ولامًا كغزو ورمي، وعينًا ولامًا معًا (١) كقوّة وحيّة، [وإن تقدمت كلُّ واحدةٍ منهما على أختها فاءً أو عينًا في نحو ويل ويوم] " (٢).
قَال المُشَرِّحُ: اِعلم أن كل واحدة من الياءين في حيّة غير منقلب عن الواو. فأما الحَيوان فالواو فيه منقلبة من الياء. وقد مضى في أول هذا الكتاب.
[قال جارُ اللهِ: "واختلافهما أن الواو تقدمت على الياء في وقيت وطويت، ولم تتقدم الياء عليها".
قَال المُشَرِّحُ: فيه دليلٌ على أن آخر الكلمة يجب أن يكون بحرفٍ ضعيف] (٢).
قالَ جارُ اللهِ: "وأما الياء في الحَيَوان وحيوة [فكواو] جباوة في كونهما بدلًا من الياء والأصل: حييان وحيية".
قَال المُشَرِّحُ: الحيوة والحيية بمعنى. حَيوة (٣): اسمُ رجلٍ، وأصل حيوان: حَيَيَان، وإنما قلبت الواو إلى الياء فيه لما مر في أول قسم الأسماء وأصل حيوة حيية، وإنما قلبت الياء فيه واوًا ليقع ذلك فرقًا بين المنقول والمنقول عنه، ولهذا لم تُدغم الواو في الياءِ، لأنه بالإِدغام يدهب الفرق.
قال جاُر اللهِ: و [اختلافهما] (٤) أن الياء وقعت فاءً وعينًا معًا، وفاءً ولامًا معًا في يَيْن اسمُ مكانٍ، وفي يديت، ولم تَقع الواو كذلك".
стр. 1612
قَال المُشَرِّحُ: يَيْن بفتح الياء الأولى، وسكون الياء الثانية، ويديت عليه: أنعمتُ عليه. وفي الحماسة (١):
* يَدَيْتُ على ابن حَسْحَاسَ بنِ وَهْبٍ *
قال جارُ اللهِ: "ومذهبُ أبي الحسن في الواوان تأليفهما من الواو، فهي على قوله: [موافقة] للياء فى يَيَّيْتُ، وقد ذَهب غيره إلى أن ألفها عن ياءٍ فهي على هذا موافقتها في يَدَيْتُ".
قَال المُشَرِّحُ: اختلف الناس في ألف الواو فقال بعضهم: إنها ياء، وقال أبو الحسن الأخفش: إنها واوٌ، واحتجوا له بأنه ليس في العربية كلمة فاؤها وعينها ولامها من جنس واحد إلا الياء، وحمل الشيء على الكثير هو الأصل.
ججّةُ أبي الحَسَن: أن الواو أخت الياء، والياء من الياءات فكذلك الواو من الواوات.
قال جارُ اللهِ: "وقالوا ليس في العربية كلمةٌ فاؤها واوٌ ولامها واوٌ إلا الواو، ولذلك آثروا أن يكتب بالياء في الوَغَى".
قَال المُشَرِّحُ: الوَحَى والوَغَى يكتب -بديهة- بالياء، لأنه ليس في العربية كلمة فاؤها واوٌ ولامها واوٌ إلا الواو، فلو كتبت بالألف لكانت لامها كفائها واوًا.
стр. 1613
[القول في الواو والياء فاءين]
قالَ جارُ اللهِ: "الواو تثبت صحيحة وتسقط وتقلب، فثباتها على الصحة في نحو وعد وولد والولد والوعد. وسقوطها فيما عينه مكسورة من مضارع فعل أو فعل لفظًا أو تقديرًا، فاللفظ في يعد ويمق، والتقدير في يضع ويسع، لأن الأصل فيهما الكسر والفتح لحروف الحلق".
قال المُشَرِّحُ: إنما سقطت الواو في يعد ويمق (١) لكونهما أجنبية بين أختين حقيقة، وفي يضع ويسع لكون الواو أجنبية بين أختين تقديرًا، [وذلك أن الأصل في مضارعهما الكَسْر، إذ الأصل أن تكون عين المضارع مخالفًا لعين الماضي، والفتح فيه لحرف الحلق] (٢).
فإن سألتَ: فما تقولُ في أعد وتعد ونعد؟.
أجبتُ: حذفوا الواو ها هنا لئلا يختلف المضارع في فعل واحد ونظيرها أكرم على المضارع، والأصل فيه أأكرم فحذفوا الهمزة لاستثقال الهمزتين، ثم قالوا يكرم وتكرم ونكرم وإن لم يوجد فيهما الهمزتان طردًا للباب. [كذلك ها هنا] (٣).
стр. 1614
قال جارُ الله: "وفي نحو العِدَة والمِقَة من المصادر".
قال المُشَرِّحُ: التاءُ التي تكون عوضًا من محذوف ما تصير في الوقف عليها هاءً زيدت في كلمةٍ عوضًا مما حُذِفَ منها، وذلك نحو زِنَةٍ وعِدَةٍ وإقامة واستقامة.
[قال جارُ الله: "والقلب في ما مر من الإِبدال".
قال المُشَرِّحُ: سبق الإِبدال فيما قد مضى] (١).
قال جارُ الله: "والياء مثلُها إلا في السقوط، تقول: ينع يينع ويسر ييسر فتثبتها حيث أسقطت الواو".
قالَ المُشَرِّحُ: كنتَ تحذف الواو إذا وقعت بين الياء والكسرة، لأن الواو في تلك الصورة أجنبي وقع بين أختين، ولا كذلك الياء.
قال جارُ الله: "وقال بعضُهم بَئِسَ يَئِسُ كوَمِقَ يَمِقُ فأجروها مُجرى الواو وهو قليلٌ".
قال المُشَرِّحُ: كأنَّه استوحش هذا القائل من اجتماع الهمزة المكسورة والياءين فأسقط الياء.
قال جارُ الله: "وقلبها في نحو اتّسر".
قال المُشَرِّحُ: أصلها: ايْتَسَرَ فقلبت الياءُ تاءً كما قلبت الواو [كذلك] في اتعد وأصله: أو تعد.
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) والذي فارق به قولهم: وجع يوجَع ووجل يوجَل وقولهم: وسع يوسَع ووضَع يضَع حيث ثبتت الواو في أحدهما وسقطت في الآخر، وكلا القبيلين فيه حرف الحلق أن الفتحة في يَوجع أصلية بمنزلتها في
стр. 1615
يَوجل وفي يَسَع عارضة مجتلبة، لأجل حرف الحلق فوزانهما وزان كسرتي الرَّاءين في التجاري والتجارب".
قال المُشَرِّحُ: الفَتحة في (يَوجع) أصلية، لأنها لو كانت عارضة لسقطت الواو كما في (يَسع)، الكسرة في (التجاري) عارضة لمكان الياء الواقعة بعدها، وأصلها الضَمّ كما في التّسارع، وفي (التّجارب) أصلية، لأن تفعله تكسر على تفاعل بكسر العين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ومن العرب من يقلب الواو والياء في مضارع افتعل ألفًا فيقول: يأتعد ويأتسر، ويقول في ييبس وييأس يابس وياأس".
قال المُشَرِّحُ: في الأول بعد [الياء] (١) من الألف موحدة، وفي الثاني بعدها همزة كان يقلبها ألفًا لفتحة ما قبلها.
قال جارُ الله: "وفي مضارع [وَجِلَ] (٢) أربعُ لغاتٍ يَوْجَلُ ويَأْجَلُ ويَيْجَل يِيْجَل".
قال المُشَرِّحُ: أجودهن وأكثرهن يَوْجَلْ، وهي الأصل، وفي التَّنزيل (٣): ﴿قَالُوا لا تَوْجَل﴾ ومن قال: ياجل جعل الواو ألفًا لفتحة ما قبلها فرارًا من اجتماع الواو والياء ومن ثم قلبوا الياءَ في بوائِع جمع فاعِلةٍ من البيع همزةً، ولذلك قالوا: [الواو] والياء إذا اجتمعتا … ، ومن قال ييجل فكأنه رآه قلبًا فعله تقويةً لإِحدى الياءَين بالأُخرى كما تُقوى إحدى الوَاوين بالأُخرى في قولهم: سووق وعوور، ومن قال: ييجل بكسر الياء فهو على لغةِ بني أسد (٤) فإنهم يقولون: أنا اِيجل، ونحن نِيجل وأنت تيجل بالكسر، ونحوه قولهم: يِينا بياءين.
