التَّصفيق وهي إما من قوله (١): ﴿صاد والقرآن … ﴾ أي: صادِ أَمْرك وعلمك (٢) بالقرآن ومعناه: عارضة به واشتقاقه من الصدى وهو ما يعارض صوتك من الصوت المنعكس، ومن ثمَّ قالوا: فلان صدى مالٍ: إذا كان حسن القياس والتعاهد له، وكأن المراد به أنه يعارض بإصلاحه ما رأى فيه من فساد ألا ترى إِلى قولهم: هو إزاء مال، ومعناه: نقيض الفساد الواقع فيه، وهو من أزى يأزى أزيًا إِذا انقبض، قال (٣):
* هذا الزَّمان مول خير أزى *
وأمّا من صددت زيدًا عن الشيء فصد عنه، قال (٤):
* صَدَدْتِ الكَأْسَ عنَّا أمَّ عَمْرٍو *
وقال (٥):
* صَدَّتْ خُلَيْدَةُ عَنَّا ما تُكَلِّمُنَا *
وهذا لأن التَّصفيق صفعُ الكفّ بالكف، والتشديد فيه للتكثير كما في فتَّحت الأبواب وفتحتها، والمصدر من فعل على تفعيل وتفعلة إلا أن تفعلة في المضاعف كالمرفوض عدلوا عنها إلى التفعيل لما فيها من الفصل بين المثلين كما لم يجعلوا شديدة في النّسب كحَنيفة وقُريضة، وكما لم يجعلوا
стр. 1577
شحيحًا وشديدًا في الجمع بمنزلة فقيه وعليم، فلما خرج المصدر على ما هو مرفوض في هذا النحو أبدل من المثل الثاني الياء، والوجه الثاني هو المراد ها هنا.
[قال جارُ الله]: "وتَلَعَيْتُ من اللّعاعة ودَهْدَيْتُ وصَهْصَيْتُ".
قال المُشَرِّحُ: الّلعاع: أول نبتٍ، تعليت: أصله تلفعت، ودَهْدَيْتُ: أصله دهدهت الحجر، وصهصهيت: أصلُهُ صهصهت ومعناه: قُلت له: صَهٍ صَهٍ.
قال جارُ الله: "ومَكَاكِيّ في جميع مكوك ودياجٍ في جمع ديجوج".
قال المُشرِّحُ: المكوك: مكيال (١)، وهو ثلاث كيلجات، والكيلجة منَىً وسبعة أثمان منًى. [حاشية من الجوهري زيادة على الأصل من كاتبه سليمان أحسن الله خاتمته وتوفيقه والمَنى [الذي يوزن به] رطلان، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية استاد، والاستاد أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم ستة دوانق، والدانق: قيراطان، والقيراط: طسوحان، والطسوح حبتان، والحبة: سدس ثمن درهم وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم، والجمع مكاكيك ومكاكي على ما ذكر في البدل … رجع] (٢). أما قول امرئِ القَيس (٣):
* كأنَّ مَكَاكِيّ الجَوَاءِ غُذيَّةً *
فجمعُ مُكَّاءٍ، وهو ضربٌ من الطَّيْرِ. الياء الثانية في الدّياجي جيمٌ.
стр. 1578
قال جارُ الله: "وديوان وديباج".
قال المُشرِّحُ: ديوان: أصلها دوان، لأنه يجمع على دواوين، وهذه الياء معوضة (١) من الواو؛ ولو كانت الياء أصلية لقالوا: دياوين، ولأنه يقال: دونت، والمراد بالدواوين: الخَرائط التي فيها نُسخ الصكوك والسجلات والمحاضر، ونُصب الأولياء (٢) والقيمين في أموال الوقوف (٣) وتقدير النّفقات نقل عن "أدب القاضي" لقاضي بخارى المحنرف (٤) والديباج فيه وجهان:
أحدهما: أن لا تكون الياء منقلبةً عن أحدِ حرفي التَّضعيف وجمعه على هذا الوجه دبابيج، ومن جعلها منقلبة عن أحد حرفي التضعيف جمعه على ديابيج.
قال جارُ الله: "وقيراط وشِيْراز ودِيْماس فيمن قال شراريز ودماميس".
قال المُشَرِّحُ: القيراط: نصف دانق، وأصله: قُرّاط بالتشديد، وكذلك شيراز أصله شرّاز وديماس: أصله: دمّاس، بدليل جمعه على قراريط وشراريز ودَماميس، وقد مضى في الأَبنية.
قال جارُ الله: "وقوله (٥):
стр. 1579
* وايْتَصَلَتْ بمثلِ ضَوْءِ الفَرْقَدِ *
أبدل الياء من التاء الأولى في "اتصلت".
قال المُشَرِّحُ: يقال (١) وصلتُهُ بكذا فاتصل، ثم أبدل [في] (٢) قوله: الواو تاء، ثم التاء ياء.
قال جارُ الله: "ومما سوى ذلك في قولهم أَنَاسِيّ وظَرابِيّ".
قال المُشرِّحُ: الياء الثانية في أناسي بدل من النون، لأنَّه جمع إنسان، وقياسه جمع أناسين، وكذلك حكم ظرابي الثانية فيه بدل من النون، لأنه جمع ظربان، والقياس جمعه ظرابين.
قال جارُ الله: "وقوله (٣):
وَمَنْهَلٍ لَيْسَ لَهُ خَوَازِق
ولِضَفَادِي جَمِّهِ نَقَانِقُ
وقوله (٤):
قال المُشَرِّحُ: الياء في البيت الأول بدل من العين. والحَزْقُ: هو الشد والحبس والحَازِق: الذي ضاق عليه حقه، [عن ابن السكيت]، ومنه: "لا رأي لحاقن ولا لحازق" والمراد بالحوازق: جوانب الأقط إذا جعلته [على] خصفة ليجف، وكذلك شَرَرْتُ الملح واللحم ونحوه، والإِشرارة: ما يبسط عليه الأقط وغيره، وجمعه أشارير ويقال: أشارير: قطعٌ من قديدٍ، تتمير اللحم والتّمر: تجفيفهما الشيء القليل عن الجوهري (١). يقول: إنها تصيد لفرخها الثعالب والأرانب.
البيتُ لأَبي كاهِلٍ اليَشْكُرِيّ، [وقبله]:
كأنّ رَحْلِي عَلَى شَعْوَاءَ حاذِرَةٍ … ظَمْيَاءَ قَدْ بُلّ مِنْ طَلٍّ خَوَافِيْهَا
شبَّه راحلته في سرعتها بالعُقاب إذا بلّها الطَلّ أَسرعت. ظمياء: يريد أنّها تضرب إلى السواد.
عنى بالسَّادي: السادس. الفِسَالُ - بالكسر للفاء جمع فَسْلٍ بفتح الفاء وسكون السين وهو الرذل. ومنه فسالة الحَديد لسحالته. عنى بالثَّالي: الثَّالث.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) (٢) والواو (٣) تبدل من أختيها ومن الهمزة فإبدالها من الألف في نحو ضوارب وضويرب تصغير ضراب مصدر ضارب".
