← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

كانَ غيرَ عَلَمٍ رُفِعَ لا غيرُ، ومذهبُ بَنِي تَميمٍ أن يَرفَعُوا في المَعرفةِ البَتّةَ. وإن (١) كانَ في حالَةِ الوَصلِ قالَ: مَنْ يا فَتى، بِغَيرِ عَلامةِ، مَجيئها في الوَقفِ فإن سَألتَ: فما الفَرقُ بين هذه العلاماتِ وعلاماتِ التَّثنِيَةِ والجَمعِ، والأسماءِ السّتةِ حيثُ جَعَلُوا تلكَ إعرابًا، ولم تُجعَل هذه؟ أجبتُ: الفَرقُ بَينهما أنَّ هذه العلاماتِ ها هُنا لَيست بإعرابٍ راجِعٍ إلى الكَلِمَةِ التي فِيها بِخِلافِ التَّثنِيَةِ وجَمْعِ السّلامة (٢) والأسمَاء السِّتَّةِ (٣). ومنهم من لا يَصرف (٤). قالَ جارُ الله: "وفي التَّثنِيَةِ مَنان، ومَنين، وفي الجَمع مَنُون ومَنين وفي المُؤنَّثِ مَنيت، ومَنْتان ومَنْتِين ومَنَاتٍ، والنُّون والتَّاء ساكِنتان". قالَ المشرِّحُ: تقولُ في المؤنّثِ (٥) منَه ومنت ونحوها ابنة وبنت حَرَّك النُّون في مَنَتَانِ لتَحَرُّكِها في مَنه، وسَكَّن النّون في مَنْتان لِسُكُونها في مَنْت، وأمَّا تحريكُها في مَنَه فلأنَّ هذه التّاء تاءُ التأنيثِ، وما قبلَ تاءِ التَّأنيثِ لا يكونُ إلَّا مُتَحَرِّكًا. وهذه المسألةُ من أوضحِ الدَّلائِلِ على تَحريكِ ما قبلَ تاءِ التَّأنيثِ. أمَّا تَسكينُها فللإِبقاءِ على الحَركةِ البنَائِيَّةِ وعَدَمِ تَمَحُّصِ التَّاءِ ها هُنا للتَّأنيثِ بدليلِ أنَّها كما هي في التأنيث فهي أيضًا حِكايةُ لِلَفظِ الذَّكَرِ فصارت بمنزلةِ التَّاء في بنتٍ وأختٍ ألا تَرى أنّ التاءَ فيهما (٦) هي للتأنيثِ فهيَ أيضًا عوضٌ من الحرفِ المَحذوفِ، وإنَّما سُكّنَتِ النُّونُ والتّاءُ لأنَّ الحالَ حالُ الوقفِ "ومَنْ" في جميعِ هذه المواضِعِ في مَحَلِّ الرَّفعِ بأنَّه خَبَرُ مبتدإٍ

стр. 702

مَحذوفٍ وتقديرُه مَن الرَّجل الذي ذَكرتُه. [كأنك قُلتَ: الَّذي ذكرتُه] (١). مَسؤولٌ عَنه. قالَ جارُ اللهِ: وأمَّا الواصلِ فَتَقولُ في هذا كُلِّه من يا فَتى بغيرِ علامةٍ. قالَ المشرّحُ: أي بغيرِ علامةِ الحَرَكَات، وعَلامةِ التَّصريفِ، فإن قالَ: رأيتُ رَجُلًا وامرأةً قُلتَ: مَن ومَنَه، وإذا قالَ: رأيتُ امرأةً ورجلًا قُلتَ مَن ومَنًا فَتَلحقُ العَلامةُ في الآخرِ لأنَّ الأولَ موصولٌ. قالَ جارُ الله: "وقد ارتَكَبَ مَن قالَ: أَتَوْا نَارِي فقلتُ مَنُونَ أنتُم شُذُوذَينِ، إلحاقُ العلامةِ في الدَّرجِ، وتَحرِيكُ النُّونِ". قالَ المُشرِّحُ: نظيرُه (٢): وامرحباه بحمارِ ناجِيَه وكانَ ذلك على تَشبِيه مَنْ بأيّ، لاشتراكِهِما في الجزاءِ والاستفهام، تمامُه: .............................. … فقالُوا الجنُّ (٣) قلتُ: عِمُوا ظَلَاما فقلتُ إلى الطَّعامِ فقالَ مِنهُم … فريقٌ نَحسِدُ الإِنَسَ الطَّعامَا عِمُوا ظَلامًا أي انعِمُوا ظلامًا، إلى الطَّعامِ، أي تَقَدَّمُوا إلى الطَّعامِ الإِنَسُ: بِتحريكِ النُّونِ كَذَا الرّوايةُ. الشِّعرُ لِشَمِر بن الحارث الضَّبِيَّ (٤) وقبله:

стр. 703

وَنارٍ قَد خَضأتُ بُعَيدَ وَهْنٍ … بِدَارٍ لا أُريدُ بِها مَقَامَا سِوَى تَحلِيلِ راحِلَةٍ وَعَيْنٍ … أكالِئُها مَخافَةَ أن تَنَامَا خَضَأْتُ النَّارَ: حَرَّكتُها وسَعَّرتُها، والعودُ الذي يحرَّكُ به مِخضَأ فإذا لم يُهْمَز فهو مِخْضَاء على مِفْعَال. جَاءَ بَعْدَ هَدءٍ من اللَّيلِ، وهدأةٍ منه أي بَعد ما [هدأ الناسُ أي: سَكنوا] (١)، وجاءَ بعد وهنٍ من اللَّيلِ أي بعدما وَهَنَت

стр. 704

الأعنَاقُ من غَلَبَةِ النُّعاسِ، أحلَلتُه أنزَلتُه، وكذلك حَلَلتُه، ومنه مكانٌ مُحَلَّلٌ يَكثُرُ فيه النَّاسُ الحُلُول، يريدُ: سوى (١) تَرويحِ رَاحِلَةٍ، أُكالِئُها: أي أمنَعُها وأقصُرُها. قالَ جارُ اللَّه: "ومنهم مَن لا يَزيدُ إذا وَقَفَ على الأحرفِ الثَّلاثَةِ وَحَّدَ أم ثَنَّى [أم أنَّثَ] (٢) أم جَمَعَ". قالَ المُشرِّحُ: عَنَى بالأحرُفِ الثَّلاثةِ الواوَ والألفَ (٣) والياءَ في مَنو ومَنا ومَني، وهذا لأنَّ مَن مبهمٌ يصلُحُ لِهذه الأوجهِ كلِّها، والأولُ أجودُ لأنّه أبينُ. قالَ جارُ اللَّه: "وأمّا المَعرفةُ فمذهَبُ أهلِ الحِجَازِ فيه إذا كانَ علمًا (٤) أن يَحكيَه المُستَفْهِمُ كما نطق به فيقولُ لمن قالَ جاءَ زيدٌ، مَن زيدٌ، ولِمن قالَ رأيتُ زَيدًا مَن زيدًا، ولمن قالَ مررتُ بِزيدٍ مَن زَيدٍ، وإذا كانَ غيرَ عَلمٍ رُفِعَ لا غيرُ تقولُ لِمَن قالَ: رأيتُ الرَّجُلَ مَن الرّجلُ". قالَ المُشَرِّح: وجهُ الفَرقِ أن حَرَكَة الاسمِ تَبَعٌ لَه، والعَلَمُ مما يَجِبُ فيه الحِكايةُ، فكذلِكَ تَوابِعُهُ بخلافِ الجِنسِ. نَظيرُهُ موالي بَنِي هاشمٍ في بابِ الزكاة وموالي غيرهم فإن سألتَ: فلمَ لَم يلفِظُوا (٥) بالنكرة إذا استَفهَمَ الوَاقِفُ بِمَن عنها كَما في فَصلِ العَلَمِ فيقولون في جوابِ رأيتُ رَجُلًا: مَن رَجُلًا؟ أجبتُ: لأنَّ تكرَار المُنكَّرِ يُوهِمُ أنَّ الثَّاني غيرُ الأولِ، ألا تَرى أنَّك إذا

стр. 705

قُلتَ: جاءَني رَجُلٌ، وحَيَّيْتُ رَجُلًا فالثّاني غيرُ الأوّلِ بخلافِ العَلَمِ فإنَّه بَرِيءٌ عن هذا (١) الإِبهامِ. تَخْمير: وأمَّا إذا عُطِفَ بالواو والفاء فَقلتَ: ومَن زَيدٌ، أو فَمنَ زَيدٌ كلّهم يُبطل الحِكايَة، لأنَّ حُروفَ العَطفِ لا يُبتَدَأُ بها ففيها دِلالةٌ على أنَّ هذا السُّؤال مَعطوفٌ به على كَلامِ المخاطبِ فاستغنوا عن الحِكايةِ. قالَ جارُ اللَّه: ومَذهبُ بَني تَميمٍ أن يَرفعوا في المَعرفةِ البَتَّةَ. قالَ المُشرِّحُ: هذا قِياسٌ، والأول استِحسانٌ. قالَ جارُ اللَّه: "وإذا استَفهم عن صِفَةِ العَلَمِ قيلَ إذا قَال: جاءَني زَيدٌ المني أي القُرشيُّ أم الثَقَفِيُّ والمَنَيَانِ والمنيونَ". قالَ المُشرِّحُ: النُّون في المَنَيَانِ والمَنَيُونَ ها هنا مَكسورةٌ ومفتُوحَةٌ كما في التَّثنِيَةِ وجمعِ السَّلامةِ كذلك السَّمَاعُ (٢). في كلام الشَّيخِ ها هُنا إيماءٌ إلى أنَّ المَنيّ لا يُستفهم به عن المَنسوب إلى البلدَان والصناعات، فلا تَقولُ: البَصريّ والشِيرازيّ (٣) المَني وهذا لأنَّ "مَن" موضوعةٌ للعُقلاء. قالَ جارُ اللَّه: وأيٌّ كَمن في وجوهها، تقول مُستفهمًا: أيُّهم حَضَرَ؟ ومُجازيًا: أيُّهم يَأتِني أُكرِمْه، وواصلًا: اِضرِب أيُّهم أفضلُ، وواصفًا: يا أيُّها الرّجلُ. قال المشرّحُ: أيُّهم في قولِهِم أيهم حَضَرَ؟ للاستِفهامِ، وفي يَأتِني أكرمْه، للمُجازاة، وفي اِضرب أيُّهم أفضلُ بِمَعنى الَّذي (٤)، ومما يكون فيه أيّ

