تعل الواو في ضياون، لأنها لم تعل في المفرد فلا تعل في الجمع بخلاف سيايق. الضيون: هو (١) السنور.
قال جارُ اللَّه: "وإذا كان الجمع بعد ألفه ثلاثة أحرف [فلا قلب] (٢) كقولك: عواوير وطواويس".
قال المُشَرِّحُ: إنما لم تُقلب الواو في عواوير وطواويس لبعدها عن الطرف.
قال جارُ اللَّه: وقوله:
* وكحّل العَينين بالعَواوِر *
إنما صح لأن الياء مزادة، وعكسه قوله (٣):
* فيها عيائيل أسودٌ ونُمُر *
لأن الياء مزيدة للإِشباع، كياء [صياريف] ".
قال المُشَرِّحُ: المراد به العواوير فعامله معاملة ما فيه الياء، وهذا لأن الشيء إذا ترك للضرورة فكأنه غير متروك ألا ترى إلى قوله (٤):
* ولا ذاكر اللَّهَ إلا قليلًا *
فإنه ترك اسم اللَّه على النصب وإن كان قد سقط التنوين من الأول لكن سقوطه إنما كان لضرورة التقاء الساكنين جاز كذلك هذا.
стр. 1647
وأمَّا عياييل فلأن (١) الياء فيها زائدة فقد عاملها معاملة ما ليس فيها الياء ألا ترى أنه قلبت فيه الهمزة كما في بايع.
فإن سألتَ: فلمَ زاد فيها الياء؟.
أجبتُ: العرب قد تزيد في الجمع الرباعي ياءً في الشعر على التشبيه بالجمع الخماسي فتقول في مسجد ودرهم مساجيد ودراهيم وفي صَيرف صَيَاريف، قال (٢):
تَنْفِي يَدَاهَا الحَصَا في كلِّ هاجرةٍ … نَفْيَ الدَّراهيم تَنْقَاد الصَّياريفِ
البيت لجندل الطهوي، وقبله (٣):
غرّك أن تَقاربت أبا عرِي
وأن رأيتَ الدَّهر ذَا الدّواوِرِ
حتّى عظامي وأراه ثاغري
وكحّل العين ...... البيت
يخاطب (٤) امرأته يقول (لها) (٥): غرك حتى اجترأت على مخالفتي إني
стр. 1648
كبرت وتقاربت أبا عري، يريد: أنه ترك السفر إلى الملوك فإبله مجتمعة لا يفارق بعضها بعضًا.
والمعنى: أنّ الزمان حنى ظهره وقصر خطوه وأفسد ثغره وبصره.
عياييل تكسير عيل، والمراد به المتبختر المازني (١): سألت الأصمعي: عن عيل تكسّره العرب فيقال: عيائل، يهمزونه كما يهمزون في الواوين. يعني في أول. المحفوظ في (المفصل) (أسودٌ) بالرّفع، وهو عطف بيان لقوله عياييل، وفي شعره: (أُسودٍ) -بالجر- بإضافة عياييل إلى أسود وقبله (٢):
حُفّت بأطواد جبال وسمر
في أَشيب الغِيطان مخفوف الخطر
فيها عيَاييل ............... البيت
يصف قناة نبتت في موضع محفوف بالجبال والشجر، يريد (٣) حفت
стр. 1649
القناة بأطواد الجبال. الخطر: الموضع الذي فيه الشجرة وحوله كالحظيرة. "فيها": أي: في هذه الأطواد.
قال جارُ الله: "ومن ذلك إعلال صيم وقيم للقرب من الطَّرف مع تصحيح صوّام وقوّام. وقولهم: فلان من صيابه قومه وقوله (١):
* فَمَا أَرَّق النِّيام إلا سَلَامُها *
قال المُشَرِّحُ: أعلوا صيمًا وقيمًا، ولم يعلوا صوامًا وقوامًا لقرب الأول من الطرف وبعد الثاني [من الطرف] (٢). الفراء: [هو من] صيابة قومه. وصوابة قومه أي: في صميم قومه، من أعل صيابة والنيام لم يعتد بالألف، لأنه حاجز غير حصين، ومن لم يعل اعتد به، لأنه في الجملة حاجز.
فإن سألتَ: فما الفرق بين إعلال صيم وقيم وبين نحو صيّام؟.
أجبتُ: الفرقُ بينهما حسن الإِعلال في نحو صيم وقيم وعدم حسنه في نحو قيام.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ونحو سيّد ميّت وديار ويام وقيوم قلبت فيه الواو ياءً، ولم يفعل ذلك في نحو (٣) سوير وبويع وتسيوير وتيبويع لئلا يختلط بفعل وتفعل".
قال المُشَرِّحُ: أصل سيد سيوِد، وأصل ميت ميوِت. وأصل دياد:
стр. 1650
ديوَار، وأصل قيام (قيوم) قيوام وقيووم، إلا أنه قلبت فيه الواو ياءً لأن الواو والياء اجتمعتا ....
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتقول في جمع مقامة ومعونة ومعيشة: مقاوم ومعاون ومعايش مصرحًا بالواو والياء ولا تهمز كما همزت رسائل وعجائر وصحائف ونحوها مما الألف والواو والياء في وحدانه مدات لا أصل لهن في الحركة".
قال المُشَرِّحُ: حق هذا الفصل أن يلي الفصل الذي أوله: "وإذا اكتنف ألف الجمع الذي بعده حرفان" حتى يظهر أن قلب الثَّانية هناك هربًا من التقاء المُتجانسين. اعلم أن مطايب ومعايس غير مقلوب إلى الهمزة، بل هو ياءٌ صريح، وكذلك مقاول ومقاوم غير معلٍّ، بل هو كما ترى واو بخلاف نحو قائل وبائع فإن اسم الفاعل يتبع مضارعه ألا ترى أنه في معناه ولذلك يعمل عمله، ومن ثم أتبعوه إياه تصحيحًا، وذلك نحو مقاول ومبايع كما أتبعوه إياه إعلالًا. أمَّا نحو عشائر وقبائل فالفرق بينه وبين معايش ظاهر، وذلك أن الإِعلال اطُّرح من وجه، والزائد بالطرح أولى.
فإن سألتَ: فكيف أعلوا مصائب؟.
أجبتُ: فرقًا بين جمع مصيبة وبين جمع مصاب من الصواب.
فإن سألتَ فكيف لم تعكس هذه القضية فتجمع بالهمز مصاب ويترك على لأصل [جمع مصيبة] (١)؟.
أجبتُ: جمع مصاب سبق من جمع مُصيبة فأُجري على الأصل، فلما مست الحاجة إلى التفرقة في جمع مصيبة همز، فاعرفه فرقًا واضحًا.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) و (فعلى) من الياء إذا كانت اسمًا قلبت ياؤه
стр. 1651
واوًا كالطُّوبى والكُوسى من الطِّيب والكَيَس، ولا تقلب في الصفة كقولك: مشية حِيْكَى وقِسْمَةٌ ضِيْزَى".
قال المُشَرِّحُ: صاحبُ الكتاب وافق أبا الحَسن الأخفش على ترك التغيير وقلب الياء واوًا في الفعلى مما (١) عينه ياءً إذا كانت تأنيث الأَفعل كالأَفضل والفُضلى، وكذلك الطُّوبى والكُوسى في مؤنث الأَطيب والأَكيس. فإن كانت (فِعْلى) مما لا يلزمه لاستعماله بالألف واللام وذلك إذا لم يكن تأنيث الأفعل عاد الحكم فيه إلى ما مضى، وذلك قولهم: قسمة ضيزي. وصاحب الكتاب يجعل هذا فعلى -بالضم- لا محالة، لأنه ليس في كلامهم فعلى صفة، إنما هي فعلى كأنثى وحبلى، وكان القياس على قول أبي الحسن ضوزى. [وقد حكى أيضًا ضُوزى] (٢) بقلبها واوًا فعلى إذا كان فيها ألف ولام استعملت استعمال الأسماء وإن كانت مشتقة ألا ترى أنك تقول: الصغرى والكبرى، فلا تحتاج [إلى] أن تقول: المرأة الصغرى والمرأة الكبرى.
