لأن المدة وهي حرف من حروف اللّين إذا كان ما قبلها من جنسها؟.
أجبتُ: المعنى بالمدة ما كانت مدةً حقيقيةً زائدةً، أو جاريةً مجرى المدّة، وياء التَّصغير جاريةً مجرى المدة لوجوه:
أحدها: أن ياءَ التَّصغير ساكنةً أبدًا غير إلحاقية، وهي زائدةٌ، وكانت بمنزلة المَدة فيما ضربناه من المسألتين، ويشهد لكونها بمنزلة المدة أن التصغير بمنزلة التكسير على ما مضى في صنف التَّصغير بيانه، والياء في دريهم بمنزلة الألف في دراهم.
الثاني: أنهم كسروا كُعيتًا وخُميلًا على كعتان وخملان، كما كسروا وليدًا وظليمًا على ولدان وظلمان.
الثالث: أنهم أجروا ياءَ خُوَيْصّة مجرى المدة في جواز التقاء الساكنين [بخلاف ما لو] (١) كانت الياء المفتوح ما قبلها في غير المصغر لم يجز أن يقع بعده المُدغم، لأنه جمع بين ساكنين.
فإن سألتَ: فكيف لم تلين ها هنا الهمزة أو لم تحذف؟.
أجبتُ: أما التَّليين فغيرُ ممكنٍ ها هنا لأن تليينها على ما ذكرناه بمنزلة تسكينها وتسكينها غير ممكن ها هنا. أما الحَذفُ فلأنَّ القلب أهون بليتين.
قال جارُ الله: "وقد التزم ذلك في نَبِيّ وبريّة".
[قال المُشَرِّحُ: "إنما التزم ذلك لكثرة دورهما في الشعر"] (٢).
قال جارُ الله: "وإن كان ألفًا جعلت بين بين كقولك: تَساأل وتَساؤل، وقايل".
قال المُشَرِّحُ: إن كان ما قبل الهمزة ألفًا جُعلت بين بين.
стр. 1507
فإن سألتَ: أليس (١) يلزم من ذلك التقاء الساكنين حكمًا.
أجبتُ: بلى لكن لضرورة، وهذا لأنه لا حذف ها هنا ولا إبدال فتعين جعلها بين بين. أمّا أنه لا حذف فلأن الحذف إنما يكون حيث يقبلُ ما قبلَ الهمزةِ، الحركةُ وما قبل الهمزة ها هنا الألف، والألف لا تَقبل الحركة. أمّا أنه لا إبدال، فلأن الإِبدال إنما يكون في موضعين:
أحدهما: أن تسكن الهمزة ويتحرك ما قبلها.
والثاني: أن تتحرك الهمزة وما قبلها مدة غير الإِدغام أو ما قبلها مضموم أو مكسور ليلزم الإِبدال فوقع التعارض [بين] ما ذكرنا [من الدليل، وبين] (٢) ما ذكرتموه فلا بد من التَّرجيح، والتَّرجيح (٣) بما ذكرناه؛ لأن الهمزة ها هنا وإن كانت ساكنةً حكمًا فهي متحركةٌ حقيقةً، ألا ترى أنه يعتدونه (٤) في الوزن حرفًا متحركًا بدليلِ قولِ كُثَيِّرٍ (٥):
أَأَنْ زُمّ أَجْمَالٌ وفَارقَ جِيْرَةٌ … وصاحَ غُرَابُ البَيْنِ أنتَ حزينُ
وهذا لأن وزن قولك: "أإن زَمّ" في العروض (فعولن).
قال جارُ الله: "وإن كان حرفًا صحيحًا أو ياءً أو واوًا أصليتين أو مزيدتين لمعنى أُلقيت عليه حركتها وحذفت كقوله مسلة والخبء ومن بوك وكم بلك وجيل وحوبه وأبويوب وذومرهم وأبتغي مره وقاضوبيك".
قال المُشَرِّحُ: إنما تحذف الهمزة ها هنا، لأن التليين والإِبدال فيها غيرُ
стр. 1508
ممكنين. أمَّا التليين فلسكون ما قبلها، وأما الإِبدال فلأنه إنما يكون بالحرفِ الذي منه حركة ما قبلها ولا حركةَ لما قبلها لأنه ساكنٌ.
قال جارُ الله: "وقد التزم ذلك في باب أرى وترى ويرى".
قال المُشَرِّحُ: "العلة في التزام الحذف ها هنا ما ذكرناه في نبي وبرية".
قال جارُ الله: "ومنهم من يقول المراه والكماه فيقلبها ألفًا، وليس بمطردٍ، وقد رآه الكوفيون مطردًا".
قال المُشَرِّحُ: وفيه وجهان:
أحدهما: أنه نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها [فتحرك] وبقيت الهمزة ساكنة حتى صارت بمنزلة همزة رأس فقلبت ألفًا.
الثاني: أنه أجرى الساكن لمجاورة المتحرك مجرى المُتحرك ومن (١) ثمَّ أجاز سيبويه الإِمالة وتركها في مصباح ومقلات.
أمَّا تركُها فلمجاورة الحرف المستعلي وهو الصَّاد والقاف والفتحة الواقعة بعدهما فصارا كأنهما صباح وقلات بالفتح، وذلك مما لا يجوز إمالته ها هنا.
أمّا الإِمالة فلمجاورة الضّاد والقاف والكسرة الواقعة قبلها فصارا كأنهما صباح وقلات فتقدر الفتحة على الهمزة كأنها على ما قبلها فيصير بمنزلة رأس تجعلها بين بين.
[تخمير: اعلم (٢) أن جعل الهمز بين بين] (٣) من أنواع التخفيف، وذلك لا يكون إلا في الهمزة المتحركة؛ لأن الهمزة إذا جُعلت بين بين فقد
стр. 1509
جُعلت بين الساكن والمتحرك وذلك إنما يقع تخفيفًا إذا كانت الهمزة متحركة، أما إذا كانت ساكنة ثم جعلت بين بين فذاك يقع تثقيلًا لا تخفيفًا، وكما لا يكون ذلك إلا في الهَمزة المتحركة لا يكون أيضًا إلا في المتحرك ما قبلها، ضرورة أن الهمزة إذا جُعلت بين بين فقد جُعلت بمنزلة الساكن فإذا كان ما قبلها ساكنًا أيضًا لزم من ذلك اجتماع الساكنين لا على حدّه وذلك لا يجوز (١).
فأقول: الهمزة المجعولة بين بين على سبعةِ أضرب: وذلك أن الهمزة إذا تحركت وتحرك ما قبلها فإما أن تكون الهمزة مفتوحة وما قبلها مفتوح أو مكسور أو مضموم فيجوز جعلها بين بين [بمنزلة جعلها ألفًا، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا، ولا يجوز جعلها بين بين] (٢) فيما إذا كان ما قبلها مكسورًا أو مضمومًا. وإما أن تكون الهمزة مكسورة وما قبلها مكسور أو مضموم أو مفتوح فيجوز في هذه الصور جعلها بين بين وذلك: من عند ابك وسئل وسيم إلا عند الأخفش في المكسورة المضموم ما قبلها فإنه لا يجعلها بين بين وإنما يقلبها ياءً محضةً.
وأما أن تكون الهمزة مضمومة قبلها مضموم أو [مكسور أو مفتوح] (٣) نحو هذا عبد أختك ويستهزئون ولؤم فيجوز في هذه الصور أيضًا جعلها بين بين إلا عند الأخفش في المضمومة المكسور ما قبلها فإنه يقلبها ياء محضة.
