغلامي وضربني وعلامين وضربنيه بالإِسكان وإلحاق الهاء في من حرَّك في الوصل وعلام وضربن في من أسكن في الوصل، وفي قراءةِ أبي عمرو (١) ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ و ﴿أَهَانَنِ﴾ (٢)، وقالَ الأَعشى (٣): ومِنْ شانِئٍ كاسِفٍ وجهه … إذَا مَا انتَسَبْتُ له أَنْكَرَنْ قال المُشَرِّحُ: من حرَّك الياء في غلامي وضربني فله في الوقف مذهبان: أحدهما: إسكانه كإِسكان سائر الأسماء المتحركة المعربات. والثاني: تبقيته على حركته، لأنَّ الحركة بناء [فهي من نفس الكلمة] (٤)، ومن أسكنها في الوصل قال: غلام تشبيهًا بقاض، ولأن هذه

стр. 1483

الياء على ما يساق إليك (١) نازل منزلة التنوين. ابنُ السرَّاجِ (٢): وترك الحذف أقيس وحذف هذه الياء من الفعل أحسن من حذفها من الاسم، لأنه لا تكون فيه إلا وقبلها نون فالنون يدل عليها ولا لبس فيها في وصلٍ ولا وقفٍ، ومن ثم كثر في القرآن. رجلٌ كاسفُ الوجهِ، أي: عابسٌ. قال جارُ الله: "وضربكم وضربهم وعليهم وبهم ومنه: وضربُهْ بالإِسكان في من ألحق وصلًا أو (٣) حرّك". قال المُشَرِّحُ: اعلم أن في ميم الجمع من عليكم وأنتم وهم إذا انضم ما قبلها لغتان جيدتان: الأولى: وصل الميم بواو وهي قراءة ابن كثير، والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما: أنَّهم يصلونها في التثنية بألف في عليكما ونحوه والجمع أحق بأن يكون على ثلاثة أحرف، لأنه باللفظ الأثقل أحق كما كان في الأسماء الظاهرة من قولك: الزيدان والزيدون وهي في الأفعال الماضية والغابرة كقولك: قاما وقاموا ويقومان ويقومون. والآخر: أنه ثبوت الواو وبعدها بإجماع الجميع إذا اتصل بها مُكَنَّى ولم تقع طرفًا (٤) كقوله (٥): ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ و ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ (٦) ولذلك تضم إذا لقيها ساكن من غيرها ولا تكسر كقوله تعالى (٧): ﴿مِنْهُمُ

стр. 1484

الْمُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ (١) فإذا انكسر ما قبل هذه الميم نحو عليهم وبهم -في لغةِ من يَكسر الهاءِ- ففي وصلها قولان: أحدهُما: وصلُ الميم بواو وهو الأصل لما ذكرنا. والآخر: وصلها بياءٍ اتباعًا لكسرة ما قبلها طلبًا للخفة وذلك لأنَّهم يستثقلون الخُروج من كسرٍ إلى ضمٍّ جدًّا حتى ليس في أُصولهم كلمةٌ على وزن فِعُل. واللُّغة الثانية: إسكان الميم في جميع ذلك. وفي هذه الميم لغة ثالثة رديئة ذكرها بعض الكوفيين وهي ضم الميم بلا واو في ﴿قُمْتُمْ﴾ (٢) ونحوه وكسرها بلا ياء في ﴿عَلِيمٌ﴾ (٣) ونحوه فالوقف على هذه الميم في هذه اللغات الجيدتين والرديئة بإسكان الميم فمنهم من يثبت الواو والياء في الوصل. ومنهم من يُسقطهما ويسكن الميم. والجميع إذا وقفوا [على الميم] (٤) أما في إحدى الجيدتين والرديئة فلأن حال الوقف أنقص من حالِ الوصلِ وأما في اللغة الثالثة فلحصول المقصود. فإن سألتَ: فلم لم يكن الوقف على الياء في غلامي وضربني فيمن أسكن في الوصل؟. أجبتُ: للتَّفرقة بين حالَتي الوقف [والوصل والتفرقة هناك ممكنة لأن السَّاقط ليس من نفس الكلمة أما ها هنا] (٥) فبخلافه. قال سيبويه: يحذف بعض العرب ما بعد الهاء من "عنه"، لأنَّه كره

стр. 1485

التقاء الساكنين كأنه لم يعتد بالهاء بينهما لخفائها والاختيار عنده في هذا الإِتمام. هاء الضَّمير المتصل إذا كان قبلها ضمةٌ أو فتحةٌ فيه ثلاثُ لغات: الأولى -وهي أجودهن-: الضمة وإلحاق الواو بها في الوصل وذلك نحو: ﴿خَلَقَهُو فَقَدَّرَهُ﴾ (١). الثانية: ضم الهاء بغير واو، قال (٢): * لأُعْلِطَنَّهُ وَسْمًا لا يُفَارِقُهُ * وقال (٣): أنا ابنُ كلابٍ وابنُ أوسٍ فمَنْ يَكُنْ … قِنَاعُهُ مَغْطِيًّا فإنّي لَمُجْتَلِي والثالثة: إسكان الهاء هذا ثوبُهْ وغلامُهْ وضربُهْ. قال (٤):