стр. 706

بِمَعنى الّذي ما كانَ من الكلامِ مثلَ بَيتِ أبي الطَّيّبِ (١): وَيغبِطُ الأرضَ منها حَيثُ حَلَّ بِها … ويَحسِدُ الخَيلَ منها أيَّها رَكِبا بنصبِ أيٍّ بِيحسُدُ والتقديرُ أيَّها ركبَهُ قالَ الإِمامُ عبد القاهر الجرجاني: لأنّه في معنى وَيحسدُ الخيلَ الذي رَكبَه منها وفي يا أيُّها الرجل مَوصوفٌ ونظيره (مَن) في قولك: مَن عندَك، ومن يَأتني أُكرِمْهُ وأكرِمْ من هو أفضلُ منك (٢)، ورأيتُ مَن مُنطَلِقًا، ومَررتُ بمَن صالِحٍ. قالَ جارُ اللَّهِ: وهي عندَ سيبويهِ (٣) مَبنيةٌ علىِ الضَّمِ إذا وَقعت صِلتُها مَحذوفَةَ الصَّدرِ كما وَقعتْ في قولِهِ تَعالى (٤) ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ وأنشدَ أبو عمرو الشّيباني في كتاب "الحُروف" (٥): - إذا ما رأيتَ بني مَالكٍ … فَسَلَّم على أيُّهم أفضَلُ

стр. 707

قالَ المشرّحُ: قد ذَكرنا اختلافَ العُلماءِ في هذه الرَّفعَةِ في "أيُّها" فإذا رَفعتَ فَعَلَى الابتداءِ عندنا، والمعنى راجِعٌ إلى مَعنى المجازاة، وحذفُ الصَّدرِ من جُملتها الثَّانية، إنَّما يكونُ إذا وَقعت المجازاةِ، ولأنَّها مَتى وَقَعَت لها فالمحذوفُ مَدلولٌ عليه من جِهَتَي الوَصلِ والمُجازاةِ، ضَرورةَ أنَّ الصِّلةَ والشَّرطَ لا يَكُونان بدونِ جُملتين، ولا تكونُ للمجازاةِ إلَّا إذا كانت مَرفوعةً، لأنَّ حرفَ الشَّرطِ له صدرُ الكلامِ، ثم إذا وقعتْ للمجازاة لم يجز أن يكونَ الفعلُ المُتَقَدّم عَليها ماضِيًا. لأنَّ الجَزَاءَ إذا كان فِعلًا ماضِيًا لا يكادُ يَحسُنُ تَقدِيمُه فيما إذا كانَ الحَرفُ مُشتَهِرًا بالجَزاءِ، فكيفَ إذا لم يَكن مُشتَهِرًا به؟!. ويَشهدُ لذلك مقامة مَروان بن سَعيدٍ مع الكِسائي في حَلقة يُونس (١). أبو عَمرو الشَّيباني غير أبي عَمرو بن العَلاء، هذا اسمُه إسحاقُ، وذاك اسمُه (زبان)، وهذا كُوفيٌّ، وذاك بَصرِيٌّ. قالَ جارُ اللَّه: "فإذا كَمُلت فالنَّصبُ كقولِكَ: عرفتُ أيَّهم هو في الدَّارِ". قالَ المشرِّحُ: إنّما يلزمُ النَّصبُ ها هنا لأنَّ المُقتضِى للنَّصبِ موجودٌ والحاجَةُ إلى الرَّفعةِ (٣) الواقِعَةِ في صورةِ الحَذْفِ (٤) معدومةٌ ها هنَا، فيلزمُ النَّصبُ أمَّا المُقتَضي لِلنّصب فلأنَّ الفعلَ السابقَ يقتَضي انتصابَها، وأمّا عدمُ تِلكَ الحاجَةِ فلأنَّ تلكَ الحَاجةَ هي الحاجةُ إلى تعاضُدِ الدّلالَتين لإِيضاح

стр. 708

المَحذوفِ، وهي ها هُنا مَعدومةٌ بِيَقينٍ، إذ لا حَذفَ. قالَ جارُ اللَّه: - وقد قُرِئَ: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ بالنّصب (١). قالَ المُشَرِّحُ: وأمّا (٢) مَن قرأهُ بالنَّصبِ فقد اكتفى فيهِ بِدلالَةِ الوَصلِ". قال جارُ اللَّه: - "فصلٌ؛ وإذا استُفهِمَ بها عن نَكِرَةٍ في وصلٍ قيلَ لِمَن يَقولُ: جاءَني رَجلٌ أيٌّ بالرَّفع (٣)، ولمن يَقولُ: رأيتُ رَجُلًا أيًّا، ولِمَن قالَ: مررتُ برَجُلٍ أيٍّ وفي التَّثنِيَةِ والجَمْعِ في الأحوالِ الثَّلاثِ أيّان وأيّون وأييِّن، وأيّيين، وفي المؤنث أيّة: وأمّا (٤) في الوقفِ فإسقاطُ التَّنوين وتَسكينُ النُّون. قالَ المُشرِّحُ: أي ما تَجري عليه في حالةِ الوَصلِ وُجُوُه الإِعرابِ لأنّه مُعَرَبٌ بخلافِ "مَنْ"، وإجراءُ هذه الوُجُوهِ عَليه بطريق الحِكايَةِ، وحَكى سيبويه (٥) أنَّ بَعضَهم قيلَ [له] ألستَ قُرشِيًّا؟ قالَ: لستُ بقرَشِيًّا، وهذا لأنَّ مَنًا متى وَجَبَ تَصريفُه مع بنائِهِ فتصريفُ المعرَبِ أولى، فإن سألتَ: كيفَ ثَبَتَتْ ها هُنا الحِكايةُ في الوَصل وسَقطت في الوَقفِ؟ أجبتُ: لأنَّ الحِكايةَ ها هُنا إعرابيّةٌ بخلافِها في الفَصلِ الأوَّلِ، فإنَّها كما ذَكرتُ بمنزلةِ الوَقفِ. قالَ جارُ اللَّهِ: "ومَحَلُّه الرّفعُ على الابتداء في هذه الأحوالِ كلِّها وما في لفظة "مَنْ" الرفعُ والنّصبُ والجَرُّ حكايةٌ، وكذلك قولُ مَن قالَ: مَن زَيدٌ، ومَن زَيدًا، ومَن زَيدٍ، "مَنْ" والاسم بعده فيه مرفوعا المَحَلَّ مبتدأً وخَبرًا". قالَ المُشَرِّحُ: هذا الكلامُ منظورٌ فيه، وذلك أنَّه إذا قيل: أيّ في

стр. 709

جوابِ من يقول: جاءَني رَجُل، فأيٌّ مرتَفِعٌ بأنَّه خبر مُبتَدإِ. تقديره: ذلك الرَّجُلُ الّذي رفعتَ اسمَه مُستَفهمٌ عنه. وكذلِكَ مَن زيدٌ، فزيدٌ مبتدأ، ومَنْ خَبَرهُ، معناه: زَيدٌ المرفوعُ اسمُه؟ مستَفهَمٌ عَنه، فمن والاسم بعدَهُ مَرفوعَا المَحَلِّ خَبَرًا ومُبتَدَأً لا مُبتَدَأً وخَبَرًا. قالَ جارُ اللَّه: "ويجوزُ إفرادُهُ على كلِّ حالٍ وأَن يُقالُ أيًّا لمَن قالَ: رأيت رَجلين أو امرأتين، أو رِجالًا أو نِساءً". قالَ المُشَرِّحُ: نظيرُه في الفَصلِ الأوّلِ "مَنْ" يريد إذا وَقَفَ على الأحرفِ الثَّلاثةِ وَحَّد أم ثَنَّى. قالَ جارُ اللَّه: "ويُقالُ في المَعرفةِ إذا قالَ رأيت عَبد اللَّه أيٌّ عبدَ اللَّهِ لا غَيرُ". قالَ المُشَرِّحُ: أيٌّ ها هُنا بالتَنوين، فإن سألتَ لِمَ لَم تقعِ الحِكَايةُ ها هنا إعرابًا [(كما وقعت في النَّكرةِ] (١)؟ أجبتُ: لأنَّ الحِكايَةَ بِقَالَ وقَد وَقَعَتْ تَنْكِيرًا فجازَ أنَّ تَقَعَ إعرابًا أمَّا ها هُنا فَبِخِلافٍ، وذلك أنَّ الحكايةَ لم تَقَعْ تَعريفًا فَجَاز أن لا يَقع إعرابًا. فإن سَألتَ: فما بالُهم لم يلزَموا الحِكايَة ها هُنا في المَسؤُولِ كما ألزمَتها الحِجازيَّةَ فيه (٢) في الفصلِ الأوّلِ، وذلك قولُكَ من زَيدٌ [ومن زَيدًا] (٣) ومَن زيدٍ؟ أجَبتُ: لأنَّ خَبرَ المُبتَدأ ثَمَّ غيرُ مُعرَبٍ فجازَ أن لا يُعرَب المبتدأ إعرابَه، أمَّا ها هُنا فمعرَبٌ ونظيرُ هذه المسألةِ إجازَتُهُم أيَّهم أجمعون ذاهبون، وعَدَمُ إجازَتِهِم أنَّ القَومَ أجمَعون ذاهِبُون. قالَ جارُ اللَّهِ: فَصلٌ؛ ولم يُثبِت سِيبَوِيه "ذا" لِمعنى الّذي إلا في