стр. 1652
([القول] (١) في الواو والياء لامين)
قال جارُ الله: "حكمهما أن يعلا أو يحذفا أو يسلما، فإعلالهما متى تحركتا وتحرك ما قبلهما إن لم يقع بعدهما ساكنٌ قلبا إلى الألف، وإن كانت حركة ما قبلهما فتحة نحو غزا ورمى وعصا ورحى أو لأحدهما إلى صاحبتهما كأغزيت والغازي ودعي ورضي وكالتَّقوى والشَّروى والجِباوة، أو إسكانًا كيَغزو ويَرمي، وهذا الغازي وراميك وحذفهما في نحو: لا ترم ولا تغز وارم واغز".
قال المُشَرِّحُ: الواو والياء إذا وقعتا موقع المتحرك وما قبلهما [مفتوح قلبتا ألفًا كغزى ورمى، واستغزى، وإن وقعتا موقع المتحرك وما قبلهما] مكسور فكلاهما ياء كالغازي والرامي ودُعي ورَضي، وإذا وقعتا موقع الساكن فإن كان ذلك في فعل ثلاثي رد إلى أصله، تقول: غزوت ورميت، وإن كان في فعل مزيد فيه فهو ياء نحو أغزيت وغازيت وذلك أن الواو مستثقل لا سيما على آخر المزيد فيه، إما لأنه ثقيل على ثقيل، وإما لأنَّه قطع آخر الكلمة بحرف قوي، وذلك خلاف الأصل فعلى -من الياء- تقلب ياؤه واوًا في الأسماء كالبقوى ولم تقلب في الصفات [كالخزيا] البقوي والشّروى يائيان، وقد مضيا. يقال: جبيت الخراج وجبوته، والياء أكثرُ. الواو والياء المتحرك ما قبله يسكن في الرفع والجر، تقول: هو يغزو ويرمي، وهذا الغازي والرامي
стр. 1653
ومررت بالغازي والرامي الواو والياء إذا وقعا موقع المجزوم سقطتا نحو لا يغزو ولا ترم واغز وارم.
قال جارُ الله: "وفي يد ودم".
قال المُشَرِّحُ: اليَد محذوفة اللام، وهي ساكنة العين، لأن جمعها أيد ويُدى، وهذا جمع فعل مثل فلس وأفلس وفلوس، ولا يجمع فُعُل بالتحريك على أفعل إلا في حروف يسيرة معدودة مثل زمن وأزمن وحبل وأحبل وعصا وأعص. الدم: أصله دَمَوٌ بالتحريك، ومنه قول بعض العرب في تثنيته: دموان أو دمى كقوله (١):
* جَرَى الدَّمَيَان بالخَبَرِ اليَقِيْنِ *
وعليه المُبرد. وقال سيبويه أصله: دمى على فعل بالتسكين، لأنه يجمع على دماء ودمى مثل ظبي وظباء و (ظبي) ودلو ودلاء ودلي.
قال جارُ الله: "وسلامتهما في نحو الغزو والرمي، ويغزوان ويرميان، وغزوا ورميا".
قال المُشَرِّحُ: الواو والياء إذا سكن ما قبلهما فهما في تحمل الحركات بمنزلة الصحيح، وكذلك الواو والياء إذا وقعتا في آخر الفعل الثلاثي المجرد، ثم اتصل به ضمير الاثنين فهو جار مجرى الصحيح تقول غزوا ورميا كما تقول: قعدا وضربا ويغزوان ويرميان كما تقول: يقعدان ويضربان.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ويجريان في حركات الإِعراب مجرى الحروف الصحاح إذا سكن ما قبلها في نحو دلو وظبي وعدو وعدي وواو (وزاي) وآي" (٢).
стр. 1654
قال المُشَرِّحُ: فصل الشيخ ﵀ ها هنا ما أجمله في الفصل المتقدم من أن الياء والواو إذا سكن ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح، سواء كان الساكن حرفًا صحيحًا أو حرفًا مدغمًا أو حرف علة.
قال جارُ الله: "وإذا تحرك ما قبلهما لم يتحملا إلا النّصب نحو لن يغزوَ ولن يرميَ وأريد أن أستقي وتستدعيَ، ورأيت الرامي والعمى والمضوضى".
قال المُشَرِّحُ: الأصمعي (١): الضوة: الصوت والجلبة، يقال سمعت ضوة القوم والضوضاء: أصوات الناس وجلبتهم، يقال: ضوضوا بلا همز.
قال جارُ الله: "وقد جاء الإِسكان في قوله:
* أَبى اللهُ أن أَسْمُوا بأمِّ ولا أبِ*
وقال الأعشى:
فَآلَيْتُ لا أَرْثِيْ لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ … وَلا مِنْ حَفًى حَتَّى تُلاقِي مُحَمَّدًا
وقوله:
* يا دارُ هندٍ إلَّا أَثَافِيْهَا *
وفي المثل (٢): "أعطِ القَوْسَ باريها".
стр. 1655
قال المُشَرِّحُ: أصل السكون في [هذا إنما هو] (١) للألف، لأنها لا تتحرك أبدًا، ثم شبهت الياء بالألف لقربها منه، فجاء عنهم مجيئًا كالمستمر نحو قوله (٢):
كأنَّ أيديهن بالمَوماةِ
أيدي جوارٍ بُتْن ناعِمَاتِ
وقوله (٣)
كأن أيديهن بالقاع القرق
أيدي جوار يتعاطين الورق
ابن جني (٤): وكان أبو العباس يذهب إلى أن إسكان هذه الياء في موضع [النَّصب] من أحسن الضرورات، ثم شبهت الواو بالياء في ذلك. قال الأخطل (٥):
* إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها *
وعليه قراءة من قرأ (٦): ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي﴾ ساكنة اللام.
стр. 1656
البيت الأول لعامر بن الطفيل، وقبله (١):
وإني وإن كنتُ ابنَ سيّدِ عامرٍ … وفارِسَها المَشْهُور في كلّ موكبِ
فَمَا سوّدتني عامرٌ عن وِرَاثَةٍ … أبى الله أَنْ أسمو بأمٍّ ولا أَبِ
حتى تلاقي محمدًا" (٢) يحتمل أن يكون على حكاية الحال المستقبلة كما في قوله (٣): ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ويحتمل أن يكون الخطاب لناقته وحينئذ يستفحل المعنى، وهذا كقوله تعالى (٤): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ [وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾]، بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
الأخفش (٥): في قولهم [أثاف: لم يسمع من العرب بالتثقيل وقال الكسائي وقد سمع فيها التثقيل، وأنشد] (٦):
* أَثَافِيَّ سُفْعًا في معرّس مُرْجلٍ *
стр. 1657
وقرئ (١): ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ و ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (٢) الياء فيه (كله) (٣) خفيفة ساكنة، وهي جمع أثفية فعليه عند من قال أَثَّفْتُ، وأفعولة عند من قال: ثَفَّيْتُ. يحتمل أن يكون قوله: "ألا أثافيها" (٤) من باب الحمل على المعنى، كأنه قال لم يَبق إلا أثافيها.
قال جارُ الله: "وهما في حال الرَّفع ساكنان، وقد شذَّ التَّحريك في قوله (٥):
* موالىٍ كَكِبَاشِ العُوْس سُحَّاحِ *
قال المُشَرِّحُ: العُوس -بالضم- ضربٌ من الغنم، يقال: كبشٌ
стр. 1658
عوسِيٌّ. لحم سَحّاح: -بالحاء المهملة- سمين، قال الأصمعي: كأنه [من سِمَنه] يصب الوَدَك. وغنم سُحاح: سمان.
قال جارُ الله: "ولا يقع في المجرور إلا الياء، لأنه ليس في الأسماء المتمكنة ما آخره واوٌ قبلها حركة".