стр. 1486

وأَشْرَبُ المَاءَ ما بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ … إِلَّا لأَنَّ عُيُوْنَهْ سَيْلُ وَادِيْهَا وقال (١): فَبِتُّ لَدَى البَيْتِ الحَرَامِ أُخِيْله … ومِطْوَايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أَرِقَانِ والوقف على كلا النوعين منه بالسكون لما ذكرنا في ميم الجمع. قال جارُ الله: "وهذهْ فيمن قال: هذ هي أمة الله". قال المُشَرِّحُ: هذهْ بالسكون وقف هذ هي وفيها لغة أخرى هذي، فمن ثم قل الشيخ -[﵀] (٢) - فيمن قال: هذ هي أمة الله. قال جارُ الله: "وحتَّامَ وفيمَ وحتَّامَهُ وفِيْمَهْ بالإِسكان والهَاء". قال المُشَرِّحُ: ما الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر سقط ألفها، والعلة في ذلك ما ذكرناه في قسم الأسماء، فإذا وقفت عليه فلك فيه لغتان: إما أن تسكن الميم، وإما أن تبقيها على حالها وتأتي بالهاء، قال ابنُ السَرَّاج (٣): وثبات الهاء أجودُ في هذه الحروف، لأنك حذفت الألف من "ما" فيعوض (٤) منها في الوقف الهاء ويثبتون الحركة.

стр. 1487

قال جارُ الله: "وتَجِيْءُ مه ومثل مه في مجيء م جنت ومثل م أنت بالهاء لا غير". قال المُشَرِّحُ: يريدون: مجيء ما جئت، والمعنى: مجيء أي شيء جئت ومثل ما أنت (١)، والمعنى: أي شيءٍ أنت. قال جارُ الله: " (فصلٌ) والنون الخفيفة تبدل ألفًا عند الوقف نحو قوله تعالى (٢): ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ﴾ ﴿لَنَسْفَعًا﴾، قال الأعشى: * ولا تَعْبُدِ الشَّيطانَ واللهَ فاعبُدَا *" قالَ المُشَرِّحُ: هذا كما تُجعل الألف نونًا في إنشاد بني تميم في نحو قول جرير. والحزم في هذه المسألة أن النون الخفيفة شبيهة بالتنوين والفتحة شبيهة بالنَّصبة، وأنت إذا وقفت على المنصوب المنون وقفتَ عليه بالأَلف كذلك هذا. ما قبل البيت (٣): فإيَّاك والمَيْتات لا تَقْرَبَنَّها … ولا تأخذن سَهْمًا حديدًا لتَفْصِدَا وذا النَّصب والمَنْصُوب لا تَسْلُكَنَّه … ولا تَعْبِدِ ............. البيت كان بعض العرب يأخذ سهمًا يفصد به الناقة ويشرب دمها فحرّم الله عليهم الدَّم إلا عندَ الضَّرورة، والنَّصب: حجرٌ ينصب يذبحون عنده لآلهتهم. ونسك ينسك: إذا ذبح على وجه القُربة.

стр. 1488

قال جارُ الله: "وتقول: هل تضربن يا قوم هل تضربون بإعادة واو الجمع". قال المُشَرِّحُ: إنما أعادوا واو الجمع لأن أصل الكلام: هل تضربون، إلا أنه سقطت هذه النون الدالة على رفعة المضارع استغناءً عنها، وذلك أن المضارع لا يبقى مرفوعًا عند لحاق هذه النون، إنما تسقط واو الجمع فرارًا من التقاء الساكنين فإذا أردت الوقف سقطت هذه النون الخفيفة كما يسقط التنوين في الاسم، من حيث أن كل واحدٍ منهما نون خفيفة تلحق آخر الكلمة، والتَّنوين أقوى لحاقًا بدليل أنه يجب إدخاله في الاسم ولا يَجب إدخال هذه النُّون في الفعل، ولذلك إذا لقي هذه النون ساكنٌ بعدها سقطت كما في قوله (١): لا تُهِنِ الفَقِيْرَ عَلَّكَ أن … تَرْكَعَ يومًا والدَّهرُ قَدْ رَفَعَهْ خلاف التنوين، ثم إذا سقط ذلك الأقوى في حالة الوقف فلأن يسقط هذا الأضعف أولى.

стр. 1489

[بابُ القَسَمِ] قال جارُ الله: "ومن أَصناف المُشترك (القَسَمُ)، ويشترك فيه الاسم والفعل، وهو: جملةٌ فعليةٌ أو اسمية تؤكد بها جملةٌ موجبة أو منفية نحو قولك: حَلَفْتُ بالله وأقسمتُ وآليت وعلمَ الله، ويَعلم الله، ولَعمرك، ولعمر أبيك، ولعمر الله، ويمين الله، وأيم الله، وأيمن الله، وأمانة الله، وعلى عهد الله لأفعلَنّ، أو لا أَفعل". قال المُشَرِّحُ: القسم لا بدَّ له من مُقْسَمٍ به ومُقسم عليه نحو قولك: بالله لأخرجن فالمقسم به هو الله تعالى، وقولك: لأخرجَنَّ هو المقسم عليه. القَسم إذا أجيب لا بدَّ من (١) من أن يكون معه (٢) نون التأكيد كقولك: باللَّه لأفعلنَّ. واللام و"إن" يجاب بها القَسم في مقامِ الإِثبات و"لا" و"ما" يجاب بها في مقام النَّفي كقولك: والله إن زيدًا يخرج، وبالله ما فعلت، ووالله لا أَفْعَلُ. تخمير: إذا وَقَعَ القَسَمُ في حشوِ الكلامِ كان لغوًا. قال الإِمام عبد القاهر الجُرْجَانِيُّ: ومعنى اللَّغو أنه لا يقتضي في الجملة المقسم عليها أن يكون فيها أحدُ هذه الحروف التي ذكرناها مثال ذلك: زيدٌ -والله- خارجٌ، أو زيدٌ -والله- قد خَرَجَ، وإذا تأخر القَسَمُ فلا بد من حذفِ هذه الحروف

