← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قالَ جارُ اللهِ: "وأيانَ" بمعنى "مَتى" إذا استفهم بها. قالَ المُشرِحُ: قُرِئَ: [﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ (١) بكسرِ الهمزة وهي لُغةٌ في أيَّان بفتحها. ابنُ جنّي: وينبَغي أن تكونَ أيَّان من لفظة (أيّ) لا من لَفظةِ (أين) لأمرين: أحدُهما: أنَّ أينَ مكانٌ وأيَّانَ زمانٌ، والآخرُ لَهُ فَعَالٌ في الأسماءِ مع كَثرةِ فَعَلانٍ، فَلَو سَمَّيتَ رَجُلًا بأيَّانَ لم تَعْرِفه فإنه كَسَعدان ومَروان] (٢). وأيَّان أصلُه "أيُّ أوانٍ" فحذفَت الهمزةَ [وإحدى اليَاءَين] (٣) فَصارَ "أيوان"، ثم قُلِبت الواو ياءً [ثم أُدغمت الياءُ في الياءِ] (٤)، والفَرقُ بينَ مَتى وأين وأيَّان من وجهين: أحدُهما: كثرةُ استعمالِ مَتى لخِفَّتِهِ حتى صار أظهرَ من أيَّانَ فَصَلُحَ أن يفسَّرَ أيَّانَ بمتى، ولا يَنعَكِسُ. والآخرُ: أنَّ في "أيَّانَ" تَفخِيمَ الشَّأنِ لأنَّها تُستَعمَلُ في مواطِن التَّفخِيمِ كقولِهِ تَعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. قالَ جارُ اللهِ: "ولَمَّا في قولِكَ: لَمَّا جئتُ جئتَ بمعنى حِين". قالَ المشرِّحُ: قالَ سيبَويه: وأمَّا لمَّا [فهي للأمر] (٥) الذي وَقَعَ لِوُقُوعِ غيرِه. قالَ ابنُ السَّراجِ ويكونُ ظرفًا. قالَ جارُ الله: "وأمسِ وهي مضمّنةٌ (٦) معنى لام التَّعريفِ مبنيةٌ على الكَسرِ عند الحِجَازِيين وبنو تَميمٍ يَمنَعونَها الصَّرف فيقولون: ذَهَبَ أمسَ بما فيه وما رأيتُه مذ أمسَ، قالَ (٧):

стр. 772

لقد رأيتُ عَجَبًا مُذ أمسَا … عَجَائِزًا مثلَ السَّعالِي خَمسا" قالَ المُشرِّحُ: الكلامُ فيه قد مَضى في أوائلِ الكِتابِ. قالَ جارُ اللَّهِ: "وقَطَّ" "وعَوضَ" وهما لِزمانَي المُضِيّ والاستقبالِ على سَبيلِ الاستغراقِ تَقولُ: ما رأيتُه قَطَّ، ولا أفعَلُهُ عَوْضَ، ولا يُستَعملانِ إلَّا في مَوضعِ النَّفي قالَ: رَضِيعي لَبانِ ثَديِ أُمٍّ تَقاسَما … بأَسحَمَ داجٍ عَوضَ لا نَتَفَرَّقُ وقد حُكى "قُطّ" بِضمّ القاف، و"قَط" خَفيفةَ الطّاءِ وعَوضُ مضمومةً. قالَ المشرّحُ: بناؤُهما لجَريهما مَجرى "مِن" الاستغراقيّة، وعلى الحركةِ للاحترازِ من التقاءِ السَّاكنين، وبُني "عَوضَ" على الفَتحِ لأنَّه في الأصلِ مَنصوبٌ على الظَّرف فَيبقى بعدَ ذهابِ الإِعرابِ عنه على صُورةِ ما كانَ عَليه، وبُني، "قَطُّ" للمبالغةِ في المَعنى، وهذا لأنَّ زيادَةَ اللَّفظِ كما هيَ لِزيادةِ المعنى فكذلك قوةُ اللَّفظِ لِقُوة المَعنى ألا تَرى أنَّ فَعيلًا أبلغُ من فاعِلٍ، وفَواعِلًا أبلغُ من فَعيلٍ، ومن ثمَّ جاء "قُطّ" بِضمّ القاف لِزيادةِ المبالَغَةِ. فإن سألتَ: فكيفَ لم يَبنَ "عوضَ" على الضَّم للمبالغةِ؟ أجبتُ: قد ورَدَ أيضًا فيه