قال المُشَرِّحُ: الواو في ضوارب بدلٌ من الألف في ضارب بدليل أن
стр. 1582
ألف الجمع تقع ثالثة وذلك في نحو مساجد وجعافر وكذلك في ضويرب؛ لأن ياء التَّصغير تقع ثالثة، والواو في ضويرب بدلٌ من الياء في ضيراب. من قال كلام في: كلم قال: قِيْتَال في قاتل. وفي هذا الكلام زلةٌ جرت على قلم الشيخ ﵀.
قال جارُ الله: "وأوادم وأويدم".
قال المُشَرِّحُ: الواو في أَوادم بدلٌ من الألف المنقلبة عن الهمزة، وكذلك في أويدم.
قال جارُ اللَّه: "ورَحَوِيّ وعَصَوِيّ".
قال المُشَرِّحُ: الواو في رَحَوِيّ وعصوي بدل من الألف في رحىً وعصًا، ثم ألف رحى منقلبة عن الياء، وألف عصا [منقلبة عن الواو] (١).
قال جارُ اللَّه: "وإلوان تثنية "إلى" اسمًا".
قال المُشَرِّحُ: الواو في إلوان بدل من الألف في "إلى".
قال جارُ الله: "ومن الياء في نحو موقن وطوبى مما سكَّن ياؤه غير مدغمة وانضم ما قبلها".
قال المُشَرِّحُ: الواو في موقن بدل من الياء؛ لأنَّه من أيقن، وكذلك الوافي في طوبى بدل من الياء؛ لأنها من الطيب، وإنما انقلبت الياء واوًا لسكونها وضمه اسم فاعل ما قبلها، وهذا ينصر مذهب الأخفش حيث يقول: بؤض، إذا بنى نحو برد من البياض.
قالَ جارُ اللَّه: "وفي بقوى".
قال المُشَرِّحُ: البَقْوَى: مِن أَبْقَى عليه، وهو من بقى، لأن المَعنى: اشفق عليه، فكأنه طلب بقاؤه، وبقي يائيٌّ بدليل الحَديث (٢): "بَقِيَنَا
стр. 1583
رسولُ الله ﷺ "، أي: انتَظَرْنا، فكأنا بقينا على حالنا ننتظره.
قال جارُ الله: "وبَوْطَرَ".
قال المُشرِّحُ: من بيطر، ومنه البيطار، واشتقاقه من بطرت الشيء: شققته (١).
قال جارُ الله: "وهذا أمر ممضو عليه ونهو عن المنكر".
قال المُشَرِّحُ: مضيت على الأمر مضيًا، ومضيت مضوًا أيضًا نهيته عن كذا، ويقال: نهوته عن الشيء في معنى نهيته.
[قال جارُ الله: "وفي جباوة"].
قال المُشرِّحُ: جبيت الخراج جباية وجبوته جباوة (٢) ذكره الجوهري (٣)، والياء هو الكثير (٤).
قال جارُ الله: "وفي جؤنة وجؤن كما سلف في تخفيفها".
قال المُشَرِّحُ: الهمزة الساكنة إذا كان ما قبلها مضمومًا قلبت للتخفيف واوًا، وكذلك المتحركة إذا انضم ما قبلها.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والميم أبدلت من الواو واللام والنون والياء، فإبدالها من الواو في فم وحدة".
قال المُشرِّحُ: أصل فم: فوه بوزن سوط، فحذفت الهاء تخفيفًا كما حذفت في سنه فيمن قال: ليست بسنهاء وعملت مسانهة، فصار فو فحصل الاسم على حرفين الثاني منهما لين، فكأنهم كرهوا أن يوزن بوزن يحذفه التنوين فيجحفوا فأبدلوا من الواو الميم لقرب الميم من الواو، لأنهما شفهيتان
стр. 1584
وفي الميم هوى في الفم يضارع امتداد الواو، ويدل أن الفم مفتوح الفاء وجودنا إياها في اللفظ مفتوحة.
قال جارُ اللَّه: "ومن اللام في لغة طيئٍ في نحو ما روى النّمر بن تولب عن رسول الله ﷺ وقيل: إنه لم يروَ غير هذا - "لَيْس من امبرامصيام في امسفر".
قال المُشَرِّحُ: يريد: ليس من البر الصيام في السفر (١).
قال جارُ الله: "ومن النون في نحو عَمْبَر وشَمْبَاء مما وقعت فيه النون ساكنةً قبل [الباء".
قال المُشَرِّحُ: لم يكن إلا ميمًا فإذا تحركت ظهرت نونًا، وذلك قولك شنب وعنابر وقنابر.
قال جارُ اللَّه] "وفي قولُ رؤبة (٢):
стр. 1585
يا هَالَ ذاتَ المَنْطِق التِّمْتَامِ
وكفُّك المُخَضَّبِ البَنَامِ
قال المُشَرِّحُ: التِّمتام: هو الذي فيه تَمتمة، أي: تردد في كلامه. البَنَام: هو البنان.
قال جارُ الله: "وطامه الله على الخير".
قال المُشَرِّحُ: أي: طانة.
قال جارُ الله: "وفي الباء في "بَنَاتِ مَخْرٍ"، وما زلت رَاتِمًا على هذا وَرَأَيْتُهُ من كثم".
قالَ المُشَرِّحُ: "بَناتُ مَخْرٍ" (١) سحائبُ يأتين قُبَيْلَ الصَّيْف رقاقًا، والميم فيه بدل من الباء واشتقاقه من البُخار، وقد يقال: نبات بَحر أيضًا بالحاء المهملة، ولو ذهب ذاهب إلى أن الميم في "مخر" أيضًا أصل غير مبدل على أن يجعله من قوله (٢): ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ يقال: مخرت السّفينة تمخر وتمخر مخرًا ومخورًا: إذا جرت تشق الماء مع صوت، وذلك أن السحاب كأنها تمخر البحر، لأنها فيه تنشأ ومنه تبدأ لكان عندي مصيبًا هذا محصول كلام ابن جني. وكذلك الميم في قولهم (٣): "ما زلت راتمًا" على هذا يحتمل أن تكون أصلًا غير بدل من الرتمة، وهي شيء كان أهل الجاهلية يرونه بينهم، وذلك: أن الرجل منهم كان إذا أراد سفرًا عمد إلى عصنين من شجرتين فقرب أحدهما من الآخر فعقد أحدهما بصاحبه
стр. 1586
فإذا عاد من السّفر ورأى [الغصنين معقودين بحالهما قال: إن امرأته لم تخنه بعده، وإن رأى] الغصنين قد انحلا قال: إن امرأته قد خانته، قال الرّاجز (١):
هَلْ يَنْفَعَنْكَ اليَوْمَ إن هَمَّتْ بِهَمْ
كَثْرَةُ [ما تُوصِيْ وتَعِقَادُ الرَّتَمْ]
والرّتمة أيضًا: خيط يشدّ في الأصبع ليذكر. وكلا هذين الموضعين تأويله الإِقامة والثبوت، فيجوز أن يكون راتمٌ من هذا المعنى، هذا محصول كلام ابن جني أيضًا.
قال جارُ الله: "وقوله (٢):
فَبَادَرَتْ شَاتَهَا عَجْلَا مُثَابِرَةً … حتَّى استَقَتْ دونَ مَحْنَى جِيْدَهَا نَغَمَا
قال ابن الأعرابي: أراد: نغبًا".
