← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قالَ المُشرِّحُ: إنما سَقَطَ نُون العمادِ من الثَّلاثةِ احترازًا من اجتماعِ المُتَجَانِسات مع كثرةِ الاستعمالِ، ومن لَعلّ لأنَّ اللام شبيهةٌ بالنُّون والدَّليلُ عليه قوله (١): أُصيلًا لا أُسائِلُها أما لَيتني فلا يَجوزُ سُقوطُ النُّون منها -اللهم- إلَّا في ضرورةِ الشِّعرِ لأنَّ القياسَ إلحاقُها بأخواتِها. سُقُوطُ النُّون في لَيتني كُسقوطِها في قَدني وليسني، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المَحذوفَ في قوله (٢): تَراة كالثَّغامِ يُعَلُّ مِسكًا … يَسوءُ الغَالِياتِ إذا فَلَينِي المُصاقبة للياءِ، وكذلك (٣) في قوله (٤):

стр. 667

أبالموت (١) الَّذي لا بُدَّ أنّي … مُلاقٍ (٢) لا أَباك تُخَوِّفِيني وفي هذا على الخُصوص شَيءٌ آخرُ وهو: كونُ الأوّلِ فيه عَلامةَ الإِعرابِ ولأنَّ الاستثقالُ إنما يقعُ في التَّكريرِ والتَّكثيرِ (٣)، والتَّكريرُ إنما يقعُ مع الثَّاني دونَ الأوّلِ. وزعمَ بعضُ البَصرِيّين أنَّها لغةٌ لغَطَفَان. زيدُ الخَيل هو الّذي سمّاه الرُّسول صلواتُ [اللهِ] عليه زَيدَ الخَيرِ، قَوله: وأَفقِدَ بَعضَ بالنَّصب كما لو كانَ مكانَ الواو الفاءُ. فإن سألتَ: فما الفرقُ بينَ نوني أنّي وأنّا أجبتُ: بَينهما فَرقٌ أن النُّون في أنّي هي نُونُها والسَّاقِط نُون العِمادِ كما في لَيتي ولَعلّي، وأمَّا في أنا فالأوّل من النُّونين نُونُ إنَّ والثَّانيةُ نونُ الضَّميرِ والسَّاقطُ الوَسَطُ بَدليلِ أنَّهم لم يقُولوا: لَيتَا ولا لَلعَلَّا. فإن سَألتَ: فكيفَ حَذَفُوا من لَعَلّي ولم يَحذِفُوها من لَعَلَّنا أجبتُ: لأنَّ الضَّميرَ في لَعلَّنا هذه الألفُ (٤) والنُّونُ معًا بِخِلافِ لَعلّني فإنّ الضَّميرَ هو الياءُ وحدَها والنُّونُ حَرفٌ مَزيدةٌ لتَكُونَ عِمادًا أو كما لم يَحذفوا الياءَ من لَعَلّي لم يَحذِفوا النُّون من لَعَلَّنا. فإن سَألتَ: أيُّ نوني إنَّ المحذوف: أجبتُ: الثَّانيةُ لأنها طَرفٌ والحَوادِثُ إلى الطَّرفِ أسرعُ منها إلى الوَسَطِ، والدَّليلُ عليه أنَّ إنْ المُخَفَّفةَ من الثَّقيلةِ في قولِك: إنْ زيدًا لمُنطَلِقٌ، ألا تَرى كيفَ بَقِيت النُّونُ السَّاكِنةُ وذَهبت المُتَحَرِّكَةُ.

стр. 668

قالَ جارُ الله: "وقَد فَعَلُوا ذلك في من وعَن ولَدُن وقَط وقَد إبقاءً عَليها من أن يُزيلَ الكَسرةَ سكونُها وأمَّا قولِه (١): قَدني من نَصر الخُبَيبَين قَدِي فقالَ سيبويه (٢): لما اضطرَّ شبَّهَهُ بِحَسْبي، وعن بَعضِ العَرَب مِنِي وعَنِي وهو شاذٌ ولَم يفعلوا في عَلي وإلي ولدي لأمْنِهِمِ الكَسرةَ قَبلَها" (٣). قالَ المُشَرِّحُ: نُونُ العِمادِ تُزاد لِمَعنَيَينِ: أحدُهُما: - وقايةُ آخر الكَلِمةِ عن طُرُوِّ الكَسرِ عليه. والثَّاني: - صِيانةٌ للضَّميرِ المَنصوبِ عن اختِلاطِهِ بالمَجرورِ، ولذلِكَ قالوا في عَليكَ زيدًا عَليكنى، وها هُناَ يُؤتَى به لنَفسِ وقايةِ الآخِرِ عن الكسرِ. فإن سَألتَ. فَفي ذلك اختِلاطُ الضمائِرِ؟ أجبتُ: ما فيه اختلاطٌ وذلك أنَّ حرفَ الجَرِّ يفيدُ أنَّ الضَّميرَ لا مَحالةَ مَجرورٌ وأنشدَ بعضُ النَّحويين (٤): أيُّها السّائَلُ عَنهم وعَنِي … لَستُ من قَيسٍ ولا قَيسٌ مني كذا الروايةُ. الشَّيخ كان يَجوّزُ على القِياس أن يُقالَ: عَلاي وإلَاي

стр. 669

ولداي إلّا أنَّ آخرَها ألفٌ فتُقلبُ مَع ياءِ الإِضافة ياءً وتُدغَمُ فيها فَيَتَأكَّدُ سُكونُها بالإِدغامِ، فلا سَبيلَ إلى زِيادةِ النُّون التي تُزادُ للإِبقاءِ على السُّكون. عبدُ اللهِ بنُ الزُّبير هو الذي ادّعى الخِلافة كُنيتُهُ المَشهورة أبو بكرٍ، وكانوا إذا أرادوا ذَمَّه كنَّوه أبا خبيبٍ فمن ثَنَّى ها هُنا عَنَى عَبد اللهِ ومُصعبًا ابني الزُّبيرِ ومن جَمَعَ فالمرادُ عبدُ الله وجَميعُ قَومِهِ.

стр. 670

[بَاب أسْمَاء الإشَارَة] قالَ جارُ الله: "أسماءُ الإِشارةِ ذا للمُذَكَّرِ، ولمِثنَّاهُ ذانِ في الرَّفع، وذَين في النَّصب والجَرِّ، ويَجيءُ ذانِ فيهما في بعضِ اللُّغات، منه قوله تعالى (١): ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾. قالَ المُشرِّحُ: أبو الحَسَنِ الأخفش: إنَّ قولَهم: ذا من مضاعفِ الياءِ، وذلك أنَّ سيبويه حَكَى فيه الإِمالة، فإذا جَازت فيه حُمِلَ على انقلابِ الألفِ فيه عن الياءِ في الأمرِ الأكثَرِ وإذا ثَبَتَ أنَّ الألفَ ياءٌ لم (٢) يَجُز أن تَكوَنَ اللّامُ واوًا، لأنَّه ليسَ في الكلامِ مثلُ "عَيَّوت" فإذا لم يَجُز أن تكونَ واوًا ثَبَتَ أنَّه ياءٌ، وأنَّه من بابِ حَنَيتُ وعَنَيتُ. قالَ الشيخُ أبو علي الفارِسيُّ: وأمَّا (٣) قولهم: "ذا" فليس من الأصواتِ، ولكنَّه من الأسماءِ المُظهَرَةِ، أَلا (٤) تَرَى أنَّه قَد وُصِفَ (٥) به، وحُقِّرَ في نحوِ مَرَرتُ بذا الرَّجُلِ، وزيدٌ ذا، وذيَّا. ذانِ: ليس بتثنية ذا، وإِنَّما هو اسمٌ موضُوعٌ لمثنّاه كالنساءِ لجمعِ المرأةِ، وذلك أنَّه لو كان تَثنِيَةَ ذا لقيلَ:

стр. 671

ذا أن بقلبِ ألفِ التَّثنِيَةِ همزةً لأنَّ ألفَ (١) ذا لا يَجوزُ إلغاؤُه، ولا يَجوزُ أيضًا إلغاءُ أَلفِ التَّثنيةِ. مَن لَم يسوِّ في تَثْنِيَةِ ذا بينَ النَّصبِ (٢) والجَرِّ فعلى القِياسِ، لأنَّه ساوى التَّثنيةَ صورةً ومعنًى ومن سَوّى فَعَلَى إلحاقِ المُثنى بالواحدِ. تَخميرٌ: اسمُ الإِشارةِ والمَوصولِ يُسمَّى مُبهمًا على مَعنى أنَّه لا يَدُلُّ على جِنسٍ من الأجناسِ المُختَلِفةِ. قالَ جارُ الله: "وتَا، وتِي، وتِهِ، وذِهِ بالوصلِ وبالسكون وذي، للمؤنث ولمثنَّاه تان وتَين ولم يُثنَ من لغاتِه إلا تَا وحدها ولجمعها (٣) جميعًا أولى بالقصرِ والمَدّ مُستَوِيًا في ذلك أولى العقلِ وغيرهم قالَ جريرُ (٤): ذُمَّ المنازلَ بعدَ منزلةِ اللِّوى … والعيشَ بعدَ أولئِك الأيَّامِ" قالَ المُشَرِّحُ: الوَصلُ تِهِي، وذِهِي، والسُّكون تِهْ وذِهْ، والهاءُ في ذِهِ بَدَلٌ من اليَاءِ في ذِي عندَ البصريِّين، لأنَّ الهاءَ أبيَنُ من الياءِ، ويَشهَدُ له أنَّ التاءَ للتأنيثِ في تَقومينَ وتَقعدين، ولَم تُوجَد الهاءُ للتَّأنيثِ في شَيءٍ من كَلامِهم، وأمَّا قائمةٌ وقاعِدةٌ فلأنَّ الأصل فيها التاءَ وإنما يُوقَفُ عليها بالهاءِ للفَرقِ بينَ تأنيثِ الاسمِ وتأنيثِ الفعلِ مع الإِيذانِ بزيادتها ويَشهدُ له أنّ طَيِّئًا تَقِفُ عليها بالتَّاء، وإنَّما جازَ أن تكون تاءً في تأنيثِ ذا لأنَّ ما كانَ غيرَ متمكنٍ في بابه فإنَّه يؤنَّثُ بغيرِ لفظِهِ نحو أحمر وحَمراء وغَضبان وغَضبي مع أنّ التّاءَ من علاماتِ التَّأنيثِ وهي قَريَبةُ المَخرجِ من الذَّالِ، وجَازَ في تأنيثِهِ ذِهِ وذِي