احتج الأخفش (٤) بأن الألف لما لم تفتح بعد الكسرة والضمة الحقو بالألف في هذا الباب ما يقاربها وهو الهمزة المفتوحة المجعولة بين بين، فلم يوقعوها بعد الضمة والكسرة، وكذلك الواو الساكنة لما لم تقع بعد
стр. 1510
المكسورة لم يقع بعدها أيضا ما يقاربها وهي الهمزة المضمومة المجعولة بين بين، وهكذا تقول في الهمزة المكسورة بعد الضمة بأن الياء الساكنة المكسورة لما لم تقع بعد الضمة لم يقع بعدها أيضًا ما يقاربها وهي الهمزة المكسورة المجعولة بين بين.
حجَّةُ سيبويه والخليل أن إيقاع الألف بعد الكسرة والضمة ممتنع، وأمّا إيقاع الواو الساكنة بعد الياء أو الياء الساكنة بعد الواو فغيرُ ممتنع. واحتجاج الأخفش أقوى.
قال جارُ اللَّه: "وأما أن تقع متحركة متحركًا ما قبلها فتجعل بين بين كولك: سأل ولؤم وسئل".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة إذا وقعت متحركة متحركًا ما قبلها جعلت بين بين.
فإن سألتَ: فكيف لم تُقلب أو لم تُحذف؟
أجبتُ: لأنَّ الأصلَ في تخفيف الهمزة هو [التليين] (١) على ما ذكرناه في أول الصنف.
قال جارُ اللَّهِ: "إلا إذا انفتحت وانكسر ما قبلها أو انضم فقلبت ياء أو واوًا محضة كقولك: مير وجون".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة (٢) إذا وقعت مفتوحة وما قبلها مكسور أو مضموم قلبت ياءً أو واوًا، لأنها لو جعلت كما هو مذهب يونس وأكثر النحويين بين بين لصارت بمنزلة الألف، والألف لا يكون قبلها الا مفتوحًا.
فإن سألتَ: فهلًّا كان تخفيف الهمزة في سئل أن تقلبها واوًا كما إذا
стр. 1511
كانت مفتوحة في نحو جون والتودة وفي المنفصل هذا غلاموبيك؟
أجبتُ: إنما لزم (١) قلبها فيما ذكرته من الصور واوًا، لأنك في التخفيف لا تخلو من أن تقلبها واوًا أو تجعلها بين بين، ولم يصح أن تجعلها فيها بين بين، لأن ما قبل الهمزة المجعولة بين بين لا يكون مضمومًا، كما لا يكون ما قبل الألف كذلك فأخلصتها واوًا إذا [انضم] (٢) ما قلبها وياءً إذا انكسر ما قبلها بخلاف نحو سئل فإنه لم يمتنع فيه أن يجعلها بين بين، لأن في الكلام ياءً مكسورًا ما قبلها. ضمة نحو صيد في هذا المكان وحيى فيه وحيى باللام.
قال جارُ اللَّهِ: "والأخفشُ يقلِبُ المضمومةَ المكسور ما قبلها ياءً فيقول: يستهزيون".
قال المُشَرِّحُ: احتج الأخفش (٣) بأنه لا حذف ولا تليين للهمزة بجعلها بمنزلة التقاء الساكنين فيلزم التقاء الساكنين.
حجَّة غيره من وجه هو (٤) بمنزلة يقتضي ومن وجه آخر بمنزلة القوم (٥) يقتضون فلا يجوز.
قال جار اللَّه: "وقد يُبدل منها حرف اللين فيقال: منساة، ومنه قول الفرزدق:
* فارْعَيْ فَزَارَةَ لا هَنَاكِ المَرْتَعُ *
وقول حسَّان:
стр. 1512
* سألَتْ هُذَيْل رَسُوْلَ اللَّهِ فاحِشَةً *
وقول ابنه عبد الرّحمن:
* يُشَجِّجُ رَأْسُهُ بالفِهْرِواجِيْ *"
قال المُشَرِّحُ: الهمزة إذا وقعت متحركةً متحركًا ما قبلها فإنها (١) تقلب إلى الحرف الذي منه حركة ما قبلها، لكن الأصل منها هو التَّليين. في قراءَة الحسن (٢) ﴿أَنْبِيْهُمْ بِأَسْمَايِهْمِ﴾ بمنزلة أعطيهم، وتقول العرب: قريت وتوضيت (٣) ونحو (٤) ﴿أن تبويا﴾ قال ابن جني (٥): وهذا ضعيف في اللغة، لأنه بدل لا تخفيف، والبدل لا يجوز عندنا إلا في ضرورة الشعر.
صدر بيت الفرزدق (٦):
стр. 1513
راحت بمسلمة البغال عشية … فارعي فزارة ............ البيت
قبله:
نزع ابن بشر وابن عمرو قبله … وأخو هراة لمثلها يتوقع
ابن بشرُ: هو عبد الملك [بن بشر] (١) بن مروان، عزل عن البصرة وكان أميرها، وابن عمرو هو سعيد بن عمرو بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص عزل عن الكوفة وسار مسملة عن العراق إلى الشّام وقد ولى عمر بن هُبيرة الفَزَارِيّ وقال بعضُ الرُّواة: هو محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة أخو هراة سعيد بن الحارث بن الحكم.
تمامُ بين حسان (٢):
стр. 1514
* ضَلَّتْ هُذَيْلُ بما قَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ *
أَبو سَعِيْدٍ السِّيرافي: الفاحشة التي سألت هذيل رسول اللَّهِ ﷺ : هي أن يُبيح لهم الزّنا.
ما قبل البيت الذي لعبد الرحمن (١):
فأَمّا ذِكْرُكَ الخُلفاءَ مِنْكُمْ … فَهُمْ مَنَعُوا وَرِيْدَكَ من وِدَاجِي
ولَولاهم لَكُنْتَ كَعَظْمِ حُوْتٍ … هوى في مُظلم الغَمَرَاتِ دَاجِي
وكُنْتَ أذلُّ من وَتِدٍ بقاعٍ … يُشَجَّجُ .............. البيت
يهجو عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص. يقول: لولا أن الخلفاء منكم لَوَدَجْتُ في (٢) حلقك وإلا (٣) لكنت كعظم سمكة وقع في البحر لا يشعر به. والغمرة من الماء قدر ما يغمر الرّجل.
стр. 1515
قال جارُ اللَّهِ: "قال سيبويه: وليس بقياس متلئب، وإنما يحفظ عن العرب كما يحفظ الشيءَ الذي تبدل التاء من واوه نحو أَتْلَجَ".
قال المُشَرِّحُ: يقول [الشيخ] (١): كما أن إبدال التاء من الواو غير كثير فكذلك الإِبدال من هذه الهمزة.
فإن سألتَ: فكيف تصنع مع هذا التّضييق الشّديد بما حشى به أشعار المتقدمين والمتأخرين من تخفيف الهمزة نحو:
* لَمْ يُنْسِهِ عن عِنَانِ الحالِ أَخبارُ *
إنما (٢) هو لم ينسئه بالهمز، وبيت السقط (٣):
* أَدْنَى الفَوَارِسَ مَنْ يُغِيْرُ لِمَغْنَمِ *
وإنما أدنا من الدّناءة، ومنه بيتُ أبي تمام (٤):
كَلِفٌ بربِّ الحَمْدِ يَزعُمُ أنّه … [لا يُبْتَدَى بدءٌ] إذا لم يُتْمَمِ
وهو من ابتدأ الأمر وفي "الحَمَاسة" (٥):
وحَسْبُكَ من ذلٍّ وسُوءِ صَنِيعَةٍ … مُناوَاة ذي القُربى وأَنْ قِيْلَ قاطِعُ
وفي الحديث (٦): "إنه أُتي بأسيرٍ يَرْعُدُ فقال: أَدْفُوْهُ" وعليه
стр. 1516
﴿تَأْكُلُ مَنْسَاتَهْ﴾ (١) على قراءة [من] (٢) قرأها بقلب الهمزة ألفًا، و ﴿قَدْ كَانَ لِسَبَا﴾ (٣) وفي قراءة الزُّهري (٤): ﴿وَبَدَا خَلْقَ الإنْسَانَ﴾، ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يَبْدَا﴾ (٥) كيَسْعَى، وفي لُغة أهل المدينة بَدَيْنَا كسعينا؟.
