← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قالَ جارُ اللهِ: وَأَمَّا ما فيه سَبَبٌ زائِدٌ كَماهِ وَجُورِ فإنَّ فيه ما في نُوحٍ مع زِيادَةِ التَّأْنيثِ فلا مقالَ في امتناعِ صرفِهِ. قالَ المُشَرِّحُ: ماه (١)، وجور (٢) في اسمِ بَلَدَين غيرُ منصرفَيْن، فإنَّ التركيبَ فيه من جِهَتَين: من جهةِ التأنيثِ، ومن جهةِ العُجمَةِ، فالخفَّةُ، وإن كانت تقاوِمُ أحدَ الثِّقلين لكنَّ الثقلَ الثَّاني يَبْقَى بلا معارضٍ فيعمَلُ عليه. قالَ جارُ الله: التكريرُ في نحوِ بُشرى، وصَحراء، ومساجِدَ ومصابيحَ نُزّلَ البناءُ على حرفِ تأنيثٍ لا يقعُ منفصلًا بحالٍ، والزِّنَةُ التي لا واحدَ عليها منزلةَ تأنيثٍ ثانٍ وجَمعٍ ثانٍ. قال المشرحُ: عنى بقوله: لا يقعُ منفصلًا بحالِ، أن مَبنَى الألفِ على اللزومِ (٣) وعدمِ المفارقةِ، بخلافِ تاءِ التأنيثِ فإنَّ مَبناها على المفارقةِ.

стр. 212

[بَابُ وُجُوه الإعرَاب] قالَ جارُ الله: "القولُ في وجوهِ إعرابِ الاسم هي الرَّفعُ، والنَّصْبُ والجَرُّ فكل [واحدٍ منها عَلَمٌ على معنى] (١)، فالرَّفعُ عَلمُ الفاعلية". قالَ المشرّحُ: الأصلُ في المرفوعاتِ بعدَ الفعل (٢) المضارعِ الفَاصِلُ، لأنَّ الواضعَ لَمَّا فَرَغَ من وَضْعِ المفاريدِ فقد استَفَزَّه إلى وضع ما يَدُلُّ على الفاعِلِ حاجةً، لم يستفزّه إلى سائر المرفوعات فيكون أسبقَ بالرَّفعِ ضرورةً. [أمَّا] (٣) بيانُ المقدّمَةِ الأولى (٤) فلأنَّ الواضِعَ كما فرغَ من وضعِ المفاريدِ فقد تَبَيَّنَ أنَّه فَعَلَ ما يَقْتَضِي وَضعَ الفاعِلِ لأنَّه لو حينئذٍ تبيَّن أنَّه وَضَعَ الفعلَ، وَوَضْعُ الفِعلِ يقتَضِي الفاعِلِ ضرورَةَ أن "عن" المقدرةَ فيه تَقْتَضِي ما يَدْخُلُ عَلَيْهِ، وذلِكَ هو الفاعلُ. وأمّا بيانُ المقدّمَةِ الثَّانِيةِ: فلأنَّ الواضِعَ كما فرغَ من وضعِ المفاريدِ، لم يتبيَّن أنَّه فَعَلَ ما يقتضي وَضعَ سائِرِ المَرْفوعاتِ، لأنَّه لَو تَبَيَّنَ حِينَئِذٍ فذلِكَ

стр. 213

المُقْتَضِي لا يَخلو من أن يَكُونَ إحدى الكَلِم الثَّلاث، أو شيئًا آخرَ، لا وَجهَ إلى أن يكونَ شيئًا آخرَ، يَقتضِيهِ الأصْلُ، ولا وجهَ إلى أن يكونَ إحدى الكَلِمِ الثَّلاثِ، لأنَّ الإِسمَ شيءٌ منه لا يقتَضي مرفوعًا -اللَّهم- إلَّا المصدرَ والصّفةُ، وهما لا يَقتضيانه بوضعهما، لأنَّهما لو اقْتَضَيَا بوضعِهِما مرفوعًا لما جازَ إخلاؤُهما في موضعٍ غيرِ ذلك المرفوعِ، ولأنَّه لا مرفوعَ لهما سِوى الفاعلِ بالإِجماعِ. [وكذلك الفعلُ لا مرفوعَ له سوى الفاعلِ] (١). وأمّا الحرفُ فإنَّه لا يخلو من أن يكونَ له اقتضاءُ مرفوعٍ، أو لا يكون، فلئن لم يكن فذاكَ، وإِن كان فالواضعُ كما فَرَغَ من وضع المفاريدِ لم يكن للحرفِ اقتضاءُ مرفوعٍ، لأنَّ الحرفَ حينئذٍ غيرُ موضوعٍ، لأنَّا لا نَعني بالمفاريدِ الاسم والفِعلَ، والواضِعُ كما فَرَغَ إِلى النسبةِ والرابطةِ، والنسبةُ متأخرةٌ عن المنسوبِ والمنسوبِ إليه، فعُلم أنَّ الواضِعَ كما فَرَغَ من وضعِ المفاريد فقد استفزّه إلى وضعِ ما يَدُلُّ على الفاعِل حاجةً لم يستَفِزَّه إلى وَضعِ سائرِ المرفوعاتِ. وأما بيانُ المقدمةِ الثالثةِ (٢): فلأن الواضعَ يتبعُ الحاجةَ. فإن سألتَ: ما الدليلُ على أنَّ (عن) مقدرةٌ في الفعلِ؟ وإن سلَّمنا أنَّها مقدرةٌ، ولكن لِمَ قلتَ إن ذلك يقْتَضِي وَضْعَ الفاعِلِ عُقيبَ فَراغِ الواضعِ عن المفرداتِ؟ ألا تَرى أنَّ "عن" كما هي مقدَّرةٌ بالإِضافةِ إلى الفاعل، فكذلك على مقدرةٌ فيه بالإِضافةِ إِلى المفعولِ، ثُمَّ ذلك لَا يَقْتَضِي، وضعَ المفعول عقبَ فراغِ الواضعِ عن المفرداتِ، ثُمَّ هذا ينتقضُ بالمبتدأ فإنَّه مُسنَدٌ إليه بما ذكرتُه من التفسيرِ وليس هو بفاعلٍ؟ أجبتُ: أمَّا قوله: لم قلتَ: بأنَّ عن مقدرةٌ في الفعلِ؟ فنقولُ: لأنَّا إذا قلنا: ضَرَبَ زيدٌ فمعناه صدرَ الضَّربُ عن زيدٍ، فزيدٌ في التفسيرِ مُقَابلٌ بزيدٍ في المفسّر فَيبقى في طرفِ التفسير

стр. 214

صدورُ (١) الضَّربِ عن، وفي طرف المفسَّر ضرب فيكون ضَرَبَ "صدورُ الضَّربِ عن" ضرورةً. فإنَ سألتَ: ما الدليلُ على أنَّ قولَنا: ضرب زيدٌ معناه (٢): صدور الضرب عن زيدٍ، وهذا لأنَّ المفسّر يبتدئ متعديًا ويَتِمُّ مُتعديًا، بخلافِ التَّفسِيرِ فإِنه يَبتدئُ لازمًا وَيَتمُّ مُتَعَدِّيًا؟ أجبتُ: تفسيرُ الفعلِ مع تفسيرِ الإِسنادِ على وجهِ التفصيلِ بابٌ مفتوحٌ، فبعدَ ذلك لا يخلو من أن يكونَ ما ذكرناه من التفسيرِ مطابقًا لذلك المفسّرِ، أو لا يكونَ، فلئِن (٤) كانَ فذاك، وإن لم يكن قُلنا: هذا القَدرُ من التفاوتِ ساقطٌ عن الدّالِّ عن حدِّ الإِسنادِ، إذ لو لم يكن ساقطًا لانسَدَّ بابُ تفسيرِ الفعلِ مع تفسيرِ الإِسنادِ على وجهِ التَّفصِيلِ ولأنَّه (٥) كما ذَكرنَاه بابٌ مفتوحٌ. بيانه أنه لو لم يَكن ساقطًا ثُمَّ فُسر الفِعلُ بشيءٍ فذلك الشيءُ لا يخلو من أن يكونَ فعلًا، أو لا يكون، لا وجه إلى أن لا يكونَ، لأنَّه حينئذٍ يَلزمُ ما كان من التَّفاوتِ، بل أشنَعَ، فيتعين أن يكونَ فعلًا فلا يخلو من أن يكون متعديًا، أو لا يكون، لا وجهَ إلى أن يكونَ متعديًا، لأنَّ ذلك المُتَعَدِّي لا يخلو من أن يكونَ مطابقًا للفعل المفسَّر به أو لا يكون لا وجهَ إلى أن لا يكونَ لأنَّه حينئذٍ يلزمُ ما ذكرته من المخالفةِ، ولا وجهَ إلى أن يكونَ حينئذٍ لا يَتَفَسَّر الإِسنادُ بطريقِ التَّفصيل، بل يكون ذلك (٦) تمثيلًا إِسنادٍ بإسنادٍ كما لو قيل: ما اللَّيثُ؟ فقلتَ: الأسدُ، فتعيَّن أن يكون غيرَ متعدٍّ، فلا يخلو من أن يكونَ مجهولًا أو غيرَ مجهولٍ، لا وجهَ إلى أن يكونَ مجهولًا، لأنَّه حينَئِذٍ يلزم ما ذكرتُه من المخالفةِ، بل أَقوى، فتعيَّن أن يكون غير [متعدٍّ كما ذَكرناه] (٧) غيرَ

