← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وذلك على نوعين مَصدَرٌ، وغيرُ مَصدَرٍ، فالمصدرُ على نوعين: ما يُلاقِي الفِعلَ في اشتقاقِه كقوله تعالى (١): ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ وقوله (٢): ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾، وما لا يُلاقيه فيه كقولك: قعدتُ جُلوسًا، وحُبِستُ مَنعًا، وغيرُ المصدرِ نحو قولك: ضربتُه أنواعًا من الضَرب وأيَّ ضربٍ، وأيَّما ضربٍ، ومنه: رَجَعَ القَهقَرى، واشتَمَلَ الصَّماء، وقعدَ القُرفُصاء لأنَّها أنواعٌ من الرّجوعِ، والاشتِمالِ، والقُعُودِ". قالَ المشرّحُ: الدليلُ على أنَّ (٣) أيَّ ضربِ مصدرٌ (٤) منصوبٌ على المصدرِ أنَّه في الأصلِ صفةُ مَصدَرٍ فلما حُذِفَ الَمصدَرُ أقيمت الصفةُ مقامه فنابَت منابَه. ونظيرُ هذه المسألةِ في الدارِ من قولك: زيدٌ في الدارِ، فإنَّه يُسمى خَبَرًا، لأنَّه قامَ مقامَ الخَبَرِ، وهو كائنُ، كذلك هذا نَباتًا: إنما هو مَصدرُ نَبَتَ، وهما في الاشتقاقِ يتلاقيان، كما أنَّ تبتيلًا: مصدَرُ بَتَلَ، لا مصدَرُ تبتَّل، وهما أيضًا يتلاقيان في الاشتقاقِ. الضميرُ في "قيه" من قوله: "وما يلاقيه" فيه يرجعُ إلى الاشتقاقِ. جلوسًا: مصدرٌ بمعنى القُعُودِ، لكنْ لا يُلاقي القعودَ في الاشتقاقِ. وكذلك منعًا: مصدَرٌ بمعنى الحَبسِ لكن لا يُلاقيه في الاشتقاقِ. القَهقَرى: هو الرّجوعُ إلى خَلف (٥). الصَّمَّاءُ: هو أن يُجَلِّل جَسَدَهُ بِثَوْبٍ حتَّى لا يَبدُوَ منه شيءٌ (٦) واشتقاقُه من الصَّمَمِ (٧)،

стр. 282

القُرفُصاء: جِلسَةُ المُحتَبي (١)، فإن سألتَ: ما الدليلُ على أنَّ هذه عُنِيَ بها هذه الثلاثةُ، وهي: القَهقَرى، والصَّماء، والقُرفُصاء، وهي أسماءٌ ليست بمصادِرَ؟ أجبتُ: لأنَّه لا يجوزُ إعمالها عَمَلَ (٢) الفعلِ، ولو كانت مصادِرَ لجازَ ذلك، فالمصدَرُ غيرُ واسمُ المصدَرِ غيرُ، واسمُ الجمعِ غيرُ. قالَ جارُ اللَّه: "والمصادِرُ المنصوبةُ بأفعالٍ مضمرةٍ عَلى ثلاثةِ أنواعٍ، ما يُستعملُ إظهارُ فعلِهِ وإضمارُه، وما لا يُستَعمَلُ إظهارُ فعلِهِ، وما لا فعلَ له أصلًا، وثلاثَتُها تكون دعاءً وغيرَ دعاءٍ. فالنوعُ الأوَّلُ كقولك للقادِمِ من سفرِهِ خيرَ مقدمٍ، ولمن يُقَرمِطُ (٣) في عِدَاتِهِ مواعيدَ عرقوبٍ، وللغَضبانِ: غَضَبَ الخيلِ على اللُّجُم". قالَ المشرّحُ: كما يجوزُ النصبُ في خيرَ مقدمٍ، يجوزُ فيه الرّفعُ أيضًا، والمعنى: مَقدَمُك خيرُ مقدمٍ. ذكره شمسُ المَشرِقِ الكَاثِيّ (٤). كما يجوزُ خيرُ مَقدمٍ يجوزُ أيضًا أن يُقالَ: قدمتَ خيرَ مقدمٍ، كما يجوزُ أن يقالَ: مواعيدُ عرقوبٍ جازَ أن يقالَ: وعدتَ مواعيدَ عرقوبٍ بدليلِ البيتِ (٥)، وكذا

стр. 283

غَضِبتُ (١) غَضَبَ الخيلِ على اللُّجُم. عُرقوبُ: بِضَمّ العينِ اسمُ رَجُلٍ من العَمَالِقَةِ ضَرَبوا به المَثَلَ في الخُلفِ (٢)، وذلك أنّه أتاهُ أخٌ (٣) له يسألُهُ شيئًا فقالَ عرقوبُ: إذا أطلَعَ نَخلي، فلما أطلَعَ قال: إذا أبلَحَ، فلمّا أبلح قالَ: إذا أَزهى، فلما أَزهى قال إذا أَرطَب، فلما أَرطَب قال: إذا صار تمرًا، فلما صارَ تَمْرًا جَدَّه ليلًا (٤) ولم يُعطِهِ شيئًا، قال الأشجَعِيُّ (٥): وعدتِ وكان الخُلفُ منكِ سَجِيّةً … مواعيدَ عُرقوبٍ أخاه بِيَثْرِبِ (٦) غَضَبَ الخيلِ على اللُّجُم: كأنَّه مَثَلٌ للغَضَبِ الذي لا مَنفعةَ فيه للغضبانِ، ويُحتمَلُ أن يُرادَ به شِدّةُ الغَضَبَ كما في بيتي السِّقطِ (٧): إذا مَلأَتهُنَّ القَنَا خَبَرِيَّةٌ … وغَيظًا فأوقَعنَ الحَفِيظةَ باللُّجُمْ

стр. 284

ورَفَتنَ مَجدولَ الشَّكِيمِ كأنَّما … أَشرنَ إلى ذَاوٍ (١) من النَّبتِ بالأْزُمْ قالَ جارُ الله: ومنه قولهم: "أوَ فرقًا خيرًا من حُبٌّ" (٢). بمعنى أو فَرَقُكَ فرقًا خيرًا من حُبٍّ؟. قالَ المشرّحُ: - هذا -أيضًا- من المصادر المنصوبة بأفعالٍ مضمرةٍ، وهو مما يُستَعملُ إظهارُ فعلِه، فإن سألتَ: فما الفرقُ بينَ هذا المصدَر المنصوب، وبينَ المصادِرِ المنصوبَة المتقدَّمة، حتى أفرد هذا من تلك، وجَعله نَوعًا على حِدَةٍ، ولم يُورِده فيها؟ أجبتُ: هذا شيءٌ قليلُ الوقوعِ، لا يكادُ يُستَعملُ إلَّا في النُّدرَة والأحايين، فكيفَ تَرى إظهارَ فِعله؟ وأمَّا ذاك فمستقصىً كثيرُ الوقوعِ، كثيرًا ما تَرى إظهارَ فِعلِهِ. ويُضربُ المَثَلُ فيما إذا قالَ له غَيرُه: تُحِبُّني فقالَ: أفرقُكَ فَرقًا خيرًا من حُبٍّ. قالَ جارُ الله: "والنّوع الثّاني: قولك: سَقيًا ورَعيًا، وخَيبةً وجَدْعًا، وعَقرًا وبؤسًا، وبُعدًا وسُحقًا، وحمدًا وشكرًا، لا كفرًا وعجبًا".