أجبتُ: ذلك المحصول على لغةِ قريشٍ، وعن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: قرأت القرآن على مُجاهد وسعيد بن جُبير، وهما قرآ على ابن عباس، وقرأ ابن عباس على أُبي بن كعب، وقرأ أُبي على النَّبي ﷺ [وسلم] وأُبي ليس يحفظ عن النبي [ ﷺ ] ولا عن أحدٍ من قُريش أنه همز؛ لأنَّ الهمزَ ليس من شأنها وفيه أيضًا من علامة الإِسنادية ترك الهمزة يعني [في المحراب] (٦).
قال جارُ اللَّهِ: " (فصل) وقد حذفوا الهمزة في كُل ومُر وخُذ حذفًا غير قياسي ثم التزموه في اثنين دون الثالث، ولم يقولوا أوخذ ولا أوكل، قال تعالى (٧): ﴿وامُرْ أَهْلَكَ﴾.
قال المُشَرِّحُ: المراد "باثنين" "وكل" و"خذ" ونقل، الراء لم يحذف [وحذف] (٨) فيهما، [لأنهما] (٨) أكثر استعمالًا.
стр. 1517
قال جارُ اللَّهِ: " (فصلٌ) وإذا خففت همزة الأحمر على طريقها فتحركت لام التعريف اتجه [لهم في ألف الوصل] (١) طريقان حذفها وهو القياس، وابقاؤها لطرو الحركة، فقالوا لحمر والحمر".
قال المُشَرِّحُ: ونظيرها (٢): رمأتا على لغة من يقول ذاك ورمتا، فمن قال رماتا فقد أجرى العارض مجرى الأصلي (٣)، ومن قال: رمتا لم يعتد بالعارض.
فإن سألتَ: فهل يجوز على هذا أن تقول في جوب و [جيل] (٤) مخففي حؤب و [جئل] (٥) حاب و [جال]؟
أجبتُ: رُوي عن الشَّيخ أبي عليٍّ الفارسي أنه ما أجاز ذلك.
وهذا لأن الواو والياء فيهما إبطاء من إسقاط همزة الوصل. ألا ترى أن استحالة أن لا يعلان وإن قام الموجب للإِعلال وذلك في نحو الجورة، والحركة فلأن همزة الوصل فإنها لا تستبقى مع الموجب للإِسقاط.
قال جارُ اللَّهِ: "ومثل لحمر ﴿عادَلولي﴾ (٦) في قراءة أبي عَمْروٍ".
قال المُشَرِّحُ: الكلام في هذه المسألة مبني على مقدمتين.
إحداهما (٧): أن اللام والنون متقاربان ويشهي له أصيلان في جمع أصيل محقرًا كأنهم كسروا أصيلا على أصلان (٨) كقضيب وقضبان ورغيف
стр. 1518
ورغفان، ثم أبدلوا من النون لامًا حتى صار أصيلالا ثم صغروه، ومن ثم قالوا: لعلي في لعلني، كراهية لاجتماع المتقاربات كما قالوا: إني في إنني فرارًا من اجتماع المتجانسات، وهذا لأن اللام وإن كانت من حافة اللِّسان فهي تَستطيل إلى طرفه (١).
والثانية: أنه في القراءة المشهورة يلتقي ساكنان، وهما: التنوين الساكن واللام الساكنة فتحرك التنوين كما في سائر المواضع إلى الكسر.
وأمّا أبو عمرو فلا يحرك التنوين ولكنه يخفف الهمزة التي هي بعد اللام ويلقي على اللام حركتها فإذا تحرك اللام أجرى بينها وبين التنوين الإِدغام لتقاربهما، ونون الأول منهما ساكنة والثانية [منهما] (٢) متحركة.
وإذا ثبت هذا [رقيتك] (٣) إلى الغرض فقلت: حركة اللام بعد طرح الهمزة الواقعة بعدها إذا لم يكن معتدًا بها لما جرت بينهما إدغام، لأن المدغم فيه ساكن حكمًا، والإِدغام بين الساكنين.
قال جارُ اللَّهِ: "وقولهم: من الان في من الأن، ومن قال: لحمر قال: من لان بتحريك النون كما قُرئ ﴿مِنْ لَرْضِ﴾ و: "مِلْآنَ" (٤) بحذفها كما قيل: ملكذب".
قال المُشَرِّحُ: من قال: لحمر فاعتد بحركة اللام حتى طرح الهمزة قال: من لان بسكون النون، ومن قال: الحمر فلم يعتد بحركة اللام حتى
стр. 1519
استبقى الهمزة قال: من لان بتحريك النُّون كما قُرئ (١) ﴿من لرض﴾ أو قال: ملان بحذف النون، لأن النون السَّاكنة لها شبه بحرف العلة، ألا ترى أنها تنقلب ألفًا في نحو رأيت زيدًا، وكذلك سقط النون في نحو لم يك وعليه قوله (٢):
أَبلغ أَبَا دَخْتَنُوسَ مَاْلَكَةً … غَيْر الّذي قد يُقال مِلْكَذِبِ
وأصله: مِنَ الكَذِب.
تخمير: نظير المذهَب الأول ما أنشده الكسائي ﵀ (٣):
لَقَدْ كنتَ تُخفي حبّ سَمْرَاءَ حِقْبَةً … فبُحْ لانَ منها بالّذي أنتَ بائِحُ
فأسكن الحاء من قوله: "فبح".
نظير المذهب الثاني قولهم: إلى في [التذكر إذا يتذكر] (٤) نحو
стр. 1520
الخليل (١) [قال: إلى] فكما لم تحذف الهمزة كذلك لم تحذف في نحو الحمر.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وإذا التقت همزتان في كلمة (٢) فالوجه قلب الثانية إلى حرف لين كقولهم: أادم وأيمة وأويدم".
قال المُشَرِّحُ: إذا (٣) التقت همزتان في كلمة فلا بدّ من تخفيف إحداهما، لأنهم إذا كرهوا الهمزة الواحدة فهم باستكراه التنتين أجدرُ لا سيما عند اصطحابهما، وإنما قُلبت الثانية لأنَّ الاستقبال عندها يقع، ونحو هذه المسألة قولهم في تصغير فرزدق فريزد، ولأنه في نحو آدم لا يمكن تخفيف ما ذكرناه من أن الهمزة الواقعة أولًا (٤) لا تخفف.
أئمة: جمع إمام، وهي أفعلة ففيه همزة هي فاء الفعل وتزيد عليها همزة أفعلة الزائدة فتجمع همزتان في كلمة لا تستعمل تحقيقهما فبعد ذلك الهمزة التي هي فاء الفعل لا تخلو من أن تكون الحركة تقلب إليها بعد أن كانت ساكنةً أو وقعت في أول حالها متحركة، لا وجه إلى أن تثبت ساكنة ثم تنقل اليها الحركة، لأنها لو ثبتت ساكنة لأبدلت ألفًا كما أبدلت في آزرة وآنية جمع إزار وإناء، ولو أبدلت لجاز وقوع المدغم بعدها ولم يحتج مع وقوع المدغم بعدها إلى القلب، والحركة فيها كالحركة في أوادم.