стр. 672

أيضًا لأنَّه لما كان لا يَصلُحُ أن يُصرَفَ منه لَفظُ المُؤَنَّثِ بتائِهِ دَخَلت عليه العَلامةُ لِئَلّا يكونُ قد أخَلَّ به. قوله ولم يُثَنَّ من لُغاتِه إلا تَا وَحدها معناه على ما ذَكره الشّيخُ لم يُوضَعْ في لغاتِه للتثّنية إلَّا "تا" وحدها كثيرًا (١) ما يَجيءُ في الحديثِ "مَن قال هؤلاء الكلمات". قالَ جارُ الله: "فَصلٌ: ويُلحقُ حرفُ الخِطاب بأواخِرها فيُقَالُ: ذاكَ وذانِّك بتخفيفِ النُّون وتَشديدها قال الله تعالى (٢): ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ وذينِك وتاكَ وتَيك وذِيك وَتَانِك وتَينِكَ وأولاكَ وأولئِكَ". قالَ المشرِّحُ: بقاءُ النُّون في ذَينك (٣) من أَقوى الأدلة على أنَّ الكافَ فيه لَيس بضميرٍ إذ لو كانَ ضَميرًا لسَقَطَ كما في غُلاماك. بَعضهم شَدّدَ نونَ الاثنينِ في المُبهَمَاتِ خاصةً توكيدًا للدَّلالةِ على أنَّها عِوَضٌ من الحَرفِ المَحذوفِ وهو لامُ الكلمةِ في (ذا) والياءُ في الذي فإن سألتَ: الحَذفُ في تَثنِيةِ اللَّذان إنّما هو لالتقاءِ السَّاكنين، وما حُذِفَ لالتقاءِ السَّاكِنين فهو في تَقديرِ الثَّبات بَدليلِ قوله (٤): ولا ذاكرَ اللهَ إلَّا قَليلًا بِنَصبِ اللهَ؟ أجبتُ: اللَّامُ في اللّتان والّذان وإن حُذِفت لالتقاءِ السّاكنين فيهَا لكنْ (٥) لما لم تَظهر في التّثنية التي كان يَلزمُ أَنْ يثبت فيها

стр. 673

ويتحرَّك أشبه ما حُذِفَ حَذْفًا لِغيرِ التقاء السَّاكِنين فاقتضى العِوَضُ كما اقتَضى المُبهمةُ نحو هذان، وكذلك (١) اتَّفقت هذه الأسماءُ في التَّعويضِ كما اتَّفقت في التَّحقيرِ تَقولُ الّذيّا كما تَقول ذيّا وتَيّا. فإن سألتَ: فهلَّا وَجَبَ التَّعويضُ (٢) في المَنقوصِ في التّثنية نحو دَمٍ وَيدٍ وغَدٍ أجبتُ: [الحذف لما لم يَلزمْ هذه المُتَمَكِّنَةَ كان] (٣) الحَذفُ كلا حَذفَ ألا تَرى أنَّ منه ما يَتِمُّ في الواحدِ نحو غَدٍ (٤) ومنه (٥) يَتِمُّ في التَّثنِيَةِ نحو يَدَانِ ودَمَيَان، وفي الجَمع نحوَ أيدٍ ودماءٍ، وفي التَّحقيرِ نحو دُمِيٍّ ويديّ بخلافِ المبهمِ، وقد (٦) شُدِّدَت للفَرقِ بينَ المُبهَمِ وغَيرِه، لأنَّ المُبهَمَ [لا يُضافُ إلى شيءٍ أبدًا تَسقُط منه النُّون للإِضافَةِ كما تَسقُطُ من غيرِها] (٧) لها فَصارَ حالُها في المبهمِ أقوَى من حالِها في غيره فَشُدّدَت، وتَشدِيدُها في جَميعِ المُبهَماتِ قِراءةُ عبد الله بن كثيرٍ، ومن خَصَّصَ بالتَّشدِيدِ قوله (٨) ﴿فَذَانِّك﴾ وهي قراءةُ أبي عمرو وأمَّا تَخصيصُ أبي عَمرو التَّعويضَ في المُبهَمَةِ في نَحو: ﴿فَذَانِّك﴾ وتَركُ التَّعويضِ في اللَّذانِ فيُشبِهُ أن يكونَ ذلك لأنَّ الحذفَ في المُبهمةِ ألزُم فَبِحَسَب لُزُوم الحَذفِ إِلزامها العِوَضَ، ولم يُعَوِّضْ في اللَّذانِ ألا تَرَى أنَّ اللَّذَينِ إذا قُلتَ: اللَّذيّا فحقَّرتَ أظهرتَ اللّامَ المحذوفةَ في التَّثنية في التَّحقير، وإذا حَقَّرتَ المُبهَمَ فقُلتَ: هاذَيَّا فالحَذفُ في الاسمِ قائِمٌ على ما يَأتيكَ بيانُهُ في صِنفِ التَّحقيرات إن شاءَ اللهُ تَعالى. قالَ جارُ اللهِ: ويَتَصَرَّفُ مع المخاطبِ في أحوالِه من التَّذكير والتَّأنيثِ

стр. 674

والتَّثنِيَةِ والجَمعِ، قالَ الله تَعالى (١): ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ وقالَ (٢): ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وقالَ (٣): ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ وقالَ (٤): ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾. قالَ المُشَرِّحُ: تَبَرَّكَ الشَّيخُ بِكتابِ الله في جَميعِ هذه الأمثِلَةِ. قالَ جار اللهِ: "وقولُهم: ذلِكَ: هو ذاكَ زِيدت فيه اللَّامُ، وفُرِّقَ بينَ ذا وذاك وذلك، فقيلَ: الأولُ للقَريبِ، والثَّاني للمُتَوَسِّطِ، والثَّالثُ للبَعيدِ. قالَ المُشَرِّحُ: عن عَلِيّ بن عيسى (٥): فوضِعَت ألفاظُها على حَسَبِ معانِيها وكانَ المجرّدُ من الزِّيادةِ للقَريبِ، لأنَّه بِمَنزِلَةِ المعنى المُجَرّدِ من زِيادة، وذاك (٦) للمتوسِّطِ لأنَّه زادَ عن القَريبِ بِمَرتَبَةٍ، فدخَلَتهُ زِيادَةٌ في اللّفظِ واحِدَةٌ، وذلك للأبعدِ فَدَخلَته زِيادَتان، وهذا من باب تَطبِيقِ اللَّفظِ بالمَعنى. وقالَ غيرُهُ: إنّما صارَ ذا بدُخولِ الكافِ عليه للإِشارَةِ إلى البَعيدِ وقد كانَ مَدَّ للحاضرِ القَريبِ لأنَّها لما كانَت للخِطابِ، وكان المُخاطبُ أقربَ من المُشيرِ، صار "ذا" في حكمِ البَعيدِ. ونَظيرُ ذا ذَاك، وذلك هُنا وهُناكَ وهُنالِكَ. قالَ جارُ اللهِ: وعن المُبَرِّدِ أنَّ ذانِّك مُشَدَّدةً تَثْنِيةُ ذلك. قالَ المُشَرِّحُ: ذانِّك مُشَدَّدَةً تَثنيةَ ذلك كان أصلُه ذانلك (٧) فأُدغمت اللَّامُ في النُّون لما بَينَهُما من قُربِ المَخرجِ ويَشهَدُ له قِراءَةُ أبي (٨) عَمروٍ: ﴿وعادَلولّي﴾.

стр. 675

قالَ جارُ الله: ومثلُ ذلِكَ في المُؤنَّثِ تلكَ وتالِكَ (١) وهي قَلِيلَةٌ". قالَ المُشَرِّحُ: تللك من تِلك بمنزلة ذَالِكَ من ذَاكَ وأنشدَني بَعضُ الأُدباءِ البَنَاكِتِيَّة (٢): وحانَ لِتَالِكَ الغَممُ انقشاعُ (٣) قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ؛ وتَدخُلُ ها الّتي للتَّنبيهِ على أوائِلِها تَقولُ: هاذا، وهاذَاكَ، وهاذَانِ، وهاتَانِ، وهاتِي (٤)، وهذِي، وهاتِيكَ، وهؤلاءِ، وهولا. قالَ المُشَرِّحُ: هؤلاءِ الأُولى ممدودةٌ والثَّانيةُ مَقصورةٌ، وكذا الرِّوايَةُ فإن سألتَ: فهل يَجوزُ هاذالِك بكسر اللَّامِ أجبتُ: لا يجوزُ، وإنّما كانَ ذلِك من قِبَلِ أنَّ ها (٥) نائبٌ عن اللَّامِ الّتي هي عَلامةُ البُعدِ فَكرِهوا الجَمعَ بين علامَتين لِمعنًى واحِدٍ. فإن سَألتَ فما بالُهم لَم يَجمَعوا (٦) بينَ تِلكَ في نَحو قولِهِ (٧): يا أَبَتَا عَلَّكَ أو عَسَاكا

стр. 676

ويا أُمَّتا حَيثُ جَمَعُوا بينَ التّاءِ النّائِبَةِ عن ياءِ الإِضافةِ والألفِ النائبةِ عَنها أيضًا؟ أجبتُ: كما أنَّ اللَّامَ عَلامةٌ للبُعدِ فكذلك الكافُ بِمَنزِلَةِ العَلامةِ عَليها أيضًا ومن ثَمَّ كان ذاكَ أبعد من ذا فكانَ اللَّامُ (١) والكافُ وحرفُ التَّثنِيَةِ فيه بِمَنزِلةِ الجَمعِ بينَ العلاماتِ وبِهِ تَبَيَّنَ أنَّ الجَمعَ بينَ البَدَلَينِ غَيرُ مُمتَنِعٍ، ونَحوه (٢) ﴿ألا يا اسجُدُوا﴾ وقَد مَضى (٣). قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ؛ ومن ذلك قَولهم: إذا أشُاروا إلى القَريبِ من الأمكنةِ: هُنا، وإلى البَعيدِ هُنَّا، وقد حَكى فيه الكَسر، وثَمَّ، وتَلحقُ كافُ الخِطابِ وحرفُ التَّثنِيَةِ بهُنا وهُنَّا فيقالُ: هُنالك كما يُقال ذَلِكَ. قالَ المُشَرِّحُ: هُنا الأُولى بِضَمّ الهاءِ وتَخفِيفِ النُّونِ، وَهنَّا الثانية بفتحِ الهاءِ وتَشديدِ النّونِ.