стр. 215

مجهولٍ، فعُلم أنَّ هذا القَدرَ من التفاوتِ لو لم يكن ساقطًا على الدالِّ على حدِّ الإِسناد لانسدَّ بابُ (١) تفسيرِ الفعلِ مع تفسيرِ الإِسنادِ على وجهِ التفصيلِ، وأنَّه مفتوحٌ، وأما قوله: لم قلتَ بأنَّ الواضعَ كما فَرَغَ من وضعِ المفاريدِ، فقد وَضَعَ الفاعلُ، فنقولُ: ضرورةَ أنَّ عن المقدرةَ في الفعلِ لا بُدَّ لَه من شيءٍ يدخُلُ عليه، وأمَّا على المقدرةُ في الفِعل فنقولُ: قِصَّةُ ما ذكرنا من الدليلِ أنَّ الواضعَ كما فَرَغَ من وضعِ المفاريدِ، وضعَ المفعولَ إلَّا أنَّه وَجَدَ المانعَ من ذلك، وهو اعتراضٌ (٢) عن المقدّرةِ مقدَّمةً على "على" المقدَرةِ، فمن (٣) ادَّعى مثلَ ذلك ها هُنا فقد ادَّعى المعارِضَ فعليه الدَّليلُ، وأمَّا قولُهُ بأنَّ هذا ينتقضُ بالمبتدأِ، فإنَّه مسند إليه وليسَ بفاعلٍ، فنقولَ: ما الدليلُ على أنَّ المبتدأِ مسندٌ إليه؟ بل المسندُ إليه في بابِ الابتداءِ ضميرُه، وهذا لأنَّ المسنَدَ إليه هو الذي إليه أضيفَ الفعلُ بعنَ المقدرة، والذي أضيفَ إليه الفعلُ ها هنا ضميرُ المبتدأ لا المبتدأ، أَلا تَرى أنَّك إذا قُلْتَ: زيدُ ضَرَبَ فمعناه: زَيدٌ صَدَرَ الضَّربُ عنه فعن تدخُلُ على ضَمِيرِ زيدٍ، لا على زَيْدٍ نَفْسِه. قالَ جارُ اللَّهِ: والفاعلُ واحدٌ ليس إلَّا. قالَ المشرِّحُ: يريدُ ليسَ إلَّا هذا المذكورَ. قال المُبَرَّدُ: والعربُ تفعلُ ذلك فيما عُرف معناه كقولهم: أتاني زيدٌ ليس إلَّا. أي ليس إلَّا هذا الذي ذكرتُه، ونظيرُه أتاني زيدٌ ليسَ غيرُ، ثم الذي يدلّ على أنَّ الفاعِلَ واحدٌ أنَّ "عن" المقدَّرَةَ لا تدخلُ إلَّا على اسمٍ. فإِن سألتَ: أليسَ الفاعلُ في قولك ضَرَبَ الرَّجلان، وضربَ الرِّجالُ وضربَ زيدٌ وعمرو مُتعدّدًا؟ أجبتُ: المعنِيُّ (٤) بتعدُّدِ الفاعلِ ليس ذلك، بل المعنِيُّ ارتفاعُ اسمين

стр. 216

مختلفين بجهةِ الفاعليَّة بِفعلٍ (١) واحدٍ من غيرِ أن يكونَ هناك عاطفٌ نحو ضَرَبَ زَيدٌ وعَمرو. قالَ جارُ الله: "وأمَّا المبتدأُ وخبرُه، وخبرُ إنَّ (٢) وأخواتِها، ولا التي لنفيِ الجنسِ، واسمُ ما ولا المشبَّهتين بليس فملحقاتٌ بالفاعلِ على سبيلِ التَّشبيهِ والتَّقرِيب". قالَ المشرِّحُ، كلُّ واحدٍ من هذه المرفوعات أذكرُ جهةَ (٣) مشابهتِهِ وكيفيَّةَ إلحاقهِ بالأصلِ في موضعِه إن شاء الله تعالى. قالَ جارُ اللهِ: "وكذلك النَّصبُ عَلمُ المفعوليَّة، والمفعولُ خمسةُ أضربٍ، المفعولُ المطلق والمفعولُ به، والمفعولُ فيه، والمفعولُ معه، والمفعولُ له، والحالُ، والتمييزُ، والمُستثنى المنصوبُ، والخبرُ في بابِ كان، والإِسمُ في بابِ إنَّ، والمنصوبُ بلا التي لنفي الجنسِ وخبرُ ما ولا المشبّهتين بليس ملحقاتٌ (٤) بالمفعول". قال المشرِّحُ: الأصلُ بالمنصوباتِ هو المفعولُ، وذلك أنَّ الواضعَ كما فَرَغَ من وضعِ المفاريدِ فقد استفزه إلى وضعِ المفعول، حاجةً لأنَّ من جملةِ المفاريدِ الفعلَ المتعدي ولا بُدَّ لَه من المفعولِ، لأنَّ على المقدّرةُ فيه، و"على" لا بُدَّ لها من شيءٍ تدخُلُ عليه، والكلامُ فيه كالكلامِ في الفاعلِ وهذه المنصوبات، منها (٥) ما هو أصلٌ، وما هو دَخيلٌ، أذكرُ

стр. 217

مشابهتَه وكيفيَّة إلحاقِهِ (١) بالأصلِ في موضعِهِ إن شاء الله. قال جارُ الله: "والجرُّ علمُ الإِضافةِ". قال المشرِّحُ: - أذكرُ الجَرّ أصلَه وفروعَه في المجروراتِ إن شاء الله تعالى (٢). قالَ جارُ الله: "وأمَّا التَّوابِعُ فهي في رَفعها ونَصبها وجَرّها داخلةٌ تحتَ أحكامِ المتبوعاتِ تَنصِبُ عمل العامِلِ على القبيلين انتصابةً واحدةً، وأنا أسوقُ هذه الأجناسَ كلَّها مرتبةً مفصلةً بعونِ الله وحسن تأييده". قَالَ المشرَّحُ: الذي يَدُل على أنَّ هذه التوابِعَ يعمل فيها العاملُ فى المتبوعِ أنّ انتقالَها دائرٌ مع ذلك العامِلِ وجودًا وعدمًا، فيكون هو المؤثِّرَ فيه. وعِندي (٣) أنَّ هذا من المُساهلاتِ (٤) النحويةِ، ألا تَرى أنَّك إذا قُلتَ: جاءني رجلٌ، فقبلَ أن تقولَ فقيةٌ قيل لَكَ: أيُّ رجلٍ؟ أفقيةٌ من الرجالِ جاءك؟ أم غيرُ فقيةٍ؟ فإذا قلتَ: فقيةٌ فارتفاعه بالابتداءِ، لأنَّ معناه فقيهٌ من الرجالِ جاءني، ولا شَك أنّ (٥) فقيهٌ ها هنا [مبتدأٌ وجاءني خَبرٌ] (٦).

стр. 218

[بَابُ الفَاعِل] قالَ جارُ الله: ذكرُ المرفوعاتِ. الفاعلُ (١) هو: ما كانَ المسنَد إليه من فعلٍ أو شبهِهِ مقدمًا عليه أبدًا كقولك: ضربَ زيدٌ، وزيدٌ ضاربٌ غُلامُه، وحسنٌ وجهُه. وحقُّه الرَّفعُ، ورافِعُه ما أُسنِدَ إليه. قال المشرِّحُ: - عَنى بشبهِهِ الفعلِ اسمَ الفاعِلِ واسمَ المفعولِ والصِّفَةَ المشبَّهةَ، كلٌّ إسمٍ أضيفَ إليه الفِعلُ مقدّمٌ عليه فهو فاعلٌ، فإن كانَ الفعلُ فيه مؤخرًا فهو مبتدأ. وحقُّ الفاعِلِ الرَّفعُ، لأنَّ الواضِعَ مَدَّ عَينَه له، وهذا كما تَقُولُ: حقُّ الجدةِ السُّدُسُ لأنَّ الله تعالى أوجَبَهُ لها. الفاعلُ يرتفعُ بالفعلِ، لأنَّه دارَ مع ارتفاعِهِ وجودًا وعدمًا. قالَ جارُ الله: "والأصلُ أن يلي الفِعلَ لأنَّه كالجزءِ منه". قالَ المشرّحُ: الأصلُ (٢) أن يَلِيَ الفاعلُ ضرورةً، لأنَّ عن المقدرةِ لا يفصِلُ بينها وبينَ ما يدخل عليه، فالفاعِلُ قد نُزّلَ منزلةَ الجزءِ من الفِعلِ، ولذلك وَقَعَ بينَ لامِ الفِعلِ وحركتِهِ في قولك: يَضربان. قَالَ جارُ الله: "فإذا قُدّمَ عليه غيرُه كانَ في النّيّةِ مؤخرًا، ثمَّ جازَ

стр. 219

ضَرَبَ غلامَه زيدٌ، وامتَنَعَ: ضرَبَ غلامُه زيدًا. قالَ المشرّحُ: ها هنا مسائلُ أربعٌ الأُولى: ضربَ زيدٌ غلامَه، وهذا بالاتفاقِ جائزٌ، الثانيةُ: ضَرَبَ غلامَه زيدٌ، وهذا أيضًا جائز، الثالثة ضَرَبَ غلامُه زيدًا، وهذا بالاتفاق (١) غيرُ جائزٍ ضرورةً، لأنَّ الضميرَ لا بُدَّ له من مصرفٍ مقدَّمٍ إمَّا حقيقةً وإمَّا تقديرًا، وليس ها هنا مصرفٌ مقدّمٌ، أمّا حقيقةً فظاهرٌ، وأمَّا تقديرًا فلأنَّ زيدًا ها هنا غيرُ مقدَّمٍ تقديرًا، لأنَّ من شأنِ المفعولِ أن يَتَأخَّرَ عن الفاعِلِ. الرابعة: ضربَ زيدًا غلامُه. وهذا بالاتفاق غيرُ جائزٍ. قالَ جارُ الله: "فصلٌ ومضمره، في الإِسنادِ إليه كمظهرهِ، تقول: ضربتُ، وضربًا، وضربوا، وضربنَ". قالَ المشرحُ: الفعلُ كما يَجتَزِئُ بالفاعلِ إذا كان مظهرًا، فكذلك يجتَزِئُ إذا كان مضمرًا. قالَ جارُ الله: وتقولُ: زيدٌ ضَرَبَ فتنوي (٢) في ضربَ فاعلًا وهو ضميرٌ يرجعُ إلى زيد (٣) شبيهٌ بالتّاءِ الراجعةِ إلى أنا وأنت في أنا ضربتُ، وأنتَ ضربتَ. قالَ المشرّحُ: المضمرُ على ضربين بارزٌ ومستكنٌّ، فالبارزُ هو التاءُ

стр. 220

في ضربتَ، والمستكنُّ هو المنويٌّ في زيدٍ ضربَ، فزيدٌ ليسَ فاعلَ ضَرَبَ إنَّما الفاعلُ ذلك الضميرُ المستكنُّ الراجعُ إلى زيدٍ، بدليلِ أنَّ "عن" المقدَّرةَ تَدخُل على ذلك الضميرِ لا على زيدٍ، تقولُ: الرجلان ضَرَبَا، والرجالُ ضَرَبوا، والمرأتانِ ضَرَبَتَا، والنساءُ ضربنَ، وأنتَ ضربتَ، وأنا ضربتُ ولم يُصنَع للغائِب الواحدِ نحو ذلك الضمير. فإن [سألتَ: لِمَ لَم] (١) يصنع للغائِب الواحدِ مثلُ ذلك الضمير؟ أجبتُ: الفرقُ بين الموضعين مبنيٌّ على مقدمتين إحداهُما: - أنَّ الضمائرَ مظنةُ الاحتياطِ، واجبٌ صونُها عن الاختلاطِ، لأنَّها بمنزلةِ الإِشاراتِ والتلويحاتِ ولذلك صاغوا للمرفوعِ ضميرًا، وللمنصوبِ ضَميرًا. فإن سألتَ: لو كان المضمرُ مما يُحتاطُ له لما وَقَعَ التّسوية في الضميرِ المثنى بين لفظي المذكرِ والمؤنثِ؟ أجبتُ: قبل أن أشرعَ في التَّقصّي عنه أُلقي عليك أشياءَ أحدُها: أنّ الضّميرَ في الأصلِ هو الهاءُ وما تلحقه من اللواحقِ علاماتٌ دالةٌ على شيءٍ وراءَ الضميرِ، تقولُ: هو زيدٌ فتكونُ الهاءُ للإِشارةِ، والواوُ دليلٌ على أنَّ المشارَ إليه فردٌ مذكرٌ، وهي هندٌ فتكون الهاءُ للإِشارةِ والياءُ دليلٌ على أنَّ المشارَ إليه فردٌ مؤنثٌ. وثانيهما: أنَّ هذا اللاحِقَ علامةٌ لا علامتان كالواوِ والياءِ. وثالثهما: أنَّ المذكرَ والمؤنَثَ مما يستوي فيه علامةُ التثنية، تقولُ: رجلان، وحائِضان، وطالِقان، إذا ثَبَتَ هذا فوجة انسكابِهِ بك إِلى الغَرَضِ أنَّه لو دَخَلَت علامةُ التأنيث تثنية المضمر لا يخلو من أن تكونَ العلامةُ مستبدةً في الدلالةِ، أو مندرجةً تحتَ شيءٍ آخر، لا وجهَ إلى أن تكونَ مستبدةً، لأنَّها لو استبدّت (٢) لكان اللاحق حينئذ علامتين لا علامةً، وقد ذكرنا أنّ اللاحقَ علامةٌ، لا وجهَ إلى أن تندرجَ تحتَ شيءٍ آخرَ، لأنَّ المندرجَ تحتَه