فإن سألتَ: فلم قلبت الهمزة في أئمة؟
أجبتُ لمجاورة الكسرة التي بعدها، وهذا لأن الحروف كما تعل
стр. 1521
لمجاورة بعضها نحو (١) ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أعلت الصاد لمجاورة الدال، ونحو: اصطبر أُعلت التاء لمجاورة المطبق كذلك الحركات نزلت منزلة الحروف فأُعلت لمجاورة الحركة التي بعدها كما أُعلت في نحو اجتماع ببدل منها لمجاورة الحركة التي قبلها.
تخمير: ولو حقرت أئمة أو كسرتها لقلت أويمة واوام كما اسقية وأساق (٢).
قال جارُ اللهِ: "ومنه جاءٍ".
قال المُشَرِّحُ: كما عرفت "جاءٍ" معتل العين مهموز اللام فقياس اسم الفاعل منه جائى بهمزتين، الهمزة الأولى: هي المنقلبة من العين كما في نحو صائم وقائم. وثاني: هي الأصلية وقد خفف.
فإن سألتَ (٣): فهل يجوز تخفيف هذه [الباقية] (٤)؟
أجبتُ: لا يجوز، لأن تخفيفها إما أن يكون بتليينها، وذلك لا يجوز [لسكون ما قبلها، وإما إبدالها، وذلك لا يجوز أيضًا] (٥) لأنه يجمع ياءان غير مدغمتين أولاهما مكسورة، ومن ثم جاز كسر حروف المضارعة عند بعض العرب إلا الياء. وأما بحذفها، وذلك لا يجوز أيضا، لأنه إجحاف بالاسم.
قال جارُ اللهِ: "وخطايا".
قال المُشَرِّحُ: هي جمع خَطِيّة -بالتَّشديد- ومثلها ركايا وسبايا وعشايا ومطايا يا فتى اجتمع بعد ألف الجمع ياءأن فالأولى تكون ياء مشاكلة لصورة [واحد] (٦) الجمع. وأما الثانية فتَنقلب ألفًا هربًا من التقاء ياءين في الجمع
стр. 1522
أولاهما مكسورة واستبقاء اللام، وذلك نحو مطايا وبرايا وجمال معايا في مطية وبرية وحمل معيى.
قال جارُ اللهِ: "وقد سمع أبو زيدٍ من يقول: اللَّهم إغفر لي خطائيى قال: همزها أبو السّمح ورداد ابن عمه".
قال المُشَرِّحُ: خطائيى في هذه الرّواية جمع خطيئة غير مبدلة فيها الياء من الهمزة.
قال جارُ اللهِ: "وفي القراءة الكُوفيّة ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ (١) "
قال المُشَرِّحُ: في القراءة الكُوفيّة: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ بتحقيق الهمزتين. والحُجّة فيها (٢) أن الهمزة من حروف الحلق كالعين والهاء في نحو كع والفهه كذلك يجوز اجتماع الهمزتين، ولأن سيبويه قد قال (٣): زعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وناسًا اعترض عليهم البصريون أنا لا نعلم أحدًا حكى التحقيق فيهما في نحو آجر وآدم وآزر فكذلك ينبغي في القياس أن يكون أئمة.
فإن سألتَ الهمزة الثانية آدم ساكنة وفي أئمة متحركة، والمتحرك أقوى من الساكن؟
أجبت: المتحرك في هذا ليس بأقوى من الساكن؛ لأنك قد رأيت الكسرة توجب فيهما الإِعلال مع أنها متحركة كما في (مئر) (٤) لما ذكرنا من أن الهمزة الواقعة أولًا لا تخفف.
تَخمير: في أواخر وأويدم إِعلم أنه آخر همزتان فقلبت الثانية منهما ألفا
стр. 1523
فرارًا من تلاقي همزتين، ومجيء الألف في آخر ليس بمنزلة مجيئها في رأس؛ لأن مجيئها في رأس لتخفيف الهمزة لفظًا، وفي آخر لرفض التقاء الهمزتين حقيقة وتقديرًا، بدليل أنهم قالوا: أواخر كضوارب وقد يذكر مع أواخر أو يدم فيحتج بإثبات الواو بعد همزة أفعل، على أن ألف آدم بمنزلة ألف ضارب، وليس فيه دليل من أجل أن الهمزة المفتوحة المضموم ما قبلها إذا حققت قلبت واوًا نحو جؤب وهذا لأن ألف آدم وإن كانت منقلبة عن همزة لسكونها إلا أنه لما وجب تحريك الألف عادت الألف إلى أصلها، ثم كما خففت جعلت واوًا فلا يتأتى هذا.
قال جارُ اللهِ: "وإذا التقتا في كلمتين جاز تحقيقهما وتخفيف أحدهما بأن تجعل بين بين والخليل يختار [تخفيف] (١) الثانية كقوله تعالى (٢): ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾.
قال المُشَرِّحُ: ليس في كلامِ العربِ (٣) أن يلتقي همزتان فيحققا إلا إذا كانت عينًا مضاعفة في الأصل نحو رأَس، ومن كلامهم تحقيق الآخرة، وهو قول أبي عمرو، ومنهم من يحقق الأولى ويخفف الأخيرة، وكان الخليل يستحب هذا، يقول: لأني رأيتهم يبدلون الثانية في كلمةٍ واحدةٍ كآدم.
وجه أبي عمرو أن التّخفيف أليق بآخر الكلمة، كما أن التحقيق أليق بأولها.
قال جارُ الله: "وأهل الحجاز يخففونهما (٤) معًا".
قال المُشَرِّحُ: عندهم [يجعلونهما] (٥) معًا بين بين.
стр. 1524
فإن سألتَ: كيف جاز تليينها مع أن فيه التقاء الساكنين على غير حده حكمًا؟.
أجبتُ: نَعم ولكن لضرورة لأنهما اختان متشابهتان فلا يجوز تخصيص أحدهما بحكم دون الأخرى، فبعد ذلك إما أن يحذفا وذلك (١) إجحاف، وإما أن يبدلا فيلزم من ذلك اجتماع الساكنين حقيقة للفرار من اجتماع الساكنين حكمًا، وذلك لا يجوز فتعين تليينها.
قال جارُ الله: "ومن العَرب من يقحم بينهما ألفًا، قال ذو الرمة (٢):
* … آأنت أم أم سالم *
وأنشدَ أبو زَيْدٍ (٣):
حُزُقٌّ إذا ما القَوْمُ أَبدوا فكاهةً … يُفَكِّر آإيَّاهُ يَعْنُوْنَ أمْ قِرْدَا
وهي في قراءة ابن عامر".
قال المُشَرِّحُ: إقحام (٤) الألف بينهما إما للفرار من اجتماع المتجانسين وحده وإما للفرار منه ومن التقاء الساكنين.
стр. 1525
أمَّا البيت الأول فقد مضى في قسم الأسماء، وأما البيت الثاني:
فالحُزُقُّ: هو القَصِيْرُ الذي يقارب خطوه [كذلك الخرقة] (١).
قال جارُ الله: "ثم منهم من يُحقق بعد إقحام الألف، ومنهم من يخفف".
قال المُشَرِّحُ: من حقق بعد الإِقحام فقد فر من الشيئين، ومن خفف فقد فر من أحدهما كما في اضربنان.
