← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

مُتَضَمِّنةٌ أيضًا (١) لمعنَى لام التَّعريف، لأنَّها في الأصلِ مَصدرٌ مَعرفَةٌ سُمِّي بِهِ، وبُني على الحَرَكَةِ ذَهاَبًا عن التقاءِ السّاكنين، وعلى الكَسرِ عندَ أهلِ الحِجَازِ لئلَّا يُتَوَهَّمَ أنَّها مُعرَبَةٌ، كما هو مَذهبُ بَنِي تَميمٍ. تَخمير: فَعالِ بمعنى الأمر قياسٌ، وما كان منه مصدرًا فالقياس عَليه باطلٌ وأمَّا ما كان صِفَةً فإنه لا يُقاسُ عليه عندَ سيبويه إلَّا ما جاءَ في النِّداءِ خاصَّةً مثل قَولِهم: يا خَباثِ يا فساقِ. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ هيهاتُ بفتح التاءِ لغةُ أهل الحجازِ، وبكسرها لغةُ أسَدٍ وتَميمٍ، ومن العَرَبِ من يضُمَّها وقَد قُرِئ بِهِن جميعًا، وقد تُنوَّنُ علىِ اللُّغاتِ الثَّلاثِ قال (٢): تَذَكَّرتُ أيَّامًا مضينَ من الصِّبا … فَهيهاتَ هَيهاتٍ إلينا رُجوعَهَا وقد رُوي: هَيهاتُ من مَصبَحِها هَيهاتِ بِضَمِّ الأوّلِ وكَسرِ الثَّاني، ومنهم مَن يحذِفُها، ومِنهم مَن يُسَكِّنُها، ومنهم مَن يَجعَلُها نُونًا، وقَد تُبدَلُ هاؤُها هَمزةً، ومنهم من يَقولُ: إيهات (٣) وإيهان وإيهًا وقالوا: إنّ المَفتوحةَ مفرَدةٌ وتاؤُها للتأنيثِ مثلها في غُرفَةٍ مُظلِمةٍ، ولذلك يَقلبُها الواقفُ هاءً فيقول: هيهاه، وألفُها عن ياءٍ لأنَّ أصلَها هَيهيَةٍ، من المضاعف كزَلزَلَةٍ، وأمّا المَكسورةُ فجمعُ المَفتوحَةِ وأصلها هَيهاتْ بحَذفِ اللَّامِ والوَقفِ عليها بالتّاءِ كمسلماتِ". قالَ المُشَرِّحُ: الأغلبُ على الأصواتِ الأمرُ والنّهيُ إلَّا شتَّانَ وهَيهات

стр. 737

فإنَّهما قد وَرَدا في الخَبَرِ، هَيهات لا تُستَعمَلُ استعمالَ بعُدَ على الإِطلاقِ. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهِر الجُرجَانِيّ: لا يقالُ هَيهات مِنِّي زَيدٌ بمعنى بَعُدَ مِنّي (١)، ثُمَّ هَيهات [لا تكادُ تَجئ] (٢) إلَّا (٣) مُكَرّرةً قال (٤): فَهيهاتَ هَيهاتَ العَقيقُ وأهلُه وقالَ تعالى (٥): ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (٦) أسَدٌ وتميمٌ يقولون: هَيهاتِ هَيهاتِ بكسرِ التاءِ. وهي قراءةُ أبي جَعفر المَدَني (٧)، ومِنهم مَن تقولُ هَيهاتُ بِضَمِّ التّاءِ، وهي قراءةٌ للزُّهري (٨)، ومنهم مَن يَضُمُّها بالتَّنوين وهي قراءةُ أبي حَيوَةَ (٩)، ومنهم مَن يكسِرُها بالتّنوين وهي قراءةُ عِيسى بن عُمر (١٠)، ومنهم مَن يَفتَحُها بالتَّنوين وهي قراءةُ الأعرجِ (١١)، ومنهم

стр. 738

مَن يضمُّ الأولَ ويَكسِرُ الآخر وهي قراءةُ قُعنُب (١)، ومنهم مَنْ يَكسِرُ (٢) التّاء، وهي قِراءَةُ عِيسى الهمذاني (٣) الواقف يَقلُبها هاءً عندَ الكسائي والبَصريّين، وأمّا عندَ الفَرّاءِ وأصحابِهِ فالوقفُ عليها بالتّاءِ لأنَّ ما قَبلها ساكِنٌ فصارَ بمنزلةِ التَّاء في بنت وأخت وهنّه (٤) في (حاشية المفصل) (٥) إن قيل ما الاسمُ الذي يكون تارة مفتوحًا في المُفردِ مكسورًا في الجَمع قِيلَ: هَيهات في المُفرد بالفَتحِ، وفي الجَمعِ بالكَسرِ، وهذا صَنعَةُ التَّصريِفيّن، وأصلُها هَيهات، وَوَزنُها فَيعَلات (٦) فحذِفَ منه اللَّامُ الثَّانيةُ في الجَمع. فإن سألتَ: فَما الفرقُ بينها مُفردًا وبَينها جَمعًا من حَيثُ المَعنى؟ أجبتُ: هَيهات إذا كانَ جَمعًا كانَ أشدَّ إبعادًا من المُفرَدِ لِتناوُلِهِ أنواعَ البُعدِ. إليكَ رُجُوعُها قدَّم فيه صِلَةَ المصدَرِ على المَصدَرِ ومثله (٧): والسَّيرُ عن حَلَبٍ إليك رَحيلُ قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ؛ والمَعنى في شَتَّان تَبايُن الشَّيئين في بَعض المَعاني والأحوال، والَّذي عَليه الفُصحَاءُ شَتَّان زَيدٌ وعَمرٌو، وشَتَّان ما زَيدٌ وعمرٌو قال:

стр. 739

شَتَّان ما يَومي على كورِها … ويومِ حَيَّانَ أخِي جابِرِ قال (١): شتَّان هذا والعِنَاقُ النَّومْ … والمَشرَبُ الباردُ في ظِلّ الدَّومْ وأمَّا نَحو قَولِهِ: لشتَّانَ ما بينَ اليَزِيدَينِ في النَّدى … يَزيدِ سُليمٍ والأغرِّ بنِ حاتِمِ فقد أباه الأصمعي، ولَم يَستَبعِده بعضُ العُلماء عن القِياسِ". قالَ المشرّحُ: شَتَّانَ: من الشَتّ وهو التَّفرّقُ والتَّباعدُ، وبُنِي هو وهَيهاتَ على الفَتحِ لِوُقوعِهِما موقعَ الفِعل الماضي. الّذي عليه الفُصحاء شتّانَ زَيدٌ وعمرٌو وِلأنَّ التفرُّقَ والتَّباعُدَ لا يكونُ إلّا بين اثنين، وكذلك: شتَّان ما زيدٌ وعمرٌو، لأنَّ ما مزيدةٌ. قال الأصمعي: لا يقالُ شتّان ما بينهما، لأنّك إذا جعلتَ ما مزيدةً لم يبقَ في الكلامِ لشتَّان فاعلٌ، وإن جعلتَه بِمَعنى الّذي كُنتَ قَد جَعَلتَ فاعلَ شَتَّان شَيئًا واحِدًا، وهو كما عُلمَ يَقتَضِي شَيئَينِ (٢). ولم يَستبعِده بَعضُ العلماءِ عن القياس. لأنَّ الفاعِلَ فيه من حَيثُ المَعنى شَيئان، ونَحوه ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ البيتُ الأوّلُ للأعشى (٣)، وقبلَه:

стр. 740

وقَد أُسلي الهَمَّ حين اعتَرى … بِجَسَرة دَوسَرةٍ عاقِرِ شَتَّان ما يَومي ............. … ............. البيت الجَسرَةُ العَظيمةُ، والدَّوسَرَةُ مثلُها (١) والعاقِرُ التي لم تَحمِل، وذلك أصلَبُ لها. "حَيَّانُ": رَجُلٌ (٢) من بَني حَنيفةَ كان يُنادِمُ الأعشى، وله أخٌ يقالُ له: جابرٌ يقول: كُنّا نَشرَبُ ونَنعَمُ مع (٣) جابرٍ. [و] جابرٌ (٤) كانَ -فيما يُقال- مَلكًا يُحسِنُ إلى حيَّانَ لأنَّه نديمه. "في ظِلّ الدَّوْم": على الإِضافةِ أي الدَّائِم ويُروى "في الظّل الدَّوْم" على الوَصفِ أي الدّائم، ومن أنكر (٥) على من رَوى "ظل الدَّومْ" قالَ: أي ظِلٍ يكونُ للدَّومِ؟! وهو شَجَرُ المُقلِ.