قال المُشَرِّحُ: لأن ما آخره واو متحركٌ ما قبلها وهو مجرور، ولا [وجود له] (١) رأسًا، وأَمَّا في الأسماء فظاهرٌ، وهذا لأنَّه ليس فيها ما آخره واوٌ متحرك ما قبلها إلا كلمة "هو" و "هي" مرفوعة. وأما في الفعل فلأنه وإن كان كثيرًا [ما] يقع في آخر الفعل الواو المتحرك ما قبلها نحو يغدو ويعزو، لأنه (٢) يستحيل الجو على الفعل.
قال جارُ الله: "وحكمُ الياءِ في الجَرّ حكمها في الرفع، وقد روى لجرير:
فيومًا يجارين الهَوى غير ماضِيٍ … ويومًا ترى منهنّ غُولًا تَغَوّل
وقال ابن الرقيات (٣):
لا بَارَكَ الله في الغَوَاني هَلْ … يُصْبِحْنَ إلّا لهن مُطَّلَبُ
وقال آخر (٤):
стр. 1659
ما أَنْ رَأَيْتُ ولا أَرى في مدَّتي … كَجَوَارِىٍ يَلْعَبْنَ في الصَّحراءِ"
قال المُشَرِّحُ: أبو العباس (١): كان أبو عثمان ينشده:
* فيَومًا تُوافيني الهوى ليس ماضيًا *
يقول: أنى يكون (٢): ومعنى "غير ماضي" جامد لا مضي له ولا استمرار، اطّلب: تكلف الطلب، كما أن ادَّخل: تكلف الدخول يريد يطلبهن الرجال (٣) أو يطلبن الرجال. قائلو هذه الأبيات لم يستثقلوا الكسرة عليها لضرورة الشّعر كما لا تستثقل الفتحة.
قال جارُ الله ويَسقطان في الجزم سقوط الحركة، وقد ثبتا في قوله (٤):
стр. 1660
هَجَوْتَ زَبَّان ثم جِئْت مُعْتَذِرًا … من هَجْوِ زَبَّان لم تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ
وقوله:
أَلَمْ يَأْتِيْكَ والأَنْبَاءُ تَنْمِي … بِمَا لَاقت لبونُ بَنِي زِيَادِ"
قال المُشَرِّحُ: أثبت الواو في "لم تهجو" والياء في "ألم يأتيك" ساكنةً في الجَزم، لأنه اكتفى بحذف الحركة المقدرة [فيه] (١) علامةً للجزم، وهذا هو القياس كما في الوقف والاستحسان أن تسقط الياء، لأنه لا بد أن يسقط الجازم شيئًا، ولا حركة ها هُنا فيسقطها فيَسقط الحرف الذي هو محلّ الحركة يقول: لم تَهْجُ، لأنك اعتذرت، ولم تترك الهجو لأنك هجوت.
ما بعد البيت الثاني (٢):
ومَحْبِسُها على القُرَشِيّ تُشْرَى … بأَدْرَاعٍ وأسْيَافٍ حِدَادِ
يقول: ألم يأتيك خبر لبون بني زياد بما لاقت، ويحتمل أن تكون الباءُ مزيدةً، كقولك: "بحسبك درهم" و (٣) ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ويحتمل أن يكون على التضمين. [قال ابن جني]: زاد الباء في "بما لاقت" لما كان معناه: ألم تسمع بما لاقت. وبنو زِيَادٍ: الرَّبيع بن زياد العَبْسِيّ وإخوته. وعنى
стр. 1661
باللبون ها هنا جماعةُ النُّوق التي لها لبن. والقرشي عبد الله بن جدعان التَّيمي. وتُشرى: تُباع ويؤخذ بثمنها دروع وسيوف.
وسبب هذا الشِّعر (١) أن الرَّبيع بن زياد طلب من قيس بن زهير درعًا فبينا هو يخاطبه والدّرع مع قيس إذ أخذها الرَّبيع وذهب بها فلقي قيس أم الربيع وهي فاطمة ابنة الخرشب فأسرها ليرتهنها حتى يرد عليه درعه الربيع فقالت له: يا قيس: [أين] عزب عقلك؟ أترى بني زياد مصالحيك وقد أخذه أمهم فذهبت بها وقد قال النَّاس ما قالوا، و"يكفيك من شر سماعه" (٢) فخلى عنها وأخذ إبل الرَّبيع. فسار (٣) إِلى مكة فاشترى بها من عبد الله بن جدعان سلاحًا.
قال جارُ الله: "وفي بعض الروايات عن ابن كثير (٤): ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر﴾.
قال المُشَرِّحُ: هذه رواية ابن مجاهد عن قنبل عن القواس ان ابن كثير والوجه فيه أن تجعل ﴿مَنْ يَتَّقِ﴾ الذي يتقي، لاتحاد معنيهما.
فإن سألتَ: فلم انجزم المعطوف؟.
أجبتُ: لشيئين:
(أحدهما) (٥): أن "الذي" وإن لم يتضح شأنه في الشرط عند دخوله عليه [اتضاح معناه عند دخوله] (٥) فبعد تمام الشرط قد اتضح شأنه فيه لو
стр. 1662
أتيت بجملة اسمية في مقام الجزاء لـ "الذي" لأدخلت عليه الفاء، كما تدخله عليها إذا أتيت بها في مقامِ الجزاء لـ "من" فمتى عطفت على الشرط الذي دخل عليه"الذي" جازَ أن لم تجزمه، [لأنه] (١) قد ظهر الأول في مقامِ الجَزْم.
والثَّاني: أن يكون من باب المزاوجة كما في "أتيتك بالغَدايا والعَشايا" وهذا لأن الأول ساكن فكذلك ينبغي يكون الثاني.
فإِن سألتَ: فهل يجوز تقدر في الياء الحركة حتى يسقطها الجازم فتَبقي الياء كما في سائر الحُروف صحيحة (٢)؟.
أجبتُ: قال الشَّيخ أَبو عليٍّ الفارسي: وهذا لا يُحمل (٣) عليه لأنه مما يجيء في الشعر دون الكلام.
قال جارُ الله: "أما الألف فتثبت ساكنة أبدًا إلا في حالة الجزم فإنها تَسقط سقوطها نحو لم يخشَ ولم يَدع، وقد أثبتها من قال:
* كأنْ لَم تَرَىْ قَبْلِي أَسِيْرًا يَمَانِيا *
ونحوه:
ما أَنْسَ لا أنساهُ آخر عِيْشَتِي … ما لاحَ في المَعْزَاءِ (٤) رَيع سَرَابِ
ومنه:
* ولا تَرضَّاها ولا تَمَلّقِ *"
стр. 1663
قال المُشرِّحُ: أثبت الألف في "ترى". وصدر البيت (١):
وتَضْحَكُ منّي شَيْخَةٌ عَبْشمِيَّةٌ … كأنْ [لم تَرَىْ] (٢) ............. البيت
"ما" في البيت الثاني للمُجازاة، وهي جازمةٌ، وقد بقى الألف في "لا أَنْسَاه" (٣).
الريع: -بالفتح- الفضل والزيادة. وأثبت الألف في "ولا ترضاها" في مقام النهي. "ترضاه" طلب رضاه. وقبله (٤):
إذا العَجُوْزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقْ
ولا تَرَضَّاهَا ولا تَمَلّقْ
قال جارُ اللَّه: " (فصلٌ) ولرفضهم في الأسماء المتمكنة أن تتطرف الواو بعد متحرك قالوا في جمع دَلْو وحَقْو على أفعل وجمع عَرْقُوَة وقَلَنْسُوَة على حدِّ تَمرة وتمر أدل وأحق وعرق وقلنس قال (٥):
стр. 1664
لا صَبْرَ حَتَّى تَلْحَقِي بِعَنّسِ
أَهْلِ الرِّياطِ البِيْضِ والقَلَسْ
فأبدلوا من الضمة الواقعة قبل الواو كسرة لتنقلب ياء مثلها في ميزان وميقات".