стр. 710

قَولهم: ماذا وأثبتَه الكُوفيُّون وأنشدوا (١): عَدَسْ ما لِعَبَّادٍ عَلَيكِ إمارةٌ … أمِنتِ وهذا تَحمِلِينَ طَليقُ أي والّذي تَحمِلينَه طَليقٌ، وهذا شَاذٌ عِندَ البَصرِيّين (٢). قالَ المشرِّحُ: "ذا" إذا كان بِمَعنى "الذي"، فلا بدَّ عندَ البَصريّين من أنَّ يكونَ قبلَهُ "ما" لأنّه نُقِلَ من بابٍ إلى بابٍ، وذلِكَ خُروجُة عن مَعنى الإِشارة إلى الحاضِرِ إلى معنى "الّذي" وهو الغائبُ، واحتاجَ كذلك إلى الصِّلةِ كاحتياجِ الّذي، وأُدخلت قَبلَه "ما" ليؤذِنَ بِذلك كما أدخلُوها على حَيثُما حِين نَقَلُوها عن بابِ الإِضافةِ إلى الجُملة إلى بابِ الجَزَاءِ ومِثلُ هذا كثيرٌ، والكوفيُّون (٣) يُجِيزونَ أن تكون "ذا" بمعنى "الذي" وإن لم تصحَبْهُ (ما) لأنَّه الأصلُ في "الّذي" عِندَهم، فُردَّ إلى أصلِهِ، ولم يَحتَج إلى ما ليُؤذِنَ بأصلِهِ وَيحتَجُّونَ أيضًا بقولهِ (٤): ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ فَيَتَاوَّلُونَه على أنَّ المعنى ما الّتي بِيَمِينِكَ (٥)، عَدَسَ: زَجرٌ للبَغلِ (٦) كأنَّه

стр. 711

زَجَرَهَا ثُمَّ قال: ما لِعبَّادٍ عَليك إمارةٌ، ويُحتَمَلُ أن يُرادَ بها البَغلُ تَسمِيَةً لها بزجرِه كما في قولِهِ (١): إذا حَملتُ بزَّتِي على عَدَسْ بعضُ البَصريّينَ خَرَّجَ البيتَ فقالَ: هذا على أصله من الإِشارِةِ وحَمَلَ تَحمِلين على الحالِ من "هذا" بمَعنى حاملةً له (٢) وكذلك: "بِيَمينِك" يَجوزُ أنَّ تكونَ ظَرفًا في مَوضعِ الحالِ. قالَ جارُ اللَّهِ: ذَكَرَ سيبويهِ (٣) في "ماذا صَنعتَ" وَجهَينِ: أحدُهُما: أن يكونَ المعنى أيُّ شيءٍ الّذي صَنَعتَهُ، وجوابُه حَسَنٌ بالرَّفعِ وأنشدَ لَبيد (٤): ألا تَسألانِ المرءَ ماذا يُحَاوِلُ … أنَحبٌ فَيُقضَى أم ضَلالٌ وباطلُ والثّاني: أن تَكونَ "ماذا" كما هو بمنزلةِ اسم واحدٍ كأنَّه قيلَ لَه: أيُّ شيءٍ صَنعتَ، وجَوابُه بالنَّصبِ. قالَ المُشرِّحُ: والّذي يَدُلُّ على أنَّها بِمَنزلَةِ شيءٍ واحدٍ قالَ العَرَبُ

стр. 712

عَمَّاذا تَسألُ؟ فأثبتوا الألفِ في "ما" فَلولا أنَّ "ما" مع "ذا" بمنزلَةِ اسمٍ واحدٍ لقالوا: عَمَّ ذا تسألُ؟ وقوله (١): يا خَزرُ تَغلبَ ماذا بَالُ نِسوَتِكُم فاستعمل ذا استعمالَ "ما" من غيرِ أن يُضَمَّ إليها شَيءٌ، وهذا لأنَّ المُستَعمَلَ ما بالُك دونَ الآخرِ، ومنه قَوله (٢): دَعِي ماذا علمتُ فأتَّقِيهِ … ولكنْ بالمغيَّبِ نَبِّئِنِي كأنَّه قالَ: دَعي شَيئًا علمتُ، ويُشبِهُ المَسألةَ المَذكورةَ قَولُكَ: يأيُّها الرَّجلُ فقد أُجرِيَ الموصوفُ والصّفةُ مُجرى شَيءٍ واحدٍ (٣). "ذا" في الوَجه الثّاني بِمَنزِلَةِ البَدَلِ عمَّا نُوِيَ في "ما" من المُضافِ إليه، وفيه تَأكيدٌ وبَيَانٌ إنَّ "ما" لَيست بالنّافِية، وعن ابن الأنباريّ (٤): إِنَّما جازَ أنَّ يُجعَلَ ما مع ذا اسمًا واحدًا في ماذا، ولم يجز أن يُجعل مَن مع ذا اسمًا واحدًا، لأنَّ (ما) اسمٌ عامٌّ، وذا كذلك، فيَقَعانِ على الأسماءِ كلّها، فلمَّا اتّفقا (٥) من جهةِ العمومِ ضُمَّ أحدُهما إلى الآخرِ، فأمّا (مَنْ) فاسمٌ خاصٌ لما يَعقِلُ، وذا عامٌّ فلم يَجُز أنَّ يُضَمَّ العامُّ إلى الخاصِّ لاختلافِ معناهما. لا يعني بالمرءِ مرءًا

стр. 713

معينًا، يقولُ أعليه نذرٌ في الاجتهادِ في طَلَبِ المالِ وتَحْصِيل المَنَالِ فهو يَسْعَى أبدًا في الوَفاءِ بنَذْرِهِ أم هذا الفعلُ منهَ ضَلالٌ صادِرٌ لا عَن حُجَّة (١). قالَ جارُ اللَّهِ: وقُرئ قولُه تَعالى (٢): ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ بالرّفعِ والنَّصبِ (٣). قالَ المُشَرِّحُ: عَفوُ المالِ ما يفضُلُ عن النَّفقَةِ، يقالُ: أعطيتُه عفوَ المالِ، يَعني بِغيرِ مَسألةٍ قال (٤): خُذِي العفوَ مِنِّي تَستَدِيمِي مَوَدَّتِي

стр. 714

[بَاب أسمَاء الأفعَال وَالأصوَات] قالَ جارُ اللهِ: "أسماءُ الأفعالِ والأصواتُ". قالَ المُشرِّحُ: "والأصواتُ" مرفوعةٌ، كذا الرِّوايةُ. قالَ جارُ الله: "وهي على ضَربين: ضربٌ لتسميَةِ الأوامرِ، وضَربٌ لِتَسمِيَةِ الأخبارِ، والغَلَبَةُ منها (١) للأوَّل، وهو يَنقسمُ إلى مُتعدٍّ للمأمورِ بِهِ وغيرِ مُتَعَدٍّ له، فالمُتَعَدِّي نحو قولِك: رَويدَ زَيدًا أي أرودهُ وأمهِلُهُ ويُقالُ: تَيدَ زَيدًا: بمعنى رُويدَ". قال المشرّحُ: تَيْدَ: بِفَتحِ التَّاءِ والدَّالِ وسكونِ الياءِ. قالَ جارُ اللهِ: "وَهلُمَّ زيدًا؛ أي قَرِّبهُ وأحضِرهُ، وهاتِ الشَّيءَ أي: أعطِنِيه، قال الله تعالى (٢): ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ وها زيدًا، أي خُذه، وحَيَّهَلَ الثَّريدَ أي آتِهِ، وَبلْهَ زيدًا أي دَعهُ، وتِرَاكِهَا ومَناعِهَا أي اترُكها وامنَعها، وعليكَ زيدًا أي الزمهُ، وعليَّ زيدًا أي أولِينِيهِ". قال المُشَرِّحُ: هاتِ بمعنى أحضِرْ، ويُقالُ: أعطِ، من آتى يُؤْتى أو يُواتِى، والهاءُ فيه مُبدلَةٌ من الهَمزةِ كما في هَرَقتُ الماءَ. وحكى بَعضُهم: ما

стр. 715

أُهاتِيكَ بمنزلةِ ما أعاطيك، وهاتِ فِعلٌ مَحضٌ، لأنَّ معناه معنى الفِعلِ وظاهرَه ظاهرُه، وهو مع ذلِكَ يتصّرفُ تصرُّفَ سائِر الأوامرِ الواقِعةِ في بابِ أفعلَ أو فاعلَ، فلستُ أدري ما وَجهُ الحِيلَةِ في جَعلِهِ اسمًا؟! الضَّميرُ في تَراكها ومَناعِهَا للإِبلِ. والكافُ في عليكَ زيدًا ضَميرٌ ولها مَوضعٌ من الإِعرابِ، ولذلك يصحُّ أن تُؤكدَ فيُقالُ: عليكَ نَفْسَكَ زيدًا (١)، ويقالُ: عليكُمَ أجمعين زَيدًا. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرجَانِيّ ولو كانت مُجَرَّدةً للخطابِ لم يَجُز ذلك كما لا يَجوزُ أن تقولَ: خُذ ذاكَ نفسَكَ، عليَّ زَيدًا: أي أولنِيهِ، كأنَّه قال: قَرِّبهُ مِنّي، وأصلُه من وَلِيَهُ إذا قَرُبَ منه، ولَفظُ ابنِ السَّراجِ (٢): فإذا قلتَ عليَّ زيدًا فمعناهُ أعطِنِي (٣)، وإذا قلتَ: عَليكَ زيدًا فمَعناه خُذُ زَيدًا. قالَ جارُ الله: "وغيرُ المُتَعَدّى في نحوَ قولِكَ مهْ: أي اسكُت، وصَهْ: أي اكفُف وإيهِ: أي حَدِّث، وهَيْتَ، وهَلَا: أي أسرع، وهيَّك، وهَيْك، وهَيَّا: أي أسرع فيما أنت فيه قالَ (٤): فَقَد دَجَا اللَّيلُ فَهَيَّا هَيَّا" قالَ المشرِّحُ: كذا وَقَعَ في نُسخ (٥) (المفصّل) والمَسموعُ فيه (٦):