стр. 221

لا يخلو من أن يكونَ هو الهاء، أو اللاحق، لا وجهَ إلى أن يكونَ هو الهاءُ، لأنَّ الهاءَ لا تدلُّ إلَّا على الإِشارةِ، ولا وجهَ إلى أن يكونَ هو اللاحق، لأنَّ اللاحقَ علامةُ التثنية، وعلامةُ التثنية لا تَنْدَرِجُ تحتَها علامةٌ أخرى. المقدمة الثانية: أنَّ الإِشارةَ لا تكونُ إلَّا بالمشيرِ والمُشارِ له والمشار، وكلّ (١) واحدٍ من هذه الثلاثة غيرُ الآخرِ، فمتى كان المشارُ إليه متعددًا وَضَعُوا له لفظًا. يُعلم أنَّ المشارَ إليه كلاهما، لا أحدُهما، وكذلك إذا اجتمعَ في واحدٍ أن يكونَ مُشيرًا له مشيرًا إليه صاغوا له لَفظًا ليظهرَ أنَّ المشارَ له هو المشارُ إليه، وكذلك (٢) إذا اتّفق أن يكونَ في واحدٍ مشيرًا له مشيرًا (٣) إليه، عيّنوا له لفظًا، ليتبين أنّ المشيرَ هو المشارُ إليه، أمّا إذا لم يكن المشارُ إليه متعددًا ثُمَّ، لم يعرِض له أن يكونَ مشارًا له، ولا مُشيرًا، فلا حاجةَ إلى صوغِ لفظٍ، والضميرُ في قولكَ: زيدٌ ضرَب غيرُ متعددٍ، ولا مشارًا له مشارًا إليه، ولا مشيرًا مشارًا إليه، فمن ثَمَّ لم يَصُوغوا له لفظًا. قالَ جارُ الله: فصلٌ؛ "ومن إضمارِ الفعلِ قولك (٤): ضَربني وضَربتُ زيدًا تضمرُ في الأوَّل اسمَ من ضَرَبَكَ وضربْتهُ، إضمارًا على شريطةِ التّفسِيرِ، لأنَّك لما حاوَلت في هذا الكلامِ أن تجعلَ زيدًا فاعلًا ومفعولًا فوجَّهتَ الفعلين إليه، استَغْنَيْتَ بذكرِهِ مَرَّةً". قال المشرِّحُ: اتفقَ (٥) النحويون عن آخرِهم على (٦) أنَّ الفعلين إذا

стр. 222

تَوَجّها إلى اسمٍ إمَّا بجهةِ الفاعليّةِ وإمّا بجهةِ المفعوليةِ، أو أحدُهما بجهةِ الفاعليةِ، والآخرُ بجهةِ المفعوليَّةِ، فالفعلان بمجموعِهِما لا يستندان إلى ظاهِر ذلك الاسمِ، بل (١) الذي يستَنِدُ إلى ظاهره أحدُهما. والآخرُ إلى ضميرِه. حُجَّتُهم أنَّ الفاعلَ هو الذي تَدخُلُ عليه عَن المقدّرة، والمفعولُ هو الذي تدخُلُ عليه على المقدّرة، فمتى كان فاعلًا فلا بُدَّ من أن (٢) يكونَ في كلِّ واحدٍ منهما عن مقدرةً أو على مقدرةً، أوفي أحدِهما عن وفي الآخرِ على، فيقتضي كلُّ واحدٍ منهما إسمًا (٣) على حدةٍ. قالَ جارُ الله: "ولمَّا لم يكن بُدٌّ من إعمالِ أحدِهما فيه أعملتَ الذي أوليتَه إياه ومنه قول طُفَيْلٍ أَنشده سيبويهِ (٤): جَرَى فَوقَها واستَشعَرَت لونَ مُذهَبِ وكذلك إذا قلتَ: ضربتُ وضربوني قومَك ([وكذلك إذا قلتَ: ضربتُ وضربني]) (٥) (٦) زيدٌ رفعته لإِيلائك إيّاه الرافعَ، وحذفتَ مفعولَ الأولِ استغناءً عنه، وعلى هذا تُعمل الأقربَ أبدًا فتقولُ: ضربتُ وضربوني قومَك. قَالَ سيبويهِ: ولو لم يحمَل الكلامُ على الآخرِ لقلتَ: ضربتُ وضربوني قومَك، وهو الوجهُ المختارُ الذي وَرَدَ به التَّنزيلُ، قال الله تعالى (٧): - ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ و (٨) - ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَه﴾، وإليه

стр. 223

ذَهَبَ أصحابُنا البصريون، وقد يُعَملُ الأول، وهو قليلٌ، ومنه قول عُمر بن أبي ربيعة (١): تُنَخَّلُ فاستَاكت به عودَ أسحلِ وعليه الكوفيون. قال المشرّح: ثم اخْتَلَفوا (٢) في أنَّ المُسنَد من هذين الفِعلَين إِلى ظاهِر ذلك الاسمِ ما هو؟ والمستَنِدُ إلى ضَمِيره ما هو (٣)؟ فعِندَ البصريين المستندُ إلى ظاهِر ذلك الاسم هو الثاني، وإلى ضميره هو الأول. والكوفيون على عكسِ هذا. احتَجَّ الكوفيون بشيئين أحدُهما: - أنَّه إذا أُعمِلَ الأوَّلُ في الظَّاهِرِ، وَقَعَ الضميرُ في الفعل الثاني موقِعَه، لأنَّ الظاهرَ حينئذٍ يكونُ في نيَّةِ التقديم، بخلافِ ما إذا عَمِلَ الثاني فيه، فإنَّ الضميرَ في الأولِ لا يقعُ موقعَهُ، لأنَّه حينئذٍ إضمارٌ قبلَ الذكرِ. الثاني: بَيتُ عُمَرَ ألا تَرى أنَّه أُعمل الفِعلُ الأوَّلُ وهو تُنَخَّلُ في ظاهِرِ هذا الاسمِ وهو عودُ أسحل والثاني في ضميره. وأمَّا البَصريون فقد عارَضُوهم بشيئين، وزادُوهم شيئًا ثالثًا، فأحدُ (٤) الشيئين أنَّ الفعلين إذا توجّها بجهةِ المفعولية (٥) إلى اسم (٦) ثُمَّ أُعمل الأول فالحذفُ في الثاني لا يطبقُ مفصِلَهُ لوجهين:

стр. 224

أحدهُما: أنَّك تقولُ: لقيتُ رجلًا وأكرمته، [ولا تقولُ وأكرمت] (١)، وبه اتَّضح أنّ الثاني هو العامِلُ في قوله: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. الوجهُ الثاني: أنَّه لو أَعمل الأول لَزِمَ من ذَلِكَ التَّقديمُ والتأخيرُ. الشيءُ الثاني: بيتُ طفيلٍ أَنشد سيبويهِ (٢) بنصبِ لونَ. أمَّا الشَّيءُ الثَّالِثُ: -وعليه الاعتماد- فإنَّهم قالوا المقتضيان متى ازدحما على شيءٍ فالغلبةُ لآخِرِهما وجودًا، ويشهدُ له مسألةُ التعليق وهي: علمتُ لزيدٌ منطلقٌ وَعلمتُ ما زيدٌ منطلقٌ، وعلمتُ أزيدٌ منطلقٌ أم عمرٌو، ألا تَرى أنّ فِعل القلبِ يقتضي انتصابَ الاسمين على أنَّهما مفعولان، ولامُ الابتداءِ تقتضي ارتفاعَهُما، لأنَّ من شأنِ لام الابتداءِ أن تَدخل على المبتدأ ها هنا إلَّا إذا ارتفعَ الاسمان بالابتداءِ واللَّامُ آخِرُهُما وجودًا، فكان (٣) الغَلبةُ له، وكذلك حرفُ النَّفي ها هنا هو الذي يَدخلُ على المبتدأ، ولن يَدخلَ على المبتدأ ها هنا إلَّا إذا ارتفعَ الاسمان فيرتفعان بالابتداءِ. وكذلك همزةُ الاستفهامِ لها صدرُ الكلام، ولن يكونَ لها صدرُ الكلامِ ها هنا إلَّا إذا ارتفعَ ما بعدها بالابتداءِ، والدَّليلُ عليه أيضًا أنَّك إذا قلتَ: إن أكرمتَني فقد أكرمتُك، كانَ قولك على المعنى، وكذلك قالوا إنَّ "معاريضَ" لا تمالُ لمكانِ الحرفِ المُستَعلى وهو الضّادُ -وإن كانت الراءُ مكسورةً فيه يقتضي أن تُمال لأنَّ الحرف المُستعلى آخرُهما وجودًا- فكان الحكمُ له بخلافِ طاردٍ وغارِمٍ فإنَّه يُمال، ولذلك إذا قلتَ لا مالَ له فالمالُ ها هنا إمَّا مفتوحٌ، وإمَّا مرفوعٌ، فإذا قُلتَ بقي بلا مالٍ له فالمالُ مجرور لأنَّ الباء آخرُهما وجودًا. وأظهرُ منهما قولهم: ما مررتُ إلَّا بزيدٍ، وأظهرُ من ذلك قولك لم أَقرأ إلَّا