стр. 1616
قال جارُ الله: "وليست الكسرة في لغةِ مَن يقول: تِعلم".
قال المُشَرِّحُ: جميع العرب غير أهلِ الحجاز يكسرون أول الفعل المضارع غير الياء فيما كان ماضيه كسرة، وهو على وجهين: (فَعِل)، وما في أوله همزة الوصل الوصل أو ما يقوم مقامها. أما (فَعِلَ) فنحو عَلِمَ. وأما ما في أوله همزة الوصل فنحو انفعل وافتعل واستفعل. وأما ما في أوله ما يقوم مقام همزة الوصل (١) فنحو تفاعل؛ لأن هذه التاء في موضع الهمزة عند سيبويه وذلك للإِيذان بالكسرة في الماضي فيقولون: أنا اِعلم واِستخرج، ونحن نِعلم ونِستخرج وأنت تِعلم وتِستخرج. هذه كلُّها بالكسر، فإذا جاؤوا الياء قالوا هو يَعلم ويَستخرج بالفتح، لثقل الكسرة على الياء. وقوم من كَلْبٍ تكسر الياء أيضًا، لا طلبًا للكسرة في الماضي ولكن لتنقلب الواو ياءً فتقوى إحدى الياءين بالأخرى.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإذا بُنِيَ افتُعل من أَكَلَ وأَمَرَ فقيل ايتَكَلَ وايْتَمَرَ لم تدغم الياء في التاء كما أدغمت في اتّسر، لأن اليَاءَ ها هنا ليست بلازمةٍ. وقول من قال: اتزر خطأٌ".
قال المُشَرِّحُ: الدّليل على أن الياء غيرُ لازمةٍ أنها منقلبة عن الهمزة، والتّاء لا تكاد تبدل من الياء فكيف إذا كانت الياء منقلبة عن همزةٍ فإنما يكثر إبدالها من الواو، وإنما أبدلوها في (اتسر) لاجراء الياء مجرى الواو كما ألحقت الواو بالياء في خطْوات -ساكنة الطاء- تشبيهًا بمُديات وكِلْيات، ولذلك لو حركتها للزم انقلاب الياء واوًا لانظمام ما قبلها.
وإنما كان اتّزر خطأً؛ لأنَّ الياء فيه منقلبة عن همزة.
стр. 1617
(القول في الواو والياء عينين)
قال جارُ الله: "لا يخلو من أن يعلا أو يحذفا أو يسلما، فالإِعلال في قال وخاف وباع وهاب وناب وباب ورجل مال، وهاع، ولاع ونحوها مما تحركتا فيه وانفتح ما قبلهما".
قال المُشَرِّحُ: العين إذا تحركت وانفتح ما قبلها فإنها تُقلب ألفًا. أما إذا سكنت فإنها لا تقلب ألفًا وإن انفتح ما قبلها كما في بَيْع وقَوْل. رجلٌ مال أي: كثير المال، ومال الرجل يمول ويمال (١). أتان لاعية الفؤاد إلى جحشها (٢). قال الأصمعي: هي التي كأنها وَلْهَى من الفزع (٣). ورجل هاعٌ لاعٌ (٤) جبان جزوع، وقد لاعَ يليع، وحكى ابن السكيت (٥): لعت ألاع، وهعت أهاع.
قال جارُ الله: "وفي ما هو من هذه الأفعال من مُضارعاتها وأسماء فاعليها ومفعوليها".
стр. 1618
قال المُشَرِّحُ: أعلّ عين المضارع من هذه الأفعال بالإِسكان في أسماء الفاعلين (١) بالقلبِ، وفي اسم المفعول بالحذفِ على رأي الأخفش، وعند سيبويه بالإِسكانِ.
قال جارُ الله: "وما كان منها على مَفْعَلٍ ومَفْعَلَةٍ ومفعِلٍ ومَفعِلَةٍ ومَفْعُلَةٍ كمَعاد ومَقالة ومَسِير ومَعِيشة ومَشُورة".
قال المُشَرِّحُ: هذه الأسماء - وإن لم تقلم فيها علة الإِعلال لكونها ساكنةً إلا أنها أعلت لما يأتي.
قال جارُ الله: "وما كان نحو أَقام واستقام من ذوات الزوائد التي لم يكن ما قبل حرف العلة منها ألفًا أو واوًا أو ياءً نحو قاول وتقاولوا، وزايل وتزايلوا، وعود وتعوّدوا، وزيّن وتزيّن وما هو منها أُعلت هذه الأشياء وإن لم تقم فيها (٢) علةُ الإِعلال اتباعًا لما قامت العلة فيه لكونها منها وضَربها يُعرف منها".
قال المُشَرِّحُ: أُعلت هذه المشبعات وإن لم يقم فيها علة الإِعلال ( ..... ) (٣) أمَّا نحو قاول وتقاوَلُوا فلم يُعل، لأنه لم يكن إعلالها لسكون ما قَبل حرف الإِعلال.
فحاصلُ المسألةِ أن هذه الأفعال على ضربين:
ما قامَ فيه علّة الإِعلال. وما لَم تَقم فيه، على صحة معنيين:
أحدهما: ما أُعل وإن لم تقم فيه علة الإِعلال لكون أصولها معتلة.
والثاني: لم يعل، لأنه لم يمكن إعلالها.
стр. 1619
قال جارُ الله: "والحذف في قل وقلن وقلت، ولم يقل ولم يقلن، وبع وبعنا وبعت ولم تبع ولم يبعن، وما كان من هذا النوع في المزيد فيه".
قال المُشَرِّحُ: الواو في (قُل) ونحوه حذفت لالتقاء الساكنين لا على حده وكذلك في نحو لم (١) يقم ولم يستقم.
قال جارُ الله: "وفي سَيِّدٍ وميّتٍ وكَيْنُونَةٍ وقَيْلُولَةٍ".
قال المُشَرِّحُ: أصل سيّد وميّت سيْوِد وميْوِت، ثم سيّد وميّت لأن الياء والواو إذا اجتمعا … ، ثم سيّد وميّت تحذف الياء تخفيفًا. وكذلك كَينونة وقَيلولة: أصلها كيونونة وقيلولة ثم يكنوه وقيلوة بالتّشديد. والذي يدل على ذلك أنه لو لم يكن كذلك لكان اللفظ كونونة لأنه ليس في الكلام فعلول. ثم كينونة وقيلولة، بحذف إحدى الياءين للتخفيف.
وقال جارُ الله: "وفي الإِقامة والاستقامة ونحوهما مما التقى فيه الساكنان أو طلب تَخفيف أو اضطّر إعلال".
قال المُشَرِّحُ: الأصل في الإِقامة والاستقامة أقوام واستقوام إلا أن الواو ربّما قد كانت ألقيت حركتها في الفعل على ما قبلها وقلبت ألفًا فقلبت في المصدر ألفًا فاجتمع (٢) ألفان إحداهما المنقلبة، والثانية ألف إفعال، فأسقطت إحداهما لاجتماع الساكنين، والساقطة على قول الخليل وسيبويه الألفُ الثانية، لأنّها زائدةٌ، وجعلت التاء عوضًا عن المحذوف، فإذا أضافوا حذفوا التاء، لأنهم أقاموا المضاف إليه مقامها في العوض.
قال جارُ الله: "والسَّلامة فيما وراءَ ذلك مما فقدت فيه أسباب الإِعلال والحذف".
стр. 1620
قال المُشَرِّحُ: الذي فقد فيه أسباب الإِعلال: أن لا يكون معتلًا متحركًا فيه حرف العلة مفتوحًا ما قبله، ولا مضارعًا لفعل ماض معتل. هذا النوع من الاعتلال، ولا اسم فاعل ولا مفعول لذلك الفعل المعتل، ولا على مفعل ومفعلة ومفعل ومفعلة من ذلك المعتل، ولا فعلًا مزيدًا فيه لثلاثي مُعتل، وذلك الاعتلال فقد فيه أسباب الحذف مما لم يلتق فيه ساكنان لا على حده، ولم يطلب فيه (١) تخفيف ولم يضطر إعلال.
قال جارُ الله: "أو وجدت (خلا) أنه وجد ما يصد عن إمضاءِ حكمها كالذي اعترض في صَوَرَى وحَيَدَى والجَوَلَان والحَيَكَان والقُوباء والخُيَلَاء".