قال المُشرِّحُ: اعلم أنه ليس في الأسماء المظهرة اسم آخر واو وما قبله مضموم فإذا اتفق مثل ذلك في الجمع كسر ما قبله حتى تنقلب الواوُ ياءً وذلك في نحو أدل وأحق. عَنْسٌ -بالنون-: وهي قبيلة من اليمن (١). الرّياط: بالياء المثناة التحتانية.
قال جارُ الله: "وقالُوا: قَلَنْسُوةٌ وقَمَحْدُوَةٌ وأُفْعُوَان وعُنْفُوان حيث لم تتطرف الواو ونظير ذلك الإِعلال في الكساء والرّداء، وتركه في نحو النّهاية والعظاية والصلاية والشقاوة والأبوة والأخوة والثِّنَايَيْن والمَذْرَوَيْن".
قال المُشَرِّحُ: وأمَّا قَلَنْسُوَةٌ وقَمَحْدُوَةٌ فالواو فيهما وإن وقعت لامًا إلا أنها لم تتطرف، والكلام في المتطرف. وقَلَنْسُوَةُ من أدلٍ بمنزلة الشّقاوة من الكساء [وكذلك الثنايان والمذروان: القياس فيهما قلب الياء واوًا، كما في الكساء] (٢) إلا أنهما لم ينقلبا، لأنهما في حكم ما لم يتطرف. وأما الأبوة والأخوة فسيأتي الكلام فيه في الفصل الثاني. القَمَحْدُوَةُ: ما خَلْفَ الرَّأس، وجمعها قَمَاحِدٌ.
قال جارُ الله: "وسأل سيبويه الخليل (٣) عن قولهم: صلاة وعضاة وعباة
стр. 1665
فقال: إنما جاؤوا بالواحد على قولهم: صلاء وعضاء، وأمَّا مَنْ قال: صِلَايَة وعَبَاية فـ[ـإنه] لم (١) يجئ بالواحد على الصلاء والعباء كما أنه إذا قال: خصيان لم يثنه على الواحد المُستعمل في الكلام".
قال المُشَرِّحُ: يريد: إن الواحد ها هنا مبني على الجمع.
فإن سألتَ: الجمع أبدًا مبني على واحد فعكس ذلك عكس الحقيقة؟.
أجبتُ: الجمع ها هنا جنسٌ، والواضع أبدًا يضع الاسم بإِزاء الجنس أولًا، لأنه المُقدم في نظيره، ثم بإزاء المفرد بخلاف رجلٍ ورجال لأنَّ قولنا: رجلٌ جنسٌ، ورجال -وإن كان جنسًا أيضًا- إلا أن الأول جنس أفراده أفراد، والثاني جنس أفراده جماعات، والجنس الذي أفراده أفراد مقدم عندنا في نظر (٢) الواضع على الجنس الذي أفراده جماعات أما ها هنا فبخلافه، لأن الجمع جنسٌ، والفردُ فردٌ، ولأنَّ الفردَ ها هنا (٣) محتَوٍ على الياء وذلك مُقتضى تأخره (٤) عما لا ياءَ فيه. فأمّا خصيان فقد مضى في صِنف المثنى.
قال جارُ اللَّه: "وقالوا عُتِيّ وجُثِيّ وعُصِيّ (٥) ففعلوا بالواو المتطرفة بعد الضمة في فعول مع حجز المدة بينهما ما فعلوا بها في أدل وقلنس، كما فعلوا في الكساء نحو فعلهم (٦) في العصا، وهذا الصنيع مُستمر فيما كان جمعًا إلا ما شذَّ من قول بَعضهم: إنّك لتنظر في نُحُوٍ كثيرةٍ ولم يستمر فيما ليس بجمع قالوا عُتُو ومغزوّ، وقد قالوا: عتى ومغزى. قال:
стр. 1666
وَقَدْ عَلِمَتْ عُرْسِي مُلَيْكَةُ أَنّنِي … أَنَا اللَّيْثُ معدِيًّا عَلَيْهِ وَعَادِيَا
وقالوا: أرض مسبئة، ومرضى، وقالوا: مرضو على القياس".
قال المُشَرِّحُ: أصلُ عُتُي وجُثُي عُتُوّ (وجُثُو) وتَوهموا الواو الأَخيرة مع اليَاء المضمومة قبل الواو وإن حجز بينهما المدّة وهي الواو الأُولى إلا أنها لسكونها حاجزةُ غير حصينة بمنزلة أدلو ففعلو بها ما فعلوا بأدلو وذلك أنهم كسروا [التاء كما كسروا] اللام هناك حتى انقلبت الواو ياء وهذا الفعل منهم في الجمع دون المفرد على ما يأتي. الواو في العصا إنما تُقلب ألفًا لوقوعها طرفًا، وفتحة ما قبلها بلا فاصل والواو في الكساء قلبت ألفًا [عن الهمزة] لفتحة ما قبلها وإن حجز بينهما الألف، لأنه حاجزٌ غيرُ حصينٍ ثم قلبت الألف همزة.
البيت لعبدِ يَغوث بن وقّاص (١) الحارثي. عرس الرجل: زوجته، يقول: من عدا عليه فهو بمنزلة من عدا على الأسد، فهو يهلك من قصده وإذا قَصد شيئًا هو أهلكه.
قال جارُ الله: "قال سيبويه: والوجه في هذا النحو الواو والأخرى عَربية كثيرةٌ، والوجه في الجمع الياء".
قالَ المُشَرِّحُ: الوجهُ في المفرد إجراؤُهُ على الأصل، وإجراؤه بمنزلةِ الجَمع أيضًا عربي. والوجهُ في الجمع الياء لأنه أثقل من المفرد، ومن ثم كان الأخفش يقصر القلب في نحو بيض في الجمع.
стр. 1667
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والمقلوب بعد الألف يشترط فيه أن تكون الألف مزيدةً مثلها في كساءٍ ورداءٍ، فإن كانت أصلية لم تُقلب كقولك: واو وزاي وآية وثاية".
قالَ المُشَرِّحُ: اللام في مثل هذا المقام حيث تنقلب ألفًا تنقلب لفتحة ما قبل الألف، وعدم الاعتداد بالألف، فإذا كانت الألفُ مزيدةً فهي أولى بأن لا يعتد بها من أن تكون أصلية ولذلك ترى الزوائد يطرحها الجمع.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) والواو المكسورة ما قبلها مقلوبة لا مَحالة نحو غازية ومحنية، وإذا كانوا ممن يقلبها وبينها وبين الكسرة حاجز فى نحو قنية وهو ابن عمي دُنيا فهم لها بغير حاجز أقلب".
قال المُشَرِّحُ: هو ابن عمي دُنيا، أي: دانيًا لاصقَ النَّسب، وانتصابه على الحال كما في قولهم: هو ابن عمي لَحًّا، وتقول: هو ابن [عم] دنى ودنيا ودنيا: إِذا ضممت الدال لم يجز الإِجراء وإذا كسرت فلك فيه الأمران.
قنوتُ الغنمَ وغيرها قنوًا وقنوةً وقنيتها أيضًا قنيةً وقنيةً: إذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة. الياء في قنية على معتقد الشَّيخ ﵀ منقلبةً عن الواو للكسرة ما قبلها. وأمَّا الحاجزُ فهو غيرُ حصينٍ لسكونه، وهكذا الياء في دُنيا لأنَّه من الدُّنُوِّ.
فإن سألتَ: فلمَ قُلبت الواو ياءً في هذين المثالين لكسرة ما قبلهما، ولم تقلب الياء واوًا لضمة ما قبلها في قولهم: صبية وصبيان على لغة من ضم [الصاد] (١) فيهما؟.
أجبتُ: أنه تحاشى ما تحاشى عنه من كتب ضحا بالألف.
فإن سألتَ: فما تقول في عروة وعدوة؟.