стр. 716

مَه (١)، أي اكفُف وصَه (٢)، أي اسكت (٣)، وهَيْتَ: بِفَتحِ الها والتَّاءِ كذا الرِّوايَةُ عن الشَّيخِ ها هنا. وقال الشَّيخُ أبو عليّ الفارِسيّ: ومثلُ هذه الكَلِمَةِ في أنَّ الآخرَ منه قَد جاءَت فيه الحركاتُ لالتقاءِ السَّاكنين قَولهم: كانَ من الأمرِ ذَيتَ ودَيتَ ودِيتَ والرّوايةُ المشهورةُ الفَتحُ. قالَ رجلٌ لأميرِ المؤمنين عليّ بن أبي طالبٍ ﵁ (٤) -: أبلغ أميرَ المؤمنين أخَا العراقِ إذا أتَيتَا إنَّ العِرَاقَ وأهلَهُ عُنُقٌ إليكَ فهَيَت هَيتَا فإن سألتَ: فإذا كان معنى "هَيت" أسرع فما هذه اللّامُ في قولِهِم هيتَ لَكَ؟ أجبتُ: للتَّبيينِ بمنزلةِ قَولِهِم: هَلُمَّ لَكَ، ومِثلُ تَبيينِهِم إيّاهُ بِلَكَ تَبينُهم "رَويدَ" بالكافِ في (٥) رُويدَكَ، وتَبينيهم هَا بالكافِ في قَولِهم: هَاكَ وهَاكِ. فإن سألتَ: فما بالُ هذه الأسماءِ جُعل تَبيينُ بَعضِها باللّامِ مع الضَّميرِ، وتَبيينُ بَعضِها بِنفسِ الضَّميرِ؟ أجبتُ: تَشبيهًا لِتَبيِينِها بتعدِيَتها (٦) بالأسماءِ اللّازمةِ والمُتَعَدّيةِ. الأولُ بتَشديدِ الياءِ وكذلك الثّالثُ، والأوسطُ بسكونِه. فإن سَألتَ: فإذا كانَ مَعنى الأوليين الإِسراعُ، فما وَجهُ هذه الكافِ فيهما؟ أجبتُ: يُحتَمَلُ أن يكونَ عكسُ قولَك: عَندَك أنتَ مُنطَلِقٌ، وكذلِكَ

стр. 717

الحُكمُ في قولِهِم: رويدَكَ التجاءك (١) وحَيّهلَك. قال ابنُ السّراجِ (٢): ولا يَجوزُ مثلُ هذا لأنَّ هذا الباب إنّما يُوضِعُ في الأمرِ مع المخاطَب والمُتَكَلّم، ولا يجوزُ أن تقولَ: رُويدَه زيدًا، أو دُونه عَمرًا تريدُ غيرَ المخاطبِ وحُكي أنّ بعضَهم قالَ: عليهِ رَجُلًا لَيس، وهو قَليلٌ. قال جارُ اللَّه: "ونَزَالِ: أي انزِل، وقَدك (٣)، وقَطك: أي اكففُ وانتهِ (٤) وإليكَ: أي تَنَحَّ، وسَمِعَ أبو الخَطَّاب من يُقال (٥) له: إليكَ فيقولُ: إليَّ، كأنَّهُ قيل له تَنَح فقالَ أنْتَحِي، ودَعْ أي انتَعِش، يقال: دَعًا لك، ودعدعًا لك، وآمين آمين: بِمَعنى استَجِب". قالَ المُشَرِّحُ: الأوّلُ منها بالهَمزةِ المُجَرّدةِ، والثّاني بالهمزةِ المُعقَبةِ بالألف. قالَ جارُ الله: "وأسماءُ الأخبار نحو هَيهاتَ ذلِكَ: أي بَعُدَ، وشتَّان زَيدٌ وعَمرٌو أي افتَرقا وتَباينا، و"سَرعانَ ذا إهالةً" أي اسرع و: "وشيكان ذا خُروجًا": أي وشَك، "وأفٍّ" بمَعنى: أتَضجَّرُ، وأوّهْ بمعنى: أتَوَجَّعُ". قالَ المُشَرِّحُ: "وَشْكُ البَين": سُرعةُ الفِراقِ، "وخَرَجَ وشيكًا" أي سَريعًا، و"ووشكا ذا خُروجًا": أي عَجلانَ أسرع، و"ووشك" بضم العَين فيهما كذا السماعُ. ونقل في (المُلح المُونِقَةُ) (٦) أنّ أعرابيًا جاءَ لراعٍ لِيشتَرِيَ

стр. 718

منه شاةً، فقال له: أعندك شاةٌ سمينةٌ ذاتُ نِقْيٍ؟ فقال: نَعَم عِندي شَاةٌ طفحت شَحمًا، وامتلأت دَسَمًا وَوَدَكًا، قال: عليَّ بها، فأتي الرّاعي بِشَاةٍ يَسيل رُغابُها، وهي لا تَتَحَرَّكُ هُزالًا وسوءَ حالٍ، فقالَ الرّجُلُ ما وَعَدتَنا بمثلِ هذه، أينَ الشَّحمُ واللّحمُ؟ فقالَ: ألم تَر أنَّ الشَّحمَ يسيلُ من مَنْخِرِها، فقالَ الرجلُ ذلِكَ. ويُقالُ أصله أن بَعضَ الحَمقَى اشترى عَنزًا فَعلَّفه فسالَ من أنفِه مُخاطُهُ فقالَ لأمّهِ: هذه أهالة ما عَلفتُهُ، فقالت: ذلِكَ. وذا إمَّا إشَارةٌ إلى العَلفِ أي اسرَعَ انقلابُ العَلَفِ دَسَمًا، وإمَّا إلى العَنزِ، والمعنى: أسرَعَ العَنزُ إسالة إهالِهِ، وهو الوَدَكُ. أوَّهْ: مُشَدَّدَةُ الواوِ ساكِنةُ الهاءِ كذا الرِّوايةُ عن الشَّيخِ -رفع (١) الله دَرَجَتَهُ-. قالَ جارُ الله: فَصل؛ وفي (٢) رُوَيدَ أربعةُ أوجُهٍ، هو (٣) في أحدِها مَبنيٌّ، وهو إذا كان اسمًا للفِعلِ، وعن بَعضِ العَرَبِ: لو أردتَ الدّراهمَ لأعطيتُكَ رُوَيدَ ما الشِّعرَ، وهو فيما عَداهُ مُعَربٌ. وذلِكَ أن تَقعَ صِفةً كقولِكَ: ساروا سَيرًا رُويدًا ووضَعَهُ وضعًا رُويدًا، وقولِكَ للرَّجُلِ يُعالِجُ شَيئًا: رُويدًا أي عِلاجًا رُويدًا، أو حالًا كقولِكَ: ساروا رُويدًا أو مَصدرًا في معنى "إرواد" مضافًا كقولِكَ: رُويدَ زَيدٍ (٤)، وسمع بعضُ العَرَبِ: "رُويدَ نَفسِه"، وجَعله مصدَرًا كـ ﴿ضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ " (٥). قالَ المُشَرِّحُ: في "سارُوا سَيرًا رُويدًا" كأنه تَصغيرُ رُودٍ من قولهم: "فُلانٌ يَمشِي على رُوْدٍ" أي على مَهَلٍ قال (٦):

стр. 719

كأنَّها ثَمِلٌ يَمشي على رُودِ وأمَّا في "رُوَيدَ زيدًا" فقد قالَ أبو سَعيدٍ السِّيرافي (١): رويدَ تَصغيرُ إروادًا، مَصدرِ (٢) أرْوَدَ، أي: أمهَلَ، وصَغَّروُه تَصغيرَ التَّرخيمِ، بِحذفِ الزَّوائِد، فَبقِي رُودَ كما قال (٣): فإن تَهلَك فذلِكَ كان قَدري (٤) قالَ الإِمامُ عبدُ القاهرِ الجُرجاني: يريد "تقديري" كقولهم: عَمرك اللهُ، والأصلُ تَعمركَ الله، من قَولهم: عَمّرتُكَ اللهَ أي سألتُ اللَّهَ أن يطيلَ عُمُرَك. [وتفسيرُ رُويدًا مَهلًا، وتَفسيرُ رُوَيدَكَ أمهِل، لأنَّ الكافَ إنما تُدخلُ بمعنى أفعل دونَ غَيره. الشَّيخُ: ساروا رُويدًا هو حَالٌ عن السَّيرِ المقدّرِ، تَقديرُهُ: سارُوا السَّيرَ رُويدًا. وهذا تَفسيرُ سيبويهِ، ويَجوزُ أن يكونَ حالًا عن القَوم أي "مُروِدِينَ" أي ذَوي إروادٍ -انتهى كلامه-. قالَ السِّيرافي (٥) إذا لم يَجيء بالموصوف كانَ الاختيارُ أن يكونَ حالًا] (٦) لضعفِ الصِّفةِ، ويَجوزُ أن يكونَ صِفَةً قامَت