قال المُشَرِّحُ: كأنه يريدُ بالاستقاء ها هنا الحَلْبُ. وفي قوله: "دون مَحْنَى جِيْدَهَا". لطيفةٌ، وهى أنه كان من حقّها أن يذبحها فيحلبها دمًا فما ذَبَحَتْها ولكن حَلَبْتهَا لَبَنًا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ): والنُّون أبدلت من الواو واللام في صنعاوي وبهراني ولعن بمعنى "لعل".".
قال المُشَرِّحُ: القياس في النَّسب لصنعاء وبهراء قبيلة: صنعاوي وبهراوي، فقيل: صنعاني وبهراني، فابدل النون فيهما من الواو، وكذلك النون في لعن.
стр. 1587
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والتّاء أبدلت من الواو والياء والسّين والصّاد والباء، فإبدالها من الواو هاء في نحو اتَّعد أتْلَجَهُ قال:
* مُتْلِجٌ كَفَّيْهِ في قَتَرِهْ *
وتُجَاه، وتُيْقور، وتُكْلان وتُكَأَة وتُكلةَ وتُخَمَة وتُهَمَة.
قال المُشَرِّحُ: التَّاء الأولى في: (اتعد) بدل من الواو وأصله: أو تعد وكذلك التاء في تُجاه، أصله: وجاه، وهو من المواجهة. وكذلك التاء في (تُبقر)، وهو من الوقار، وأصله: ويقور، قال العَجّاج (١):
* فإنْ يكن أَمسى البَلى تَيْقُوري *
وكذلك التاء في [تُكلان] اسم من التَّوكل، وهو إظهار العجز والاعتماد على غيرك، ومنه اتكلت على فلان في أمري: إذا اعتمدته. وكذلك التاء في [تُكأةٍ] على مثال هُمَزَةٍ، وهو الكثير الاتّكاء. والنُّكأة أيضًا: ما يُتكأ عليه، والذي يدل على أن التَّاء فيه واو قولهم: تَوَكَّأتُ على العصا وكذلك التاء في تُكلة [يقال: فلان] وُكلة تُكلة، أي: عاجز يكل أمره إلى غيره فيتكل عليه، وكذلك التّاء في تُهمة وأصلها: وهمة، وهي من الوهم.
صدر البيت (٢):
стр. 1588
ربَّ رامٍ من بَنِي ثُعَلٍ … مُتْلِجٌ ............... البيت
بنو ثْعل (١) فيهم الرّماية. وبعده (٢):
* فهو لا تَنْمِي رَمِيَّتَهُ *
قال جارُ الله: "وتقيّة تَقْوَى وتَتْرَى".
قال المُشَرِّحُ: التاء في (تَقِيّة) مبدلة من الواو، وأصله وقية وهي من اتقى، وأصله: أو تقي كأنه وقى نفسه. وكذلك التاء في (تَقوى) من هذا الاشتقاق، والواو في تقوى ياء، لأنها من وقى يقي وقاية ونحوها شروى، وهي من شريت وكذلك التاء في (تَترى) وأصلها: وترى، قال الله تَعالى (٣): ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ أي: وترًا بعد وترٍ، ينون ولا ينون من لم ينونها جعل ألفها للتأنيث، ومن نونها جعل ألفها للإِلحاق.
قال جارُ اللَّه: "وتوراة".
стр. 1589
قال المُشَرِّحُ: في وزن (توراة) ثلاثة أقوال (١):
قيل: هو تفعلة مثل تتفلة لغة في تنفلة، وهو قليل جدًا، وهذا قول الكُوفيين.
وقيل: هو تفعلة إلا أنه صرف إلى الفتح استثقالًا للكسرة في المعتل وهو بناء يكثر نحو توقيه وتوصيه.
وقيل: فَتْح كفتح ناصياه. قال الزّجاج: وهو رديء، لأنه يجب منه في توقية توقاة. وهذا لا يجوز. قال البصريون: توراة: فوعلة قلبت الواو الأولى تاء لئلا يجتمع واوان في أول الكلمة نحو تولج وولج. وفوعلة في كلام العرب كثير.
ابن جني: وقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها [واشتقاقها] من ورى، وهذا كتسميتهم القرآن [فُرقانًا] وتاوها للتأنيث، لانقلابها في الوقف هاء، وتأنيثها كتأنيث الصحيفة والمجلدة، وتذكيرها على إرادة الكتاب.
قال جارُ الله: "وتَولج".
قال المُشَرِّحُ: وكذلك التاء في "تَولج" واو، وهو كناس الوحش التي تلج فيه (٢)، قال -يصف ثورًا يكنس في عضاه (٣) -:
* مُتَّخِذًا في ضَعَوَات تَوْلَجَا *
قال سيبويه (٤): التاء مبدلة من الواو، وهو فوعل، لأنك لا تكاد تجد تفعل في الكلام اسمًا، وفوعل كثير. والشيخ ﵀ قد حكم ها هنا بأن التاء مبدلة من الواو. وفي صنف الزيادة قد عده معد الزيادة مثل تولج وولج أيضًا.
стр. 1590
قال جارُ الله: "وتُراث وتِلاد".
قال المُشَرِّحُ: التّاء في تراث بدل (١) من الواو أصلها وراث من وَرِثَ المالَ، وكذلك التَّاء في تِلاد؛ لأنه المال القديم الذي وُلد عندك، وهو والتّالد بمعنى ونقيضه الطارف.
قال جارُ اللَّه: "ولامًا في أخت وبنت وهنت".
قال المُشَرِّحُ: أما "أخت" فلأنك تقول في جمعها: أخوات، وأما هنت فلقولهمِ: هنوات، وأما بنت فلأنَّا لم نر هذه التاء لحقت مؤنثًا إلا وقد وقعت فيه بدلًا عن واو كما في أخوات وهنوات، والتاء فيهما ليست للتأنيث، ومن ثم قال سيبويه: لو سمَّيْتَ رجلًا ببنت وأخت لصرفته.
قال جارُ الله: "وكلتا".
قال المُشَرِّحُ: قد ذكر في صنف المنسوب اختلاف الناس في (كلتا) فيمن قال بأن وزنه فعتل لم يكن من قبيل ما نحن فيه ومن قال بأنها منقلبة فحينئذ تكون بدلًا من الواو.
قال جارُ الله: "ومن الياء في نحو اتسر".
قال المُشَرِّحُ: اتسر: افتعل من اليسر، وأصله: ايتسر بالياء.
قال جارُ الله: "ولامًا في أَسْنَتَوُا".
قال المُشَرِّحُ: أسنت القومُ: إذا وقعوا في السنة، وهي القَحط ولام السنة ذات وجهين: هاء مرة كقولهم (٢): "ليست بسنهاء"، واستأجرت الأجير مسانهةً. وواو أخرى لقولهم في جمعها سنوات. [واستأجرت الأجير مساناة]. كان القياس أن يقال: أسنى القومُ، فيكون الياء بدلًا من واوٍ في أغزيت واستغزيت، ثم التاء بدلًا من الياء، قال ابن الزِّبَعْرَى (٣):
стр. 1591
عَمْرُو العُلا هَشَمَ الثَّرِيْدَ لِضيْفِهِ … ورِجَالُ مكَّة مُسِنتُون عِجَافُ
وإنما أبدلوا التّاء من الياء ليفرقوا بينه وبين أسنى القوم: أقاموا سنةً.