стр. 1490

كلها نحو يخرج زيدٌ والله. الذي يدل على أن "عَلِمَ الله" قسم قولهم: عَلِمَ الله لأفعلن فيجاب بما يجاب به القسم في قوله بالله لأفعلن. والمُراد بـ "أمانة الله": ما أودع الله كل إنسان بأصل الفِطْرة من الإِيمان، ولذلك تَرى الناس يحلفون بالإِيْمَان. قال جارُ الله: "ومن شأنِ الجُملتين أن يُنزلا منزلةَ جمل واحدةٍ كجملتي الشَّرط والجَزَاء، ويجوز حذف الثانية ها هنا عند الدلالة بجواز (١) ذلك ثمة". قال المُشَرِّحُ: الجُملة المؤكَّد بها لا تكون كلامًا حتى ينضم إليها الجُملة المؤكِّدة كما أنَّ الشَّرط لا يكون كلامًا حتى ينضم إليه الجَزاء، ويجوز أن تحذف الجُملة الثَّانية في باب القسم كما يُحذف في بابِ الجزاء مثال حذفهما في باب الجَزاء قول من يقول لك: أتذهب معي إلى موضع كذا فتقول له: إن أتيتني، والتقدير: إن أتيتني ذهبتُ مَعَكَ، ومثال حذفهما في القسم قولك لمن يُلقي في التَّهلكة نَفْسَهُ: هَلَكْتَ يارجل وأقسم بالله يعني: وأقسم بالله قد هَلَكْتَ. قال جارُ الله: "والجملة المؤكد بها هي القسم والمؤكدة هي المقسم عليها والاسم الذي يلصق به القسم ليعظم به ويفخم هو المقسمُ به". قال المُشَرِّحُ: معنى هذا الكلام قد مر في أول هذا الصنف. قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولكثرة القسم في كلامهم أكثروا التّصرف فيه وتوخَّوا ضروبًا من التَّخفِيْفِ من ذلك حذف الفعل في بالله، والخبر في لعمرُك وأخواته، والمعنى: لعمرك ما أُقسم به". قالَ المُشَرِّحُ: أمَّا حذف الفعل في "بالله" فتقديره: أحلِفُ بالله. وأما

стр. 1491

حذف الخبر في "لعمرك" فتقديره: لعمرك قسمي. فإِن سألت: كيف (١) يكون المحذوف ذلك والظاهر لا يطابق المحذوف بدليلِ أن الظاهرَ مما لا يتطرق إليه التَّصديق والتكذيب، والمحذوف يتطرق إليه ذلك؟. أجبتُ: لما وقع ذلك المحذوف في مدارج [الطَّي] (٢) والنّسيان صار هذا الظاهر كأنه لا محذوف له ولا مضمر فذهب عن التّصديق والتكذيب. قال جارُ اللهِ: "ونونُ "أيمن" وهمزته في الدّرج ونون"من" و"مُن" وحرف القَسم في "اللهِ" و"اللهَ" بغيرِ عوضٍ وبعوضٍ في: ها الله، وآللَّه، وأفا الله". قال المُشَرِّحُ: أما حذف نون أيمن فنحو: أيمُ الله. وأمَّا حذفُ همزته في الدرج فلأنها جعلت لكثرة الاستعمال همزة وصل روى ذلك عن ابن كيسان وابن درستويه. وأمَّا حذفُ نون "مِن" و "مُن" فلأن "من" "من" يكونان للقَسم بمنزلة الياء، ثم تحذف نوناهما فيقال: مِ الله. ومُ الله على ما يساق إليك بيانه. وأمَّا حذفُ حرفي القسم في اللهِ واللهَ بغير العوض فلأن الأول مجرور بإضمار الباء، والثاني منصوب بحذفه ولا عوض فيهما من المحذوف، وأمّا حذفُها بعوض في ها الله وآللَّه وأفا الله فلأنه أضمر فيه حرف القسم وعوض منه حرف التَّنبيه في أحدهما، وفي الثاني الهمزة مع الألف، وفي الثالث الهمزة مع الفاء. قال جارُ الله: "والإِبدالُ عنها تاءً في تاللَّه وإيثار الفَتحة على الضَّمة (٣) التي هي أعرف في العَمْرِ".

стр. 1492

[قال المُشَرِّحُ: الأصل في القسم الباء ثم الواو ثم التاء. وأما إيثار الفتحة على الضمة التي هي أعرف في العَمر فلأن العَمر] (١) والعُمُر لغتان، والضم فيه أشهر، ثم أنهم آثروا الفتح على الضَمّ في قولهم: لعَمْرُكَ لأنه أخف، كما آثروا الواو المفتوحة على المكسورة. قال جارُ الله: " (فصلٌ) ويتلقى القسم بثلاثة أشياء باللَّام وبإنِّ وبحرفِ النَّفي كقولك: باللَّه لأفعلن، وإنَّك لذاهب وما فعلت ولا أفعل". قال المُشَرِّحُ: جوابُ القسم لا بدَّ أن يكون باللَّام وبـ "إن" في مقام الإِثبات وبـ "ما" و"لا" في مقام النَّفي، ولا يجاب بـ "لم" و"لن". قالَ جارُ الله: "وقد حُذِفَ حرف النَّفي في قولِ الشَّاعِرِ: * تَالله يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ مُبْتَقِلٌ *" قالَ المُشَرِّحُ: إنما يجوزُ حذف حرف النفي؛ لأنه لا يقع بحذفه لبس، وهذا لأن ما كان من المضارع في جوابِ القسم هو موجب لزمه اللام والنون كقولك: واللَّه لأفعلن، فإذا لم يكونا فيه علم أنه غير موجب، ونظير هذا الحَذف حذفهم من "ما زالَ" و "ما فَتِئَ". تَبَقَّلَ الحِمَارُ وابْتَقَلَ أي: رَعَى البَقْلَ هذا البيتُ للهُذَلِيِّ، وتَمامه (٢): * جَوْنُ السَّراةِ رباع سِنُّهُ غَرِدُ * قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وقد أوقعوا موقع الباء بعد حذف الفعل الذي