стр. 741

البيتُ الثالثَ لرَبيعةَ الرَّقي (١)، وهو مِمَن لا يُستَشهَدُ بشعره لأنَّه مولدٌ. "اليزيدان": يَزيدُ بن حاتِم المُهَلَّبي (٢) وهو الممدوحُ، ويَزيدُ بن أَسَيِّد السُّلَمِيّ وكان المَنصورُ قد عَقَدَ ليزيدَ بن أسيدٍ (٣) على ديارِ مصرَ، وعَقَدَ ليزيدَ بن حاتم على أفريقيَّة، فسارا معًا، وكان يزيدُ بن حاتِم يُموِّنُ الكَتِيبَتَين مَعًا، فقالَ رَبيعةُ (٤): يَزيدُ الخَيرِ إِنَّ يزيدَ قَومي … سَمِيُّك لا يَجودُ كما تَجودُ تَقودُ كَتِيبَةً ويقودُ أُخرى … وَترزُقُ مَن يَقُود ومَن تَقُودُ

стр. 742

قالَ جارُ الله: فصلٌ؛ وأُفٍ يفتحُ ويُضَمُّ ويكسَرُ، ويُنَوَّنُ في أحوالِه، وتَلحَقُ به التَّاء مُنَوَّنًا فيُقالُ: أُفَّةً. قالَ المشرّحُ: صاحبُ (١) (العَينِ) (٢) الأفُّ وَسَخُ الأُذُن، والتُّفُّ وَسَخُ الأظفارِ، والتَّنفيفُ من التُّفِ كالتَّأفِيفِ من الأُفِ، وإنّما بُنِيَ لغَنائِهِ عن الجُملةِ وعلى الحَرَكَةِ فِرارًا من التقاءِ السَّاكنين. والحَرَكاتُ في أُفٍّ لُغاتٌ. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ وهذه الأسماءُ على ثلاثةِ أضربٍ منها ما يُستعملُ مَعرفةً ونكرةً، وعلامةُ التَّنكيرِ لَحَاقُ التَّنوينِ كقولك إيه وإيهٍ، وصَه وصَهٍ، ومَه ومَهٍ، وعَاق وعَاقٍ، وأُفّ، وأفٍّ. قال المشرّحُ: ابنُ السّراج (٣): إذا قلتَ: إيهِ يا رجلُ فإنَّما تأمُرُه بأن يَزيدَكَ من الحَديثِ المَعروفِ بينَكُما، كأنّك قُلتَ: هَاتِ الحَديثَ، وإن قلتَ إيهٍ بالتَّنوينِ فكأنَّك قُلتَ: هاتِ حَديثًا. قالَ جارُ الله: "ومما لا يُستعمل إلَّا معرفةً نحو بَلْهَ وآمين، وما ألتُزِمَ فيه التّنكير كإيهًا في الكفِّ ووَيهًا في الإِغراءِ، وواهًا في التَعَحُّب، يُقالُ: واهًا لَه ما أطيَبَهُ". قالَ المُشَرِّحُ: واهًا له صَوتٌ يخرجُ به المُتَعَجِّبِ من فيه، أي عَجَبًا لَه، فاللّام صِلةٌ لعَجَبٍ، ويَجوزُ دُخولُ اللّامِ لِلبَيَانِ كما في قولِهِ وَيحًا لَه أي هذا لَه لا لِغيرِه، ويهًا يا فُلان، وهو تَحريضٌ كما يُقال: دونَك يا فُلان. قالَ جارُ الله: - "ومنه فِداءٍ لَكَ فُلانٌ بالكَسرِ والتَّنوين قال (٤):

стр. 743

مَهلًا فِداءٍ لَكَ الأقوامُ كلُّهُم" قالَ المشرّحُ: الأصلُ في فِداءٍ أن تُبنى على السُّكون، إلا أنّه يُحرك تحاشيًا من التقاءِ السّاكنين، وإنما حُرّك بالكَسرِ كما تُحَرّكُ الأوامرُ السَّاكنةُ، والتَّنوينُ فيه كما في "صهٍ"، و"مَهٍ". الشَّيخُ: يُروى فِداءٌ وفِدَاءً. أما وَجهُ الرّفع فهو أنّه خَبَرٌ مقدّمٌ على المُبتَدَأ وهو الأقوام. وأمَّا وجهُ النَّصبِ فَعلى أنَّه مَصدَرٌ تَقديره تَفْديكَ الأقوامُ فِدَاءً. قالَ جارُ الله: "فَصلٌ، ومن أسماءِ الأفعالِ، دُونك زَيدًا أي خذه، وعِندَك عَمرًا، وحِذْرك بَكرًا، وحِذارَك، ومكانَك، وبعدَك إذا قُلتَ تأخَّر وحذّرتُه خَلفه، وفَرطَك وأمامَك، إذا حذّرتُه من بينِ يَديهِ شَيئًا، أو أمرتُه أن يَتَقَدّمَ، ووراءَك أي انظُر إلى خَلفِكَ إذا بَصّرتُه شَيئًا". قالَ المُشَرِّحُ: المصادِرُ والظُّروفُ المَجازية والحَقيقيّةُ لاقتضائها الفِعلَ تُقامُ مَقامَه فمن ذلِكَ: عِندَك عَمرًا أي خُذه وهو ظَرفٌ، ومكانَك وبَعدَك الأول منهما ظَرفٌ والثّاني مصدَرٌ. وفي "شرح الكتاب" (١) وأمَّا ما لا يَتَعَدّى فقولُهم: مكانَك وبعدَك وحِذْرَك وحِذَارَك، كلاهما مَكسورُ الحاءِ إلّا أنَّ الأوَّلَ بسكونِ الذَّالِ. فإن سألتَ: هذا التَّفسيرُ تَفسيرُ الثَّاني من الاسمين أم الأول منهما؟ أجبتُ: تَفسيرُ كِلَيهِما بِدَليلِ قولِهِ: وحذَّرتُه شَيئًا خَلْفك يَنصَرِفُ إلى بعدَك، وأمّا تَأخَّر فيُصرَفُ إلى مَكانَك ألا تَرى أنَّ معناه تأخَّرتَ عن مكانِكَ الّذي أنتَ فيه الآن والزم مكانَك الأوّلَ. وهذا المَوضعُ الأوَّلُ من حَيّاتِ كلامِهِم وعقارِبِه إذا قُلت: تأخَّر فَرَطَك بِفَتحَتَينِ. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ ومن الأصوات قولُ المُتَنَدِّمِ والمُتَعَجِّبِ: وَيْ

стр. 744

تقولُ: وَيْ ما أغفَلَهُ، ويقالُ: وَيْ لُمِّهِ، ومنه قوله تَعالى: - ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) وضَرَبُه فَما قَال: حَسٍّ ولا بَسٍّ، ومضٍّ لمَنْ يَتَمَطَّقُ بِشَفتيه عِند ردّ المُحتَاجِ قالَ (٢): سألتُها الوَصلَ قالت مِضٍّ وَفي أمثَالِهم (٣): (إنَّ في مِضٍّ لَمَطمَعًا). و"بَخٍ" عند الإِعجَابِ، و"أخ" عِندَ التَّكرُّهِ قالَ العَجَّاجُ (٤): وصارَ وَصلُ الغَانِيَات أخّا ويُروى كَخَّا، و"هَلا" زَجرٌ لِلخَيلِ "وعَدَس" لِلبغلِ وقد سُمي (٥) به،

стр. 745

و"هِيْدَ" بفَتحِ الهاءِ وكَسرِها للإِبل، و"هادِ" مثلُه، ويُقالُ: أتاهم فما يُقالُ لَه: "هَيْدَ مالك" إذا لم يَسألوهُ عن حالِهِ، و"جَهْ" "وذَهْ" مثله ومنه: "إلاده فلاده" (١) "وحُوب" و"عاي" مثلُه و"سَع" حثٌّ للإِبلِ، وجُوتِ دعاءٌ لها إلى الشُّربِ وأنشد قوله (٢): دَعاهُنَّ رِدفي فارعَوينَ لِصوتِهِ … كما رُعت بالجُوثِ الظِّماءَ الصَّوادِيا بالفتح مَحكيًا مع الألف واللّامِ، و"جِيءْ" مثلُه و"حِل" زَجرٌ للنّاقَةِ، و"حِت" من قولهم للجَمَل: "حت لا مشيت"، و"هَدَعْ" تَسكين لصغارِ الإِبلِ، و"ذوَّه" دعاءٌ للربع، وتَخ مشدّدةً ومخفّفةَ صوتٌ عند إناخةِ البَعيرِ، و "هيخ" "وإيخ" مِثلُه، و "هَس" و "هيح" "وقاعَ" زجرٌ للغَنَمِ، و "بُس" دعاءٌ لها، وهَج وهَجا وخَسى للكَلبِ قال (٣): سَفَرتَ فقلتُ لها هَجٍ فَتَبَرقَعَت … فَذَكَرتُ حين تَبَرقَعَت ضَبَّارا وهَيج صوت يصوت به الحادي وحَح وعَه وعَيز زَجرٌ للضَّأن وثِيء دعاءٌ

стр. 746

للتَّيسِ عندَ السّفادِ، ودَج صِياحٌ بالدّجاجةِ "وسأ" و"تشو" دعاءٌ للحِمارِ إلى الشُّربِ وفي المَثَلِ: "إذا وَقَفَ الحِمارُ على الرَدهَةِ فلا تَقُل له سَأ" وجاهْ زجر للسَّبع، وقوس دعاءٌ للكلبِ، وطيخِ حِكاية صَوتِ الضَّاحِكِ، وعَيط صوت للفتيان إذا تَصايَحوا في اللّعِبِ، وشِيب صوتُ مشافِرِ الإِبلِ عندَ الشُّربِ، "وماء" حكاية بُغَامِ الظَّبيةِ، وَ"غاقِ" حكايةُ صوتِ الغراب، و"طاقِ" حكَايةُ صوتِ الضّربِ، وطَقْ حكايةُ صَوتِ وقعِ الحِجارةِ بعضِها [ببعضٍ] (١)، و"قَب" حِكايةُ وَقعِ السَّيفِ". قالَ المْشرّحُ: اِعلَم (٢) أنّ الأصواتَ المحكيَّةَ لا تَكادُ تُبنى على الضمّ، لأنَّها في المعنى لا تَتَفرّقُ ذلك التّفريقَ والضمُّ على غايةِ المخالفةِ، وهذا لأنَّ الأصلَ في البناءِ هو السُّكونُ، فإن تَعَذَّرَ فالفَتحُ، فإن تعذَّر فالكسرُ، فإن تعذَّرَ فحينئذٍ الضّمُّ، فالضمُّ ليس بعدَه، وقد يعتَقِبُ على الصوتِ السُّكونُ والحركةُ، وقد يعتَقِبُ عليه الحَرَكتان، وقد يَعتَقِبُ عليه الحَرَكات. فها هُنا ستةُ أقسام. الأصواتُ السَّاكِنَةُ، الأصواتُ المفتُوحَةُ، الأصواتُ المكسورةُ، الأصواتُ المُعتَقِبُ عليها السُّكونُ والحَرَكَةُ، الأصواتُ المُعتَقِبُ عليها الحَرَكَتَانِ، الأصواتُ المُعتَقِبُ عليها الحركاتُ. أمّا الأصواتُ السّاكنةُ فنحو "ثِيء" دُعاء للتّيس عندَ السِّفادِ، قالوا: ومن هذا الباب "حِي" دعاءٌ للإِبل إلى الشُّرب، ومه حَاجَا بالإِبلِ وسَأْ بالسين المهملة و"تُشُؤْ" بالشّين المُعجمة وبالضّمتين، وهو دُعاءٌ بالحمارِ إلى الشُّربِ، "وحِت" من قولهم للحَمَل:

стр. 747

"حَتْ لا مشيت"، و"قَب" حكايةُ وقعِ السّيفِ و"حَح" زجرٌ الضّأنِ، و"دَج" صِياحٌ بالدّجاج، و"هَج" زَجرٌ للغنمِ، وهو أيضًا، "خَسأ للكلبِ"، و"هَجا" بمعنى الخَسا، و"بُس" بضم الباء الموحَّدة للغنمِ، و"عَدَس" زجرٌ للبَغل، و"سُمع" حثٌّ للإِبل، و"هدع" تسكين لصغارِ الإِبلِ و"حَلْ " زجرُ للنّاقة و"هَلَا" زَجرٌ للخيلِ، وأمّا قوله (١): قَدْ حَدَوناها بِهيْدٍ وَهَلَا فَللإِبلِ، "وعَه" زجرٌ للضّانِ، وقولُ المُتَندِّم والمُتَعَجِّبُ يقُول: وَي ما أغفَلَه، ويُقالُ: وَيْ لُمِّهِ، وعَليه بيتُ الكتابِ (٢): سألتَانِي الطلاقَ إذ رَأتَانِي … قَلَّ مالي قَد جِئتُماني بنُكرِ ويَ كأنَّ من يَكن له نَشَبٌ … يُحْبَبْ ومن يَفْتَقِر يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ

стр. 748

ومنه: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) فإن سألتَ كيفَ جازَ التَّعجُّبُ على اللهِ، والتَّعجّبُ استعظامٌ للشَّيءِ لخروجِهِ عن عادتِهِ من غَيرِ أن يُعرفَ سَبَبهُ والله عَلَّامُ الخَفِيَّات لا يَخفى عَليه شيءٌ؟ أجبتُ: المُرادُ بِه تَعَجُّبُ العِبادِ من الكافِرين، والمَعنى أنَّهم مُستَحِقُّون لأن يُتَعَجَّبَ منهم، والمُرادُ بالآية نِسبةُ أمرِهم وشأنِهم أنّهم لا يُفلِحُون. أمَّا الأصواتُ المَفتوحةُ، فإنَّها تَحَرَّكتْ لأنّه ما أمكنَ على السُّكون بناؤها لِسُكونِ ما قبلَ أواخِرها، وبُنِيت على الفَتحِ طَلَبًا للخِفَّةِ، إذ الفَتحُ أخفُّ من الحَركتين الأخيرتين، ومن ثَمَّ قالوا: الفَتحةُ أُختُ السُّكون، وذلك نَحو جَوْث بفتح الجيم. شرحُ البَيت: الضّميرُ في "دعاهُنَّ" لِلنِساءِ؛ "رَدْفي": فاعلُ دعا، يَقولُ لما دَعا تلكَ النِّساءِ رَدْ في اجتمَعنَ وَرَجعنَ عمّا كُنّ عَليه من الشُّغل كما لو دَعوتَ إلى الشُّرب الإِبلِ فالتَقَينَ وتَضامَمنَ للشُّربِ. وأمّا الأصواتُ المَكسورةُ فلا تَخلو من أن تكونَ في معنى الأمرِ أولا تكونُ فلئن كانَ في معنى الأمرِ ثُم مَسَّت إلى تَحريكها الحاجةُ حُرّكت كالأوامرِ إلى الكَسرِ، ولئن لم يَكُن في معنى الأمرِ لا يخلو من أن يكون أوّلُ الكَلِمة مَكسورًا أو لا يكونُ، فلئن كان فَبِناؤُها على الكَسرِ أولى، وذلِكَ لِتَجاذُبِ آخرِ الكلمةِ أوَّلَها. فإن سَألتَ: فكيفَ لم يُحافِظوا على هذا

стр. 749

التَّجاؤبِ في قَوسٍ. أجبتُ: لِئلَّا يَستَغرِق حروفَ الكَلِمةِ ضَمَّاتٌ. وإن لم يَكُن كقولهم: "ضَرَبَه فما قالَ حَسِّ ولا بَسِّ" فإنّما بُنِيَ على الكَسرِ لئلَّا يُوهِم الفَتحُ أنَّهما فِعلان ماضيان، من الحَسِّ، وهو الفَتلُ والاستئصالُ ومن البَسِّ وهو السَّوقُ الرَّقيقُ اللَّينُ وهي (إيخ) و (هيخ) بمعنى، وكلُّ منهما بكسرِ الهاء ونَخّ بفتحِ النُّون وهي مشدّدةٌ ومخففةٌ صَوتٌ عند إناخةِ البعيرِ، وبَخ بالباء الموحّدةِ عندَ الإِعجابِ، وطِيخ بكسر الطّاء حكايةُ صوتِ الضّاحكِ وغيزِ أيضًا بالكسر يُصوِّتُ به الحادِي. وهِس بكسر الهاء مثل إيخ. ومَضٍّ لمن يَتَمَطَّق بشفتيه عند رَدِّ المُحتاج، وفي أمثالهم: (إنّ في مِضٍّ لَمَطمَعًا) وقال: سَألتُها الوَصلَ فَقالت: مِضٍّ ويُروي: (هَلْ وَصلٌ) بهل للاستِفهامِ، والأوَّل روايةُ (المُفصَّل) وعيط صوتٌ للفتيان إذا تَصايحوا لِلَّعب، وفاعِ بالفاءِ زَجرٌ للغَنَم، وطَاق حكايةُ صوتِ الضَّرب وغَاق حِكايةُ صَوتَ الغُرابِ. فإن سألتَ: كيفَ لم تُبنَ طاقِ وغاقِ على الفتح لأنّه أخفُّ الحركات أَجبتُ: لئلَّا تكونَ صيغة الفعلِ الماضي مُشتَركًا فيها بين الفعلِ والاسمِ. فإن سألتَ: فبناؤُه علىِ الكَسرِ أيضًا يُوجِبُ أن يكونَ من بابِ المفاعلةِ منقوصةً مشتركًا فيه أجَبتُ: نعم لكنَّ الاشتراكَ ها هنا اتِّفاقِيٌّ، لا قَصديّ، ودوّهِ (١): دعاءٌ الرّبع، وعاي وحاي مثل هَيد. أمَّا الأصواتُ المُعتَقَبِ عليها الحَركةُ والسُّكونُ فنحو "دِهْ" و"هَبْ" ومنه "إلادِهْ. فلادِهْ" ساكنةُ الهاء وهي رِوايةُ ابن الأعرابيِّ، والروايةُ المشهورة "إلّا دِهٍ فلادِهٍ" وهي كَلمةٌ فارِسيةٌ تَفسيرُها الضَّربُ، وأصلُه أنَّ الموتورَ كان يَلقى واترَه فلا يتعرّضُ له فيقالُ له ذلك، ومعناه إن لم يضربه الآن فلا يضربه أبدًا يُضرَب في كلِّ ما لا يُقدِم عَليهِ الرَّجلَ وقَد كانَ حِينهُ فَوَجَبَ إحداثهُ.

стр. 750

أمَّا الأصواتُ المُعتَقَبُ عليها الحَرَكتانِ فنحو أخٍ عند التَّكرُّهِ، ويروى كَخًا لما شَنَيْتَ وكَرِهتَ وهيدَ زجرٌ للإِبلِ. أما الأصواتُ المعتَقبُ عليها الحركات فنحو حَوث بمعنى هَيْدَ.

стр. 751

[بَابُ الظُّرُوف] قال جارُ الله: "الظُّروفُ، منها الغاياتُ وهي: قَبلُ وبَعدُ وَفوقُ وتَحتُ وأمامُ وقُدَّامُ وخَلفُ وأسفلُ ودُونُ، ومن عَلُ، ومن الغايات "وابَدأ بهذا أوَّلُ"، وقد جاءَ ما لَيسَ بظرفٍ غَايةً نحوَ: حَسبُ ولا غَيرٌ ولَيس غَيرُ، والّذي هو حدُّ الكلامِ، وأصله أن يَنطَقَ بهنِّ مضافاتٍ فلما اقتُطِعَ عنهنَّ ما يُضَفنَ إليه وسُكِتَ عَليهِنَّ صِرنَ حُدودًا يُنتَهى عِندَها فلذلِك سُمِّينَ غاياتٍ، وإنّما يُبنينَ إذا نُوِيَ فيهنَّ المُضافُ إليه، وإن لم يُنوَ فالإِعرابُ كَقولِهِ (١): فَساغَ لي الشَّرابُ وكُنتُ قَبلًا … أكادُ أغصُّ بالماءِ الفُراتِ وقَد قرئ (٢) ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ وابدأ به أولًا، ويُقالُ جِئتُهُ من عَلٍ (٣) وفي معناه من عالٍ ومن معالٍ. قالَ المُشَرِّحُ: ها هنا مَسائِلُ:

стр. 752

الأُولى: أمَّا (١) الغايةُ اسمٌ إضافيٌّ اقتُضِبَ عنه المُضافُ إليه ونُوِيَ فيه، وبُنِيَ على الضَّمِ فإنَّه يُسمَّى غايةً، وذلك مثلُ: قَبلُ وبَعدُ في قوله [: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾] (٢) فإنَّهما اسمانِ إضافيَّانِ، وقد (٣) اقتُضِبَ عَنهما المضافُ إليه، ونُوِيَ فيهما، وبُنِيا على الضَمِّ، أمَّا أنَّهما اسمان فَظاهِرٌ، وأمَّا أنّهما إضافيَّان فكذلِكَ، لأنَّ القَبْلِيَةَ والبَعْدِيّةَ لا بُدَّ وأن تَكونَ بالإِضافةِ إلى شَيءٍ وأمَّا أنَّه نُوِيَ فِيهما فكذلِكَ لأنَّ المُرادَ به من قَبلِ الأشياءِ ومن بَعدِها، وأمَّا بِناؤُهما (٤) على الضَّم فظاهرٌ. الثَّانيةُ: - ما الفرقُ بينَ ما إذا نوِيَ المضافُ إليه فيها وبينَ ما إذا لم يُنوَ، لأنظرْ هل نُوِيَ المضافُ إليه ها هُنا أم لا؟ إنَّه إذا قيلَ جئتُ قَبلُ فمعناه في الزّمانِ المُتَقَدّمِ على هذا الزّمانِ، وإذا قلتَ: جئتُ قَبلًا: فمعناه في زمانٍ من الأزمنةِ المُتَقَدِّمةِ على هذا الزّمان. فإن سَألتَ: فَهَل يَحسُنُ هذا المَعنى في قولِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ على قراءَةِ من قرأه (٥) نَكرةً مُنَوَّنَةً أجبتُ: نَعم: لأنَّ ذلك الزّمانَ المنكّرَ هو ذلك (٦) الزَّمان الواقعُ قبلَ وُجُودِ الأشياءِ وبَعدَ الأزلِ. لأنَّ ذلِكَ الزَّمانَ كأنّه جُزءٌ من الأزمنةِ الّتي فيها قيامُ أمرِ اللهِ تَعالى (٧). الثَّالَثةُ: - لِمَ بُنِيَ إذا نُوِيَ به المُضافُ إليه؟ لأنَّه إذا نُوِيَ به المضافُ إليه يكون مُتَضمّنًا لِمعنى الحَرفِ، وهو مَعنَى (٨) اللَّامِ، وقد تَقَرَّرَ في قواعِد النَّحو

стр. 753

أنَّ الاسمَ متى تَضَمَّنَ معنى الحَرفِ بُنِيَ. الرَّابعةُ: - لِم بُنِيَ على الحَركةِ؟ لأنَّ هذه الأسماءَ لا تَخلو من أن يُمكنَ بناؤُها على السّكونِ أو لا يُمكِنُ بأن يَكونَ ما قبلَ أواخرَها ساكِنًا فلئن لم يُمكِنُ بناؤُها على السُّكون فذاكَ، وإن أمكن فَبِناؤُها على الحَركةِ أولى، وذلِكَ أَنَّ هذه الأسماءَ حَقُّها أن تَقَعَ في ذَيلِ الكلامِ، فبِناؤُها على السُّكون يُوهِمُ أنَّ بِناءَها للوقفِ، فَيَختَلُّ الغَرَضُ المطلوبُ من البناءِ، بخلافِ نَحوكم"، فإنّه لا يقعُ في ذيلِ الكلامِ، فبناؤُه على السُّكون لا يُخِلُّ بالغَرضِ المطلوبِ (١). الخَامِسةُ: لِم بُنِيَ على الضَّم؟. لأنَّ هذه الأسماءَ قد كانَ لَها حَرَكَةٌ للنَّصبِ إمَّا بالظَّرفيَّةِ وإمّا بِغَيرِها، ولها الكسرُ أيضًا، لأنَّها تُضاف إلى ياءِ المُتَكَلِّم، والاجتزاءُ عن ياءِ المُتَكَلِّمِ لا يَجوزُ بالكَسرِ، فلو بُنِيَت على الفتحِ لأوهمَ الحَرَكَةَ الإِعرابيةَ، ولو بُنِيَت على الكَسرِ لأوهمَ الاجتِزاءَ فَتَعَيَّنَ الضَمُّ. فإن سَألتَ: ما تقولُ (٢) في (٣) أوّلِ وغَيرِ لأنَّهما كما لهما حَرَكَةُ النَّصب والكَسرِ فكذلك (٤) لَهُما حَرَكَةُ الرَّفعِ؟ أجبتُ: إذا وَقَعَ التَّعارُضُ بينَ المَحملين (٥)، فَحملُ الضَّمَّ (٦) على الضَّمِّ أولى، وذلِكَ لأنَّ مَحَلَّ الضَّمِّ ينظِمُهُما وأخواتهما في سِلكٍ واحِدٍ بخلافِ المَحمَلينِ الآخَرين. وَنَظيرُ هذه المسألةِ حَذوَ القُذَّةِ بالقُذّةِ المُنادَى المَضمومُ. وكذلك إذا أُضيفا أو نُكِّرا أُعربًا، وإذا أُفرِدا غَيرَ نكرتَينِ بُنِيَا.

стр. 754

الرّوايةُ في البيتِ "بالماءِ الفراتِ" (١). ورواه إمامُ خُراسانَ أبو مَنصورٍ الثَّعالِبِيُّ عن أبي عمرٍو (بالماءِ الحَميمِ) (٢) وَهو البارِدُ (٣) وهو (٤) المحفوظُ. قالَ جار الله: "ومِن علَا". قالَ المُشرِّحُ: هو بالألفِ غَيرَ منَّونٍ. فإن سألتَ: هذا في مَعنى الغايةِ فلِم لا (٥) يُضمُّ؟ أجبتُ: الكلمةُ إذا كانَ في آخِرِها ألفٌ مَقصورَةٌ لم تَقبلَ الحَرَكَةَ فَلَعَلَّها مَضمُومةُ المَحَلِّ. قالَ جارُ الله: "ويقالُ: جِئتُه من عَلو وعِلو وعُلو". قال المشرّح: عَلو لَمَّا (٦) لم يَكُن له حركةٌ إعرابيةٌ، وهو لا يضافُ إلّا (٧) إلى ياءِ المُتَكَلّم فيُجيزون (٨) في بِنَائِه بأيِّ (٩) الحَركاتِ، ونَحُوُهُ (١٠) من المُشَبَّهةِ بالغاياتِ "حَيثُ". قال جارُ الله: "وفي معنى حَسبُ" "بَجَلْ" قالَ: "ردُّوا عَلينا شَيخَنَا ثُمَّ بَجَلْ"

стр. 755

قالَ المُشَرِّحُ: سَألني (١) بعضُ العِراقِيَّةِ ما المرادُ بذلِكَ؟ المرادُ به تَعريفُ لُغةٍ أم تَعريفُ شَيءٍ آخَرَ؟ إن كان المُرادُ به تَعريفَ شيءٍ آخرَ فما هو؟ وإن كان المُرادُ به ذلكَ فالمُفصَّل لَيس لِتَعريفِ اللَّغاتِ. فَقُلتُ: المرادُ به تَعريفُ شيءٍ آخر، وذلك أنَّ "بَجَل" وإن وُجِد فيه مَعنى الغايةِ لكونِه إضافيًّا قد اقتُضِبَ عنه المُضافُ إليه ونُوِيَ فيه، إلَّا أنَّه لا يُسمَّى غايةً، لأنّه غَيرُ مَضمومٍ، ومن شأنِ الغايَةِ أن يكونَ فيه ذلكَ وبُنِيَ على السُّكونِ لأنَّ الأصلَ في البناءِ هو السُّكونُ. فإن سَألتَ: فكيفَ لم تُبنَ على السُّكونِ الغاياتُ؟ أجبتُ: لِمَا ذَكرناهُ من أنَّ الغَاياتِ تَقَعُ في ذَيلِ الكلامِ فَبناؤُها على السُّكون يُوهِمُ الوَقفَ، بِخلافِ بَجَلْ فإنَّه لا يَقَعُ في الذَّيلِ. فإن سَألتَ: ما الدَّليلُ على أنّ "بَجَل" لا يَقَعُ في ذَيلِ الكَلامِ؟. أجبتُ: لأنَّه وإن كانَ يَقَعُ خَبَرًا إلَّا أنَّ المُبتدأ يَقَعُ مُنَوّنًا فلا يَكن في ذَيلِ الكَلامِ واعتبِرهُ (٢) [بقولِهِ:] (٣) بَجَلِي الآنَ من العَيشِ بَجَل (٤) أن معناه "حَسبي من العَيش. ذلك ألا تَرَى أنَّ "بَجَلي" في محلِّ الرَّفعِ بالابتداءِ، والخَبرُ محذوفٌ وسناه "حَسبي ذلِكَ"، وكذلِكَ قَولُهُ (٥):

стр. 756

رُدُّوا عَلينا شَيخَنا ثُمَّ بَجَل معناهُ: "ثُمَّ حَسبُنا ذلِكَ"، فإن سألت: فما بالُ "حَسْب" مع أنَّه في مَعنى بَجَلْ لم يُبنَ على السُّكونِ؟ أجَبتُ: لأنَّ "حَسْب" لا يَخلو من أن يَكونَ واقعًا في ذَيل الكلامِ لا مَحالَة، أو لا يكونُ، فلئِن كانَ فذَاكَ، وإن لَم يَكُن لم يُمكن بناؤُه على السُّكونِ لأنَّ ما قبلَ [آخرهِ ساكنٌ] (١) فبُنيَ على الضَّمِّ حتَّى تَكُونَ لَه صُورةُ سائِر الغاياتِ. تَخميرٌ: حَسبي لم يُعمَد بالنُّون لأنَّ العِمادَ لصونِ السُّكونِ أو الحَركةِ اللَّازِمَةِ كما في قَدني، وقَطني، وأكرَمني، وإنَّني وتُكرمُني. تَخمير: بَجَلي لم يُعمَد كَقَدني وقَطني بالنُّون وذلِكَ لأنَّ اللامَ والنُّونَ متقاربا المَخرج، فَبَعدَ ذلِكَ لو عُمِدَ بالنُّون لا يَخلو من أن يَجري منهما إدغامٌ، أو لا يَجري، فلئن لم يَجرِ لَزِمَ الإِثقالُ، ولئن جَرى لَزِمَ الإِعلالُ (٢)،