стр. 285

قالَ المشرّحُ: هذا النوع مما لا يُستَعملُ إظهارُ فعلِه، فإن سألتَ: كيفَ زَعمتَ أنَّه لا يستعملُ إظهارُ فعلِهِ. ويُقالُ حَمِدتُ الله حمدًا، وشكرتُ الله شُكرًا، وعجبتُ له عَجَبًا؟ أجبتُ: قوله: كيفَ زعمتَ أنَّ هذا النوعَ لا يُستعملُ إظهارُ فعلِهِ، فنقولُ: لأنَّ هذه المصادِرَ قد اشتُهرت بالمعنى الذي استُعملت فيه شُهرةً، لو تكلَّفتَ لها زيادَة مبالغةٍ لاختلَّ المعنى، وأمَّا ما ذكرتَ من الأمثلةِ فهي جائزةٌ، والكلامُ في الجوازِ، وفي استعمالِ العَربِ العاربةِ غيره. قالَ جارُ الله: "وأفعلُ ذلك وكرامةً وَمَسرَّةً، ونعمُ عَينٍ، ونعمةُ عين، وأنعامَ عين". قالَ المشرّحُ: نعمُ ونعمةُ عين بالضَّمِّ، كذا السماعُ، وأنعامَ بالفَتحِ، هذه المصادرُ أيضًا لا يُستعملُ إظهارُ فعلِها، لأنَّ المذكورَ من الفعلين قد نابَ عن المقدَّر من حيثُ إنَّ المقدّرَ ليس بأجنَبِيٍّ عن المذكورِ، وإنَّما المقدّرُ هو الإِكرامُ، والمذكورُ مشتملٌ على الإِكرامِ أيضًا. بدليلِ أنَّه امتثالٌ لأمرِه، وجَرْيٌ على موجب طاعته، فإن سألتَ: فَلِم لَم يكن بدون الواو؟ أجبتُ: هو مع الواو أبلغُ بدليلِ أنَّه استؤنِفَ له إثباتٌ على حَدِّهِ بخلافِ ما لم يُستأنف له إثباتٌ على حَدّه، إنما وَقَعَ ذَيلًا من الكلامِ. قالَ جارُ الله: "ولا أفعلُ ذلك، ولا كيدًا ولا همًّا، ولأفعلنَّ ذلك ورغمًا وهوانًا". قال المشرّحُ: لا أكادُ أفعله كيدًا، ولا أهمُّ بفعلِه همًّا، هذه المصادِرُ لا يستعملُ إظهارُ فعلِها بعينِ ما ذكرتُه من العلَّةِ في الفصلِ المتقدِّمِ، وهذا لأنَّه إذا صُرِفَ عن الشيءِ نَفسِهِ فالظاهِرُ من حالِه أنَّه لا يَحرُمُ عليه، فكأنَّ للمُظهَرِ دلالة على المُضمَرِ. قالَ جارُ الله: "ومنه إنما أنت سيرًا سيرًا، وما أنتَ إلّا قتلًا قَتلًا، وإلّا

стр. 286

سَير البريدِ، وإلَّا ضَربَ الناس، وإلّا شُربَ الإِبلِ". قالَ المشرّحُ: هذه المصادِر (١) لا يحسنُ إظهارُ فعلها، لأنَّه قد وُجد المانعُ من ذلك، وذلك لأنَّه غيرُ ممكنٍ، إذ لا يمكنُ ها هنا إلا إظهارُ المصدَرِ، وذلك أن تقولَ: ما أنت إلا ضربُ الناسِ، ثم إظهارُ المصدَرِ ها هنا أيضًا لا يَحسُنُ، لأنَّه إنَّما يَحسُنُ إظهارُه إذا لم تُعمله. ألا تَرى أنَّ المصدَرَ ها هنا تَنَزَّل منزلةَ الجَواهِرِ والأعيان، كما لو قلتَ: أنت لَحمٌ، وما أنت إلّا لَحمٌ، والمعنى أنّك تَجَشَّمتَ من الضَّربِ، كما أنَّ المعنى ثمَّ إنَّك تَجَشَمّتَ من اللّحمِ، وكذلك إنما أنتَ سيرًا سيَرًا، لأنَّه بمنزلةِ ما أنتَ إلا سَيرًا سَيرًا، فلَزم منه نحو ما لَزِمَ من قولِكَ: ما أنت إلا ضربٌ ضربَ الناسِ، والذي يدل على أنَّ "إنما" بمنزلةِ النَّفي والاستثناءِ ما أنشدَهُ الإِمامُ (٢) أبو عليٍّ الفارسي ﵀ (٣): أنا الذّائِدُ الحامِي الذِّمارَ وإنَّما … يُدافِعُ عن أَحسابِهِم أَنا أو مِثلي

стр. 287

هذا لأنَّه لا يجوزُ إسنادُ فعلِ الغائِبِ إلى المضمرِ إلَّا في مقامِ الاستثناءِ المسبوقِ بالنَّفي. قالَ جارُ الله: "ومنه قوله تعالى (١): ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ ". قالَ المشرّحُ: المنُّ (٢): إطلاقٌ بغيرِ فِداءٍ، وإنما لا يستعملُ إظهارُه ها هنا، لأنَّ "إمَّا" لا تكادُ تدخُلُ إلَّا على اسمٍ كقولك: زيدٌ إمَّا قاعدٌ وإمَّا قائمٌ، فإذا قُلتَ: زيدٌ إما يَقعُدُ، وإمَّا يَقُومُ فهو وإن جاز إلا أنَّه دونَ الأوَّلِ في الحُسنِ، ولو قلتَ زيدٌ إمَّا يَقعُدُ وإمَّا يَقُومُ لكانَ مُستَكرهًا، وهذا لأنَّ الأوَّلَ: اسمٌ صورةً ومعنًى، والثاني: فعلٌ صورةً ومعنًى، والثالث (٣): صورة ومعنى. قالَ جارُ الله: "ومنه مررت به فإذا له صوتٌ صوتَ حمارٍ، وإذا له صُراخٌ صراخَ الثَّكلى وإذا له دقٌ دقَّك بالمنحازِ حبَّ القِلقِلِ". قال المشرّحُ: (٤) ها هنا أيضًا لا يُستعمل إظهارُه، لأنَّ الاسمَ الأولّ قد نابَ منابَ الفعلِ وسدَّ مَسَدَّه، وفي ألفاظِ الفِقه (٥): السَّفَر الذي فيه تُقصرُ الصّلاةُ مَسيرةُ ثلاثةِ أيَّامٍ سيرَ الإِبلِ، ومشيَ الأقدامِ والمعنى السّفرُ الذي تقصرُ فيه الصّلاة سيرُ مسيرةِ ثلاثةِ أيَّام. فإن سألَتَ: الاسمُ الأولُ ليس مصدرًا، إنما هو اسمٌ فكيفَ أُعملَ عَمَلَ الفعلِ؟ أجبتُ: حُكي أنَّ العرب قد وَضَعَت الأسماءَ موضعَ المصادرِ فيقولون: عجبتُ من طعامِك طعامًا، يريدون من إطعامِك، وعجبتُ من دُهنِك لِحيَتك، والمعنى من دَهنك بالفتح وعليه (٦):

стр. 288

وبعدَ عطائِك المائَةَ الرِّتاعَا القِلقِلِ: بالقاف المكسوة حبٌّ آخر سوى الفُلفُل بالفاء المضمومة (١). قالَ جارُ الله: "ومنه ما يكون توكيدًا إمّا لِغَيره كقولِكَ: هذا عبدُ الله حَقًّا، والحقُّ لا الباطلُ، وهذا زيدٌ غيرَ ما تقول، وهذا القولُ لا قولَك، وأَجِدّك لا تفعلُ كذا. أو لنَفسه: كقولك: لَه عليَّ ألفُ دِرهمٍ عُرفًا". قالَ المشرّحُ: الضميرُ في "ومنه" راجعٌ إلى المقدَّرِ الذي لا يستعملُ إظهارُ فعلِه. المعنِيُّ بالمصدَرِ المؤكِّدِ لغيرِهِ، هو الذي لا يُفيدُ الجملةَ السابِقَةَ، لا لفظًا، ولا عقلًا، كقولك: هذا عبدُ الله حقًّا، فإنَّ حقًّا تفيدُ معنًى لا تُفيده الجُملةُ السَّابقةُ وهي قولك: هذا عبدُ الله لا تفيدُ معنى حَقًا، لا لفظًا، ولا عَقلًا، لأنَّه يلزمُ من هذا قولك: هذا عبدُ الله أن يكونَ ذلك في العقلِ حقًا، والمعنى: أقول هذا القوِلَ، وهو ما تضمَّنه هذا عبد الله حَقًا. وكذلك: هذا زيدٌ غيرَ ما تقول، لأنَّ مُغايرةَ قولي قولَك لا تَدُلُّ عليه (٢) الجُملةُ السّالفةُ (٣) لا لفظًا ولا عقلًا، أمَّا لَفظًا فظاهرٌ، لأنَّه ليس في قولك: هذا زيدٌ ما يدلُّ على المغايرةَ فَضلًا عن أن يُدلَّ على مغايَرَةِ قولي قولَك. وأمَّا عَقلًا فكذلك، ألا ترى أنّك إذا قلتَ: هذا زيدٌ فليس في عقولِنا أنَّ هذا القولَ غيرُ ما تقولُ. وأمَّا قولُهُم: هذا القولُ لا قولَك، فالجُملةُ السالفةُ (٤) -وإن كانت تَدلَّ على معنى القولِ- لكن لا تَدُلُّ على معنى قولك: (لا قولك) وكذا ليس في العَقلِ أنَّ ما دلت عليه الجُملةُ السَّالفة من معنى: هذا القولُ