стр. 720

مقامَ المَوصوفِ، تَقولُ: "ضَعهُ رُويدًا" أي وَضعًا رُوَيدًا. الشَّيخُ: لا فرقَ بينَ "رُوَيدًا زَيدًا" و"رُوَيدَ زَيدٍ" (١). المُبَرِّدُ (٢): هذا رَجُلٌ مدحَ رَجُلًا فقالَ المَمدوحُ للمادِحِ هذا القولَ. أي: لو أردتَ الدّراهمَ لأعطيتُكَ فَدَع الشّعر لا حاجةَ بكَ إليهِ. وعن أبي سعيدٍ السّيرافي: وقد يقالُ: إنّ سائِلًا سأل آخر أن يُنشِدَ شِعرًا، وكان إنشادُهُ عليه سَهلًا، فقالَ: لو أردتَ الدَّراهمَ التي إعطاؤها صَعبٌ لأعطيتُك، فَدَعِ الشِّعرِ الذي هو سَهلٌ تَقرُّبًا إلى مبادرتِه في قضاءِ حاجَتِهِ، و"ما" فيه مَزيدةٌ. وقوله: "وَضَعَه وضَعًا رُوَيدًا". هو بواو العطفِ والأمر قوله: رُويدًا أي عِلاجًا رُوَيدًا، بمعنى تُعالجُهُ. قوله: "وسمع بعضُ العَرَبِ: رُوَيدَ نَفسِه" هو مبني للمَفعول ويقولُ محذوف، [نفسه مجرور] (٧) على أنَّه مضافُ إليه وإنَّما بُني رَوُيدًا لجَريِهِ مُجرى أمرِ المخاطبِ، وحُرّكَ تَفاديًا من التقاء السَّاكنين وبُني على الفَتحِ لأنَّه كان من حَقِّهِ أن يكونَ له هذه الحركة من قِبلِ العاملِ، والتَّنوين لأنَّ وقوعَه في الأصلِ موقعَ الأمرِ وقوعُ المَصادِرِ ذلك المَوقع إلّا أنّه لما لَزِمَهُ معنى الأمرِ أُجرِيَ مُجراهُ فَذَهَبَ عنه كونُ هذه الحركةِ من قِبَلِ العاملِ مع التَّنوينِ، وبَقِيَ لها نَفسُ الحَركةِ. تخمير (٨): وتَلحقُ الكافُ للخطابِ فيقالُ: رُوَيدكَ زيدًا، ورُوَيدَكُما زَيدًا، ورُوَيدكُم زيدًا، ورُوَيدك زيدًا ورُوَيدكما زَيدًا، ورُوَيدكُنَّ زَيدًا حكمُ

стр. 721

الكافِ حُكمها في ذلك، في أنَّها حَرفٌ مُتَجَرِّدٌ للخِطَابِ، فليسَ لها مَوضعٌ من الإِعرابِ وفيه وَجهٌ آخرُ. قال الإِمامُ عبدُ القاهرِ الجُرجانيّ: وهو أن تُستعمل مَصدرًا صَحيحًا فيقالُ: رُوَيدكَ على أن تكون الكافُ ضَميرًا مِثلُها في قَولِك: ضَربُك زَيدًا تُريدُ ضَرَبَ زَيدٌ ضربًا، ثم تَحذِفُ (١) الفِعلَ وتُضِيفُ المَصدرَ إلى الفاعِلِ وأنتَ في هذا الوَجه تَقولُ: رُوَيدكَ نَفْسَكَ زيدًا ولا تقولُه في الوجهِ الأوّلِ (٢). قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ هَلُمِّ مُرَكَّبةٌ من حَرفِ التَّنبيهِ مع "لُمَّ" محذوفةً منها ألفُها عندَ أصحابِنَا، وعند الكوفيّين من "هَلْ" مع "أُمَّ" محذوفةً همزتُها، والحجازِيُّون فيها على لفظِ واحدٍ في التّثنيةِ والجَمعِ والتّذكيرِ والتّأنيثِ، وبنو تَميمٍ يقولون هَلُمَّا وهلُموا واهلُمِّي وهَلمُمْنَ وهي على وَجهين: مُتَعَدِّيَةٌ كَهَاتِ، وغَيرُ مُتَعَدِّيةٍ بمعنى تَعالَ وأقبلْ، قالَ اللهُ تَعالَى (٣): ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ وقالَ (٤) ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وحَكى الأصمعي: أنَّ الرَّجَلَ يقالُ له: هلمَّ فيقولُ لا أهلُمَّ". قالَ المُشرِّحُ: في "حاشيةِ المُفَصِّلِ" (٥) تُرَكّبُ أسماءٌ من الكلماتِ كما تُركَّبُ من الحُروفِ فإنّه يُنسى فوائِدها عند التركيب. لا أهلَمَّ: بفتح الهَمزة والهاء وضَمِّ اللّامِ وتَشديدِ المِيمِ. الشَّيخُ (٦) كأنَّ لا ألُمَّ فزيدَت الهَاءُ بينَ

стр. 722

همزَتِهِ ولامه، ومن قالَ لا أهلُمَّ فقد حَرَّفَ يَعني بِحَرَّفَ بِضَمِّ (١) الهمزةِ وفتحِ الهاءِ وكَسرِ اللّامِ، وإنّما بُني لأنَّه في الأصلِ لم يَكُن (٢) مقترنًا به حرفُ التَّنبيهِ على ما هو المذهب البَصريّ، وأهلُمّ (٣) مقترنًا به حرف الحَثِّ والزَّجرِ كما هو المَذهبُ الكُوفي (٤) ثم حُذِفَ منها الألفُ، والأوّل أليقُ بمعنى المُتَعَدّيةِ (٥)، والثَّاني بغيرِ المُتَعَدّيةِ (٦). قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ "ها" بمعنى خُذ وتَلحق الكافُ فيقالُ: هَاكَ فَيصرَّفُ مع المخاطبِ في أحواله، وتُوضَع الهَمزةُ موضِعَ الكافِ فيقالُ: هاءِ، وتُصرَّفُ تَصريفَهما ويُجمعُ بينهما فَيُقالُ: ها آك بإقرارِ الهَمزةِ على الفَتح، وتَصريفِ الكافِ، ومنهم من يَقولُ "هَاءِ" كَرامِ، وتصرَّفُ تَصريفَه، ومنهم مَن يقولُ "هَأ" بوزنِ هَبْ وتُصَرّف تصريفه". قال المشرّح: لم تُوضع الهَمزةُ موضعَ كافِ الخِطابِ (٦) إلا في هاءِ وَحدها ومَن قالَ: هأك فقد جَمَعَ بين البَدَلِ والمُبدَلِ. ونظيرُه يا أبتا يا أمَّتا، بِمعنى المضاف إلى ياءِ المُتَكَلّمِ. قالَ جارُ الله: "فَصلٌ؛ حيَّهل مرَّكبٌ من حَيَّ وهَل، مبنيٌ على الفَتحِ، ويقالُ: حَيَّ هَلًا بالتَّنوين، وحيَّهلَا بالألفِ ذَكَرَ هذه اللّغات سيبويهِ (٧) وزاد

стр. 723

غَيره حَيهل وحَيّهل وحَيَّهَلَا بالألف، وقد جاءَ مُعَدًّى بِنَفسِه وبالباءِ وَبعلَى وبإلى، وفي الحَديثِ (١): "إذا ذُكر الصَّالحون فحَيَّهلًا بعمر" وقال (٢): بِحَيَّهلَا يزجُون كلَّ مَطِيَّةٍ … أمامَ المطايَا سيرُها المُتَقَاذِفُ وقالَ الآخرُ (٣): وهَيَّجَ الحَيَّ في دَارٍ فَظَلَّ لَهم … يومٌ كثيرٌ تَنادِيه وحَيْهَلُهُ

стр. 724

وتُستعمَلُ "حَيَّ" وحدَهُ بمعنى أقبل، ومنه قولُ المُؤذّن: "حَيَّ على الصّلاةِ" و "هَلا" وَحده قال (١): ألا أبلِغا لَيلَى وقولَا لَها هَلَا قالَ المُشَرِّحُ: قولُه: زادَ غيره حَيهْل: هو بسكون اللام وحَيَّهْلَ: بسكون الهاء وفتح اللام، وحَيَّهْلًا بسكون الهاء ومِع (٢) التنوين أي أسرع بعمرَ في الذّكرِ فإنه منهم. الرّوايةُ: (بَحيَّهلَا يَزجونَ … ) بالألف غير منوّنة، "المُتَقَاذِفُ" الّذي يَتبعُ بَعضُه بَعضًا، كلّما تَمَّ لَها سيرٌ قُذفَ بها إلى سيرٍ آخر: ومثلُه قولُ عمرَ بن أبي رَبيعة (٣): أخُو سَفَرٍ جوّاب أرض تقاذَفَت … به فَلَواتٍ فهو أشعَث أغبرُ

стр. 725

وسيرُها المُتَقَاذِفُ (١) مبتدأ (٢) وصِفة، وأمام المَطايا خَبَرُه، ويُروى (٣): بِحَيَّهلًا عجلى (٤) الرَّواحَ رَمى بِهَا … أمامُ المَطايا ............... عجلى: اسمُها، ومَعناه: يا عَجلي، الرَّواحَ منصوبٌ، لأنَّه مَصدرٌ في مَوضعِ فِعلِ الأمرِ، ومَعناه: رَوِّحي الرَّواحَ، وتَقولُ بهذا القول رَمى بهذه (٥) النّاقةِ سَيرُها قُدام الإِبلِ، والمعنى: هذا الزجر لها كان سَبَبًا لِسراعها وتَقَدُّمِها الإِبلَ. هذا البيتُ الثَّالثُ للنَّابغةِ الجَعديِّ. قال جارُ اللَّه: "بَلْهَ" على ضربين، اسمُ فعلٍ، ومصدرٌ بمعنى التَّرك مضافٌ، يقالُ: بَله زَيدٍ [كأنّه قالَ: تَرك زَيدٍ] (٦)، وأنشد أبو عُبيدٍ (٧) قوله: بَلهَ الأكفِ كأنَّها لم تُخلَقِ منصوبًا ومجرورًا، وقد رَوى أبو زَيدٍ فيه القلب إذا كان مَصدرًا وهو قَولُهم بَهلَ زَيدٍ. قالَ المُشَرِّحُ: صَدرُ البيت (٨)