فإن سألتَ: لم لا يجوز أن تكون التاء بدلًا من الهاء كما هو مذهب الفراء، يقال لرجل سنت أصابتهم السنت توهموا أن الهاء أصلية، إذ وجدوها ثالثة؟ وكذلك لم لا يجوز أن تكون التاء بدلًا من الواو بغير واسطة، وهذا لأن التاء تبدل من الواو في أخت وهنت وبنت ويجب أن يكون كذلك حتى يكون التغيير أقل؟.
أجبتُ: السنة بمعنى القَحط لا تكون إلا واويةً، تقول في جمعها سنوات ولا تقول سنهات فإن شئت فاستأنس في هذا الباب ببيت العراقيات (١):
وتَدمى عَرَاقِيْبُ المُطِيِّ إذا خدَتْ … إِلَيْهِم أعَارِيْبُ الفَلَا سَنَوَاتُها
فكأن السنة بمعنى الحول. [سنتان] (٢) سنة في تقدير سنهة وسنة في تقدير سنوة، فالسنة التي هي في تقدير سنوة غلبت على سنة القحط، والسنة التي هي في تقدير سنهة انصرفت إلى غيرها.
أمَّا الثاني: فلأنَّ أسنى متى كان من الواو ثم جعل من باب أفعل فلا بدّ من أنّ يكونَ بالياء لا بالواو.
[قال جارُ الله: "وثنتان".
قال المُشَرِّحُ: لأنه من ثنيت] (٣).
стр. 1592
قال جارُ اللهِ: "وكَيْتَ وذَيْتَ".
قال المُشَرِّحُ: في كَيْت وذَيْت: بدلٌ من الياء لقولهم في معناه كيّة وذيّة بتشديد الياء.
قال جارُ الله: "ومن السين في طست وست، وقوله (١):
يَا قَاتل الله بني السَّعلاتِ
عَمرُو بن يَربوع شرار النَّاتِ
غَيْر أَعِفَّا ولا أَكْيَاتِ
قال المُشَرِّحُ: الأصل: طيس، دل على ذلك تصغيرها طسيسة، وطسوس، وكذلك تصغير ستّ على سديسة، وتقول سدس وأَسداس وسداس.
قال جارُ اللهِ: "ومن الصّاد في لَصت، قال (٢):
* … كاللُّصُوتِ المُرَّدِ *.
стр. 1593
قال المُشَرِّحُ: التَّاء في لِصْتٌ بدل من الصَّاد، بدليل اللُّغة المشهورة لِصّ.
قالَ جارُ اللهِ: "ومن البَاءِ في الذّعالتِ في معنى الذّعالب، وهي الأخلاق".
قال المُشَرِّحُ: في "الصِّحاح" (١) والذّعاليب: قطع الخرق، قال:
* مُسْتَرْخِيًا عنه ذَعَالِيْب الخِرَقْ *
وعن أبي عمروٍ: أطرافُ الثَّياب يقال لها الذّعاليب، واحدها ذُعلوب، وأصلها من الذّعلب والذِّعلبة -بالكسر- وهي الناقة السَّريعة. والتّذعلب: الانطلاق، وذلك لأن الثياب المختلفة كالذّاهبة (٢).
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والهاء أبدلت من الهمزة والألف والياء والتاء فإبدالها من الهمزة في هرقت الماء وهرحت الدّابة بمعنى أرحتها وهنرت الثوب [وهردتُ الشيء عن اللّحياني".
قالَ المُشَرِّحُ: هنرتُ الثوب] (٣). بمعنى أنرته من النّير -بالكسر- وهردت الشيء بمعنى أردته.
стр. 1594
[قال جارُ اللهِ] (١) "وهيّاك".
قال المُشَرِّحُ: هو بمعنى إِياك.
قال جارُ اللهِ: "ولَهِنَّك".
قال المُشَرِّحُ: قولهم: لَهِنّك" بفتح اللام وكسر الهاء: كلمة تستعمل عند التّوكيد، وأصلها "لأنّك" فأبدلت الهمزة هاءً، كما قالوا في إياك هِيّاك، وإنما جاز أن يجمع بين اللام و "أن" وكلاهما للتوكيد، لأنه لما أبدلت الهمزة زال لفظ "أن" فصار كأنه شيءٌ آخر. وعن أبي عُبَيْدٍ أنشدنا الكِسَائي (٢):
لَهِنَّكِ من عَبْسِيَّةٍ لَوَسِيْمَةٍ … عَلَى هَنَوَاتٍ كاذِبٌ مَنْ يَقُوْلُهَا
أراد: للَّه إنك من عَبْسِيَة فحذف اللام الأولى من لله والألف من إنك، كما قالَ الآخر (٣):
* لاهِ ابن عمّك والنّوى تَعْدُو *
أراد: للَّه ابن عمك، أي: واللَّه، قال سيبويه (٤): هذه كلمةٌ يتكلم بها العَرب في حال اليمين، وليس كل العرب تتكلم بها فتقول: لَهِنَّك رجلُ صدقٍ يريدون: إن، ولكنَّهم أَبدلوا الهاء مكان الألف كقولهم: هَرَقْتُ، ولحقت هذه اللام "أن" كما لحقت "ما" حيث قلت: أن زيدًا لما لينطلق (٥).
стр. 1595
وعن أبي أَدهم الكِلَابي (١): له ربّي لا أَقول، ففتح اللام وكسر الهاء في الادراج. قال (٢) أبو زيد: معناه: والله ربي لا أقول، وأنشد أبو زيد (٣):
* لَهِنَّا لأَشْقَى النَّاسِ إن كُنْتُ غَارِمًا *
وأَنشد أيضًا (٤):
* لَهِنّا لمَقْضِيُّ عَلَيْنَا التَهَاجُرُ *
стр. 1596
وأنشد أيضا (١):
وَأَمَا لَهِنَّك مِنْ تَذَكُّرِ عَهْدِهَا … لَعَلَى شَفَا يَأْسٍ وإنْ لَمْ تَيْأَسِ
قال الشيخ: أبو علي الفارسي: اللَّام في قوله: "له" على قول أبي زيد هي اللام التي هي عين الفعل في الاه، وكان الأصل لله، فحذفت الجارة والتي للتعريف فبقيت "له" وأما ألف (فعال) فحذفت كما حذفت (في) الممدود إذا قصر، وقد قالوا الحصد والحصاد. قال اليَزِيْدِيُّ: وقد حذفت من هذا الاسم في غير هذا [الموضع] قال (٢):
أَلَا لا بَارَكَ الله في سُهَيْل … إذَا مَا الله بَارَكَ في الرِّجَالِ
وقال (٣):
أقْبَلَ سَيْلٌ جادَ مِنْ أَمْرِ اللَّهْ
يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ (٤) المُغِلّةْ
стр. 1597
والذي يرجح قول أبي زيدٍ في هذه المسألة أنه لو كانت اللام بدلًا من الهمزة كان ذلك جمعا بين الهمزة واللام معنى وذلك لا يجوز، ومن ثم قال الأخفش: لو سميت بـ (أصيلال) باللام لكان غير منصرفٍ كما لو سميته بـ (أصيلان) ولذلك لم تصرف العرب نحو صحراء وحمراء لما أبدلوا الهمزة من ألف التأنيث، كما لم يصرفوا نحو رَضْوى وتَتْرى؛ ولأن الكلام لو حمل على ما قال سيبويه فاللام فيه لا تخلو من أن تكون هي المنقلبة للقسم، أو غيرها. لا وجه إِلى أن تكون هي المنقلبة؛ لأنها لو كانت المنقلبة لكانت زائدة، واللام لا تُزاد في نحو هذا الموضع إنما تُزاد في نحو ما أنشده أحمد ابن يحيى (١):
مَرُّوا سِرَاعًا فَقَالُوا كَيْفَ صَاحِبُكُمْ … قَالَ الذي سَأَلُوا أَمْسَى لَمَجْهُودَا
وهي قليلةٌ. وأما المثال الذي اعتلق به سيبويه فالفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر؛ لأن "أن" واللام وإن اتفقا معنى لم يتفقا صورة بخلاف اللامين فإِنهما متفقان صورة ومعنى.