قال المُشَرِّحُ: اعلم أن الأصل في هذا الباب هو الفعل (٢)، لأنه شيء كثير التصرف والانقلاب، وأما المعتل العين من الأسماء فإنه لا يخلو من أن يكون ثلاثيًا محضًا، أو لا يكون، فلئن كان ثلاثيًا محضًا فإنه لا يخلو من أن يوافق الفعل في وزنه أو لا يوافق، فلئن وافقه أُعلّ، لقيام الشبهة بينه وبين الفعل ولئن لم يُوافقه لم يعلّ إعلال كحوت وتوت وعور وحول، وإن لم يكن ثلاثيًا محضًا لا يخلو من أن تكون الزيادة فيه سابقة أو لاحقة. فأمّا إذا كانت الزيادة سابقة فحكمه عما قَليل يُساق إليك في هذا الصنف.
وأمّا إذا كانت لاحقة فإنها لا تخلو من أن تكون لازمة له أو لا تكون، فلئن لم تكن لازمةً له أعلت نحو شجرة شاكة، وأتان لاعة، لأن هذه زيادة.
وأما نحو الجَوْزة والحَوْكة والخَونة. فللفرق (٣) بين صيغتي المفرد والجمع.
стр. 1621
فإن سألتَ: فكيف أعل المفرد دون الجمع؟.
أجبتُ: لأن المفرد سابق فأجريناه على القياس، وهو الإِعلال والجمع متأخر وعنده وقعت الحاجة إلى الفرق فبقّيناه على الأصل، ولم نغير المفرد. ضرورة أن حكم الإِعلال قد نفذ فيه سابقًا، فلا يمكن نسخه. وإن كانت الزيادة سابقة لم يعل وذلك أن لزوم هذه الزيادة قد أخرجته عن شبهة الفعل وذلك نحو حمار حَيَدَى أي يحيد عن ظله لنشاطه، ولم يجئْ في نعوت المذكر على فَعَلَى غيره والجَوَلَان. وهذا لأن مبنى تاء التأنيث على المفارقة بخلاف ألف التأنيث، والألف والنون فإن مبناهما على اللزوم. وأمّا القُوباء والسِّيَرَاء فلا يخلو من أن تكون الألف فيه لازمة، أو لا تكون فلئن كانت حصل الغرض، ولئن لم تكن فما وراءه من الاسم غيرُ موافقٍ للفعل قد أبعد فهذا ضبط هذا الفصل. وكان أبو العباس يقول: القياس إعلال الجَوَلَان والحَيَكَان، لأن الألف والنون عنده بمنزلة تاء التأنيث ومن ثم قال بعض العرب: حادان وداران ودالان وهامان من حاد يحيد، ودار يدور، ودال يدول، من الدّولة، وهام يهيم. وليس الأمر كذلك، لأن الألف والنون قد يكسر عليهما [فيعتد بهما] في الجمع وكذلك حبالى في تكسير حبلى، وسراحين في جمع سرحان بخلاف هاء التأنيث.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وأبنية الفعل في الواو على فَعَلَ يَفْعُلُ نحو قال يقول، وفَعِلَ يَفْعَلُ نحو خاف ويخاف، وفَعُلَ يَفْعُلُ نحو طال يطوُلُ وجاد يجوُدُ، إذا صار طويلًا وجوادًا، وفي الياء على فَعَلَ يَفْعِلُ نحو باع يبيع، وفَعِلَ يَفْعَلَ نحو هاب يهاب. ولم يجئ في الواو يفعِل بالكسر ولا في الياء يفعُل بالضم".
قال المُشَرِّحُ: إنما لم يجئ ذلك في هذا ولا هذا في ذاك لئلا يلزم من ذلك خلاف الأصل بغير ضرورة.
[قال جارُ الله: "وزعم الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه أنهما فعل يفعل
стр. 1622
كحَسِبَ يَحْسِبُ وهما من الواو لقولهم طوَّحت وتوّهت، وهو أطوَح منه وأتوَه، ومن قال: طيّحت وتيّهت فهما على باع يبيع".
قال المُشَرِّحُ: احتج الخليل بأن كونه واويًا قد صح، فلو حُمل على فعل بالفتح لما بقي في يطيح البتة عُذرٌ بخلاف ما لو حمل على الكسر، لأنه ليس في الكلام فعل يفعل بكسر الأول وضم الثاني.
حجة غيره: أنه كما صح من الواو صح كونه من الياء فهو بمنزلة باع يبيع] (١).
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وقد حوَّلوا عند اتصال ضمير الفاعل فَعَل من الواو إلى فَعُل ومن الياء إلى فَعِلَ، ثم تقلب الضَّمة أو الكسرة إلى الفاء فقيل: قُلتُ وقلن وبعت وبعن".
قال المُشَرِّحُ: إذا قلت فعلت نقلت ما كان من بنات الواو إلى فعلت -بالضم-، وما كان من بنات الياء إلى فعلت -بالكسر- ثم حولت الضمة الطارئة على العين، والكسرة الطارئة عليها إلى الفاء فقلت: قمت وبعت فكان التقدير: قومت وبيعت فلما نقلت عن العين حركتها إلى الفاء سكنت، وأسكنت اللام من أجل التاء في فعلت، فحذفت العين لالتقاء الساكنين فصار قمت وبعت وشبهوا ما اعتل عينه بالمعتل لامه إلا أنهم ألزموا (يغزو) وبابه يفغل بالضم، كما ألزموا يرمى وبابه يفعِل بالكسر، وأحسن منه [في المعتل لازمه] (٢) أن يقال: الواو والياء متى وقعا في الماضي عينًا ثم أبدلا ألفًا نظر في عين المضارع فإن كانت في الواو واوًا وفي الياء ياءً فالعبرة لنفس الحرفِ وتحرُّك الفاء بأخي الواو، وهو الضَمّ إن كان الساقط هو الواو، وبأخي الياء
стр. 1623
وهو الكسر إن كان الساقط هو الياء، وإن لم يكن عين المضارع في الواو واوًا ولا في الياء ياءً فالعبرةُ للحركة، وذلك مثل خاف وهاب تُحرك الفاء منهما بالكسر عند سقوط العين فيقال: خفت وهبت.
[قال جارُ الله]: "ولم يحولوا في غير الضمير إلا ما جاء في قول ناسٍ من العرب كَيد يفعل ذاك (١) وما زيل يفعل ذُلك".
قال المُشَرِّحُ: قال سيبويه (٢): وحدّثني أبو الخطاب أن ناسًا من العرب يقولون: كيد زيد يفعل كذا، ويريدون: كاد وما زيل يفعل كذا، يريدون: [ما زال] (٣). فنقلوا الكسر إلى الكاف في فعل كما نقلوا في فعلت.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) (٤) وتقول في ما لم يُسم فاعله قِيل بالكسر وبِيع وقول وبيع بالإِشمام، وقول وبوع بالواو، وكذلك اختير وانقيد له يُكسر ويُضم وتقول: اختور وانقود له".
قال المُشَرِّحُ: إذا قلت (فُعِلَ) في هذه الأشياء كسرت الفاء وحولت عليها حركة العين كما فعلت ذلك في فعلت، لتعيين حركة الأصل، وذلك قولهم: قيل، وبيع وخيف وهيب. ومن العرب من يشم الضمة أراد أن يبين أنها (فَعُلَ)، ومنهم من يضم فيقول: قول وبوع وخوف وهوب يتبع الياء ما قبلها كما قال: موقن.
قال جارُ الله: "وفي (فعلت) من ذلك عُدِت يا مريض واختُرت يا رجل بالكسر والضم الخالصين والإِشمام".
стр. 1624
قال المُشَرِّحُ: إنما لم تضم الفاء ها هنا لئلا يلتبس المبني للفاعل بالمبني للمفعول.
قال جارُ اللهِ: "وليس فيما قبل ياء قيم واستقيم إلا الكسر الصريح".
قال المُشَرِّحُ: وذلك لأن الهمزةَ والقاف حرفان صحيحان، واحتمل الأول منهما الضم والثاني الكسر، وكذلك الياء والقاف بخلاف الثاني في قِيل وبِيع فإنه حرف علة لا يحتمل الحركة.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وقالوا: عود وصيد وأود وخول واجتور فصححوا العين؛ لأنها في معنى ما يجب فيه تصحيحها وهو أفعال وتفاعلوا".
قال المُشَرِّحُ: إنما صحت العين فيهما؛ لأنهما في معنى اعوارة عينه واصياد عنقه، وهناك لا يعل لسكون ما بعده فكذلك ها هنا، [وأما ازدَوجوا واجتَوروا فلأنهما في معنى تجاوروا وتزاوجوا] (١).