قال جارُ الله: "وفي اقرأ آية" ثلاثة أوجه، أن تقلب الأولى ألفًا، وأن تحذف الثانية ويلقى حركتها على الأولى، وأن تجعلا معًا بين بين، وهي حجازية".
قال المُشَرِّحُ: أما قلب الأولى ألفًا (٢) فلأن الهمزة كهمزة رأس. وأما حذفُ الثانية فلأنها مُتحركة وما قبلها ساكنٌ. وأمَّا تليينها فلما ذكرنا.
فإن سألتَ: فلم لا يجوز تَليين الثانية وجهًا رابعًا كما هو مذهب الخليل؟.
أجبتُ: لكون الألف الأولى ساكنة.
стр. 1526
[باب التقاء الساكنين]
قال جارُ الله: "ومن أصناف المشترك التقاء الساكنين يشترك فيه الأضرب الثلاثة، ومتى التقيا في الدرج على غير حدهما، وحدهما: أن يكون الأول حرف لين والثاني مدغمًا في نحو داية وخُوَيصَة وتَمُوّد الثَّوبُ، [وقوله تَعالى (١): ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾] (٢) لم يخل أولهما من أن يكون مدّةً أو غيرَ مدةٍ، فلئن كان مدةً حذف كقولك: لم يقل ولم يبغ ولم يخف ويخشى القوم ويغزو الجيش ويرمي الغرض، ولم يضربا اليوم، ولم يضربوا الآن، ولم تضربي ابنك إلا ما شذَّ من قولك: ألحسن عندك وأيمن الله يمينك، وما حكي من قولهم: (حَلْقَتَا البِطَان).".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما لم (٣) يَجُز التقاء الساكنين، لأن المُتَكَلَّم به في حكمِ الموقوف (٤) عليه والمُبتدئ بما بعده، والابتداء بالسَّاكن محالٌ.
فإن سألتَ: [فبين] (٥) لنا على وجهِ التَّبرع [لِمَ] كان الابتداء بالسَّاكن محالًا؟.
стр. 1527
أجبتُ: وذلك لأن المُتَكَلِّمَ بشيءٍ يشبه بقاطع المسافة ومن ثم إذا كان كلامه أكثر شبه بالمسافر، وجاء في الحديث: "أَفْضَلُ القِرَاءَةِ الحَالّ المُرْتَحِل" [فابتداء قطع المسافة لا يكون إلا بالحركة، إنما جاز التقاء الساكنين إذا كان] (١) الأول حرف مدٍّ ولين والثاني مدغمًا، لأن حرفَ المدّ يتوهم كالمتحرك ألا ترى أن بعض المدة حركة فيكون كلها بمنزلة [لفظة] (١) معها حركة، ومن ثم لم تختلف الرِّواية عن نافع أنه أسكن الياء من ﴿وَمَحْيَايَ﴾ (٢) والمُشَدّد أيضًا يتوهم كذلك؛ لأن اللّسان لا يرتفع بالحرف المشدد إلا صدمةً، وكذلك أجرى يونس ﴿مَثْنَى﴾ في النّسبية مجرى ملهى. في قولهم: االحسن عندك التقى ساكنان لا على حده، وهذا لأنه (٣) لو لم يجز التقاء الساكنين ها هنا لالتبس بالخبر الاستفهام. وأما "حلقتا البطان" فإِنّما استبقي فيها الألف لفظيع الخطب وتشنيع الحادثة بتحقيق التقاء الحلقتين. ونحو نظير التقاء الساكنين ها هنا قولهم اضربان واضربنان على مذهب يونس وجماعة من البصريين ومذهب الكوفيين. في أمثالهم (٤): "إلتَقَتْ حَلْقَتَا البِطَان" والبطان للقَتَب: هو الحزام الذي يجعل تحت بطن البَعير فيه حلقتان إذا التقتا فقد بلغَ الشَدُّ غايَتَه يضرب في الحادثة إذا بلغ النهاية.
قال جارُ اللَّه: "وإن كان غيرُ مدَّةٍ فتحريكه في نحو قولك: لم أبله واذهب اذهب ومن ابنك ومذ اليوم وألم الله ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ (٥) واخشوا الله واخش القوم، ومصطفى الله و ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ (٦).".
стр. 1528
قال المُشَرِّحُ: الفرق بين المدة وغيرها من الصحاح أن المدة أسقط ولذلك تسقط الجوازم المدة بخلاف غيرها من الحروف الصحاح.
قال جارُ الله: "ومنه قولك (١): [الاسم] والابن والانطلاق والاستغفار".
قال المُشَرِّحُ: التقى في قولك (١): الاسم ساكنان، أحدهما اللام والثاني السين والأول منهما غير مدة فلا جرمَ يحرك ولم يسقط.
فإن سألتَ: فما بالهم حرّكُوا اللام الدّاخلة على الأول دون الثاني مع أن تحريك الثاني تحريكٌ في موضع الضرورة فيكون أولى، ومن ثمّ قال سيبويه -في جحيمر تَصغير جَحْمَرِش- فإنما حذف [الذي] ارتدع عنده.
أجبتُ: إنّما حُرَّكَ الأول ها هنا لأنَّهم جعلوا التلفظ بالحرف بمنزلة حركة المشي فالأشبه أن يكون كل حرف من الكلمة متحركًا إلا أنهم لتعديل الكلمة سكنوا بعض حروفها واعتبروا الساكن مُعتبر المتحرك لكن الساكن إنما يُعتبر مُعتبر المتحرك إذا كان مفردًا [عن] (٢) ساكنٍ آخر أما إذا تبعه ساكن فلا يردُّ متحركًا عملًا بالأصل.
قال جارُ الله: "أو تحريك أخيه نحو قولك (٣): انطلق "ولم يَلْدَه" (٤) و ﴿يَتَّقْهِ﴾ (٥) ".
قال المُشَرِّحُ: إنهم يعاملون طلق من انطلق و"يَلِد" من "لم يلده" ويتقه من ﴿يتقه﴾ معاملة الكبد حيث يسكنون منها الباء كأنهم عاملوا بعض
стр. 1529
الكلمة معاملة [كلها كما أنهم عاملوا الكلمتين معاملة] (١) كلمة واحدة. ومنه قراءةُ ابن كثيرٍ (٢) ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ بسكون الياء [من ﴿هِيَ﴾ وتشديد التاء] من ﴿تَلْقَفُ﴾ لأن هيت بمنزلة حدث وهجف.
قال جارُ الله: "ورد، ولم يرد في لغة بني تميم، قال (٣):
* وذِيْ وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أبَوَانِ *"
قالَ المُشَرِّحُ: قياس الأمر من باب رَدّ: أردد من باب التضعيف بسكون اللام، وذلك أن قياس المضاعف باللام فمتى سكنها ظهر التضعيف، وإن حركها جازَ الإِدغام، وإنما تحريكها لوجهين:
أحدهما: أن الأمرَ فيه (٤) مبنيٌّ على السكون (٥).
والثاني: أنه مبني على تثنية الضمير في قولك: رد إلا أنه لا فرق بين بناء الواحد والاثنين في الصُّورة إلا حذف الألف وإثباتها، والإِظهار لغةُ أهلِ الحِجَاز قال الله تَعالى (٦): ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ وقال أَبو الأَسود الدُّؤلي (٧):
اعدُد من الوَجْهيْن فَضْلًا ونِعْمَةً … عَلَيْكَ إذا ما جاءَ للخَيْرِ طَالِبُ
стр. 1530
والإِدغام لغة [أهل] نَجْدٍ، قال جرير (١):
* فَغُضَّ الطَّرْفُ إِنَّكّ مِنْ نُمَيْرٍ *
وأهلُ نجدٍ ينقلون ضمة العين إلى الفاء [حتى تضم الفاء] ويسكنون (٢) العين ثم يجرون بين المتماثلين الإِدغام فتصير رد.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والأصلُ فيما حُرك منهما أن يحرك بالكسرِ".