قال جارُ اللهِ: "وهما واللهِ لقد كان كذا. وهن فعلت فعلت في لغة طيئ. وفيما أَنشده أَبو الحَسَن (٢):
стр. 1598
وأَتَى صَوَاحِبَهَا فَقُلْنَ هَذَا الّذي … مَنَحَ المَوَدَّةَ غَيْرَنَا وَجَفَانَا
أي: [أَذا الّذي … ؟] ".
قالَ المُشَرِّحُ: هما واللَّه بمعنى: أَمَا واللَّهِ، وهن فعلتَ فعلتُ معناه: إِن فعلتَ فعلتُ.
قالَ جارُ اللهِ: "ومن الألف في قوله (١):
* إن لم يُرْوِّهَا فَمَهْ *
وفي: "أَنَهْ" و "حَيْهَلَهْ".
قالَ المُشَرِّحُ: "ما" ها هنا هي الاستفهامية، والوجه في قلب الفها هاءً هو الوجه في قوله: "فقلت مَهْ" وقد سَلَفَ في قسم الأسماء الوَقف على ما فيه الألف من غير المتمكنة يكون بالهاء على ما مضى في صنف الوقف.
الضَّمير في "يروها" للإِبل.
قالَ جارُ اللهِ: "و (في) قوله:
"وَقَدْ رَابَنِي قَوْلُهَا يا هَنَاه … *
هي مبدلةٌ من الألف المنقلبة عن الواوِ في هَنَوَاتٍ".
قالَ المُشَرِّحُ: الهاء الأخيرة (٢) في "هناه" ليست أصلًا إنما هي بدل عن
стр. 1599
الألف المنقلبة عن الواو، قالَ الإِمامُ عبد القاهر الجُرجاني: الأصلُ (١) هناوٌ فَعَالٌ من هنوت. أمّا أنها ليست أصلًا؛ فلأنها إذا قلبت: شددت كالفهة فهي من باب سلس أجدر [بالقله] (٢). وأما أنها بدل عن الألف المُنقلبة عن الواو لا عن الواو؛ فلأنَّها بمنزلة الكِسَاءِ، والهمزة في كساءٍ بدل عن الألف المُنقلبة عن الواو فكذلك ها هُنا. وتحقيق هذا الكلام قد مضى في هذا القسم.
فإن سألتَ: كيف (٣) لم تُقلب الألف ها هُنا كما في كساءٍ ورداءٍ [همزةً]؟
أجبتُ لئلا يُظن أنه فعال من التَّهنئة، وفيه مذهبان آخران:
أحدهما: أن الهاء بدل من الواو.
والثاني: أن الهاء للوقف، والأصل هنا، إلا أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، وكلاهما مخالف للقياس من وجهين:
أما الأول: فلأن القياس في حرفِ العلةِ الواقِع طرفًا أن يَنقلب ألفًا لفتحة ما قبلَ الألفِ، إلا أن سكونَ الألفِ يَمنع من انقلابه.
وأمَّا الثَّاني: فلأنَّ إجراء الوصل مجرى الوقف على مخالفةِ الدليل.
قالَ جارُ اللهِ: "ومن الياء في هذه أمة الله، ومن التاء في طلحة وحمزة في الوقف. وحكى قُطرب (٤) أن في لغة طيئ كيف البنون والبناه، وكيف الإِخوة والأخواه".
قالَ المُشَرِّحُ: لأنَّ الوصلَ مما تَجري (٥) فيه الأشياء على أصولها، وأن
стр. 1600
الوقف من مواضع التغيير، ألا ترى أن من قال من العرب: هذا بكُر ومررت ببكِر فنقل الضمة والكسرة إلى الكاف في الوقف، فإنه إذا وصل أجرى الأمر على حقيقته ذكره ابن جِنّى، وكذلك ينقلب التنوين ألفا في الوقف وهي في الأصل تنوين، ومن ثم تقول طيءٌ في الوقف: طلحت وجارثت وقرئ: ﴿التَّابُوتِ﴾ بالهاء والتاء. وحكى سَلَمَة بن عاصمٍ عن بعض النَّحويين: أنها في المُؤنث هي الأصل فرقًا وبين الأفعال، وربما قَال الفَرّاءُ بهذا. ثم إنما أبدل الهاء من التاء ذكره ابن جِنّى، وهو أن كلّ واحدٍ من التاء والهاء حرفٌ مهموسٌ من حروف الزّيادة.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) واللام أُبدلت من النون والصاد في قوله (١):
* وَقَفْتُ فِيْها أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا *
وقوله (٢):
* مالَ إلى أَرْطَاةَ حِقْفٍ فَالْطَجَعْ *
стр. 1601
قالَ المُشَرِّحُ: الْطَجَع، أي: اضْطَجَعَ قلبوها كراهية التقاء المطبقين، وأبدَلُوا مكانها أقربُ الحروف إليها وهو الّلام.
فإن سألتَ: [قلب تاء الافتعال] طاءً إنما كان لمكان الضّاد فإذا زَالت الضَّاد وجب أن تعود التاء؟
أجبت: ترك الطاء بحالها تنبيهًا على أنه يريد الضاد ونظيره (١):
* وَكَحَّل العَيْنَيْن بالعَوَاوِرِ *
صحح الواو الثانية وإن كانت تلي الطرف وقلب الألف التي قبلها واوًا؛ لأنَّه جعل الصّحة في الواو دليلًا على [أن العَوَاوِر] (٢) العواوير. وقُرئ (٣): ﴿لَا تُضَارَّ﴾ بتَخفيف الرًاء وسكونها وإبقائها على السكون إيذانا بأنه أراد التضعيف ويشهد لذلك قوله (٤):
* أرهَنْ بَنِيْكَ عَنْهُمْ أَرْهَنْ بَنِيْ *
لم يرد النُّون في "بني" دلالة على أنه يريد بني.
قالَ جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والطاء أبدلت من التاء في اصطْبَر وفَحَصْطُ برجلي".