стр. 677

[بَابُ المُوصِلَات] قالَ جارُ الله: المَوصولاتُ الَّذي: للمُذَكّرِ، ومن العَرَبِ من يُشَدِّدُ ياءَهُ، واللَّذانِ لِمُثنَّاه، ومنهم مَن يُشَدِّدُ نُونَه، والّذينَ، وفي بَعضَ اللُّغاتِ الَّذونَ لِجَمعِهِ. قالَ المُشَرِّحُ: زَعَمِ بَعضُهم أنَّ أصله "ذا" واستَدَلَّ بعضُهُم بشيئَين أحَدُهُما: - أنَّك تَقولُ: ماذا رأيتُ بمعنى ما الَّذي رأيتُ. والثَّاني: - أنَّك تقولُ: في تَصغِيره الذَّيَّا بالتَّشديد كما تُصَغِّرُ ذا كذلك. الَّذينَ: مما تَستَوي فيه الأحوالُ، وقد يُقالُ في مقامِ الرَّفعِ الّذون (١) قالَ. نحنُ الَّذون صَبَّحوا الصَّباحَا … يومَ النُّخَيلِ غارةً مِلحاحَا (٢) كأنَّ قائلَه قابَل به الجَمعَ الثَّاني وهو الّذون، فكما أنَّ ذلك يَختَلِفُ بينَ حالةِ الرَّفعِ وحالَتي الجَرِّ والنَّصب كذلِكَ هذا. كما أنَّ مَن خَفّفَ في التَّثنيةِ فقد

стр. 678

قابَلَ به التّخفيفَ في المُفرَدِ، ومن شَدَّدَ فيها (١) فَقَد قابَلَ به (٢) التَّشديدَ فيه فإن سألتَ: فما تصنع بالّذي عندَ التَّشديد فيه أتعربُهُ أم تَبنِيه؟ أجبتُ: نُقِلَ عن الشَّيخ -رَضِي الله (٣) عَنه- أنَّه قالَ وقد يَجري بوجوهِ الإِعرابِ تَقولُ (٤): جاءَني الّذيُّ، ورأيتُ الَّذيَّ ومررتُ بالَّذيِّ، فإن سَألتَ: فكيفَ إعرابُ الاسمِ المَوصولِ مَعَ قيامِ المُوجِبِ للبِنَاءِ فيه؟ أجبتُ: كأنَّ هذه اللُّغةَ ناظِرةٌ في لُغَةِ مَن (٥) يقولُ: في جَمعه اللَّذون، واللَّذين، وذلك أنَّ إعرابَهُ في الجَمعِ أورثَ في قيامِ المُوجِب للبِناءِ في اسمِ المَوصولِ شُبهَه (٦). وقد كَتَبُوا الّذي والَّذين (٧) مُفردًا وجَمعًا بلامٍ واحدةٍ، وإذا صارُوا إلى التّثنيةِ كَتَبوها بلامين، وكذلك إلى التّثليثِ إذا كان مُعربًا. فإن سألتَ: فهل فيه سِرٌّ؟ أجبتُ: نَعم (٨) وأيُّ سرٍّ وذلِك لأنَّ (٩) الّذي مُشَبَّهٌ بالحروفِ (١٠) ونازِلٌ مَنزِلَتها ولامُ التَّعريفِ لا تَدخلُ على الحُروفِ، فإذا تَثنية فقد زَالَ شَبَهُ (١١) الحَرفِ، لأنَّ الحُروفَ لا تُثَنَّى ولا تُجَمعُ ولهذا أُعرِبَ وهو مثَنّىً، والجَمعُ الّذي لَيس على حَدِّ التَّثنيَةِ كالواحِدِ، فلذَلِك جاء بلامٍ واحدةٍ. قالَ جارُ اللهِ: "واللَّاؤونَ في الرَّفعِ واللَّائين في الجَرِّ والنَّصبِ والتي لِمؤَنَّثِهِ واللّتانِ لمثنَّاهُ واللَّاتي واللَّاتِ واللّائِي واللّاءِ واللَّاى واللّواتي لجمعِه".

стр. 679

قال المُشَرِّحُ: قوله واللّاتي واللّاتِ: كلاهما بالتّاء المثنّاة الفَوقانِيّة (١) واللّائِي واللّاءِ كلاهما بالهَمزَةِ، واللّاي وحدها هذه بالياء، واللّواتي بالتَّاءِ ثانيًا (٢) الفَوقَانِيَّة. قالَ جارُ الله: "واللَّامُ بمعنى الَّذي في قولِهِم: الضَّارِبُ أباهُ زَيدٌ، أي الَّذي يَضربُ أباه زَيدٌ" (٣). قالَ المُشَرِّحُ (٤): ها هُنا مَسألةٌ عَجِيبةٌ، قد أشرتُ إليها فيما مَضى إلَّا أني أُعيدُها ها هُنا ليتمكَّن من قلبِك، وليتبيَّنَ لَكَ أنَّ الأمر فيها فيما ذَكرتُه على ما ذكرتُه وذلك (٥) أنَّ اللّامَ ها هُنا بمعنى الّذي، ومحلُّه الرَّفعُ بالابتداء، وضاربٌ صِلةُ هذا الموصولِ، وهو بِمَنزِلَةِ الفِعلِ المُضارعِ، وأباه مَفعولُ هذا (٦) الَّذي هو (٧) بِمَنزِلَة الفِعلِ المُضارعِ وزَيدٌ خبرُ المُبتدأ السَّابقِ، فإن سألتَ: فما هذه الرَّفعةُ في ضاربُ؟ أجبتُ: أنّه بمنزلةِ رَفعَةِ المُضارعِ في قَولِكَ الَّذي يَضربُ أباه زيدٌ (٨) فإنّ سألتَ: فإذا (٩) كان فِعلًا فما هذه اللّامُ المعرفةُ؟ أجبتُ: اللامُ ها هنا كما ذكرتُه بمعنى الذي ولأنَّه اسمٌ من وَجهٍ فِعلٌ من وَجهٍ، فمن حيثُ أنّه فعلٌ فرفعتُه بمنزلةِ رفعَةِ المضارعِ، ومن حيثُ أنه

стр. 680

اسمٌ دَخَلت (١) عليه هذه اللّام عَملًا بالشَّبهين، ونَظيرُ هذه المَسألةِ أقائِمٌ أخواك وقد مَضى (٢). قالَ جارُ الله: "وما (٣) ومَنْ في قولِكَ (٤): عرفتُ ما عرفتُه، ومن عرفتُه، وأيُّهم في قولِكَ: اضرب أَيُّهم في الدَّارِ". قالَ المُشَرِّحُ: معناهُ: اضرِب الّذي في الدّارِ منهُم وفيه نَظَرٌ لأنَّ أيًّا ها هُنا مُعَرَبٌ. والصَّوابُ تَضربُ أيُّهم أفضلُ. فإن سألتَ: فلم بُنِيَ أيُّ ها هُنا ولم بُني على الضَّمِّ؟ أجبتُ: أولًا: أذكُرُ اختلافَ النَّاس في هذه المَسألةِ. ثُمَّ أذكر ثانِيًا ما هو الحَقُّ فأقولُ: قولُهُ تَعالى (٥): ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ في رَفعِ "أيُّهم" ها هُنا أربعةُ أقوالٍ (٦):

стр. 681

الأولُ (١): قولُ سيبويهِ: - وهو أنَّها مَبنِيَّةٌ على الضَّمِّ وهو في مَوضعِ نَصبٍ وإنَّما بُنِيَت لأنَّه اطَّردَ فيها حَذفُ المُبتدأ كقولِكَ: اضرب أيّهم أفضلُ، وأصلُه اضرب أيُّهم هو أفضلُ فَصارت بِذَلِكَ بِمنزلَة من قَبلُ ومِن بَعدُ، وهذا مَحصولُ كَلامِهِ. الثَّاني: قولُ الخَليلِ (٢) وهو: أنّه رَفعٌ بالابتداء على أنّه حِكايةٌ بعدَ قَولٍ (٣) مُضمَرٍ، المعنى لنَنزِعَنَّ من كلِّ فِرقَةٍ (٤) الَّذي إذا قِيلَ أيُّهم أشَدُّ على الرَّحمنِ عِتِيًّا قيلَ هو "وأيُّهُم" في قَولِهِ استفهامٌ، وحَمْلُهُ على الحِكايَةِ أقوى من حَملِهِ على البِناءِ لِكثرةِ إضمارِ القَولِ في القُرآن كَقولِهِ (٥): ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾. [أي يقُولُونَ سَلامٌ عَليكُم] (٦). الثَّالث: قولُ يُونس (٢) وهو: أيُّهم رَفعٌ بالابتِداء والفِعلُ فيها (٧) مُعَلَّقٌ كتَعليقِهِ في قولِكَ: أيُّهم في الدَّارِ، ومَعنى تَعليقِهِ أنَّه يَبطُلُ عَمَلُهُ عمَّا بَعده، ويكونُ أيُّهم في هذا استِفهامًا أيضًا، وتقديرُهُ (٨) ثم لَنَنزِعَنَّ من كلِّ قَومٍ

стр. 682

تَشايَعوا ليَنظُرُوا أيُّهم أشدُّ على الرَّحمنِ عِتِيًّا. الرّابعُ: قولُ الفّراء والكِسائي (١): وهو أنَّ "أيُّهم" رَفعٌ بالابتداءِ "وأشدُّ" خَبرُه، ويَكونُ قَولُه لَنَنزِعَنَّ بما ذُكر مَعه مكتَفِيًا عَن المفعولِ به بمنزلةِ قولِكَ: قد أكلتُ من طعامٍ، إذا عَرفتَ هذا الاختلافَ قُلنا: أيُّ غَيرُ مبنيٍّ ها هُنا، إنّما هو مُرتَفِعٌ بالابتِداء، وفي الدّارِ خَبرُ مبتدأ محذوفٍ وهو بمنزلةِ الشَّرطِ والجَزاءِ مقَدَّمٌ تقديُره أيُّهم هو في الدَّار فاضربْهُ، وأيُّهم هو أفضلُ فاضرِبْهُ، وأيُّهم أشَدُّ على الرَّحمن عِتِيًّا فلننزِعَنَّه ثم إنَّ الدّليلَ على أنّ "أيُّهم" ها هُنا معربٌ (٢) أنَّ أيًّا في حالِ الإِعرابِ مُفردُ فلو بُنِيَ في حالِ الإِضافةِ لَلَزِمَ من ذلك عَكسُ الحَقِيقَةِ، وهذا لأنَّ المبنيَّ إذا أُضيفَ أُعرِبَ، فإذا (٣) أُفرِدَ عن الإِضافةِ بُنِيَ (٤)، وإن شِئتَ فاعتَبِر المَسألةَ بالغاياتِ (٥). قالَ جارُ الله: "وذو الطَّائِيَّةُ الكائِنةُ بمعنى الَّذي في نحوِ قَولِ عارقٍ (٦): لأَنْتَحِيَن للعَظْمِ ذُو أنا عَارِقُهْ" قالَ المُشَرِّحُ: "ذو" في لُغةِ طَيّء تكونُ بمعنى الّذي: معناه للعَظمِ الَّذي (٧) أنا عارقُه. وهذا الشَّاعرُ لُقِّبَ بآخِر هذا البَيتِ "عارِقًا" وأوَّلُ البيت: لأن لَم تُغَيِّر بعضَ ما قد صَنَعتُمُ … لأَنَتحِين لِلعَظمِ (٨) ..........