قال جارُ الله: "ومنهم من لم يلمح الأصل فقال: غار يغار قال:
* أغارت عَيْنُهُ أم لم تغارا *"
قال المُشَرِّحُ: صدر البيت (٢):
وسَائِلَةٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ عَنّي … أَغَارَتْ [عَيْنُه] ..............
стр. 1625
أرادَ: أم لم تغار فوقف بالألف.
قال جارُ الله: وما لحقته الزيادة من نحو عور في حكمه تقول: أعور الله عينه وأصيَد بعيره لو بنيت منه استفعلت لقلت: استَعورت".
قال المُشَرِّحُ: الفرع يتبع الأصل، والعين صحيحةٌ في الأصل فكذلك في الفرع، ولذلك لما أُعلت عين الفعل أعلوا اسم الفاعل، وعين مفعَله ومفعِله في مقالة ومعيشة.
قال جارُ اللَّه: "و (ليس) مسكنة من لَيِسَ كَصَيِدَ، كما قالوا: عِلْمَ في عَلِمَ، ولكنهم ألزموها الإِسكان لأنها لم تصرّف تصرُّف أخواتها، لم يجعل على لفظ صَيِدَ ولا هاب، ولكن على لفظ ما ليس من الفعل نحو "لَيْت" ولذلك لم ينقَقوا حركة العين إلى الفاء في لست".
قال المُشَرِّحُ: هذا التّخفيف قياس على ما ذكره الشيخ ﵀ وقد مضى الكلام في تخفيف "ليس" في قسم الأفعال.
قال جارُ الله: "وقالوا في التعجب (١): ما أقوله، وما أبيعه".
قال المُشَرِّحُ: هذه الصّيغة من التّعجب اسمٌ غير مأخوذ به مأخذ الفعل، لأنّه على ما ذكرته منقولٌ عن أفعل التفضيل، وأفعل التّفضيل كذلك.
قال جارُ الله: "وقد شذَّ عن القياس نحو أجودت واستروح واستحوذ واستصوب، وأطبَيت وأغيَلت وأخيَلت وأغيَمت واستقْيَل".
قال المُشَرِّحُ: الصّحيح في هذه الأفعال لأحد شيئين. أما لإِيضاح معنى المشترك نحو استروح فإنه أوضح من استراح.
وأما لأنَّ اللفظَ مع فقد الإِعلال أدلُّ على معناه نحو أخيلت السّحابة فإنه أدلُّ على معنى المخيلة من أخالت. يقال: أجدت الشيء فجاد، وقد
стр. 1626
قالوا أجودت كما قالوا: أطال وأطول. وأجودت أدل على معنى الجود (١) من أجدت ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (٢) أي: غلب. وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح، وهو أدل على معنى الجود وهو السوق السريع من استجاد، استصوب فعله واستصابه أدل على الصواب من استصاب يقال: أطاب وأطيب، وأطيب أدل على معنى الطيب من أطاب. أغالت المرأة وأغيلت، وأغيلت أدل على معنى الغيل من أغالت. وأخالت السحابة وأخيَلت، وقد ذكرناهما. أغامت السماء وأغيمت وأغيمت أدل على معنى الغيم من أغامت. استقيل نحو استبشر وهو أدل على معنى القيل من استقال.
قال أبو زَيْدٍ: هذا الباب كله يجوز أن يتكلم به على الأصل، تقول العرب: استجاب واستحوب واستصاب واستصوب وهو قياس [مطرد].
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وإعلال اسم الفاعل من نحو قال وباع أن تقلب (٣) عينه همزة كقولك قائل وبائع".
قال المُشَرِّحُ: قد ذكرنا العلة في إعلال اسم الفاعل في أول هذا الصنف.
قال جارُ اللهِ: "وربما حذفت في نحو قولك شاكٍ، ومنهم من يقلب فيقول: شاكي".
قال المُشَرِّحُ: الشوكة: شدة البأس والحدة، وأصلها من الشوكة النابتة، وقد شاك الرجل يشاك شوكًا: إذا ظهرت حدته وشوكته فهو شائك السلاح وشاكي السلاح أيضًا مقلوب منه.
стр. 1627
قال الشّيخ أبو علي الفارسي: ويجوز في العين إذا قلبت همزةً في هذا النحو ضربان:
أحدهما: أن يعل بالحذف [كما أعلت بالقلب] فيقال: هارٍ وشاكِ السّلاح.
والآخر: أن يُعل بقلبها إلى موضع اللام فيصير في التقدير فالِع ويجوز في قولهم (١):
* ضُرِبَتْ على شُزُنٍ فَهُنَّ شَوَاعِي *
أن تكون فوالع من الشّيء الشّائع، ويكون المعنى أنها متفرقة، وتكون فواعل من قولهم (٢) غارة شعواء، وكذلك يجوز في قوله (٣):
* خَفَضُوا أَسِنَّتَهُم فَكُلُّ نَاعِي *
ضربان، أحدهما: أن يكون مقلوبًا (٢) من النايع الذي يراد به العطشان، ومن قوله (٤):
* … الأَسَلَ النِّيَاعَا *
стр. 1628
أي: العطاش إلى دماء من يغزوه. ويجوز أن يكون ناع من قولك: نَعى ينعى، أي: يقول: يا لِثَارات فلان. ويجوز في ﴿هارٍ﴾ الذي في الآية أن يكون على قول من حذف ويجوز أن يكون على قول من قلب. فأمّا جوازه على الحذف فلأن هذه الهمزة قد حذفت [من] نحو هذه الكلمة. وجوازه على القلب أن يكون مثل قاض وداع، وقد سقطت اللام لالتقاء الساكنين. قال الأَخفش: [يقال] هرت تهار مثل خفت تخاف. قال الشيخ أبو عليٍّ الفارسي: ويجوز في قولهم: "يوم راح" أن يكون فاعلًا على الحذف وفعلًا على غير الحذف. والأخر: أن تعل بقلبها إلى موضع اللام فيصير في التقدير فالع.
قال جارُ اللهِ: "وفي جائي قولان، أحدهما: أنه مقلوب كالشاكي والهمزة لام الفعل، وهو قولُ الخليل" (١).
والثاني: وهو أن الأصل جائي فقلبت الثانية ياء، والباقية هى نحو همزة قائم".
قال المُشَرِّحُ: احتجوا بأن الإِبدال - وإن كان خلاف الأصل لكن القلب أكثر مخالفة للأصل، فيوخذ بالأدنى.
حجة الخليل: أن هذه الياء لو كانت منقلبةً عن الهمزة لجاز ردُّها إلى الأصل كما في خطائي.
قال جارُ الله: "وقد قالوا في عور عاور وصايد كمقاوم ومباين".
стр. 1629
قال المُشَرِّحُ: إنما لم يعل عاور وصايد بناء على الفعل حيث لم يُعل، إلا أن العين في مقاوم ومباين لم تعلّ حيث لم تعل في فعليهما.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإعلال اسم المفعول منهما أن تسكن عينه ثم أن المحذوف منهما واوُ مفعول عند سيبويه (١)، وعند الأخفش العين (٢) ويزعم أن الياء في مخيط منقلبة عن واوِ مفعول".
قال المُشَرِّحُ: احتج الأخفش بأن حذف العين أولى، لأنه أخفى وهذا لأن اسم المفعول مركب من حروف البناء ومن الصيغة، والصيغة آخرهما وجودًا فيكون شيء منهما أظهر بخلاف حروف البناء.
أمّا مخيط: فلاتساع اسم المفعول المبني للمفعول.
حجّةُ سيبويه: بأن واو مفعول بالحذف أولى، لأنه زيادة وحتى لا يلزم من ذلك الخلاف مع القلب في مَخِيْط. الضمير في "منهما" من قوله: "وإعلال اسم المفعول منهما" ينصرف إلى قال وباع المذكورين في أول الفصل المتقدم، وذلك قوله: "وإعلال اسم الفاعل في نحو قال وباع".
قال جارُ الله: "وقالوا مَشيب بناء على شيب بالكسر. ومهوب بناءً على لغة من يقول: هوب".
قال المُشَرِّحُ: شبْتُ الشيء أشوبه فهو مشوب، وأما قوله (٣):
* وماءُ قُدُوْرٍ في القِصَاعِ مَشِيْبُ *
стр. 1630
فقد بناه على شيب بالكسر، ومعنى "مشيب" في البيت مخلوط بالتوابل والصباغ.
