← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قَالَ جارُ اللهِ: وقد يكُون الراجعُ معلومًا فَيُستَغنى عن ذكره، وذلك مثلَ قولِهِم: (البرُّ الكِرّ (١) بستين)، و (السَّمنُ مَنوَانِ بدرهم). أي منه (٢). قالَ المُشَرّحُ: قولهم: البُرُّ مبتدأ، والكِرُّ مبتدأ ثانٍ وبستين خَبَرُ المبتدأ الثّاني، ثُمَّ هذا المبتدأ وخَبَرُه خبرُ المبتدأ الأوَّلِ، وليسَ فيه ضميرٌ يرجعُ إلى المبتدأ الأوَّل، إنَّما هو محذوفٌ تقديرُه الكرَّ منه، وكذلك في قولِهِم: السَّمنُ مَنَوانِ بدرهمٍ تقديره منوانِ منه. قال جارُ اللهِ: وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٣). قالَ المُشَرّحُ: قوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ في محلِّ الرَّفعِ بأنَّهما خبرُ المبتدَأ، والرَّاجِعُ فيها إلى المبتدأ محذوفٌ، قالوا تَقْدِيرُهُ إنَّ ذلك منه لَمِن عزمِ الأمورِ وفيه نَظَرٌ (٤)، لأنَّهُ وإن صحَّ بأنْ يُقالَ: الصبرُ من عزمِ الأمورِ، والجودُ من مكارمِ الأخلاقِ، فلا يَصِحُّ أن يُقالَ الصبرُ منه من عزمِ الأمورِ، والجودُ منه من مكارِمِ الأخلاقِ، وهذا لأنّه إنما يَصحُّ أن يُقَالَ هذَا الفِعلُ من مكارِمِ الأَخلاقِ حيثُ يَصِحُّ أن يُقالَ بأنَّك لو فَعَلْتَهُ لاستَحْسَنَهُ النَّاسُ، وذلك فيما نَحْن فيه لا يَصِحُّ، إذ لا يَصِحُّ أن يُقال لو أَتيتَ بصبرِ فُلانٍ لاستَحْسَنَه النَّاسُ، لأنَّ ما جُعِلَ من الفعلِ مرَّةً لا يَصِحُّ فِعلُه ثَانِيًا (٥).

стр. 247

فإن سَأَلتَ: المرادُ بقولِهِ إِنَّ ذلك إنّ مثلَ ذلك يعني إنَّ مثلَ صَبرِهِ، وهو نفسُ الصَّبر من عزمِ الأمورِ؟ أجبتُ: لو حُمِل على ذلِكَ لَوَقَعَ النَّظرُ فيه من وجهٍ آخرَ، وذلك أنَّ الصبرَ في نفسِ الأمورِ من عزمِ الأمورِ، لا على تقديرِ صبرٍ آخرَ، والكلامُ في هذه المسألةِ مبنيٌّ على معرفةِ الكنَايَةِ، وهي أن تُريدَ دعوى الشيءِ وإثباتَهُ بدليلٍ فَتَدعُ المُدّعى، وحرفَ التَّعليل وتقيمُ الدّليل مقامَ المُدَّعى، مثاله: تريدُ أن تقولَ: فلانٌ طويلٌ، لأنه طَويلُ نجادِ السَّيفِ، فتدعُ المُدَّعى وهو طويلُ القامةِ وتدعُ أيضًا حرفَ التعليلِ وهو: لأنَّه وتقيمُ طويلَ نِجَادِ السَّيفِ مقامَه ولذلك تقولُ وَطِيئهَا، لأنَّه التَقَى خِتَانَاهُما فتدَعُ الشَّيئين، وتقولُ: التَقَى خِتاناهُما. إذا ثَبَتَ هذا رَقَّيتُكَ إلى الغَرضِ المَطلُوبِ فقلتُ: إن ذلك لمن عَزم الأمور فالحقيقة قوله فقد أحسنَ فيكون الراجعُ المحذوفُ ها هنا شبيهًا بالراجعِ المحذوفِ في زيدٌ في الدارِ. قالَ جارُ الله: فَصلٌ؛ ويجوزُ تقديمُ الخبرِ على المبتدأِ كقولك تَميميٌّ أَنا، ومشنؤٌ من يَشنؤُك، وكقوله تعالى (١): ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ و (٢): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ المعنى سواءٌ عليهم الإِنذارُ وعدمُه. قالَ المشرحُ: أنا مبتدأ، وتميميُّ خبرُه، فإنْ سألتَ: لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ تميميٌّ مبتدأً وأنا خَبَره لأجبتُ: لأنَّ المبتدأ هو المحكُومُ عليهِ، والخبرَ هو المحكومُ بهِ، وها هُنا حُكِمَ على أنا تَمِيميٌّ بأَنا، والذي به يتبينُ الصريحُ من الرُّغوَةِ (٣) أنَّك لو تَرجمت الكلامَ بغيرِ العربيَّة وجدتَ الرابطةَ مُلتحقةً بالخبرِ دونَ المبتدأِ، وها هنا لو تَرجمتَ لوجدتَ الرابطةَ ملتحقةً بتميميّ، ولا بأنا. ولَقد سأَلني بعضُ إخواني من الأفاضل عن قول الأمير أبي فراس (٤):

стр. 248

ضَعيفٌ هوى يُبغي عليه ثَوَابُ بتنوين ضَعيفٍ، فقالَ: كيفَ جَعَلَ المبتدأ وهو ضعيفٌ نكرةً غيرَ مَوصوفةٍ؟ فقلتُ: ليس الأمرُ كذلك لأنَّ ضَعيفًا خبرُ المبتدأ، والمبتدأ هَوى (١) يَبغي عليه ثَوابُ، فما كاد (٢) يُصدِّقني في أنَّ ضعيفٌ هو خبرُ المبتدأ حتَّى امتحن ذلك بالرابِطةِ، فاستَحسَنَ الجوابَ وأثنى عَليَّ. وكذلك من يَشنؤُك مبتدأ ومشنؤٌ خبره وكذلك: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ في مقامِ المبتدأِ وسواءٌ عليهم خبرُه. أم والهمزةُ في الآيةِ مجردتان لمعنى الاستواءِ، وهكذا (٣) لو سَوَّيتَ بين الأمرين في الاستفهامِ أجريتَ التَّسوَية مَجراها في غيرِ الاستفهام، وذلك قولك أزيدٌ عندَك أمَ عَمرٌو (٤)؟ والحالُ لا تختلفُ بين أَم المُتَّصلةِ، وأم المُعَادِلةِ، وذلك في نحو قولِهِ تعالى (٥): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. قال سيبويه: جَرى هذا على حرفِ الاستفهامِ كما جَرى على حرفِ النّداءِ في قولِكَ: اللَّهمَّ اغفِرْ لَنَا أيَّتُها العصابة وتقديمُ خبرِ المبتدأِ على المبتدأِ مسألةٌ مختلفٌ فيها بينَ أهلِ البصرةِ والكوفةِ (٦).

стр. 249

قالَ جارُ الله: وقد التُزِمَ تقديمُه فيما وَقَعَ فيه المُبتدأ نَكِرةً والخبرُ ظَرفًا وذلك في مثلِ (١) قولِكَ في الدَّارِ رَجُلٌ. قالَ المُشَرِّحُ: لو لم (٢) يَكُن الخبرُ ها هنا مقدِّمًا على المبتدأ لما جَازَ الكلامُ لكونِ المبتدأ نكرةً محضَةً. ونظيره تَحتَ رأسِي سَرجٌ، وعلى أَبيه دِرعٌ. فإِن سألتَ: كما التُزم تقديمُ الخبرِ فيما وَقَعَ فيه المُبتدأ نكرةً والخبرُ ظرفًا، فكذلك التُزم تَقديمُه فيما إذا لم يَكُن الخبرُ ظَرفًا، فَما الفائِدةُ في تخصيصِ الخبرِ بكونِهِ ظرفًا؟ أجبتُ: ما الدليلُ على ذلك، وهذا لأنَّ المبتدأ إذا كانَ نكرةً والخبرُ غيرَ ظرفٍ لا يخلو من أن يكونَ الخبرُ اسمًا أو فعلًا، وأيًّا ما كان فإنَّه لا يلزُم حينئذٍ (٣) تقديمُ الخبرِ، أمّا إذا كان اسمًا كما إذا قُلتَ: رجلٌ ظريفٌ، وأردتَ أن تَجعلَ مبتدأً رجلٌ وظريفٌ خبَره فإِنه لا يَلزُم تقديمُ الخبرِ ها هنا، وذلك لأنَّ المعني بالتِزام تقديمِ الخبرِ التُزم تقديمِه بالمبتدأِ والخبرِ بحالِهِما ولو قَدَّمتَ الخبرَ ها هنا فَقلتَ: ظريفٌ رجلٌ لم يبقَ المبتدأ والخبرُ بحالِهما، لأنَّ ظريفًا إِذ ذاك مبتدأٌ ورجلٌ مرفوعٌ بأنَّه عطفُ بَيَانٍ، ولا بُدَّ من إخراجِ خبرِ المبتدأِ، ليتمَّ كلامُه، وكذلك إذا قُلتَ رجلٌ جاءَني فقدَّمتَ الخبرَ فقلتَ: جاءَني رجلٌ، ولم يبقَ المبتدأ والخبرُ بحالِهِما، لأنَّه يُقلِبُ الجملةِ الابتدائِيّة جملةً فِعلية، فَعُلِم أنّه إذا كانَ المبتدأُ نكرةً والخبرُ غيرَ ظرفٍ لم يلزَم تقديمُ الخبرِ، ولئن سَلَّمنا أنّه يَلزَمُ تقديمُ الخبرِ على الإِطلاقِ إذا كان المبتدأُ نكرةً، لكنَّ الظرفَ أوجَبُ تقديمًا من غيرِه ألا تَرى أنّه يجوزُ تقديمُ الخبرِ على الاسمِ في بابِ إنَّ إذا كانَ ظرفًا، ولا يجوزُ تقديمُه إذا لم يكن ظرفًا، والاسمُ والخبرُ في بابِ إنَّ في الأصلِ مبتدأٌ وخبرٌ. قالَ جارُ اللهِ: أمَّا سلامٌ عَليك، وويلٌ لك، وما أشبَههما من الأدعِيةِ