قالَ المُشَرِّحُ: الساكن إذا حُرك حُرّك إلى الكسرِ، لأن الكسرةَ أعدلُ الحركات.
فإن سألتَ: الفتحةُ أخفُّ الحركات؟.
أجبتُ: نعِم، لكن له حكم السكون من وجهٍ فلا يزول به التقاء الساكنين وهذا لأنَّ الشيء إذا كان له أصلٌ ثم نقل عنه [فهو] كأنه فيه، لأنه على شرفِ أن يعود إليه، ولهذا المعنى قلنا: بأن عامرًا إذا نقلته عن الجنسية إلى العلمية فهو يعود كأنّه منكر، ولهذا يدخل عليه التنوين، فإذا نقلته نقلًا ثانيًا عن صيغة عامر إلى صيغة عُمر فحينئذ قد أُمن العود.
قال جارُ اللَّه: "فالذي حرك بغيره لأمرٍ نحو [ضَمّهم] في ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ﴾ (٣)، ﴿وعذابِنُ (٤١) ارْكُضْ﴾ (٤)، ﴿وَعُيُونِنُ (٤٥) ادْخُلُوهَا﴾ (٥) للاتباع".
قالَ المُشَرِّحُ: الساكن (٦) إذا حُرّك هربًا من التقاء الساكنين يكون في موضعين:
стр. 1531
أحدهما: الاتباع، ألا تَرى أنّه حُركت التاء بالضم في ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ﴾ وكذلك التنوين في ﴿عَذَابِنُ (٤١) ارْكُضْ﴾ حرك بالضم لضمة الراء والكاف وكذلك (١): ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ بضم النُّون والواو في قراءةِ الكسائي وغيره (٢) ونحوه أخرج، ألا ترى أن الهمزة حُركت فيه بالضَمّ لضمة العين فلذلك يَسوغ أن تُضم التَّاء لضمةِ الرّاء.
ومن اتباع الأول (٣) للثاني قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ اتبعت الدَّال (٤) فيه الكسرة اللام، كما أن من قرأ (٥) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بضم اللام فقد أتبع اللام الدّال. والثاني واو الضمير في المعتل اللام (٦).
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وفي نحو: اخشوا القوم للفصل بين واو الضَّمير وواو "لو"".
قال المُشَرِّحُ: يُحتمل أن يكون إنما ضمّ الواو في نحو: اخشوا القوم لأنه كان قبل الواو ياءً مضمومة، ولما سقطت الياء تحملت الواو تلك الضمة، وهذا ينزع إلى باب حذف المُضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كقوله تَعالى (٧): ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ إذا طرحت الهمزة وطُرحت حركتها على ما قَبلها. وعكسه وذلك في نحو قولك مسألة مسلة. وأمَّا مذهبُ النحويين في هذه المسألة فهو ما ذكره الشّيخ ﵀.
стр. 1532
قال جارُ الله: "وقد كَسَرَها قوم [كما ضم قوم] الواو في ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ (١) تشبيهًا بها".
قال المُشَرِّحُ: نظير هذه المسألة: أن "ما" يشبه بـ"ليس" فيعاملِ معاملته كما أن "ليس" تشبه بـ "ما" فتعامل معاملته. وقُرئ (٢): ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ قال ابن جني (٣): في هذه الواو ثلاث لغات الكسر والفتح والضم.
قال جارُ الله: "وقُرِئَ (٤): ﴿مُرِيبِنَ (٢٥) الَّذِي﴾ بفتح النون هربًا من توالي الكسرات".
قال المُشَرِّحُ: القياس كسر التنوين كما في قولك: مررت بزيدٍ الفاضل. والفتح استحسانٌ.
قال جارُ الله: "وقد حَرَّكُوا نحو رد، ولم يرد بالحركات الثلاث".
قالَ المُشَرِّحُ: أما الفَتْحُ فلأنَّه أخفَّ الحركات، وأما الكسر فعلى أن الساكن إذا حرك حرك إلى الكسرة.
قال جارُ الله: "ولزموا الضم عند ضمير الغائب والفتح عند ضمير الغائبة فقالوا: رده وردها".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما فعلوا ذلك لخفاء الهاء.
قال جارُ الله: "وسمِعَ الأَخفش ناسًا من بني عُقَيْلٍ يقولون (٥) مُدِّهِ وعُضِّهِ بالكسر".
стр. 1533
وقال المُشَرِّحُ: معناه أن ناسًا يقولون ذلك، وذلك على الأصل.
قال جارُ الله: "ولزموا فيه الكسرة عند ساكن يعقبه، فقالوا ردِّ القوم، ومنهم من يفتح وهم بنو أسد، قال (١):
* فغضَّ الطَّرْفَ إنّكَ من نُمَيْرٍ *
وقال (٢):
* ذُمَّ المَنَازِلَ بعدَ مَنْزِلَةِ اللَّوِى *
[وليس في "هَلُمَّ" إلا الفتح] (٣) ".
[قال المُشَرِّحُ: من قالَه بالكسرِ فقد احتَرز أن يلبس بفعل الاثنين، ومن قاله بالفتح احترز أن يلبس بفعل المؤنث:.
قال جارُ الله:، "وليس في"هلم" إلا الفتح"] (٤).
قال المُشَرِّحُ: إنما لم يجز فيه إلا الفتح، لأنه خرج عن كونه فعلًا محضًا وصار مع الهاء بمنزلة شيءٍ واحدٍ ولذلك جرى مَجرى الأدواتِ عند من لم يَصرفه، وذلك في نحو قوله تعالى (٥): ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾.
стр. 1534
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ولقد جدَّ في الهرب من التقاء الساكنين مَنْ قال: دأبّه وشأبّه ومن قرأ (١) ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ﴿وَلَا جَأنٌّ﴾ (٢) وهي عن عَمْرو بن عُبَيْدٍ، ومن لغته النّقر في الوقف على النقر".
قال المُشَرِّحُ: من يحول (٣) الحركة من (٤) نحو "النُّقُر" في الوقف من اللام إلى العين فإنه يفر من التقاء الساكنين نحو لا تعدُّوا يريد: لا تفتعلوا من الاعتداء. ومنه يخطَّف ومنه أصيْمٌّ ومديقٌّ ودويبَّه، وهذا لأنَّهم وَضَعُوا موضع حرف اللّين وهو الحرف الذي حَرَكَةُ ما قبله منه غيرَه قال:
خَلِيْلَيَّ عُوْجَا عَلَى رَسْمِ دَارٍ … خَلَتْ مِنْ سُلَيْمَى وَمِنْ مَيَّهْ
وقال: صفيّه هناك "إنْ ذَهَبَتْ عَيْرٌ فَعَيْرٌ في الرِّبَاطِ" وذلك أنه إذا ذهب حرفُ اللّين فقد بقيَ حرفُ التَّشديد. أما ها هنا فقد نَفَضَ اليَدَ عن كِلَيْهِمَا.
عَمْروُ بن عُبَيْدٍ (٥): كان من رُؤَسَاء المعتزلة، وكان عفيفًا، وهو الذي قِيل فيه:
كلُّكمْ يَمشي رُويد
كُلُّكُمْ يَطْلُبُ صَيْد
غَير عَمْرو بن عُبَيْد
قالَ جارُ الله: " (فصلٌ) وكسروا نون "من" عند ملاقاتها كل (٦) ساكن
стр. 1535
سوى لام التَّعريف فهي مفتوحة نحو من ابنك، ومن الرّجل".