قال جارُ الله: "وقد شذّ نحو مخيوط ومزيوت ومسموع وتفاحة مطيوبة، وقال:
* يومُ رَذَاذٍ عَلَيْهِ الدّجن مَغْيُوْمُ *
قال سيبويه (١): ولا نعلمهم أتموا في الواوات؛ لأن الواوات أثقل عليهم من الياءات، وقد روى بعضهم: ثوب مصوون".
قال المُشَرِّحُ: في التّصريفين من يقيس الواو فيقول: قول مقول مقوول [وفرس] مقود قياسًا مطردًا [خطت الثوب] (٢) فهو مخيوط على التمام ومخيط على النقصان. ويقال: طعام مزيت على النقصان، ومزيوت على التمام: إذا جعل فيه الزيت. وقد زت الطعام أزيته زيتًا، وزِتُّ القوم: جعلت أدمهم الزيت.
أول البيت (٣):
حَتَّى تَذَّكر بيضاتٍ وهيَّجَهُ … يومُ رَذَاذٍ [عَلَيْه الدّجن مَغْيُوْمُ] (٤)
على الإِقامة، والرّذاذ: هو المطر الضعيف.
стр. 1631
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ورأى صاحب الكتاب في كل ياء هي عين ساكنة مضموم ما قبلها هي أن تقلب الضمة كسرة لتسلم الياء، فإذا بني نحو برد من البياض قيل: بيض، والأخفش يقول بوض، ويقصر القلب على الجمع في نحو بيض جمع أبيض".
قال المُشَرِّحُ: احتج الأخفش (١) في نحو الطُّوبى من الطيب، وقد مضى في الإِبدال وبنحو المصوفة.
حجة سيبويه (٢): بيض في جمع أبيض. والأخفش يفرق بين الواجد والجمع بأن الجمع أثقل من الواحد فهم يخففونه لثقله أكثر من تخفيف الواحد والياء أخف من الواو فهم في الجمع إلى سلامة الياء أحوج منهم في الواحد ألا تراهم قد قالوا في جمع صائم صوّم وصيّم، وفي جمع قائل قوّل وقيّل، ولم يقولوا في فعّل لرجل حسن الحيلة حيّل، لأنه واحد، والرِّواية حلّ، ورأى صاحب الكتاب على الفعل الماضي.
قال جارُ الله: "ومعيشة [عنده و] (٣) [يجوز أن تكون مفعلة ومفعلة] (٤) وعند الأخفش [هي] (٥) مفعلة [بالكسر - ليس إلا. أمَّا عند سيبويه فيحتمل] (٦) [ولو كانت مفعلة لقلت معوشة] " (٧).
[قال المُشَرِّحُ: معيشة عند الأخفش مفعلة بالكسر ليس إلا وأما عند
стр. 1632
سيبويه فيحتمل أن تكون مفعلة، و] (١) أن تكون مفعلة بالضم إلا أنه قلبت فيه الضمة كسرة لتسلم الياء فيه.
قال جارُ الله: "وإذا بني من البيع مثل تُرتب قال تُبيع وقال الأخفش: تُبُوع".
قال المُشَرِّحُ: هذه المسألة من تفاريع المسألة المتقدمة، سيبويه يبقي التاء على الضم ويكسر الياء التي من حقها أن تضم لتسلم الياء. والأخفش يقول: تُبُوع بضم التاء والباء معًا لأنه -كما ذكرنا- لا يرى سلامة الياء في المفرد.
قال جارُ الله: "والمضوقة في قوله:
* وكنتُ إذا جَارى دَعا لمَضُوقَةٍ *
كالقود والقصوى عنده، وعند الأخفش قياس".
قال المُشَرِّحُ: النحويون يقولون: الباب إذا كان مغيرًا عن أصله تركوا فيه مثالًا أو مثالين على الأصل ليكون دليلًا على الأصل، ونحو ذلك القَود، فإن جميع ما تحرك عينه من المعتل العين [معتلًا]، سوى هذا، والقود والصيد، وكذلك: ما كان على فعلى بالضم من الأسماء فواوها تقلب ياءً نحو الدنيا والعليا والقصيا وترك القصوى على الأصل تنبيهًا على الأصل. المضوقة: الأمر يُشفق منه، ومن أَضيقت من الأمر، أي: أشفقت قال أبو سعيد السِّيرافي: البيت يُروى على المضوقة والمضيقة والمضاقة، والبيت لأبي جندب الهذلي، وتمامه (٢):
* أُشَمِّرُ حتى يَنصف السّاق مِئْزَرِي *
стр. 1633
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والأسماء الثلاثة المجردة إنما يعمل منها ما كان على مثال الفعل نحو باب ودار وشجرة شاكة ورجلٌ مالٌ، لأنها على (١) فعل أو فعل".
قال المُشَرِّحُ: هذا الفصل قد شرحته شرحًا شافيًا في هذا الصِّنف عند قوله: "كالذي اعترض في صَوَرَى وحَيَدَى، قوله: لأنها على فعل وفعل يقول: لأن هذه الأمثلة على فعَل بالفتح وهي باب ودار وشاكة أو فعِل بالكسر وهو رجلٌ مالٌ.
قال جارُ الله: "وربما صح ذلك نحو القَوَد والحَوَكة والجَوَرَة والخَوَنَة، ورجلُ وَرع وحَوَل".
قال المُشَرِّحُ: أما القَوَد (٢) فإنما صح، لأنه من باب الألوان والعيوب على ما تقدم شرحه أما الحَوَكة والخَوَنة والجَوَرة فإنما صحت العين فيها فرقًا بين فَعَلَة جمعًا كهذه، وبينها فردًا نحو كارة وجارة، ونظيرها أفعل من المعتل العين إذا كان اسمًا فإنه يصح وإن كان فعلًا أعلّ فرقًا بينه وبينه، وذلك أبيض وأسود وأهاب وأخاف، وقد جاءت الحاكة والخَانة. ابنُ جنّي أنشد الأصمعي:
فإذا نُصاحبهم نصاحب خَانَةً … وإذا نُفارقهم نُفارق عن قِلَى
والإِعلال قياس، والتصحيح استحسان. وأما روع للجبان وحول من حولت عينه واحولت أيضًا بتشديد اللام وأخواتها لما حكاه الكسائي فقد جعل من باب الألوان والعيوب.
стр. 1634
قال جارُ الله: "وما لَيس على مثالِه ففيه التصحيح كالنَّومة واللُّوَمَة والعُيَبَة والعِوَض والعِوَدَة".
قال المُشَرِّحُ: لأنه ليس في الأَفعال فعل على فعل أو فِعُل.
قال جارُ الله: "وإنما أعلوا قيمًا لأنه مصدر بمعنى القيام، ووصف به في قوله (١): ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ والمصدر يعل باعتلال الفعل.
قال المُشَرِّحُ: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: دينًا ثابتًا قائمًا لا ينسخ كما تُنسخ الشرائع التي قبلها، وهذا لأن قيام الشيءِ يرادُ به ثَبَاتُهُ ودوامه، وأنشد أبو زيدٍ: في قوله:
* يَدُومُ الفُرات فوقها ويَمُوْجُ *
ومنه ماء دائم، وقوله [تَعالى] (٢): ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ أي: ثابتًا في اقتصائك له ومطالبتك إياه. وقوله (٣): ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: يُديمونها ويحافظون عليها. قال الأخفش (٤): في ﴿قيام﴾ ثلاث لغات قيام وقيم وقوام.
فإن سألتَ: لمَ لا يجوزُ أن يكون "قيم" صفة ها هنا؟.
أجبتُ: لقلة مجيء هذا البناء في الصفة، ألا تَرى إنه إنما جاء في قولهم: مكان سُوى، وقوم عُدى. وفِعل في المصادر كثير كالشِّبع والرّضى والصّغر والكِبر.
فإن سألتَ: فكيف اعتلت هذه الكلمة ولم يعل العَوَض والحَوَل؟.
стр. 1635
أجبتُ: قد ورد فيه الواو كما ورد فيه الياء، ومن ثم قال الشَّيخ أبو علي الفارسي (١): ويدلك على ذلك أنه مصدر وأنه عوض حكاية أبي الحسن: قِوَمًا وقِيمًا، فمن قال: قومًا فهو مقصور من قوام، ومن قال: قيمًا فهو مقصور من قيام.
قال جارُ الله: "وقولهم: حال حولًا كالقود".