стр. 289

ليس قولَك. وأمَّا قولهم: أَجِدَّكَ لا تَفعَلُ كذا، فلِئلّا (١) يُتَكَلّم به إلّا مُضافًا. قالَ الأصمَعِيُّ: مَعناهُ: أَبجِدّ منكَ هذا. وقال أبو عَمرو: معناه: مالَك، أَجِدًّا منك؟ والجملةُ السّالفةُ (٢) ها هُنا لا تَعقِلُ كذا، لأنَّها مقدَّمةٌ تقديرًا، وهي لا تَدُلُّ على معنى، أمَّا لفظًا فظاهرٌ، وأمَّا عَقلًا فكذلِكَ. والمعنِيُّ بالمصدَرِ المؤكِّدِ لنفسِهِ: هو الذي يُفيدُ معنى لا تفيدُه الجملةُ السّالفةُ (٣) إما لفظًا وإما عقلًا أمّا لفظًا فكقولك: له عليَّ ألفُ دِرهَمٍ عُرفًا، ألا تَرى أنَّ قولَك عُرفًا يَدُلُّ على معنىً تُفيدُه الجُملة السَّالِفَةُ (٣) لفظًا، وهو معنى الاعترافِ، لأنَّ قولَك: له عليَّ ألفُ درهمٍ اعترافٌ لفظًا. قالَ جارُ اللهِ: "وقولُ الأَحوَصِ (٤): إنيَّ لأمنَحُكَ الصُّدودَ وإنَّنِي … قَسَمًا إليكَ مع الصُّدودِ لأَميَلُ قالَ المشرّحُ: قوله: قَسَمًا مصدَرٌ مؤكّدٌ لنفسِهِ، لأنّه يُفِيدُ معنى تُفيدُه الجملةُ السَّالِفةُ (٣) لَفظًا، لأنَّ الجملةِ السّالفةَ (٣): (إنّي إليك مَعَ الصُّدودِ لأَميلُ)، وتلك تفيدُ معنى القسم، لأنَّه كون الجملة ابتدائِية، ثم حرف التّوكيدِ، ثم لام الابتداءِ لتأكيدِ معنى الجملةِ، والقَسَمُ ليس إلّا ذلك، وكذلك

стр. 290

تكونُ إنّ بمعنىٍ القَسَم، كجيرِ. فإن سألتَ (١): كيفَ كانت الجملةُ ها هنا سالفةً (٢) مقدمةً على المصدَرِ، والمصدرُ ها هنا مُتَخَلّلٌ لأجزاءِ الجملةِ، واقعٌ في أثنائِها؟ ثم المصدَرُ ها هنا وهو -قَسَمًا- كما دَلّ على معنى مقيَّدٍ وهو تأكيدٌ مخصوصٌ، دَلّ على معنى مقيّد (٣) وهو قولُ المخاطَبِ، دَلّت على مُطلَقِ الجُملةِ السَّالفةِ وهو القولُ (٤) نَفسُهُ فَوَجَبَ أن يكونَ ذلك المصدَرُ تأكيدًا لنفسِهِ؟ أجبتُ: أمّا الأولُ فإنَّ الجُملةَ وإن كانت غيرَ مقدّمةٍ على المصدَرِ صورةً فهي مقدمةٌ عليه معنىً، لأنَّ حقَّ العاملِ في المصدرِ أن يكونَ مُقَدَّمًا على المَصدَرِ. وأمّا الثاني فلأنّ (٥) لا قولَك دلَّ على معنىً لم تَدُلَّ عليه الجُملةُ السَّالفةُ (٢) وهي هَذا القولُ، لا لَفظًا ولا عَقلًا. لأمنِحكَ: بكسر النّون وفتح (٦) الكاف، كذا السّماعُ، والذي يَدُلّ على أنَّ الرِّوايةَ فيه فَتحُ الكاف أنَّ الخِطَابَ فيه للبيتِ، بدليلِ البيتِ المتقدّمِ. يا بيتَ عاتِكَةَ الذي أتعَزَّلُ … حَذَرَ العِدا وبه الفُؤاد موكّلُ (٧) قالَ جارُ الله: "وقوله تعالى (٨): ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ ". قال المشرحُ: هذا النوع الثاني من المصدَرِ المؤكّدِ لنفسِه بدليل أنَّ الجُملةَ السَّالفةَ ها هنا قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ ولا شَكَّ أنَّ "تَمُرُّ مَرَّ السحابِ" معلومٌ عَقلًا أنّه صُنعُ اللهِ.

стр. 291

قالَ جارُ الله: و ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ (١)، و ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) و ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ (٣). قالَ المُشَرِّحُ: أمَّا "وَعْدَ اللَّهِ" فلأنَّ الجُملةَ السالفةَ (٤) فيه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ﴾، لأنَّ الوَعدَ ليسَ إلَّا الإِخبارَ عن شيءٍ واقِعٍ (٥) قبلَ وُقُوعِهِ في المُستَقبَلِ من الزَّمانِ، وأنَّه كذلك. وأمّا "كتابَ الله" فلأنَّ الجملةَ السالفةَ (٦) فيه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ومعنى (٧) الآية يحتوي على مسألةٍ من السَّيْرِ، وهي أنّه تعالى قد حَظَرَ ذواتِ الأزواجِ أن تَتَزَّوجَ مَن لها زوجٌ إلّا مَن سُبِيَت من دارِ الحربِ وأُخرجَت إلى دارِ الإِسلام فإنَّها تَحِلُّ لمن يَتَمَلّكها وإن كان لها زوجٌ، لوقوعِ الفُرقَةِ (٨) بينَه وبينَها، لأنَّها شَريعةٌ شَرعها الله لنا، وكتابٌ كَتبه عَلينا. فإن سألتَ: لم لا يجوزُ أن تَنصِبَ "كتابَ اللهِ عليكم" بعليكُم؟ أجبتُ: لأنَّ أسماءَ الأفعالِ لا تَعمل فيما تَقَدَّمها من الأسماء، فإن سألتَ: هذه المسألةُ يَختَلِفُ فيها أهلُ البصرةِ والكوفةِ؟ أجبتُ: لأنّك إذا قلتَ: زيدًا دونَك، والثَّريدَ حَيَّهَل فإنه يَنبُو عن الطَّبعِ، وهذه المسألةِ بحكمِ الحِسِّ فمن كانَ له فليُحِسَّ (٩). وأمّا صبغةَ اللهِ: فلأنَّ الجملةَ السالفةَ (٦) فيه: (١٠) ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ

стр. 292

إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ فظاهرُ أنّ المصدرَ ها هنا (١) يفيدُ معنى تفيدُه الجملةُ السالفةُ (٢)، ألا تَرى أنّ قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ … صِبْغَةَ اللَّهِ﴾. قالَ جارُ الله: "وقولهم: اللهُ أكبرُ دعوةَ الحَقِّ". قال المشرحُ: هذا أيضًا من قبيلِ المصدَرِ المُؤكِّدِ لنفسِهِ، لأنَّ قولَه: "اللهُ أكبرُ دعاءٌ". قالَ جارُ الله: "ومنه ما جاءَ مُثَنىً وهو حنانَيك، ولبَّيك وسعدَيك، ودَوالَيكَ" وهَذا ذَيكَ. قالَ المشرحُ: الحنانُ: هو الرَّحمةُ، يقال: حَنَّ عليه حَنانًا، وقولهم: حنَانَيك معناه: رَحمةً بعدَ رَحمةٍ. أَلَبَّ بالمكانِ إذا أقامَ به ولَزِمَه عن ابنِ السِّكِّيتِ (٣) وقالَ الخليلُ: لبَّ بالمكانِ (٤) لغةٌ فيه حكاها أبو عُبيدٍ (٥) وقالَ (٦) الفَّراء: ومنه [قولهم] (٧): لبَّيكَ، أي أنا مقيمٌ على طاعتِك وكان حقُّه أن يقولَ: لَبًّا لك، وثنَّى على معنى التَّأكيدِ، أي إلبابًا لك بعد إلباب، وإقامةً بعد

стр. 293

إقامةٍ. وعن الخليلِ: هو من قولهم: دارُ فلانٍ تُلِّبُ دَاري أي تُحاذِيها أي أنا مواجِهُكَ بما تُحبُّ إجابةً (١). سعدَيك: إسعادًا لك بعدَ إسعادِ. دَوالَيكَ: أي تَدَاوُلٌ بعدَ تَدَاوُلٍ قالَ عبدُ بني الحَسحَاسِ (٢): إذا شُقَّ بُردٌ شُقَّ بالبردِ مِثلُهُ … دَواليكَ حتّى ليسَ للبردِ لابِسُ (٣) فإن سألتَ: هل يقالُ: دوالٍ في مفردِ دَواليك حتَّى يكونُ هذا مثنَّاه؟

стр. 294

أَجبتُ: الحالُ لا تخلو من أن يُقالَ ذلك، أو لا يُقالَ، فلئن قيلَ فذاك، وإن لم يُقل فالمعنيّ بما جاء مثّنىً ما جاء (١) على صورةِ مُثَنّى وإنه كذلك. هذا ذَيك: أي قَطعٌ بعدَ قطعٍ، والهذُّ هو الإِسراعُ في القطعِ، والفّراءُ يروي (٢): هَذَا ذَيكَ حتَّى ليسَ للبردِ لابِسُ تَزعُمُ (٣) النساءُ أنّه إذا شَقَّ أحدُ [الزوّجين] (٤) عندَ البِضاعِ شيئًا من ثوبِ صاحِبِه دامَ بينَهُما الودُّ، وإلَّا تَهاجَرا. قالَ جارُ اللَّهِ: "ومنه ما لا يَنصرِفُ نحوَ سُبحانَ اللَّهِ، ومَعاذَ اللَّهِ". قالَ المشرّحُ: سُبحانَ: مصدَرٌ غيرُ منصرفٍ ولا [مُتَصَرّفٍ، أمَّا كونُه غيرَ منصَرِفٍ] (٥) فلما فيه من تركيب (٦) المضارعةِ، هذا بمنزلةِ عُثمان (٧) في أنّه