стр. 225

بسورَةٍ فإنَّ سورةً تَنجَرُّ بالباءِ ولا تَنْتَصِبُ بأَقرأ. وأَوَّلُ بيتِ طُفيلٍ (١): وكُمْتًا مُدَمَّاةً كأنَّ مُتونَها … جَرى فَوقَها … البيت (٢) وكلُّ أحمرَ شديدٌ الحُمرةِ فهو مُدَمَّى فكأنَّه ملطخٌ بالدّمِ. صدرُ بيت عمَر (٣): إذا هِيَ لم تَستَك بعودِ أَرَاكةٍ … تُنَخَّلُ .................. الأراكُ شَجَرُ المساويكِ، يقولُ: إنها لنُعمَتِها إذا لم يُعجبها سِواكٌ أحضَرَت من المساويكِ طائفةً حتى تَختار منها للاستياكِ (٤) واحدًا وقبله: تَظُلُّ مَداريها غواربَ وَسْطِهِ … إذا أَرسلته أو كَذا غيرَ مُرسَلِ (٥)

стр. 226

يقولُ: إذا حَلَّت ضفائِرَها، ونَشَرَت ذَوائِبَها، فَشعُورُها كثيرةٌ، وإذا ظفرت ذَوَائِبَها وعَقَصَتَها فهي أيضًا كثيرةٌ. إذا قُلتَ: ضربتُ وضربوني قومَك فالذي أعمِلَ منهما هو الثاني، لأنَّه لو أعمل الأول لكان الثاني وضربوني، لأنَّ الثاني حِينَئِذٍ (١) مُسْتَنِدٌ إلى ضميرِ الجمعِ (٢)، فيجبُ إبرازُه. قوله: وهو الوجهُ (٣) المختارُ الذي به وَرَدَ التنزيلُ يرجع إلى ما عليه البَصريون من إعمالِ الثاني، لا إلى قوله ضَرَبت وضَرَبَنِي قومَك. قالَ جارُ الله: "وتقولُ على المذهبين قاما وَقَعَدَ أخواك، وقام وقعدا أَخواك". قالَ المشرحُ: الفعلُ إذا استَنَدَ إلى ضميرِ الاثنين وَجَبَ إبرازُه كما في الجَمع وهذا كما ذكرناه من أنَّ الضمائرَ مظنةُ الاحتياطِ، فقولك: قاما وقعد أَخواك على مذهبِ البصريين، لأنَّ الفعلَ الثاني مُسْتَنِدٌ إلى ظاهرٍ، بدليلِ أنَّ الأولَ مستندٌ إلى ضميرِه، وقام وقعدا أخواك على مذهبِ الكوفيين، لأنَّ الأولَ مستندٌ إلى ظاهِرِ الاسمِ، بدليلِ أنَّ الثاني مستندٌ إلى ضميره. قالَ جارُ الله: وليسَ قولُ امرئِ القيس (٤): كَفَاني ولم أَطلُب قليلٌ من المالِ

стр. 227

من قبيلِ ما نَحْنُ بصَدَدِهِ، إذ لم يَتَوَجَّه الفعلُ الثاني إلى ما وجّه إليه الأوَّلُ. قالَ المشرحُ: هذا البيتُ يحتوي على مسألةٍ مختَلَفٍ (١) فيها بينَ الشيخِ أبي عليّ الفَارِسيّ والإِمامِ عبدِ القاهرِ (٢) الجُرجَانيّ. فعندَ الشيخِ أبي عليِّ أنّ هذا البيتَ وردَ على المذهب الكوفيّ، من حيثُ أنَّ الفعلين وهما (كفاني، ولم أطلب) وجها (٣) إلى اسمٍ، وقد أُعمل كما تَرَى فيه الأوَّل (٤) دون الثاني. وعندَ الإِمامِ عبدِ القاهر الجُرجانيّ: أنَّ هذا البيتَ ليس من بابِ توجيهِ الفعلين إلى اسم، وهذا لأنَّ الفعلَ الأوّلَ وإنْ توجهَ إلى قليلٌ من المالِ، فالفعلُ الثاني لم يَتَوَجّه إليه، إنَّما هو مُوجَّهٌ إلى المُلكِ. وشيخنَا في هذه المسألةِ مع الإِمامِ عبدِ القاهر. احتجَّ الإِمامُ بشيئين: أحدُهما: أنَّ المُثبت إذا ذُكر في مقامِ الجَوَابِ فهو مَنْفِيٌّ [والمنفيُّ] (٥) مثبتٌ مثالُ الأوَّلِ: لو جِئتَ لأكرمْتُك، فأكرمتُكَ وإن كانَ في الأصلِ مثبتًا فهو (٦) في هذا المقامِ منفيٌّ (٦). مثالُ الثاني: لو أعطيتَني حَقّي لما حَبَسْتُك فما حَبَسْتُك وإن كان منفيًا فهو في هذا المقامِ مثبتٌ، وإذا ثَبَتَ هذا سَلَكْتُكَ (٧) إلى الغَرَضِ فقلتُ: المذكورُ في جوابِ

стр. 228

لو في البيتِ فعلانِ، أحدهُما مثبتٌ وهو كفاني، والآخر مَنفيٌّ وهو لم أطلب، فتكونُ الكفايةُ منفيَّةً، ولم أطلب ثابِتًا، فلو كانَ الطلبُ (١) موجهًا إلى قليلاٍ من المالِ لتَنَاقَضَ الكلامُ، لأنَّه حينئذٍ يخبرُ مرَّةً بأنَّه ليس يَسعى لأدنى معيشةٍ، فأخرى أنَّ القليلَ من المالِ يكفيه. الثاني: أنَّ الطلبَ لو كانَ موجهًا إلى قليلٍ من المالِ، لَوَقَعَ التَّناقُضُ بينه وبينَ قوله: ولكنَّما أسعى لمجدٍ مؤثَّلٍ ونظيرُه من حيثُ لم يُوجه فيه الفِعْلُ الثاني إلى ما وجّهَ إِليه الأولُ، ما رُوي عن أبي أمامةَ (٢) الباهليّ عن النبيّ ﷺ : "من سَقى صَبِيًّا لا يعقِلُ خمرًا سقاهُ الله كما سَقاه (٣) حميمَ جَهَنَّم". حجةُ الشّيخِ: أنَّ "لَو" قَد تخرُج إلى معنى "إنْ" لا سيَّما عندَ الفرّاء، وذلك نحو قولك لو استقبلتَ أمرَكَ بالتَّوبةِ لكانَ خيرًا لك، فيُحملُ عليه ها هنا، حَتَّى لا يُصرَف الفِعلُ عن ظاهرِ ما يُوجَّهُ إليه إلى غيرِه، إلَّا أنَّك إذا قُلت: أَكرمني وأكرمتُ زيدًا، فإنَّ الفعلَ الثاني فيه موجّهٌ إلى ما وُجِّه إليه الأوَّلُ تقولُ: لأن سَعيت لأدنى معيشةٍ كفاني قليلٌ من المالِ من غيرِ أَن أطلُبَه. قالَ جارُ الله: "ومن إضماره قولهم: إذا كان غدًا فائتني، أي إذا كانَ ما نحن عليه غدًا".

стр. 229

قَالَ المُشرّح: الضميرُ في إضمارِهِ يَنصرفُ إلى الفاعِلِ، ومثلُ (١) هذا الإِضمارِ قوله تَعالى (٢): ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ أي بَدَا لهم الأمرُ، وقوله: (٣). وإن كانَ لا يُرضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي يريدُ: فإن كانَ لا يُرضيكَ ما جَرى، وما الحالُ عليه. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ وقد يَجِيءُ الفاعلُ ورافعُهُ مضمرٌ، يقالُ مَن فَعَلَ؟ فيقولُ: زيدٌ بإضمارِ فَعَلَ، ومنه قوله تَعالى (٤): ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا

стр. 230

بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ فيمن قرأَها مَفتوحةَ الباءِ أي يُسَبِّحُه رِجالٌ، وبيتُ الكتابِ: لِيُبْكَ يزيدٌ ضَارِعٌ لخُصُومَةٍ أي: يَبكِيه ضارعٌ". قالَ المشرِّحُ: هذه المسألةُ وإن كان مجمعًا عليها بينَ النحويين ففيها نظرٌ، وذلك أنَّك إذا قُلْتَ: من فعلَ؟ فقيل زيدٌ فمعناه زيدٌ فَعَلَ، لَا فَعَلَ زَيْدٌ، فَزَيْدٌ مرتفعٌ بأنَّه مبتدأٌ وخبرُهُ محذوفٌ، وهذا لا يكادُ يَظْهرُ لك حقَّ ظُهوره إلَّا إذا تَرجمتَ الكلامَ بغيرِ هذه اللُّغة، والذي يَدُلُّ على حَقِيقَةِ ما ذكرناه أنَّ السؤالَ ها هنا عن الفاعلِ، لا عن الفعلِ، لأنَّ الفِعلَ معلومٌ، والجَوابُ يُطابِقُ السُّؤالَ فوجَبَ أن يكونَ ها هنا بالفاعِل، ولن يكون إلَّا إذا كانَ الاسمُ مقدمًا، وكما فُرّق بين اللهَ أحمدُ، وأحمدُ الله، وبين إيَّاكَ

стр. 231

نَعْبدُ وإيَّاك نَسْتَعِينُ، ونَعبدكَ ونستعينُكَ، كذلك فُرِّق ها هُنا بينَ زيدٌ فعلَ وفعلَ زيدٌ ويشهُد لما ذكرناه قوله تعالى (١): ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ … ﴾ ولم يقل بل تَدعونَ إيَّاهُ. فإِن سألتَ: لو كانَ ارتفاعُه بالابتداءِ لزم منه تنكيرُ المبتدأِ في قوله تعالى: رجالٌ وضارعٌ في بيتِ الكتابِ، وذلك لا يجوزُ، ولأنَّ قوله تعالى (٢): ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٣) يدلُّ على ارتِفاعِهِ بالفاعلِيَّةِ أجبتُ: قوله: لو كان ارتِفاعُه بالابتِداء للزمَ تنكيرُ المبتدأِ، قلنا: لا نُسَلِّمُ وهذا لأنَّ المبتدأَ في مثلِ هذا المَقام، وإن كانَ منكرًا صورةً فهو معرَّفٌ (٣) معنَى بدليلِ أنَّك إذا قُلتَ في قوله ليُبكَ يزيدٌ من تَبكيهِ؟ فكأنَّك قلتَ: هذا الشَّخصُ من تَبكيه، أم ذلك الشخص، ثُم إذا قيلَ لَك ضارعٌ لخصومةٍ فكأنَّه قيلَ هذا الشخص تَبكيه، ونظيرُ هذا التقرير قوله: أرجلٌ في الدارِ أم أمرأةٌ، فإن المبتدأ فيه وهو رجلٌ وكذلك امرأةٌ وإن كان منكرًا من حيثُ الصُّورةُ فهو معرَّفٌ (٤) من حيثُ المعنى وذلك جائزٌ، [فكذلك ها هنا] (٥). وأما الآيةُ فليس من قبيلِ ما نحن بصدده، لأنَّه ليس إختِيَارَ أحدِ القِسمين بل هو اعتراضُ نَمَطِ الكلامِ الأولِ، ورَدعٌ عن الإِقدامِ عليه واستِبَاقُ كلامٍ آخرَ ويبنيَه على أنّه ليس في عِدَادِ (٦) مرتَبَتِهِم بذاك. ومما يجانسُ الآية المتقدّمة قراءةُ مَن (٧) قرأ: - ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ

стр. 232

مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (١) - على بناء زُين للمفعولِ الذي هو القَتل، كأنَّه (٢) قيل من زَيَّنَه لهم؟ قيلَ شركاؤُهم زيَّنُوه لهم. تمامُ البيتِ (٣): ..................... … ومُختَبِطٌ مما تُطِيحُ الطَّوَائِحُ وقبله: سَقَى جَدَثًا أَمسى بِدَومَةَ ثاويًا … من الدَّلوِ والجَوزَاءِ غادٍ ورائِحُ كانت العربُ تزعُمُ أنَّ روح الميّتِ تخرُج من قبرِه فتَصيرُ هامةً تَزقُو وتقول: اسقوني اسقوني، وفيه يقولُ ذو الأصبع العَدواني (٤): يا عَمرو إلَّا تدع شَتمي ومنقَصَتِي … أضربْك حتَّى تقولَ الهامةُ اسقوني (٥) ومن ثَمَّ يَسْتَسْقُون للأمواتِ. دُومةُ الجندل (٦): بالضَّمِ والمحدِّثُون على الفَتْحِ قالَ ابنُ دريدٍ (٧) وهو خطأٌ، وهو بينَ مكةَ والكوفَةِ والشَّامِ (٨). ضارعٌ له إذا ذلَّ وخَضَعَ، لخصومةٍ بالتَّنوين على المصدَرِ، المختَبِطُ (٩) ها

стр. 233

هنا الفَقِيرُ السائلُ وأصلُه في الشَّجَرَةِ، تطيحُ من الإِطاحةِ يقال طوّحَتهُ الطوائحُ، ولا يُقال المُطَوّحات. البيتُ لضرارٍ (١) النَّهشَلي يَرثِي يزيدَ بن نَهشلٍ. قال جارُ الله: "والمرفوعُ في قولهم هل زيدٌ خَرَجَ فاعلُ فعلٍ مضمرٍ يفسّرهُ الظَّاهر وكذلك في قوله (٢) تعالَى (٣): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾. وبيتُ الحماسةِ (٤): ..................... … ....... إن ذَو لُوثَةٍ لَانَا وفي مَثَلٍ للعربِ: "لو ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي". قالَ المشرّحُ: اعلم أنَّ للنحويين في هذه المسألةِ كلامًا ليس حلوَ المذاقِ، وهو مما يَمجُّه السَّمعُ بالاتفاقِ، وذلك أنَّهم يقولون: هل زيدٌ خَرَجَ معناه هل خَرَجَ زيدٌ خَرَجَ، وفي قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ معناه وإن استَجَارَكَ أحدٌ من المشركين استَجَارَكَ، وبيتُ الحماسةِ: (إنْ لُوثة لَانَا) (٥) [معناه إن] لأن (٦) ذو لُوثَةٍ لانا. ومنه المَثَل (٧):

стр. 234

"لو ذاتُ سوارٍ لطمَتنِي"، لو لَطَمَتنِي ذاتُ سوارٍ لَطَمَتنِي، ومثلُه لا يجوزُ أن يكونَ في كلامِ الناسِ فضلًا عن أن يكونَ كلامُ العَربِ العرباء وكلامَ اللهِ الذي (١) - ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢). وأنا أولًا أُبيِّنُ منشأَ زَلَّتِهم من حيثُ اتفقَ لهم الزيغُ عن سواءِ السبيلِ والميلُ عن جادَّةِ الصَّوابِ، ثُمَّ أذكرُ ما هو الحقُّ. فأقولُ: الذي (٣) غَرَّهم أنَّ الشرطَ والاستفهامَ لا بُدَّ لِكلِ واحدٍ منهما من فِعلٍ، قالوا والفعلُ المذكورُ بعدَ الإِسمِ في هذا المقامِ لا يَفِي بما يقتَضِيهِ الشَّرطُ والاستفهامُ من الفعلِ، وتَعَلَّقوا بمسألةٍ واحدةٍ، وهي أنك تَقُولُ: زيدٌ ضربتُه فيكونُ الاختيارُ في زيدٍ الرَّفعَ، فإذا قلتَ: إن زيدًا ضَرَبتَهُ ضرَبَك، وأزيدًا ضَرَبَكَ، فالاختِيارُ فيه النصبُ، ولو كان الفعلُ المذكورُ بعدَ هذا الاسمِ وافيًا بالفعلِ الَّذي يَقْتَضِيه الشَّرطُ والاستفهامُ لما كانَ الاختيارُ في زيدٍ النصبَ وهذا يَقتضي أن يكونَ الذي يَقتَضِيه الشَّرطُ، والاستفهامُ عقيبَها لا بَعدَ هذا الاسمِ، فإذا لَزِمَ أن يكونَ التقديرُ وإن استجارَك أحدٌ من المشركين استَجَارَك، وهل خرجَ زيدٌ خرجَ. هذا (٤) منتهى كلامِهم في هذه المسألةِ وأنا أَكشِفُ حقيقتَها فأقولُ: القياسُ في هذه المسألةِ نصبُ زيدٍ، إلَّا أنَّه رُفعَ لمعنًى، ذلك المعنى مفقودٌ عندَ ورودِ معنى المجازاةِ فينتصبُ ضرورةً. أما بيانُ المقدمةِ الأولى: فلأنٌ زيدًا مفعولٌ من حيثُ المعنى، والمفعولُ منصوبٌ وأمَّا بيانُ المقدّمةِ الثانيةِ: فلأنَّ زيدًا إنما وَقَعَ لتحقيقِ

стр. 235

معنى المُبالغةِ في الجملةِ الخبريَّةِ بتحقيقِ معنى الابتداءِ فيها، وهذا لأنَّ قولنا: زيدًا ضربتُه آكدُ من قولِنا: ضربتُ زيدًا، وتحقيقُ معنى الابتداءِ فيها عندَ ورودِ أحدِ المعنيين مُتَعَذِّرٌ، وذلك لأنَّه ينفسحُ فيهما عندَ ورودِ معنى المجازاة عليها معنى الابتداءِ، لأنَّ حرفَ المجازاةِ حقُّه أن يدخلَ على الفعلِ حقيقةً، إذ معنى المجازاةِ ليس إلَّا أن يُقال: إن كان كَذا، وذلك يقتضي دخولَ حرفِ المجازاةِ على الفعلِ حقيقةً، وإذا لم يَدخُلُ عليه حقيقةً وَجَبَ أن يَدخُلَ عليه تقديرًا، ولن (١) يدخلَ عليه تقديرًا إلَّا إذا انتَصَبَ زيدٌ، وكذلك إذا قُلنا: أَزيدٌ ضربتُهُ، لأنَّ المنصوبَ ها هنا فيما وَرَاءَ الاستفهامِ أَفهَمُ الوجهين، كما أنَّ المرفوعَ أَبلغُهُما. ففي حالةِ الاستفهامِ يلزمُ أَفهَمُهُما ضرورةَ أنه ملزمٌ بخلافِ غيرِ هذه الحالةِ. فإن سألتَ: فإذا لَزِمَ انتصابُ زيدٍ فما الناصبُ له؟ أجبتُ: الناصبُ له ذلك الفِعلُ الذي يَلِيه. فإن سألتَ: لِمَ (٢) انتصبَ الضميرُ المُتَّصلُ بالفعلِ؟ أجبتُ على البَدَلِ من زيدٍ وهو بعينهِ مذهبُ الكوفيين، ويشهدُ لصحةِ البدلِ ها هنا أنَّ هذا الكلامَ يتأتّى فيه جميعُ أنواعِ البدلِ، فإذا قلتَ زيدٌ ضربتُه فهو بدلُ الكلِّ من الكلِّ، وإذا قلتَ ضربتُ زيدًا رأسَه فهو بدلُ البعضِ من الكلّ، وإذا قلتَ: ضربتُ زيدًا أخاه فهو بدلُ الاشتمالِ، وكذلك لو قلتَ: زيدًا ضربتُ عمرًا لكانَ بَدَلَ الغَلَطِ، ويشهدُ بصحةِ هذا النوعِ من البدل مسألةُ نداءِ (٣) التكريرِ كما يجوزُ أن تقولَ: رأيتُ (٤) زيدًا عمرًا فغلطتَ فتداركتَ. والذي يدلُّ على أنَّه منصوبٌ بمقدرٍ مضمرٍ قبلَ هذا المنصوبِ، أنَّكَ لو قلتَ: كم رجلًا رأيتُه لجازَ، ومن المُحَالِ أن ينتَصِبَ بفعلٍ مقدَّرٍ قبلَ هذا المنصوب وهو كَم، لأنَّ من شأنِ

стр. 236

الاستفهامِ أن لا يقعَ إلَّا في صدرِ الكلامِ. فإن سألتَ: فإذا كانَ انتصابُ "زيدًا" في إن زيدًا ضَرَبتَه وأزيدًا ضربتَهُ بالفعلِ الذي يليه فكيفَ لم يكن الاختيارُ هو النَّصبُ في قولك: زيدًا (١) ضربتُه، حَسب ما كان إيّاه في قولِك زيدًا ضربتُ؟ أجبتُ: لأنَّ ذلكَ اعتراضٌ عن آكدِ الكلامين، لا لموجبٍ (٢). أولُ بيتِ الحماسةِ:

стр. 237

إذًا لقامَ بِنَصري معشرُ خَشن … عندَ الحفيظةِ إن ذو لُوثةَ لَانا يقالُ: فيهم (١) لين، لأنَّ كلَّ ليِّنٍ مُستَرخٍ، فإِن سألتَ: أُسلوب هذا الكلامِ غريبٌ، أَلَّا تَرى أنَّه يُقالُ فلانٌ سَخِيٌّ إذا بَخِلَ السَّخِيُّ، وأمَّا فُلانَ سَخِيٌّ إذا بَخِلَ البَخِيلُ فشيءٌ لم يقرع أسماعَنَا؟ أجبتُ: كلا الطريقين عربيّةٌ محمودةٌ، أما الطَّريقُ الأولى فَعَلَى معنى المُبالغة، وأمَّا الثانيةُ فعلى معنى التَّعويض. وعن بَعضِ أصحابِ الشَّيخِ أنَّ سماعَهُ من الشيخِ (لَوثة) بالفَتح وهو القُوَّةُ، وحينئذٍ تَبْدُو السمَاءُ نقيَّةً لا لبسةَ ولا شُبهة. حُكي أنَّ حاتِمَ الطَّائِيَّ أُسِرَ في بلادِ بني عَنَزَةَ. فغابَ عنها الرِّجالُ، وبقيَ فيما بينَ نسائِهم حاتمٌ مقيدًا مغلولًا، ثم اتفقَ لهُنّ الارتحالُ فارتَحَلن بحاتِمٍ فلما بَلَغْنَ بعضَ الطَّرِيقِ مَسَّهُنَّ الجُوعُ، وكانَ من عادةِ الجَاهِلِيَّةِ أكَلُ الفَصِيدِ في المَخْمَصَةِ فقالَ: أُفككنَ عَنّي الغُلَّ لأُقَرِّدَ لَكُنَّ فَفَكَكنَ عنه فَنَزَلَ عن الناقةِ فَنَحَرَها (٢) فقيلَ له في ذلك فقالَ: هَكذا قَردي إنَّهْ فَلَطَمتهُ جاريةٌ بما فَعَلَ فقالَ: لو ذاتُ سِوارٍ لَطَمتنِي، يقول: لو حُرَّةٌ لَطَمَتني، والمعنى لو لَطَمَتنِي من كانت من الشرفِ لي كفوًا لها على ذلك. قالَ جارُ الله: "وقوله تَعَالَى (٣): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ على ولو ثَبَتَ، ومنه المَثَلُ (*) "إلا حَظِيَّةٌ فلا أَلِيَّةٌ" أي أن لم تَكن لك في النّساء حَظِيَّةٌ فإني غيرُ ألِيَّةٍ. قال المشرِّحُ: قوله: على وَلَو ثَبَتَ: معناهُ على مَعنى ولو ثَبَتَ أنَّهم صَبَرُوا، فإنَّهم صَبَرُوا في محلِّ الرَّفعِ، فإنَّه فاعلُ ثَبَتَ. الحَظِيَّةُ إمَّا فَعيلَةٌ

стр. 238

بمعنى مَفعولةٍ يقالُ أحظَاها اللهُ فهي حَظِيَّةٌ، وإمَّا بمعنى فاعلةٍ يقالُ حَظِيَ عنده حُظوَةً فهو حَظٍ، وهي حَظِيَّةٌ. الأليَّةُ المقصِّرةُ من الإِماءِ (١) من أَلا (٢) يَألُو إِذا قَصَّر، وهي فَعيلةٌ بمعنى فاعلةٍ فإن سَألتَ: هل يجوزُ أن تكونَ الحَظِيَّةُ والألِيَّة فَعُولةٍ ويكونَ أصلُها حظويَّة وألويةً إلَّا أنَّ الواوَ والياءَ متى اجتَمَعَتا قُلبت الواوُ إلى الياءِ وأُدغِمتِ الياءُ في الياءِ، ولذلكَ قالوا: في قولِهِ عَزَّ (٣) وجَلَّ ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٤) إنه فَعُولٌ من بَغَت المرأةُ إذا زَنَتْ، لَا فَعِيلٌ؟ أجبتُ (٥): لا يَجوزُ لأنَّ فَعولًا مما يَسْتَوي فيه المُذَكَّرُ والمؤنثُ، وفي المَثَل روايتان نصبُ الإِسمين وهو أعرفُ الروايتَين، ورفعُهما، أما نَصْبُهما فَعَلَى إن لم أكن حَظِيَّةً فإني (٦) لا أكونُ مُقَصَّرةً، وأمَّا رفعُهُما، فَعَلَى ما ذَكَرَه الشيخُ، والمعنى لا عَلَيك (٧) في مقاصِدك أن تَتَوَدَّدَ إلى الناسِ لتَنالَ من الحَظوَةِ وإن لم تَنَلها.

стр. 239

[بَاب المبتدَأ وَالخَبَر] قالَ جارُ اللهِ: المبتدأ والخبرُ، هما الإِسمان المجرَّدان للإِسنادِ نحو قولك، زيدٌ منطلقٌ، والمرادُ بالتجريدِ إخلاؤُهما من العواملِ التي هي كانَ وإنَّ وحسبتُ وأخواتُها، لأنَّهما إذا لم يَخلُوا منها تلعبت بهما وعصبتهما القرار على الرَّفعِ، وإنما اشتُرطَ في التجريدِ أن يكونَ من أجلِ الإِسنادِ، لأنَّهما لو جردا لا للإِسنادِ لكانا في حكم الأصواتِ التي حَقُّها أن يُنعقَ بها غيرَ معربةٍ، لأنَّ الإِعرابَ لا يُستَحَقُّ إلَّا بعدَ العقدِ والتَّركيبِ، وكونُهما مجرَّدين للإِسنادِ هو رافِعُهما، لأنَّه معنى قد تناوَلَهُما معًا تَناولًا وَاحدًا، من حيثُ أنَّ الإِسنادَ لا يَتَأَتَّى بدونِ طرفين مُسندٍ ومُسنَدٍ إليه، ونظيرُ ذلك أنَّ معنى التشبيه في كأنّ لما اقتَضَى مشبهًا ومشبهًا به كانت عاملةً في الجزأين وشَبَهُهُما بالفاعلِ أنَّ المبتدأ مثله في أنَّه مسندٌ إليه، والخبرَ في أنَّه جزءٌ ثانٍ من الجملة. قالَ المُشَرِّحُ: هذا الكلامُ مستدركٌ على الشيخ من وجهين: أحدهما: قوله: وكونُهما مجرَّدَينِ للإِسنادِ هو رَافعُهما (١)، ومعنى أن

стр. 240

الاسمين متى جَرى بينهما إسنادٌ مع أنَّهما لم يَدخُل عليهما سائرُ العواملِ اللَّفْظِيَّةِ، وهذا (١) لا يَقتضي سوى أن يكونَ للاسمين من الإِعرابِ حَظٌّ، وأمَّا أن يكونَ حَظُّهُما على الخصوصِ الرفعَ فلا. الوجهُ الثاني من الاستدراكِ: أنَّه إذا كانَ رافعهُما هو كونُهما مجرَّدَيْن للإِسنادِ، فأيُّ حاجةٍ بنا إلى كونِ كلٍّ منهما شَبيهًا بالفاعلِ؟ -اللَّهم- إلَّا أن نَعنِي برافِعِهما [أنّ] مُعرَبَهُما ليس الإِعراب، لكنَّ اللَّفظَ لا يُساعدُ عليه. وتقريرُ الكلامِ على جهةِ الصَّوابِ في هذه المسألةِ أن يقولَ: الموجِبُ لنفسِ الإِعرابِ فيهما موجودٌ، والموجبُ لخصوصِ الإِعرابِ فيهما أيضًا موجودٌ، والمَانعُ لموجبِ الخُصوصِ معدومٌ، فوجَبَ أن يرتَفِعا. أمَّا الموجبُ لنفسِ إعرابِهِما فوقوعُ (٢) العقدِ والتركيبِ بينهما، لأنَّهما (٣) متى وَقَعَ بينَهما ذلك تَوَلَّد منه معنى ثالثٌ، والإِعرابُ وُضِعَ ليَدُلَّ على نحو ذلك المعنى، أمَّا الموجبُ لخُصُوصِ (٤) الإِعرابِ فيهما فَشَبَهُ كلِّ واحدٍ منهما للمرفوعِ، أمَّا شَبَهُ المبتدأ بمرفوعٍ فلأنَّه يُشبه الفاعلَ من حيثُ أنَّه مسندٌ إليه، كما أنَّ الفاعل كذلك، وأمَّا (٥) شَبهُ الخبرِ للمرفوعِ فلأنَّهُ يُشبِهُ الفِعلَ

стр. 241

المضارعَ نحوَ يضربُ زيدٌ من (١) حيثُ أنَّه خبرٌ عن غيرِه، وهُو مُتناوِلٌ للحالِ والاستقبالِ، كما أنَّ الفعلَ المضارعَ كذلك، وأمَّا عدمُ المانعِ لموجبِ الخصوصِ، فَتَجَرُّدُهُمَا عن العوامِلِ اللَّفْظِيَّةِ (٢). قال جارُ اللهِ فصلٌ؛ "والمبتدأُ على نوعين معرفةٌ وهو القياسُ، ونكرةٌ إمَّا موصوفةٌ كالتي في قوله (٣): ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ وإمَّا غيرُ موصوفةٍ كالتي في قولهم: أَرجلٌ في الدارِ أم امرأةٌ، وما أحدٌ خيرُ منك، وشرٌّ أَهَرَّ ذا نابٍ، وتحتَ رأسي سَرجٌ، وعلى أَبيه دِرعٌ. قال المشرِّحُ: الأصلُ في المبتدأ أن يكونَ معرفةً، لأنَّ تنكيرَه يُخِلُّ بالمعنى المطلوبِ منه (٤)، وهو الإِفهامُ، فلا يجوزُ، أَلَا تَرى أنَّ تنكيرَه تَنفيرٌ عن استماعِ الحديث عنه، والتَّنفيرُ عن استماعِ الحديثِ إخلالٌ بالغَرَضِ المطلوبِ من الكَلَامِ وهو الإِفهامُ وهذا بخلافِ ما إذا تَقَدَّمَ الخَبَرُ، وبِخِلَافِ الفاعِلِ، فإِنَّه هُناكَ وقد (٥) تَقَدَّمَ الخبرُ فسواءٌ عَرفتَ المبتدأ أو لم تَعرفه لم يَقَع تَنْفِيرٌ له، لأنَّه إن كانَ قد استَمَعَ الخبر فبعدَ ذلك إذا استَمَعَ المبتدأ فقد