стр. 250

فمتروكةٌ بحالِها إذا كانت منصوبةً منزلةً منزلةَ الفعلِ. قالَ المشرّحُ: انظر إلى الشيخِ كيفَ عبَّر بهذه الكلمةِ الوجيزةِ عن معنىً شريفٍ بسيطٍ؟! وذلك أنَّ سلامٌ مبتدأ وهو نكرةٌ غيرُ موصوفةٍ عليكَ خبرهُ وهو ظرفٌ فكيفَ (١) جازَ ذلك مع أنه لا يجوزُ رجل في الدار والكلام فيه ينبني على شيء وهو أن هذا دعاء والأصلُ في الأدعيةِ أن تكونَ فعلًا كقولهم: سقَاه اللَّهُ ورعاهُ فإن لم يكن فعلًا فلا بُدَّ من أن يكونَ مصدرًا منصوبًا كقولك: سقيًا ورعيًا، وجدعًا له وخيبةً، وشيءُ آخرُ وهو أنَّ الاسمَ أدلُّ على الدَّوامِ والثباتِ من الفعلِ، وهذا لأنَّ الفعلَ يُدلُّ على الحدوثِ والتَّجَدُّدِ بخلافِ الاسمِ، وإن شئتَ فاعتَبر بما أنشده الإِمامُ عبدُ القاهرِ الجُرجاني (٢): لا يألفُ الدِّرهمُ المضروبُ خِرقَتَنَا … لكنَ يَمُرُّ عليها وهو مُنطَلِقُ (٣) ألا تَرى أنه لو قالَ: وهو يَنطلق (٤) لم يَكن له ذلك الحُسن والرَونق الذي له الآن. إذا ثَبَتَ هذا سَلكتُكَ (٥) إلى الغرضِ فقلتُ: قولهم: سلامٌ عليكَ من حيثُ أنّه مصدرٌ قُصد به الدّعاءُ وَجَبَ أن يكونَ منكرًا منصوبًا، ومن حيثُ أنه قُصِدَ به الثَّباتُ والدّوامُ، وَجَبَ أن يكونَ معرفةً مرفوعًا، لأنَّه حينئذٍ مبتدأُ والمبتدأُ مرفوعٌ، قلنا: إنَّه يكونُ نكرةً عملًا بجانبِ الدُّعاءِ، مرفوعًا بجانبِ الابتداءِ، توفيرًا على الشَّبهين حَظّهما. فهذا معنى كلامِ الشَّيخِ. قالَ جارُ الله: وفي قولهم: أينَ زيدٌ؟ وكيفَ عمرٌو؟ ومتى القتالُ؟. قال المشرّحُ: إنما وَجَبَ تقديمُ الخبرِ على المبتدأ في الأمثلةِ لأنّه استفهامٌ والاستفهامُ له صدرُ الكلامِ.

стр. 251

قالَ جارُ الله: ويجوزُ حذفُ أحدِهما فمن حَذْفِ المبتدأ قولُ المستَهِلِّ: الهلالُ، واللهِ، وقولك وقد شَمَمتَ ريحًا: المِسكُ، والله، أو رَأيتَ شَخصًا: عبدُ اللَّهِ، ورَبّي ومنه قولُ المُرَقِّش (١): ....................... … ....... إذْ قالَ الخَمِيسُ نَعَمْ (٢) قالَ المشرّحُ: تقديرُ المبتدأ في هذه الأمثلةِ: هذا الهلالُ واللَّه، وهذا المِسكُ والله، وهذا عبدُ الله ورَبّي. المرقِّشُ: بتشديد القَافِ وكسرِها. أول البيت: لا يُبعِدُ اللهُ التَّلبُّبَ (٣) والغاراتِ إذا … ........................... التَّلبُّبُ: التَحزُّمُ (٤) والتَّشمُّرُ، وهو في الأصلِ مطاوعٌ لَبَّبتُ الرّجلَ (٥) إذا جَمَعتُ ثيابَه عندَ لَبَّتِهِ ثم جَرَرتُه، يُريدُ إذ قالَ الخميسُ هذه نعَمٌ فاغنَموها، ونَعمٌ مع قالَ إيهامٌ. قالَ جارُ الله: ومن حذفِ الخبرِ قولك: خرجتُ فإذا السَّبعُ، وقول ذي (٦) الرُّمَّة:

стр. 252

فيا ظبيةَ الوَعساءِ بينَ جُلاجِلٍ … وبينَ النَّقا آأنتِ أم أمُّ سَالِمِ قالَ المشرحُ: المرادُ خرجت فإذا السَّبُعُ قائمٌ، فالسّبعُ مبتدأ، وقائمٌ خبره، وفيه نظرٌ، لأنَّ الخبرَ "فإذا"، بدليل أنَّ "إذا" ها هُنا في المكانِيّةِ، ألا تَرى أنَّ (١) معناه، خرجتُ فبالحضرةِ السَّبُعُ، وقولنا: بالحضرةِ السَّبُعُ جملةٌ ابتدائيةٌ، السّبعُ مبتدأ وبالحضرة خبرُه، فإن سألتَ: قولنا: بالحَضرةِ، وإن كانَ خبرًا من حيثُ الظَّاهِرُ فليس به (٢) من حيثُ الحَقيقةُ، [إذ الخبرُ في الحقيقةِ] (٣) متعلقٌ بالجارِ، وهو قائمٌ؟ أجبتُ: بَلى ذلك هو الأصلُ والخبرُ في الحقيقةِ ذلك إلا أنَّه لما حُذِفَ وأقيمَ الظرفُ مقامَه صارَ الظرفُ هو الخبرُ، ولذلك قالوا بأنّ في الدارِ في قولنا: في الدارِ (٤) زيدٌ، في الدارِ (٥) هو الخبرُ، ولم يقولوا بأنَّ الخبرَ هو كائنٌ، أو ثابتٌ، وهو (٦) المحذوفٌ، لأنَّ هذا (٧) المحذوفَ قد صارَ كالشريعةِ المنسوخَةِ، والوَدِيعةِ المُستَهلَكَةِ، ويشهدُ له قولهم: خَبرُ إنَّ إذا كانَ ظرفًا جازَ تقديمُه على الاسمِ ولو (٨) لم يَكُن الخبرُ هذا الظاهِرُ لما كان هذا. الوَعَساءُ: هي الأرضُ الليِّنَةُ (٩) ذاتُ الرّملِ

стр. 253

يَمتَدُّ (١)، ومنه المُواعسةُ في (٢) سيرِ الإِبلِ، وذلك أن تُوَسّع خَطوَها وتَمُدّ عُنُقَها. جُلاجِل (٣): بضمِّ الجيمِ الأولى، وكسرِ الثانيةِ، وروي بالحاءين المُهملتين أيضًا (٤)، والأوّل السَّماعُ، وهو أصحُّ الروايتين. تقديرُ الخبر فيه أأنتِ أنتِ (٥) أم أمُّ سالمٍ، والمعنى أأنتِ تلك الظبيةُ، أم أمُّ سالمٍ، ومما يعادِلُ هذا المعنى بيتُ أبي سعيدٍ الرُّستُمي (٦): مررنَ بحُزوى والجآذِرُ تَرتَعي … فلم تَدرِ حُزوَى أيُّهن الجَآذِز

стр. 254

قالَ جارُ اللَّه: وقوله تعالى (١): ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ يحتملُ الأمرين، أي فأمري صبرٌ جميلٌ أو فصبرٌ جميلٌ أجملُ. قالَ المشرحُ: إن كان معناه فأمري صبرٌ جميلٌ وَهو على حذفِ المبتدأ، وإن كانَ معناها فصبرٌ جميلٌ أجملُ فهو على حذفِ الخبرِ. قالَ جارُ الله: وقد التُزِمَ حذفُ الخبرِ في قولِهم: لولا زيدٌ لكان كذا لِسَدِّ الجوابِ مَسدَّهُ. قالَ المشرحُ: هذه المسألةُ (٢) من المسائِل التي دَقّقَ فيها النحويون، قالوا زيدٌ ها هنا مرتفعٌ بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ تقديرهُ لولا زيدٌ كائنٌ لكان كذا، وإنما حُذِفَ خبرُ المبتدأ لِسَدّ جوابِ لولا مَسَدّه، ومعنى سَدِّ جوابِ لولا مَسَدّه، كونُ جوابِ لولا دالًّا عليه، وأنّه كذلك، لأنَّك لما جَعَلتَ ما وَقَعَ من امتناعِ الثاني معلولَ الأوّلِ فقد جَعَلتَه دالًّا على الأوّل محكومًا عليه بالوجودِ ضرورةَ أنَّ الشَيء الوجوديَّ بدونِ ذلك يستحيلُ أن يُجعَلَ عليَّةً لغيرِهِ، والحكمُ بالوجودِ على الأوَّلِ بأنّه هو المبتدأ ليس إلا خبرَ المبتدأِ. قالَ جارُ اللهِ: ومِمَّا حُذِفَ فيه الخبرُ لسدّ غيرِه مَسَدّه قولُهم أقائمٌ الزّيدان. قالَ المشرّحُ: ذَكَرَ النَّحوِيُّون أنّ أقائمٌ في قولكَ أقائمٌ الزَّيدان مرتفعٌ بالابتداءِ والزَّيدان مرفوعٌ بأنّه فاعلُ هذه الصفةِ وهي قائمٌ، والخبرُ محذوفٌ (٣)، وهذا الكلامُ عليه سِمةُ الفَسَادِ، وقبلَ أن أُبَيّنَ فسادَه أُصلِحُهُ،