стр. 773

الضَمُّ كما وَرَدَ في "قَط" التَّخفيفُ والسّكونُ على أنَّا نَقولُ: الحاجةُ إلى ضَمِّ "قَط" فوقَ الحاجةِ إلى ضَمِّ أُختها (١)، لأنَّ "قَط" أصابَ فيه (٢) الإِدغام خِفَّةً بخلافِ عَوض. ما رأيتُه قَط مَعناه فيما انقَطَعَ ومَضى من عُمرك. وذَكَر ابنُ جِنّي (٣)، واشتقاقُه من قَطَطتُ أي قَطَعتُ ما قبلَ البيتِ (٤): تُشَبُّ لمقرَورَين يَصطَليانِها … وباتَ على النَّار النَّدى والمُحَلَّقُ المَقُرورُ هو الذي أصابَهُ القَرُّ أي البَردُ، عَني بِمَقرُورَين النَّدى والمُحَلَّق، وهو اسمٌ رَجُلٍ وفي عَطفِ المُحَلَّقِ على الَنَّدى ما فيه من الفَصاحة كأنَّه يُريدُ أنهما من جنسِ واحدٍ، بل أخوان. اللّبان بالكسرِ: لَبَنُ المرأةَ خاصةً ومنه اشتقاق اللَّبانِ بالفَتحِ لأنَّه موضِعُ اللَّبن فكأنَّه في الأصلِ خَاصٌ ثم عُمَّمَ ومعناه: رَضَعا لَبانَ لِبانِ ثَدي أُمٍّ، وهو بَدَلُ المِثلِ من المِثلِ، "تَقاسما" تَحالفا وفي التَّنزيلِ (٥): ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ (٦)، عنى "بأسحم داجٍ" اللَّيلَ وهو لَيس بالمُقسَمِ بِهِ وإنَّما هو ظَرفٌ بمنزلةِ أن تقولَ: تقاسما في لَيل داجٍ، يكونُ تآلفُهما فيه، واستئناسُ كلِّ واحدٍ (٧) منهما

стр. 774

بِصاحِبِه أكثرَ، يقالُ لا أفعلُ كَذا وكَذا عَوضَ نَاقَتي. قالَ بَعضُهم: العَوضُ هو الدَّهرُ سُمّي بذلك لأنَّ المَلَوينِ كأنَّهما يَتَعاوَضانِ، ووُضِعَ موضِعَ الأبَدِ، وهو المُستَقبلُ من الزمانِ، وقالَ صاحبُ (العَين) عوضُ كلُّه يَجري مَجرى القَسَم، فعوضُ ها هنا على القولِ (١) الأوّلِ ظرفٌ محضٌ معناه تقاسَما لا نَتَفرَّقُ الدّهرَ، وعلى الثَّاني أقسما بالدَّهرِ لا نتفرّقُ (٢)، فَحَذَفَ حرفَ القَسمِ، ونَصبَ المُقسمَ به كما في قولِكَ: واللَّه لأفعلنَّ. قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ؛ وكيفَ جارٍ مَجرى الظُّروف، ومَعناهُ السُّؤالُ عن الحالِ تَقولُ: كَيفَ زَيدٌ أي على أيِّ حالٍ هو وفي مَعناها "أنَّى" قالَ اللَّه تَعالى (٣): ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ وقال الكُميتُ: أنِّى ومِن أينَ آبَكَ الطَّربُ إلَّا أنّهم يُجازُونَ بأنَّى دُونَ كَيفَ قالَ لَبيدٌ فَأصبَحتَ أنَّى تأتِها تَلتَبِس بِها وحَكى قُطربٌ عن بَعضِ العَرَبِ: "انظر إلى كيفَ تَصنَع". قالَ المُشرّحُ: الّذي يَدُلُّ على أنَّ كيفَ اسمٌ حكايةُ قُطربٍ (٤) عن بعضِ العَرَبِ: "على كيفَ تَبيعُ الأحمَرَين" وهُما اللَّحْمُ والخَمرُ (٥)، ومِنهُ: "أهلكَ الرَّجُلُ الأحمران" (٦) و"كيف" تُنَظِّمُ الأحوالَ كلَّها، كما أن أين تُنَظِّمُ