стр. 1668
أجبت عنه من وجهين:
أحدهما: أنه لم يتطرف الضعف إلى اللام بالقلب فيها فجاز أن لا يعمل ما ذكرناه من الموجب بقلب الواو ياء بخلاف قنية ودنيا فإِنه قد تطرق الضعف إليهما بقلب لاميهما ياء.
الثاني: أنه لو قلب الواو ياء في صبية وصبيان للزم من ذلك اجتماع المتقاربين بغير ادغام، وذلك عندهم مكروه وهذا لأن الباء شفهية [والياء شفهية] (١).
قال جارُ اللهِ: " (فصلٌ) وما كان (فَعلى) (٢) من الياء قلب ياؤه واوًا في الأسماء كالتقوى والبقوى والرعوى والشروى والعوا، لأنه من عويت، والطغوى لأنها من الطغيان، ولم تقلب في الصفات نحو (خزى وصدى) (٣) وريا".
قال المُشَرِّحُ: أعلم أنهم لما قصدوا الفرق بين الاسم والصفة بقلب الياء واوًا في أحدها جعلوا القلب في الاسم دون الصفة، وذلك أن الواو أثقل من الياء والاسم أخف فجعلوا الأثقل على الأخف تعديلًا، ولأن الصفة لا تخلو عن نوع ملاحظة للفعل المضارع قلبًا وتصحيحًا ولذلك أعل نحو قائم وبائع، ولم يعل نحو مقاوم ومبايع.
فإن سألتَ: الاسم أحمد من الصفة فلا يليق به أيضًا القلب؟.
أجبتُ: الاسم إذا كان أحمد من الصفة فالقلب به أولى؛ لأنه يكون الفرق به (٤) أدوم وأبقى. العواء: كوكب. وفي "الصحاح" (٥) يقال: إنها ورك
стр. 1669
الأسد وفي (شيرزيات) الشيخ أبي علي: زعم أبو إسحاق أنها سميت بذلك للانعطاف الذي فيها كأنها الف معطوفة الذنب، وهو من عويت الحبل، أي: فتلته ومد بعضه فقال: العواء. قال الشيخ أبو علي الفارسي: وهذا عندنا غلط، لأن اللام التي هي ياء إنما يتدل منها الواو في (فعلى) نحو بقوى وشروى ورعوى، وأما (فعلاء) الممدود فلا يبدل من لامها التي هي ياء الواو، بل قد أبدلت من الواو والياء في نحو العليا، أنشد الشيخ ﵀:
سَقَا الإِله دارُهَا فَرَوّى
نجم السّماك بعد نجم العوا
قال جارُ الله: "ولا يفرق فيما كان من الواو نحو دعوى وعدوى (١) وشهوى ونشوى".
قال المُشَرِّحُ: إنما لم يفرق ها هنا بين الاسم (والصفة) (٢) تعديلًا، وذلك أنه لو فرق بينهما لقلبت الواو ياء في الصفة تعديلًا، وذلك غير ممكن ها هنا، ضرورة أن المؤنث إما أن يستتبع المذكر في ذلك أو لا يستتبعه، فلئن استتبعه لزم من ذلك عكس الحقيقة ولئن لم يستتبعه لم يكن المؤنث على نهج المذكر.
قال جارُ الله: "و (فُعلى) (٣) تقلب واوها ياءً في الاسم دون الصّفة فالاسمُ نحو الدُّنيا والعُليا والقُصيا، وقد شذ القُصوى وحُزوى. والصفة قولك -إذا بنيت فعلى من غزوت- غزوى".
قال المُشَرِّحُ: ابن جني في "شرح تصريف المازني" إنما ذكر الدُّنيا والعليا والقصيا، لأنها -وإن كانت أصلها صفات فإنها الآن خرجت إلى
стр. 1670
مذهب الأسماء كما تقول في الأجرع والأبرق والأبطح أنها الآن أسماء لكنَّهم [قد] استعملوها استعمال الأسماء. وإن كانت في الأصل صفات، ألا تَراهم قالوا: أبرق وأبارق وأجرع وأجارع فصرفوا أبرقًا وأجرعًا وجمعوها على مثال محمد وأحامد. وأما (القصوى) و (حزوى) فهما في الأصل وصفان لكن القصوى مما استغنى فيه الصفة عن الموصوف كالصاحب، بل يجوز لك أن تقول: الغاية القصوى. وأما (حزوى): فمنقولة عن الصفة كأحمر، وإذ ذاك فلا شذوذ.
فإن سألتَ: فلمَ حمل الأخف ها هنا وهو الياء - على الاسم؟.
أجبتُ: لأنهم لما راموا الفرقَ بقلب الواو ياء ولا سبيل إلى ذلك في الوصف اضطروا إلى القلب في الاسم.
قال جارُ الله: "ولا يفرق في (فُعلى) من الياء نحو الفُتيا والقُضيا في بناء (فعلى) من قصيت".
قال المُشَرِّحُ: لا يفرق في (فُعلى) -بالضم- من الياء كما لا يفرق في (فعلى) بالفتح من الواو.
فإِن سألتَ: فلمَ وَقَعَ التَّغيير في اللام؟.
أجبتُ: قال ابنُ جِنّي: لأنه محل التغيير كما هو محل الإِعراب لأن الإِعراب تغيير.
قال جارُ الله: "وأمَّا (فعلاء) فحقها أن تنساق على الأصل صفة واسمًا".
قال المُشَرِّحُ: الموجب للقلب في الموضعين، هو الفرق والتعديل كلاهما ولا حاجة إلى التعديل ها هنا، لأن المكسورة معتدلة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وإذا وقعت بعد ألف الجمع الذي بعده حرفان
стр. 1671
همزة عارضة في الجمع (وياء) قلبوا الياء ألفًا والهمزة ياء، وذلك قولهم: مطايا وركايا، والأصل: مطائي وركائي على حد صحائف ورسائل".
قال المُشَرِّحُ: مطايا وركايا قد مضيا في صنف تخفيف الهمزة. عنى بالهمزة العارضة ما لم تكن في الواحد.
قال جارُ اللهِ: وكذلك (شوايا) و (حوايا) في جمع شاوية وحاوية فاعلتين من شويت وحويت، والأصل: شواوي وحواوي، ثم شوائي وحوائي على حد أوائل، ثم شوايا وحوايا".
قال المُشَرِّحُ: إذا [اكتنفت] (١) ألف الجمع الذي بعده [حرفان] (٢) واوان وياءان أو واو وياء قلبت الثانية همزة كأم مضى فرارًا من اجتماع متجانسين أما ها هنا (فـ) قلبت الهمزة ياء فرارًا من الهمزة المكسورة والياء بعدها في الجمع، كأنه فتحت الهمزة ثم قلبت الياء ألفًا، ثم الهمزة ياءً، وبهذه الطريقة قلبت الألف في نحو ركايا.
قال جارُ الله: "و [قد] (٣) قال بعضهم: هداوا جمع هدية وهو شاذٌّ".
قال المُشرِّحُ: لعلّ هذا القائل قد (٤) أراد الإِشعار بأن الياء الواقع بعد الألف في الجمع غير الياء الواقع بعدها في المفرد و [ذلك: لأن الياء الواقع بعدها في المفرد] (٥) هي المدة التي عليها بنيت الكلمة وفي الجمع هو الحرف المنقلب عن الهمزة بخلاف ركايا ومطايا فإنهما واويتان فقلبت الياء فيهما واوًا توهمًا (٦).
стр. 1672
قال جارُ الله: "وأما نحو إداوة وعِلاوة وهِراوة فقد ألزموا في جمعه الواو بدل الهمزة فقالوا: إداوى وعلاوى وهراوى كأنهم أرادوا مشاكلة الواحد الجمع (١) في وقوع واو بعد ألف".
قالَ المُشَرِّحُ: هذه الواو [بدل من الألف] (٢) الزائدة في إداوة، والألف التي في آخر إداوى بدل من الواو في إداوة فألزموا الواو ها هنا، كما ألزموا الواو في مطايا.