стр. 726

تَلِدُ الجَمَاجِمَ ضاحيًا هاماتها … بلهَ الأكفَّ ...... البيت في "حاشِيةِ المفصل (١) "بَلهَ الأكفَّ" اسمُ فعلٍ تَقديره دَع الأكُفَّ كأنّها لَم تخلقِ أي قَطَعَها من الأيدي كأنَّ الأكفَّ لم تكُن عَليها مَخلوقةٌ. قال جارُ اللَّه: "فَعَالِ على أربعةِ أوجهٍ (٢)، الّتي في مَعنى الأمرِ كَنزالِ وتَراكِ، وبَراكِ ودَراكِ، ونَضارِ، وبَدادِ أي ليأخذ كل منكم قرنَه، ويقالُ أيضًا: جاءَت الخيلُ بدادِ أي مُتَبَدّدَةً ونَعاءِ فلانًا، ودَبابِ للّضَّبُعِ أي دُبّي، وخَراجِ لُعبَةٌ للصِّبيان أي اخرجوا، وهي قِياسٌ عندَ سيبويهِ في جَميع الأفعالِ الثُّلاثِيَّةِ، وقد قَلَّت في الرُّباعيّة كقِرقارِ في قولِهِ (٣): قَالَت لَهُ رِيحُ الصَّبا قِرْقَارِ وَقالَ (٤): يَدعُو وَلِيدُهُمُ بها عِرعَارِ قالَ المُشَرِّحُ: دَرَاكِ: أي أدرِك، ونَظارِ أي انظُر. مَعناه قَرْقَرَ كالرَّعدِ وبَعدَه: واختَلَطَ المعرُوفُ بالإِنكارِ كأنَّه يَعني من صَوتِ الرَّعدِ، والمنكَرُ منه. البَيتُ الثّاني للنابغةِ الذُّبيانيّ إذ لم يَجد من الصبيان أحدًا رَفَعَ صوتَه قائلًا: (عِرعار) فإذا سَمِعوا صَوته

стр. 727

خَرَجُوا إليه فَلَعِبوا معه تلكَ اللُّعبَة. قالَ جارُ اللَّه: "والّتي في مَعنى المَصدَر المَعرفةِ كفَجارِ للفُجُورِ، ويَسارِ للمَيسَرَة وجَمادِ للجُمود، وحَمادِ للمحمدةِ". قالَ المُشرِّحُ: الوَجهُ في جَمادِ بالجِيم أنَّ يُقالَ، وحَماد للمَحمدة بمعنى الحمود لِتوافي في التَّأنيث أخوَاتِها. قالَ أبو سَعيدٍ السِّيرافي (١): غيرَ أنَّ الَّذي عُدِلَ عَنه هذا اللّفظ كأنَّه الحَمدة والجَمدة أو ما جَرى هذا (٢) المَجرى من المؤنَّثِ المَعرفةِ. قالَ جارُ اللَّه: "ويَقولون لِلظّباءَ إذا وَرَدَتِ الماء فلا عُبابِ، وإذا لم تردِ الماء فلا أُباب، ورَكبَ فلان هَجَاجِ أي: الباطِلَ ويقالُ دعنى كَفافِ أي تَكفُّ عَنَّي وأكفّ عَنك، ونَزلَت بَوَارِ على الكفَّار، ونَزَلَت بَلاءِ على أهلِ الكِتابِ". قالَ المشرّح: رَكِبَ فلانٌ هَجاجِ، إذا رَكِبَ رأسَهُ في الهَجِيجِ، وهو الوادِي العَميق. قالَ جارُ اللَّه: والمَعدولةُ عن الصِّفةِ كقولِهِم في النِّداءِ يا فَسَاقِ، ويا خَبَاثِ، ويا لَكَاعِ، ويا رَطَابِ (٣)، ويا ذَفَارِ، ويا خَصَافِ، ويا حَبَاقِ (٤) ويا خَرَاقِ. قالَ المُشرّح: أي يا فاسقةُ ويا خَبيثةُ، ويا لَكعاءُ، ويا رَطبةَ الهَنِ ويا مُنتِنَةُ من الذِّفرِ وهو النَتَنُ، ويقال للدُّنيا أم ذِفرٍ، ويا خاصفةُ (٥) من الخصفِ وهو الضُّراط، ويا حابقةُ، ويا خارقةُ من الخَرق بالخاء المعجمة وهو الذّرق.

стр. 728

قال جارُ اللَّهِ: "وفي غير النداءِ نحو حَلَاقِ وجَبَاذِ للمنيَّةِ - وضَرَامِ للحَربِ، وكَلامِ وَجَداعِ وأزامِ لِلسَّنةِ، وحَنَاذِ للشَّمسِ، وسباطِ للحُمَّى، وطَمارِ للمَكَان الَمُرتَفع يقالُ: هوى من طَمارِ "وابنا طَمارٍ" ثَنِيَّتَانِ (١). وَوَقَعَ في بَناتِ طَمارِ وطبارِ أي في دواه، ورَماه اللَّهُ ببنتِ (٢) طَمارِ وسَبَّتهُ سُبّه تكونَ لِزَامِ أي لازمةٌ". قال المشرّحُ: سميت بذلك لأنَّ المنيةَ تحلقُ وتجذُّ، والحربُ تضرِمُ، وسنة القَحطِ تكلُحُ وتخدَعُ وتأزِمُ أي تَعضُّ، والشَّمسُ تَحْنِذُ أي تَشوي، والحُمى تَسبط أي تَمُدُّ والمكان المُرتَفِعُ كأنَّه طامِرٌ أي واثبٌ، وَوَقعَ في دَواه كالجِبالِ، الباءُ والميمُ كأنّهما يَتعاقَبانِ لكونِهِما شَفَهِيَّتَينِ ومنه ما زِلت على هذا الأمرِ راتبًا وراتما. قال جارُ اللَّهِ: "ويقولن للرّجُلِ يَطلع عليهم يكرهون طَلعَتهُ: حَدَادِ حُدّيه؛ "وكَرارِ" خَرَزَةٌ يؤخَّذنَ بها أزواجَهُنَّ يَقُلنَ: "يا هَصر. اهصريه، ويا كَرارِ كُرِّيه، وإنْ أدبر فَرُدّيه، وإن أقبلَ فَسُّريه" وفي مَثَلٍ "فَشاشِ فُشِّيه من آسِتِه إلى فِيه" و"قطاطِ" في قَوله (٣): أطلت فراطَهم حتى إذا ما … قَتلتُ سراتَهم كانت قَطَاطِ أي كانت تلك الفعلة كافيةً لي وقاطةً لِثَأري أي قاطعةً، ولا تبل فلانًا عندي بلالِ أي باله، ويقال لِلّداهِيَة: صُمى صَمَام، وكويتُه وقاعِ وهي سِمَةً على الجاعرتين، وقيلَ في طولِ الرأسِ من مُقَدّمِهِ إلى مُؤَخَّرَتِهِ قالَ:

стр. 729

وكنتُ إذا مُنيتُ بِخَصمِ سُوءٍ … دَلَفتُ له فأكوِيه وَقَاعِ" قالَ المُشرِّحُ: أي يا حادَّة حُدِّيهِ والمعنى يا داهيةُ المانعة امنعيه عن مَصيره إلينا، يَؤخَّذن من الأُخذ بالضَّم، وهي: رُقية كالسِّحرِ أو خَزَرٌ يَعقِدنَها عَقد السّحر. الهَصرُ هو الكَسر والإِمالةُ (١) ومه أسدٌ هصورٌ لكسرِهِ الفرائِسَ، "كرارِ" خَرَزَةٌ تُؤخَّذ بها نساءُ الأعراب. "الكرُّ" يَتَعَدَّى ولا يَتَعَدَّى وكُرّيه من المتَعَدّى، فشَّ الزِّقَّ إذا أخرجَ ما فيه من الرِّيح وفي المَثَلِ (٢): "لأَفُشَّنَّك فشَّ الوَطَبِ" والمعنى: يا داهِيَة أخرجي منه ريحَ الكبرِ. قَطاطِ: بمعنى حَسْبِي، أي أطلُبُ إمهالهم، والثَّاني إلى أن قَتلتهم. مَعنى المثل: استمري على الصَّم (٣) يا صمامِ، أي: كُوني شديدةً، وأصلُها من الحَيَّةِ الصّمّاءِ وهي التي لا تجيءُ بالرُّقى فكأنَّها تَصِمُّ عنها. والجاعرتان: مَضرِبا الفَرَس بذنبِهِ على فَخِذَيهِ، من الجَعرِ وهو النَجوُ، دَلَثَ ودَلَفَ متقارِبان. هذا البيتُ لعوفِ بن الأخوَصِ (٤): أولئِكَ إخوَتي وخِيارُ رهطي … بِهِم نُهضي حَسبتُ أو امتِنَاعِي ومَعنى البيت على حَسَبِ مَعنى الأوّل: أي أَهزِمُه، وعلى حَسب معنى الثَّاني أضرِب قَونَسَهُ. قالَ جارُ اللَّه: "والمَعدولةُ عن فاعلةٍ في الأعلامِ كَحَذامِ، وَقَطامِ