стр. 775

الأماكنَ كلَّها (١)، كما أنَّه لا يُجازَى بكيفَ (٢) إلَّا عندَ ابن كَيسَان قالَ أبو سَعيد السّيرافي: أمَّا ابنُ كَيسان فَعدَّها من الشُّروط. وَجهُ ابنِ كَيسان القِياسُ، ولذلِكَ جاز لَكَ أن تَقولَ: كيفَ تكونُ أكونُ (٣)، وَجهُ سائرِ النَّحويين ما ذكرنا من أنَّ السؤالَ عن حالِ الشَّيءِ ليسَ لَه (٤) رُتّب ليترتَّب (٥) عليه في الخارجِ فِعلٌ، بخلافِ السُّؤال عن المكانِ فإنّه له رُتّب ليترتّب (٥) عليه في الخَارج فِعلٌ. تمامُ المِصراعِ الأوَّلِ (٦): ............................. … مِنْ حَيثُ لا صَبوةٌ ولا رِيَبُ تمامُ المِصراعِ الثّاني (٧): ............................. … كِلا مَركَبيها تَحتَ رِجلَيكَ شَاجِرُ

стр. 776

فقلتُ: ازدَجِر أحناءَ طَيرِك واعلَمن … بأنَّك إن قَدَّمتَ رِجلّك عاثِرُ يُخاطِبُ به عَمّه عامرَ بنَ مالِكٍ، وكانَ لَبيدٌ عَتَبَ عليه في شَيءٍ عَمِلَه، ازدجر: أزجُر. أحناءُ كلِّ شَيءٍ جَوَانِبُهُ ومنه (١): شَديدًا بأحناءِ الخِلافةِ كاهِلُه ومعنى ازجُر طَيرَك: انظر فيما تَعمَلُه، وتأمَّل أمُخطِئٌ أنتَ فيما صَنَعتَهُ أم مُصِيبٌ، وانظُر في أمرِك من كلِّ (٢) نَواحِيه، وقلّبهُ ظَهرًا لبَطنٍ "إن قدّمتَ رِجلكَ عاثر". أي إن استعجلتَ فيما تُريدُ أن تَعملَه. قوله: "فأصبحتُ أنَّى تأتِها تَلتِبِس بِها" أيْ من أيِّ جِهَةٍ أتيتَ هذه الخُطّة التي وَقَعت فيها تَلتَبِس بِمكرُوهِهَا وشَرِّها عَنى بالمركَبَينِ قادمةَ الرِّجل وآخرتَه الشَّاجِرُ الذي دَخَل بعضُهُ في بَعضٍ، ومنه اشتجارُ الأسّنةِ، وكذلِكَ الشَّجرَةُ لِتَداخُلِ أغصانِهَا، وعَنى به الّذي تَغَيّر نَظمُهُ، وهذا على طَريق المَثَل يقولُ: لا يُجدي في الأمرِ الّذي تُريدُ أن تَعمَلَه رأيًا صَحِيحًا ولا مَركَّبًا وَطِيًّا أين (٣) رَكبتَ منه آذاك وفَرّق بينَ رِجليك فلم تَثبُت عَلَيه ولَمْ تَطمَئِنَّ.

стр. 777

[بَابُ المركّبَات] قالَ جارُ الله: المُركَّبات: هي على ضَربين، ضَربٌ يَقتَضي تَركيبُه أن يُبنى الاسمان معًا، وضَربٌ لا يَقتضِي تَركيبُه إلَّا بناءَ الأولِ منهما فمن الضَّربِ الأوّلِ نحو العَشرةِ مع ما نيَّفَ عليها (١)، وقولُهم: وَقعوا في حَيص بَيص، ولَقيتُه كَفةً كفةً، وصَحرة بَحرة، وهو جاري بَيتَ بَيتَ، وَوَقَعَ بينَ بينَ، وأتيتُك صَباحَ مَساءَ، ويومَ يَومَ، وتَفَرَّقوا شَغَر بَغَر وشَذَر مَذَر، وخُدع مدع، وتَركوا البِلادَ حَيثُ بَيثُ وحاثَ باثَ ومنه الخازَ بازَ. والضَّربُ الثَّاني قولُهم: أفعلَ ذلك بادِئ بدءٍ وذهبوا أيدي سَبأ ونحو مَعدِي كَربٍ، وبعلَبكَّ، وقالي قَلا. قالَ المشرّحُ: اعلم أنَّهم لا يُعِلُّون من هذه المركبات أعني بيتَ بيتَ وصَباحَ مساءَ، بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ إلَّا إذا أردتَ الحالَ والظَّرفَ، والقِياسُ هو الإِضافةُ. قالَ ابن السَّراجِ: فإذا قُلتَ تأتينا في كلِّ صَباح مساء أضفتَ، لأنَّه قَد زالَ الظَّرفُ وصارَ اسمًا خالِصًا، نَحوه (٢) صَحرة بَحرة، بالباء المُوحدّة حاِثَ