стр. 683

قالَ جارُ اللهِ: ""وذا" في قولك ماذا صَنعتَ؟ بمعنى أيُّ شَيءٍ الّذي صَنعتَهُ". قالَ المُشَرِّحُ: ماذا (١) صَنَعت في مَحَلِّ الرَّفعِ في بابِهِ مُبتَدأُ "وما" خَبَرُهُ ومعناه الّذي صَنَعَت مَسؤُولٌ عَنه، والرّاجعُ إلى المَوصولِ مَحذوفٌ. قالَ جارُ اللهِ: فَصلٌ؛ "والمَوصولُ ما لا بُدَّ له في تمامِه اسمًا من جُملَةٍ تَردِفُه من الجُمَلِ التي تَقَعُ صفاتٍ ومن ضَميرِ فيها يَرجعُ إليه وتُسمى الجُملةُ صِلةً وَيسميها سيبويه الحَشوَ، وذلك في (٢) قولِكَ: الّذي أبُوه مُنطَلِقٌ زَيدٌ، وجاءَني مَن عِندَه عَمرٌو". قالَ المُشَرِّحُ: المعنى من الجُملِ التي تَقَعُ صِفاتٍ أي من الجُملِ الّتي (٣) يَتَطَرَّقُ إليها التَّصديقُ والتَّكذِيبُ، فإن سَألتَ فإذا كانَ المَوصولُ لا بُدَّ له في تَمامهِ اسمًا من جُملةٍ تَردِفُه حُذفت في نحو قوله (٤): فإن أدع اللّواتي من أناسٍ … أَضاعوهُنَّ لا أَدَعُ الَّذيِنا أجبتُ: الحَذفُ على وَجهين: أحَدُهُما: - أن لا يكونَ الحَذفُ كلا حَذفٍ، كما لو قُلتَ: الّذي سأزورُهُ ويكونُ المَعنى الّذي أكرَمني سأزوره، فهذا الحَذفُ لا يَجوز، لأنَّه لَيس بمنزلةِ المَذكورِ. والثَّاني: - أن يكون حَذفًا كلا حَذفٍ، وذلك إذا كانَ المَحذوفُ ظاهِرًا بمنزلةِ المَذكورِ كقولِكَ: غَدًا أدخلُ في الجَنّةَ، وأنت أيضًا تَدخُل فَحَذفُ

стр. 684

الصِّلةِ في البَيتِ من قبيلِ هذا الحَذفِ. قالَ جارُ اللَّه: "واسمُ الفاعلِ في الضَّارب في معنى الفِعلِ، وهو مَعَ المرفوعِ بِهِ جُملةٌ واقعةٌ صلةَ اللَّامِ، ويَرجعُ الذّكُر منها إليه كما يَرجعُ إلى الّذي". قالَ المُشَرِّحُ: هذه المَسألةُ قد ذَكرتُها آنفاً فلا أُعيدُها. قالَ جارُ اللَّه: "وقد يُحذفُ الرَّاجِعُ كما ذَكرنا وسَمِعَ الخَليلُ أعرابيًّا يَقولُ: ما أنا بالذي قائلٌ لك شيئًا. وقُرئ (١): ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ بحذفِ شَطرِ الجُملةِ". قالَ المُشَرِّحُ: معناه "ما أنا بالّذي هو قائلٌ لكَ شَيئاً"، وكذلِكَ: "تمامًا على الّذي هو أحسنُ" وهي قراءةُ يَحيى بن يَعْمُر (٢) ونظيرُهُ (٣): مررتُ (٤) بمَن صالحٌ، أي: بَمن هو صالحٌ فإن سَألتَ: أين ذَكَرَ الشَّيخُ حَذفَ الرّاجعِ إلى المَوصولِ؟ أجبتُ (٥): في قولِهِ "ماذا صَنَعتَ". قالَ جارُ اللَّه: "وقد جاءَت الّتي في قولِهِم: بعدَ اللُّتيّا والّتي مَحذوفَةَ الصِّلةِ بأسرِها، والمعنى بعدَ الخُطَّةِ التي من فَظاعَةِ شَأنِها كَيتَ وكَيتَ، وإنّما حَذَفُوا ليُوهِموا أنَّها بَلَغَتْ من الشَّدّةِ مَبلَغًا تقاصَرت العِبارةُ عن كُنهِهِ". قالَ المُشَرِّحُ: مِثلُ هذا الحَذفِ حَذفُ صِفَةِ النَّكرةِ في نَحوِ: لو

стр. 685

أبصرتَ فُلانًا لأبصرتَ رَجُلًا، أي رَجُلًا (١) كامِلًا في الرُّجولِيّةِ، بِحيثُ لا يَفي الوَصفُ بتَقديرِ (٢) وَصفه. قالَ جارُ اللَّه: "فصلٌ؛ والّذي وُضِعَ وَصلةً إلى وَصفِ المَعارف بالجُملِ ومِن حَقّ الجُملِ الّتي يُوصفُ بها أن تَكونَ مَعلومةً للخاطبِ كقولِكَ: "هذا الّذي قَدِمَ أبوه (٣) من الحَضرةِ"، لمَن بَلَغَه ذلِكَ. قالَ المُشرِّحُ: نظير هذه المَسألةِ "ذو" فإنّه وُضِعَ إلى الوَصفِ بالأجناسِ. تَخميرٌ: - ثم إنّه إذا كان "الّذي" مُحدَّثًا عند كانت الصّلةُ معلومةً للمخاطبِ عَينَ (٤) من هي لَه، كقولِكَ: جاءَ الّذي كانَ مَعَنا أمسِ، وكذلك الأمرُ إذاَ كانَ "الّذي" مَفعولًا كقولِكَ: رَأيتُ (٥) الّذي كانَ مَعَنا أمسِ، فإن كانَ "الّذي" خبرَ مُبتدإِ كان المَعنى على أنّك عَرَفتَ قِصّةً تَعَلمُ أنَّه لا بُدَّ من أن يكونَ لَها صاحِبٌ مُتَعَيَّنٌ إلا أنَّك لا تَعرِفُ عَينَ ذلِك الصّاحبِ، مثل أن يبلُغَك أنّ رَسولًا قَدِمَ من جِهةِ السُّلطان في أمرٍ خَاصٍّ ولا تَعرِفُ عَينَ ذلك الرّسولِ فإذا أريدَ أن تعرِفَ عَينَه قيلَ لك: هذا الّذي وَرَدَ من جِهةِ السُّلطان، فيكونُ فائِدَةُ "الّذي" هي تَعيِينُ صاحبِ قِصّةٍ قد عَرَفتَها. قالَ جارُ اللَّه: "ولاستطالَتِهِم إيّاهُ بِصِلَتِهِ مع كَثَرةِ الاستعمالِ خَفَّفُوُه من غَيرِ وَجهٍ فَقالوا: (الَّذِ) بِحَذفِ اليّاءِ ثُمَّ (الَّذْ) بِحَذفِ الحَرَكَةِ، ثم حَذَفوه رأسًا، واجتَزؤُا عنه بالحَرفِ المُلتَبِسِ وهو لامُ التَّعريفِ، وقَد فَعَلوا مثلَ ذلِكَ بمؤنَّثِهِ فقالوا: (أَلَّتِ) و (أَلَّتْ) والضَّاربتُه هندٌ بمعنى الّذي ضَرَبَتْهُ هِندٌ، وقد

стр. 686

حَذَفُوا النُّون من مُثنَّاهُ ومَجموعِهِ قالَ: الأخطلُ (١): أبنِي كُلَيبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللّذا … قَتَلا المُلوكَ وفكَّكَا الأغلالا (٢) وقالَ: إنَّ الَّذي حانَت بِفَلجٍ دِماؤُهُم وقالَ اللَّه (٣) تَعالى (٤): ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ " قالَ المُشَرِّحُ: في الّذي أربعُ لُغاتٍ الَّذي والَّذِ -بكسرِ الذال- والَّذْ بإسكانِها، والّذيّ بتَشدِيد الياءِ، وفي تَثنِيَتِهِ ثَلاثُ لُغاتٍ، اللَّذانِ واللَّذا بحذفِ النُّون واللَّذانّ بِتَشديدِ النُّون، وفي جَمعها لُغَتَانِ الّذينَ في الأحوالِ، والَّذي بحذفِ النُّون، وأمَّا قولُه تَعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ فهو للإِفرادِ. لأنَّ المستَوقِدَ في الأغلبِ مُفردٌ، وأمَّا الجَمعُ فلأنَّ أصحابَ النّورِ كَثيِرةٌ فإن سَألتَ: ما المرادُ من قَوَله خَفَّفوه من غَيرِ وَجهٍ؟ أجبتُ: المُرادُ به خَفَّفوهُ لا من وَجهٍ واحدٍ بل من وُجُوهٍ. ألا تَرى أنَّه حَذَفَ الياءَ منه ثم كَسَرَ الذَّالَ، ثمّ الذّالَ نَفسَهَا، فإن سألتَ: هل يَجوزُ (٥) أن يكونَ المرادُ به تَخفيفَه من غيرِ عِلّةٍ. أجبتُ لا يَجوزُ لأنَّ قولَهم ولاستِطالَتِهِم إيّاه يَدفَعُ إلى ذلِكَ بِدَليلِ أنَّك لَو قُلتَ للسَّرقةِ قُطِعت يَدُ فُلانٍ من غَيرِ عِلّةٍ كانت بِمَحَلٍ من التَّناقُضِ كَذا هو في حاشِيَةِ نُسخَتِي