стр. 1493

ألصقته بالمقسم به أربعة أحرف، الواو والتاء وحرفين من حروف الجر وهما اللام و"من" في قولك: لله لا يؤخر الأجل، ومن ربي لأفعلن رومًا للاختصاص، وفي التاء واللام معنى التعجب، وربما جاءت التاء في غير التعجب واللام لا تجيء إلا فيه، وأنشد سيبويه لعبد مناة الهذلي (١): تالله يَبْقَى على الأَيَّامِ ذُو حَيَدٍ … بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظّيّان والآسُ" قال المُشَرِّحُ: ما قبل البيت: يا مَيُّ إِن سِبَاعَ الأَرْض هَالِكَةٌ … والعُقْرُ والأُدْمُ والأَرْآمُ والنَّاسُ والخُنْسُ لَنْ يُعْجِزَ الأَيَّامَ ذُو حِيَدٍ … .................. البيت وبعده:

стр. 1494

يا مَيُّ لَنْ يُعْجِزَ الأَيَّامَ مُبْتَرِكٌ … في حَوْمَةِ المَوْتِ رَزَّامٌ وفَرَّاسُ الخَنَسُ: تأخر الأَنْفِ عن الوجه مع ارتفاعٍ قليلٍ في الأرنبة، والبَقَرُ كلُّها خنس. قال الأَزهري (١): أراد بذي حَيَدٍ وَعْلًا في قرنه أنابيب ملتوية وروايته فيه كسر الحاء. ويقال الحيد مواضع نواتئ (٢) في قرنه ويروى: "ذو حَيَدٍ" بفتح الحاء والرِّوايةُ الأولى أجودُ وهي المختارة عند البَصريين. والظيان: ياسمين البر. والآس: نقط [العَسَلِ تقع من النحل] (٣) على الحجارة فيستدلون بتلك النقط على مواضع النحل. المُبْتَرِكُ: هو المُعتمد، والمراد به الأَسد. والرَّزَّامُ: هو المُصَوِّتُ، والأَسدُ إذا بَرَكَ على فريسته رَزَمَ. يقول: الآفات التي تقع في الدّهر لا يسلم منها هذا الوَعل الذي في رأس الجبلِ له ما يرعاه وما يشربه والظَّيان والآس إبهام. قال جارُ الله: "وتضم ميم "مِن" فيقال: مُن ربي إنك لأَشِرٌ، قال سيبويه (٤): ولا تَدْخُلُ الضَمَّةُ على "من" إلا ها هنا كما لا تدخل الفتحة في "لدن" إلا مع غدوة". قال المُشَرِّحُ: ذكر سيبويه (٥) أن من العرب من يقول: مُن ربي لأفعلن ومُن ربي إِنك لأشر، ولا يستعمل ضم الميم إلا في القسم، لأنهم جعلوا ضمها دلالة على القسم، لأنهم أبدلوا الواو من الباء دلالة على القسم. قال جارُ الله: "ولا تدخل إلا على ربّي كما لا تدخل التاء إلا على اسم الله وحده، وكما لا تَدخل أيمن إلا على اسم اللهِ والكعبة، وسمع الأخفش مِنَ الله وتربي".

стр. 1495

قال المُشَرِّحُ: سيبويه: لا يدخلون من في غير ربي لا يقولون: مِن الله لأفعلن، وإنما كان (١) ذلك لكثرةِ القَسم فتصرفوا فيه وأكثروا واستعملوا فيه أشياء مختلفة وسماع الأخفش عن المبادلة. قال جارُ الله: "وإذا حذفت نونها فهي كالباء تقول: مِ الله مُ الله". قال المُشَرِّحُ: يقال: مِ الله لأفعلن، وهي من أدوات القسم بمنزلة الواو في والله لأفعلن والتاء في تالله. قال جارُ الله: "ومن الناس من يزعم أنها من أيمن". قال المُشَرِّحُ: قال بعضهم في مِ الله، أصلها من قولهم مِنْ ربّي إِنك لأشر في القسم، حذفت منها النونَ استخفافًا لكثرة استعمالهم إياها في القسم مع الدلالة على اختصاصها به، وبعضهم قال: أصلُها: يَمينُ لقولهم: يمين الله لأفعلن حذفت منها الزَّوائد في هذا الموضع، لأنها كثيرة فيه غير مشكله، ولهذين الوجهين كسر الميم من كسرها. وبعضهم قال: أصلها أيمن الله لأفعلن حذفت منها الزَّوائد لكثرة دورها في القسم خاصةً وهو قول الأكثر، قالوا: ولهذا ضُمت هذه الميم ها هنا. قال جارُ الله: " (فصلٌ) والبَاءُ لأصالتها تَستَبدُّ في غيرها بثلاثة أشياء: بالدُّخول على المُضمر كقولك: به لأَعبُدَنَّه وبك لأَزُوْرَنَّ بَيْتَكَ قالَ: * فَلَا بِكِ ما أُبَالِي … * وبظهور الفعلِ معها كقولك حلفتُ باللَّه، وبالحلف على الرّجل على سبيل الاستعطاف كقولك: باللَّه لما زُرْتَنِي وبحياتك [أَخبرني]، وقال ابنُ هَرْمَة (٢):

стр. 1496

بالله ربِّكَ إن دَخَلْتَ فَقُلْ لَهُ … هذا ابنُ هَرْمَةَ واقفًا بالبابِ وقال: * بِدِيْنِك هَلْ ضَمَمْتَ: إِلَيْكَ نُعْمَى *" قال المُشَرِّحُ: الباء يستعمل معها الفعل كما في مررت يزيد ويترك الفعل معه أيضًا كما في قولك: باللَّه لأخرجن. أمَّا الواوُ فلا يستعمل معها الفعل كما يستعمل مع الباء والسَّبب في ذلك أنَّك إذا قلت: حلفتُ باللَّه احتمل أمرين: أحدهما: أن يكون عقد يمين في الحال. والثاني: أن يكون خبرًا بيمين قد سبقت، فإذا أبدلوا الواو من الباء خلصوا الفعل لعقد اليمين، وهذا كان غرضهم في الإِبدال فوجب أن لا يستعمل معه الفعل حتى لا يَختل ذلك الغرض.