стр. 778

باثِ باثِ -بالكسر- وكذلك الخازَ بازَ ها هنا. أفعل هذا بادئ بدءٍ [كلاهما بالسكون] (١). قالي قَلا بالقافين مَوضعٌ (٢)، وهو بوزنِ اسمِ الفاعلِ من قَلا بوزنِ الماضي منهُ. قالَ جارُ الله: فصلٌ؛ والذي يفصلُ لك بينَ الفَريقين أنَّ ما تَضَمَّن ثانِيه مَعنى حَرفٍ بُنِيَ شطراه لِوُجودِ عِلّتي البِنَاءِ فيهما معًا (٣). أمَّا الأولُ فلأنَّه ينزَّلُ صَدرُ الكلمةِ من عَجزِها. وأمَّا الثاني فلأنَّه تَضَمَّنَ معنى الحَرفِ وما خَلا ثانيه من التَّضمنِ أُعربَ وبُنِي صَدره. قالَ المُشرِّحُ: [فإن سألتَ: بَعلَبَكَّ ثانِيه خالٍ من التَّضمين نَحو حَضرموتَ خلا ثانيه الَّذي هو عَجزُهُ فَوَجَبَ كَونُه مُعَربًا بِخِلافِ ما إذا كان ثَانيه مُتَضَمّنًا فإنه يكونُ مَبنيًّا] (٤)، فإن سألتَ في هذا الكَلامِ تَدافعٌ وذلك أنَّ كونَ الثاني مُتَضَمِّنًا معنى الواوِ يقتَضي أن لا تُنَزَّلَ الكلمتَان منزلة كلمة واحدةٍ، لأنَّ هذا يُشعِرُ بكونِ الثّاني مَعطوفًا على الأوَّل، وذلِكَ يَقتَضي أن يكونا كَلِمَتَين، وتَنَزُّلُ الأولى منزلةَ صَدرِ الكَلِمَةِ من عَجزِها يَقتضي أن لا يكونا كلمتين. أجبتُ: بأنَّ كونَهما كَلِمتين وغيرَ كَلِمَتين إنما يكونُ تَدافعًا إذا رَجَعَ الكونان إلى شَيءٍ واحدٍ، أمَّا إذا رَجَعَا إلى شَيئين مُختلفين فَلا. وها هُنا (٥) رَجَعَا (٦) إلى شَيئين، بيانه أنَّ كونَ الثَّاني مُتَضمّنًا معنى الواوِ، وإن اقتَضَى كونَهما كَلِمتَين، لكنْ لا من حيثُ الظَّاهِرُ، لكن من حيثُ المَعنى، وكون الأوَّلِ مُنَزَّلًا مَنزلةَ صَدرِ الكَلِمَةِ من عَجزِها، وإن اقتَضَى كونُهما غيرَ كَلِمَتين لا من حيثُ المَعنى بل من حَيثُ الظَّاهِرُ، ألا تَرى أنّك إذا قُلتَ: جاءَني خَمسَةَ

стр. 779

عَشَرَ رَجلًا فَخَمسَةَ عَشَرَ بِمَجموعِهما أُقيم مقامَ الفاعلِ. قالَ جارُ الله: "والأصلُ في العَدَدِ المُنيفِ على العَشَرةِ أن يُعطفَ الثَّاني على الأوَّلِ فيُقالُ: ثَلاثَةَ وعشرةَ فمُزِجَ الاسمان وصُيّرا اسمًا واحدًا وبُنِيا لِوُجُودِ اللَّتينِ". قالَ المُشرّحُ: العلةُ في جَعلهم الاسمين اسمًا واحدًا أنَّهم لو اقتصروا بقولِهم خَمسةَ عَشَرَ لوقعَ في بعضِ المواضعِ اللَّبسُ، ألا تَرى أنَّك لو قُلتَ لِغيرِك أعطيتُك بهذا الثَّوبِ مرةً خمسةً فلم تَبِع ومرةً عَشرةً فلم تَبِع لالتَبَسَ. قالَ جارُ الله: "ومن العَرَب من يُسكِّنُ العَينَ من أحدَ عَشَرَ، احتِرازًا من تَوالي المُتحرِّكات في كَلِمَةٍ واحدةٍ". قالَ المُشَرّحُ: العَرَبُ لا تُوالي بَينَ أربعِ مُتحركاتٍ من الحروفِ حركةً أصليّة في إحدَى الكلمِ الثَّلاث. وأمَّا (١) غَلبَطَ وهَدْبَدَ فهو مُخفّفٌ من غَلابِطٍ وهَدَابدٍ. قال جارُ الله: "وحرفُ التَّعريف والإِضافة لا يُخِلّان بالإِضافة، تقولُ: الأحدَ عَشَرَ، والحادِي عَشَرَ إلى التّسعةَ عَشَرَ والتّاسعَ عَشَرَ، وهذه أحدَ عَشَرَ وتِسعةَ عَشَرَ". قالَ المُشرّحُ: قَضيّةُ القياسِ أن يُعرب المَبنِي إذ عُرِّفَ باللَّامِ أو أُضيف، أما إذا عُرّفَ باللامِ فلأنَّ الاسمَ يُبنى لمناسَبَةِ الحرفِ، وصيرورَتِهِ من حيثُ المعنى بِمنزلتِه، فإذا دَخَلَه اللَّامُ التي لا تَدخُلُ إلّا على الأسماء تَقَوَّت (٢) الاسميّة وانصرفَ (٣) من الحَرفِيَّةِ، فَوَجَب أن يُعرَبَ. أمَّا إذا أُضيفَ فلأنَّ المُضافَ إليه بمنزِلةِ التَّنوين للمُضافِ، ولهذا لا يَجوزُ دُخولُ اللَّامِ على