قال المُشَرِّحُ: إنما أعل "قيم" لمعنيين:
أحدهما: أنه مصدر، والمصدر يتبع الفعل إعلالًا وتصحيحًا.
والثاني: أنه مقصورٌ من قيام، بخلاف حالَ حوَلًا، وعادني حبها عِوَدًا فإنه ما أعل أحدهما.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) إن كان من الواو سكنت عينه لاجتماع الضمَّتين والواو فيقال: نور وعون في جمع نوار وعوان".
قال المُشَرِّحُ: الشيخُ ﵀ قد أشار إلى أن أصلَ هذا أن يكون بالتَّحريك إلا أنه سكنت عينه لاجتماع الضمتين والواو. وجه التّفصيل: أعراضهم في نحو كساء ورداء عن تكسيره على (فُعُل) مع أنهم كسروا كتابًا ورغيفًا وقذالًا على (فُعُل) وهذا لأنه لو كسر على ذلك لا يخلو من أن يخففَ، أو لا يخفف، فلئن لم يخفف فذاك، وإن خفف فالأصل فيه التثقيل فهو بمنزلة المثقل وكذلك لم تعد الألف الساقطة بحكم التقاء الساكنين في رمتا، لأنه لما كان الأصل فيها السكون فكأنها ساكنة، وكذلك لم تزد الواو والياء في رضا وقضو الرجل. والذي يدل على أن أصلها التَّحريك أنه لو كان أصله السكون لما رفض جمع ما كانت اللامُ فيه واوًا بالواو كما لم يرفض ذلك في جمع ما أصله (فَعْل) بالسكون وذلك نحو عَمْرو، وما أسكن فهو
стр. 1636
بطريق التَّخفيف، وهذا إنه لما خُفف الآحاد، وذلك في نحو طنب وكتف وعنق فلئن يخفف الجمع مع أنه أثقل من الآحاد أولى. النَّوارُ: هي المرأة التي تنور عن القبيح، أي: تنفر. يقال: امرأة عوان.
قال جارُ الله: "ويثقل في الشّعر، قال عديُّ بن زيد:
* وفي الأَكفّ اللّامعات سُؤُرْ *"
قال المُشَرِّحُ: قال أبو زَيْدٍ: قوم قول بالضم، وأنشد الشيخ أبو علي الفارسي - ﵀ -:
* تَمْنَحُهُ سُوُك الإِسحِلِ * (١)
ما قبل البيت (٢):
قد جاءنا لو صَحوت أن تقصُرْ … وقد أتى لما عهدت عُصُرْ
عن مبرقات بالبُرِيْنَ وتبدو … بالأكف اللَّامعات سُؤرْ
رفع "أن" بـ "قصر" بأن، وهي لغة لبعض العرب على ما مضى في قسم الحروف "عن مبرقات" في صلة "بقصر". "المبرقات" بالقاف: جمع مبرقة، وهي التي تظهر حليها بها حتى ينظر إليها الرجال وتميل إليها. قوله:
* وفي الأكف اللامعات سؤر *
يريد: وفي أذرع الأكف، لأن السِّوار يكون في الذراع لا الكف.
стр. 1637
قال جارُ اللهِ: "وإن كان من الياء فهو كالصَّحيح. من قال كُتُب ورسل قال غُيُر وبُيُض، ومن قال كُتُب ورُسُل قال: غُيْرٌ وبيْضُ".
قال المُشَرِّحُ: عُيُرٌ: من الغيرة. وبيض: من البيضة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وأمَّا الأسماء المزيد فيها فإنما (١) يُعل منها ما وافق الفعل في وزنه وفارقه [إما] بزيادة لا تكونُ في الفعل كقولك: مقال ومسير ومعونة" (٢).
قال المُشَرِّحُ: الأسماء المزيد فيها [إنما يعمل] (٣) منها ما وافق الفعل في وزنه وفارقه بزيادة [لا تكون في الفعل كقولك مقال، ومسير، ومعونة] (٤) ألا ترى أن أصل مقال ومسير ومعونة. لأن مقول ومسير ومعونة بسكون القاف والسين والعين وهي بمنزلة يفتح ويضرب ويقول: إلا أنها بهذه الميم خالفت الفعل، لأنها لا توجد في الفعل، وكذلك لا يتبع أصله السكون وهو موافق للفعل إلا في هذه الكسرة. وأما المصيدة (٥) فقد اجتمعت المخالفتان فما كان من الأسماء المزيد فيها على موافقة الفعل مع ما ذكرناه من [المفارقة] (٦) أعل.
فإن سألتَ: ما بالهم [قد] أعلوا من الثلاثية المجردة ما (وافق) (٧) الفعل بدون هذه المفارقة، وامتنعوا في المزيد فيها (عن) (٨) إعلال ما وافقه بدون المفارقة؟.
стр. 1638
أجبتُ: لأن الموجب للإِعلال في الثُّلاثية المُجَرَّدةِ قائم، والمانع معدوم، أمَّا قيامُ الموجب فهو الشبه القائم بينها وبين الفعل، وأما عدمُ المانع فلأن وزن الثلاثي من الفعل غير واجب الرعاية، لأنه مما يشترك فيه الاسم والفعل ولذلك لم يُعد من أسباب امتناع انصرف بدليل أنك لو سميت بـ (ضرب) فإنه ينصرف بخلاف، وزن المزيد فيه فإنه واجب الرّعاية ولذلك لو سميت بيضرب فإنه يمنع الصرف.
قال جارُ الله: "وقد شذ نحو مَكْوَزَة ومَزْيَد ومَرْيَم ومَدْيَن ومشوَرة ومصيَدَة، و"الفكاهة مقوَدة إلى الأذى" وقرئ (١) ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
قال المُشَرِّحُ: أما مَزيد، ومَريم، ومَدين، فقد فرقوا بينها أعلامًا وبينها (أجْنَاسًا).
فإن سألتَ: فما بالهم لم يفرّقوا بين زيدٍ وعمرٍو وبكرٍ أعلامًا وبينها أجناسًا؟.
أجبتُ: لأن هذه الأعلام مصدرها لا عن واحدٍ، والناس فيها لا عن وتيرة واحدة، فمنهم من يتحاشى عن أدنى شبهة، ومنهم من لا يتحاشى، وكذلك (مُشوَرَةٌ) لمعتل فرقًا بينها وبين مَشارة.
فإن سألتَ: فكيف أعلوا (مُشوَرَةَ) بالضم، ولم يبقوها على الأصل فرقًا بينها وبين (مَشوْرَة) اسم مفعولة من شار العسل؟.
أجبتُ: لا حاجة إلى الفرق، لأنها هي، وأمّا (المَصْيَدَة) فلأنها لو
стр. 1639
أعلت لا وهمت أنها (فعال) من المصد وهو الرضاع، والمصاد وهو أعلى الجبل (١)، قال:
إذا أَبْرَزَ الرَّوْعُ الكَعَاب فإنّهم … مَصَادٌ لمن يَأْوِي اليهم ومَعْقِلُ
وأمَّا قولُهُ: "الفُكاهة مَقْوَدَةٌ إلى الأَذى" فإن للتَّصحيح فيه زيادةُ دلالةٍ على معنى القود، ونحوه: أَغْيَمَت السَّماء في أغامَت وأمَّا (المَثْوَبَةُ) فإنما صحت فرقًا بينها وبين المثابة وهي الموضع [الذي يُثاب إليه، أي] (٢): يُرجع إليه مرةً بعد أخرى قال الله تعالى (٣): ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ وإنما قِيل للمَنزل مثابةً، لأن أهله ينصرفون في أمورهم، ثم يثوبون إليه.
قال جارُ الله: " [وقولهم]: مقول محذوف من مقوال، كمخيط من مخياط".
قال المُشَرِّحُ: كان القياس أن يعلّ مقول، لأنه على وزن أعلم أمره للمخاطب، [إلا أنّه] لم يُعل، لأنه على وزن مقوال حكمًا ونحوه أرددِ الرجل فإنه - وإن تحركت الدال الثانية إلا أنه لم يعتد بها حكمًا، ألا ترى أنه لو اعتد بها لوجب أن يقال رد الرجل وأن لا يجوز فيه سوى ذلك.
قال جارُ الله: "وأما تِمثال لا يكون فيه كبنائك مثل تِحْلِئ من باع يبيع تقول تِبْيِع بالإِعلال، لأن تِفْعِل بكسر التاء ليس من أمثلة الفعل".