стр. 295

عَلَمٌ، والألفُ والنّونُ فيه للمضارعةِ، أمَّا كونُه غيرَ مُنصرفٍ فلأنَّه أبدًا لا يكونُ إلّا منصوبًا، وكذلك معاذَ اللهِ، غيرُ مُنصَرِفٍ بِهَذا التَّفسير. قالَ جارُ اللَّهِ: "وعمرَك اللَّهَ، وقعدَكَ اللَّه". قالَ المشرّحُ: إذا قلتَ (١) عمرَكَ اللُّهَ فكأنَّك قلتَ: بتعميركَ اللَّهَ، أي بإقرارِك له بالبقاءِ، وأمَّا قولُ عمرَ بن أبي رَبيعة (٢): أيُّها المنكحُ الثّريا سُهيلًا … عمرَك اللَّهَ كيفَ يلتقيانِ فمعناه: سألتُ اللَّهَ أن يطيلَ عُمُرَكَ. فإن سألتَ: فكيفَ معنى انتصابه على المصدَرِ في الوجهينِ؟ أجبتُ: المقصودُ هو الوجهُ الثّاني، وعَمُرك مختصرُ تعميرِك، ولمّا كانَ قولُك: عَمَرَكَ اللُّهُ تَعميرًا عِندَ نِيَّةِ الدُّعاءِ للسؤالِ من اللَّهِ إطالةَ عُمُرِكَ اعتُبِرَ هذا المعنى في مُتَصَرّفاتِهِ، فمعنى عَمَّركَ اللَّه تَعميرًا على معنى السُّؤال (٣). قعيدَك اللَّه لأتيك: يمينٌ للعَرَبِ، والمعنى بصاحِبك الذي هو

стр. 296

صاحبُك يَدعوك، وأصلُ قَعيدك: أي تَمكينُك وتَثبيتُك، فتمشيةُ قعيدِك، تمشيةُ عمرِك. قالَ جارُ اللَّهِ: والنوعُ الثالثُ نحو دَفْرًا وبَهْرًا. قال المشرّح: دفرًا (١): أي نتنًا، ومنه قيل للدُّنيا أمّ دفرٍ، ويقال للأَمَةِ دَفارِ (٢) أي: يا منتِنة، وهذا النوعُ لا فعلَ له. فإن سألتَ: ما الدليلُ على أنّه لا فعلَ له؟ أجبتُ: لأنّه لم يَكُن فيبقَى على العَدَمِ (٣). أبو عمرو (٤): وبهرًا له أي تعسًا، قال ابن مَيَّادَةَ (٥): تفاقدَ قَومي إذ يَبيعونَ مُهجَتي … بِجارِيَةٍ بَهرًا لهم بَعدَها بَهرَا وهذا أيضًا لا فِعلَ لَه. قالَ جارُ اللَّه: "وأُفةً وتُفَةً".

стр. 297

قالَ المشرّحُ: يقالُ أُفًا له وأُفيَّةً أي قَذَرًا له، وتُفَّةً كلُّها بالضَّمِ، ولا فعلَ لهذه المَصادِر، على معنى أنَّه لا يُقال أفَّ بمعنى قَذُر. قالَ جارُ اللَّه: وويحَكَ، وويلَكَ، وويسَكَ، وويبَكَ. قالَ المشرّحُ: هذه كلُّها بمعنى واحدٍ، وظاهرٌ أنَّها لا فعلَ لها. قالَ جاز اللَّه: "فصلٌ؛ وقد تُجرى أسماءٌ غير مصادرَ ذلك المُجرى، وهي على ضربين: جَواهرُ نحو قولِهم: تُربًا وجَندلًا، وفاهًا لفيكَ". قالَ المشرّح: الروايةُ: تُجرى مُجرى بضم التاء والميم، وأصل الكلام رَميتَ رَميًا بُترابٍ وجَندلٍ، ثم رَميًا بِتُرابٍ وجَندلٍ، ثم تُربًا وجَندلًا (١). فاهَا لفيكَ: أي قَبَّلتكَ (٢) الدَّاهيةُ تَقبِيلًا جاعلةً فاها لفيكَ، ومما يؤنسُ من هذا البابِ قولُ أبي الطّيب (٣): وقبَّلتني على خَوفٍ فمًا لفمِ (٤) ثُمَّ تَقبِيلةً جاعلةً فاها لفيكَ ثم جاعلةً فاها لفيكَ، ثم فاها لفيكَ، قال (٥): فقلتُ لها فاها لفيكَ فإنَّها … قلوصُ امرئٍ قاربكَ ما أنتَ حاذِر (٦)

стр. 298

ومن أخوات هذا المثل (١): بفيكَ الأُثلبُ (٢)، وبفيكَ الحَجَرُ (٣)، ولليَدَينِ وللفَم (٤). قالَ جارُ اللَّهِ: وصفاتٌ نحو قولِهم: هنيئًا مَريئًا، وعائذًا بك. قالَ المشرّحُ: صيغةُ الصفةِ كما تُستعمل في الصفةِ، تستعملُ أيضًا في المصدرِ، بدليلِ قولهم: قمُ قائمًا، والمعنى [قُم قِيامًا] (٥)، والمُقدَّرُ (٦) ها هنا المَصدَرُ، لأنَّه دُعاءٌ، والأدعِيَةُ تَجِئُ بالفِعلِ والمَصدَرِ، وهَنيئًا مَرِيئًا ليسَ بفعلٍ فَتَعَيَّنَ أن يَكونَ مَصدرًا، وهكذا تَقولُ في اللَّهمَّ عائذًا بكَ من كلِّ سوءٍ.

стр. 299

قالَ جارُ اللَّهِ: "وأقائِمًا وقد قَعَدَ النَّاسُ، وأَقاعدًا وقد سارَ الرَّكب". قالَ المشرّحُ: قائمًا في هذا المثالِ مَصدرٌ، وكذلك قاعِدًا، وهذا لأنَّ المُنَكَّرَ ها هنا نَفسُ القِيامِ ونفسُ القعودِ، لا القائمُ والقاعدُ، كأنَّه قالَ: أقيامًا وقد قَعَدَ الناسُ، وأقعودًا وَقد سارَ الركبُ، وفي شِعر الرّضي الموسوي (١): أَرِضىً وذوبات الخُطوبِ تنوشُني … والعَزمُ ماضٍ والرِّماحُ سَوالِفُ (٢) فإن سألتَ: فإذا كانَ المُنَكَّرُ هو المصدَرُ فكيفَ لم تكن الإِنكاريّةُ؟ أجبتُ: لأنَّ المصدرَ يُدلُّ على الحُدُوثِ والتَجَدُّدِ، بخلافِ القيام والقعودِ إذا أُريدَ به المَصدَرُ، والمعنى إبقاء للقيام وقد قَعد النّاس، وإبقاءً للقعودِ وقد سارَ الركبُ، وكأنّه يقولُ: إبقاءُ القيامِ والقعودِ في هاتين الحالتين شيءٌ شنيعُ، فكيف إحداثُها؟! قالَ جارُ اللَّه: "فصلٌ؛ ومن إضمارِ المصدَرِ قولُك: عبدُ اللَّه أظنُّه منظلقٌ، تَجعلُ الهاءَ ضميرَ الظَّنَّ، كأنّك قلتَ: عبد اللَّه أظنُّ ظَنّي منطلقٌ". قالَ المشرّحُ: الضَّميرُ في قولِكَ: أظنُّه منطلقًا؟ يَنصرفُ إلى الظَنّ لا إلى عبدِ اللَّه لوجهين (٣)، أحدُهما: أنّه لو انصرفَ إلى عبدِ اللَّهِ لكانَ فعلُ