стр. 780

المُضافِ إضافةً حَقيقيَّةً ومُحالٌ أن يكونَ الاسمُ مُنوَّنًا ولا يكونُ مُعرَبًا، والّذي يَقعُ التَّقصّي به (١) عن هذه الشُّبهة أنَّ إعرابَ هذا المُرَكَّب مُمتَنِعٌ ها هنا، إذ لو أُعربَ لا يخلو من أن يُعرَبَ إعرابَ الشَّطر الأوّل، أو لا مع إعرابه، لا وَجهَ إلى أن يكونَ مع إعرابِ الشَّطرِ الأوّلِ لأنَّه لو أُعربَ الشَّطرُ الأوّل لَتَعَدَّدَ الفاعِلُ في نَحو: جاءَني الأحدَ عَشَرَ رَجُلًا، وتَعَدُّدُ الفاعِلِ مُمتَنِعٌ، ولا وَجهَ إلى أن يكونَ لا مع إعراب الشَّطرِ الأوّل، وذلك أنّه متى أُعرِبَ الشَّطرُ الثَّاني دَلَّ ذلك (٢) على أنَّه لمَ يبقَ مُتَضَمِّنًا مَعنى الواوِ حُكمًا، وإذا لم يَبقَ مُتَضَمِّنًا مَعنى الواوِ حُكمًا (٣) دَلَّ على ارتفاعِ التَّركيبِ بَينَ الاسمين، وإذا ارتَفَعَ التَّركيبُ بينَ الاسمين وَجَبَ أن يَعودَ الأوّلُ مُعَربًا. قالَ جارُ الله: "وكان يَرى الأخفشُ فيه الرَّفعَ إذا أضافَهُ، وقَد استَرذَلَهُ سِيبويهِ". قالَ المُشرِّحُ: مَذهَبُ الأخفشِ قِياسٌ، ومَذهَبُ سِيبويهِ استحسانٌ وهو ما ذَكرناه آنفًا، فإن سألتَ: فما الفرقُ عندَ الأخفش بينَ التَّعريفِ باللَّام وبينَ الإِضافةِ، حيثُ جَعَلَ الإِضافة مُستَرجعةً للإِعراب (٤) دون اللَّامِ؟ أجبتُ: لأنَّ الإِضافةَ أظهرُ العامِلينَ أثرًا فلا يجوزُ تَركُها، وهذا لأنَّ الإِضافةَ كما يَظهرُ أثَرَها من حيثُ المعنى فكذلك يظهرُ أثرُها من حيثُ الصُّورةُ وهو إلى (٥) جُزءِ المضافِ إليه وسقوطِ التَّنوين من المضافِ. قالَ جارُ الله: وإن سُمِّيَ رَجُلٌ بخَمسَةَ عَشَرَ كان فيه الإِعرابُ (٦) والإِبقاءُ على الفَتحِ".