قال المُشَرِّحُ: إنما أعلت تِبِيْع، لأن هذه الكسرة ليست في الأفعال.
فإن سألتَ: لم قلتَ بأن هذه الكسرة ليست في الأفعال والدّليل على كونها فيها أنك تقول: تِعلم ونِستعين بكسر التاء في الأول وكسر النون في الثاني؟.
стр. 1640
أجبتُ: بأن هذه الكسرة لغةُ قومٍ، وهي مع ذلك لا تكون في كلّ فعلٍ، إنما تكون في فعلٍ يكون ماضيه فيه كسرة كما في علم واستعان، وها هنا ليست في الماضي كسرة.
قال جارُ الله: "وما كان مماثلًا للفعل صُحح فرقًا بينه وبينه كقولهم: أَبيض وأَسود وأَدور وأَخونة وأَعينة، وكذلك لو بنيت تفعل ويفعل من زاد يزيد قلت: تزيد وتزيد على التصحيح".
قال المُشَرِّحُ: ما كان من الأسماء مماثلًا للفعل صحح ولا فارق بينها وبين الفعل فالتصحيح فيه لازم حتى يقع به التفرقة بينها وبين افعل. أعينة -فيما أظن- تكسير عيان وهي حديدة تكون في متاع الفدّان.
قال جارُ الله: "وقد أعلوا قِياد وعِياد واجتياز وانقياد لإِعلال أفعالها مع وقوع الكسرة قبل الواو، والحرف المشبه للياء بعدها وهو الألف".
قال المُشَرِّحُ: الدّليل على أن الألف تشبه الياء من وجهين:
أحدهما: فصلُ الإِمالة.
والثاني: أنك تقلب الألف ياء في نحو مصباح في التصغير والتكسير (١) فتقول: مصيبيح ومصابيح. قوله: "واحتياز" إنما هو بالحاء المهملة والزاي.
قال جارُ الله: "ونحو ديار ورياح وجياد تشبيهًا لإِعلال وحدتها بإعلال الفعل مع الكسرة والألف".
قال المُشَرِّحُ: المفرد أصلُ الجمعِ، والجمعُ فرعٌ عليه، كما أن الفعل أصل أسماء الفاعلين والمفعولين وسائر الأسماء في الإِعلال. يقول: والفعل إذا أُعل أُعل أتباعه ولواحقه وكذلك المفرد إذا أعل فالأصل أن يعل به جمعه.
стр. 1641
قال جارُ الله: "ونحو سِياط وثِياب ورِياض لشبه الإِعلال في الواحد، وهو كون الواو ميتة ساكنة فيه كألف دار، وياء ريح مع الكسرة والألف".
قال المُشَرِّحُ: الواو في سوط وثوب وروض ساكنة، كالألف في دار والياء في ريح.
قال جارُ الله: "وقالوا تِيَر ودِيَمٌ لإِعلال الواحد والكسرة".
قال المُشَرِّحُ تير: جمع تارة، والعين فيها واو لقولهم تاورته من المتاورة، وهما يتتاوران. وكذلك دِيم واوي، لأنه جمع ديمة، وهي المطر يدوم أيامًا.
قال جارُ الله: "وقالوا: ثِيَرَةٌ، لسكون الواو في الواحد والكسرة وهذا قليل".
قال المُشَرِّحُ: يقال في جمع ثور من الأقط ثورة، وفي جمع ثور من الحيوان ثِيَرَة نقله ابن جني عن محمد بن يزيد.
قال جارُ الله: "والكثير عِوَدَةٌ وكِوَزَةٌ وزِوَجَةٌ".
قال المُشَرِّحُ: إنما كان عدم الإِعلال ها هنا كثيرًا لفوات الحرف المشبه للياء بعد الواو، وفقد الإِعلال في الواحد بخلاف تير وديم فإنه إن فات الحرف المشبه للياء بعد الألف لم يَفُت الإِعلال في الواحد.
تخمير: الشيخ ﵀: قد خَصّ في هذه المواضع انقلاب الواو المُتحركة إلى الياء، وذلك على ضربين:
لازمٌ، وغيرٌ لازمٍ.
أمَّا اللازم ففي أربعة:
أحدها: أن تكون الواو متحركة مكسورًا ما قبلها في مصدر قد أعل فعله.
стр. 1642
والثاني: أن تكون الواوُ متحركةً مكسورًا ما قبلها في جمع قد أعل مفرده. وهو على ضربين:
أحُدهما: أن يكون كثيرَ الوقوعِ.
والآخرُ: أن يكون قليلَ الوقوعِ.
فهذه ثلاثة.
الرابع: أن تكون الواوُ متحركةً مكسورًا ما قبلها في جمع لم تعل الواو في مفرده، لأنها سكنت فيه فهذه مواضع انقلاب الواو متحركًا مكسورًا ما قبلها انقلابًا لازمًا.
وأما غير اللازم فهو أن تكون الواو متحركًا مكسورًا ما قبلها في ضرب الواو [في] (١) الجموع تكون ياءً (٢) في مفرده ساكنةً.
قال جارُ اللَّه: وقالوا: طوال لتحرك الواو في الواحد وقوله (٣):
стр. 1643
* وإن أَعزَّاءَ الرّجالِ طِيَالُها *
ليس بالأَعراف".
قال المُشَرِّحُ: بينُ سياط وطيال فرق، وذلك أن الواو في واحد (سياط) ساكنة ميتة بخلاف (طوال) فإن الواو في واحدة متحركة.
قال جارُ اللَّه: "وأمَّا قوله: رِوَاء مع سكونها في ريان وانقلابها فلئلا تجمع بين إعلالين، قلب الواو التي هي عين ياء وقلب الياء التي هي لام همزة".
قال المُشَرِّحُ: بين (سِياطٍ) و (رِوَاءٍ) فرقٌ، وذلك أنه لو أعل العين في (رواء) لوقع في كلمة واحدة إعلالان بخلاف (سياط).
قال جارُ اللَّه: " (ونِواء) ليس بنظيره، لأن الواو في واحدة صحيح، وهو قولك: ناو".
قال المُشَرِّحُ: [نواء ليس بنظير لرواءٍ، وذلك، لأن القياس أن لا يُعلّ نواء لأن الواو لم تعل في واحدة] (١) بخلاف رواء فإن الواو قد أعلت في
стр. 1644
واحدة وهو ريّان فلم يبلغ بينهما المجانسة، إنما نواء بمنزلة طوال. لعلّ بعضَ النّحوييين أجرى نواء مجرى رواء في أنه لم يعل فيه الواو لئلا يجمع بين إعلالين فقال الشيخ ﵀: لا حاجةَ فيه إلى العُذر، لأن واحدة غير معتل.
ناو ونواء مثل جائع وجياع، وأصله من الني، وهو الشّحم، قال:
* حَتّى نَوَى الأَعْجف واسْتَمَرّا *
فكأنها أكلت ونوى التّمر فسمنت ألا ترى إلى بيت الدرعيات (١):
* نَوى قَسْبٍ يُرَضَّخُ للنَّواجِي *
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) ويمنع الاسم من الإِعلال بأن يسكن ما قبل واوه ويائه أو ما بعدهما إذا لم يكن نحو الإِقامة والاستقامة مما يُعتل بإعلال (٢) فعله، وذلك قولهم: حوَّلٌ وعُوَّارٌ ومِشوارُ، وتَقوال".
قال المُشَرِّحُ: المصدر يعتل باعتلال الفعل نحو قام قيامًا وقاد قيادًا فقد أعل مع سكون ما [بعد الواو. وما إذا لم يكن مصدرًا فإنه يُعل مع سكون ما] (٣) قبله أو بعده نحو حوّل فإن الواو الثانية فيه لم تعل لسكون ما قبلها. أما عوار ومشوار وتقوال له فعدم الإِعلال فيها لسكون ما قبلها وما بعدها. العُوَّارُ -بالضم والتشديد-: القذى. يقال للمكان الذي فيه يعرض الدواب مشوار،
стр. 1645
يقال: سرت الأوان الدابة: عرضتها على البيع. يقال: إياك والخطر فإنه مشوار كثير العثار.
قال جارُ اللَّه: "وسووق وعوور وطويل ومقاوم وأهوناء وشيوخ هَيام وخيار ومعايش وأبْيِنَاء".