стр. 730

وغَلابِ، وبَهانِ، لِنِسوةٍ، وسَجاحِ للمُتَنَبِيَّةِ، وكَسابِ وخَطافِ لكلبتين (١) وقَتامِ وجَعارِ وفَشاحِ للضَّبُعِ، وحَصانِ وسَكاب لفرسينِ، وعَرارِ لبقرةٍ يُقالُ: "باءَت عرارِ بكَحْلٍ"، وظَفارِ للبلدِ الّذي ينسبَ اليه الجزع، ومنها قولهم: "مَن دَخَلَ ظَفارِ حَمَّرَ"، وملاع وَمناعِ لهَضبَتَينِ وَوبارِ وشَرافِ لأرضين، ولَصافِ لِجَبَلٍ وبَرَاحِ للشَّمسِ. قالَ المُشرّحُ: حَذامِ: من الحَذمِ، وهو القَطعُ، كما أنَّ قطَامِ من القَطمِ وهو القَصُّ. الذي نسألُ عنه في هذا الباب هو قول (٢) الشّيخ في الكَلام المتقدِّم: المَعدولةُ عن الصّفةِ كقولهم في النّداءِ: يا فَساقِ، وقولِه ها هنا: المعدولةُ عن فاعلةٍ في الأعلام كحَذامِ وقَطام، كيفَ لم تُقلب والمَعدولةُ عن فاعلةٍ في الصِّفة والأعلام؟ والجَوَابُ أنَّ الَمَعدولَة عن الصِّفةِ لَيست بِمَعدولةٍ عن فاعِلةٍ على سَبيل الثَّبات بدَليلِ يا رَطابِ: ألا تَرى أنَّ رَطابِ غَيرُ مَعدولةٍ عن راطِبَةٍ، بَل عن رَطْبَةٍ سَجَاحِ (٣): امرأةٌ من بَني يَربوع، تَنَبّأت، وهي امرأةُ مُسيلَمةَ الكَذَّاب، واشتقاقها من قولهم مِشيَةٌ سُجُح أي سَهلةٌ. كَسابِ: من الكَسب، كما أنَّ خَطَافِ من الخَطْفِ. سُمي الضَّبُعُ بِجَعَارِ لِتَلَطُّخِها بِجُعرِها فكأنّها تَجمعه، وبقَثامِ من قَثَمَ، وأقثَم بمعنى جَمَعَ واجتَمَعَ، ومن ثَمَّ سُمّيت جَعارِ، وفي المَثَلِ (٤) "رُوغِي جَعَارِ وانظُري أينَ

стр. 731

المَفَرّ"؟ فَشَاحِ عَلَمٌ للضّبُعِ، خَصَافِ: بالصّادِ المهمَلة واشتقاقُه يعرف بقوله (١): خَصَفْنا بآثارِ المَطِيِّ الحَوَافِرا سَكَابِ: من السَّكبِ، وكذلك تُشَبَّهُ الفرسُ الكثيرةُ الجَري بالبحر، ومن ثَمَّ قالَ ﵇ عَلى ما أعثَرَنِي عَليه (أمثالُ أبي عُبيدٍ) (٢) في فَرَسٍ رَكِبَهُ وجدتهُ بَحرًا، ولهذا يُقال له "اسكوب" عَرارِ (٣) وكَحْل بفتح الكافِ وسكون الحاء: هما بَقَرَتَان تَناطَحتا فماتَتا جَميعًا فقيلَ (٤): "باءَت هذه بهذه" يضربُ لكلّ مستويين. حَمَّرَ: تكلَّم بالحِميَريَّة (٥)، وهذا كما يقالُ في المثلِ الأعجميّ (٦): من دَخَلَ قَرية الغُورِ تَغَاوَر". مَلاعِ من المَلَع: وهو السّير الخَفيفُ سُمِّيت بذلك (٧) لأنَّ من انحدر عنها أسرعَ، مناعِ من المَنعِ. وبَارِ: كانت لعادٍ، واشتقاقها من وَبَرَتِ الأرنَبُ توبيرًا، إذا أخفَت أثرَها لمَشيها في الحزُونَةِ، فكأنها في منخَفَضٍ من الأرضِ، كما أنَّ شَرافِ سمّيت لظهورِهَا

стр. 732

فكأنَّها على شَرَفٍ من الأرض لَصَافِ (١): من منازِل بَني تَميم، قال (٢): قَد كُنتُ أحسِبُكُم أُسُودَ خفيّة … فإذا لَصَافِ تَبيضُ فيها الحُمَّرُ واشتقاقُها على ما رأيتُهُ في (حاشيةِ المفصَّل) (٣) مِنْ لَصفَ لونهُ إذا بَرَقَ. سُمَيت الشَّمسُ بِبراحِ، لأنَّها أبدًا في الزَّوالِ والبَرَاحِ، فإنْ سألْتَ: فما بَالُهم جَعلوا "حَنَاذِ" من الصِّفاتِ و"بَرَاحِ" من الأعلام مع أنَّ كلًّا منهما اسمٌ للشَّمسِ؟ أجبتُ: لأنّه إذا قِيل للشَّمسِ حَنَاذِ فمحصولُه الشَّمسُ حانِذَةٌ، وإذا قِيل للشّمس بَرَاحِ فَمَحصولُه الكَوكَبُ الذي يُسمى الشّمسَ يُسمَّى أيضًا بَرَاحِ كما إذا قُلت: أبُو حَفصٍ عُمَر. قالَ جارُ اللَّه: "فصلٌ؛ والبِناءُ في المعدُولةِ لُغَةُ أهلِ الحِجَازِ، وبنُو تَميمٍ يعربونَها، ويَمنعونَها الصَّرفَ، إلَّا ما كان آخرُه راءً كقولهم: حَضَارِ لأحدِ المُحلفين، وجَعارِ فإنَّهم يوافقون فيه الحِجازيين، إلا القليلَ مِنهم كقولِهِ (٤): ومرَّ دهرٌ على وَبارٍ … فهَلَكَت جَهرةً وبارُ بالرّفعِ".

стр. 733

قال المشرِّح: إنما يوافقُ ينو تَميمٍ للحِجازيين لأنَّ الراءِ أشدُّ مُناسبةً للكَسرةِ من سائِر الحُروفِ، ولذلِكَ نَرى الألثَغَ يخرِجُ الرّاءَ ياءً، ومن ثَمَّ تُمللُ مع الراءِ المكسورةِ الفَتحةُ، وذلِكَ في نحو: مِنَ الصغرِ ومِنَ الكبرِ، ولهذا نقلت (١) الراءُ المكسورةُ إلى الحروفِ المُستعليةِ، ولا كذلك سائرُ الحروفِ، حَضارِ وجَعارِ: لِكوكبين يَطلُعان قبلَ سُهيلٍ وهما المُحلِّفان لِتَحالُفِ (٢) النّاسِ بكلِّ واحدٍ منهما، يَحلِفُ بَعضُهم أنّه سُهَيلٌ، ويحلِفُ البَعض أنه لَيس به. البيتُ للأعشى، وهو على مَذهبِ ذلِكَ القليلِ (٣). فإن سألتَ لَعلَّ تَحويلَه مُعربًا لِضرورةِ الشّعرِ؟ أجبتُ: ذكَرَ الشيخُ أنَّ ضَرورةَ الشّعرِ لا تجيزُ إعرابَ المبنيِّ. ما بعدَ البيت (٤): وَحيِّ بالحيِّ من جَديسٍ … يومٌ من الشَّرِّ مُستطارُ وأهلَ جَوٍّ أتت عَليهم … فأفسدَت عَيشَهم فبَارُوا وقَبلهُم غالت المَنَايَا … طَسما ولم يُنجِهِم حِذارُ بادُوا كَما بادَ أوَّلوهُم … عَفَّى على آثارِهِم قِدَارُ زَعم ابنُ إسحاقَ (٥): أنَّ أميمَ بن لاوذ بن سام بن نوح نَزلوا "وَبَارِ" فكثروا وزَركوا ثم عَصَوا فأصابتهم من اللهِ نِقمَةٌ فَهلكوا وَبقِيَت منهم بقيّةٌ يقال لهم النّسناسُ للرّجُلِ منهم يدٌ ورِجلٌ من شِقٌّ واحد ينفُرون نَفر الظباءِ. و"وَبارِ" بلادٌ لا يطؤُها أحدٌ من الإِنسِ لما فيها من حسِّ الجِنِّ، وهي فيما

стр. 734

يَزعمون أكثرُ أرضِ اللهِ نَخلًا وشَجَرًا (١). وحُكِيَ أنَّ رَجُلًا وَقَفَ في الجاهِلِيّةِ على بَعيرٍ له بعُكاظ مثلَ الشّاه وهو يَقولُ (٢): وَمن يُعطِنِي ستًّا وستّين بَكرةً … هِجانًا وأَدمًا أهْدِهِ لِوبَارِ ثم ضَرَبَ بَعيرَهُ فَلَمَع به لَمعَ البرقِ قال الفرزدقُ (٣): وَلَقَد ظَلَلتُ أباكَ تَدعُو دَارِمًا … كَظَلَالِ مُلتِمِسٍ طَرِيقَ وَبَارِ جِئنا إلى بناءِ فَعَالِ: قالَ النّحويونَ: الأصلُ فيها الّتي بمعنى الأمرِ وبناؤُها لِجَريِها مَجرى أمرِ المُخاطَبِ وسَدِّها مَسَدَّه، وأمَّا الّتي بِمعنى المَصدَر المَعرفةِ والمَعدولتان فَمُشَبَّهٌ بِفَعالِ الّتي هي بمعنى الأمرِ من حَيثُ الصُّورةُ، واجتِماعهما على وَزنِ، وهذا يَنتَقِضُ بنحو السَّحابِ والظَّلامِ والغَمَامِ، فإنّ، تِلك المُشابَهَةَ فيها قائِمةٌ وهيَ مُعَربةٌ (٤).