стр. 1602
قالَ المُشَرِّحُ: قالُوا: فحصطُ بِرجلي، كما قالوا: اصطَبَر، ووجه شبه تاء فعلت بتاء افتعل أنها ضمير الفاعل، وضمير الفاعل قد أُجري في كثير من أحكامه من الفعل مُجرى بعض أجزاء الفعل، وذلك نحو تسكينهم لامُ الفعل إذا اتصلت به علامة ضمير الفاعل، وذلك نحو ضربتُ، بخلاف ما إذا اتصلت به ضمير المفعول نحو ضربك. وأما شبه الطّاء بالتاء فظاهر.
قال جارُ اللهِ: " (فَصْلٌ) والدَّالُ أبدلت من التاء في ازدجرَ وازدَان وفزدُ واذدكر غير مدغم فيما رواهُ أبو عمرو واجدَ مَعُوا واجدّر في بعض اللُّغات قال:
* … واجْدَرَّ شِيْحَا *
وفي دَوْلج"
قالَ المُشَرِّحُ: إبدال الدّال من التاء في ازدجر وازدان وفزد لقرب الدّال من الزاي، وذلك لأن كل واحدٍ منهما حرفٌ مجهورٌ. يقارب صاحبه في المخرج بخلاف التاء فإنه مهموس، وكذلك الدال والذال مجهوران متقاربا المخرج. اجْدَرَّ: عكس ازدجر إنما قلبت التاء دالًا لما بين الجيم والتاء من التنافر؛ لأن التاء مهموسة والجيم مجهورة، بخلاف الدال فإنه مجهورٌ أيضًا.
وصدر البيت (١):
فقُلْتُ لصاحبي لا تحبَسانا … بنزع أُصوله واجْدَرَّ شِيْحا
стр. 1603
خاطب واحدًا خطاب الاثنين، ونظيره (١):
* فإن تَزْجُرَانِي يا بنَ عفَّان ازْدَجِرْ *
وعليه (٢):
خَلِيْلَيَّ مُرَّا بِي على أمِّ جُنْدبٍ … نقضّ لُبَانَاتِ الفُؤَإدِ المُعَذَّبِ
اَلَمْ تَرَيانِي كُلَّمَا جِئْتُ طَارِقًا … وَجَدْتُ بِهَا طِيْبًا وإنْ لَمْ تُطَيَّبِ
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والجيم أُبدلت من الياء المُشددة في الوقف، قال أبو عمرو (٣): وقلت لرجلٍ من بني حنظلة: ممن أنت؟ فقال: فُقْيمِجٌّ فقلت: من أيّهم؟ فقال: مرجُّ. وقد أجرى الوصل مجرى الوقف، قال (٤):
خالِي عويفٌ وأبو عَلِجِّ
المُطْعِمَانِ اللَّحْمَ بالعَشِجِّ
وبالغَدَاة كُتَلَ البَرْنِجِّ
стр. 1604
يُقَلّع بالوُدِّ وبالصِّيْصِجِّ
وأنشدَ ابنُ الأعرابي (١):
كأن في أذنابِهِن الشُّوُّلِ
من عَبَسِ الصَّيْفِ قُرُوْنَ الأَجِّلِ
قالَ المُشَرِّحُ: إنما أبدلت الجيم من الياء المشددة في الوقف؛ لأنها خَفِيّة (٢)، والوقف يزيدها خفاءً، فأبدلوا منها حرفًا أظهر فقالوا: تَمُيْمِجٌّ، في تَمِيْمِيُّ، وهي لغةٌ غيرُ شاذَّةٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "وقد أُبدلت من غير المشدَّدة في قوله (٣):
لاهُمَّ إن كنت قبلت حَجّتِجْ
فلا يَزال شاجح بأسك بجّ
أَقْمَرَ نَهّات يُنَزّي وافرتِجْ
وقوله (٤):
стр. 1605
* حتّى إذا ما أمسَجَتْ وأَمْسَجَا *
قال المُشَرِّحُ: عنى بـ "أبي عَلِجّ" أبا علي، وبـ "العَشِجّ" العشِيَّ وبـ "البَرِنِجْ" البرنِيَّ، وهو ضربٌ من التَّمرِ. الكتل جمع كُتلة، وهي القِطعة المُتجمعة من [الصَّمغ] (١) وغيره. الود هو الوتد. العبس: ما يَبُس على هِلْب الذَّنب من البَعر والبَول، وعبس الوسخ على يَده: إذا يبس. عنى بـ "الأجّل" الأيل بكسر الهمزة وضمها وهو الذَّكر من الأوعال، عنى بـ "شاحج" حمارًا، وشحيج البغل والغراب: صوته وكذلك الشُّحاجُ بالضم. "الأقمر": هو الأبيض يقال: حمارٌ أقمرُ، وفي قصة خالد بن سنان العبسي (٢): فإذا دفنتموني فامكثُوا ثلاثًا فإنه ستجيئ عانةٌ يقدمها عيرٌ أقمر يطوف حول قبري. "النَّهيت" كالزَّئير إلا أنه دونه، نهت ينهِت بالكسر، نهّات، أي: زجَّارٌ. وأسد نَهَّات وحمارٌ نهَّات. التَّنزيه: التحريك، وهو من نَزَا: إذا وثب. وأمسجت وأمسجا: أي: أمست وأمسى. قال ابنُ جِنّي ﵀ في هذا أجد ما يدل على ما ندعيه من أن أصل رمت رميت وعزت عزوت وأعطت أعطيت. قال الشَّيخ (٣) أبو علي الفارسي: إن ما حذف لالتقاء الساكنين في حكم [الحاضر] (٤) الملفوظ به، ألا ترى أنه أبدل من لام أمست بعد أن قدره ملفوظًا.
стр. 1606
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والسّين إذا وقعت بعد عين أو خاء أو قاف أو طاء جاز إبدالها صادًا كقولك: صالغ، وأصبغ نعمه، وصخر، وصلخ، ومسَّ صَقَر، ويصاقُون وصت وصيقت، وصويق، والصملق، وصراط وصاطع ومصيطر".
قال المُشَرِّحُ: إنما تبدل السّين صادًا في هذين الموضعين تعديل الكلمة بالاستعلاء والإِطباق، إذ الطاء المطبقة مستعلية، والصاد توافقها بذلك وتوافق السين بالمخرج فتكون قلبت السين صادًا مع هذه الحروف بفاصل وبغير فاصل، أمَّا بغير فاصل فنحو (١): ﴿مَسّ صقر﴾ وصفت، وأما بفاصل فيكون بحرف وبحرفين. المصيطر: بالياء المثناة التحتانية.
قال جارُ الله: "وإذا وقعت قبل الدّال ساكنة أبدلت زايًا خالصة كقولك في يسدر: يزدر، وفي يسدل يزدل".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما تبدل السين زايًا لطلبِ المشاكلة، وذلك لأنَّ السينَ مهموسةٌ والدال مجهورةٌ فلا مشاكلة بينهما، بخلاف الزاي والدال، فإنَّ كلًا منهما مجهورٌ.
قال جارُ الله: "قال سيبويه: ولا يجوز المضارعة يعني إشراب صوت الزاي".
قال المُشَرِّحُ: إنما لا يجوز إشرابُ صوتِ الزّاي [فلأن صوت الزاي] مجهورٌ فكان ذلك بمنزلةِ الجَمع بين الضدين، ولأنه شيء لا يطاوع به اللسان.