стр. 255

وألمُّ شَعثَه بقدرِ ما يمكنُ، ثُمَّ أمزّقُهُ بالاعتراضِ تمزيقًا، فأقولُ: اتفقوا على أنَّ الصّفةَ عِندَ اعتمادِها على الأشياءِ الخمسةِ تعملُ عملَ الفعلِ، والاستفهامُ أحدُ الأشياءِ الخمسةِ وقد اعتَمدت عليه ها هنا (١) فتعملُ (٢) عملَه، فإن سألتَ: لم لا يجوزُ أن يكونَ الزَّيدان ها هنا مبتدأُ، وقائمٌ خَبره (٣)؟ أجبتُ: لأنَّ المبتدأ مُتَعَدّدٌ فوجبَ أن يكونَ الخبرُ أيضًا مُتَعَدّدًا كقولك: الزّيدان قائمان، وقائمان الزّيدان؛ ولا يجوزُ الزيدان قائمٌ، ولا قائمٌ الزيدان. فإن سألتَ: فالخبرُ يجيءُ غيرَ متعدّدٍ مع أنَّ المبتدأ متعدّدٌ وأنشد النحويون: لَو أنَّ قَومي حينَ أدعوهم حَمَلْ … على (٤) الجِبَالِ الصُّمِّ لارفَضَّ الجَبَلْ ألا تَرى أنَّه قال: قَومي، فأفرد ولم يَقُل: حَمَلُوا، مع أنَّ هذا غيرُ محمولٍ على الضرورةِ، لأنَّه لا يجوزُ في السَّعةِ أيضًا، أجابوا: أنَّ القومَ وإن كانَ مجموعَ المعنى فهو مُفردُ اللَّفظِ، ومن ثَمَّ جازَ تحقيرُه، على بابِه، لأنَّ قومًا ليس جمعَ قائمٍ، وإنّما اسمُ جمعٍ، وكذلك رَكْبٌ ورَجْلٌ، ولك أن تَقُولَ: تقديرُ الخبرِ ها هنا يَستدعي إمكان تقديرِه سابقًا ضرورَة أنَّ فِعلَ الشيءِ موقوفٌ على إمكانِ فعلِه، وها هنا لا يمكنُ تقديرُ الخبرِ لتمامِ معنى الكَلَامِ بدونه، ألا تَرى أنَّه لا فَرقَ من حيثُ تمامُ الكلامِ بينَ قولِكَ أقائمٌ الزيدان، وأَيقومُ الزّيدان، لأنَّ (٥) الصفةَ في الأصلِ معناها قريبٌ من معنى الفِعلِ المضارعِ، لا يفوتُها شيءٌ سوى أنَّ الفِعلَ المضارعَ يتعرضُ للحدوثِ والتَّجَدُّدِ والصِّفةُ لا تَتَعَرَّضُ له، فمتَى وَرَدَ عليها الاستفهامُ صارت معرَّضَةً

стр. 256

أيضًا، ألا تَرى أنَّ قولَك أقائمٌ الزيدان معناه: أقائمٌ الزيدان أم غيرُ قائمين، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ القيامَ مما يَحدُثُ ويَتَجَدَّدُ، فيصيرُ القائمُ أيضًا ها هنا من قبيلِ ما يَحدُثُ ويَتَجَدَّدُ، لأنَّ الاستفهامَ متى وَرَدَ على الصِّفةِ أثارَ فيها معنى الفِعل وميَّزَه وأفرَزَه عن بقيةِ معاني الصّفةِ، إذ المقصودُ بذلِك الاستفهامُ وهو المصدرُ، فإذا حَصَلَ معرفة المصدر تَبِعه أيضًا في المعرفةِ بَقِيّةِ معاني الصّفَةِ، ألا تَرى أنَّه إذا عُرِفَ قِيامُ زَيدٍ تَبِعَهُ معرفةُ كونِهِ قائمًا. أحِنُّ إلى نَجْدٍ وشَوقِي إليكُمُ … بَني عامِرٍ معنى حَنِيني إلى نَجْدِ وإذَا أَثارَ فِيها معنَى المَصْدَرِ فقد أَثَارَ فيها مَعنى الحُدُوثِ، لأنَّ المَصْدَرَ حادثٌ، ولذلك يُسمَّى بالحَدَث والحَدَثان، فَعُلِمَ أنَّ الصّفَةَ متى وَرَدَ عليها الاستفهامُ فَقَد نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الفِعلِ المُضَارِعِ فَتَكُونُ رَفْعَتُهُ كَرَفْعَتِهِ، ونظيرُها الرّفعةُ في قولهم: الضَّارِبُ أباهُ زيدٌ لأنَّهم قد اتّفَقُوا على أنَّ اللَّامَ ها هنا إسمُ موصولٍ، وهي في مَحَلّ الرفعِ بالابتداءِ وزيدُ خَبَرُهُ، وأمَّا رَفعَةُ ضَاربٍ فكرفعةِ المُضارِعِ. فإن سَألتَ: ما الدليلُ على أَنَّه لا يُمكنُ (١) تقديرُ الخبرِ فيه، والدَّليلُ على أنَّه يمكنُ أن يكون المعنى، أقائمٌ الزَّيدان في الدارِ أو ها هُنا أو في المسجدِ؟ أجبتُ: ذاك شيءٌ لا دلالةَ عليه فلا يُقَدّرُ، ولئن (٢) سَلّمنا أنَّ عليه دلالةً لكنَّه ليس بالخبرِ، إنَّما هو فَضلَةٌ في الكلامِ، كما إذا قُلتَ: أيقومُ الزّيدان في المسجدِ فإن سألتَ: فإذا كانَ فعلًا فما هذا التّنوين؟ أجبتُ: إنَّه اسمٌ من وجهٍ فعلٌ من وجهٍ، أمَّا أنّه فعلٌ من وجهٍ فلأنَّه يَتَعَرّضُ للحدوثِ والتَّجَدُّدِ ورفعتُه كرفعةِ المضارعِ، وأمَّا أنَّه اسمٌ من وجهٍ فلأنَّه وإن كانَ يَتَعَرَّضُ للحدوثِ والتَّجَدُّدِ ولكنْ لا من حيثُ صِيغَتُهُ (٣).

стр. 257

قالَ جارُ اللهِ: وضَربي زيدًا قائمًا، وأكثر شُربي السَّويقَ ملتُوتًا، وأَخطَبُ ما يكونُ الأميرُ قائمًا. قالَ المُشَرِّحُ: قالوا حَذفُ خبرِ المبتدأ في هذه المسألةِ لِسَدِّ الحالِ مَسَدَّهُ تقديره ضَرِبي زيدًا إذا كانَ قائمًا، وكذلك ملتُوتًا في المسألةِ الثَّانِيَةِ، وكذلك قائمًا في المسألةِ الثَّالِثَةِ، وما ها هنا هي ما المُدّةِ، ومعناه: أَخطَبُ أوقاتِ الإِمامِ وقتَ كونه قائمًا وجَعَلَ الوَقتَ أخطَبَ للمبالَغَةِ كقولهم: نَهارُه صائمٌ، وليلُهَ قائمٌ. قالَ جارُ اللهِ: وقولهم: كلُّ رَجُلٍ وضَيعَتَهُ. قالَ المُشَرِّحُ: الضّيعةُ: هي الحِرفَةُ، لأنَّك إن تَعَهّدتَها ضِعتَ، وإن تَرَكْتَهَا ضَاعَتْ، خبرُ المبتدأِ ها هنا محذوفٌ لدلالةِ الواو عليه، وهذا لأنَّ

стр. 258

المبتدأ إذا عُطِفَ عليه فَخَبَرُ المبتدأ لا يخلو من أن يكونَ للواو عليه دِلالةٌ، أو لا يكونُ للواوِ عليه دلالةٌ، فإن [لم يكن لم يَجز] (١) طرحُ الخبرِ كقولك: زيدٌ وعمروٌ منطلقان، لأن لا دلةَ للواوِ على منطلقان، وإن كانَ لها عليه دلالةٌ جازَ طَرحُهُ، نحوَ كلُّ رَجُلٍ وضيعَتَه، تقديره: كلُّ رَجُلٍ وضيعَتَه (٢) مُقترنان. ونظيرُ حذفِ الخَبرِ في هذا البابِ حذفُ الخَبَرِ فى بابِ إنَّ: إنَّكُمَا وخيرًا. قالَ جارُ الله: فصلٌ؛ وقد يَقَعُ الخبرُ والمبتدأ معرفَتَين كقولك: زيدٌ المنطلقُ، واللهُ إلهُنا ومحمدٌ نَبِيُّنا، ومنه قولهم: أنتَ أنتَ، وقول أبي النجم: (٣) أَنَا أَبو النَّجم وشِعرِي شِعرِي (٤) قَالَ المُشرِّحُ: أَي أنتَ الذي عُرفَ بالكمالِ بينَ سائِرِ النَّاسِ، وكذلك قوله: وشِعري شِعري أي شِعريَ الذي عُرِفَ بالفَصَاحَةِ. الروايةُ في بيتِ أبي النجم أنا بالألفِ قالَ ابنُ (٥) جِنّي. أنَا سيفُ العشيرةِ فاعرفوني … حَمِيدًا قد تَذَرَّيتُ السَّنَاما (٦) وقول أبي النجم: وشِعري شِعري من بابِ إجراءِ الوصلِ مَجرى الوقفِ.