قال جارُ الله: "وإذا لم تكن الهمزةُ عارضةً في الجمع كهمزة جواء وشواء جمع جائية وشائية فاعلتين من جاء وشاء لم تقلب".
قال المُشرِّحُ: لأنَّ الهمزةَ الأصليَّة ألزمُ. لفظ الشيخ أبي عليّ في "تَكْمِلَة الإِيضاح" شائية: بالشِّين المُعجمة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وكل واو وقعت رابعةً فصاعد ولم ينضم ما قبلها قلبت ياءً نحو أغزيت وغازيت ورجيت وترجيت واسترشيت، ومضارعها ومضارعة غزى ورضى وشأى في قولك: يغزيان ويرضيان ويشأيان".
قال المُشرِّحُ: [غزى] (٣) -وحده- مبني للمفعول. قلبت الواو ياء [فيها] للتّواخي بين الماضي والمضارع.
قال جارُ الله: "وكذلك مَلْهَيَان ومصطفيان وموليان ومستدعيان".
قال المُشَرِّحُ: الرِّواية في هذه الأمثلة كافةً فتح العين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) (٤) وقد أجروا نحو حييى وعيى مجرى لقي
стр. 1673
وفني فلم يُعلوه، وأكثرهم يُدغم فيقول حي وعي - بفتح الفاء وكسرها، كما قيل: لي ولي في جمع الوي، قال الله تعالى: ﴿ويحيى من حيى عن بينة﴾ وقال عبيد:
عَيَّوا بأمرِهِمُ كَمَا … عيّت ببيَضتِهَا الحَمَامَهْ"
قال المُشَرِّحُ: أذكر أولًا [في هذه المسألة] (١) بعض الأقوال الواردة فيه (٢)، ثم اعترض عليه ثم أعود إلى كلام الشيخ -[﵀] (٣) - فأفسره.
قالَ الشَّيخ أبو علي الفارسي: ومما يقوي البيان فيه أن مثال الماضي قد أجرى حركته مُجرى حركة المعرب فلم تلحقه الهاء في الوقف كما لم تلحق المعربة كما أجريت مجرى المعرب في هذا كذلك يجري مجراه في ترك الإِدغام فيها. ومما يقوي ذلك أن حركة اللام في حيى فيمن بين تزول لاتصاله بالضمير فصار زوال الحركة عن اللام في هذا البناء بمنزلة زوال حركة النصب عن المعرب، بحدوث إعراب آخر فيه، ويقوي ذلك قولهم أعيياء فيبين مع أن الحركة غير مفارقة فإذا لم يدغموا ما لم تُفارقه الحركة فلأن لا يُدغموا ما تفارقه الحركة أولى. هذا كلُّه كلامه.
فأقول: لو كان هذا غير موجب للإِدغام ها هنا [لكان] غيره (٤) موجب له في نحو فر ومر وأنه ليس غير [موجب له فكذلك الأفعال كما هو ثابت في الماضي فكذلك في المستقبل] (٥) ولا كذلك ها هنا، لأن اجتماع المتجانسين ها هنا.
عدت إلى كلام الشَّيخ ﵀ فقلت: فرق بين اجتماع
стр. 1674
المتجانسين ها هنا وبين اجتماعهما في سائر المواضع وذلك أن في سائر المواضع التي وقع فيها الإِدغام اجتماع المتجانسين لا يكون بمنزلة العارض، أما ها هنا فبخلافه، وهذا لأن اجتماع المتجانسين [في سائر الأفعال كما هو ثابت في الماضي فكذلك في المستقبل ولا كذلك ها هنا، لأن اجتماع المتجانسين] وإن كان ثابتًا في الماضي فهو غير ثابتٍ في المضارع فكان بمنزلة العارض فلا يجري بينهما الإِدغام كأنه لم يجتمع في [هذه] الكلمة ياءان، بل ياءٌ واحدةٌ، وأما من أدغم فلأن الياء قد لزمه الحركة وصار بلزوم الحركة له مشابهًا للصحيح، ألا ترى أن من حذف الياء من جوار وعوار في الجر والرفع لم يحذفها إذا تحركت بالفتح لمشابهتها بالحركة سائر الحروف الصحاح وقالوا في الوقف: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ (١) فلم تحذف كما حذفت من نحو قوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (٢). من قال: حَي بفتح الفاء فقد مضى على الأصل، ومن قال حِي بكسر الحاء فقد نقل كسرة العين إلى الفاء كما أن من قال: لي بالضم فقد مضى على الأصل، ومن قال: لي فقد اعتبر وقوع الياء في العين. بعد البيت (٣):
جَعَلَتْ لَهَا عُوْدَيْنِ مِنْ … نَشَمٍ وآخرَ من ثُمَامَةْ
قالُوا: الحَمامة أبرّ بالبيض، والحمامُ أبرّ بالفرخ، ويقال (٤): "أَخْرَقُ من حَمَامَةٍ" ويروى:
стр. 1675
خَرَقُوا بأَمرهم كَمَا … خَرَقَتْ ..........................
النَشَمُ: -بالتحريك- شجرٌ يتخذ منه القِسِيّ.
قال جارُ الله: "وكذلك أحيى واستحيى وحيى وحوى [في] أحيى واستحيى [وحوييى] وكل ما حركته لازمة".
قالَ المُشرِّحُ: في هذه الكلم المذهبان جائزان، لزوم الحركة [ومعنى لزوم الحركة] (١) أن آخر الماضي -أبدًا- يكون (متحركًا).
فإن سألتَ: فكيف جاء أحيى واستحى الإِدغام، وما قبل المدغم (ساكن)؟.
أجبتُ: لأنه عند الإِدغام تنقل حركة العين إلى الفاء حتى تتحرك، ثم يجري الإِدغام.
قال جارُ الله: "ولم يدغموا فيما لم تلزم حركته نحو لن يحيى ولن يستحي ولن يحاييى".
قال المُشَرِّحُ: الياء الثانية ها هنا هي في الأصل ساكنة فاستحال الإِدغام وأما انتصابها ها هنا فشيءٌ عارضٌ لم يُعتد به.
قال جارُ الله: "وقالوا في جمع حياء وعيى أحية وأعياء وأحييه وأعيياء".
قال المُشَرِّحُ: من أدغم ها هنا فلاجتماع المتجانسين ولزوم الحركة، ومن لم يدغم قال بأن اجتماع المتجانسين ها هنا عارضٌ، بدليل أنه غير موجودٍ في الماضي فوزان الأمرين ها هنا وزان الأمرين في حَيى وعَيى.
стр. 1676
قال جارُ الله: "وقوي مثل حيي في ترك الإِعلال ولم يجيء فيه الإِدغام إذا لم يلتق فيه مثلان لقلب الكسرة الواو الثانية ياء".
قال المُشَرِّحُ: الياء في قوي وإن كان أصلها الواو إلا أنه لا يجوز الإِدغام لأنَّها لم تبق على الأصل.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ومضاعف الواو مختص بفعلت دون فعلت وفعَلت، لأنهم لو بنوا من القوة نحو عزوت وسروت للزمهم أن يقولوا: قوَوت وقوِوت، وهم لاجتماع الواوين أكره منهم لاجتماع الياءين، وفي بناء نحو شقيت تنقلب الواو ياءً".
قال المُشَرِّحُ: لا يجوز بناء المضاعف الواوي في فعِلت وفَعلت كراهةً الواوين غير المدغمين فترك الإِدغام فيهما لسكون الثانية. أما في بناء شقيت فلا يلزم اجتماع الواوين ضرورة أن الواو الثانية تنقلب لكسرة ما قبلها.
قال جارُ الله: ""وأما القوة والصوة والنو والحو فمحتملات للإِدغام".