стр. 757

فخُذها مباحثَ (١) فيها رائِحَةٌ مَذهَبِيّةٌ. قالَ جارُ الله: "فَصلٌ؛ وشُبِّه حَيثُ بالغايات من حَيثُ مُلازَمَتُها الإِضافَةَ". قالَ المُشَرِّحُ: حَيثُ من الظُّروفِ المُشَبَّهةِ بالغايات وذلك أنَّها مضافةٌ من حيثُ المعنى غيرُ مضافةٍ من حيثُ الصُّورةُ، أمَّا إضافَتُها من حَيثُ المَعنى فَلأنَّك مَتى قُلتَ: اجلِس حَيثُ زَيدٌ جالِسٌ فكأنَّك قُلتَ: اجلِس مكانَ جُلُوسِ زَيدٍ ولذلك قالَ ابنُ السَّرَّاجِ: اعلم أنَّه لا يجوزُ أن يكونَ المُضافُ إلى الفِعل نَكِرةً لا تَقولُ: رُبَّ يَومِ يَقومُ زيدٌ ولا قامَ، ولو كان يَوم يقومُ زيدٌ (٢) نَكرةً لجازَ دُخولُ رُبَّ عليهَ وهذا واضحٌ (٣) أمَّا أنَّها غَيرُ مُضافةٍ من حَيثُ الصُّورةُ فلأنَّ الجُملةَ لا تَصلُحُ لكونِها مضافًا إليها إذ الجُملةُ لَيست في مَعنى ما يُدخلُ عليه حَرفُ الجَرّ، والمُضافُ إليه في مَعنى ذلِكَ وهُما في طَرفي نَقيضٍ، ونظيرُها من الظُّروفِ الزَّمانِيّة "إذ" و "إذا"، ولم يُبنَ على السُّكون هَرَبًا من التقاءِ السَّاكِنَين. قالَ جارُ اللهِ: "ويقالُ: حَيثُ وحوثُ بالفتحِ والضَّمِّ فيهما وحَكى الكِسائي حَيثِ بالكسر". قالَ المُشّرح: جازَ فيه الحَركات، لأنَّه لَيسَت له حركةُ النَّصب، ولا يُضافُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. قالَ جارُ الله: إلا ما رُوي من قولِهِ (٤):

стр. 758

أما تَرى حَيثُ سُهَيْلٌ طَالِعًا أي مكانَ سُهيلٍ، وقد رَوى ابنُ الأعرابِيّ بَيتًا عَجزُهُ: .................... … ............. حيثُ ليّ العَمَائِمِ (١) قالَ المُشَرِّحُ: القِياسُ أن لا يُضاف حَيثُ إلى المُفردِ كإذْ وإذا، إلَّا أنَّ الشّاعِرَ استَحسَنَ إضافَتَهُ إليه لإِجرائِهِ مُجرى المَكَانِ. قالَ جارُ الله: "وتَتَّصِلُ به "ما" فيصيرُ للمُجازاة". قالَ المُشرِّح: أنشد الإِمامُ عبذْ القاهِرِ الجُرجَانِي (٢): وحيثُما يَكُ أمرٌ صالِحٌ يَكُنِ

стр. 759

قالَ جارُ الله: فصلٌ (١) ومنها مُنذُ وهي إذا كانت اسمًا على مَعنيين: أحدُهما: أوَّل المُدَّةِ كقولِكَ: ما رأيتُه مُنذُ يومُ الجُمُعَةِ أي أوّل المُدّةِ التي انتَفَت فيها الرُّؤيَةُ مبدؤُها [ذلِكَ اليومُ] (٣). والثَّاني: جَميعُ المُدّةِ كقولِكَ ما رأيتُهُ مُنذُ يومان أي مُدّةُ انتفاءِ الرُّؤيةِ اليَومانِ جَمِيعًا". قالَ المُشَرِّحُ: قولُه: "ومنها" راجِعٌ إلى الظُّروفِ، مُذ ومُنذُ يكونان حَرفين واسمَين. ابنُ السَّراجِ: فإذا أردتَ بِهِما معنى الحَرفِ فَقَدِّرهُما تقديرَ "مِن" و "فِي"، الكلامُ إذا رَفعتَ جُملتان، وإذا خَفَضَت جُملَةٌ واحِدَةٌ فهما إذا رَفَعتَ اسمان، مُبتدان، وما بَعدَهُما خبرٌ لهما منذُ في الأزمنَةِ بمنزِلَةِ "من" في الأمكنَةِ، وهيَ مَتَى دَخَلَت على نَكِرَةٍ فالمُرادُ بها جَمِيعُ المُدّةِ كَقولِكَ: ما رَأيتُهُ منذُ (٤) يومِ الجُمُعَةِ ومُذْ شَهرٍ ومُذْ عَامٍ. قالَ جارُ اللهِ: ومُذ مَحذوفَةٌ منها، وقالُوا: هي لِذلِكَ أدخَلُ في الاسميّةِ". قالَ المُشرِّحُ: الذي يَدُلُّ على أنَّ مُذ محذوفةٌ منها أنَّه يُقَالُ في تَصغيرُ مُذْ: مُنَيذٌ رَدَّها (٥) إلى الأصلِ (٦) ولكونِها مَحذوفةً منها (٧) هِيَ أَدخلُ في الاسميَّةِ منها في الحَرفيَّةِ لأنَّ الحَذفَ من الحرفِ ضَعِيفٌ، والاسمُ هو (٨)

стр. 760

الّذي يَجُوزُ الحَذفُ منه (١) [والتّصرُّف فيه] (٢). قالَ جارُ اللهِ: "وإذا لَقِيهَا ساكنٌ بعدها ضُمَّت ردًّا إلى أصلِها". قالَ المُشرِّحُ: هذا أيضًا من الأدِلَّةِ على أنَّ مُذْ مَحذوفَةٌ من مُنذُ. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ ومنها إذ لِما مَضَى من الدَّهرِ، و"إذا" لما يُستَقَبلُ منه، وهما مضافتان أبدًا، إلا أنَّ إذ تُضافُ إلى كِلتي الجُملتين، وأختها لا تُضاف إلا إلى الفِعلية، تقولُ: جئتُ إذ زَيدٌ قائمٌ وإذا قامَ زيدٌ وإذ زَيدٌ يَقومُ، وإذ يَقومُ زَيدٌ. قالَ المشرِّحُ: إذ لما مَضى من الدَّهرِ، فإن سألتَ: فما تقولُ في قوله تَعالى (٣): ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾؟ أجبتُ: إذ ها هُنا هيَ الخارِجَةُ إلى معنى التَّعليلِ، وهذا كما تَقولُ: الوَلدُ يَتبَعُ الأمَّ في الرِّقَّ والحُرِّيّةِ إذ الوَلَدُ جُزءٌ منها. قالَ الإِمامُ عُمرُ الجَنَزِيُّ (٤): فاوَضتُ جارَ اللهِ ﵁ (٥) - في قولِهِ تَعالى (٦): ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٧) ما (٨) العاملُ في الظَّرفِ أعني إذا؟

стр. 761

فقالَ: العامِلُ فيه ما تَعَلَّقَ به الواو، فقلتُ: كيفَ يعملُ فِعلُ الحالِ في المُستقبلِ؟! وهذا لأنَّ معناه: أقسمُ الآن وليس معناه أُقسِمُ بعدَ هذا فَرَجَعَ وقالَ: العاملُ فيه (١) مصدَرٌ مَحذُوفٌ، وتَقديرُه: وهُوِيَّ النَّجمِ إذا هَوى فعَرَضتُه على ذِي (٢) المَشَايِخِ فلم يَستَحسِن قَوله الثَّاني. والوَجه أنَّ "إذا" قَد انسلخَ عن معنى الاستقبالِ، وصارَ للوقتِ المُجَرَّدِ، ونَحوه أتيتُك إذا احمرَّ البُسر، لأنَّ معناه أتيتُك وقتَ احمرارِ (٣) البُسرِ، فقد عَرِي عن معنى الاستِقبَالِ لأنَّه قد وَقَعَت الْغُنْيَةُ بقولِهِ: آتيكَ. قالَ جارُ اللهِ: وقَد استَقبَحُوا إذْ زَيدٌ قائمٌ". قالَ المُشرِّحُ: جِئتُك إذ قامَ زيدٌ لا بأس به، وأمَّا جِئتُك إذ زيدٌ قائِمٌ فَقَبيحٌ، لأنَّ قامَ ها هُنا مَوضِعُهُ رَفعٌ بخَبَرِ المُبتَدَأ، وخَبَرُ المُبَتَدَأ حَقُّهُ أن يكونَ صِفَةً أو ما يُضارِعُها من الفِعلِ والفِعلُ الماضي مضارعتُه ناقِصَةٌ غيرُ تامّةٍ، ونُقصانُه من حَيثُ أنَّه مُعتَرِضٌ للمُضِيّ لا سيّما إذا لم يَكُن بالكَلامِ حاجَةٌ إلى معنى المُضِيّ لأنَّ ذلك مُستَفَادٌ من الظَّرفِ بخلافِ جئتُك إذا قامَ زَيدٌ، لأنَّ قامَ ليس في موضِعِ الخَبَرِ. قالَ جارُ الله: "وتَقولُ: إذا قامَ زَيدٌ، وإذا يقومُ زَيدٌ وإذْ يقومُ زَيدٌ، قالَ اللهُ تعالى (٤): ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ". قالَ المشرِّحُ: في الآيةِ اللُّغتان لأنَّه أُضيفَ إلى الماضِي والمُستَقبَلِ. قالَ جارُ الله: "ونحو قوله (٥):