стр. 687

من (المُفَصَّلِ). يَعني بعَمَّيهِ: ابنَ هُبَيرةَ التَّغلبي والهُذَيلَ بنَ عُمرانَ الأصغَر. فإن سألت فكيف يكونان عَمَّيه، وأحَدُهما ابنُ عُمران، والآخرُ ابنُ هُبَيرَة؟ أجَبتُ: - يُحتَمَلُ أن يكونَ أحَدُهُما عَمَّه والآخر عَمَّ أبِيه أو جَدَّه، وكلاهُما يُسمَّى عَمًّا. تَمامُ البَيتِ الثَّاني (١): هُمُ القَومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالِدِ قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ ومَجالُ "الَّذي" في بابِ الإِخبارِ أوسَعُ من مَجالِ "اللَّام" الّتي بِمعناهُ حَيثُ دَخَلَ في الجُملَتين الاسميَّةِ والفِعلِيَّة جَميعًا، ولَم تَكن اللَّامُ تَدخُل إلّا في الفِعلِيَّةِ وذلِكَ قَولُكَ: إذا أخبرتَ عن زيدٍ في قامَ زَيدٌ، وزيدٌ مُنطَلِقٌ، الّذي قامَ زَيدٌ، والّذي هو مُنطلقٌ زَيدٌ، والقائِمُ زَيدٌ، ولا تَقولُ: الهوَ مُنطَلِقٌ زَيدٌ". قالَ المُشَرِّحُ: المَعنِيّ بالأخبار أن تَرفِعَ بخبرِ مبتدإ مَوصولٍ جَهالةَ شَيءٍ في الصّلَةِ مَجهولٌ، ألا تَرى أنَّك إذا قُلتَ: [الَّذي قامَ زَيدٌ، فَفي قامَ ضَميرٌ راجِعٌ إلى الّذي، وهو شيءٌ مَجهولٌ] (٢)، لأنَّه لا يُدرى مَن هو، أهو زَيدٌ أم

стр. 688

عمروٌ، فإذا قُلتَ: زَيدٌ فَقد رَفَعَت جَهالَته، بِخَبَرِ مُبتَدأٍ مَوصولٍ، وكذلك إذا قُلتَ: الَّذي هو مُنطَلِقٌ زَيدٌ فهو شَيءٌ في الصِّلَةِ مَجهولٌ إذ لا يُدرى أهو هذا أم ذاك فإذا قُلتَ: زَيدٌ فَقد رَفَعتَ الجَهالةَ بخبرِ مُبتَدَإِ مَوصول، فإن سَألتَ: فما بالُ النَّحويينَ جَعلوا الخَبَرَ مُخبَرًا عَنه، ألا تَرى أنَّهم إذا قيلَ لَهم أخبروا عن زَيدٍ في "زَيدٌ مُنطلقٌ" قالوا: "الَّذي هو مُنطلِقٌ زَيدٌ"؟ أجبتُ: لأنَّ الخَبَر ها هُنا في المَعنى مُحَدَّثٌ عنه وكل خَبرٍ لا يكون من قَبِيلِ ما يُحَدَّثٌ عَنه بدليلِ أنَّه إذا كان فعلًا أو حَرفًا لم يَجر الحَدِيثُ عنه، ولذلكَ لا يَجوزُ أن يُخبَر عن (عِندَ) لو قَلتَ: الموضعُ الَّذي فيه زَيدٌ عِندَك، لم يَجز لأنَّ "عندَك" لا يُرفَعُ، ولو قُلتَ: الموضعُ الذي قُمتَ فيه خَلفَك، جَازَ لأنَّ خَلفَك" قد يَرتَفِعُ. قالَ جارُ اللَّه: "والإِخبارُ عن كلِّ اسمٍ في جُملةٍ شائِعٌ إلّا إذا مَنَعَ مانعٌ، وطَريقَةُ الإِخبارِ أن تُصَدّرَ الجُملةَ بالموصولِ وتُزَحْلِقَ الاسمَ إلى عَجزِها، واضعًا مكانَه ضَميرًا عائِدًا إلى المَوصولِ، بيانُهُ أنَّك تَقولُ في الإِخبارِ عن زَيدٍ في زَيدٌ مُنطلقٌ، الّذي هو مُنطلقٌ زَيدٌ. وعن مُنطَلِقٍ، الّذي هو زَيدٌ مُنطلقٌ، وعَن خالدٍ في قامَ غُلامُ خالِدٍ، الّذي قامَ غُلامُهُ خالِدٌ أو القائِمُ غُلامُهُ خالِدٌ". قالَ المُشَرِّحُ: الزَّحلقَةُ: كالدَّفعِ والدَّحرَجَةِ يقالُ: زَحلَقتُهُ فَتَزَحلَق ابنُ الأعرابِيّ: الزُحلُوقَةُ مكانٌ مُنحَدِرٌ يُمَلَّسُ لأنّه يَتَزَحلَقون فيهِ. قالَ جارُ اللَّهِ: وعن اسمك في ضَربتُ زيدًا، الذي ضَرَبَ زَيدًا أنا، أو الضّارِبُ زَيدًا أنا. قالَ المُشَرِّحُ: في ضَرَبَ ضَميرٌ راجعٌ إلى الّذي ذلك الضَّميرُ هو الّذي يُرفَعُ جَهالَتُه بِخَبَرِ مبتدإِ مَوصولٍ وهو أنا، وكذلك في الضَّاربِ. قالَ جارُ اللَّه: "وعن الذُّبابِ في يَطِيرُ الذُّبابُ فيغضَبُ زَيدٌ، الذي يَطيرُ

стр. 689

فيَغضبُ زَيدٌ الذّبابُ أو الطائرُ فيغضبُ زَيدٌ الذُّبابُ، وعن زَيدٍ الذي يطيرُ الذُّبابُ فيغضبُ زَيدٌ أو الطائرُ الذُّباب فيغضَبُ زَيدٌ. قالَ المُشَرِّحُ: المَجهولُ الَّذي يُرفَعُ بخبر المبتدأ جهالتُه ها هُنا الضَّميرُ المُستَكِنُّ في يَطيرُ، وكذلك المُستَكِنُّ في الطَّائرِ، وفي المسألةِ الثَّانِيةِ هو الضَّمير المستَكِنُّ في "فيَغضَبُ". قال (١) جار الله: "ومما امتَنَعَ فيه الإِخبارُ ضَميرُ الشَّأنِ لاستحقاقِهِ أوّلَ الكلامِ، والضَّميرُ في مُنطَلِقٍ في: زَيدٌ مُنطلقٌ، والهاءُ في زَيدًا ضَربتُه". قالَ المُشَرِّحُ: إذا قُلتَ: هو الله أحدٌ فهو (٢) ها هُنا ضَميرُ الشَّأنِ والقِصَّةِ، معناه الشَّأنُ والقِصَّةُ هذه هي: إنَّ الله أحدٌ، ولو زَحلَقتَ هذا الضَّميرَ فقلتَ: هو اللهُ أحدٌ هو لم يَجُز، لأنَّ هو الواقعَ في عَجِزِ هذا الكَلام هو الَّذي بِمَعنى الشَّأنِ والقِصَّةِ، وضَميرُ الشّأنِ والقِصَّةِ لا يكونُ إِلَّا في أولِ الكَلَامِ، وكذلِكَ الضَّميرُ في مُنطَلِقٍ في زَيدٌ مُنطلقٌ، لأنَّك إذا قُلتَ: الَّذي زَيدٌ مُنطَلقٌ هُو هُو، فَهو الأوَّلُ إِذا عاد إِلى المَوصولِ بَقِيَ الخبرُ بلا عائدٍ إلى المُبتَدأ، وإن عاد إلى المُبتَدَأ بقِيتِ الصِّلَةُ بلا عائدٍ إلى المَوصولِ. فإن سَألتَ: الضَّميرُ الأوّلُ يَنصَرِفُ إلى المُبتَدأ، والثّاني يَنصرِفُ إِلى المَوصولِ أجبتُ: عَودُ الضَّميرِ إلى المَوصولِ إنَّما يُغنِي إذا عادَ إليه من حَيِّزِ صِلَتِهِ، فَبعدَ (٣) ذلِكَ الضَّميرِ الثَّاني لا يخلُو من أن يكونَ في حَيِّزِ الصِّلةِ؛ أو في حَيِّزِ الخَبَرِ، فَلئِن كانَ في حَيِّزِ الصِّلةِ فأينَ الخَبَرُ؟ وإن كان في حَيِّزِ الخَبَرِ فأينَ العائدُ؟ فإن سَألتَ: إذا (٤) زِدتَ فيه ضَميرًا ثالثًا فهل تَصِحُّ المَسألةُ؟ أجبتُ: نَعَمَ لكنْ لَا تكون هذه المَسألةَ، بل مَسألةً أُخرى.