قالَ المُشرِّحُ: إِنَّما تُكسر وتُفْتَح في المَوضعين لنِيَابَتِهِمَا عن الهَمْزَ مكسورةً ومفتوحةً وعليه قراءَة من قَرأ (١): ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا﴾ بضمّ النُّون والواو.
فإِن سألتَ: فما تَقولُ في "من" التَّبعيضية ولو الفلك الدّوار.
أجبتُ: النون ها هنا لا تنوب إذ الصّفة والموصوف على كلامين، وأمّا قوله: "لو الفلك" فلنيابتها عن الهمزة على الفعل، وهذا لأن الأصل في "لو" أن تدخل على الفعل، ثم الفعل على ضربين: متحرك الأول وساكنه.
أمّا المتحرك الأول فيكون واوًا عنده ساكنة.
وأمَّا الثاني (٢) فلا بدّ من أن تلحقه همزةٌ مكسورةٌ فإذا دخل عليه "لو" وقع التقاء السَّاكنين وانسكرت (٣) الأُولى لنيابَتِها عن الهَمْزَة المَكسورة.
قالَ جارُ الله: "وقد حَكى سيبويه (٤) عن قومٍ فُصحاء: مِنِ ابنك بالفتح وحكى مِنَ الرّجل بالكسر وهي قليلةٌ خبيثةٌ.
قال المُشرِّحُ: أمَّا "مِنَ ابنك" بالفَتح فلشبهها بـ "من الرّجل".
وأمّا "مِنَ الرجل" بالكسر فلشبهها بـ "من ابنك" وإنما كانت هي قليلة خبيثة، لأنَّها كما لا تنوب عن الهمزة فالكسر تستغرق الكلمة بخلاف من ابنك.
قالَ جارُ الله: "أما نُون "عن" فمكسورة في الموضعين، وقد حكى عن الأخفش: "عِنُ الرّجل" بالضَّم".
стр. 1536
قالَ المُشَرِّحُ: إنما كسرت النون في الموضعين فرارًا من توالي الفتحات وهذا لأن العين من الحروف المنفتحة. وأما عِنُ الرجل فعلى الاتباع، إلا أن الأقيس في الاتباع أن يكون الثاني تَبَعًا للأول لا أن يكون الأولُ تبعًا للثاني ومن ثم كان ﴿الحمدُ لُله﴾ بضم اللام أسهل مأخذًا من ﴿الحمدِ لِله﴾ بكسر (اللام) (١).
стр. 1537
[باب حكم أوائل الكلم]
قال جارُ اللهِ: "ومن أصناف المشترك (حكم أوائل الكلم) يشترك فيه الأضرب الثلاثة، وهي في الأمرِ العامّ على الحركة، وقد جاء منها ما هو على السُّكون، وذلك من الأسماء في نوعين.
أحدهما: أسماءُ غيرُ مصادرٍ وهي ابن وابنة وابنم واثنان واثنتان وامرء وامرأة واسم واست وأيمن اللهِ وأيم الله.
والثاني: مصادر الأفعال التي بعد ألفاتها إذا ابتدئ بها أربعةُ أحرفٍ فصاعد نحو انفعل وافتعل واستفعل تقول: انفعال وافتعال واستفعال".
قال المُشرِّحُ: الهمزة في (١) جميع هذه الأسماء مكسورة إلا في أَيمن وأَيم اللهِ.
فإن سألتَ: الهمزة في هذه الأسامي عوض عن المحذوف فلم دخلت على امرئ وامرأة ولا حذف فيهما؟
أجبتُ: قد تُخفف الهمزة فيقال: مر.
قالَ جارُ اللهِ: "ومن الأفعال فيما كان على هذا الحد"
قال المُشَرِّحُ (٢): الهمزات أيضًا تكون في أفعال هذه المصادر مكسورة.
стр. 1538
قالَ جارُ اللهِ: "وفي أمثلة أمر المخاطب من الثلاثي غير المزيد فيه في نحو: اضرب اذهب".
قال المُشَرِّحُ: الفعل المضارع إذا كان الحرف الثاني منه ساكنًا كان أول أمر المخاطب منه أيضًا ساكنًا فتلحق أوله الهمزة المكسورة.
قال جار اللَّهِ: "ومن الحروف لامُ التَّعريفِ وميمه في لغة طَيِّئٍ".
قال المُشرِّحُ: لام التعريف ساكنة (١) وكذلك ميم التعريف في لغة طَيِّئٍ.
وقوله: "في لغة طَيِّءٍ" (٢) لا ينصرف إلى السُّكون حتى كأن ها هنا لغة أخرى غير لغة طيئ يكون فيها ميم التعريف متحركة وإنما ينصرف إلى ميم التعريف. والهمزة في لام التعريف مفتوحة، وفي ميم التَّعريف مكسورة كأنهم كسروها ليفرقوا بينها وبين "أَم" العاطفة.
قال جار اللهِ: "فهذه الأوائل ساكنة كما ترى يلفظ بها كما هي في حال الدرج فإذا وقعت في موضع الابتداء، أو وقعت قبلها هَمزات مزيدةٌ متحركة لأنَّه ليس في لغتهم الابتداء بساكن كما ليس فيها الوقف على مُتحرك".
قال المُشَرِّحُ: التَّكلُّمُ في الكلمة (٣) بمنزلة المشي والمشي لا يكون إلا بحركة وإتمام الكلمة بمنزلة الاستراحة عن المشي وذلك لا يكون إلا بالسكون.
قال جارُ اللهِ: " (فصل) وتسمى هذه الهمزات همزات الوصل، وحكمها أن تكون مكسورة، وإنما ضمت في بعض الأوامر وفي ما بني من الأفعال الواقعة بعد ألفاتها أربعةُ أحرفٍ فصاعدًا للمفعول للاتباع".
стр. 1539
قال المُشَرِّحُ: هذه الهمزات تسمى همزات الوصل من حيث أنها يتوصل بها إلى [النطق] (١) بالساكن، وحكمها أن تكون مكسورة. قال (٢) ابن السَرَّاج (٣): أصل حركة كل حرف السكون فكان أصل هذه الهمزة أيضا السكون فحركتها لالتقاء الساكنين بالكسرة، وإنما ضمت في بعض الأوامر في تلك الأفعال المبنية للمفعول، لأنك اتبعت فيها الهَمزة ما بعدها.
فإن سألت (٤): فلمَ كانت الهَمزة في (أفعل) همزة قطع، وفي افتعل همزة وصل؟
أجبتُ: لأن همزةَ الوصل مزيدةٌ ما اجتلبت إلا للتوصل بها إلى النطق فإذا وقعت بعدها أربعة أحرفٍ فصاعدًا فالأولى أن تكون همزة وصل حتى لا تستثقل الهمزة، لأن دخولها وخروجها حينئذ يكونان بمنزلةٍ، بخلاف ما إذا وقعت بعدها ثلاثة أحرف فإن جعل الهمزة من نفس الكلمة لا يكون مستثقلًا.
قال جارُ اللهِ: "وفُتحت في الحرفين وكلمتي القسم للتَّخفيف".
قال المُشَرِّحُ: عنى بالحرفين (٥): لام التعريف مع الهمزة، وميم التعريف معها، "وكلمتي القسم" أيمن الله (٦) وأيم الله لأنها كثيرة الدور في كلامهم.
قال جار اللهِ: " (فصلٌ) وإثبات شيء من هذه الهمزات في الدرج خروجٌ عن كلام العرب ولحنٌ فاحش فلا تقول: الاسم والانطلاق والاقتسام، والاستغفار، ومن ابنك وعن اسمك".