стр. 300

القلبِ مُعملًا بالإِضافةِ إلى أَحَدِ مفعوليه، غيرَ معملٍ بالإِضافةِ إلى المفعولِ الثَّاني، وذلك بالإِجماعِ لا يجوزُ إنّما حُكمُ أَفعالِ القلوبِ أن تُعمِلَها بالإِضافةِ إلى كلا المفعولَين، أو تُلغيَها. الثاني: أنّ أفعالَ القلوبِ ما دامت مقدمةً على مفعولها فإنّه لا يجوزُ إلغاؤها. فإن سألتَ: فكيفَ ساغَ انصرافُ الضميرِ إلى الظَنِّ مع أنّه غيرُ مذكورٍ؟ أجبتُ: ما الدليلُ على أنّه غيرُ مذكورٍ؟ هذا لأنَّ الظنَّ وإن لم يُذكر مُطابقةً فقد ذُكر ضِمنًا، بدليلِ [أنَّ ظنّه، دَالٌّ عليه ضِمنًا] (١) ويشهدُ له (٢): ولا تَنصَحَن إلَّا لمن هو قَابِلُه وتقولُ: ضربتُه عبد اللَّه وتضمر الضرّب، بمعنى ضربتُ الضّربَ، فإن سألتَ: فكيفَ كان معنى هذا الضّمير أظنُّ ظَنّي، ولم يكن أظنُّ ظنًّا؟ أَجَبتُ: لأنَّ هذا الضَّميرَ مَعرِفَةٌ، ومن شَأنهِ أن يفَّسرَ أيضًا بما هو معرفةٌ. قالَ جارُ اللَّهِ: ومما جاءَ في الدّعوةِ المرفوعةِ: "واجعله الوارثَ مِنَّا" يُحتَمَلُ عندي أن يَتَوَجَّهَ على هذا. قالَ المشرّحُ: أول (٣) الدّعوةِ: "اللهم مَتّعنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقُواتِنا، ما أَحيَيتَنَا، واجعله الوارِثَ مِنّا" الضميرُ المنصوبُ (٤) في "اجعله" فيه وَجهان:

стр. 301

أحدُهما: - وهو الذي إليه ذَهَبَ الكلُّ أن يكونَ للتّمتّعِ كما أن الضمير في قوله أظنُّه في قولِك: عبد اللَّه أظنُّه ضميرُ الظَّنِّ، والمعنى وَفّقنا لِحيازَةِ العِلم لا المالِ، حتَّى يكونَ العِلمُ هو الذي يَبقى منا بعدَ الموتِ. الوجهُ الثاني: -وهو الذي إليه ذَهَب الشّيخُ- واجعل الوارثَ من عشيرَتِنا جَعلًا، ومعنى الدّعوة حِينئذٍ مقتبسٌ من قوله (١): "واجعلَ لي مِن لَدُنكَ وليًّا، يَرِثُنِي" فإذا تصوَّرت المعنى فاجعل "الجعل" مكانَ "جعلا" فإن سألتَ: فأيّ فرقٍ بين "جَعلًا" وبين "الجَعلِ" ها هنا؟ أجبتُ: "الجَعلُ" أَبلغُ، اعتبره بقولك: ضربتُه ضَربًا، وضربتُه الضَّربَ.

стр. 302

[بَاب المفعُول بِهِ] قالَ جارُ اللَّهِ: "المفعولُ به هو الذي يَقَعُ عليهِ فِعلُ الفاعِلِ، في مثلِ قولك: ضَرَبَ زيدٌ عَمرًا، وبلغتُ البلدَ، هو الفارقُ بينَ المُتعدّي من الأفعالِ وغيرِ المُتَعَدّي". قالَ المُشَرّحُ: سُمِّيَ المفعولَ به، لأنَّه هو الذي وَقَعَ (١) فِعلُكَ عليه (٢)، وكلُّ فِعلٍ له هذا المَفعُول فهو مُتَعَدٍّ وكل فعل لم يكن له ذلك فهو غير متعدِّ. قالَ جارُ اللَّهِ: "ويكونُ واحدًا فَصاعدًا إلى الثَّلاثةِ على ما سَيأتِيكَ بيانه في موضِعِه إن شاءَ اللَّه تعالى (٣) ". قالَ المشرّحُ: الفِعلُ المُتعدي الغالبُ عليه أن يَتَعدّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وقد يَتَعَدّى إلى مفعُولين، وقد يَتَعدّى إلى ثَلاثةِ مفاعيل. قالَ جارُ اللَّهِ: "ويجيءُ منصوبًا بعاملٍ مضمرٍ مستَعمَلٍ إظهارُه، ولازمٍ إضمارُه". قالَ المشرّحُ: شَأنُ المفعولِ به شبيهٌ بشأنِ المفعولِ المطلقِ، وذلك أنَّ المفعولَ المُطلقَ كما يكونُ عامِلُه مُظهرًا، أو مُضمَرًا، ثمُّ المضمرُ قد

стр. 303

يكونُ مما يُستعملُ إظهارُه، وقد لا يكونُ مما يستعملُ. كذلك المفعولُ به. قالَ جارُ اللَّهِ: "والمنصوبُ بالمستعملِ إظهارُه هو قولُك لمن أخذَ يضربُ القومَ، أو قالَ أضرب شرَّ الناسِ زيدًا، بإضمارِ اضرب، ولمن قَطَعَ حديثَه حديثَكَ، ولمن صَدَرَت عنه أفاعيل البُخلاء أكلَّ هذا بُخلًا، بإضمارِ هاتِ وتَفعَلُ". قالَ المشرّحُ: يريدُ أنَّ حديثَك منصوبٌ بهاتِ، وكلَّ هذا بُخلًا منصوبٌ بإضمارِ تَفعلُ، والمعنى هاتِ حديثَك، وأَتفعَلُ كلَّ (١) هذا بُخلًا. قالَ جارُ اللَّهِ: فصلٌ؛ ومنه قولُك (٢) لمن زَكَّنتَ أنَّه يريدُ مكةَ، مكةَ وربِّ الكعبةِ، ولمن سَدَّدَ سهمًا القرطاسَ واللَّهِ، وللمستهلّين إذا كَبَّروا الهلالَ، وتضمُر: يريدُ، يُصيبُ، وأبعد. قالَ المشرّحُ: المُستَهِلُّ هنا كالمُستَشِير (٣)، فإنه طالبُ المَشُورة، والمُستَفيدُ، فإنه طالبُ الفائدة، والمُستَعيرُ، فإنّه طالبُ العاريّة. قالَ جارُ اللَّه: "ولرائِي الرُّؤيا خيرًا وما سَرَّ (٤)، ومنه (٥) خيرًا لنا وشرًّا لعدوِّنا، أي رأيتَ خيرًا". قالَ المشرّحُ: (ما) (٦) في خيرٍ (٧)، و (ما) في شرٍّ (٨) مصدريَّة (٩).

стр. 304

قالَ جارُ الله: "ولمن ذكرَ رَجُلًا أهلَ ذلك وأهلَه، أي: ذكرت أهلَه". قالَ المشرّح: المعنى تارة يَذكُرُ أهل ذلك، وأُخرى بلفظ أهله. قالَ جارُ الله: "ومنه قوله (١): لَن تراها -ولو تَأَمّلتَ- إلّا … وَلَهَا في مَفَارِقِ الرَّأسِ طيبا أي: وتَرى لها". قال المشرّحُ: يقولُ: لن تَراها إلَّا وتَرَى لها طيبًا مع أنَّ رويَتك مجانِبَةُ اللّفظِ. قالَ جارُ الله: "ومنه قولهم: كاليومِ رَجُلًا، بإضمارِ لم أرَ، قال أوس (٢): حتَّى إذا الكلّابُ قالَ لها … كَاليومِ مَطلوبًا ولا طَلَبَا (٣)

стр. 305

قال المشرّح: معنى قولهم: كاليوم رجلًا لم أرَ كرجلٍ رأيتُه اليومَ. قال ابنُ السّرّاجِ: وفيها تَعَجُّبٌ. الضَّميرُ في لها للكلابِ. الطلبُ: جمعُ طالبٍ، كالخَدَمِ جمعُ خادمٍ. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ قال سيبويه (١): وهذه حججٌ سمعت من العربِ يقولون: اللَّهمَّ ضَبُعًا وذيبًا؛ وإذا سألتَهُم ما يعنون قالوا: اللهمَّ اجمع فيها ضَبُعًا وذِيبًا". قالَ المشرّحُ: أي هذه التي سأذكُرُها حِجَحٌ، معنى هذه الكَلِمة مُختَلَفٌ فيها، فقيلَ: هي دُعاءٌ للغنمِ (٢) لأنَّهما إذا اجتمعتا فيها تَشاغلا بالمهاوشةِ (٣) فيها فسَلِمت الغَنَمُ. وقيل (٤): هو دعاءٌ عليها، لأنَّها متى اجتمعا فيها تعاونا عليها عَيثًا (٥) وأَكلًا، وهو الظّاهرُ.