стр. 690

قالَ جارُ اللَّهِ: "ومنه السَّمنُ منوانِ منه بدِرهَمٍ، لأنَّها إذا عادت إلى المَوصولِ بَقِيَ المُبتدأُ بلا عائِدٍ". قالَ المُشَرِّحُ: اعلم أنَّك إذا التَمَستَ الإِخبارَ عن الهاءِ في مِنه في (١) قولِكَ: السَّمنُ منوان منه بِدرهَمِ وَجَبَ أن تَجعلَ في موضِعِهِ ضَميرًا للمَوصولِ فَتَقولُ: الّذي (٢) السَّمنُ منوانِ (٣) منه بدرهمٍ هو، وإذا أعدتَ الضَّميرَ في مِنه إلى الّذي لم يَعُد إلى السَّمنِ (٤) شَيءٌ فيبقى الخبرُ بلا عائدٍ إلى المُبتدأ، ولو أعدتَ إلى السَّمنِ بَقِي الصّلةُ بلا عائدٍ إلى المَوصولِ فلا يَجوزُ. هذه ألفاظُ الإِمام عبد القاهرِ الجُرجاني. قالَ جارُ اللَّه: "والمَصدرُ والحالُ بمنزِلَتِهِما (٥) في نحو ضَربي زَيدًا قائِمًا، لأنَّك لو قلتَ: الّذي هو زَيدًا قائِمًا ضَربي أعملتَ الضَّميرَ، ولو قُلتَ: الّذي ضَربي زَيدًا إياه قائِمٌ أضمرتَ الحالَ والإِضمارُ إنّما يَسوغُ فيما يَسوغُ تَعريفُه". قالَ المُشَرِحُ: الإِخبارُ عن المَصدرِ في نحو: ضَربي زَيدًا قائِمًا لا يَجوزُ لأنَّك لو قلتَ: الذي هو زيدٌ قائمًا أعملتَ الضميرَ في زيدًا وقائمًا، وإعمالُ الضَّمير البتَّةَ لا يَجوزُ فإن سَألتَ: فما تَقولُ فيما إذا رَفعتَ المَنصوبَين؟ أجبتُ: تلكَ مَسألةٌ أخرى، لأنَّ المَسألةَ فيما إذا زَحلَقتَ الاسمَ الذي تُريدُ عنه الإِخبارُ إلى عَجزِ الجُملةِ فَوَضعنَا (٦) مكانَه ضَميرًا، مع بَقاءِ ما كانَ على ما كانَ من أجزاءِ الجُملةِ وها هُنا لم يَبقَ فَلَم (٧) يَجُزْ، وكذلك الإِخبارُ عن

стр. 691

الحالِ ها هُنا لا يَجوزُ لأنَّك لو قُلتَ: الَّذي ضَربي زَيدًا إياهُ قائمٌ أضمرتَ الحَالَ، والحَالُ نَكِرَةٌ، والضَّميرُ مَعرِفةٌ فلا يَجوزُ إضمَارُها (١). قالَ جارُ الله: "فَصلٌ؛ ومَا إذا كانت اسمًا على أربعةِ أوجهٍ، مَوصولةٍ كما ذُكر، ومَوصوفَةٍ كقولِ الشَّاعرِ: رُبَّما تَكرَهُ النُّفوسُ مِن الأمرِ … له (٢) فُرجَةٌ كَحلِّ العِقَالِ ونَكرةٍ في معنى شيءٍ من غيرِ صِفَةٍ ولا صِلةٍ كقوله تعالى (٣): ﴿فَنِعمَّا هِيَ﴾ وقولِه: ولا سِيَّما يومٌ [بدَارةَ جُلجُل] (٤) وقولِهم في التَّعجُّبِ: ما أحسنَ زَيدًا، أو مُضَمَّنَةٍ مَعنى حَرفِ الاستفهامِ والجَزاء كقولِهِ تَعالى (٥): ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ (٦) وقوله (٧): ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾. قالَ المشرّحُ: رُبُّما تكرهُ النُّفوسُ من الأمرِ

стр. 692

"ما" فِيه نكرةٌ مَوصوفَةٌ بقولِه: تَكَرَهُ النُّفوسُ، فإن سَألتَ: لِمَ لا يَجوزُ أن تَكونَ "ما" ها هُنا الكافَّةُ كما في قولِهِ (١): ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أجبتُ: لأنَّها لَو كانَت الكافَّةَ لمّا كانَ لِمن التَّنبيهيَّةُ بعدَها، مَعنًى [كحلِّ العِقَالِ] أي: كما يُحَلُّ العقالُ من ركبتَي البعيرِ. البيت لأميّة (٢) وقبله: ولإِبراهيمَ الموفّى بالنُّذ … رِ احتِسابًا وحامل الأجذَالِ أَبُنَيَّ إِنِّي نَذَرتُكَ للهِ شَحِيْطًا … فآصبِر فدًا لَكَ خَالِي فأجابَ الغُلامُ أن قالَ فيهِ … كلَّ شَيءٍ لِلَّهِ غيرَ انتِحَالِ جَعَلَ اللهُ جيدُه من نُحاسٍ … إذ رَآه زَولًا مِنَ الأزوالِ بَينما يَخلَعُ السَّرابِيلَ عَنه .. فَكَّهُ رَبُّهُ إلهُ الجَلَالِ [قالَ: خُذه] (٢) وارسلِ ابنكَ عنه … إنَّما (٣) قد فَعَلتُه غيرَ قَالِ لا تَضِيقَنَّ بالأمورِ فَقَد تُفـ … ـرجُ غَمَّاؤهُا بِغَيرِ انتِحالِ (رُبَّما. . . . . . . . . . . … . . . . . . . . . . . البيت (٤)

стр. 693

عَنى بالأجدَالِ ها هُنا الأجمَالَ شَحِيطًا: أي ذَبِيحًا، "أنْ قالَ فيه": أي بَأنْ قالَ (١) في ذلك الأمر وتلكَ الواقِعَةِ (٢)، الزَّولُ هو الظَّريفُ قَالِ: من قَلاهُ إذا أبغضَهُ، يُريدُ ما فَعلتُهُ غيرُ مَقلُوٍّ إلي (٣)، وهذا على مَعنى النَّسبِ. أبو عُبَيدَةَ: عن أبيِ عمرو بن العَلاء (٤): أخافَنا الحَجَّاجُ فَهَرَب أبيَ نحوَ اليَمن فَهربتُ مَعَهُ، فبينَا نَسيرُ وقد دَخلتُ إلى أرضِ اليَمَن لحِقنا أعرابيٌّ على بَعيرٍ له يُنشِدُ: لا تَضِيقَنَّ بالأمورِ ..... البيتين. فقالَ أبو عَمروٍ: ما الخَبَرُ؟! فقالَ: ماتَ الحَجّاجُ. قالَ أبو عمروٍ: وكُنتُ بقوله: (فَرجة) بفتح الفَاءِ أشَدَّ منّي فَرَحًا بقولِهِ: ماتَ الحَجَّاجُ، والفُرجَةُ بالضَّمِّ في الحائِطِ. ﴿فَنعِمَّا هِيَ﴾ أي فَنِعمَ شَيئًا الصَّدقة، وهي المَخصُوصَةُ بالمَدحِ، وفاعلُ نِعَم مضمرٌ فيه، وأمَّا قولُهُ (٥) ولا سِيَّما يومٌ

стр. 694

ففيه نَظَرٌ لأنَّ المَعنى لا سيَّ شَيءٌ هو يَومٌ، فَقولُنا: هو يَومٌ في مَحَلِّ الرَّفعِ بأنَّهُ صِفةُ لِشَيءٍ. ما أحسنَ زَيدًا معناه: شَيءٌ أحسنَ زَيدًا، والفَرق بينَ إن وما الشَّرطِيَّتَينِ أنَّ (ما) للإِبهامِ، وإنْ للإِيضاحِ تَقولُ إذا أردتَ الإِبهامَ: ما تفعلْ أفعلْ وما يأكُلْ زيدًا آكلْهُ، فإذا أردتَ الإِيضاحَ قُلتَ: إنْ يأكلْ زَيدٌ التَمر اكلْهُ، وإن يَضربْ أضرْبهُ. قالَ جارُ اللهِ: "وهي في وَجهَيها مُبهَمَةٌ تَقَعُ على كلِّ شيءٍ، تَقولُ لِشَبَحٍ (١) رُفِعَ لَكَ من بَعيدٍ لا تَشعُر بِهِ: ما ذَاك؟ فإذا شَعَرتَ أنَّه إنسانٌ قُلتَ: مَن (٢) هُوَ وقَد جاءَ: "سُبحانَ ما سَخَّركُنَّ لَنا" وسُبحانَ ما سَبَّح الرّعدُ بِحَمدِهِ". قالَ المُشَرِّحُ: اللَّامُ (٣) في قولِهِ: لِشَيخٍ لَيست على نَهجِ اللَّام في قولكَ: قلتُ لِزَيدٍ: كَذا، بَل هو بمعنى من أجلِ إطلاقِ ما في هَذين المَوضوعين كأنَّه يُنبئ عن عَظَمَةِ شَأنِ اللهِ تَعالى (٤)، وكَيفيَّةِ مَلَكُوتِهِ وكبريائِه. وفي (حاشِيَةِ المفصَّل) (٥) إذا قُلتَ: قالَ المُبَرّدُ: ما هذا الرّجلُ؟ فهو سُؤالٌ عن صِفاتِهِ، فَجوابُه عالِمٌ أو جاهِلٌ، فإذا قِيلَ مَن هذا الرَّجُلُ فهو سُؤالٌ عن ذَاتِهِ فجوابُه ابنُ (٦) فُلانٍ، والدَّليلُ عَليهِ قولُهُ تَعالى (٧): ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ والسُّؤالُ عن الوَصفِ دُونَ الجِنسِ (٨) لأنَّه قَد تَبَيَّنَ (٩)

стр. 695

أولًا أنَّ المأمورَ بِذَبحِهِ بَقَرَةٌ، وقد يُسألُ بها عن وَصفِ ما يَعقِلُ يقالُ: ما زَيدٌ كأنَّه قِيلَ: أَجُوادٌ أم بَخِيلٌ، أم شُجاعٌ، أم جَبَانٌ؟ وعلى ذلِكَ ما أنشدَه الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرجَاني: وقَائلةٌ لِي ما أَشجَعُ … فَقُلتُ: تَضُرُّ ولا تَنفَعُ (١) قال جارُ الله: "فصلٌ؛ ويُصيبُ ألفَها القَلبُ والحَذفُ، فالقَلبُ في الاستفهامِيَّةِ: جاءَ في حديثِ أبي ذُؤيبٍ: قَدِمتُ المَدينةَ ولأهلِهَا ضَجِيجٌ بالبكاءِ (٢) كَضَجيجِ الحَجيج أهلُّوا بالإِحرامِ فقلتُ: مَه؟. فقِيلَ: هَلَكَ رَسولُ اللهِ " ﷺ ". قالَ المُشرِّحُ: اعلم أنَّ الواقِعةَ المُستَفهَمَ عنها، مَتى كانَت هائِلَةً مُستَشنَعَةً بتر ألف (٣) الاستفهام وقلب الاستفهاميَّةُ منه (٣) هاءً استعظامًا للواقِعَةِ وتَوضِيحًا أنَّ السؤالَ قد تَمَّ، ليُجِيْبَهُ المَسؤُولُ عَنه على أسرعِ الأحوالِ لا ينتظر تَمام السُّؤالِ. قالَ جارُ اللهِ: "والجَزائيَّةُ وذلكَ عند إلحاقِ (ما) المَزيدةِ بآخرِها (٤)، كَقوله تَعالى (٥): ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ (٦). قالَ المُشَرِّحُ: مَعنى "مهما" أيُّ شَيءٍ. وأَصلُهُ ما ذكرَه عليُّ بنُ عِيسى (٧): وقالَ بَعضُهم: هو "ما" الجَزائِيّةُ ضُمَّ إليها "ما" المَزِيدَةُ، وقيلَ: "مَه" بِمعنى "اُكفُفْ" ويَشهدُ لكون "ما" الجزائيَّةِ قولُكَ: مَهمَا تأتِني أشكُرْكَ