стр. 781

قالَ المشرّحُ: من أبقى فيه الفَتحة [فقد جَعَلَها من نفسِ العَلَمِ، فصارت الفَتحةُ] (١) بمنزلةِ الراءِ من عُمر والدالِ من زيدٍ (٢) فكما أنَّ ذلك لا يجوزُ طَرحُهُ كذلك هذا، ومَنِ رَفَعَة لم تَكُن الفَتحةُ من العَلَمِ في شيءٍ ونظيرُ هذه المسألةِ مررتُ بزيدٍ فإنَّه يَجوزُ فيه الفَتحُ، والرَّفعُ بَدَلُ الفتحِ علي الحِكايةِ كما في قوله: "بَنِي يَزيدُ". قالَ جارُ اللَّه: فصلٌ؛ وكذلك الأصلُ (٣) وقعوا في حَيصَ بَيصَ، أي في فِتنَةٍ تَموجُ بأهلِها مُتَأخّرِينَ (٤) ومُتَقدّمين، ولقيتُهُ كَفّةَ كَفةَ، أي ذَوي كَفّتين كفةً من اللاقي وكفةً من الملقِيّ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما في وهلةِ التَّلاقِي، كافٍ لِصاحِبِه أن يَتجاوَزَه، وصَحرةَ بَحرة، أي ذَوِي صَحرَةَ وبَحرةَ، أي انكشافٍ واتّساعٍ لا سُترَةَ بَينَنَا، ويقالُ (٥): أخبرتُهُ بالخَبَرِ صحرةَ بَحرةَ، ويقولون: صَحرةَ بحرةَ (٦) نَحرةَ فلا يُنونون لئلَّا يمزِجُوا بين ثلاثة أشياءِ، وهو جارى بَيتَ بَيتَ (٧) أي بيت [إلى بيتٍ، أو بيتٌ لبيتٍ] (٨)، أي: هو جاري مُلاصقًا (٩)، [وَوَقَعَ بينَ بينَ، أي بينَ هذا وبينَ] (١٠) هذا قالَ عَبيدُ (١١): وبعضُ القومِ يَسقُطُ بَينَ بَينا

стр. 782

قالَ المُشرِّحُ: "بَيَصَ" أصله بَوَصَ فقلبت الواو ياءً طَلَبًا للمُشاكلَةِ والازدِواجِ يمزِجُون بينَ ثلاثةِ أشياءَ ولذلك لم يُرغِموا نحو قَولِهِ (١): ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ و ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢) صدر البيت: نَحمِي حَقيقَتَنا وبَعضُ القَومِ … ....................... أي يَتَسَاقَطُ ضَعيفًا غيرَ مقتَّلٍ، وجَعْلُ الهَمزةِ بينَ بَينَ أحدُ وُجُوهِ التَّخفِيفِ … قالَ جارُ اللهِ: رَأيتُهُ صَباحًا ومَساءً، ويَومًا ويَومًا (٣)، أي كلَّ صَباحٍ ومَساءٍ، وكلَّ (٤) يومٍ، وتفرَّقُوا شَغَرًا بَغَرًا، أي: مُنتَشِرينَ في البلادِ هائِجين من استَشغَرت عليه صَنيعة إذا فَشَت وانتَشَرت، وبَغَرَ النَّجمُ هَاجَ بالمَطَرِ قالَ العَجَّاجُ (٥): بُغرةَ نَجْمٍ هاجَ لَيلًا فانكَدَر قالَ المُشَرِّحُ: يَجوزُ أن يكونَ اشتقاقُه من قولِهِم: شَغَرَ الكَلبُ إذا رَفَعَ إحدى رِجليه فباعَدَها من الأخرى، وبَغَرَ من قولهم: بَغَرَ الرَّجُلُ إذا شَرِبَ فلم يَروَ. فكأنَّه عَطَشٌ لا رَيَّ بَعده فَجُعِلَ عبارةً عن التَّفرُّقِ الذي لا اجتماعَ بَعدَه. قالَ جارُ اللَّهِ: وَشَذرًا مَذَرًا، من الشَذَرِ وهو التَّفَرُّقُ (٦) والتَّبذِيرِ، والميمُ