стр. 1540
قال المُشَرِّحُ: الهمزات (١) لما كانت للتوصل بها إلى الساكن فإذا وقع التوصل بشيء آخر استُغني عنها.
فإن سألت: لم لا يجوز أن تثبت همزة الابتداء في الوصل كما تثبت حرف الوقف في الوصل؟
أجبت: حرف الوصل أيضًا لا يثبت في الوصل.
فإن سألت: فما تقول في ثلاثهربعة في الهاء.
أجبتُ: لأنَّ الأصلَ في الثلاثة الهاء فجاز أن تبقى على أصلها بخلافِ ما فيه همزة الوصل فليس أصله أن يكون معه همزة الوصل.
قال جارُ اللهِ: "وقوله:
* إذا جاوَزَ الإِثْنَيْنِ سرٌّ. . . *
من ضرورات الشعر".
قال (المُشَرِّحُ: قطع ألف "الإِثنين" وهي ألف وصل، واذا كان قد سمع عن العرب من يقول: "الله" في الشعر فلأن يقطع في الشعر أولى.
تمام البيت (٢):
стр. 1541
............ فإِنَّه … بنَشْرٍ وتَكْثِيْرِ الوُشَاةِ قَمِيْنُ
قال جار اللهِ: "ولكن همزة التعريف وحدها إذا وقعت بعدها همزة الاستفهام لم تحذف وقلبت ألفًا لأدى حذفها إلى الالتباس".
قال المُشَرِّحُ: همزةُ التَّعريف [وحدها] إذا وقعت بعد همزة الاستفهام لم يجز حذفها كقولك: الرجل لالتباس الاستفهام بالخبر.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وأمَّا إسكانهم أوّلَ "هو" و"وهي" متصلين [بالواو والفاء ولامَ الابتداء وهمزةَ الاستفهام ولامَ الأمر مُتَّصلة] (١) بالفاء كقولِه تَعالى (٢): ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقوله (٣): ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ وقوله (٤): ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ وقول الشَّاعر:
* فَقُلْتُ أَهْيَ سَرَتْ أَمْ عَاقَنِي حُلُمُ *
وقوله تَعالى (٥): ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ وقوله (٦): ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ فليس بأصلٍ، إنما شبه الحرف عند وقوعه في هذا الموضع بضاد عَضْد وباء كَبْد، ومنهم من لا يسكن".
قال المُشَرِّحُ: هذا [أدلُّ] دليل على تنزيلهم حرف العطف ولامي
стр. 1542
الابتداء والأمر منزلة واحدة. وأول البيت (١):
فقُمْتُ للزَّوْرِ مُرْتَاعًا فَأَرَّقَنِي … فَقُلْتُ ................. البيت
стр. 1543
[باب زيادة الحروف]
قال جارُ اللهِ: "ومن أَصناف المُشترك (زيادة الحروف)، يشترك فيه الاسمُ والفعلُ، والحروفُ الزوائد هي التي يشملها قولك: "اليَوم تنساه" أو "أتاه سُليمان". أو "سألتمونيها" أو "السِّمان هَوْيتُ" ومعنى كونها زوائد أن كلَّ حرفٍ وقعَ زائدًا في كلمة فإنه منها لا أنها تقع أبدًا زوائد".
قال المُشَرِّحُ: "نقل عن المُبرد أنه قال: سألت أبا عُثمان المازني عن حروف الزّيادة فأنشد (١):
هَوَيْتُ السِّمَانَ فَشَيَّبْنَنِي … وَمَا كُنْتُ قِدْمًا هَوَيْتُ السِّمَانَا
فقلتُ: أسألك عن حروفِ الزِّيادة وتُنشدني بيتًا؟!
فقال: يا أحمق، لقد أجبتُك مرتين. ومعنى كونها زوائد أنه متى زيد في الكلمةِ حرفٌ فلا بد من أن يكون منها -اللَّهم- إلا إذا زدت حرفًا هو في الكلمة، فإنه [يجوز أن] (٢) لم يكن منها كقولك: قطَّع فإن الطاء ليس من حروف الزيادة (٣).
стр. 1544
قال جار اللَّهِ: "ولقد أسلفت في قسمي الأسماء والأفعال عند ذكر الأبنية المزيد فيها نُبَذًا من القول في هذه الحروف وأذكر ها هنا ما تَميز له بين مواقع أصالتها ومواقع زيادتها واللَّه الموفق.
(فصلٌ) فالهمزة يُحكم بزيادتها إذا وقعت أولًا بعدها ثلاثة أحرف أصول، كأرنب وأكرم إلا إذا اعترض ما يقتضي أصالتها كإمّعه وامّره".
قال المُشَرِّحُ: "إمّعه" فِعّلة، لأنَّ أَفعله ليست في الصفات ولأن امّره هو الذي يقول لك: مُرني برأيك، فالهَمزةُ فيه فاء كما ترى بالاشتقاق فكذلك في امَّعه، وهو الذي يقول: أنا مَعَك، ولأن باب كَوْكَب [ودَدَن] (١) قليلٌ، ونظيره دنمة وذنبه للقصير.
قال جارُ اللَّهِ: "أو تجويز الأمرين كأَلوق".
قال المُشَرِّحُ:
* لَعَمْرُكَ بِيْ مِنْ حُبِّ أَسْمَاء أَوْلَقٌ (٢) *
وهو إما فوعل لقولهم: أَوْلَقَ فهو مُأَوْلِقٌ. وإمّا أَفْعَل، من قولهم: جاءت الإِبل تَلِقُ، أي: تسرع، ويشهد له (٣) ألق فهو مألوق، وكذلك ما قاله أبو زيدٍ (٤) امرأة أَلَقَى - بالتحريك، وهي السَّريعة الوثب. كما يشهد للأول قولهم للمجنون مؤولق على مفوعل، أنشد الجوهري (٥):
стр. 1545
ومُؤَوْلَقٍ أَنْضَجْتُ كيَّة رأسِهِ … فَتَرَكْتُهُ ذَفِرًا كَرِيْحِ الجَوْرَبِ
قال جارُ اللَّهِ: "وبأصالتها إذا وقعَ بعدها حرفان أو أربعةٌ أصولٌ كأتبٍ وإزارٍ واصطبلٍ واصطخرٍ".
قال المُشَرِّحُ: الأتب: هو البَقير، ثوب أو بردٌ يشقُّ في وسطه فتلقيه المرأة في عنقها من غير كم ولا جيب، وجمعه أتؤُب، وأتبتها تأتيبًا، أي: ألبستها [اياه فأتتبت] (١). الإِزار: فعال بدليل أُزر. والهمزة في اصطبل أصل، ولأن الزيادة الواحدة قبل الألف في الرباعي لا تكون إلا في نحو مُدحرج، ولأنك تقول في تصغيره أصيطب فلو كانت الهمزة مزيدة لقيل: صُطَيْبل كما يقال في تصغير مدحرج: دحيرج، وكذلك اصطخر، وهي من بلاد فارس (٢) الهمزة فيها أصلٌ كما ذكرنا في اصطبل.
قال جارُ اللَّهِ: "أو وقعت غير أول ولم يعرض ما يوجب زيادتها (٣) في نحو شَمْأَل ونئدل وجُرائض وضَيْهَأَةٍ".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة في شَمأل زيادة لما مضى في الأبنية، وكذلك في نِئْدَل لقولهم في معناه: النيدلان بالياء وهو الذي يسمى الكابوس (٤).
فإن سألت (٥): فلعل الياء في النيدلان في الأصل همزة.