стр. 696

عَليه، كما تَقولُ: ما تَأكُلْ آكله فتُرجِعُ الضَّميرَ إلى "ما"، قالَ الله تَعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أبدلَ من الألفِ في "ما" الأولى الهاءَ. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرجانيُّ: كما فَعَلُوا ذلِكَ في "أنا" في الوَقفِ حيثُ قالوا: أنَهْ. [وَجهُ القولِ الأوّلِ: أنَّ حروفَ الجَزاءِ تزادُ عليها "ما" كقوله (١): ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ و (٢) ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾] (٣). وجَة القَولِ الثَّاني: في قَولِ مَن يَقول: الجَزاءُ مَهمن قال (٤): أماوِيَّ مَهمَنْ يَستَمعْ في صَديقِه … أقاويلَ هذا النَّاسِ ماوِيَّ يَندَمِ "ومَن" لمَن يَعقُل، كما أنَّ "ما" لِمن لا يَعقُل، والفَرقُ بينَ ما ومهما، أنَّ "ما" فيها مَعنى المُبالغة أقلَّ، وفي "مهما" أكثرُ، إذا قالَ القائِلُ: مَهما تَفعلْ أفعلْ فكأنَّه قالَ: لا أصغرُ عن كَثيرِ فِعلِكَ ولا أكبرُ عن صَغِيرِهِ. هذا مَحصولُ كلامِ ابنِ السَّرّاجِ (٥). قال جارُ الله: "والحَذفُ في الاستفهامِ عندَ إدخالِ حُروفِ الجَرِّ عَليها، وذلِكَ قولُكَ: فِيمَ، وبِمَ، وعَمَّ، ولِمَ، وحتَّامَ وإلامَ (٦)، وعَلامَ".

стр. 697

قالَ المُشَرِّحُ: حَرفُ الجَرِّ متى دَخَلَ على "ما" الاستفهاميّة سَقَطَ ألفها إيهامًا أنَّ الاستِفهامَ غَيرُ مُنحَطٍّ عن رُتبَةِ الصَّدرِ. قالَ جارُ الله: "فَصلٌ؛ ومَنْ كما في وجوهِها إلَّا في وقوعِها غيرَ مَوصولةٍ ولا مَوصوفةٍ". قال المُشَرِّحُ: تقول في (مَن) المَوصولة، مررتُ بمَن أبوه مُنطَلِقٌ، ورَأيتُ مَن أخوهُ قائِمٌ، وفي المَوصوفَةِ رَأيتُ مَن مُنطلِقًا ومررتُ بِمَن صالحٌ. قالَ الأنصاريُّ (١): فَكَفَى بِنا فضلًا على مَن غَيرِنا … حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمّدٍ إيَّانا (٢) ويَجوزُ في مَررتُ بِمن صالحٌ الرّفع، والتَّقديرُ عن أو مَنْ هو صالِحٌ، ومما يَدُلُّ على أنَّ "مَنْ" تكونُ نكرةً قولُ عَمرو بنِ قَمِيئَةَ (٣): يا ربّ مَن يُبغِضُ أذوادَنا … رُحنَ على بَغْضائِهِ واغتَدَيْن

стр. 698

واعلم أنَّ "من" في المجازاةِ لا تكونُ إلَّا مبتدأةً غيرَ واقعٍ عليها عاملٌ لأنَّ لها صدرَ الكلامِ لوقوعِها موقعَ حرفِ الجَزاء، إلَّا أن يكون العامِلُ حَرفَ جَرٍّ في صِلةِ حرفِ الشَّرطِ أو اسمًا مُضافًا قد عَمِلَ فيه فِعلُ الشَّرط، أو مُبتَدَأً مضافًا كقولِكَ: بمن تَمْرُرْ أمْرُرْ به، وعلى مَنْ تَنْزِل أنزلْ عليه، وغُلامُ مَن تَضربْ أضربْهُ، وَثَوبَ مَن تَلبَس (١) ألبَسهُ، فإن وَقَعَ عليها عامِلٌ قَبلها من غَيرِ ما ذَكَرنا بَطَلَت المَجازاة، وصارَت بمنزِلَةِ "الَّذي"، تَقولُ: كَانَ مَن يزورُني أزورُهُ، وإنّ مَن يكرِمُنِي أكرِمُهُ، وامرُرْ بمن تَمُرُّ به. وأجازَ الكِسائِيّ (٢) في "مَنْ" أن تَكونَ صِلَةً مُؤكّدَةً وأنشَد (٣): آلُ الزُّبيرِ سَنَامُ المَجدِ قَد عَرَفَت … ذَاكَ العَشِيرةُ والأثرون مَن عَدَدَا أي: الأثرون عَدَدًا. [وقال عَنتَرة (٤): يا شاهُ ما قُنصٌ لِمَن حَلَّت لَه … حَرُمَت عَلَيَّ ولَيتَها لَم تَحْرُمِ قِيل "مَنْ" نكرةٌ كإنسانٍ، وقُنصٌ بمعنى قانِصٌ، "ومَنْ عددا" بمعنى مَن يَعُدُّ عَدَدًا، فاكتَفى بالمَصْدَرِ عن الفِعلِ نَحوَ: ما أنَت إلَّا سَيرًا] (٥) ورَواهُ (٦)

стр. 699

بَعضُهُم "ما عَدَدَا" "ما" تكونُ غيرَ مَوصوفَةٍ ولا مَوصولةٍ كقولِه تَعالى (١): ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ بخلافِ "مَن" فإنَّها إما موصولةٌ، وإما موصوفَةٌ. قالَ جارُ الله: "وهي تَختَصُّ بأولي العِلمِ، وتَقَعُ على الواحِدِ والاثنين والجَمعِ والمُذَكَّر والمؤنَّثِ ولَفظُها مُذكّرٌ، والحَملُ عليه هو الكثيرُ وقد تُحمَلُ على المَعنى وقُرئ قولُه تَعالى (٢): ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ بتَذكيرِ الأوَّلِ، وتأنيثِ الثَّاني، وقال تعالى (٣): ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، وقالَ الفرزدقُ: نَكُن مثلَ مَن يا ذئبُ يِصطَحِبانِ قالَ (٤) المُشَرِّحُ: قولُه: وهي تَختَصُّ بأولي العِلمِ، أجودُ من قولِهم: يختصُّ بأُولي العَقل وذلك أنه يَجوزُ إطلاقُها على اللهِ تَعالى، واللهُ من أُولي العِلمِ، وليسَ من أُولى العَقلِ. وفي "حاشية المفصَّل" (٥) إنَّما يَصلحُ أن تُوقَعَ "مَن" على الواحِد والاثنين والجَمعِ والمذكَّرِ والمؤنَّثِ لإِبهامه، وقولُ من قَال إنَّ "مَنْ" موضوعُ للجنسِ ارتكابٌ، لأنَّه لو كانَ كذلك لما وَقَعَ على الواحدِ والاثنين والجَماعةِ إنَّما حَسُنَ التَّذكيرُ في الفِعل الأوّلِ لأنَّه لا دلالةَ فيه على التَّأنيثِ فلمَّا قال مِنكُنَّ دَلَّ على كونِهِ مؤنَّثًا، فَحُمِلَ عليه الفِعلُ الثَّاني. صدرُ البيتِ: تَعَشَّ فإن عاهَدتَنِي لا تَخُونَنِي … نَكُن (مثَل من) (٦) … البيت وقَبلَهُ:

стр. 700

فَقلتُ لَه لما تَكَشَّرَ ضاحِكًا … وَقائمُ سَيفِي من يدي بِمَكَانِ (١). تَعَشَّ. . . . . . . . . . . . .... . . . . . . . . . . . . . . يصفُ ذِئبًا أتاهُ في القَفْرِ وأنَّه أطعَمَهُ، وألقى إليه ما يأكُلُه. تَعَشَّ خطابٌ لِلذّئبِ، فإن عاهَدتَنِي بعد أن تَتَعَشَّى على أن لا يَخُونَ كلُّ واحدٍ منّا الآخَرَ كُنّا مَثلَ رَجُلَين، ويَصطَحِبَانِ صِلةُ "مَن"، "ويا ذيبُ" اعتراضٌ بَينَ الصِّلةِ والموصُول (٢) قالَ جارُ الله: "وإذا استَفهَم بها الواقِفُ عن نَكرةٍ قابَل حَرَكَته في لفظِ الذاكر من حروفِ المدَّ بما يجانِسُها تقولُ: إذا قالَ جاءني رجلُ مَنُو، وإذا قالَ: رأيتُ رَجلًا مَنَا، وإذا قالَ: مَررتُ برجلٍ مَنِي". قالَ المُشَرِّحُ: اعلَم أنَّ الاستفهامَ بِمَن لا يخلُو من أن يكونَ في حالَةِ الوَصلِ، أو في حالةِ الوَقفِ، وفي حالةِ الوَقفِ لا يخلُو من أن يكون السُّؤالُ عن مَعرفةٍ أو عن نَكرةٍ، فلئِن كانَ عن نَكرةٍ قابلَ المُستَفهِمِ الحَركةَ بمَا يُجانِسُها من حُروفِ المَدِّ وصُرِفَ، وليست هذه علاماتِ الإِعرابِ بدَليلِ أنّها لا تُصرف. وإن كان عن معرفةٍ لا يَخلو من أن يكونَ عَلَمًا، أو لا يكونُ، فلئن كان عَلمًا فمذهبُ أهلِ الحِجَازِ أن يَحكيَهُ المستفهمُ كما نَطَقَ به، وإذا