قال المُشَرِّحُ: الصوة: بالصاد المهملة المضمومة. الحُّو بالحاء المهملة المضمومة أيضًا. قوله: فمحتملات صح كذا الرّواية: "فمحتملات للإِدغام" لكون الأولى ساكنة وكون الثانية متحركة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وقالوا في إفعالٌ من الحوة احواوى فقلبوا الواو الثانية ألفًا ولم يدغموا، لأن الإِدغام كان يصيرهم إلى ما رفضوه من تحريك الواو بالضم في نحو يغزو ويسرو، ولو قالوا: احواو ويحواو".
قال المُشَرِّحُ: في هذا الكلام نوع نظر. وذلك لأن رفع الواو في يعزو مستثقل، بخلاف يحواو لكونه مشددًا. وإن شئت فاعتبره بالياء، بل هو من النطق بمنزلة الكساء من العصا.
قال جارُ الله: "وتقول في مصدره احويواء واحوياء".
стр. 1677
قال المُشَرِّحُ: أما الأول فعلى الأصل، وأما الثاني فلأن الواو والياء إذا اجتمعا …
قال جارُ الله: "ومن قال: اشهاب قال: احوواء".
قال المُشَرِّحُ: من أسقط الياء في اشهاب أسقط الياء ها هنا.
قال جارُ الله: "ومن أدغم اقتتالًا فقال: قتال قالوا حواء".
قال المُشَرِّحُ: إدغام اقتتال يجيء في آخر الإِدغام إن شاء الله تعالى.
стр. 1678
[باب الإِدغام]
قال جارُ الله: "ومن أصنافِ المُشترك.
(الإِدغام) ".
قال المُشَرِّحُ: أدغمت اللِّجام في الفَرَسِ: إذا أدخلته في فيه. عن ابن دُرَيدٍ (١)، ومنه الإِدغام في النحو؛ لأنه إدخال الحرف في الحرف ألا ترى أنه [حرف] جمع بين حرفين متماثلين جمعًا غير مرتفع فيه اللّسان بهما إلا دفعة.
قال جارُ الله: "ثقل التقاء [المتجانسين] على ألسنتهم فعمدوا بالإِدغام إلى ضربٍ من الخفة".
قال المُشَرِّحُ: الخفة في الإِدغام من حيث أن التباعد المفرط بين الحرفين يجعل التَّلفظ بهما بمنزلةِ الوَثبة فلذلك أجيز الإِبدال والتقارب المُفرط يجعل التَّلفظ بهما بمنزلة حجلان المقيد.
قال جارُ الله: "والتقاؤهما على ثلاثةِ أضربٍ.
أحدهما: أن يسكن الأول ويتحرك الثاني فيجب الإدغام ضرورة كقولك: (لم يبرح حاتم)، و (لم أقل لك).
والثاني: أن يتحرك الأول ويسكن الثاني فيمتنع الإِدغام كقولك: (ظللت)، و (رسول الحسن) ".
стр. 1679
قال المُشَرِّحُ: الإِدغام: أن يلتقي مثلان أولهما ساكن والثاني متحرك فحينئذ يجب الإِدغام، فإن انعكس هذه القضية امتنع الإِدغام ضرورة.
قال جارُ الله: "والثالث: أن يتحركا، وهو على ثلاثة أوجه:
ما الإِدغام فيه واجبٌ، وذلك أن يلتقيا في كلمة وليس أحدهما للإِلحاق نحو ردّ ويردُّ.
وما هو فيه جائز وذلك أن ينفصلا وما قبلهما متحرك، أو مدة نحو (أنعت تلك) و (المال لزيد)، و (ثوب بكر).
أو يكونان في حكم الانفصال نحو اقتتل، لأن تاء الافتعال لا يلزمها وقوع ياء بعدها فهي شبيهة بتاء تلك".
قال المُشَرِّحُ: إدغام إحدى التاءين في الأخرى من اقتتل يجيء في آخر الصنف.
فإن سألتَ أينَ المدّة في (ثوب بكر)؟.
أجبتُ: حرف العلة الساكن المفتوح ما قبله جار مجرى المدة بدليل استوائها في الإِدغام في خطية وأُفَيْسٍ.
قال ابن السرَّاج: أما ثوبُ بكرٍ فالبيان ها هنا أحسن منه في الألف لأن الواو في ثوب لا تشبه الألف لأن حركة ما قبلها ليست منها وكذلك جيب بكر.
قال جارُ الله: "ومِمّا هو مُمتنع فيه على ثلاثةِ أُضْرُبٍ:
أحدها: أن تكون للإِلحاق نحو قَردد وجَلبب.
والثاني: أن يُؤَدِّي فيه الإِدغام إلى لَبس مثال بمثال نحو سرر وظلل وجدد.
стр. 1680
والثالث: أن ينفصلا ويكون ما قبل الأول حرفًا ساكنًا غير مدة نحو قوم مالك وعدد وليد".
قال المُشَرِّحُ: الدّال الثانية من (قردد) للإِلحاق بنحو (ثَعلب) وكذلك الباء الثانية في (جلبب) للإِلحاق بنحو (دحرج) ومن ثم لم تجز فيه العرب الإِدغام، ولولا ذلك لجرى فيه الإِدغام كما في مرد وسارة.
فإن سألتَ: فقد قالوا (قص) في قصص بمعنَى الصَّدرِ، والإِدغام ها هنا ملبس؟.
أجبتُ: ما الدَّليل على أن قصًّا أصله قصص؟ بل هما لغتان مختلفتان كشعر وشعر ومعز ومعز وشمع وشمع. ما قبل الأول في (قرم مالك) هو الراء وهو ليس بمدة.
فإن سألتَ: ليس ما قبل آخر عدو مدة، وهذا لأن المدة حرف علة ساكن ويكون ما قبله من جنسه نحو باع يبيع بوع فكيف حكمت عليه بأنه غير مدة؟.
أجبتُ: قال الشَّيخُ أبو عليٍّ الفارسي (١): مذهب سيبويه أنك إذا قلت: هذا ولي يزيد وعدو وليد لم يجز إدغام الياء التي هي لام في ياء يزيد لأنك حيث أدغمت الياء في ولي الواو في عدو ذهب المد للإِدغام، فصارت الواو بمنزلة غيره من الحروف التي لا تكون للمد، واستدل على ذلك بجواز (لَيِّا) في القافية مع (ظَبْيًا) و (دوًا) مع (غزوًا).
فإن سألتَ: هب أن ما قبل آخر ولي وعدو ليس بمدةٍ لمكان الإِدغام فيه، لكن لو فكّ فيه الإِدغام حتى وقع الإِدغام بين الحرف الثاني والثالث عاد
стр. 1681
الثاني (١) في المد إلى ما قبل آخرهما فوجب أن يجوز إدغام الثاني في الثالث.
أجبتُ: لا يجوز لأن ذلك بمنزلة تحريك الساكن في (قرم مالك) و (اسم موسى) فكما لا يدغم ذلك أحد كذلك ما نحن فيه. والذي يدل على أن المدَّ قد قام مقام الحركة قولهم: دابة، وتمود الثوب وتضربيني.
قال جارُ الله: "ويقع الإِدغام في المتقاربين كما يقع في المتماثلين، فلا بد من ذكر مخارج الحروف ليعرف متقاربيها من متباعديها".
قال المُشَرِّحُ: الإِدغام كما يقع بين المتماثلين يقع أيضًا بين المتقاربين لكن بعد أن يجعلا متماثلين.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ومخارجها ستة عشر فللهمزة والهاء والألف أقصى الحلق، وللعين والحاء أوسطه، وللغين والخاء أدناه".
قال المُشَرِّحُ: بعضهم: في هذا الكلام نظرٌ، وذلك أن الألف قبل الهاء، وهذا مما اتفق عليه الكلُّ، وحروف الحلق هي هذه التي عدّها الشيخ -[﵀] (٢) - سوى الألف.