стр. 259

قالَ جارُ اللهِ: ولا يجوزُ تقديمُ الخبرِ ها هنا، بل أيَّهما قَدَّمتَ فهو المُبتدأ. قالَ المُشَرّحُ: قالوا (١) في المبتدأ والخبرُ إذا كانا مَعرفتين أيهما [قَدَّمتَ فهو المبتدأ] (٢)، وذلك لئَلَّا يَلْتَبِسَ المبتدأ (٣) بالخبرِ، نظيرُها (٤) الفاعلُ والمفعولُ إذا كانا مما لا يَظهَر فيهما الإِعراب فإنّه يَجُوزُ تَقديمُ المفعولِ على الفاعلِ وذلك نحوَ ضَرَبَ عيسى موسى -اللَّهمّ- إلَّا إذا كانَ على المبتدأ دليلٌ كقوله: (٥) لُعابُ الأفَاعي القاتِلات لُعابُه وقوله: (٦) بَنونا بَنو أَبنائِنا وبَنَاتُنَا … بنوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأَباعِدِ وهذا كما إذا كَانَ على الفاعلِ (٧) دليلٌ فإنه يَجوزُ تقديمُ المفعولِ عليه نحو: أبرأَ المرضَي عِيسى. ها هنا مسائلٌ: زيدٌ منطلقٌ، ومنطلقٌ زيدٌ،

стр. 260

والمنطلق زيدٌ وزيدٌ المنطلقٌ، أمَّا زيدٌ منطلقٌ فكلامٌ مع من يَعرفُ زيدًا ولا يَعرِفُ ما يَفْعَلُ، وأمَّا مُنْطَلِقٌ زيدٌ فكلامٌ مع مَن يَعرِفُ زَيدًا ويُنكر انطلاقَهُ، وأمَّا زَيدٌ المُنطَلِقُ فكلامٌ مع من سَمِعَ بزيدٍ ولا يَعْرِفهُ بِعينِهِ، فَيُعرّفَهُ كأنَّك تَقُولُ زيدٌ هذا المُنطلق، [وأما المنطلقُ زيدٌ فكلامٌ مع من سَمِعَ بالمنطَلِقِ ولا يعرِفه فَتُعَرّفُهُ إياه] (١). قَالَ جارُ الله: فصلٌ، وقد يَجيءُ للمبتدأ خَبران فصاعدًا منه قولك: هذا حُلوٌ حامضٌ، وقوله (٢): ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. قالَ المُشَرحٌ: الخبرُ ها هنا (٣) وإن كانَ متعدّدًا من حيثُ الصُّورةُ فهو غيرُ مُتَعَدّدٍ من حيثُ المعنى. إذ المعنى هَذا جامعُ الطُّعمَين، وهو الجامِعُ للأوصافِ، ونظيرُ هذا التَّفسيرِ قولُ شَيخِنا في الكَشَّافِ جَعَلتُه حلوًا حامضًا، أي جَعَلْتُه جامعًا للطُّعمين، ومفعولًا جَعَلتُ بمنزلةِ المبتدأ والخبرِ. قولهم: حلوٌ حامضٌ، أي هذا شيءٌ حلوٌ حامضٌ فإن سألتَ: لم لا يجوزُ أن يَرتَفِعَ الأوَّلُ بالخبرِ، ويكونُ الثَّاني صفةً للأوَّلِ فيكونُ الخبرُ في الحاصِلِ مجموعَ الوَصفين؟ أجبتُ: هذا أيضًا جائزٌ لكن إن نَويت الرَّبطَ فِي كلٍّ من الوَصفين فالخبرُ متعدّدٌّ، وإن نَويتَه في أحدِهِما فالخبرُ مجموعُ الوَصفين. قالَ جارُ اللَّهِ: فَصلٌ، وإذا تَضَمَّنَ المبتدَأُ معنى الشَّرط جازَ دُخُولُ الفاءِ في خَبَرِه وذلك على نَوعين: الاسمُ الموصولُ، والنَّكرة الموصوفةُ، إذا كانت الصّفةُ (٤) أو الصّلةُ فعلًا أو ظرفًا كقوله (٥) تَعَالى (٦): ﴿الَّذِينَ

стр. 261

يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ (١)﴾، وقوله (٢): ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وكقولك: أي رجل يَأْتِيني أوفَى الدّارِ فَلَهُ درهم. قالَ المشرِّحُ: إنما اشتُرِطَ كونُ الصلةِ أو الصّفةِ فعلًا أو ظَرفًا، لأنَّ الشَّرطَ لا بُدَّ له من فِعلٍ والظَّرْفُ يَستَدْعِي الفِعلَ الذي هو اسمٌ موصولٌ وينفقُون صلتُه وهو فعلٌ، قوله: فَلَهُمْ أَجْرُهُم خَبَرُ المبتدأ وقد دَخَلتُه الفَاء لأنَّ المعنى: إنْ أَنفَقُوا أموالَهم بالليلِ والنَّهارِ سرًّا وعلانيةً فَلَهُم أجرُهُم عندَ رَبِّهم، ولِذَلِكَ "ما" في: وما بِكُمْ من نعمةٍ فمنَ اللَّهِ اسمٌ موصولٌ وبِكُمْ صِلَتُهُ وهو ظرفٌ، وهَذا لأنَّ حرفَ الجرِّ يُسميه النّحويون ظَرفًا، لأنَّ العربَ تعامِلُهُ (٣) معاملَةَ الظرفِ ويَشهدُ لَهُ مسائل: إحدَاها: أنّهم أجازُوا تقديمَ خبرِ إنَّ على إسمِ إنَّ إذا كان الخبرُ ظرفًا، فكذلك أجازُوا تقديمه عَليه إذا كانَ حرفَ جرٍّ. وثانيها: كما أجازُوا الفصلَ بينَ المضافِ والمضافِ إليه بالظرفِ في ضرورةِ الشّعرِ فكذلك أجازُوا بحرفِ الجَرّ. وثالثُهما: الصّلةُ كما تُستَعمَلُ بالظَّرفِ فكذلك بحرفِ الجَرّ. "كلُّ رجلٍ" نكرةٌ، و "يأتِيني" صفتُها، فكذلك فى "الدّار" صفتُها، إذا أقمتها مقامَ يأَتِيني لكنَّه ظرفٌ وقوله: الذي يأتِيني فَلَه درهمٌ خَبَرُ المبتدأ وقد دَخَلَته الفاء، لأنَّ المعنى: إن يَأْتِيني رجلٌ فله دِرهمٌ. فإن سألتَ: فما الفرقُ بينَ قولِك: الذي يأتِيني له درهمٌ، والذي يأتِيني فله درهمٌ؟ أجبتُ: الأوَّلُ إخبارٌ بأن الذي يأتي له درهمٌ، إما بأيّ سَبَبٍ يكونُ له فليس في

стр. 262

الكلامِ بيان ذلك، وأمَّا الثاني ففيهِ ذلك البيان لأنَّ المعنى الثاني (١) له درهمٌ بسببِ إتيانِهِ (٢) إيَّاي، ولو قلتَ: الذي أَخوه منطلقٌ فَلَهُ دِرهَمٌ لَم يَجُز لأنَّ الصِّلّةَ غيرُ فِعلٍ ولا ظَرفٍ. وها هنا لطيفةٌ (٣): وهي أنَّهم فَرّقُوا بين إسمِ الموصولِ إذا وَقَعَ ظرفًا، وبين الجَزَاءِ المَحضِ وذلك أنَّ الشَّرطَ في الجزاءِ المحضِ يجبُ أن يكونَ على حَظِّ الوجودِ بخلافِ إسمِ الموصولِ فإنَّ ذلك فيه غيرُ لازم ألا تَرى إلى قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فإنَّ الشرطَ بِكُم، وهو لَيس على حَظَّ الوجودِ إنما هو مُتَحَقِّقٌ لأنَّ معناه: ما حَصَلَ بكم من نعمةٍ فمنَ الله. ويشتَرِكُ الجَزاءُ في أنَّ الثاني من أجلِ الأوَّلِ، فإن تَضَمّنتِ الصّلةُ والصّفةُ جوابَ الشَّرطِ لم تَدخُل الفاءُ في آخِرِ الكلامِ، وذلك قولك: الذي إن يزرني أَزره له دِرهَمٌ. قالَ ابنُ جني: فَلو قُلتَ: فله دِرهَمٌ لم يَجُز، لأنَّ الشَرط لا يُجابُ دُفعتين وكذلك قولك (٤): الذي ما أتاني فله درهمٌ لم يجز، لأنَّ ما النافية لا تقعُ في الجزاءِ لأنَّ لها صدرَ الكَلَامِ، وللجزاءِ صدرُه، فلا يُتَصَوَّر اجتماعُهما. قالَ جارُ اللَّه: فإذا دَخَلَت ليتَ وَلَعَلَّ لم تَدخل الفاءُ بالإِجماعِ. قالَ المُشَرّحُ: لاسمِ الموصولِ. تَجعلُه شرطًا، شَرطٌ وهو أن يَقَعَ كحرفِ الشَّرطِ في صدرِ الكلامِ، فإذا لم يَقَع في صدرِ الكلامِ فاتَ الشَّرطُ. قالَ جارُ اللَّهِ: وفي دُخُولِ إنَّ خِلافٌ بينَ الأخفَشِ وصاحِبُ الكتابِ.

стр. 263

قالَ المُشَرِّحُ: عندَ سيبويهِ لا يجوزُ دخولُ الفاءِ على خبرِ إنَّ، وعندَ الأخفشِ يَجُوزُ (١). احتجَّ سيبويهِ بأنَّ الموصولَ لم يبقَ بعدَ دخولِ إنَّ عليه في صَدْرِ الكلامِ، فلا يَجُوزُ دخولُ الفاءِ في خَبَرِه، كما في لَيْتَ وَلَعَلَّ ولذلك يقولُ: من يَزرنيِ أَزره فيجزم ولو دَخَلَت إنَّ المشدّدة على مَن لقلتَ إنَّ من يزرنا نزره، لأنَّ إنَّ المشددة تُوجب بها المجازاة أمرٌ مبهم. قالَ ابنُ السَّرّاجِ: إذا شَغَلتَ حرفَ المجازاةِ بحرفٍ سواها لم يَجز نحو كَان (٢) وإنَّ. حجةُ الأَخفش: الموصولُ بعدَ دُخُولِ إنَّ عليه في مقامِ الابتداءِ من حيثُ المعنى، ولذلك يجوزُ الرَّفعُ في المعطوفِ على اسمَ إنَّ جَوازًا مستَحْسَنًا، بِخلافِ لَيت وَلَعَلَّ، ويَشهدُ له قوله تعالى (٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فقولُ سيبويه قياسٌ، وقولُ الأخفشِ استحسانٌ.