стр. 762

إذا الرِّجالُ بالرِّجالِ التَقَتِ ارتفاعُ الاسمِ فيه بمضمرٍ يفسرُه الظَّاهِرُ". قالَ المُشرِّحُ: قد مَضى هذا الفَصلُ على ما عَلَيه. قالَ جارُ الله: "فَصلٌ (١)؛ وفي إذا مَعنى المُجازاة دُونَ إذ إلَّا إذَا كُفّت بما كَقَولِ العبَّاسِ بنِ مِردَاس: إذا ما دَخلتَ على الرَّسولِ فَقُل لَه … حَقًّا عَلَيكَ إذا اطمَأنَ المَجلِسُ" قالَ المُشرِّحُ: "إذا" يُجازى بِها بخلافِ "إذْ" تَقول: إذا أكرمتَنِي أكرمتُك، ولا تقولُ في معناه إذْ أكرمتني أكرمتُك -اللَّهُمَّ- إلَّا إذا كُفَّت، لأنَّه متى دَخَلَت عليها (ما) ورُكِّبَتْ بِها إذْ صَارت مُبهمةً وحَلَّت مَحَلَّ مَتى. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرجانِيُّ: وذلك أنَّ إذ تُضاف إلى الجُمل، وتكونُ لوقتٍ مَخصُوصٍ، فإذا قُلتَ: خرجتُ إذ خَرَجَ زيدٌ كُنتَ أشرتَ إلى وَقتٍ مَخصوصٍ، والجَزاءُ يُنافِي الخُصوصَ، فأُلزِمَ "ما" الكافَّة ليَكُونَ عامًّا. وأمرٌ آخرُ وهو أنَّه في غير الجَزَاءِ يكونُ لما مَضَى ويكونُ الجَزاءُ لما يُستَقْبَلُ، لأنَّ المُجازاةَ تَقتَضي الاستِقبَالَ، وفرّقَ سيبويه (٢) بينَ حيثُما "وإذ ما" فَجَعَل حَيثُما في جُملةٍ الظَّروفِ التي بها يُجازَى وهي اسمٌ بمنزلةِ أيٍّ ومَتى، وجَعَلَ "إذ ما" في حَيِّزِ الحُرُوفِ لأنَّه قالَ: وما كانَ من غيرِ الأسماءِ والظُّروفِ إن، "وإذ ما" وما فيها هي المسلَّطةُ، لأنَّها هي التي مُسَلَّطَة على عَمَلِ الجَزمِ، عَنَى بالرَّسولِ رَسولَ اللهِ ﷺ ، مفعولُ قُلْ هو البَيتِ الثَّاني حَقًّا عليكَ أي حقَّ القولُ عَلَيكَ، وبعده (٣):

стр. 763

يا خيرَ من رَكِبَ المُطِيَّ ومَن مَشَى … فَوقَ التُّرابِ إِذا تُعَدُّ الأَنفُسُ يُريدُ: يا خَيرَ مَن مَشَى. قالَ جارُ الله: "وقد يَقَعَانِ للمُفاجَأةِ كقولِكَ بينا زَيدٌ قائمٌ إذ رأى عمرًا، وبَينَما نَحنُ بمكانِ كذا إذا فلانٌ قَد طَلَعَ عَلينا، وخَرجتُ فإذا زَيدٌ بالبابِ قالَ (١): وكَنتُ أُرى زَيدًا كما قِيلَ سَيِّدًا … إذَا أنَّه عَبدُ القَفا واللَّهازِمِ"

стр. 764

قالَ المُشرِّحُ: فَبَينا: فَعْلى من البينِ، أُشبِعَتِ الفَتحَةً فَصارَت ألِفًا، قالَهُ الجَوهَرِيّ (١) ومَحصولُ المَعنى: زَيدٌ بَينَ أوقاتِ قِيامِه فاجَأ رُؤيَتَهُ عَمرًا. إذا للمُفاجَأةِ تَدخُلُ على الجُملَةِ الفِعلِيَّةِ والاسمِيّةِ، وتَعطِفُ على الجُملَةِ الفِعِليَّة بالفاءِ، اللَّهزمان (٢) عَظمَانِ نَاتيانِ في اللَّحيَين تَحتَ الأُذُنين. عن مَعنِ بنِ زَائدة (٣): ما رَأيتُ قَفَا رَجُلٍ قَطُّ إلَّا عَرَفتُ عَقلُه، قِيل له: فإِذا رَأيتَ وَجهَهُ قالَ: ذَاك حِينَئِذٍ كتابٌ أقرؤُه. وسَمعتُ بَعضَ الأُدباء اليَابِسة (٤): أنَّهم يُضِيفُونَ اللَّومَ إلى القَفا، كما يُضِيفُون الكَرَمَ إلى الوَجهِ. قالَ جارُ اللهِ: "وكان الأصمَعِيُّ لا يَستقبحُ إلّا طَرحَهما في جوابِ بَينما وبَينا وأنشدَ (٥): فَبينا نَحن نَرقُبُه أتانا … مُعَلِّقُ وَفْضَةٍ وزِنادَ راعِي وأمثالًا له".

стр. 765

قَال المُشرِّحُ: إذا كانَ جوابُ بَينا وبَينَما بدون إذا فالكَلامُ لا يَقَعُ مُخالفًا لأصلٍ مَا، أمَّا إذا كانَ معهُ فإنَّه يَقَعُ مُخالفًا للأصلِ بَيَانُهُ أنه إذا كانَ بِدون إذا فانتصابُ بَينا على الظَّرفِ والعامِلُ فيه الفِعلُ المَذكورُ في جَوابِ بَينا كما في البيتِ والمَعنى أتانا أوقاتَ رِقبَتِنا، وهذا مما لَيس فيه مُخالَفَةُ أصلٍ، أمَّا لَو قُلتَ: إذا أتانا فإنه يَنقلِبُ فيه الظّرفُ اللّازِمُ مرتَفعًا لأنَّه يكونُ المَعنى حِينئدٍ بينَ أوقاتِ رؤيَتِنا إيّاهُ وقتَ إتيانِهِ، وهذا مُخالفٌ للأصلِ. الرِّوايةُ وزِنادَ راعي -بالنَّصب- وسيبويهِ إنَّما أنشدَ البيتَ في الكِتابِ بِنَصبِ "زنادَ" ونَصبَه لأنَّه (١) لمَّا قالَ: أتانا مُعَلِّقُ وَفضَةٍ فكأنَّه قال: أتانَا معلقًا وَفضةً وزنادَ راعي. الوَفضَةُ: جُعبَةُ (٢) السِّهام وفي البَيتِ يُريدُ شيئًا يُجعَلُ مِثل الخَرِيطَةِ والجُعبَةِ تكونُ مَع الفُقراءِ والرُّعاة يَجعلون فيها أزوادَهُم (٣). وزَعموا أنَّ أهلَ الصُّفَّةِ كان مَعَهُم وِفَاضٌ، وأمَر رَسُول اللَّهِ ﷺ أن تُجعَلَ الصَّدقةُ في الأوفاضِ (٤). قالَ جارُ الله: "ويُجابُ الشَّرطُ بإذ كما يُجابُ بالفَاءِ، قالَ اللهُ تَعالى (٥): ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ". قالَ المُشرّحُ: فاجَأهُمْ قُنُوطُهُم. قالَ جارُ الله: "ومنها لَدَى" والَّذي يَفصلُ بَينها وبَينَ "عِندَ" أنَّك تَقولُ: عِندي كَذا لِمَا كانَ في مِلكِكَ حَضَرَكَ أو غَاب عَنكَ، وَلَدَيَّ كَذا لِما لا يَتَجاوزُ حَضرَتَكَ، وفيها ثَمان لُغاتٍ، "لَدى" و "لَدَنْ" و "لدُنْ" و"لُد" بحذفِ نُونها "لَدْن" و"لُدْنِ" بالكَسرِ لالتقاءِ السَّاكِنين و"لَدْ" "ولُدْ" بحذف نونيهما

стр. 766

وحكمهما أن يُجرّ بهما على الإِضافةِ كقولِهِ تَعالَى (١): ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. قال المُشرِّحُ: الأُولى بالألفِ، والثَّانيةُ بفتحِ الدَّالِ [وسكونِ النُّونِ] (٢) والثَّالثة بضمِّ الدّالِ وسكونِ النُّون، والرّابعةُ بضمّ الدّالِ، والخامِسَةُ بفتح اللّامِ وسكون الدَّالِ وبالنُّون، والسَّادِسةُ بضمّ اللَّامِ وسكونِ الدَّالِ وكسرِ النُّون، والسَّابِعة لَدْ بِوزنِ هَبْ، ولُدْ بوَزنِ قمْ. ولَدن يُضافُ إلى ما بَعدَه من زَمانٍ يَتُّصِلُ بِهِ أو مكانٍ إذا قَرَّبت به إلى كَقَولِكَ حَسَبتُ من لَدن صَلاةِ العَصْر إلى وقتِ المَغرب، وذَرعتُ من لَدن الحائِطِ إلى الأُسطُوانَةِ. فإِن سألتَ: لِمَ بُنِيَ لَدُن [وهو يُضافُ بِدَليلِ] (٣) قولِهِ تَعالى (٤): ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ولم يُبنَ "عندَ"؟. أجبتُ لأنَّ كونَ "عندَ" مضافٌ يَقتضي كونَه مُعَرَبًا، بخلافِ لَدُن فإنّه وإن كان مُضافًا من حَيثُ المَعنى فإنَّه غيرُ مُضاف من حَيثُ الصُّورةِ، ولذلِكَ انتَصَب غُدوَةً في "لَدن غُدْوةً"، وأمَّا بِناءُ "لَدن" على الكَسرِ فلأنَّ هذه النُّون تُشبهُ التَّنوين من حَيث وَقَعَت في آخرِ الاسمِ، وحَقُّها السُّكونُ، والتَّنوينُ إذا حُرِّكَ حُرّك إلى الكَسرِ. تَخميرٌ: أمَّا "لَدَا" بالألف فكأنَّه الأصلُ وهو أكثر استِعمالًا من غَيرِه، أمَّا "لَدَن" بفَتح الدَّالِ وسكونِ النُّون فكأنَّ النُّون فيها مُنقَلِبَةٌ من الألفِ في الأوّلِ، كما يُقلَبُ التَّنوينُ الَّذي هو نونٌ ألفًا في الوَقفِ وأمَّا لَدُ بفتحِ اللّام وضَمِّ الدَّالِ فهي مخفَّفَةٌ من لَدُن بفتحِ اللَّام وضَمّ الدَّالِ وسكونِ النُّون، وإنّما سَوَّغُوا سقوط النُّون منه لأنَّهم أجروا: النُّون فيه مُجرَى التَّنوين، حيثُ