стр. 1497

صدرُ البيت الأول (١): أَلَا نَادَتْ أُمَامَةُ باحْتِمَالٍ … لِتَحْزُنَنِي فَلَا بِكِ مَا أُبَالِيْ تمام البيت الثالث (٢): * وهل قَبَّلْتَ بَعْدَ النَّوْمِ فَاهَا *

стр. 1498

نُعمى -بضم النُّون- اسم امرأةٍ "بعدَ النَّوم" بالنون، وخص ما بعد النوم، لأنَّ الأَفواه تتغير ساعتئذٍ، وفي عراقيات الأَبيوردي (١): إِذا مَضَغَتْ غبّ السُّرَى عودَ إِسْحِلٍ … وفاحَ عَلَمْنَا أنَّ مَشْرَبَهُ عَذْبُ قال جارُ الله: "وتحذف الباء فينتصب المقسم به بالفعل المضمر، قال (٢): * أَلَا رُبَّ من قَلْبِي لَهُ اللَّهَ ناصِحُ * وقال (٣): * فَقُلْتُ يَمِيْنَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا *

стр. 1499

وقال: إذا ما الخُبْزُ تأدمه بِلَحْمٍ … فتِلْكَ أَمَانَةَ اللهِ الثَّرِيْدُ (١) وقد رُوي رفع اليَمين والأَمانة عند الابتداء محذوفي الخَبر". قال المُشَرِّحُ: "يمين الله" وإن كان مما لا يتطرق إليه التصديق والتكذيب و"يمين الله قسمي" يتطرق إليه ذلك لكن الجواب عنه ما مرَّ في الصنف المتقدم. قال جارُ الله: "ويضمر كما يضمر اللام في لاه أبوك". قال المُشَرِّحُ: زعم الخَليل أن قولهم: لاه أبوك ولقيته أمسِ إنما هو للَّه أبوك ولقيته بالأَمس ولكنهم حذفوا الجار تخفيفًا. قال جارُ الله: " (فصلٌ) [وتحذف] (٢) الواو ويعوض منها حرف التنبيه في قولهم: لاها الله وذا، وهمزة الاستفهام في: الله وقطع همزة الوصل في: أفا الله". قال المُشَرِّحُ: عليُّ بن عيسى: إنما جاز دخولها في القسم، لأن "ها" حرف تنبيه يحتاج إليه في المواضع التي يحال في بنائها على غيرها كما احتيج إليه في المبهم والقسم من تلك المواضع، لأنه يحال في بيانه على غيره من الفعل المحذوف منه وهو أحلف ونحوه فاحتيج فيه إلى "ها" لذلك. تخميرٌ: أمَّا "ها" التي في قولك: لاها لله فهي بدل من الباء وليس طريق بدلها من الباء كطريق بدل الواو منها، ولكن "ها" التي للتنبيه تضارع

стр. 1500

الباء من جهة أن الباء موصلة للأفعال، و"ها" لتنبيه المخاطب لما بعدها فصارت موصلة أيضًا إلى ما بعدها فاعرفه [شيئًا] (١) إعرابيًا نقلته اليك بلفظ السلف، والذي يدل على أن هذه الحروف عوض عن الواو أنها لا يجتمع بها ألا ترى أنك إن قلت: أفولله لم يثبت. قال جارُ الله: "وفي لاها الله ذا لغتان، حذف ألف "ها" وإثباتها". قال المُشَرِّحُ: إحدى اللغتين: أن تتصل الهاء باللام، واللغة الثانية أن تفصل بينهما الألف المجردة. قال جارُ الله: "وفيه قولان: أحدهما: قول الخليل، أن "ذا" مقسمٌ عليه، وتقديره لا والله لَلأمرُ ذَا، فحذف الأمر لكثرة الاستعمال ولذلك لم يجز أن يقال عليه فيقال: ها الله أخوك، على تقدير: ها الله لهذا أخوك. والثاني: -وهو قول الأَخفش- أنه من جملة القسم توكيدٌ له كأنَّه قال: ذا قسمي، قال: والدليل عليه أنهم يقولون: لاها الله ذا لقد كان كذا فيجيئون بالمقسم عليه بعده". قال المُشَرِّحُ: إذا قلتَ: لاها الله ذا لقد كان كذا فعلى قول الخليل يقع "لقد كان كذا" تفسيرًا لما أُجمل في هذا الكلام في جواب القسم. وعلى قول الأخفش يكون هو الجواب نفسه، وكأنه حذف الأمر في قول الخليل ليكون حرف التنبيه أقرب إلى اسم الإِشارة وقول الخليل أسوغ وهذا لأنَّك متى أقسمت بشيء فلا حاجة إلى التنبيه بأن ذلك قسمك. قوله: "ولذلك لم يجز أن يقاس عليه" استشهاد على أن الحذف لكثرة الاستعمال لا احتجاج لقول الخليل.