قال جارُ الله: "وللقاف أَقصى اللسان وما فوقه من الحنك وللكاف من اللسان والحنك ما يلي مخرج القاف، وللجيم والشين والياء وسط اللسان ويحاذ به من وسط الحنك، وللضاد أول حافة اللسان [وما يليها من الأضراس. واللام ما دون أول حافة اللسان] (٣) إلى مُنتهى طرفه وما يحاذي ذلك من الحَنك الأعلى فويق الضاحك والناب والرُّباعية والثنية".
стр. 1682
قال المُشَرِّحُ: الأسنان أربع ثنايا ثم أربع رباعيات -بالتخفيف-[ثم أربعة أنياب] (١) ثم أربع ضواحك، ثم اثنتي عشرة رحى، ثم النواجذ وهي أضراس الحلم.
قال جارُ الله: "وللنون ما بين طرف اللسان وفويق الثنايا وللرَّاء ما هو أدخل في ظهر اللسان قليلًا من مخرج النون، وللطاء والدال والتاء ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا، وللصاد والزاي والسين ما بين الثنايا وطرف اللسان، وللظاء والذال والثاء ما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا، وللفاء: باطنُ الشفة السُّفلى وأطراف الثنايا العُليا، وللباء والميم والواو ما بين الشفتين".
قال المُشَرِّحُ: بعضهم: في هذا الكلام سهوٌ، وذلك أنه افتتح هذا الفصل بأن مخارجها ستة عشر، والذي عده من المخارج ليس إلا خمسة عشر، وقد ذكر المحققون فيها النُّون الخفية، ولعله قد نَسِيَها.
قال المُشَرِّحُ: وذلك نحو سهلب وسفرجل، معنى الأول اللام والياء، وفي الثاني الفاء والراء واللام، أما نحو عسجد فقليل.
قال جارُ الله: "واللَّينة حروف اللين".
قال المُشَرِّحُ: هي الثلاثة المسماة بحروف العلة، وحروف الاعتلال، قال ابن السراج (٢): وهذه الثلاثة أخفى الحروف لاتساع مخرجها، وأخفاهن الألف ثم الياء ثم الواو، وإن شئت فاستأنس في هذا الباب بقول الفاضل أبي العلاء -يصف مهمها- (٣):
وتَكْتُمُ فيهِ العاصِفَات نُفُوسُهَا … فَلَوْ عَصَفَتْ بالنَّبْتِ لم يَتَأَوَّدِ
стр. 1683
وقول رؤبة (١):
* يَكِلٌ وَفْدُ الرِّيْحِ من حيثُ انْخَرَقْ *
قال جارُ الله: "والمُنحرف اللام، قال سيبويه (٢): هو حرف شديد جرى فيه الصوت لانحراف اللسان مع الصوت".
قال المُشَرِّحُ هذه على التَّسمية المجازِيّة، وذلك أن الانحراف اللّسانِ لا للحَرْفِ.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) ويرتقي عدد الحروف إلى ثمانية وأربعين حرفًا، فحروف العربية الأصول تلك التسعة والعشرون وتتفرع منها ستة مأخوذ بها في القرآن وكل كلام فصيح، وهي الهمزة بين بين، والنون الساكنة التي هي غنة في الخيشوم وتسمى النون الخفية والخفيفة، وألفا الإِمالة والتفخيم نحو عالم والصلوة والشين التي كالجيم في نحو أشدق، والصاد التي كالزاي في نحو مصدر".
قال المُشَرِّحُ: الترتيب فيها: الهمزة بين بين، وألفا الإِمالة والتفخيم، والسين التي كالجيم والنون الخفية، والصاد التي كالزاي، ليكون على وفق مخارج الحروف، ولأن المجهورة أغلب على طباعهم نكبوا عن الشين المهموسة إلى الجيم وعن الصاد المهموسة وخاصة عند مجاورة الدال إلى الزاي، وهذا مما يبين لك أن المجهورةَ أحبُّ إليهم.
قال جارُ الله: "والبواقي حروفٌ مستهجنةٌ، وهي الكاف التي كالجيم، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالسين، والصاد الضعيفة، والصاد التي كالسين والظاء التي كالثاء والباء التي كالفاء".
стр. 1684
قال المُشَرِّحُ: هذه الحروف التي (١) لا يؤخذ بها في القرآن ولا في الشعر ولا (٢) تكاد توجد إلا في لغة مرذولة غير متقلبة.
قال جارُ الله: " (فصلٌ) وتنقسم إلى المجهورة والمهموسة والشديدة والرخوة وما بين الشديدة والرخوة، والمطبقة والمنفتحة والمستعلية والمنخفضة وحروف القلقلة، وحروف الصفير، وحروف الذلاقة، المصمتة واللينة وإلى المنحرف والمكرر. والهاوي والمهتوت".
قال المُشَرِّحُ: قد ذهب على الشيخ [﵀] (٣) أن يأتي بحروف الغُنة، وهي النُّون والميم، في هذه القسمة.
قال جارُ الله: "فالمجهورة ما عَدا المجموعة في قولك: (ستشحثك خصفة) وهي المهموسة، والجهر إشباع الاعتماد في مخرج الحروف ومنع النَّفس أن يجري معه والهمس بخلافه. والذي يتعرف به تباينها أنك إذا كررت القاف فقلت: ققق وجدت النفس محصورًا لا يحصل معها الشيء منه، وتردد الكاف فتجد النفس مقاوذًا لها ومساوقًا لصوتها".
قال المُشَرِّحُ: ابن جِني: وسبيلك إذا أردت صدى الحرف أن تأتي به ساكنًا لا متحركًا، لأن الحركة تقلق الحرف عن موضعه ومستقره وتجذبه إلى جهة الحرف الذي هو بعضه ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، وهذه الطريقة أجدى من التي ذكرها الشيخ ﵀.
قال جارُ الله: "والشديدة ما في قولك: (أجدت طبقك) أو (لم ترعونا)، وهي التي بين الشديدة والرخوة، والشدة: أن ينحصر صوت الحرف
стр. 1685
في مخرجه. فلا يجري، والرخاوة بخلافها وتتعرف تباينهما بأن تقف على الجيم والشين فتقول: الحج والطش فإنك تجد صوت الجيم راكدًا محصورًا لا تقدر على مدّه، وصوت الشين جاريًا تمده إن شئت، والكون بين الشدّة والرّخاوة أن لا يتم لصوته الإِنحصار ولا الجري كوقفك على العين وإحساسك في صوتها بشبه الإِنسلال من مخرجها إلى مخرج الحاء".
قال المُشَرِّحُ: [لم ترعونا: وقع في نسخ (المفصل)] بالتاء المثناة الفوقانية وهذا سهوٌ، ألا ترى أن التاء من الحروف المجهورة (١)، والحرف الواحد لا يكون من الحروف الشديدة ومن الحروف التي هي بين الشديدة والرخوة، والصواب فيه: الياء المثناة التَّحتانية (٢). والفرق بين المجهور والشديد أن المجهور هو الذي يَقوى فيه الاعتماد بشدة الوَقع، والشَّديد هو يشتد فيه الاعتماد بلزوم موضعه لا بشدة الوقع.
عبارةٌ أُخرى: سوى ما ذكره الشيخ ﵀ في تعريف ما بين الشديدة والرخوة وهي أن العين تجري فيه الصوت ويصل إلى التردد فيه (٣) لشبهه بالحاء، ولم يمتنع امتناع غيره، واللام تجري في حافتي الصوت فلا هو مثل الرخوة، لأن طرف اللسان لا يتجافى عن موضعه، ولا مثل الشديدة فيمتنع الصوت. قال ابن جني: ولولا بحة في الحاء لكانت عينًا.
قال جارُ الله: "والمطبقة الضاد والظَّاء والصّاد والطاء. والمُنفتحة ما عداها. والإِطباق: أن تطبق على مخرج الحرف من اللسان ما حاذاه من الحنك. والانفتاح خلافه".
قال المُشَرِّحُ: ابنُ جني: ولولا اطباق في الصاد لكانت سينًا ولولا