стр. 783

في مَذَرَ بدلٌ من الياءِ، وخُدعًا ومُذعًا، أي منقَطِعينَ مُنْتَشِرِين (١)، من الخَدْع وهو القطعُ، ومن قولهم: فلانٌ مَذّاعٌ أي كَذَّابٌ يُفشي الأسرارَ وينشُرها وحيثًا وبيثًا من قولهم: فلانٌ يَستَحِيثُ ويَستَبِيثُ، أي يَستَبحِثُ ويَستَشيرُ. قالَ المُشرِّحُ: يحتملُ أن يكونَ من قولهم مَذَرَتِ البَيضةُ إذا فَسَدَت لأنَّ الشَّيءَ إذا أفسدَتهُ تَفَرَّقَ. قالَ جارُ الله: "فَصلٌ؛ وفي خازَ بازَ سبعُ لغاتٍ، وله خَمسةُ معانٍ فاللغاتُ: خازِ بازِ، وخازَ بازَ، وخازِ بازُ، وخازَ بازُ، وخازُ بازِ، وخَازِ بَازٍ كقاصعاء، وخِزبَازٍ كقرطاس. والمعاني: ضَربٌ من العُشبِ قالَ: والخازَ بازَ السنّم المَجُودَا وذبابٌ يكونُ في العُشبِ قالَ: وجُنَّ الخازَ بازَ به جُنُونَا وصوتُ الذُّباب وداءٌ في اللَّهازِمِ قالَ: يا خازَ بازَ أرسلِ اللَّهازمَا والسِّنورُ" قالَ المُشرِّحُ: الأولى خازِ بازِ بالكَسرتَين والثَّانية بالفَتحتَين، والثَّالثة بكسرِ الأولى وضمِّ الثَّانيةِ، والرَّابعةُ بفتحِ الأُولى وضَمِّ الثَّانِيَةِ والخامِسةُ: بضمِّ الأولى وكسرِ الثَّانِيَةِ (٢). هذا الفَصل يَشتَمِل على ثَلاثِ مَسائلَ: الأُولى: أصل مَعنى التَّركيبِ في الكَلِمَتين، والثَّانيةُ: تَطبيقُ أصلِ مَعنى التَّركيبِ بالمَعاني الخَمسةِ، الثَّالثة: بيانُ أنَّ العِلَلَ (٣) مما يَتَعَاقَبُ على الكَلِمتين مَن الحركاتِ.

стр. 784

أمَّا المسألةُ الأولى: فبازُ من البزوانِ وهو الوَثبُ، وبَزا عليه يَبزُو إذا تَطاول، وسُمِّيَ البازيُّ لتطاوله على سائرِ الطُّيور، ومنه البِزاءُ وهو خروجُ الصَّدرِ وتطاوُلُهُ (١)، ومنه خَزاه يَخزُوه خَزوًا إذا ساسَه وقَهَرَهُ، ومَعنى التَّطاوُلِ فيه لائحٌ. أمَّا المَسألةُ الثَّانيةُ: فمعنى التَّطاوُل في العُشبِ ظاهرٌ، وذلِكَ أن العُشبَ من شأنِه أن يَنمُو ويَتَطاوَلَ، وفي الذُّبابِ كذلكَ لأنَّه يُؤديَ الحَيوان ويَعَضُّه، وهذا تطاولٌ عليه وزيادةٌ، وفي صوتِ الذُّباب أيضًا كذلك لأنّه صِياحٌ وشَغَبٌ وهذا بِعينه مَعنى التَّطاوُل، وفي الداءِ أيضًا بهذِه المَنزلةِ لأنَّه يَغلِبُ الحيوان ويَقهَرُه وكأنَّه يَتَطَاولُ عَليه، وفي السِّنورِ غيرُ خَفِّي لأنّه أبدًا يَتَعرّضُ للحيوانِ، ويَصيدُه، وهذه نِهاية التَّطاوُلِ. أمَّا المسألةُ الثالثةُ: فلأنَّها في الأصلِ اسما فاعِل معتلِّ اللَّامِ ذهبَ منه اللَّامُ واجتُزِئ بالفتحِ والكسرِ فيهما تنزيلًا لهما منزلةَ خَمسَةَ عَشَرَ بعدَ إجرائِها مَجرى الصَّحيح ولذلك يقالُ في البازِيّ طارَ البازُ وطيَّرتُ البازَ فالرَّفعُ والنَّصبُ والكَسرُ في الأولِ (٢) مع الرفعِ في الثَّانِي اجتزاءً في الأوَّلِ، وإجراءَ الثاني مَجرى الصَّحيح والفتحُ في الأوّل مع الرّفعِ في الثَّاني كحضرموت والإِعرابِ في الأوّلِ مع انجرارِ الثَّاني كمعدي كَربٍ (٣) وأمَّا الخازَ باز، والخاز بازَ فتنزيلٌ لهما منزلةَ المُفردِ. ما قبلَ البيت الأول (٤): رعيتُهما أكرم عودٍ عُودا … الصِّلَّ والصّقيلَ واليَعضِيدا والخاز بازَ السّنم المَجُودا … يُجيبُ يَدعو عامِرًا مَسعُودَا