стр. 306

قالَ جارُ الله: "وسَمِعَ أبو الخطّاب (١) بعضَ العَرَبِ وقيل له: لم أفسدتُم مكانَكُم؟! فقال: الصّبيانَ بأبي، أي لُمِ الصِّبيَان" (٢). قالَ المشرّحُ: المعنى لا تَلمني ولُمِ الصِّبيان، لأنَّهم بالوا فيه وتغوَّطوا، وعلى هذا الأُسلوبِ بيتُ أبي الطّيّبِ (٣): لُمِ اللّيالي الّتي أَخنت على جِدتي … بِرِقَّةِ الحالِ واعذُرني ولا تَلُم قالَ جارُ الله: وقيلَ لبعضِهِم: أما بمكانِ كذا وَجَذٌ؟ فقال: بَلى وِجَاذًا، أي أعرِفُ به وِجَاذًا (٤). قالَ المشرّحُ: الوَجَذُ: بالجيم (٥) والذال المعجمة نُقرةٌ في الجَبلِ يجتمعُ فيها الماءُ، والوجهُ (٦) عندي أن يقالَ: بلى إنَّ بها وجاذًا. ليطابِقُ السُّؤالُ الجوابَ.

стр. 307

[بَابْ النّدَاء] قالَ جارُ الله: "المنصوبُ باللّازم إضمارُه ومنه المنادى لأنَّك إذا قلتَ: يا عبدَ الله، فكأنَّك قلتَ (١): يا أُريدُ أو أَعني (٢) عبدَ الله لكنّه حُذِفَ لكثرةِ الاستعمالِ، وصارَ (يا) بَدَلًا منه". قالَ المُشرّحُ: مذهبُ النحويين أنَّ المنادى منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ، لا بحرفِ النّداء (٣)، وذلك الفعلُ المضمرُ بينَ حرفِ النّداءِ وبين المُنادى، وهذا لأنَّه لما تَلَفَّظ بحرفِ النِّداءِ عُلم أنَّه يريدُ إنسانًا، فقيلَ له: من تريدُ؟ فقالَ: رَجُلًا، أو غلامَ زيدٍ، ولكنَّه حُذِفَ لكثرةِ الاستعمالِ، ولذلك أورَدَ الشّيخُ المنادى في بابِ المنصوبِ باللّازِم إضمارُه، وما أبرَدَ هذا المذهَبَ، بل ما أَبطَلَهُ (٤)؟! وهذا لأنَّه لو كانَ الفعلُ مُضمرًا ها هنا لكانَ كلامًا يَتَطَرّقُ إليه

стр. 308

التَّصديقُ والتَّكذيبُ، وشيءٌ منه ليسَ بكلامٍ فَيَتطَرّقُ إليه (١) التَّصديقُ والتَّكذيبُ. قالَ جارُ الله: "ولا يخلو من أن ينتصبَ لفظًا أو محلًا، فانتصابه لفظًا إذا كان مضافًا، كعبدِ الله، أو مضارعًا له (٢) كقولك: يا خيرًا من زيدٍ، ويا ضاربًا زيدًا، ويا مضروبًا غُلامُه ويا حَسَنًا وجهُ الأخِ، ويا ثلاثَةً وثلاثين. أو نكرةً كقوله (٣): أيا راكبًا إمَّا عَرَضْتَ فبلّغَن" قالَ المُشَرّحُ: منصوبُ اللّفظِ (٤)، ومنصوبُ المحلِّ، والمنصوبُ اللَّفظ على ضربين، مفردٍ، ومركبٍ، والمركبُ على فنين، مُضافٍ، ومُضارعٍ للمضافِ، فكلا الفنَّين منصوبٌ، فالمضافُ كقولك: يا عبدَ الله، والمضارع ما يتعلق بشيءٍ هو من تمامِ معناه نحو: يا خيرًا من زيدٍ، ألا تَرى أنَّ "من زيدٍ" من (٥) تَمَامِ معنى خيرًا، كما كان المضافُ إليه من تمامِ معنى المضافِ، وكذلك "زيدًا" في بابِ ضاربًا زيدًا، و"غلامُه" في بابِ مضروبًا غُلامُه، و"وجهُ الأخِ" في يا حَسَنًا وجهُ الأخِ من تمامِ معنى حَسَنًا ومضروبًا

стр. 309

وضاربًا. فإن سألتَ فما وجهُ المضارعةِ في ثلاثةٍ وثلاثين؟ [وهذا لأنّ ثلاثةَ وثلاثين] (١) لا تخلو من أن تكونَ مفردًا أو مُركبًا، فلئن كان مُفردًا لم يكن الأول اسمًا فَضلًا من أن يكونَ مُعلَّقًا بشيءٍ هو من تمامِ معناه، وإن كانَ مُركّبًا لم يكن الثّاني من تمامِ معنى الأولِ، إذ المَعطوفُ لا يكونُ من تمامِ معنى المعطوفِ عليه، كما لو قلتَ يا رَجُلًا وامرأةً؟ أجبتُ: قوله: لا يخلو من أن يكونَ مفردًا أو مركبًا، قلنا: مُفردًا من حيث المعنى، مُركّبًا من حيث اللَّفظُ (٢) الظّاهرُ، أما كونُه مفردًا من حيث المعنى. فلأنَّه من حيثُ المعنى اسمٌ واحدٌ. أمّا كونُه مركبًا من حيثُ الظّاهرُ، فلأنَّ الأولَ مفردٌ عن الثاني حُكمًا بدليل أنَّه مفردٌ عنه إعرابًا. ومتى كانَ مفردًا من حيثُ المعنى، مركَّبًا من حيثُ الظّاهِرُ، كان الثاني غيرَ مُنفكٍّ عنه من حيثُ المعنى، منفكًّا عَنه من حيثُ الظّاهِرُ، وهذا معنى المُضارعَةِ (٣). وأمَّا النَّكِرَةُ فهيَ على فنٍّ واحدٍ كقول الأَعمى: يا رَجُلًا خُذ بِيَدِي، وقوله (٤):

стр. 310

أَيا راكبًا إمّا عَرَضْتَ فبلّغَن … نَدامايَ من نَجران ألَّا تَلاقِيا ألا تَرى أنَّ الأَعمى لا يُريد رَجُلًا بعينِه، وكذلك مُحَمَّلُ رسالته لا يريدُ رجلًا بعينه (١) إنَّما يَصيحُ بالمارّةِ، فأيُّ رَجُلٍ أَخذَ بِيَدِهِ، وأيُّ راكبٍ تَحَمَّلَ رسالتَه فهو مناداة (٢). عَرَضَ الرَّجلُ (٣): إذا أتى العَرُوض وهي: مكّةُ والمدينةُ وما حولهما. نَجران (٤): أقدمُ بلادِ اليمنِ. ولهذا المِصْراع روايةٌ أُخرى (٥):

стр. 311

أيَا راكِبًا إمَّا عَرَضْتَ فبلّغَنْ … بَني عَمِّنا من عبدِ شمسٍ وهاشمِ أمن عَمَلِ الجَرّافِ أمسِ وظُلمِهِ … وعُدوانِهِ أَعقبتُمونا بِراسِمِ إمَّا عرضَت: يُريدُ إمَّا تعرَّضتَ للقاءِ بني عمِّنا. كانَ الجرّاف ولي صدقاتِ هؤلاء القوم فَظَلمَهم. فشكَوهُ، فعُزِلَ وَوُلِّي راسمٌ مكانَه، فعمل كما عَمِلَ الجرّافُ وأعظمَ فشكوه. وهذا البيت لعبد الرحمن (١) بن جُهيمٍ (٢)، أحدُ بني الحارِثِ بن سَعدٍ من بني أَسَدٍ. قالَ جارُ اللهِ: "وانتصابُه مَحَلًّا إذا كانَ مُفردًا معرفةً كقولك: يا زيدُ (٣) ويا غلامُ ويا أيُّها الرَّجلُ، أو داخلةً عليه لامُ الاستغاثَةِ أو التَّعجُّبِ كقوله (٤):

стр. 312

يَا لَعَطّافِنَا ويا لَلرّياحِ وقولهم: يا لَلماء، ويا لَلدَّواهي، أو مَندوبًا كقولك: يا زَيداه". قالَ المشرّحُ: النوعُ الثاني من المنادى المنصوب المحلِّ، وهو المفردُ المعرفةُ، وقضيّةُ القياسِ أن يكونَ منصوبًا، لأنَّ حرفَ النّداءِ من النّواصِبِ، إلّا أنَّه (١) بُنِيَ لجريِهِ مَجرى المُضمرِ، وهذا لأنَّ الأسماءَ المضمَرةَ مما لا خِطَابَ فيها، إذ هي كلُّها غيبٌ، ولذلك تَقُولُ: رأيتُ رَجُلًا كانَ يُكَلِّمُ أباهَ، فتعامِلُهُ مُعاملة الغَائِب، إلّا أنَّه لما جُرَّ إليها الخِطابُ بواسطةِ حرفِ النّداءِ جَرَت مَجرى المُضمَرَ فبُنِيَت، ولذلك قُلنا: إنَّ لامَ الاستغاثةِ -وإن كانت هي الجارّةُ- تَنفَتِحُ، وهذا لأنَّ اللّامَ الجارةَ متى دَخَلَت على المُضمرِ (٢) انفَتَحت، كما في لَه ولَكَ. واعلم أنه لا يدخُل على هذه اللَّام شَيءٌ من حُروفِ النِّداءِ غيرَ (يا)، لأنَّهم خصّوا بِهَا الاستغاثَةَ مع اللامِ، دِلالَةً عليها، لأنَّ (يا) هي الأَصلُ في البابِ. عطَّافُ: اسمُ رَجُلٍ، وكذلك رِيَاح، بكسرِ الراءِ وبالياءِ المُثَنَّاةِ، والحاء المُهمَلَةِ. اللَّامُ في (يا لَلماءِ) للتَّعَجُّبِ، وهذا دُعاءٌ (٣) للماءِ كأنه قالَ: يا ماء تَعالَ فهذا أوانُك. نَدَب المَيِّتَ: إذا بَكَاهُ، وأصلُ النُّدبَةِ الدُّعاءُ، وهذا لأنَّ الباكي يَدعُو للميّتِ، ومنه المَندوبُ في الشَّرعِ، لأنَّه مَدعوٌ إليه المَندوب، والمَندوبُ مما لا يَظهَرُ فيه الإِعراب لأنَّه لا يخلو من أن تَلحقَ آخرَه الألفُ،