فإن سألتَ: فما تقولُ في إشرابِ الصّادِ صوتُ الزاي في نحو صدر وصدف؟.
стр. 1607
أجبتُ: لما مر (١) في الإِشراب من كسر كلفة الأطباق.
قال جارُ الله: "وفي لغة كَلْبٍ (٢): تُبدل زايًا مع القاف خاصة يقولون: ﴿مسّ زَقَر﴾.
قال المُشَرِّحُ: هذا أيضًا [لطلب] (٣) للمُشاكلة وذلك لأن السينَ مهموسةٌ والقافَ مجهورةٌ فيقع بينهما التنافر [بخلاف الزاي].
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والصّاد الساكنة إذا وقعت قبل الدال جاز إبدالها زايًا خالصةً في لغة فُصحاء من العرب، ومنه: "لَمْ يُحْرَمْ مَنْ فُزِدْ لَهُ" (٤)، وقولُ حاتِمٍ: "هَذا قردي أَنَهْ".
قَال المُشَرِّحُ: فُزِدْ له: بضم الفاء وسكون الدال. هذا لما ذكرنا من أن الضاد مهموسة والدَّال مجهورةٌ.
فإن سألت: فلمَ لا تُبدل الضَّادُ المتحركةُ زايًا؟
أجبتُ: لأن الحركةَ تعلق الحرف عن (٥) موضعه ومستقره وتحل به إلى جهةِ الحرف الذي هو بعضه، وحينئذ لا يظهر كون الصاد مهموسةً. أنه: تأكيد
стр. 1608
المضمر في "فَصْدى"، وأبدلت الألف هاءً للوقف.
قالَ جارُ اللهِ: وقال الشَّاعر (١):
ودَعْ ذَا الهَوَى قَبْلَ القِلَى تَرْكُ ذِيْ الهَوَى … مَتِيْنَ القُوَى خَيْرٌ مِنَ الصَّرْمِ مَزْدَرَى
قَال المُشَرِّحُ: (ترك ذي الهوى .... البيت) جملة استئنافية وقعت موقع التّعليل لقوله: (ودع ذا الهوى).
قال جارُ اللهِ: "وأن يضارع بها الزّاي".
قَال المُشَرِّحُ: إنما يُصار إلى ذلك لتحصل المُشاكلة مع استبقاءِ الأصلِ من وجهٍ وهذا بمنزلة تليين الهمزة على ما ذكرنا.
قالَ جارُ اللهِ: فإن تحركت لم تُبدل ولكنهم يضارعون بها الزّاي فيقولون صدر وصدق والمصادر والصراط، قال سيبويه: والمُضارعة أكثر وأعرف من الإِبدال والبيان أكثر".
قَال المُشَرِّحُ: إنما تُبدل إذا تحركت لما مر آنفا، ها هنا أقلُّ، إذ الحاجة تندفع بأدنى الأمرين، وهو المضارعة.
стр. 1609
تَخمير (١): في قوله (٢): ﴿إهدنا الصّراطَ المُسْتَقِيْمَ﴾ لغاتٌ (٣) روى [ابن كثير ويعقوب] (٤) بالسّين، وحمزة بإشمام الزّاي. وأبو حمدون عن الكِسَائي بإشمام السّين، فالسين أصلها من سرط الشّيء واسترطه: إذا بلعه وابتلعه لأن السرط [هو الحائلة يسترط أرمله] إذا سلكوه، وكما سمي [لقمًا]، لأنه يلتقمهم الصّاد أفصحها (٥)، لأنها قرشِيّةٌ ثابتةٌ في (الإِمام) (٦)، وأخفها على اللسان وأحسنها في السّمع والبيان لاستواء الصاد والطاء في الإِطباق وإشمام الزاي [لغة قيس، دعت] (٧) إلى زيادة المشاكلة، لأن الصاد والطاء وإن استويا في الإِطباق فقد افترقا في الجهر لأن الصاد مهموسة فأُشربت زايًا لكونها مجهورة.
قال جارُ اللهِ: "ونحو الصاد في المضارعة الجيم والشين، تقول: هذا أجدر وأشدق".
قَال المُشَرِّحُ: الدال مخرجها ما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا، (أمَّا الزّاي فما بين الثنايا وطرف اللسان. والجيم والسين وسط اللسان (٨) وما يحاذيه من الحَنك، فالمقاربة بين الدال والزاي أكثر من المقاربة بينهما وبين الجيم والشين.
стр. 1610
[باب الاعتلال]
قال جارُ اللهِ: "ومن أَصناف المُشترك الاعتلال، حروفة الألف والواو والياء، وثلاثتها تقع في الأضرب الثلاثة، كقولك: مال وناب وسوط وبيض وقال وباع وحاول وبايع، و"لا" و"لَوْ" و"كَيْ"، إلا أن الألف تكون في الأسماء والأفعال زائدة، أو منقلبة عن الواو والياء لا (١) أصلًا، وهي في الحروف أصل ليس إلا؛ لكونها جوامد غير متصرف فيها".
قَال المُشَرِّحُ: الألف إذا كان في اسمٍ أو فعلٍ فإنه لا يخلو من أن تقع في مقابلة بعض الحروف التي هي الفاء والعين واللّام أو لا تقع، فلئن لم تقع فهو الزّائد، وإن وقعت فهو الأصل، لكنه لا بدّ من أن يكون منقلبًا كما في باع وقال ورمى ودعى. وأما الحروف فإنها أصل لئن كونها زيادة إنما يُعرف بتصريفه من حالٍ إلى حالٍ، كما في قولك: ضاربٌ، يحكم عليه بكون ألفه زائدة لأنك تقول: ضرب فترى الألف فيه ساقطة والحرف جوامد (٢) لا تقبل التَّصريف.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والياء والواو غير مزيدتين يتفقان في مواقعهما ويختلفان، فاتفاقهما إن وقعت كلتاهما فاءً كَوعد ويُسر، وعينًا كقَول وبَيع،
стр. 1611
ولامًا كغزو ورمي، وعينًا ولامًا معًا (١) كقوّة وحيّة، [وإن تقدمت كلُّ واحدةٍ منهما على أختها فاءً أو عينًا في نحو ويل ويوم] " (٢).
قَال المُشَرِّحُ: اِعلم أن كل واحدة من الياءين في حيّة غير منقلب عن الواو. فأما الحَيوان فالواو فيه منقلبة من الياء. وقد مضى في أول هذا الكتاب.
[قال جارُ اللهِ: "واختلافهما أن الواو تقدمت على الياء في وقيت وطويت، ولم تتقدم الياء عليها".
قَال المُشَرِّحُ: فيه دليلٌ على أن آخر الكلمة يجب أن يكون بحرفٍ ضعيف] (٢).
قالَ جارُ اللهِ: "وأما الياء في الحَيَوان وحيوة [فكواو] جباوة في كونهما بدلًا من الياء والأصل: حييان وحيية".
قَال المُشَرِّحُ: الحيوة والحيية بمعنى. حَيوة (٣): اسمُ رجلٍ، وأصل حيوان: حَيَيَان، وإنما قلبت الواو إلى الياء فيه لما مر في أول قسم الأسماء وأصل حيوة حيية، وإنما قلبت الياء فيه واوًا ليقع ذلك فرقًا بين المنقول والمنقول عنه، ولهذا لم تُدغم الواو في الياءِ، لأنه بالإِدغام يدهب الفرق.