стр. 264

[بَابُ خَبر إن وَأخوَاتِهَا] قالَ جارُ اللهِ: خبرُ إنَّ وأَخواتِها هو المرفوعُ في قولِكَ إنَّ زيدًا أخوك، ولعلَّ بشرًا صاحبُك، وارتفاعُهُ عندَ أصحابِنا بالحرفِ لأنَّه أَشبَه الفِعلَ في لزومِ الأسماءِ، والماضي منه في بنائِه على الفتحِ، فأُلحقَ منصوبُه بالمفَعولِ، ومرفوعُهُ بالفاعِلِ، ونُزِّلَ قولك: إنَّ زيدًا أَخوك، منزلةَ ضَرَبَ زَيدًا أخوكَ وكأنَّ عمرًا الأسدُ، منزلةَ فَرَسَ عمرًا الأسَدُ، وعندَ الكوفيين هو مرتفعٌ [بما كَانَ مرتفعًا] (١) به في قولِكَ: زيدٌ أَخوكَ، ولا عَمَلَ للحرفِ فيه. قالَ المُشَرِّحُ: هذه الحرفُ (٢) مشبهةٌ بالفعلِ، وشَبَهُهَا به عندَهم من حيثُ إنَّها تلزمُ الأسماءَ كالفعلِ، وينفتحُ أواخرُها كالفعلِ الماضي، لا جَرَم أنَّ منصوبَها ملحقٌ بالمفعولِ، ومرفوعَها ملحقٌ بالفاعِلِ، وهذه عِلَّةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ، وَرَذَالتُها ظاهرةٌ، وَعَمَّا قَلِيلٍ تُساقُ إليكَ العِلَّةُ في شَبَهِهَا. خَبَرُ إنَّ مُخْتَلَفٌ في ارتفاعِهِ (٣) فعندَ البَصريِّين أنَّه مرتفعٌ بِهذا الحرفِ، فكما عَمِلَ

стр. 265

هذا (١) الحرفُ في المنصوبِ عَمِلَ أيضًا في المرفوعِ. وعندَ الكوفيين هو مرتفعُ بما كانَ مرتفعًا به في الابتداءِ. احتجَّ الكوفيون بشيئين، أحدهُما: أنَّ ما وَقَعَ في حَيِّزِ هذه الحروفِ من الإِسمين في الأصلِ خبرُ ومبتدأٌ فالقياسُ عندَ إدخالِ شيءٍ من هذه الحروفِ عليها أن يَبقى على ما كانَ عليهِ، ولهذا المعنى لا يَتَغَيَّران عن صورِ الابتداء بدخُولِ ما ولا عَليها في مذهبِ بني تميمٍ، إنَّما تَغَيَّرَ المبتدأ عندَ دخولِ هذه الحروفِ عليه لمعنىً، ذلك المعنى معدومٌ في الخَبَرِ فوَجَبَ أن يَبقى على ما كانَ عليه، وبيانُ أنَّ تَغَيُّرَ المبتدأ عندَ دُخُولِ هذه الحروفِ لمعنى ذلك المعنى معدومٌ في الخبرِ، أنَّ نونَ العمادِ تتصل بهذه الحروفِ عندَ دخولِها على المضمرِ، ونون العمادِ لا تَتّصِلُ إلَّا بمنصوبٍ، كما في أكرَمني وأكرَمنا، وإذا انتَصَبَ المضمرُ من إسمِ إن لَزِمَ أيضًا أن يَنْتَصِبَ المظهرُ إذ الأصلُ (٢) في الإِسمِ أن يكونَ على نَهْجٍ واحدٍ، وهذا المعنى معدومٌ في الخبرِ، ضرورَة أن شيئًا من هذه الحُروفِ لا تدخلُ على الخبرِ متصلًا به نون العمادِ حتى يَقْتَضي تغييرَ (٣) الخبرِ. الشيءُ الثاني: -وعليه الاعتمادُ- أنَّ إنَّ المكسورة مع إسمِها بمنزلةِ (٤) المبتدأ، بدليلِ أنه يدخلُ عليه لامُ الابتداءِ، ولامُ الابتداءِ لا تدخُل إلَّا على المبتدأ، ويشهدُ (٥) لدخولِ لامِ الابتداءِ عَليها ما أَنشدُهُ المُبِّردُ: (٦)

стр. 266

ألا يا سَنَا بَرقٍ على قُلَلِ الحِمَى … لَهِنَّكَ من بَرقٍ عليَّ كَرِيمُ أصلُ لَهنَّكَ لَإِنَّكَ، فتكونُ إنَّك بمنزلةِ المبتدأ، وكريمٌ بمنزلةِ الخبرِ، وهذا يقتَضِي أَلَّا يكونَ (١) ارتفاعُ خبرِ إنَّ بالحرفِ، وإذا لم يَكُن ارتفاعُ خبرِ إنَّ بالحرفِ لَزِمَ أن لا يكونَ ارتفاعُ خبرِ سائرِ الحُرُوفِ بالحرفِ أيضًا (٢) ضرورةَ أنَّه لا قائلَ بالفصلِ بينَ الموضعين. حجّةُ البصريين حرفان، أحدُهما: أنَّ اتّصالَ نونِ العمادِ بهذه الحروفِ دليلٌ على تَنزيلِها منزلةَ الفعلِ، وإذا تَنَزَّلت منزلةَ الفعلِ كان مرفُوعها بمنزلةِ الفاعِلِ ومنصوبُها بمنزلةِ المفعولِ، ولهذا قالَ أصحابُنا: نُزِّل قولك إنَّ زيدًا أخوكَ منزلة ضَرَبَ زيدًا أَخوك، وكأنَّ عَمرًا الأسدُ، فَرَسَ عَمرًا الأسدُ، وليس معنَى هذا الكلامِ سوى أنَّ الفعلَ كما لا بُدَّ له من مرفوعٍ ومنصوبٍ بأنَّهما فاعلٌ ومفعولٌ، فكذلك ما تَنَزَّلَ منزلتَه، وإذا تَنَزَّلَ المرفوعُ منزلةَ الفاعِلِ استَحَالَ أن يكونَ ارتفاعُهُ على أنّه خبرُ المبتدأ (٣). الحرفُ الثّاني: أنَّ أنواعَ ما يدخل على المبتدأ والخبرِ من العوامِلِ على علمين، وذلك نحو كَانَ وأَخواتُها، وظننتُ وأخواتُهَا، فكذلك هذا النَّوع أيضًا، يكونُ على علمين إلحاقًا للمفرد بالأعمِّ الأغلبِ، ثم الخلافُ فيه يظهرُ فيها إذا قُلْتَ: إنَّك وزيدٌ ذاهبان فإنَّه عندَ الكوفيّينَ يجوزُ،

стр. 267

كقولك: أنتَ وزيدٌ ذاهبان، وعندَ البَصرِيِّين لا يجوزُ (١). قالَ جارُ الله: فصلٌ، وجميعُ ما ذُكر في خبرِ المبتدأ من أصنافِهِ وأحوالِهِ وشرائِطِهِ قائمٌ فيه، ما خَلا جوازُ تقديمِهِ، إلَّا إذا أُوقعَ ظرفًا، كقولك: إنَّ في الدارِ زيدًا، ولعلَّ عندَك عمرًا، وفي التنزيل (٢): ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾. قَالَ المشرّحُ: عنى بأصنافِهِ: كونَهُ مُفردًا وجُملةً، وبأحواله كونَهُ معرفةً ونكرةً، وبشرائِطِهِ: إعادةَ الضميرِ من الخبرِ إلى الجملةِ على ما ذكرناه. تقديمُ خبرِ المبتدأ على المبتدأ جائزٌ، وتقديمُ خبر إنَّ على اسم إنَّ لا يجوزُ، وجهُ الفَرقِ: أنَّا إذا قَدَّمنا خبرَ المبتدأ [على المبتدأ لم يلزم خلافُ الأصلِ، إلَّا من وجهٍ، بخلافِ ما إذا قَدّمنا خبرَ] (٣) إنَّ على اسمِ إنَّ فإنه يلزمُ من ذلِكَ خلافُ الأصلِ من وجهين، وذلك أنَّه كما يَلزَمُنا خلافُ الأصلِ بتقديمِ خبرِ إنَّ على إسمِها، فكذلك يَلزَمُنا خلافُه بالفَصل بينَ إنَّ واسمها، -اللَّهُمَّ- إلَّا إذا كانَ خبرُ إنَّ ظَرفًا، فإنه (٤) يَجُوزُ تقديمُ الخبرِ على إسمِ إنَّ وجهُ الفرقِ بينها إذا كانَ الخبرُ ظرفًا، وبينَ إذا لم يَكن ظرفًا أنَّه إذا كانَ ظَرفًا فإمَّا أن يَكونَ ظرفًا حَقِيقِيًّا، أو مجازِيًّا، بأنْ (٥) كانَ حرفَ جرٍّ، فلئن [كانَ مجازِيًّا] (٦) فالفرقُ بينهما ظاهرٌ، وذلك أنَّ حروفَ الجَرِّ وُضِعَت للتّوسّطِ بينَ شيئين، وإذا تَوَسّط بينَ إسم إنَّ وإسمها حرفُ جرٍّ لم يلزم من

стр. 268

ذلك تَوَسّطُ (١) حَرفٍ غَيرِهِ بينهما، وكذلك إذًا كان ظرفًا حقيقيًّا (٢)، لأنَّ الظرفَ الحَقِيقِيّ مَتَضَمِّنٌ لمعنى (في) ألا تَرَى أنَّك إذا قُلْتَ: خرجتُ يومَ الجمعةِ فكأنَّك قلتَ: اتفقَ خُروجي في (٣) يوم الجمعةِ، وكذلك إذا قُلْتَ: جَلَسْتُ خَلفَكَ فكأنَّكَ قُلتَ: اتفقَ جُلُوَسي في المكانِ الذي خَلَفَكَ. قالَ جارُ الله: فَصلٌ، وقد يُحَذفُ في قولِهِم: إنَّ مالًا، وإنّ وَلَدًا، وإنَّ عَدَدًا، أي إنَّ لهم مالًا ويقولُ الرجلُ للرجلِ: هل لكم من أحدٍ إنَّ الناسَ عليكم فيقول: إنَّ زيدًا وإنَّ عمرًا أي لنا، وقالَ الأعشى (٤): إنَّ مَحلًا وإنَّ مُرتَحَلًا … وإنَّ في السَّفرِ إن مَضَوا مَهَلَا (٥) وتقول: إنَّ غيرَها إبلًا وشاءً. أي إنّ لنا. قالَ المشرّحُ: إنما جازَ حذفُ الخبرِ في إنَّ مالًا وإنّ ولدًا لدلالةِ الحالِ عليه (٦)، وهذا كما لو قيل لك: بنو (٧) تميم فقراءٌ أَقِلَّاءٌ، فتقولُ:

стр. 269

إنَّ لهم مالًا، وإنَّ لهم ولدًا، وإنَّ لهم عددًا إن الناس عليكم: أي إلبٌ عليكم. مَهَلًا أي تقدّمًا ويُروى: مَثَلًا. يعظُنَا الأعشى ويُبَصّرُنا فيقولُ: إنَّ لنا في هذه الدُّنيا حُلولًا معقبٌ برحيلٍ إذ الرحيلُ يكونُ عمّا قليلٍ ذاك لأنّه تَوَغَّلَ الرّفاقُ في المسيرِ (١) فما لَنَا غيرُ التَّعجِيلِ في آثار المطيّ، وأمَّا روايةُ مَثَلًا فهو كما يَقُولُ في الأمواتِ عبرةٌ للأحياءِ. واعلم أنَّ إنّ إذا دَخَلَت على الجملةِ فكما تفيدُ معنى تَحقيقِ الجملةِ وتأكيدِه فكذلك تُؤَثِّرُ فيها غيرَ هذا التَّأثيرِ. فمن تأثيرِها فيها أَنَّها إذا كانت فيها تُغنِي عن الخَبَرِ في بعضِ الكلامِ وَوَضَعَ صاحبُ الكتابِ في ذلك بابًا فقالَ (٢): (هذا بابُ ما يحسُنُ عليه السُّكُوتُ في هذه الأحرفِ الخمسةِ لإِضمارِ ما يكونُ مستقرًّا لها وموضعًا لو أظهرتَه وليس هذا المضمر بنفسِ المُظهَرِ وذلك قوله: إنَّ مالًا وإنَّ ولدًا وإنَّ عددًا وقد تَرى حسن الكلام وصحّته مع حذفِهِ وتركِ النطقِ به). قَالَ الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرجاني (٣) ثم إنَّك إن عَمَدت إلى إنَّ فأسقطتها وجدتَ الذي كان من حذفِ الخبرِ لا يَحسُنُ ولا يسوغُ فلو قُلتَ مالٌ وعددٌ ومَحَلٌّ ومُرتَحَلٌ وغيرها إبلًا وشاء لم يَكن شيئًا. وهذا لأنَّ خَبَرَ إنَّ كما يَستدعيه إسمُ إنَّ فكذلك إنَّ نفسُها بخلافِ خبرِ المبتدأ. قالَ جارُ اللهِ: يا لَيْتَ أيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا (٤) أي يا ليت لنا.

стр. 270

قال المشرّحُ: هذا البيتُ مختلَفٌ فيه بين البصريَّةِ والكوفيَّة، فالبصريَّةُ تقولُ: خبرُ ليتَ محذوفٌ، ورواجعًا منصوبٌ على الحالِ، والكُوفيّةُ تقولُ: هذا البيتُ على لغةِ بني تميمٍ (١) يعملون ليتَ إعمالَ ظَنَّ، فيقولون: ليتَ زيدًا شاخصًا، كما يُقالُ ظننتُ زيدًا شاخِصًا، وعليه المثل: (ليتَ القِسِيَّ كلَّها أرجلًا): أرجلُ القِسِيُّ إذا وُتّرت (٢) أَعالِيها وأيْدِيها أَسَافلُها، وَأَرجُلُها أشدُّ من أَيديها وأَنشدَ (٣): لَيتَ القِسِيَّ كلَّها من أَرجُلِ يضربُ للتَّمني مُحالًا كأنَّهم يُجرون لَيت مُجرى فِعلِ التَّمني، وعندَ ذلك لا حاجةَ إلى الخبر، ونَحوه (٤):

стр. 271

ألَا رَجُلًا جزاهُ اللهُ خَيْرًا فإن سألتَ: كيفَ أجريتَ هذه الكلمةَ من بينِ سائرِ أخواتِهَا مَجرى الفعلِ على لغةِ تميمٍ؟ أجبتُ: لأنَّها أَشبهُ أخواتِها بالفعلِ، ولذلك لا تُفارقُها نونُ العمادِ. قَالَ جارُ اللهِ: ومنه قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ لقُرَشيٍّ مَتَّ إليه بقرابَةٍ فإنَّ ذلك، ثم ذَكَرَ حاجَتَه فقالَ: لَعَلَّ ذلك، أي فإن ذلك مصدّقٌ، ولعلَّ مطلوبَك حاصلٌ. قالَ المشرحُ: مَتَّ إليه بقرابةٍ أي بِقُربٍ إليه، والمَتُّ والمَدُّ متقاربان فكأنّه مدَّ إليه قرابةً. قالَ جارُ اللهِ: وقد التُزِمَ حذفُهُ في قولهم: ليتَ شِعري. قالَ المشرحُ: قالوا: الخبرُ ها هنا محذوفٌ، ومعناه ليتَ علمي حاصلٌ (١)، ويُحتَمَلُ عندي أن يكونَ ليتَ من البابِ الأولِ على معنى أَتَمنى عِلمي فيكون علمي مفعولًا وحينئذٍ لا يكونُ به حاجَةٌ إلى الخبرِ (٢).

стр. 272

قالَ جارُ اللهِ: خبرُ لا الَّتي لنفيِ الجنسِ. وهو في قولِ أهلِ الحجازِ لا رجلَ أَفْضَلُ منكَ، ولا أَحَدَ خيرٌ منك، وقولُ حاتِمٍ (١): ولا كَرِيمَ من الوِلدانِ مَصبوحُ يحتملُ أمرين: أحدُهما: أنّ يَترُكَ فيه طائِيَّته إلى اللُّغةِ الحِجَازِيّة، والثاني: ألَّا يَجعلَ مصبوحًا خبرًا لكنْ صفةً محمولةً على محلِّ لا مع المَنفِي، وارتفاعُه بالحرفِ أيضًا لأنَّ لا محذُوٌّ بها حَذْوَ إنَّ من حيثُ أنَّها نقيضتُها، ولازمةٌ للأسماءِ لُزُومَها. قال المشرِّحُ: - إنَّما خَصَّ أهلُ الحجازِ في قولهِ: هو قولُ أهلِ الحِجازِ، لأنَّ غيرَ أهلِ الحجازِ يحذِفُونها ولا يُبَالونُ به وهم بَنو تَمِيمٍ (٢). فإن سَأَلتَ: فَبِمَ يُعَرَفُ الخبرُ المحذوفُ؟ أجبتُ: لأنَّهم لا يبالون بلا النّافية للجنسِ إلَّا في موضعٍ يكونُ فيه على الخَبَرِ المحذوفِ دليلٌ. مصبوحٌ في بيتِ حاتِم يُحتَمَلُ أن يكونَ ارتفاعهُ بأنَّه (٣) خبرُ لا النَّافِيَةِ للجنسِ وإن كانَ بنو طَيّءٍ لا يأتُونَ بخبرِ لا النافيةِ للجنس بينَهم، لكنَّهم (٤) أخذُوا بلغةِ أهلِ الحجازِ، وهذا كما يأخذُ الهرويُّ في شعرِه، باللُّغةِ الغَزنَوِيَّةِ، والغَزنَوِيُّ باللُّغةِ الهَرَوِيَّةِ.

стр. 273

ويُحْتَمَلُ فيما زَعَمَ الشَّيخُ أن لا يَجْعَلَ مصبوحًا خَبَرَ لا النافية للجنسِ، لكنَّه يَجْعَلُهُ صفةً محمولةً على محلِّ (لا) مع المَنفيِّ، وهذا شيءٌ فاسدٌ، وقبل أن أُبيَّنَ فَسَادَهُ أذكرُ الخَادِعَة للشيخِ ثم أعترضُ عليها فأقولُ (١): إنَّهم يَقولون بأنَّ لا النافيةَ للجنسِ نقيضَةُ إنَّ، ومن شأنِ النَّقيضَين أن يَسْتَوِيا في جميعِ الأحكامِ إلَّا في المعنى فإنَّهما فيه يَتَنَاقَضَانِ (٢)، ومن ثَمَّ لما كانت إنْ للاثبات ولا للنّفي تَساويًا في الأحكامِ فكان لِكُلِّ واحدٍ منهما منصوبٌ ومرفوعٌ، وكما أنَّ هناك إثباتًا وحرفًا يفيدُ تأكيدًا للإِثباتِ (٣)، فها هنا نفيٌ وحرفٌ يفيدُ تأكيدًا (٤) للنَّفِي، وهو ما تَضَمَّنَ لا من معنى الاستفهاميّةِ، ثم كما أنّ إنَّ مَعَ الاسمِ تكونُ بمنزلةِ المُبتدأ، فكذلك لا مع الإِسمِ ضرورةً للتَّنَاقُضِ بينهما، ولذلك سُوّي في جَمْعِ سلامةِ المؤنّثِ بينَ حالَتَي الجَرّ والنّصبَ كما سُوّي في الحالَتَيْن بينَ جمعِ سلامةِ المُذَكَّرِ حَمْلًا للنَّقِيضِ على النَّقِيضِ، فيكونُ مصبوحٌ صفةٌ للمبتدأ المُسْتَفَادِ من المَنفِيّ وحرفِ النَّفي، والخبرُ محذوفٌ فهذه هي الجِهَةِ الخَادعَة له.