стр. 242

قُضِيَ الأمرُ وَتَمَّ. وإن كانَ لم يَسمعه فقد وَقَعَتِ النُّفرَةُ عنه قَبْلَ (١) ذلك، فتَنكيرُ المبتَدأ لا يُوقعُ تنفيرًا له. أمَّا النكرةُ الموصوفةُ فقضيةُ القياسِ أن (٢) لا يَجُوزَ جَعْلُهَا (٣) مبتدأةٍ، لكنْ إنَّما جاز على معنى مُؤمِنَةُ (٤) هذا النَّوعِ من العبيدِ خيرُ من مشركةِ (٥) ذلك النوع من الإِماءِ، وأنَّه معرفةٌ، فإِن سألتَ: كيفَ جازَ جَعلُ النكرة الموصوفةِ مبتدأ، قوله بأَنَّها في تأويلِ المعرفةِ. قُلنا بَلَى لكنْ بَعدَ انضمام الصفةِ إليها، وهي قبلَ انضمام الصفةِ إليها، منفرةٌ، وبعدَ تنفيرِ المخاطبِ عن استماعِ الحديث عنه، جَعَلَها بمنزلةِ المعرفةِ بالصفةِ لا تفيدُ. أجبتُ: قوله: النَّكرةُ قبلَ انضمام الصفةِ إليها منفِّرةٌ (٦)، قلنا: لا نُسَلِّمُ وهذا لأنَّه لا يَسوغُ في النَّكرةِ الموصوفةِ جَعلها مبتدأةً، إلَّا بعدَ ما يَرسخُ في العقائِدِ الاصطلاحُ على أنَّ المبتدأ لا يكونُ إلَّا معرفةً، فبعدَ هذا كلَّما سمع النكرة في مقامِ الابتداء لم تنفّره، لِعلمِهِ أنه يَتبَعُهَا ما يجعَلُها كالمعرفةِ. فإِن سألتَ: كيفَ لم يَجُز الابتداءُ بالنكرةِ الساذجةِ غيرِ الموصوفةِ، وهذا لأنَّه متى سَمِعَ النَّكرة وإن (٧) لم يُتبِعها بالصِّفةِ لم يَنفُرُ، لتوقُّعِهِ تلكَ الضَّمِيمَةَ المُخْرجَةَ عن التَّنكِيرِ إلى التَّعرِيفِ؟ أجبتُ لم يَجُز الابتداءُ بالنكرةِ السَّاذجَةَ لأنَّ غايةَ ذلك أن يَنفِرَ (٨) نوبةً أو نَوبتين، لكنْ إذا وَقَعَ في ضميرِهِ أنَّه لا يَتَأتَّى بتلكَ الضَّميمة يَنْفِرُ عن كلِّ نكرةٍ مجعولَةٍ مبتدأةً، موصوفةً كانت أو غيرَ موصوفةٍ، فلا يجوزُ ذلك (٩)، لأنَّه تَوَخَّى تيسيرًا (١٠)

стр. 243

يُفضِي إلى مَزِيَّةِ تَغْيِيرٍ. أمَّا قولُه: أرجلٌ في الدارِ أم امرأةٌ، فإنَّما جازَ وقوعُه في مقامِ الابتداءِ وإن كانَ نكرةً مَحْضَةً، لأنَّه كما ذَكرناه معرفةٌ من حيثُ المعنى، وأمَّا قولهم (١) ما أحدٌ خيرٌ منكَ فهو وإن كانَ مبتدأ من حيثُ الصُّورةُ فهو فاعلٌ من حيثُ المعنى، وهذا لأنَّ حروفَ النَّفي رُبَّمَا تُنَزَّلُ تَنْزِيلَ الفِعلِ كما في بيتِ السِّقطِ (٢): وما الفُصَحَاءُ الصّيدُ والبدوُ دارُها … بأفصحَ قولًا من إِمَائِكُمُ الوُكْعِ ألا تَرى أنَّ العامِلَ في الجارِّ هو (ما). وأمَّا قولهم: (شرّ أهرّ ذا نابٍ) فهو وإن كانَ مبتدأ من حيث الظاهِرِ فهو فاعلٌ من حيثُ المعنى، إذا المعنى: ما أهرَّ ذا نابٍ إلَّا شَرُّ. وهذا كقولِهِم: أمرٌ أَقْعَدَه عن الخُرُوجِ. ومهمٌّ أشخَصَهُ، والمعنى: ما أَقعده عن الخروج، إلَّا أمرٌ، وما أشَخَصُه عن مكانِهِ إلَّا مُهِمٌّ، ولئن سَلَّمنا أنَّه مبتدأ من حيثُ الظَّاهِرُ والمعنى لكن لِمَ قُلْتَ إِنَّه غيرُ موصوفٍ، هذا لأنَّ التَّنوينَ فيه بمنزلةِ الصِّفَةِ، لأنَّه للتَّعظِيمِ والتَّفخيمِ (٣) كما في قوله: أنشده الأزهرِيُّ (٤) في التَّهذيب:

стр. 244

لعمرُ أبِ الطَّيرِ المِرَّبةُ بالضُّحى … على خالدٍ لقد وَقَعتِ على لَحَمْ (*) عَنِى بها الطير الواقعة بالضُّحى على خالدٍ، أي وَقَعتِ على لَحْمٍ وأيُّ لَحْم كذلك ها هنا. لأنَّ (١) المرادَ بذي نابٍ الكلبُ، وهريرُهُ (٢) نِباحُهُ الذي تَتَشَاءَمُ به طوائفُ النَّاسِ. قالَ جارُ الله: فصلٌ، والخبرُ على نوعين: مفردٌ وجملةٌ، فالمفردُ على ضربين خالٍ من (٣) الضميرِ وَمُتَضَمِّنٌ له، وذلك: زيدٌ غُلامُك، وبكرٌ منطلقٌ، والجملةُ على أربعةِ أضربٍ: فِعليَّةٍ وإِسميَّةٍ وشرطِيَّةٍ وظرفيَّةٍ وذلك: زيدٌ ذَهَبَ (٤) أَخوه، وعمرٌو أبوه منطلقٌ، وبكرٌ إن تعطِهِ يَشْكُرْكَ، وخالدٌ في الدَارِ. قالَ المشرِّحُ: غُلامُك ها هنا غيرُ مُتَضَمِّنٍ للضَّمِيرِ، لأنَّ الاسمَ إذا وَقَعَ هذا الموقع فإنَّما يَتَضَمَّنُ الضميرَ إذا كانَ صفةً، أَمَّا إذا كان جامِدًا فإنَّه لا يَتَضَمَّنُ، ألا تَرَى أنَّ الجامِدَ من الأسماءِ لا يَعملُ عَمَلَ الفعلِ، إنَّما الذي يَتَضَمَّنُهُ نحو قولِك: عمرٌو مُنطلقٌ، هذه مسألةٌ مختلف فيها بينَ أهلِ البصرةِ وأهلِ (٥) الكوفةِ؛ أعني أنَّ الإِسمَ الجامدَ إذا وَقَعَ موقعَ الخَبَرِ هل يتَضَمَّنُ الضَّمِيرَ أم لا (٦)؟ فإن سألتَ: هذا الكلامُ مستدركٌ عليه، وذلك أنَّه

стр. 245

إذا كانَ في "مُنطلقٌ" ضَميرٌ هو فاعلُه كانَ جملةً، ولذلك ذَكروا في بابِ الموصولاتِ، في شَرحِ قولهم: (الضَّارِبُ أباه زيدٌ) واسم الفاعِل في الضَّارِبِ في معنى الفِعلِ وهو مع (١) المرفُوعِ به جملةٌ واقعةٌ صلةَ اللَّامِ، وعدُّ الجَملة مفردًا خَطَأٌ مُسْتَدْرَكٌ؟ أَجبتُ: ما الدَّلِيلُ على كونِهِ جملةً، إنَّما يكونُ جملةً أن لو كانَ في اقتضائِهِ الفاعلَ مستبدًّا، وهو غيرُ مُسْتَبِدٍّ ها هنا، لأنَّه لم يَعمل عَمَلَ الفعلِ ها هنا. إلَّا باعتِمَادِهِ على المُبتدأ، فيكونُ المبتدأ مأخوذًا من كونِهِ جملةً، بخلافِ الفعلِ. قالَ جارُ اللهِ: فصلٌ؛ ولا بُدَّ في الجملةِ الواقعةِ خبرًا من ذِكرٍ ما يَرجعُ إلى المبتدأ، وقولك في الدارِ معناه استقرَّ فيها. قالَ المشرِّحُ: الجملةُ إذا وَقَعَت خبرًا للمبتدأ فلا بُدَّ فيها من ضميرٍ يرجعُ إِلى المبتدأ، ولو لَمْ يكن بَينَه وبينَ الجملةِ ذلك الضَّمير، لم يَكن بينَه وبينَ الجملةِ مماسَّةٌ فَضلًا من أن تكونَ معوَّلةً على المبتدأ، ألا تَرى أنَّك إذا قُلتَ: زيدٌ سَقَطَ جِدارُ عمروٍ، فهذه الجُملة أعني: "سقط جدار عمرو" لا يجوزُ وقوعُها (٢) خبرًا للمبتدأ إذ لا مِساسَ بينه وبين زيدٍ، وقوله: "في الدّار" معناه: استقرَّ فيها فالراجع من الخبر إلى المبتدأ هو ذلك الضمير المستكن في الفِعل، ونظيرُ هذه المسألةِ كم ناقةً لك وفَصِيلَها، قولهم: وفَصِيلَها بالنَّصبِ والرَّفعِ، فالنَّصبُ بالعَطْفِ على ناقةٍ، والرَّفعُ بالعطفِ على ما في "لك" من الضميرِ المرفوعِ، لأنَّ تقديره كم ناقةٍ استقرّت لك، وفي استقرت (٣) ضميرٌ راجعٌ إلى الناقةِ، وتقولُ مررتُ بأصحاب لك أجمعون أكتعون. قال ابنُ السَّراجِ: لأنَّ في "لك" اسمًا مضمرًا مرفوعًا (٤).

стр. 246

قَالَ جارُ اللهِ: وقد يكُون الراجعُ معلومًا فَيُستَغنى عن ذكره، وذلك مثلَ قولِهِم: (البرُّ الكِرّ (١) بستين)، و (السَّمنُ مَنوَانِ بدرهم). أي منه (٢). قالَ المُشَرّحُ: قولهم: البُرُّ مبتدأ، والكِرُّ مبتدأ ثانٍ وبستين خَبَرُ المبتدأ الثّاني، ثُمَّ هذا المبتدأ وخَبَرُه خبرُ المبتدأ الأوَّلِ، وليسَ فيه ضميرٌ يرجعُ إلى المبتدأ الأوَّل، إنَّما هو محذوفٌ تقديرُه الكرَّ منه، وكذلك في قولِهِم: السَّمنُ مَنَوانِ بدرهمٍ تقديره منوانِ منه. قال جارُ اللهِ: وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣). قالَ المُشَرّحُ: قوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ في محلِّ الرَّفعِ بأنَّهما خبرُ المبتدَأ، والرَّاجِعُ فيها إلى المبتدأ محذوفٌ، قالوا تَقْدِيرُهُ إنَّ ذلك منه لَمِن عزمِ الأمورِ وفيه نَظَرٌ (٤)، لأنَّهُ وإن صحَّ بأنْ يُقالَ: الصبرُ من عزمِ الأمورِ، والجودُ من مكارمِ الأخلاقِ، فلا يَصِحُّ أن يُقالَ الصبرُ منه من عزمِ الأمورِ، والجودُ منه من مكارِمِ الأخلاقِ، وهذا لأنّه إنما يَصحُّ أن يُقَالَ هذَا الفِعلُ من مكارِمِ الأَخلاقِ حيثُ يَصِحُّ أن يُقالَ بأنَّك لو فَعَلْتَهُ لاستَحْسَنَهُ النَّاسُ، وذلك فيما نَحْن فيه لا يَصِحُّ، إذ لا يَصِحُّ أن يُقال لو أَتيتَ بصبرِ فُلانٍ لاستَحْسَنَه النَّاسُ، لأنَّ ما جُعِلَ من الفعلِ مرَّةً لا يَصِحُّ فِعلُه ثَانِيًا (٥).