стр. 767

قالوا: لَدُن. [وأما لَدْن غُدوةً] (١) - بفتح اللَّام وسكِون الدَّالِ فالأصلُ فِيهِ (٢) لَدُن على وَزنِ عَضُد إلَّا أنَّها خُفِّفَتِ الدَّالُ بإزالَةِ الضَّمة عَنها، وهذا كَما لَو قلتَ في عَضُد عَضْد بِتَخفِيفِ الضّاد، وأمَّا لُدْن بِضَمّ اللّامِ وسُكُونِ الدَّالِ فهي مُخَفَّفَة من لَدُن أَيضًا إلَّا أنَّه نَقَلَ ضَمَّة العَينِ إلى الفَاءِ كما لو قُلتَ: عَضدُ وعُضْد بسكون الضّاد وضَمّ العَين، وأمَّا لَد ولُد فَهُما مُخفَّفَتَان من لَدن ولُدن. تَخميرٌ: وقَد جاءَت "لَدن" مُضافةً إلى الفِعلِ قالَ بعضُ عَبدِ القَيسِ (٣): وإنَّ لُكيزًا لم يَكُن رَبَّ غُدوَةٍ … لَدُن ضُرِّجَت حُجَّاجُهُم فَتَفَرَّقُوا وقالَ رَبيعةُ بنُ مَقرومٍ (٤): من أن لَدُن قَرَعت نَفسَ الصَّلاةِ إلى … أن وَلَّتِ الشَّمسُ في عَلٍّ وفي نَهَلِ يُمكنُ أن يكونَ إضافتُها إلى الفِعل كإضافةِ (٥) حيثُ إليه لأنَّها في الإِيهام مِثُلها وكإضافَةِ ذِي إلى تَسلم. قالَ الشَّيخُ أبو عَلِيٍّ الفارِسيُّ (٦): ويُمكنُ أن يكونَ المَعنى في (٧) بيتِ الأعشى (٨):

стр. 768

أراني لَدُن أنْ غابَ رَهطِي كأنَّما … يرانِي فيكُم طالِبُ الضَّيمِ أرنبَا قالَ جارُ اللهِ: "وقد نَصبتِ العَرَبُ بها غُدوَةً خاصةً قالَ: لَدن غُدوةً حتَّى ألاذَ بِخُفِّها … بَقِيّةَ مَنقوصٍ من الظِّل قالِصُ تَشبِيهًا لِنونِها بالتَّنوين لَمَّا رأوها تَنزِعُ عنها وَتثبُتُ". قالَ المُشَرِّحُ: قبلَ أن أُطلِعَكَ على السِّرِّ الَّذي لَمَحَتْهُ العَرَبُ في نَصبِهم غُدوَةً، أسوقُ إليكَ فَصلًا وهو أنَّ غُدوةً أكثرُ تَصَرُّفًا وأوسَعُ مَجالًا من أخواتِها ألا تَرى أنَّ قولَهم: غُدوَةَ البَين وغَداةَ البَين، وعَدَم القولِ بِسحرَةَ البينِ، وبكرةَ البَينِ، وصَباحَ البَينِ وفي شعرِ امرئ القيس (١): وَقَد أغتَذِي والطَّيرُ في وُكُنَاتِهَا ولا يُقالُ: استَحسر وابتَكَر وأظهَر. إذا ثَبَتَ هذا رَقَّيناك إلى مَطْلَب فَقُلتُ: معنى (٢) قَولِهم لَدن غُدوةٍ وغدوةً بجرِّ الأوّلِ ونصب الثَّاني أمَّا أنَّ المُضاف إليه مَحذوفٌ فلأنَّ لَدُن من الإِضافيَّات والمَنصوبُ لا يَصلُحُ أن يكونَ مُضافًا إِليه، فيكونُ المُضافُ إليه لا مَحَالَةَ مَحذُوفًا، وأمَّا أنَّ المحذوفَ غُدوةً فلأنَّ غُدوةً المَذكورَ يَقتَضي أن يكونَ المَحذوفُ كَذلِكَ، والَّذي يَدُلُّ على أنَّ المَحذوفَ كذلِكَ قَولُ شُبرُمَة بن الطِّفْيَلِ (٣): وَيَومٍ شَديد الحَرِّ قَصَّرَ طُولَهُ … دَمُ الدّق عنَّا واصطكاكُ المَزاهِر

стр. 769

لَدُن غُدوةً حتَّىٍ أروحُ وصُحْبَتِي … عُصَاةٌ على النَّاهِين شُمٌّ المَنَاخِرِ ألا تَرى (١) أنَّه لو لم يَكن المَعنى على ما ذَكرناه لَما وَقَعَت حَتَّى موقِعَهَا لأنَّه حِينَئذٍ يكونُ المَعنى شَربنا قَبلَ غُدوة حَتّى أروحُ وذلكَ عَن الجَوازِ مُنحَرِفٌ. فإن سألتَ: ما الدَّليلُ على أنَّ المَعنى حِينئذٍ يكَون كذلِكَ أجبتُ: لأنَّك إذا قُلتَ: شَربنا لَدى النَّهر فمعناهُ قَريبًا منه (٢)، فكذلِكَ قولُك: شَربنا لَدى الغُدوة، ومَعناه قَريبٌ من الغُدوةِ وقَريبًا من الغُدوةِ مَعناه قبلَ الغُدوةِ، ولو قُلتَ: قَبلَ الغُدوة حَتَّى أروحُ لَما صَحَّ. فإن سألتَ: فإذا كانَ المَعنى على ما ذَكرتَ فلِمَ اختَصَّ غُدوةٌ بلَدُن، ولَدُن بغُدوةٍ؟ وكَيفَ لم يَجُز أن يُقالَ: لَدى غُدوَةٍ وكذلك: لَدُن سَحْرَةٍ؟ أجبتُ: أمَّا الأوَلَ فلأنَّ النُّون في لَدُن مما يُوهِمُ كونَه مُنَوَّنًا، والتَّنوينُ مانعٌ من الإِضافةِ، أمَّا الثَّاني فلأنَّ "غُدوةً" على ما ذَكرناهُ أكثرُ تَصرُّفًا وأوسعُ مَجَالًا من أخواتِها. مَعنى هذا البَيتِ كقولِهِ: وانتقلَ الظِلُّ فصارَ حُورِيًّا قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ، ومنها "الآن" وهيَ للزَّمان الَّذي يقعُ فيه كلامٌ للمُتَكَلِّمِ وقد وَقَعَت في أوَّلِ أحوالِها بالألفِ واللَّامِ وهي عِلَّةُ بنائها". قالَ المُشرِّحُ: "الآن" معناه الزَّمانُ الّذي يَقَعُ فيه كَلامُ المُتَكَلِّمِ وهي آخرُ ما مَضى من الزَّمانِ (٣)، وأوَّلُ ما يأتي منه كقولِكَ: الآن جِئتَ، والآنَ يَجِيءُ ومعناه في هذا الزَّمانِ الذي فيه أُكَلِّمُكَ جِئتَ أو تَجيءُ وأصلُ الآن أوان فحُذفت منه الواو كما قالوا: راحَ للجمعِ في رَياحٍ بالفَتحِ [وهو أحدُ قَولَي الفَرَّاء ونَحوه زَمَنٌ في زَمَانٍ وأنَّه مَبْنِيٌّ وفي أمثلةِ النَّحويين] (٤) مِنَ لآن (٥)

стр. 770

بتحريكِ النُّون ومِلْآنَ بحذفِها، وإنما بُنِيَ لأنَّه لَزِمَهُ النَّصبُ بلزومِ الظَّرفِيّةِ إيّاهُ فصارَ بمنزلةِ اللَّامِ من رَجُلٍ والدَّالِ من زَيدٍ، والإِعرابُ لا يكونُ كذلِكَ وبُنِيَ على الفَتحِ لأنَّه في الأصلِ ظَرفٌ، وحَقُّ الظَّرفِ أن يكونَ لَه هذه الصُّورةُ من قِبَلِ العامِلِ، والبِناءُ ذَهَبَ منه كونُ هذه الصُّورة من قِبَلِ العامِلِ فَبَقِيَ نَفسُ هذه الصُّورةِ. وأمَّا قولُ الشَّيخِ ﵀ (١) -: فلأنَّ وقوعَها في أوَّلِ أحوالِها بالألفِ واللَّامِ، وهي عِلَّةُ بنائِها فَشيءٌ مُزَيَّفٌ بدَلِيلِ العَيُّوقِ والدَّبِرانِ (٢) والسِّماكِ والثُّرَيَّا وَقَعَت في أوّلِ أحوالِها كذلِكَ وهي غَيرُ مَبنِيَّةٍ ولأنَّهم يَعنُون بذلِكَ أنَّه يَحتاجُ إلى غَيرِه وهو الألفُ واللَّامُ فَصارَ لَه شَبَهٌ بالحرفِ، وهَذا يَنتَقضُ بالفِعلِ المُضارِعِ لأنَّه بِهِ حاجَةٌ إلى الفاعِلِ وهو غَيرُ مَبنِيٍّ. قالَ جارُ اللهِ: "ومَتى وأينَ وهُما يَتَضمّنان مَعنى الاستفهامِ ومَعنَى الشَّرطِ، تَقولُ: مَتى كانَ ذلِكَ؟ ومتَى تأتِني أُكرِمكَ، وأينَ كنتَ أكنَ، وأينَ تَجلِسْ أجلِسْ ويَتَّصِلُ بهما "ما" المَزيدة فتَزِيدُهما إبهامًا، والفَصلُ بينَ متى وإذا أنَّ مَتى للوَقتِ المُبهَمِ وإذا للمُعيَّنِ". قالَ المشرِّحُ: مَتى الاستِفهاميّة بِناؤها لِجَريِها مَجرى هَمزةِ الاستفهامِ، والشَّرطِيّة لِجريِها مَجرى إنْ، وكذلِكَ أينَ، والفَصلُ بَينَهما أنَّ إذا للأُمورِ الواجِبَة الوُجودِ أو ما جَرَى ذلِكَ المَجرى مما عُلِمَ أنَّه كائِنٌ. وهي (٣) لِمَا يَتَرَّجحُ بين أن يكونَ، وبينَ أن لا يكُونُ، تَقولُ: إذا طَلَعت الشّمسُ خَرَجتُ، وإذا أُذِّنَ للصَّلاةِ قُمتُ، ولا يَصلُحُ في هذا النَّحو "متى"، وتَقولُ: مَتى تَخرُجْ أخرُجْ، تَقولُهُ مَع من لا تَتَيَقّنُ أنَّه خَارِجٌ ولا يَغلِبُ ذلِكَ على ظَنِّكَ أيضًا، بل تَقولُ فيه يَجوزُ أن يكونَ، ويَجوزُ أن لا يكونَ.