стр. 274

وأما الاعتراضُ عليها فأقولُ: الذي يَصِحُّ أن يكون مصبوحًا هو الكريمُ، أما نَفيُ الكريمِ وعدمُهُ فكونُه مصبوحًا من أشنعِ ما يكونُ من المُحالِ، والذي يُمكن تَنَحُّلُه في هذا المقام أن يقال: الاستفهامُ يَجرِي مَجْرَى النَّفي، وذلك إذا كانَ إنكارًا، ومما يُسْتَأْنَسُ به في هذا البابِ قولُ البُحتُريّ (١): وَدِدتُ وَهَل نَفْسُ امرِءٍ بملومةٍ … إذَا هِيَ لَم تُعطَ المنى في وِدادِها أَلا تَرى أنّه أدخلَ الباء في خبرِ المبتدأ الذي دَخَلَ عليه الاستفهامُ، كما في خبرِ المبتدأ الذي يَدخُلُ عليه النَّفي. وأنشدَ الأحمرُ (٢): * أَلا هل أَخو عَيشٍ لذيذٍ بِدَائِمِ (٣) * فيُجرى النفي مَجرى الاستفهامِ ها هنا ويكونُ المعنى وأيُّ كريمٍ من الولدان مصبوحٌ والوجهُ الجَيّدُ أن يُقال: مصبوحٌ صفةُ للمنفي لا مع النافي، وهذا لأنَّ محلَّ النَّفي ها هنا رفعٌ، بدليلِ أنَّ (٤) لا النافية للجنسِ رُبَّما نُزلت

стр. 275

منزلةَ الفِعلِ، ألا تَرَى أنَّه يَصِحُّ أن يُقال: لا صلاةَ والشمسُ تطلُعُ، لا إفطارَ والشمسُ لم (١) تَغْرُب، فلا ها هنا بمنزلةِ الفعل، وإلَّا فما الفاعلُ في هذه الجُملةِ المنصوبةِ المَحَلِّ. أوَّلُه: (٢)

стр. 276

إذا اللُّقاحُ غَدَت مُلقىً أَصِرَّتُها … ولا كَرِيمَ ........... (البيت) وقبلَ البيت: وَرَدَّ جازِرُهم حرفًا مُصَرَّمَةً … في الرأسِ منها وفي الأصلابِ تَملِيحُ ناقَةٌ مصرَّمَةُ الأطبَاءِ إذا عُولجَت حتى يَنْقَطِعَ لَبَنُها ليكونَ أَقوى لها. مَلُحَتِ الجَزُورُ سَمِنَت قليلًا قال: (١) بَقِيَّةُ لَحْمٍ من جَزُورٍ مُمَلَّحِ الأصِرَّةُ: جمعُ صِرَارٍ وهو خَيْطٌ يُشَدُّ فَوْقَ الخِلفِ والتُّودِيَة، لئلا يرضَعَهَا وَلَدُها، يَصِفُ زمانَ جَدبٍ أيضًا، في قوله: وارتفاعُه بالحرفِ أيضًا ناظر في قوله في خبرِ إنَّ وارتفاعهُ عندَ أصحابِنَا بالحرفِ. قالَ جارُ اللهِ: فصلٌ؛ ويحذِفُه الحجازيُّون كثيرًا فيقولون: لا أَهل ولا مالَ، ولا بأسَ ولا فتىً إلَّا عليُّ، ولا سيفَ إلَّا ذو الفَقارِ، ومنه كلمةُ الشهادَةِ، ومعناها لا إله في الوُجُودِ إلَّا اللهَ، وبَنو تميم لا يُثبِتونَه في كلامِهِم أصلًا.

стр. 277

قالَ المشرّحُ: إنَّما يحذِفونَه إذا دَلَّ الدليلُ عَليه. ذُو الفَقارِ بفتحِ الفَاءِ. قالَ جارُ اللهِ: اسمُ ما ولا المشبَّهتين بليسَ. وهو قولُك: ما زيدٌ منطلقًا، ولا رجلٌ أفضَل منك، وشبههما بليسَ في النَّفي، والدخولِ على المبتدأ والخبرِ. قَالَ المشرّحُ: قياسُ الشبهِ الذي يوجِبُ في المشبهِ الحكمِ (١) مثل هذا، وهذا لأنَّ "ما" يُنَزّلُ منزلةَ ليس في المعنى، لا يفوتُه شيءٌ من أشياءَ ليس إلَّا الصورةَ، وكذلك لا. قالَ جارُ اللهِ: إلَّا أنّ (ما) أوغلُ في الشبهِ بها لاختصاصها بنفيِ الحالِ، ولذلك كانت داخلةً على المعرفةِ والنكرةِ جميعًا فقيل: ما زيدٌ منطلقًا، وما أحدٌ أفضلَ منك، ولم تدخل لا إلَّا على النكرةِ، فقيل: لا رجلٌ أفضلَ منك، وامتنع لا زيدٌ منطلقًا. قالَ المشرّحُ: هذا الكلامُ فيه خَلَلٌ وذلك لأنَّ امتناعَ دخولِ لا على المعارف (٢) لو كانَ لقصورِ الشَّبَهِ بينه وبينَ ليس، لما دَخَلَ على المَعرفةِ المكررةِ في قولك: لا زيدٌ عندنا ولا عمروٌ، وإنَّما ذلك (٣) لأنَّ نَفيَ لا فيه شمولٌ، و (ما) لذاتِ النّفي، ولا يحصلُ الشُّمولُ إلَّا إذا دَخَلَ على اسمِ جنس، لأنَّه مَتَى دَخَلَ عليه فكما ينْتَفِي به أي بالدّاخِلِ واحدٌ من آحادِ

стр. 278

الجنسِ، فكذلك يَنْتَفي به كلّ واحدٍ واحدٍ (١)، فإذا دَخَلَ على المعرفةِ لم يَحْصُل به نَفْيٌ فيه شمولٌ فكذلك يكرَّرُ النفي بخلافِ (ما) فإنَّه لما كان لذاتِ النَّفي، وذاتُ النَّفي كما يَحْصلُ بدخولِها على النكرةِ يَحصُلُ أيضًا بدخولِهَا على المعرفةِ ويحصُلُ (٢) به نَفْيُ دُخُولها على المَعْرِفَةِ. قالَ جارُ الله: واستعمالُ لا بمعنى ليس قليلٌ: ومن أبياتِ الكتابِ (٣): مَن صدَّ عن نِيرانِها … فَأَنَا ابنُ قيسٍ لا بَرَاحُ (٤)

стр. 279

قالَ المشرّحُ: لأنَّ لا النافيةَ للجنسِ كثيرةٌ، أمَّا التي بمعنى (١) ليسَ من غيرِ أن تكونَ معطوفةً ولا معطوفًا عليها فقليلٌ، ولذلك لا يُقالُ في السّعةِ لا رجلٌ في الدار، ونظيرُه ما أنشدَه المبرد في الكامل (٢): وإنَّ أميرَ المؤمنين وعُتبه … لكالدَّهْرِ لا عارٌ بما صَنَعَ الدَّهرُ الضميرُ في نِيرانِها عائدٌ إلى الحَربِ. البَرَاحُ: هو الزَوَالُ والذَّهَابُ. فإن سألتَ: هل لقوله لا براحُ في البيتَ محلٌ من الإِعراب؟ أجبتُ: نعم محلُّهُ النصبُ على الحالِ، المؤكدةِ من ابن قَيسٍ، وهذَا كما تقولُ: أنا عمرو (٣) بْن مَعدي كَرب لا جُبنُ (٤)، وأنا عمرو بن مَعدي كَرب بَطَلًا شجاعًا. [المنصوبات] قالَ جارُ الله: "ذكرُ المنصوبات [المفعولُ المطلقُ وهو المصدرُ (٥)] سُمّيَ بذلك لأنَّ الفعلَ يَصدُرُ (٦) عنه ويسمِّيه سيبويهِ الحدثَ

стр. 280

والحَدَثان، وربُّما سمَّاه الفِعلَ". قالَ المشرّحُ: المَفعولُ المُطلقُ هو المنصوبُ في قولِكَ (١): ضَربتُ زيدًا ضربًا، سُمِيَ المفعولَ المطلقَ، لأنَّ من حقِّهِ أن لا يُقَيَّدَ بحرفٍ من حروفِ [الجَرِّ تقييدَ سائرِ المفاعيلِ، لأنَّه مفعولٌ فحسبُ (٢)، والحَدَثَان بمعنى الحادِث،] (٣) ولذلك يُقالُ: هذا حَدَثٌ من أحداثِ الدَّهرِ، وكذلك يُقالُ حَدَثَان الدَّهرِ. قالَ الغُوري (٤): وأحداثُ الأسماءِ المَصَادرُ وربَّما سَمّاهُ الفِعلَ، لأنَّه في الحقيقةِ فِعلٌ، كما أنَّه في الحقيقةِ حادثٌ. قالَ جارُ اللَّهِ: وينقسمُ إلى مُبهمٍ نحو ضربت ضربًا، وإلى مُؤقتٍ نحو ضَرَبتُ ضَربةً وضَربتين (٥). قالَ المشرّحُ: المؤقتُ في الأصلِ هو الذي حُدَّ وقتُهُ، ثمَّ جُعِلَ عبارةً عن المَحدودِ، وقتًا كان أو غير وقت. ضربًا في قولِنا: ضربتُ مبهمٌ لاحتمالِ أن تكونَ ضربة واحدةً، أو تكون فوقَ ذلك، بخلافِ ضَربتُه ضَربةً وضَربتين، فكلّ واحدةٍ منهما مَحدودَةٌ. قالَ جارُ اللَّه: "فصلٌ؛ وقد يُقرَن بالفعلِ غيرُ مَصدَرِه ممّا هو بمعناه،