стр. 735

وَالوجَهُ: أنَّ التي بِمعنى المَصدرِ المَعرفةِ بُنيَت لتَضَمُّنِها مَعنى اللَّام، وأمَّا الّتي بِمَعنى الأمرِ فكذلِكَ لأنَّ مَعنى تَراكِ ودَراكِ التَّركُ، والدَّركُ، وهذا كما يُقامُ المَصدَرُ المعرّفُ باللَّامِ مقامَ الأمر فإن سألتَ: فَهَل سُمِع بِنَحوِ جَيادِ وحَلاقِ ونَزالِ مَصادرَ لأنَّ فَعالِ بمعنى الأمرِ، لو كانت هي في الأصل فَعالِ بمعنى المَصدرِ (١) المعرّف باللّامِ لجازَ أن يُقالَ: تَراكِها كما لا يُقال التَّراكِها. أجبتُ: أمَّا الأولُ فلأنَّ هذه الأمثلةَ لا تَخلو من أن تكونَ في الأصل مَصادِرَ أو لا تكون. فلئن كانت فذاكَ، ولئن لم تَكن قلنا: الواضِعُ أقامَ هذا الوَزنَ مع إرادةِ الوَصفِ والأمرِ به مقامَ المَصدَرِ المُعرَّفِ باللّامِ تَسهِيلًا للأمرِ على طالبِ الإِعرابِ والبِناءِ في هذه الأمثلة. وأمَّا الثَّاني: فبَينَ المُعَرَّفِ باللّامِ وبَينَ ما هو في مَعنى المُعَرّفِ باللَّامِ (٢) تَلاقٍ (٣)، ألا تَرى أنَّ العَلمَ في مَعَنى المعرَّف باللامِ في أنَّه (٤) لا تَجوَزُ إضافتُهُ، وأمَّا المَعدولةُ فإنَّها

стр. 736

مُتَضَمِّنةٌ أيضًا (١) لمعنَى لام التَّعريف، لأنَّها في الأصلِ مَصدرٌ مَعرفَةٌ سُمِّي بِهِ، وبُني على الحَرَكَةِ ذَهاَبًا عن التقاءِ السّاكنين، وعلى الكَسرِ عندَ أهلِ الحِجَازِ لئلَّا يُتَوَهَّمَ أنَّها مُعرَبَةٌ، كما هو مَذهبُ بَنِي تَميمٍ. تَخمير: فَعالِ بمعنى الأمر قياسٌ، وما كان منه مصدرًا فالقياس عَليه باطلٌ وأمَّا ما كان صِفَةً فإنه لا يُقاسُ عليه عندَ سيبويه إلَّا ما جاءَ في النِّداءِ خاصَّةً مثل قَولِهم: يا خَباثِ يا فساقِ. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ هيهاتُ بفتح التاءِ لغةُ أهل الحجازِ، وبكسرها لغةُ أسَدٍ وتَميمٍ، ومن العَرَبِ من يضُمَّها وقَد قُرِئ بِهِن جميعًا، وقد تُنوَّنُ علىِ اللُّغاتِ الثَّلاثِ قال (٢): تَذَكَّرتُ أيَّامًا مضينَ من الصِّبا … فَهيهاتَ هَيهاتٍ إلينا رُجوعَهَا وقد رُوي: هَيهاتُ من مَصبَحِها هَيهاتِ بِضَمِّ الأوّلِ وكَسرِ الثَّاني، ومنهم مَن يحذِفُها، ومِنهم مَن يُسَكِّنُها، ومنهم مَن يَجعَلُها نُونًا، وقَد تُبدَلُ هاؤُها هَمزةً، ومنهم من يَقولُ: إيهات (٣) وإيهان وإيهًا وقالوا: إنّ المَفتوحةَ مفرَدةٌ وتاؤُها للتأنيثِ مثلها في غُرفَةٍ مُظلِمةٍ، ولذلك يَقلبُها الواقفُ هاءً فيقول: هيهاه، وألفُها عن ياءٍ لأنَّ أصلَها هَيهيَةٍ، من المضاعف كزَلزَلَةٍ، وأمّا المَكسورةُ فجمعُ المَفتوحَةِ وأصلها هَيهاتْ بحَذفِ اللَّامِ والوَقفِ عليها بالتّاءِ كمسلماتِ". قالَ المُشَرِّحُ: الأغلبُ على الأصواتِ الأمرُ والنّهيُ إلَّا شتَّانَ وهَيهات

стр. 737

فإنَّهما قد وَرَدا في الخَبَرِ، هَيهات لا تُستَعمَلُ استعمالَ بعُدَ على الإِطلاقِ. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهِر الجُرجَانِيّ: لا يقالُ هَيهات مِنِّي زَيدٌ بمعنى بَعُدَ مِنّي (١)، ثُمَّ هَيهات [لا تكادُ تَجئ] (٢) إلَّا (٣) مُكَرّرةً قال (٤): فَهيهاتَ هَيهاتَ العَقيقُ وأهلُه وقالَ تعالى (٥): ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (٦) أسَدٌ وتميمٌ يقولون: هَيهاتِ هَيهاتِ بكسرِ التاءِ. وهي قراءةُ أبي جَعفر المَدَني (٧)، ومِنهم مَن تقولُ هَيهاتُ بِضَمِّ التّاءِ، وهي قراءةٌ للزُّهري (٨)، ومنهم مَن يَضُمُّها بالتَّنوين وهي قراءةُ أبي حَيوَةَ (٩)، ومنهم مَن يكسِرُها بالتّنوين وهي قراءةُ عِيسى بن عُمر (١٠)، ومنهم مَن يَفتَحُها بالتَّنوين وهي قراءةُ الأعرجِ (١١)، ومنهم

стр. 738

مَن يضمُّ الأولَ ويَكسِرُ الآخر وهي قراءةُ قُعنُب (١)، ومنهم مَنْ يَكسِرُ (٢) التّاء، وهي قِراءَةُ عِيسى الهمذاني (٣) الواقف يَقلُبها هاءً عندَ الكسائي والبَصريّين، وأمّا عندَ الفَرّاءِ وأصحابِهِ فالوقفُ عليها بالتّاءِ لأنَّ ما قَبلها ساكِنٌ فصارَ بمنزلةِ التَّاء في بنت وأخت وهنّه (٤) في (حاشية المفصل) (٥) إن قيل ما الاسمُ الذي يكون تارة مفتوحًا في المُفردِ مكسورًا في الجَمع قِيلَ: هَيهات في المُفرد بالفَتحِ، وفي الجَمعِ بالكَسرِ، وهذا صَنعَةُ التَّصريِفيّن، وأصلُها هَيهات، وَوَزنُها فَيعَلات (٦) فحذِفَ منه اللَّامُ الثَّانيةُ في الجَمع. فإن سألتَ: فَما الفرقُ بينها مُفردًا وبَينها جَمعًا من حَيثُ المَعنى؟ أجبتُ: هَيهات إذا كانَ جَمعًا كانَ أشدَّ إبعادًا من المُفرَدِ لِتناوُلِهِ أنواعَ البُعدِ. إليكَ رُجُوعُها قدَّم فيه صِلَةَ المصدَرِ على المَصدَرِ ومثله (٧): والسَّيرُ عن حَلَبٍ إليك رَحيلُ قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ؛ والمَعنى في شَتَّان تَبايُن الشَّيئين في بَعض المَعاني والأحوال، والَّذي عَليه الفُصحَاءُ شَتَّان زَيدٌ وعَمرٌو، وشَتَّان ما زَيدٌ وعمرٌو قال:

стр. 739

شَتَّان ما يَومي على كورِها … ويومِ حَيَّانَ أخِي جابِرِ قال (١): شتَّان هذا والعِنَاقُ النَّومْ … والمَشرَبُ الباردُ في ظِلّ الدَّومْ وأمَّا نَحو قَولِهِ: لشتَّانَ ما بينَ اليَزِيدَينِ في النَّدى … يَزيدِ سُليمٍ والأغرِّ بنِ حاتِمِ فقد أباه الأصمعي، ولَم يَستَبعِده بعضُ العُلماء عن القِياسِ". قالَ المشرّحُ: شَتَّانَ: من الشَتّ وهو التَّفرّقُ والتَّباعدُ، وبُنِي هو وهَيهاتَ على الفَتحِ لِوُقوعِهِما موقعَ الفِعل الماضي. الّذي عليه الفُصحاء شتّانَ زَيدٌ وعمرٌو وِلأنَّ التفرُّقَ والتَّباعُدَ لا يكونُ إلّا بين اثنين، وكذلك: شتَّان ما زيدٌ وعمرٌو، لأنَّ ما مزيدةٌ. قال الأصمعي: لا يقالُ شتّان ما بينهما، لأنّك إذا جعلتَ ما مزيدةً لم يبقَ في الكلامِ لشتَّان فاعلٌ، وإن جعلتَه بِمَعنى الّذي كُنتَ قَد جَعَلتَ فاعلَ شَتَّان شَيئًا واحِدًا، وهو كما عُلمَ يَقتَضِي شَيئَينِ (٢). ولم يَستبعِده بَعضُ العلماءِ عن القياس. لأنَّ الفاعِلَ فيه من حَيثُ المَعنى شَيئان، ونَحوه ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ البيتُ الأوّلُ للأعشى (٣)، وقبلَه:

стр. 740

وقَد أُسلي الهَمَّ حين اعتَرى … بِجَسَرة دَوسَرةٍ عاقِرِ شَتَّان ما يَومي ............. … ............. البيت الجَسرَةُ العَظيمةُ، والدَّوسَرَةُ مثلُها (١) والعاقِرُ التي لم تَحمِل، وذلك أصلَبُ لها. "حَيَّانُ": رَجُلٌ (٢) من بَني حَنيفةَ كان يُنادِمُ الأعشى، وله أخٌ يقالُ له: جابرٌ يقول: كُنّا نَشرَبُ ونَنعَمُ مع (٣) جابرٍ. [و] جابرٌ (٤) كانَ -فيما يُقال- مَلكًا يُحسِنُ إلى حيَّانَ لأنَّه نديمه. "في ظِلّ الدَّوْم": على الإِضافةِ أي الدَّائِم ويُروى "في الظّل الدَّوْم" على الوَصفِ أي الدّائم، ومن أنكر (٥) على من رَوى "ظل الدَّومْ" قالَ: أي ظِلٍ يكونُ للدَّومِ؟! وهو شَجَرُ المُقلِ.
следующие страницы →