стр. 771

قالَ جارُ اللهِ: "وأيانَ" بمعنى "مَتى" إذا استفهم بها. قالَ المُشرِحُ: قُرِئَ: [﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ (١) بكسرِ الهمزة وهي لُغةٌ في أيَّان بفتحها. ابنُ جنّي: وينبَغي أن تكونَ أيَّان من لفظة (أيّ) لا من لَفظةِ (أين) لأمرين: أحدُهما: أنَّ أينَ مكانٌ وأيَّانَ زمانٌ، والآخرُ لَهُ فَعَالٌ في الأسماءِ مع كَثرةِ فَعَلانٍ، فَلَو سَمَّيتَ رَجُلًا بأيَّانَ لم تَعْرِفه فإنه كَسَعدان ومَروان] (٢). وأيَّان أصلُه "أيُّ أوانٍ" فحذفَت الهمزةَ [وإحدى اليَاءَين] (٣) فَصارَ "أيوان"، ثم قُلِبت الواو ياءً [ثم أُدغمت الياءُ في الياءِ] (٤)، والفَرقُ بينَ مَتى وأين وأيَّان من وجهين: أحدُهما: كثرةُ استعمالِ مَتى لخِفَّتِهِ حتى صار أظهرَ من أيَّانَ فَصَلُحَ أن يفسَّرَ أيَّانَ بمتى، ولا يَنعَكِسُ. والآخرُ: أنَّ في "أيَّانَ" تَفخِيمَ الشَّأنِ لأنَّها تُستَعمَلُ في مواطِن التَّفخِيمِ كقولِهِ تَعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. قالَ جارُ اللهِ: "ولَمَّا في قولِكَ: لَمَّا جئتُ جئتَ بمعنى حِين". قالَ المشرِّحُ: قالَ سيبَويه: وأمَّا لمَّا [فهي للأمر] (٥) الذي وَقَعَ لِوُقُوعِ غيرِه. قالَ ابنُ السَّراجِ ويكونُ ظرفًا. قالَ جارُ الله: "وأمسِ وهي مضمّنةٌ (٦) معنى لام التَّعريفِ مبنيةٌ على الكَسرِ عند الحِجَازِيين وبنو تَميمٍ يَمنَعونَها الصَّرف فيقولون: ذَهَبَ أمسَ بما فيه وما رأيتُه مذ أمسَ، قالَ (٧):

стр. 772

لقد رأيتُ عَجَبًا مُذ أمسَا … عَجَائِزًا مثلَ السَّعالِي خَمسا" قالَ المُشرِّحُ: الكلامُ فيه قد مَضى في أوائلِ الكِتابِ. قالَ جارُ اللَّهِ: "وقَطَّ" "وعَوضَ" وهما لِزمانَي المُضِيّ والاستقبالِ على سَبيلِ الاستغراقِ تَقولُ: ما رأيتُه قَطَّ، ولا أفعَلُهُ عَوْضَ، ولا يُستَعملانِ إلَّا في مَوضعِ النَّفي قالَ: رَضِيعي لَبانِ ثَديِ أُمٍّ تَقاسَما … بأَسحَمَ داجٍ عَوضَ لا نَتَفَرَّقُ وقد حُكى "قُطّ" بِضمّ القاف، و"قَط" خَفيفةَ الطّاءِ وعَوضُ مضمومةً. قالَ المشرّحُ: بناؤُهما لجَريهما مَجرى "مِن" الاستغراقيّة، وعلى الحركةِ للاحترازِ من التقاءِ السَّاكنين، وبُني "عَوضَ" على الفَتحِ لأنَّه في الأصلِ مَنصوبٌ على الظَّرف فَيبقى بعدَ ذهابِ الإِعرابِ عنه على صُورةِ ما كانَ عَليه، وبُني، "قَطُّ" للمبالغةِ في المَعنى، وهذا لأنَّ زيادَةَ اللَّفظِ كما هيَ لِزيادةِ المعنى فكذلك قوةُ اللَّفظِ لِقُوة المَعنى ألا تَرى أنَّ فَعيلًا أبلغُ من فاعِلٍ، وفَواعِلًا أبلغُ من فَعيلٍ، ومن ثمَّ جاء "قُطّ" بِضمّ القاف لِزيادةِ المبالَغَةِ. فإن سألتَ: فكيفَ لم يَبنَ "عوضَ" على الضَّم للمبالغةِ؟ أجبتُ: قد ورَدَ أيضًا فيه

стр. 773

الضَمُّ كما وَرَدَ في "قَط" التَّخفيفُ والسّكونُ على أنَّا نَقولُ: الحاجةُ إلى ضَمِّ "قَط" فوقَ الحاجةِ إلى ضَمِّ أُختها (١)، لأنَّ "قَط" أصابَ فيه (٢) الإِدغام خِفَّةً بخلافِ عَوض. ما رأيتُه قَط مَعناه فيما انقَطَعَ ومَضى من عُمرك. وذَكَر ابنُ جِنّي (٣)، واشتقاقُه من قَطَطتُ أي قَطَعتُ ما قبلَ البيتِ (٤): تُشَبُّ لمقرَورَين يَصطَليانِها … وباتَ على النَّار النَّدى والمُحَلَّقُ المَقُرورُ هو الذي أصابَهُ القَرُّ أي البَردُ، عَني بِمَقرُورَين النَّدى والمُحَلَّق، وهو اسمٌ رَجُلٍ وفي عَطفِ المُحَلَّقِ على الَنَّدى ما فيه من الفَصاحة كأنَّه يُريدُ أنهما من جنسِ واحدٍ، بل أخوان. اللّبان بالكسرِ: لَبَنُ المرأةَ خاصةً ومنه اشتقاق اللَّبانِ بالفَتحِ لأنَّه موضِعُ اللَّبن فكأنَّه في الأصلِ خَاصٌ ثم عُمَّمَ ومعناه: رَضَعا لَبانَ لِبانِ ثَدي أُمٍّ، وهو بَدَلُ المِثلِ من المِثلِ، "تَقاسما" تَحالفا وفي التَّنزيلِ (٥): ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ (٦)، عنى "بأسحم داجٍ" اللَّيلَ وهو لَيس بالمُقسَمِ بِهِ وإنَّما هو ظَرفٌ بمنزلةِ أن تقولَ: تقاسما في لَيل داجٍ، يكونُ تآلفُهما فيه، واستئناسُ كلِّ واحدٍ (٧) منهما

стр. 774

بِصاحِبِه أكثرَ، يقالُ لا أفعلُ كَذا وكَذا عَوضَ نَاقَتي. قالَ بَعضُهم: العَوضُ هو الدَّهرُ سُمّي بذلك لأنَّ المَلَوينِ كأنَّهما يَتَعاوَضانِ، ووُضِعَ موضِعَ الأبَدِ، وهو المُستَقبلُ من الزمانِ، وقالَ صاحبُ (العَين) عوضُ كلُّه يَجري مَجرى القَسَم، فعوضُ ها هنا على القولِ (١) الأوّلِ ظرفٌ محضٌ معناه تقاسَما لا نَتَفرَّقُ الدّهرَ، وعلى الثَّاني أقسما بالدَّهرِ لا نتفرّقُ (٢)، فَحَذَفَ حرفَ القَسمِ، ونَصبَ المُقسمَ به كما في قولِكَ: واللَّه لأفعلنَّ. قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ؛ وكيفَ جارٍ مَجرى الظُّروف، ومَعناهُ السُّؤالُ عن الحالِ تَقولُ: كَيفَ زَيدٌ أي على أيِّ حالٍ هو وفي مَعناها "أنَّى" قالَ اللَّه تَعالى (٣): ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وقال الكُميتُ: أنِّى ومِن أينَ آبَكَ الطَّربُ إلَّا أنّهم يُجازُونَ بأنَّى دُونَ كَيفَ قالَ لَبيدٌ فَأصبَحتَ أنَّى تأتِها تَلتَبِس بِها وحَكى قُطربٌ عن بَعضِ العَرَبِ: "انظر إلى كيفَ تَصنَع". قالَ المُشرّحُ: الّذي يَدُلُّ على أنَّ كيفَ اسمٌ حكايةُ قُطربٍ (٤) عن بعضِ العَرَبِ: "على كيفَ تَبيعُ الأحمَرَين" وهُما اللَّحْمُ والخَمرُ (٥)، ومِنهُ: "أهلكَ الرَّجُلُ الأحمران" (٦) و"كيف" تُنَظِّمُ الأحوالَ كلَّها، كما أن أين تُنَظِّمُ

стр. 775

الأماكنَ كلَّها (١)، كما أنَّه لا يُجازَى بكيفَ (٢) إلَّا عندَ ابن كَيسَان قالَ أبو سَعيد السّيرافي: أمَّا ابنُ كَيسان فَعدَّها من الشُّروط. وَجهُ ابنِ كَيسان القِياسُ، ولذلِكَ جاز لَكَ أن تَقولَ: كيفَ تكونُ أكونُ (٣)، وَجهُ سائرِ النَّحويين ما ذكرنا من أنَّ السؤالَ عن حالِ الشَّيءِ ليسَ لَه (٤) رُتّب ليترتَّب (٥) عليه في الخارجِ فِعلٌ، بخلافِ السُّؤال عن المكانِ فإنّه له رُتّب ليترتّب (٥) عليه في الخَارج فِعلٌ. تمامُ المِصراعِ الأوَّلِ (٦): ............................. … مِنْ حَيثُ لا صَبوةٌ ولا رِيَبُ تمامُ المِصراعِ الثّاني (٧): ............................. … كِلا مَركَبيها تَحتَ رِجلَيكَ شَاجِرُ
следующие страницы →