стр. 281

وذلك على نوعين مَصدَرٌ، وغيرُ مَصدَرٍ، فالمصدرُ على نوعين: ما يُلاقِي الفِعلَ في اشتقاقِه كقوله تعالى (١): ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ وقوله (٢): ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾، وما لا يُلاقيه فيه كقولك: قعدتُ جُلوسًا، وحُبِستُ مَنعًا، وغيرُ المصدرِ نحو قولك: ضربتُه أنواعًا من الضَرب وأيَّ ضربٍ، وأيَّما ضربٍ، ومنه: رَجَعَ القَهقَرى، واشتَمَلَ الصَّماء، وقعدَ القُرفُصاء لأنَّها أنواعٌ من الرّجوعِ، والاشتِمالِ، والقُعُودِ". قالَ المشرّحُ: الدليلُ على أنَّ (٣) أيَّ ضربِ مصدرٌ (٤) منصوبٌ على المصدرِ أنَّه في الأصلِ صفةُ مَصدَرٍ فلما حُذِفَ الَمصدَرُ أقيمت الصفةُ مقامه فنابَت منابَه. ونظيرُ هذه المسألةِ في الدارِ من قولك: زيدٌ في الدارِ، فإنَّه يُسمى خَبَرًا، لأنَّه قامَ مقامَ الخَبَرِ، وهو كائنُ، كذلك هذا نَباتًا: إنما هو مَصدرُ نَبَتَ، وهما في الاشتقاقِ يتلاقيان، كما أنَّ تبتيلًا: مصدَرُ بَتَلَ، لا مصدَرُ تبتَّل، وهما أيضًا يتلاقيان في الاشتقاقِ. الضميرُ في "قيه" من قوله: "وما يلاقيه" فيه يرجعُ إلى الاشتقاقِ. جلوسًا: مصدرٌ بمعنى القُعُودِ، لكنْ لا يُلاقي القعودَ في الاشتقاقِ. وكذلك منعًا: مصدَرٌ بمعنى الحَبسِ لكن لا يُلاقيه في الاشتقاقِ. القَهقَرى: هو الرّجوعُ إلى خَلف (٥). الصَّمَّاءُ: هو أن يُجَلِّل جَسَدَهُ بِثَوْبٍ حتَّى لا يَبدُوَ منه شيءٌ (٦) واشتقاقُه من الصَّمَمِ (٧)،

стр. 282

القُرفُصاء: جِلسَةُ المُحتَبي (١)، فإن سألتَ: ما الدليلُ على أنَّ هذه عُنِيَ بها هذه الثلاثةُ، وهي: القَهقَرى، والصَّماء، والقُرفُصاء، وهي أسماءٌ ليست بمصادِرَ؟ أجبتُ: لأنَّه لا يجوزُ إعمالها عَمَلَ (٢) الفعلِ، ولو كانت مصادِرَ لجازَ ذلك، فالمصدَرُ غيرُ واسمُ المصدَرِ غيرُ، واسمُ الجمعِ غيرُ. قالَ جارُ اللَّه: "والمصادِرُ المنصوبةُ بأفعالٍ مضمرةٍ عَلى ثلاثةِ أنواعٍ، ما يُستعملُ إظهارُ فعلِهِ وإضمارُه، وما لا يُستَعمَلُ إظهارُ فعلِهِ، وما لا فعلَ له أصلًا، وثلاثَتُها تكون دعاءً وغيرَ دعاءٍ. فالنوعُ الأوَّلُ كقولك للقادِمِ من سفرِهِ خيرَ مقدمٍ، ولمن يُقَرمِطُ (٣) في عِدَاتِهِ مواعيدَ عرقوبٍ، وللغَضبانِ: غَضَبَ الخيلِ على اللُّجُم". قالَ المشرّحُ: كما يجوزُ النصبُ في خيرَ مقدمٍ، يجوزُ فيه الرّفعُ أيضًا، والمعنى: مَقدَمُك خيرُ مقدمٍ. ذكره شمسُ المَشرِقِ الكَاثِيّ (٤). كما يجوزُ خيرُ مَقدمٍ يجوزُ أيضًا أن يُقالَ: قدمتَ خيرَ مقدمٍ، كما يجوزُ أن يقالَ: مواعيدُ عرقوبٍ جازَ أن يقالَ: وعدتَ مواعيدَ عرقوبٍ بدليلِ البيتِ (٥)، وكذا

стр. 283

غَضِبتُ (١) غَضَبَ الخيلِ على اللُّجُم. عُرقوبُ: بِضَمّ العينِ اسمُ رَجُلٍ من العَمَالِقَةِ ضَرَبوا به المَثَلَ في الخُلفِ (٢)، وذلك أنّه أتاهُ أخٌ (٣) له يسألُهُ شيئًا فقالَ عرقوبُ: إذا أطلَعَ نَخلي، فلما أطلَعَ قال: إذا أبلَحَ، فلمّا أبلح قالَ: إذا أَزهى، فلما أَزهى قال إذا أَرطَب، فلما أَرطَب قال: إذا صار تمرًا، فلما صارَ تَمْرًا جَدَّه ليلًا (٤) ولم يُعطِهِ شيئًا، قال الأشجَعِيُّ (٥): وعدتِ وكان الخُلفُ منكِ سَجِيّةً … مواعيدَ عُرقوبٍ أخاه بِيَثْرِبِ (٦) غَضَبَ الخيلِ على اللُّجُم: كأنَّه مَثَلٌ للغَضَبِ الذي لا مَنفعةَ فيه للغضبانِ، ويُحتمَلُ أن يُرادَ به شِدّةُ الغَضَبَ كما في بيتي السِّقطِ (٧): إذا مَلأَتهُنَّ القَنَا خَبَرِيَّةٌ … وغَيظًا فأوقَعنَ الحَفِيظةَ باللُّجُمْ

стр. 284

ورَفَتنَ مَجدولَ الشَّكِيمِ كأنَّما … أَشرنَ إلى ذَاوٍ (١) من النَّبتِ بالأْزُمْ قالَ جارُ الله: ومنه قولهم: "أوَ فرقًا خيرًا من حُبٌّ" (٢). بمعنى أو فَرَقُكَ فرقًا خيرًا من حُبٍّ؟. قالَ المشرّحُ: - هذا -أيضًا- من المصادر المنصوبة بأفعالٍ مضمرةٍ، وهو مما يُستَعملُ إظهارُ فعلِه، فإن سألتَ: فما الفرقُ بينَ هذا المصدَر المنصوب، وبينَ المصادِرِ المنصوبَة المتقدَّمة، حتى أفرد هذا من تلك، وجَعله نَوعًا على حِدَةٍ، ولم يُورِده فيها؟ أجبتُ: هذا شيءٌ قليلُ الوقوعِ، لا يكادُ يُستَعملُ إلَّا في النُّدرَة والأحايين، فكيفَ تَرى إظهارَ فِعله؟ وأمَّا ذاك فمستقصىً كثيرُ الوقوعِ، كثيرًا ما تَرى إظهارَ فِعلِهِ. ويُضربُ المَثَلُ فيما إذا قالَ له غَيرُه: تُحِبُّني فقالَ: أفرقُكَ فَرقًا خيرًا من حُبٍّ. قالَ جارُ الله: "والنّوع الثّاني: قولك: سَقيًا ورَعيًا، وخَيبةً وجَدْعًا، وعَقرًا وبؤسًا، وبُعدًا وسُحقًا، وحمدًا وشكرًا، لا كفرًا وعجبًا".

стр. 285

قالَ المشرّحُ: هذا النوع مما لا يُستَعملُ إظهارُ فعلِه، فإن سألتَ: كيفَ زَعمتَ أنَّه لا يستعملُ إظهارُ فعلِهِ. ويُقالُ حَمِدتُ الله حمدًا، وشكرتُ الله شُكرًا، وعجبتُ له عَجَبًا؟ أجبتُ: قوله: كيفَ زعمتَ أنَّ هذا النوعَ لا يُستعملُ إظهارُ فعلِهِ، فنقولُ: لأنَّ هذه المصادِرَ قد اشتُهرت بالمعنى الذي استُعملت فيه شُهرةً، لو تكلَّفتَ لها زيادَة مبالغةٍ لاختلَّ المعنى، وأمَّا ما ذكرتَ من الأمثلةِ فهي جائزةٌ، والكلامُ في الجوازِ، وفي استعمالِ العَربِ العاربةِ غيره. قالَ جارُ الله: "وأفعلُ ذلك وكرامةً وَمَسرَّةً، ونعمُ عَينٍ، ونعمةُ عين، وأنعامَ عين". قالَ المشرّحُ: نعمُ ونعمةُ عين بالضَّمِّ، كذا السماعُ، وأنعامَ بالفَتحِ، هذه المصادرُ أيضًا لا يُستعملُ إظهارُ فعلِها، لأنَّ المذكورَ من الفعلين قد نابَ عن المقدَّر من حيثُ إنَّ المقدّرَ ليس بأجنَبِيٍّ عن المذكورِ، وإنَّما المقدّرُ هو الإِكرامُ، والمذكورُ مشتملٌ على الإِكرامِ أيضًا. بدليلِ أنَّه امتثالٌ لأمرِه، وجَرْيٌ على موجب طاعته، فإن سألتَ: فَلِم لَم يكن بدون الواو؟ أجبتُ: هو مع الواو أبلغُ بدليلِ أنَّه استؤنِفَ له إثباتٌ على حَدِّهِ بخلافِ ما لم يُستأنف له إثباتٌ على حَدّه، إنما وَقَعَ ذَيلًا من الكلامِ. قالَ جارُ الله: "ولا أفعلُ ذلك، ولا كيدًا ولا همًّا، ولأفعلنَّ ذلك ورغمًا وهوانًا". قال المشرّحُ: لا أكادُ أفعله كيدًا، ولا أهمُّ بفعلِه همًّا، هذه المصادِرُ لا يستعملُ إظهارُ فعلِها بعينِ ما ذكرتُه من العلَّةِ في الفصلِ المتقدِّمِ، وهذا لأنَّه إذا صُرِفَ عن الشيءِ نَفسِهِ فالظاهِرُ من حالِه أنَّه لا يَحرُمُ عليه، فكأنَّ للمُظهَرِ دلالة على المُضمَرِ. قالَ جارُ الله: "ومنه إنما أنت سيرًا سيرًا، وما أنتَ إلّا قتلًا قَتلًا، وإلّا
следующие страницы →