قال المُشَرِّحُ: سووق وعوور بواوين، كذا الرّواية عن الشيخ ﵀ ها هنا، وإنما لم تُعل الواو الأولى منهما لسكونِ ما بعده. ومقاوم: بفتح المِيم: جمع مقامة، لم تُعل الواو فيه لسكون ما قبلها. أَهْوِنَاء: جمع هين، لم تعل الواو فيه لسكون ما قبلها. [هَيَامٌ: -يفتح الهاء]-: رملٌ منقادٌ، لم تُعل فيه (١) الياء لسكون ما بعدها. خيار: جمع خيرة، اسم من الاختيار، وهو أيضًا خلاف الأشرار. لم تُعل فيه الياء لسكون ما بعدها. معايش بياء مثناة تحتانية بعد الألف. لم تُعل فيه الياء لسكون ما قبله. أبيناءُ: جمع بين فيعل من بان الشَّيء، ونحوه أهيناء في جمع هَيّن.
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) وإذا اكتنفت ألف الجمع الذي بعده حرفان واوان أو ياءان أو واو وياء قلبت الثانية همزة كقولك في أول: أوائل، وفي خَيِّرٍ: خياير وفي سيقه: سيايق وفي فعوله من البَيع بوايع. وقولهم: ضَياون شاذة كالقود".
قال المُشَرِّحُ: إنما تقلب الثانية همزةً فرارًا من التقاء متجانسين. أمّا الواوان والياءان فظاهر. وأما الواو والياء فلأنهما مستثقلان، وكذلك فَرُّوا من الواو والياء. من قال: يأجل وييجل. ولذلك قالوا: الواو والياء إذا اجتمعتا ..... وأما الألف بينهما فحاجز غير حصين ومن ثم قالوا: معايش ومقاول ومقاوم فتركوها على الأصل حيث لم يوجد فيها المتجانسان وإنما قلبت الثانية فيما نحن فيه لقربها من الطرف. سَيَايق: جمع سَيِّقةٍ، إنما لم
стр. 1646
تعل الواو في ضياون، لأنها لم تعل في المفرد فلا تعل في الجمع بخلاف سيايق. الضيون: هو (١) السنور.
قال جارُ اللَّه: "وإذا كان الجمع بعد ألفه ثلاثة أحرف [فلا قلب] (٢) كقولك: عواوير وطواويس".
قال المُشَرِّحُ: إنما لم تُقلب الواو في عواوير وطواويس لبعدها عن الطرف.
قال جارُ اللَّه: وقوله:
* وكحّل العَينين بالعَواوِر *
إنما صح لأن الياء مزادة، وعكسه قوله (٣):
* فيها عيائيل أسودٌ ونُمُر *
لأن الياء مزيدة للإِشباع، كياء [صياريف] ".
قال المُشَرِّحُ: المراد به العواوير فعامله معاملة ما فيه الياء، وهذا لأن الشيء إذا ترك للضرورة فكأنه غير متروك ألا ترى إلى قوله (٤):
* ولا ذاكر اللَّهَ إلا قليلًا *
فإنه ترك اسم اللَّه على النصب وإن كان قد سقط التنوين من الأول لكن سقوطه إنما كان لضرورة التقاء الساكنين جاز كذلك هذا.
стр. 1647
وأمَّا عياييل فلأن (١) الياء فيها زائدة فقد عاملها معاملة ما ليس فيها الياء ألا ترى أنه قلبت فيه الهمزة كما في بايع.
فإن سألتَ: فلمَ زاد فيها الياء؟.
أجبتُ: العرب قد تزيد في الجمع الرباعي ياءً في الشعر على التشبيه بالجمع الخماسي فتقول في مسجد ودرهم مساجيد ودراهيم وفي صَيرف صَيَاريف، قال (٢):
تَنْفِي يَدَاهَا الحَصَا في كلِّ هاجرةٍ … نَفْيَ الدَّراهيم تَنْقَاد الصَّياريفِ
البيت لجندل الطهوي، وقبله (٣):
غرّك أن تَقاربت أبا عرِي
وأن رأيتَ الدَّهر ذَا الدّواوِرِ
حتّى عظامي وأراه ثاغري
وكحّل العين ...... البيت
يخاطب (٤) امرأته يقول (لها) (٥): غرك حتى اجترأت على مخالفتي إني
стр. 1648
كبرت وتقاربت أبا عري، يريد: أنه ترك السفر إلى الملوك فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضًا.
والمعنى: أنّ الزمان حنى ظهره وقصر خطوه وأفسد ثغره وبصره.
عياييل تكسير عيل، والمراد به المتبختر المازني (١): سألت الأصمعي: عن عيل تكسّره العرب فيقال: عيائل، يهمزونه كما يهمزون في الواوين. يعني في أول. المحفوظ في (المفصل) (أسودٌ) بالرّفع، وهو عطف بيان لقوله عياييل، وفي شعره: (أُسودٍ) -بالجر- بإضافة عياييل إلى أسود وقبله (٢):
حُفّت بأطواد جبال وسمر
في أَشيب الغِيطان مخفوف الخطر
فيها عيَاييل ............... البيت
يصف قناة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر، يريد (٣) حفت
стр. 1649
القناة بأطواد الجبال. الخطر: الموضع الذي فيه الشجرة وحوله كالحظيرة. "فيها": أي: في هذه الأطواد.
قال جارُ الله: "ومن ذلك إعلال صيم وقيم للقرب من الطَّرف مع تصحيح صوّام وقوّام. وقولهم: فلان من صيابه قومه وقوله (١):
* فَمَا أَرَّق النِّيام إلا سَلَامُها *
قال المُشَرِّحُ: أعلوا صيمًا وقيمًا، ولم يعلوا صوامًا وقوامًا لقرب الأول من الطرف وبعد الثاني [من الطرف] (٢). الفراء: [هو من] صيابة قومه. وصوابة قومه أي: في صميم قومه، من أعل صيابة والنيام لم يعتد بالألف، لأنه حاجز غير حصين، ومن لم يعل اعتد به، لأنه في الجملة حاجز.
فإن سألتَ: فما الفرق بين إعلال صيم وقيم وبين نحو صيّام؟.
أجبتُ: الفرقُ بينهما حسن الإِعلال في نحو صيم وقيم وعدم حسنه في نحو قيام.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ونحو سيّد ميّت وديار ويام وقيوم قلبت فيه الواو ياءً، ولم يفعل ذلك في نحو (٣) سوير وبويع وتسيوير وتيبويع لئلا يختلط بفعل وتفعل".
قال المُشَرِّحُ: أصل سيد سيوِد، وأصل ميت ميوِت. وأصل دياد:
стр. 1650
ديوَار، وأصل قيام (قيوم) قيوام وقيووم، إلا أنه قلبت فيه الواو ياءً لأن الواو والياء اجتمعتا ....
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتقول في جمع مقامة ومعونة ومعيشة: مقاوم ومعاون ومعايش مصرحًا بالواو والياء ولا تهمز كما همزت رسائل وعجائر وصحائف ونحوها مما الألف والواو والياء في وحدانه مدات لا أصل لهن في الحركة".
قال المُشَرِّحُ: حق هذا الفصل أن يلي الفصل الذي أوله: "وإذا اكتنف ألف الجمع الذي بعده حرفان" حتى يظهر أن قلب الثَّانية هناك هربًا من التقاء المُتجانسين. اعلم أن مطايب ومعايس غير مقلوب إلى الهمزة، بل هو ياءٌ صريح، وكذلك مقاول ومقاوم غير معلٍّ، بل هو كما ترى واو بخلاف نحو قائل وبائع فإن اسم الفاعل يتبع مضارعه ألا ترى أنه في معناه ولذلك يعمل عمله، ومن ثم أتبعوه إياه تصحيحًا، وذلك نحو مقاول ومبايع كما أتبعوه إياه إعلالًا. أمَّا نحو عشائر وقبائل فالفرق بينه وبين معايش ظاهر، وذلك أن الإِعلال اطُّرح من وجه، والزائد بالطرح أولى.
فإن سألتَ: فكيف أعلوا مصائب؟.
أجبتُ: فرقًا بين جمع مصيبة وبين جمع مصاب من الصواب.
فإن سألتَ فكيف لم تعكس هذه القضية فتجمع بالهمز مصاب ويترك على لأصل [جمع مصيبة] (١)؟.
أجبتُ: جمع مصاب سبق من جمع مُصيبة فأُجري على الأصل، فلما مست الحاجة إلى التفرقة في جمع مصيبة همز، فاعرفه فرقًا واضحًا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) و (فعلى) من الياء إذا كانت اسمًا قلبت ياؤه