стр. 313

أو لَا تَلحقَ. فلئن لم تَلحق فهو منادى مَضمومٌ وإن لَحِقَ لم يَظْهَرْ فيه الإِعرابُ أيضًا لمكانِ الألفِ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ تَوابعُ المنادى المضموم غيرِ المبهم إذا أُفردت حُمِلت على لفظِه ومحلِّه، كقولك: يا زيدُ الطويلَ والطويلُ، ويا تميمُ أجمعون وأجمعين، ويا غلامُ بشرٌ، وبشرًا، ويا عمرو والحارثُ والحارثَ وقرئ (١): ﴿والطيرُ﴾ رَفعًا ونَصبًا". قالَ المشرّحُ: الطويلُ: صفة لزيدٍ، وأجمعون تأكيدٌ لتميم، وبشرٌ عطف بيانٍ، والحارثُ عطف بالحرفِ على عمروٍ، والرّفعُ فيها على اللَّفظِ، والنصبُ على المحلِّ، لأنَّ (يا) من جملةِ النّواصبِ فإن سألتَ: هذه الأشياءُ تسمى توابعَ المعربِ، فكيفَ صارت ها هنا توابعَ المبنيّ، ولأنَّ التبعيّة إنما تكون إذا اتَّحد الحكمُ في الموضعين، وها هنا لم يتّحدْ؟ أجبتُ (٢) هو -وإن كان مبنيًّا- إلّا أنّ (٣) المتبوعَ ها هنا - وإن كان على شَرَفِ أن يعودَ إلى الإِعرابِ ولذلك يَجُوزُ في ضَرورةِ الشِّعرِ تَنوينُه كما في قَوله (٤):

стр. 314

سَلامُ اللَّهِ يا مَطَرٌ عَلَيها وقوله (١): أَمُحَمَّدٌ ولأنتَ نَجلُ نَجِيبَةٍ فيُعدُّ معربًا، لأنَّ المعنى بتوابِع الإِعرابِ توابعُه في الأعمّ الأغلبِ، قوله: "التَّبعية" إنّما تكونُ إذا اتّحد الحكمُ في الموضعينِ، قُلنا: نعم، وها هنا اتَّحد الحكمُ في الموضعين، وهو صُورةُ الضَّمِ في الموضعين. قالَ جارُ الله: "إلَّا البَدَلَ ونحو زيدٍ وعمروٍ في المَعطُوفاتِ، فإنَّ حكمَهُما حُكم المنادى بِعينِهِ، تقولُ: يا زيدُ زيدُ، ويا زيدُ وعمرُو، ويا زيدُ لا عمرُو، بالضمَّ لا غير". قالَ المشرّحُ: "البَدَلَ" في قوله: إلَّا البَدَلَ مَنصوبٌ على أنه مُستثنىً من كلامٍ موجبٍ، وهو قولُهُ: وإذا أفردتَ حَمَلتَ على لفظِهِ ومَحَلِّه. اعلم أنّ البَدَلَ والمعطوفَ إذا كان عَلمًا عاريًا عن اللّامِ لم يجز فيه من

стр. 315

سائِرِ تَوابعِ المنادى المُفردِ إلَّا الضَّمُّ، لأنَّ حكمَهَا حكمُ المنادى بعينِه، لأنَّهما متهيِئآن لدخولِ حرفِ النداءِ عليهما، بخلافِ يا زيدُ الطّويلُ، فإنَّ اشتمالَ الصّفةِ على اللّامِ مما يدفعُ تهيُّئِهِ لدخولِ حرفِ النّداءِ عليه، وكذلك: يا تميمُ أجمعون، فإنَّ كونَه تأكيدًا مما يدفعُ تهيّئه لدخولِ حرفِ النّداءِ عليه، وكذلك: يا غلامُ بشرٌ، فإنّ كونَه عطفَ بيانٍ يدفعُ (١) تهيّئه. كذلك: يا عمرُو والحارثُ، فإنّ اشتمالَ المعطوفِ على اللّامِ كاشتمالِ الصّفةِ عليها يدفعُ تهيّئَه. فإن سألتَ: ذكروا في بابِ التّوكيدِ أنَّ قوَلَكَ: رأيتَ زَيدًا زيدًا تأكيدٌ، وها هنا قد حكمت بأنَّ قولَكَ: يا زيدُ زيدٌ بدلٌ فما وجهُ الفرقِ بينهما؟. أجبتُ (٢): بأنَّ قولك: رأيتُ زيدًا زيدًا إخبارٌ، والإِخبارُ مما يَجري فيه التَّجوُّزُ والتَّساهلُ فجازَ أن يَجري فيه التّكرارُ، وذلك هو التأكيدُ، إذ التأكيدُ ليس إلا تكرارًا دافعًا لوهم التَّساهُلِ، بخلافِ النّداءِ، فإنه لا يَجرى فيه التّساهلُ لأنّه لا بُدَّ من أن تكونَ المصلحةُ تتعلقُ بعينِ المنادى، وهي تَرجعُ إلى المنادى فلا يَجري فيه التّساهلُ، إذ الإِنسان لا يتساهَلُ في مصلحةِ نفسِه، فهو - وإن كانَ تَكرارًا، إلّا أنّه لا يدفَعُ وهمَ التَّساهُلِ إذ لا تَساهُلَ فيه. قالَ جارُ اللهِ: "وإذا أُضيفَت فالنّصبُ كقولك يا زيدُ ذا الجُمَّةِ، وقوله (٣):

стр. 316

أَزيدُ أخا وَرقاء … ويا خالدُ نفسَه، ويا تميمُ كُلّكُم، أو كُلَّهم، ويا بشرُ صاحبَ عمرٍو، ويا غلامُ أبا عبد اللهِ ويا زيدُ وعبدَ الله". قالَ المشرّحُ: توابعُ (١) المنادى المفردِ المعرفةِ إذا كانت مضافةً فليس فيها إلّا النّصبُ وذلك لأنّها مستهدفةٌ لدخولِ حرفِ النّداء عَليها، بخلافِ يا زيدُ الحسنُ الوجه، حيثُ يجوزُ فيه الأمران، وذلك، لأنّ اشتمالَ الصفة على اللّامِ يمنعُ استهدافَها. "ذا الجُمَّة": صفةٌ مضافةٌ، وكذلك: "أَخا وَرقاء". "نَفسه" تأكيدُ مضافٍ، وكذلك: "كُلَّكم"، و"كُلُّهم"، وإنّما جازَ الخِطَابُ في تميم كلّكم وكلّهم، لأنَّ الأسماءَ المظهرةَ كلّها غيبٌ (٢) فإن سألتَ: كيفَ لم يُبنَ المضافُ لأنّه جَرى مَجرى المُضمر، بدليلِ أنّه قد جُرَّ إليه الخِطابُ؟ أجبتُ: لأنَّ المضافَ إليه بمنزلةِ التَّنوينِ، ومع كونِ الاسمِ مُنونًا يَستَحِيلُ البِناءُ. فإن سألتَ: لم بُنِيَ (٣) على الحركةِ؟ أجبتُ: النِّداءُ مما لا يُقتَصَرُ عليه، إذ النداءُ لا بُدَّ أن يكونَ المصلحةُ تَتبَعُهُ، كما لو قلتَ: يا غلامُ خُذ كَذا، ويا زيدُ اسقني، فالنّداءُ ها هُنا لمصلَحَتي الأمرِ بالأخذِ والسَّقِي، فلو بُنِيَ على السُّكون لأوهَمَ الوَقفُ الإِعراضَ عن النداءِ فإن سألتَ: لم بُنِيَ على (٣) الضَمِّ؟ أجبتُ: لأنَّه لا يُمكن بناؤُه على الفَتحِ، ولا على الكَسرِ، فَتَعَيَّن الضَّمُّ، أما امتناعُ الفتحِ، فلأنَّ المنادى قد كانَ له هذه الحركةُ من قبلِ الإِعرابِ، فلو بَنَيت على الفَتحِ لأوهَمَ الحركةَ الإِعرابيّةُ، وحينئذٍ يَختَلُ الغَرَضُ المطلوبُ بالبناءِ، وأمَّا على الكسرِ فلأنّه لو بُنِيَ عليه لأوهَمَ ذلك بأنَّ الاسمَ مضافٌ إلى ياء المتكلم، وأنَّه قد اجتُزِئ عن الياءِ بالكسرةِ، وإذا