стр. 701

كانَ غيرَ عَلَمٍ رُفِعَ لا غيرُ، ومذهبُ بَنِي تَميمٍ أن يَرفَعُوا في المَعرفةِ البَتّةَ. وإن (١) كانَ في حالَةِ الوَصلِ قالَ: مَنْ يا فَتى، بِغَيرِ عَلامةِ، مَجيئها في الوَقفِ فإن سَألتَ: فما الفَرقُ بين هذه العلاماتِ وعلاماتِ التَّثنِيَةِ والجَمعِ، والأسماءِ السّتةِ حيثُ جَعَلُوا تلكَ إعرابًا، ولم تُجعَل هذه؟ أجبتُ: الفَرقُ بَينهما أنَّ هذه العلاماتِ ها هُنا لَيست بإعرابٍ راجِعٍ إلى الكَلِمَةِ التي فِيها بِخِلافِ التَّثنِيَةِ وجَمْعِ السّلامة (٢) والأسمَاء السِّتَّةِ (٣). ومنهم من لا يَصرف (٤). قالَ جارُ الله: "وفي التَّثنِيَةِ مَنان، ومَنين، وفي الجَمع مَنُون ومَنين وفي المُؤنَّثِ مَنيت، ومَنْتان ومَنْتِين ومَنَاتٍ، والنُّون والتَّاء ساكِنتان". قالَ المشرِّحُ: تقولُ في المؤنّثِ (٥) منَه ومنت ونحوها ابنة وبنت حَرَّك النُّون في مَنَتَانِ لتَحَرُّكِها في مَنه، وسَكَّن النّون في مَنْتان لِسُكُونها في مَنْت، وأمَّا تحريكُها في مَنَه فلأنَّ هذه التّاء تاءُ التأنيثِ، وما قبلَ تاءِ التَّأنيثِ لا يكونُ إلَّا مُتَحَرِّكًا. وهذه المسألةُ من أوضحِ الدَّلائِلِ على تَحريكِ ما قبلَ تاءِ التَّأنيثِ. أمَّا تَسكينُها فللإِبقاءِ على الحَركةِ البنَائِيَّةِ وعَدَمِ تَمَحُّصِ التَّاءِ ها هُنا للتَّأنيثِ بدليلِ أنَّها كما هي في التأنيث فهي أيضًا حِكايةُ لِلَفظِ الذَّكَرِ فصارت بمنزلةِ التَّاء في بنتٍ وأختٍ ألا تَرى أنّ التاءَ فيهما (٦) هي للتأنيثِ فهيَ أيضًا عوضٌ من الحرفِ المَحذوفِ، وإنَّما سُكّنَتِ النُّونُ والتّاءُ لأنَّ الحالَ حالُ الوقفِ "ومَنْ" في جميعِ هذه المواضِعِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بأنَّه خَبَرُ مبتدإٍ

стр. 702

مَحذوفٍ وتقديرُه مَن الرَّجل الذي ذَكرتُه. [كأنك قُلتَ: الَّذي ذكرتُه] (١). مَسؤولٌ عَنه. قالَ جارُ اللهِ: وأمَّا الواصلِ فَتَقولُ في هذا كُلِّه من يا فَتى بغيرِ علامةٍ. قالَ المشرّحُ: أي بغيرِ علامةِ الحَرَكَات، وعَلامةِ التَّصريفِ، فإن قالَ: رأيتُ رَجُلًا وامرأةً قُلتَ: مَن ومَنَه، وإذا قالَ: رأيتُ امرأةً ورجلًا قُلتَ مَن ومَنًا فَتَلحقُ العَلامةُ في الآخرِ لأنَّ الأولَ موصولٌ. قالَ جارُ الله: "وقد ارتَكَبَ مَن قالَ: أَتَوْا نَارِي فقلتُ مَنُونَ أنتُم شُذُوذَينِ، إلحاقُ العلامةِ في الدَّرجِ، وتَحرِيكُ النُّونِ". قالَ المُشرِّحُ: نظيرُه (٢): وامرحباه بحمارِ ناجِيَه وكانَ ذلك على تَشبِيه مَنْ بأيّ، لاشتراكِهِما في الجزاءِ والاستفهام، تمامُه: .............................. … فقالُوا الجنُّ (٣) قلتُ: عِمُوا ظَلَاما فقلتُ إلى الطَّعامِ فقالَ مِنهُم … فريقٌ نَحسِدُ الإِنَسَ الطَّعامَا عِمُوا ظَلامًا أي انعِمُوا ظلامًا، إلى الطَّعامِ، أي تَقَدَّمُوا إلى الطَّعامِ الإِنَسُ: بِتحريكِ النُّونِ كَذَا الرّوايةُ. الشِّعرُ لِشَمِر بن الحارث الضَّبِيَّ (٤) وقبله:

стр. 703

وَنارٍ قَد خَضأتُ بُعَيدَ وَهْنٍ … بِدَارٍ لا أُريدُ بِها مَقَامَا سِوَى تَحلِيلِ راحِلَةٍ وَعَيْنٍ … أكالِئُها مَخافَةَ أن تَنَامَا خَضَأْتُ النَّارَ: حَرَّكتُها وسَعَّرتُها، والعودُ الذي يحرَّكُ به مِخضَأ فإذا لم يُهْمَز فهو مِخْضَاء على مِفْعَال. جَاءَ بَعْدَ هَدءٍ من اللَّيلِ، وهدأةٍ منه أي بَعد ما [هدأ الناسُ أي: سَكنوا] (١)، وجاءَ بعد وهنٍ من اللَّيلِ أي بعدما وَهَنَت

стр. 704

الأعنَاقُ من غَلَبَةِ النُّعاسِ، أحلَلتُه أنزَلتُه، وكذلك حَلَلتُه، ومنه مكانٌ مُحَلَّلٌ يَكثُرُ فيه النَّاسُ الحُلُول، يريدُ: سوى (١) تَرويحِ رَاحِلَةٍ، أُكالِئُها: أي أمنَعُها وأقصُرُها. قالَ جارُ اللَّه: "ومنهم مَن لا يَزيدُ إذا وَقَفَ على الأحرفِ الثَّلاثَةِ وَحَّدَ أم ثَنَّى [أم أنَّثَ] (٢) أم جَمَعَ". قالَ المُشرِّحُ: عَنَى بالأحرُفِ الثَّلاثةِ الواوَ والألفَ (٣) والياءَ في مَنو ومَنا ومَني، وهذا لأنَّ مَن مبهمٌ يصلُحُ لِهذه الأوجهِ كلِّها، والأولُ أجودُ لأنّه أبينُ. قالَ جارُ اللَّه: "وأمّا المَعرفةُ فمذهَبُ أهلِ الحِجَازِ فيه إذا كانَ علمًا (٤) أن يَحكيَه المُستَفْهِمُ كما نطق به فيقولُ لمن قالَ جاءَ زيدٌ، مَن زيدٌ، ولِمن قالَ رأيتُ زَيدًا مَن زيدًا، ولمن قالَ مررتُ بِزيدٍ مَن زَيدٍ، وإذا كانَ غيرَ عَلمٍ رُفِعَ لا غيرُ تقولُ لِمَن قالَ: رأيتُ الرَّجُلَ مَن الرّجلُ". قالَ المُشَرِّح: وجهُ الفَرقِ أن حَرَكَة الاسمِ تَبَعٌ لَه، والعَلَمُ مما يَجِبُ فيه الحِكايةُ، فكذلِكَ تَوابِعُهُ بخلافِ الجِنسِ. نَظيرُهُ موالي بَنِي هاشمٍ في بابِ الزكاة وموالي غيرهم فإن سألتَ: فلمَ لَم يلفِظُوا (٥) بالنكرة إذا استَفهَمَ الوَاقِفُ بِمَن عنها كَما في فَصلِ العَلَمِ فيقولون في جوابِ رأيتُ رَجُلًا: مَن رَجُلًا؟ أجبتُ: لأنَّ تكرَار المُنكَّرِ يُوهِمُ أنَّ الثَّاني غيرُ الأولِ، ألا تَرى أنَّك إذا

стр. 705

قُلتَ: جاءَني رَجُلٌ، وحَيَّيْتُ رَجُلًا فالثّاني غيرُ الأوّلِ بخلافِ العَلَمِ فإنَّه بَرِيءٌ عن هذا (١) الإِبهامِ. تَخْمير: وأمَّا إذا عُطِفَ بالواو والفاء فَقلتَ: ومَن زَيدٌ، أو فَمنَ زَيدٌ كلّهم يُبطل الحِكايَة، لأنَّ حُروفَ العَطفِ لا يُبتَدَأُ بها ففيها دِلالةٌ على أنَّ هذا السُّؤال مَعطوفٌ به على كَلامِ المخاطبِ فاستغنوا عن الحِكايةِ. قالَ جارُ اللَّه: ومَذهبُ بَني تَميمٍ أن يَرفعوا في المَعرفةِ البَتَّةَ. قالَ المُشرِّحُ: هذا قِياسٌ، والأول استِحسانٌ. قالَ جارُ اللَّه: "وإذا استَفهم عن صِفَةِ العَلَمِ قيلَ إذا قَال: جاءَني زَيدٌ المني أي القُرشيُّ أم الثَقَفِيُّ والمَنَيَانِ والمنيونَ". قالَ المُشرِّحُ: النُّون في المَنَيَانِ والمَنَيُونَ ها هنا مَكسورةٌ ومفتُوحَةٌ كما في التَّثنِيَةِ وجمعِ السَّلامةِ كذلك السَّمَاعُ (٢). في كلام الشَّيخِ ها هُنا إيماءٌ إلى أنَّ المَنيّ لا يُستفهم به عن المَنسوب إلى البلدَان والصناعات، فلا تَقولُ: البَصريّ والشِيرازيّ (٣) المَني وهذا لأنَّ "مَن" موضوعةٌ للعُقلاء. قالَ جارُ اللَّه: وأيٌّ كَمن في وجوهها، تقول مُستفهمًا: أيُّهم حَضَرَ؟ ومُجازيًا: أيُّهم يَأتِني أُكرِمْه، وواصلًا: اِضرِب أيُّهم أفضلُ، وواصفًا: يا أيُّها الرّجلُ. قال المشرّحُ: أيُّهم في قولِهِم أيهم حَضَرَ؟ للاستِفهامِ، وفي يَأتِني أكرمْه، للمُجازاة، وفي اِضرب أيُّهم أفضلُ بِمَعنى الَّذي (٤)، ومما يكون فيه أيّ
следующие страницы →