стр. 1501

قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) والواو الأولى في نحو ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (١) للقَسَمِ، وما بعدَها للعَطْفِ كما تَقُول: بالله فاللَّه وبحياتك ثم يحاتك لأفعلن". قال المُشَرِّحُ: في هذه المسألة تنبيه أن واو القسم -في الأصل- هي العاطفة، وإنما خرجت إلى معنى القَسم لكونها موهمة في مثل هذه المواضع للقسم.

стр. 1502

[باب تخفيف الهمزة] قال جارُ الله: "ومن أصناف المشترك (تَخفيف الهمزة). يشترك فيه الأَضرُب الثَّلاثةُ، ولا تُخفف الهمزةُ إلا إذا تَقَدَّمها شيءٌ فإِن لم يتقدمها شيءٌ نحو قولك ابتداء: أب أم إبل فالتحقيق ليس إلا". قال المُشَرِّحُ: تخفيف الهمزة وتحقيقها جائز إلا في نحو أخرج وجاءني وأويدم فالتَّخفيف لغةُ قريش وأكثر أهل الحجاز وهو استحسان، والتحقيق لغة قَيْسٍ وتميمٍ وهو قياس (١). حجة قيسٍ وتميمٍ أن الهمزةَ من حروف المعجم فتأدية الأصل فيها (٢) كتأديته في غيرها. وحجَّةُ قريشٍ وأكثرُ أهلِ الحجازِ أنَّها مستثقلة لخروجها من أقصى الحلق فكأنت كالتَّهوع فتخفف. تخمير (٣): وفيما يخصها من التَّخفيف ثلاثة أوجه: تليينها وهو جعلها بين بين وتفسير بين بين يجيء في هذا الصنف إن شاء الله تعالى.

стр. 1503

وإبدالها وحذفها. والأصل تليينها؛ لأنه تخفيف الهمزة مع استيفائها من وجه ثم إبدالها؛ لأنه إذهاب للهمزة برمتها، وإن كان بعوض ثم حذفها وإن كان ذهاب للهمزة من غير عوض. عدنا إلى كلام الشيخ [﵀] (١) الهمزة لا تخفف إلا إذا كانت مسبوقة بحرفِ فإذا لم يكن فالتحقيق ليس إلا، وذلك لأن تليينها يقربها من السكون، والابتداء بالساكن لا يصحُّ. قالَ سيبويه: لا يجوز أن تُجعل بين بين في التخفيف إلا في موضع يجوز أن يقع في موقعها حرف ساكن، ومما يبين ذلك أن توالي حرفان متحركان في أول بيت نحو (فعولن) حذفوا للخرم المتحرك الأول حتى يصير [(فعول) عولن] (٢)، وقد توالى في (متفا) من (متفاعلن) ثلاث متحركات فلم يخرموه لما كان الثاني من متفاعل [ثلاث متحركات فلم يجزموه لما كان الثائي من (متفا)] (٣) قد سكن للزُّحاف فإذا سكن للزُّحاف لزمه أن يبتدئ بساكنٍ فإذا كانوا قد رَفَضُوا ما يؤدي إلى الابتداء في التقاء الساكنين (٤) فلأنْ يَرفُضُوا الابتداء بالساكن نفسه أولى. فإن سألتَ: فكيف لا تخفف إبدالها وحذفًا؟. أجبتُ: أمَّا الإِبدالُ فلأنه لا يكون إلا في همزةً ساكنةً أو متحركةً ما قبلها مدّةٌ أو مفتوحةً ما قبلها مكسورٌ أو مضمومٌ على ما يساق إليك، وكل ذلك منتفٍ ها هنا. أمَّا الحَذْفُ فلا يكون إلا إذا تقدمها ساكنٌ وذلك أيضًا ها هنا غير موجود. قال جارُ الله: "وفي تخفيفها ثلاثةُ أوجهٍ، الإِبدالُ، والحَذْفُ، وأن

стр. 1504

تُجعل بين بين، أي: بين مخرجها وبين مخرج (١) الحَرف الذي (٢) منه حركتها". قال المُشَرِّحُ: سميت (٣) بين بين لضعفها قال عَبِيْد بن الأبرص (٤): نَحْمِي حَقِيْقَتِنَا وَبَعضُ القَوْمِ يَسْقُطُ بَيْنَ بَيْنَا الجوهري (٥): أي: يتساقط ضَعْفًا غير [معتَدٍّ] (٦) به، كأنه بين الحي والميت فإذا كانت الهمزة مفتوحة جعلت الألف بين الألف والهمزة، وإن كانت مكسورة جعلت بين الياء والهمزة (٧). قال جارُ الله: "ولا تخلو [إما] (٨) أن تقعَ ساكنةً فيبدل منها الحرف الذي منه حركة ما قبلها كقولك: راس وقرات و ﴿إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ (٩) وبير وجيت ﴿والّذيِتُمِنَ﴾ (١٠) ولؤم وسؤق و ﴿يَقُولُوذَنْ﴾ (١١) ". قال المُشَرِّحُ: الهمزة إذا كانت ساكنةً وما قبلها متحرك أبدل منها الحرف الذي منه حركة ما قبلها وذلك نحو رأس فإن الهمزة فيه ساكنة وما قبلها مفتوحٌ فيبدل منها ألف؛ لأن حركة ما قبلها وهي الفتحة من الألف. ونحو بئر فإن الهمزةَ فيه ساكنةٌ وما قبلها مكسورٌ فيبدل منها ياءً؛ لأن حركة