стр. 317

انتَفَى الفتحُ والكسرُ تَعَيّن الضَّمُّ، ونظيرُ هذه المسألةِ في البناءِ الغَاياتُ، لو أُضيفَت الغايات عادَ الإِعرابُ، وكذلك إذا نكّرتَها، والمُنادى المُفردُ بهذه المثابة (١)، والفرقُ بين يا رجلًا ويا رجلُ أنك إذا قلت: يا رجلًا فلست تَقصد رَجُلًا بِعَينِهِ بخلافِ يا رجلُ فإنَّ قصدَك فيه إلى واحدٍ بعينه. الاسمُ إذا دَخَلَه لامُ الاستغاثَةِ والتَّعَجُّبِ فإنه لا يَظهَرُ ما يقتَضيهِ حرفُ النداءِ من الإِعرابِ ضرورةَ أنّه حرفُ جَرٍّ وهو آخرُهُما وجودًا فتكون الغَلَبَةُ له، وهذا ما يؤيّدُ مَذهبَ البصريين في إعمالِ الثّاني من الفِعلين من حيثُ أنّ تميمًا اسم مظهر رُوعي فيه حالُ الغَيبةِ، ومن حيثُ أنه لو تَنَزَّلَ منزلةَ ضَميرِ الخِطابِ رُوعي فيه حالُ الخطابِ، ولعلَّ الخطابَ فيه أَحسنُ الوجهين (٢)، لأنَّ هذا الاسمَ في الأصلِ غائبٌ إلا أنّه وَرَدَ عليه الخِطابُ، وهو آخرهما وُجودًا، فيكونُ الغلبةُ له. صاحبُ عمروٍ: عطفُ بيان، وكذلك أبا عبدِ اللهِ، إلَّا أنَّ المعطوفَ عليه في الأوّل علمٌ وفي الثاني جنسٌ. وقوله: وعبد الله عطفٌ بالحرفِ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ، والوصفُ بابن وابنة كالوصفِ بغيرهما، إذا لَم يقعا بينَ عَلَمَينِ، فإن وَقَعَا أتبعتَ حركة الأوّلِ حركةَ الثاني كما فَعَلُوا في ابنم، وامرئ، وتقولُ: يا زيدَ بنَ أخينا، ويا هندَ ابنةَ عَمّنا، ويا زيدَ بنَ عمرو، ويا هندَ بنتَ عاصمٍ". قالَ المشرّحُ: هذه المسألةُ من أَعجبِ المَسَائل، وذلك (٤) أنَّ الصّفةَ أبدًا (٥) تتبعُ الموصوفَ في إعرابِه، وها هنا تَتبعَ الموصوفَ الصّفةَ، إنما كانَ

стр. 318

ذلك كذلك، لأنَّ الأولَ في الفصلِ الثاني من حيثُ المعنى تبغُ للثّاني، إذ الثاني مشتملٌ على وجودِ الأوّلِ، وهو تولّده عن شخصٍ معينٍ، فيتبعُ اللّفظُ اللَّفظَ تطبيقًا للّفظ بالمعنى، وهذا كما فى بابي الصّفةِ والتأكيدِ، وهذا كما حَرَّكُوا فَعلان في المصادر دلالةً على أنَّ معناه التَّحريك بخلافِ الأولِ في الفصلِ الأوّلِ فإن سألتَ: ما ذكرتَ من الدّليلِ إن دلَّ على تَبَعِيَّة الأوّلِ للثاني في الإِعرإب، فها هنا ما يدلُّ على عَدَمِ (١) تبعيّتِهِ له، لأنَّ الثاني تبعٌ للأولِ بدليلِ أنَّه صفةٌ له، والصفةُ (٢) تتبعُ الموصوفَ، وإذا كان الثاني تَبَعًا للأوّل لم يكن مَتبوعًا له، وإذا لم يكن الثاني متبوعًا للأول لم يكن الأوّلُ تبعًا للثاني ضرورةً؟ أجبتُ: الدليلُ دلَّ على كونِ (٣) الأوّلِ تَبعًا للثاني، وعلى كونِه غيرَ تبعٍ له أيضًا، فَعلمنا بالدليلِ الدَّال على تبعيّةِ الأوّلِ للثّاني بإظهارِ الإِعرابِ المَحكيّ فيه، وعلمنا بالدليلِ الدالِّ على كونه غيرَ تبعٍ للثاني بجعلِه متبوعًا للثاني فيما جَرى على الثاني من الإِعرابِ بالنّصبِ عَمَلًا بالدليلين بقدرِ الممكنِ. حركةُ النّون في ابنمٍ، والراءِ في امرئٍ يتبعان حركةَ الميمِ وحركةَ الهَمزةِ، فإن كانت حركةُ الهمزةِ فتحةً كانت أيضًا (٤) هذه فتحةً، وإن كانت (٥) كسرةً فكسرة، وإن ضمّةً فضمّة وهذا لأنَّ هذه الميم زيدت على اسم كان مفردًا (٦) منها، وكانَ الإِعرابُ يقعُ على آخرِه فلما زِيدت عليها مِيمٌ أَعربت الميمُ إذا كانت طَرَفًا، وأعربتِ الراءُ إذا كانت تَسقط فرجعَ الإِعرابُ إليه في قولك امرؤٌ، وقد تُخَفّفُ الهمزَةُ فنقول أمر فيقعُ الإِعرابُ على الرّاءِ فلذلك تَبِعَتِ الهمزَةُ. قالَ جارُ الله: "وقالوا في غيرِ النداء إذا وصفوا هذا زيدُ بنُ أخينا،

стр. 319

وهندُ ابنةُ عمِّنا، وهذا زيدُ بنُ عمرو، وهندُ ابنةُ (١) عاصمٍ، وكذلك النَّصبُ والجرُّ". قال المشرّحُ: كما تَبِعَ الأوّلُ الثَّاني في الفَصلِ الأوَّلِ بإظهارِ إعرابِ الثاني المَحَلّ في الفصلِ الأوّلِ، كذلِكَ تَبِعَ الأولُ الثاني في هذا الفَصل بإسقاطِ التَّنوين من الأوّلِ سقوطُه من الثّاني. قالَ جارُ اللَّه: "فإذا لم يضيفوا فالتنوين لا غير". قالَ المشرّحُ: مثاله: زيدٌ بنُ عَمروٍ، وعلى المُبتدأ والخَبرِ. في هذا الفصل لم يعتبر تبعيّةُ الأول للثاني، لأنّه لم يعتبر تبعيةُ الثاني للأول، فإذا انتفت التبعيةُ من هذا الطّرفِ انتفت من ذلك الطرف أيضًا، وزان هذه المسألة المؤنثُ من الثُّلاثي الذي لم تَظهر فيه التَّاء، إذا صغَّرته عاد كما جَمعته، والمؤنّث من الرّباعي الذي لم تَظهر فيه التَّاءُ إذا صغَّرته لم تَعد فيه التاءُ كما إذا جَمعتَه، فإن سألتَ: لم سَقَطَ التَّنوين من الأوّلِ في قوله (٢): ﴿وقالتِ اليهودُ عزير بنُ اللهِ﴾ أنّه بمنزلةِ زيدُ بنُ عمروٍ؟ أجبتُ: سُقوطُ التَّنوين فيه لكونِهِ غيرَ منصرفٍ، لا لكونِهِ تبعًا للثاني (٣). قالَ جارُ الله: "وقد جوَّزوا في الوصفَ التنوين في ضرورةِ الشّعرِ كقولهم: جاريةٌ من قيسٍ بنِ ثَعلَبَة قالَ المشرّحُ: قَيس (٤) بن ثعلبة بن عكّابة قبيلةٌ عظيمةٌ. هذا البيت

стр. 320

للأغلبِ (١) العِجليّ وبعدَه (٢): قَبَّاءَ ذاتُ سرّةٍ مُقَعَّبَهْ ممكورَةٌ على رواحِ الحَجَبَهْ كأنَّها حِليَةُ سَيفٍ مُذهَبَهْ قباءَ: أي ضامرةُ البطنِ، المقعَّبةُ: التي دَخَلَت في البطنِ فَعَلا ما حولها فصارَ موضَعُها كأنَّه قَعبٌ. الممكورةُ: المطويَّةُ الخَلقِ. الحَجَبَة: رَأسُ
следующие страницы →