стр. 247

فإن سَأَلتَ: المرادُ بقولِهِ إِنَّ ذلك إنّ مثلَ ذلك يعني إنَّ مثلَ صَبرِهِ، وهو نفسُ الصَّبر من عزمِ الأمورِ؟ أجبتُ: لو حُمِل على ذلِكَ لَوَقَعَ النَّظرُ فيه من وجهٍ آخرَ، وذلك أنَّ الصبرَ في نفسِ الأمورِ من عزمِ الأمورِ، لا على تقديرِ صبرٍ آخرَ، والكلامُ في هذه المسألةِ مبنيٌّ على معرفةِ الكنَايَةِ، وهي أن تُريدَ دعوى الشيءِ وإثباتَهُ بدليلٍ فَتَدعُ المُدّعى، وحرفَ التَّعليل وتقيمُ الدّليل مقامَ المُدَّعى، مثاله: تريدُ أن تقولَ: فلانٌ طويلٌ، لأنه طَويلُ نجادِ السَّيفِ، فتدعُ المُدَّعى وهو طويلُ القامةِ وتدعُ أيضًا حرفَ التعليلِ وهو: لأنَّه وتقيمُ طويلَ نِجَادِ السَّيفِ مقامَه ولذلك تقولُ وَطِيئهَا، لأنَّه التَقَى خِتَانَاهُما فتدَعُ الشَّيئين، وتقولُ: التَقَى خِتاناهُما. إذا ثَبَتَ هذا رَقَّيتُكَ إلى الغَرضِ المَطلُوبِ فقلتُ: إن ذلك لمن عَزم الأمور فالحقيقة قوله فقد أحسنَ فيكون الراجعُ المحذوفُ ها هنا شبيهًا بالراجعِ المحذوفِ في زيدٌ في الدارِ. قالَ جارُ الله: فَصلٌ؛ ويجوزُ تقديمُ الخبرِ على المبتدأِ كقولك تَميميٌّ أَنا، ومشنؤٌ من يَشنؤُك، وكقوله تعالى (١): ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ و (٢): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ المعنى سواءٌ عليهم الإِنذارُ وعدمُه. قالَ المشرحُ: أنا مبتدأ، وتميميُّ خبرُه، فإنْ سألتَ: لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ تميميٌّ مبتدأً وأنا خَبَره لأجبتُ: لأنَّ المبتدأ هو المحكُومُ عليهِ، والخبرَ هو المحكومُ بهِ، وها هُنا حُكِمَ على أنا تَمِيميٌّ بأَنا، والذي به يتبينُ الصريحُ من الرُّغوَةِ (٣) أنَّك لو تَرجمت الكلامَ بغيرِ العربيَّة وجدتَ الرابطةَ مُلتحقةً بالخبرِ دونَ المبتدأِ، وها هنا لو تَرجمتَ لوجدتَ الرابطةَ ملتحقةً بتميميّ، ولا بأنا. ولَقد سأَلني بعضُ إخواني من الأفاضل عن قول الأمير أبي فراس (٤):

стр. 248

ضَعيفٌ هوى يُبغي عليه ثَوَابُ بتنوين ضَعيفٍ، فقالَ: كيفَ جَعَلَ المبتدأ وهو ضعيفٌ نكرةً غيرَ مَوصوفةٍ؟ فقلتُ: ليس الأمرُ كذلك لأنَّ ضَعيفًا خبرُ المبتدأ، والمبتدأ هَوى (١) يَبغي عليه ثَوابُ، فما كاد (٢) يُصدِّقني في أنَّ ضعيفٌ هو خبرُ المبتدأ حتَّى امتحن ذلك بالرابِطةِ، فاستَحسَنَ الجوابَ وأثنى عَليَّ. وكذلك من يَشنؤُك مبتدأ ومشنؤٌ خبره وكذلك: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ في مقامِ المبتدأِ وسواءٌ عليهم خبرُه. أم والهمزةُ في الآيةِ مجردتان لمعنى الاستواءِ، وهكذا (٣) لو سَوَّيتَ بين الأمرين في الاستفهامِ أجريتَ التَّسوَية مَجراها في غيرِ الاستفهام، وذلك قولك أزيدٌ عندَك أمَ عَمرٌو (٤)؟ والحالُ لا تختلفُ بين أَم المُتَّصلةِ، وأم المُعَادِلةِ، وذلك في نحو قولِهِ تعالى (٥): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. قال سيبويه: جَرى هذا على حرفِ الاستفهامِ كما جَرى على حرفِ النّداءِ في قولِكَ: اللَّهمَّ اغفِرْ لَنَا أيَّتُها العصابة وتقديمُ خبرِ المبتدأِ على المبتدأِ مسألةٌ مختلفٌ فيها بينَ أهلِ البصرةِ والكوفةِ (٦).

стр. 249

قالَ جارُ الله: وقد التُزِمَ تقديمُه فيما وَقَعَ فيه المُبتدأ نَكِرةً والخبرُ ظَرفًا وذلك في مثلِ (١) قولِكَ في الدَّارِ رَجُلٌ. قالَ المُشَرِّحُ: لو لم (٢) يَكُن الخبرُ ها هنا مقدِّمًا على المبتدأ لما جَازَ الكلامُ لكونِ المبتدأ نكرةً محضَةً. ونظيره تَحتَ رأسِي سَرجٌ، وعلى أَبيه دِرعٌ. فإِن سألتَ: كما التُزم تقديمُ الخبرِ فيما وَقَعَ فيه المُبتدأ نكرةً والخبرُ ظرفًا، فكذلك التُزم تَقديمُه فيما إذا لم يَكُن الخبرُ ظَرفًا، فَما الفائِدةُ في تخصيصِ الخبرِ بكونِهِ ظرفًا؟ أجبتُ: ما الدليلُ على ذلك، وهذا لأنَّ المبتدأ إذا كانَ نكرةً والخبرُ غيرَ ظرفٍ لا يخلو من أن يكونَ الخبرُ اسمًا أو فعلًا، وأيًّا ما كان فإنَّه لا يلزُم حينئذٍ (٣) تقديمُ الخبرِ، أمّا إذا كان اسمًا كما إذا قُلتَ: رجلٌ ظريفٌ، وأردتَ أن تَجعلَ مبتدأً رجلٌ وظريفٌ خبَره فإِنه لا يَلزُم تقديمُ الخبرِ ها هنا، وذلك لأنَّ المعني بالتِزام تقديمِ الخبرِ التُزم تقديمِه بالمبتدأِ والخبرِ بحالِهِما ولو قَدَّمتَ الخبرَ ها هنا فَقلتَ: ظريفٌ رجلٌ لم يبقَ المبتدأ والخبرُ بحالِهما، لأنَّ ظريفًا إِذ ذاك مبتدأٌ ورجلٌ مرفوعٌ بأنَّه عطفُ بَيَانٍ، ولا بُدَّ من إخراجِ خبرِ المبتدأِ، ليتمَّ كلامُه، وكذلك إذا قُلتَ رجلٌ جاءَني فقدَّمتَ الخبرَ فقلتَ: جاءَني رجلٌ، ولم يبقَ المبتدأ والخبرُ بحالِهِما، لأنَّه يُقلِبُ الجملةِ الابتدائِيّة جملةً فِعلية، فَعُلِم أنّه إذا كانَ المبتدأُ نكرةً والخبرُ غيرَ ظرفٍ لم يلزَم تقديمُ الخبرِ، ولئن سَلَّمنا أنّه يَلزَمُ تقديمُ الخبرِ على الإِطلاقِ إذا كان المبتدأُ نكرةً، لكنَّ الظرفَ أوجَبُ تقديمًا من غيرِه ألا تَرى أنّه يجوزُ تقديمُ الخبرِ على الاسمِ في بابِ إنَّ إذا كانَ ظرفًا، ولا يجوزُ تقديمُه إذا لم يكن ظرفًا، والاسمُ والخبرُ في بابِ إنَّ في الأصلِ مبتدأٌ وخبرٌ. قالَ جارُ اللهِ: أمَّا سلامٌ عَليك، وويلٌ لك، وما أشبَههما من الأدعِيةِ

стр. 250

فمتروكةٌ بحالِها إذا كانت منصوبةً منزلةً منزلةَ الفعلِ. قالَ المشرّحُ: انظر إلى الشيخِ كيفَ عبَّر بهذه الكلمةِ الوجيزةِ عن معنىً شريفٍ بسيطٍ؟! وذلك أنَّ سلامٌ مبتدأ وهو نكرةٌ غيرُ موصوفةٍ عليكَ خبرهُ وهو ظرفٌ فكيفَ (١) جازَ ذلك مع أنه لا يجوزُ رجل في الدار والكلام فيه ينبني على شيء وهو أن هذا دعاء والأصلُ في الأدعيةِ أن تكونَ فعلًا كقولهم: سقَاه اللَّهُ ورعاهُ فإن لم يكن فعلًا فلا بُدَّ من أن يكونَ مصدرًا منصوبًا كقولك: سقيًا ورعيًا، وجدعًا له وخيبةً، وشيءُ آخرُ وهو أنَّ الاسمَ أدلُّ على الدَّوامِ والثباتِ من الفعلِ، وهذا لأنَّ الفعلَ يُدلُّ على الحدوثِ والتَّجَدُّدِ بخلافِ الاسمِ، وإن شئتَ فاعتَبر بما أنشده الإِمامُ عبدُ القاهرِ الجُرجاني (٢): لا يألفُ الدِّرهمُ المضروبُ خِرقَتَنَا … لكنَ يَمُرُّ عليها وهو مُنطَلِقُ (٣) ألا تَرى أنه لو قالَ: وهو يَنطلق (٤) لم يَكن له ذلك الحُسن والرَونق الذي له الآن. إذا ثَبَتَ هذا سَلكتُكَ (٥) إلى الغرضِ فقلتُ: قولهم: سلامٌ عليكَ من حيثُ أنّه مصدرٌ قُصد به الدّعاءُ وَجَبَ أن يكونَ منكرًا منصوبًا، ومن حيثُ أنه قُصِدَ به الثَّباتُ والدّوامُ، وَجَبَ أن يكونَ معرفةً مرفوعًا، لأنَّه حينئذٍ مبتدأُ والمبتدأُ مرفوعٌ، قلنا: إنَّه يكونُ نكرةً عملًا بجانبِ الدُّعاءِ، مرفوعًا بجانبِ الابتداءِ، توفيرًا على الشَّبهين حَظّهما. فهذا معنى كلامِ الشَّيخِ. قالَ جارُ الله: وفي قولهم: أينَ زيدٌ؟ وكيفَ عمرٌو؟ ومتى القتالُ؟. قال المشرّحُ: إنما وَجَبَ تقديمُ الخبرِ على المبتدأ في الأمثلةِ لأنّه استفهامٌ والاستفهامُ له صدرُ الكلامِ.
следующие страницы →