стр. 1505

ما قبلها وهي الكسرة من الياء. ونحو لؤم فإنَّ الهمزةَ فيه ساكنةٌ وما قبلها مضمومٌ فيبدل منها واو؛ لأن حركة (١) ما قبلها وهي الضمة من الواو. فإن سألتَ: فلم لا تُجعل الهمزة ها هنا بين بين [أو] (٢) تحذف؟. أجبتُ: أما جعلها بين بين فغير ممكن؛ لأنه لا حركة فيها. وأما حذفها فلأن الإِبدالَ أسهلُ منه. قال جارُ الله: "وإما أن تقع متحركةً ساكنًا ما قبلها فينظر إلى الساكن فإن كان حرفَ لينٍ نظر فإن كان ياءً أو واوًا مدَّتين زائدتين أو ما يشبه المدّة كياء التَّصغير قلبت إليه، وأُدغم فيها كقولك: خطيَّة ومقروَّة وأُفَيَّسٌ [تصغير أفؤس] ". قال المُشَرِّحُ: الهمزةُ إذا كانت متحركةً لا تخلو من أن يكون ما قبلها ساكنًا أو لا يكون، فلئن كان ساكنًا فلا يخلو من أن يكون مدّة أو لا يكون، فلئن كان مدة لا يخلو من أن يكون ياء أو واوًا أو ألفًا، فإن كان ياءً أو واوًا قلبت إليه وأدغم فيها كقوله: خطيَّة ومقروَّة. فإن سألتَ: فكيف لم تحذف الهمزة ها هنا وتلقى على ما قبلها حركتها كما في مسألة: مَنَ ابوك. أجبت: لأنَّ (٣) ما قبل الهمزة مدة قابلة للسكون بخلاف واو ﴿لَوِ أسْتَطَعْنَا﴾ (٤) ليست للتصغير، وكذلك أُفَيّسٌ تصغير أفؤُس جمع فاسٍ. فإن سألتَ: فما قبل الهمزة في أُفيَّس يشهد أن الياء فيها ليست بهذه،

стр. 1506

لأن المدة وهي حرف من حروف اللّين إذا كان ما قبلها من جنسها؟. أجبتُ: المعنى بالمدة ما كانت مدةً حقيقيةً زائدةً، أو جاريةً مجرى المدّة، وياء التَّصغير جاريةً مجرى المدة لوجوه: أحدها: أن ياءَ التَّصغير ساكنةً أبدًا غير إلحاقية، وهي زائدةٌ، وكانت بمنزلة المَدة فيما ضربناه من المسألتين، ويشهد لكونها بمنزلة المدة أن التصغير بمنزلة التكسير على ما مضى في صنف التَّصغير بيانه، والياء في دريهم بمنزلة الألف في دراهم. الثاني: أنهم كسروا كُعيتًا وخُميلًا على كعتان وخملان، كما كسروا وليدًا وظليمًا على ولدان وظلمان. الثالث: أنهم أجروا ياءَ خُوَيْصّة مجرى المدة في جواز التقاء الساكنين [بخلاف ما لو] (١) كانت الياء المفتوح ما قبلها في غير المصغر لم يجز أن يقع بعده المُدغم، لأنه جمع بين ساكنين. فإن سألتَ: فكيف لم تلين ها هنا الهمزة أو لم تحذف؟. أجبتُ: أما التَّليين فغيرُ ممكنٍ ها هنا لأن تليينها على ما ذكرناه بمنزلة تسكينها وتسكينها غير ممكن ها هنا. أما الحَذفُ فلأنَّ القلب أهون بليتين. قال جارُ الله: "وقد التزم ذلك في نَبِيّ وبريّة". [قال المُشَرِّحُ: "إنما التزم ذلك لكثرة دورهما في الشعر"] (٢). قال جارُ الله: "وإن كان ألفًا جعلت بين بين كقولك: تَساأل وتَساؤل، وقايل". قال المُشَرِّحُ: إن كان ما قبل الهمزة ألفًا جُعلت بين بين.

стр. 1507

فإن سألتَ: أليس (١) يلزم من ذلك التقاء الساكنين حكمًا. أجبتُ: بلى لكن لضرورة، وهذا لأنه لا حذف ها هنا ولا إبدال فتعين جعلها بين بين. أمّا أنه لا حذف فلأن الحذف إنما يكون حيث يقبلُ ما قبلَ الهمزةِ، الحركةُ وما قبل الهمزة ها هنا الألف، والألف لا تَقبل الحركة. أمّا أنه لا إبدال، فلأن الإِبدال إنما يكون في موضعين: أحدهما: أن تسكن الهمزة ويتحرك ما قبلها. والثاني: أن تتحرك الهمزة وما قبلها مدة غير الإِدغام أو ما قبلها مضموم أو مكسور ليلزم الإِبدال فوقع التعارض [بين] ما ذكرنا [من الدليل، وبين] (٢) ما ذكرتموه فلا بد من التَّرجيح، والتَّرجيح (٣) بما ذكرناه؛ لأن الهمزة ها هنا وإن كانت ساكنةً حكمًا فهي متحركةٌ حقيقةً، ألا ترى أنه يعتدونه (٤) في الوزن حرفًا متحركًا بدليلِ قولِ كُثَيِّرٍ (٥): أَأَنْ زُمّ أَجْمَالٌ وفَارقَ جِيْرَةٌ … وصاحَ غُرَابُ البَيْنِ أنتَ حزينُ وهذا لأن وزن قولك: "أإن زَمّ" في العروض (فعولن). قال جارُ الله: "وإن كان حرفًا صحيحًا أو ياءً أو واوًا أصليتين أو مزيدتين لمعنى أُلقيت عليه حركتها وحذفت كقوله مسلة والخبء ومن بوك وكم بلك وجيل وحوبه وأبويوب وذومرهم وأبتغي مره وقاضوبيك". قال المُشَرِّحُ: إنما تحذف الهمزة ها هنا، لأن التليين والإِبدال فيها غيرُ