قال جاُر اللهِ: و [اختلافهما] (٤) أن الياء وقعت فاءً وعينًا معًا، وفاءً ولامًا معًا في يَيْن اسمُ مكانٍ، وفي يديت، ولم تَقع الواو كذلك".
стр. 1612
قَال المُشَرِّحُ: يَيْن بفتح الياء الأولى، وسكون الياء الثانية، ويديت عليه: أنعمتُ عليه. وفي الحماسة (١):
* يَدَيْتُ على ابن حَسْحَاسَ بنِ وَهْبٍ *
قال جارُ اللهِ: "ومذهبُ أبي الحسن في الواوان تأليفهما من الواو، فهي على قوله: [موافقة] للياء فى يَيَّيْتُ، وقد ذَهب غيره إلى أن ألفها عن ياءٍ فهي على هذا موافقتها في يَدَيْتُ".
قَال المُشَرِّحُ: اختلف الناس في ألف الواو فقال بعضهم: إنها ياء، وقال أبو الحسن الأخفش: إنها واوٌ، واحتجوا له بأنه ليس في العربية كلمة فاؤها وعينها ولامها من جنس واحد إلا الياء، وحمل الشيء على الكثير هو الأصل.
ججّةُ أبي الحَسَن: أن الواو أخت الياء، والياء من الياءات فكذلك الواو من الواوات.
قال جارُ اللهِ: "وقالوا ليس في العربية كلمةٌ فاؤها واوٌ ولامها واوٌ إلا الواو، ولذلك آثروا أن يكتب بالياء في الوَغَى".
قَال المُشَرِّحُ: الوَحَى والوَغَى يكتب -بديهة- بالياء، لأنه ليس في العربية كلمة فاؤها واوٌ ولامها واوٌ إلا الواو، فلو كتبت بالألف لكانت لامها كفائها واوًا.
стр. 1613
[القول في الواو والياء فاءين]
قالَ جارُ اللهِ: "الواو تثبت صحيحة وتسقط وتقلب، فثباتها على الصحة في نحو وعد وولد والولد والوعد. وسقوطها فيما عينه مكسورة من مضارع فعل أو فعل لفظًا أو تقديرًا، فاللفظ في يعد ويمق، والتقدير في يضع ويسع، لأن الأصل فيهما الكسر والفتح لحروف الحلق".
قال المُشَرِّحُ: إنما سقطت الواو في يعد ويمق (١) لكونهما أجنبية بين أختين حقيقة، وفي يضع ويسع لكون الواو أجنبية بين أختين تقديرًا، [وذلك أن الأصل في مضارعهما الكَسْر، إذ الأصل أن تكون عين المضارع مخالفًا لعين الماضي، والفتح فيه لحرف الحلق] (٢).
فإن سألتَ: فما تقولُ في أعد وتعد ونعد؟.
أجبتُ: حذفوا الواو ها هنا لئلا يختلف المضارع في فعل واحد ونظيرها أكرم على المضارع، والأصل فيه أأكرم فحذفوا الهمزة لاستثقال الهمزتين، ثم قالوا يكرم وتكرم ونكرم وإن لم يوجد فيهما الهمزتان طردًا للباب. [كذلك ها هنا] (٣).
стр. 1614
قال جارُ الله: "وفي نحو العِدَة والمِقَة من المصادر".
قال المُشَرِّحُ: التاءُ التي تكون عوضًا من محذوف ما تصير في الوقف عليها هاءً زيدت في كلمةٍ عوضًا مما حُذِفَ منها، وذلك نحو زِنَةٍ وعِدَةٍ وإقامة واستقامة.
[قال جارُ الله: "والقلب في ما مر من الإِبدال".
قال المُشَرِّحُ: سبق الإِبدال فيما قد مضى] (١).
قال جارُ الله: "والياء مثلُها إلا في السقوط، تقول: ينع يينع ويسر ييسر فتثبتها حيث أسقطت الواو".
قالَ المُشَرِّحُ: كنتَ تحذف الواو إذا وقعت بين الياء والكسرة، لأن الواو في تلك الصورة أجنبي وقع بين أختين، ولا كذلك الياء.
قال جارُ الله: "وقال بعضُهم بَئِسَ يَئِسُ كوَمِقَ يَمِقُ فأجروها مُجرى الواو وهو قليلٌ".
قال المُشَرِّحُ: كأنَّه استوحش هذا القائل من اجتماع الهمزة المكسورة والياءين فأسقط الياء.
قال جارُ الله: "وقلبها في نحو اتّسر".
قال المُشَرِّحُ: أصلها: ايْتَسَرَ فقلبت الياءُ تاءً كما قلبت الواو [كذلك] في اتعد وأصله: أو تعد.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والذي فارق به قولهم: وجع يوجَع ووجل يوجَل وقولهم: وسع يوسَع ووضَع يضَع حيث ثبتت الواو في أحدهما وسقطت في الآخر، وكلا القبيلين فيه حرف الحلق أن الفتحة في يَوجع أصلية بمنزلتها في
стр. 1615
يَوجل وفي يَسَع عارضة مجتلبة، لأجل حرف الحلق فوزانهما وزان كسرتي الرَّاءين في التجاري والتجارب".
قال المُشَرِّحُ: الفَتحة في (يَوجع) أصلية، لأنها لو كانت عارضة لسقطت الواو كما في (يَسع)، الكسرة في (التجاري) عارضة لمكان الياء الواقعة بعدها، وأصلها الضَمّ كما في التّسارع، وفي (التّجارب) أصلية، لأن تفعله تكسر على تفاعل بكسر العين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ومن العرب من يقلب الواو والياء في مضارع افتعل ألفًا فيقول: يأتعد ويأتسر، ويقول في ييبس وييأس يابس وياأس".
قال المُشَرِّحُ: في الأول بعد [الياء] (١) من الألف موحدة، وفي الثاني بعدها همزة كان يقلبها ألفًا لفتحة ما قبلها.
قال جارُ الله: "وفي مضارع [وَجِلَ] (٢) أربعُ لغاتٍ يَوْجَلُ ويَأْجَلُ ويَيْجَل يِيْجَل".
قال المُشَرِّحُ: أجودهن وأكثرهن يَوْجَلْ، وهي الأصل، وفي التَّنزيل (٣): ﴿قَالُوا لا تَوْجَل﴾ ومن قال: ياجل جعل الواو ألفًا لفتحة ما قبلها فرارًا من اجتماع الواو والياء ومن ثم قلبوا الياءَ في بوائِع جمع فاعِلةٍ من البيع همزةً، ولذلك قالوا: [الواو] والياء إذا اجتمعتا … ، ومن قال ييجل فكأنه رآه قلبًا فعله تقويةً لإِحدى الياءَين بالأُخرى كما تُقوى إحدى الوَاوين بالأُخرى في قولهم: سووق وعوور، ومن قال: ييجل بكسر الياء فهو على لغةِ بني أسد (٤) فإنهم يقولون: أنا اِيجل، ونحن نِيجل وأنت تيجل بالكسر، ونحوه قولهم: يِينا بياءين.