стр. 1508

ممكنين. أمَّا التليين فلسكون ما قبلها، وأما الإِبدال فلأنه إنما يكون بالحرفِ الذي منه حركة ما قبلها ولا حركةَ لما قبلها لأنه ساكنٌ. قال جارُ الله: "وقد التزم ذلك في باب أرى وترى ويرى". قال المُشَرِّحُ: "العلة في التزام الحذف ها هنا ما ذكرناه في نبي وبرية". قال جارُ الله: "ومنهم من يقول المراه والكماه فيقلبها ألفًا، وليس بمطردٍ، وقد رآه الكوفيون مطردًا". قال المُشَرِّحُ: وفيه وجهان: أحدهما: أنه نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها [فتحرك] وبقيت الهمزة ساكنة حتى صارت بمنزلة همزة رأس فقلبت ألفًا. الثاني: أنه أجرى الساكن لمجاورة المتحرك مجرى المُتحرك ومن (١) ثمَّ أجاز سيبويه الإِمالة وتركها في مصباح ومقلات. أمَّا تركُها فلمجاورة الحرف المستعلي وهو الصَّاد والقاف والفتحة الواقعة بعدهما فصارا كأنهما صباح وقلات بالفتح، وذلك مما لا يجوز إمالته ها هنا. أمّا الإِمالة فلمجاورة الضّاد والقاف والكسرة الواقعة قبلها فصارا كأنهما صباح وقلات فتقدر الفتحة على الهمزة كأنها على ما قبلها فيصير بمنزلة رأس تجعلها بين بين. [تخمير: اعلم (٢) أن جعل الهمز بين بين] (٣) من أنواع التخفيف، وذلك لا يكون إلا في الهمزة المتحركة؛ لأن الهمزة إذا جُعلت بين بين فقد

стр. 1509

جُعلت بين الساكن والمتحرك وذلك إنما يقع تخفيفًا إذا كانت الهمزة متحركة، أما إذا كانت ساكنة ثم جعلت بين بين فذاك يقع تثقيلًا لا تخفيفًا، وكما لا يكون ذلك إلا في الهَمزة المتحركة لا يكون أيضًا إلا في المتحرك ما قبلها، ضرورة أن الهمزة إذا جُعلت بين بين فقد جُعلت بمنزلة الساكن فإذا كان ما قبلها ساكنًا أيضًا لزم من ذلك اجتماع الساكنين لا على حدّه وذلك لا يجوز (١). فأقول: الهمزة المجعولة بين بين على سبعةِ أضرب: وذلك أن الهمزة إذا تحركت وتحرك ما قبلها فإما أن تكون الهمزة مفتوحة وما قبلها مفتوح أو مكسور أو مضموم فيجوز جعلها بين بين [بمنزلة جعلها ألفًا، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، ولا يجوز جعلها بين بين] (٢) فيما إذا كان ما قبلها مكسورًا أو مضمومًا. وإما أن تكون الهمزة مكسورة وما قبلها مكسور أو مضموم أو مفتوح فيجوز في هذه الصور جعلها بين بين وذلك: من عند ابك وسئل وسيم إلا عند الأخفش في المكسورة المضموم ما قبلها فإنه لا يجعلها بين بين وإنما يقلبها ياءً محضةً. وأما أن تكون الهمزة مضمومة قبلها مضموم أو [مكسور أو مفتوح] (٣) نحو هذا عبد أختك ويستهزئون ولؤم فيجوز في هذه الصور أيضًا جعلها بين بين إلا عند الأخفش في المضمومة المكسور ما قبلها فإنه يقلبها ياء محضة. احتج الأخفش (٤) بأن الألف لما لم تفتح بعد الكسرة والضمة الحقو بالألف في هذا الباب ما يقاربها وهو الهمزة المفتوحة المجعولة بين بين، فلم يوقعوها بعد الضمة والكسرة، وكذلك الواو الساكنة لما لم تقع بعد

стр. 1510

المكسورة لم يقع بعدها أيضا ما يقاربها وهي الهمزة المضمومة المجعولة بين بين، وهكذا تقول في الهمزة المكسورة بعد الضمة بأن الياء الساكنة المكسورة لما لم تقع بعد الضمة لم يقع بعدها أيضًا ما يقاربها وهي الهمزة المكسورة المجعولة بين بين. حجَّةُ سيبويه والخليل أن إيقاع الألف بعد الكسرة والضمة ممتنع، وأمّا إيقاع الواو الساكنة بعد الياء أو الياء الساكنة بعد الواو فغيرُ ممتنع. واحتجاج الأخفش أقوى. قال جارُ اللَّه: "وأما أن تقع متحركة متحركًا ما قبلها فتجعل بين بين كولك: سأل ولؤم وسئل". قال المُشَرِّحُ: الهمزة إذا وقعت متحركة متحركًا ما قبلها جعلت بين بين. فإن سألتَ: فكيف لم تُقلب أو لم تُحذف؟ أجبتُ: لأنَّ الأصلَ في تخفيف الهمزة هو [التليين] (١) على ما ذكرناه في أول الصنف. قال جارُ اللَّهِ: "إلا إذا انفتحت وانكسر ما قبلها أو انضم فقلبت ياء أو واوًا محضة كقولك: مير وجون". قال المُشَرِّحُ: الهمزة (٢) إذا وقعت مفتوحة وما قبلها مكسور أو مضموم قلبت ياءً أو واوًا، لأنها لو جعلت كما هو مذهب يونس وأكثر النحويين بين بين لصارت بمنزلة الألف، والألف لا يكون قبلها الا مفتوحًا. فإن سألتَ: فهلًّا كان تخفيف الهمزة في سئل أن تقلبها واوًا كما إذا
следующие страницы →