стр. 785

الصِّلُ نَبتٌ والصِّقيلُ أيضًا، كلاهُما بالكَسرِ واليَعضِيد أيضًا نبتٌ، سَنَمٌ مرتفعٌ، وتَسميتها عُودًا على اعتبارِ تَسميَته النّبتَ شَجَرَةً وعامرٌ ومسعودٌ رَاعيان. قالَهُ الجَوهَرِي (١)، كأنَّه يدعوه للفَرجِ بالخِصبِ. وصدرُ البيتِ الثَّاني (٢): تَفَقَّأ فَوقَه القِلَعُ السَّواري … وجُنَّ ............. البيت القِلْعَة القِطعةُ العَظِيمةُ من السَّحابِ، والجَمعُ قِلَعٌ. الخازَ بازَ في هذا البيتِ كما يُحتَمَلُ الذُّبابُ فقد قالَ السّيرافي (٣): يحتملُ أن يكونَ هو العُشبُ (٤) وفي المَثَلِ: (الخازَ بازَ أخصَبُ) ألا تَرى إلى قَولِه (٥): تَبَرَّجتِ الأرضُ معُشوقَةً … وجُنَّ على وَجهِها كلُّ نَبتِ وقيلَ المرادُ بالخازَ بازَ ذُبابٌ يَظهرُ في الرَّبيعِ فَيَدُلُّ على خِصْبِ السَّنَة، يُضرَبُ لمن هو في الرَّخاءِ والدَّعةِ والبَيتُ لابنِ أحمرَ. ما بعدَ البيت (٦): إنَّي أخافُ أن يكونَ لازِمَا

стр. 786

قالَ جارُ اللهِ: فَصلٌ؛ وأفعلُ هذا بادِئ بَدا أو بادىَء بَدِيّ أصله بادِي بدءٍ وبادئَ بَداء، مُخَفَّفٌ بطرحِ الهَمزَةِ والإِسكانِ، وانتصابه على الحالِ، ومعناه مُبتَدِئًا به قَبلَ كلِّ شيءٍ وقَد يُستَعمَلُ مَهموزًا وفي حَديثِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ: "أمَّا بادئ بدء فإنّي أحمدُ اللهَ". قالَ المُشَرِّحُ: [اجعل هذا بادي بدا افعل ظاهِرًا من بَدا يبدُو وما في المَتن أجود] (١) بدليلِ حَدِيثِ زيدِ بنِ ثابتٍ. قالَ جارُ اللهِ: فصلٌ؛ ويقالُ: ذَهَبوا أيدي سَبأ، وأيادي سَبأ أي مثلِ أيدي سَبَأ بن يَشجُب في تَفَرُّقِهِم وتبدُّدِهِم في البلادِ حينَ أُرسِلَ عليهم سَيل العَرِمِ، والأيدي كنايةٌ عن الأبناء والأُسرة لأنهم في التَّقوِّي والبَطش بهم بمنزلةِ الأيدي. قالَ المُشَرِّحُ: هذا الفصلُ والفصلُ المُتقدّمُ ليسا من فُضُول التَّركيبِ، بل هُما من فصولِ الإِضافةِ. قالَ جارُ اللهِ: فَصلٌ في مَعدِ يكَرب لُغتان أحدهُما: التَّركيبُ ومنعُ الصَّرفِ. والثَّانيةُ: الإِضافةُ: فإذا أُضيفَ جازَ في المُضاف إليه الصَّرفُ وتَركُهُ تَقولُ: هذا مَعد يكرَب ومَعدِ يكربٍ وكذلك: قالي قَلا وحَضرموتَ وبَعلَبكَّ ونظائِرها. قالَ المشرّحُ: إذا قُلتَ: هذا مَعد يكربَ فهو بمنزلة بَعلَبَكَّ، وأمّا مَعد يكربٍ فهو على الإِضافةِ والصَّرفِ، ومنهم من يقول: مَعدِ يكربَ يضيفُ ولا يَصرِفُ كَرِبًا يَجعَلُهُ مَعرفةً (٣)، مؤنَّثًا. فإن سألتَ: فلم مُنعَ الصَّرفَ

стр. 787

"موتَ" و"بك" من حضرموت وبعلبكَّ؟ أجبتُ: لأنَّ ذلِكَ مؤنثٌ إلَّا أنَّه لم يَظهَر فيه التَّاءُ [فهو في تقديرِ التاءِ] (١). فكأنّه حضرموتَه وبَعلَبَكَّه ومَوتَه وبَكَّه فيهما التأنيثُ المُستحكِمُ بالعَلَمِيَّةِ.

стр. 788

[بَابُ الكنَايَات] قالَ جارُ اللهِ: الكِناياتُ: وهي "كَم" و"كذا"، و"كَيت"، و"ذَيت"، و"كَمْ" و"كَذا" كناياتٌ عن العَدَدِ على سَبيلِ الإِبهامِ، وكيتَ وذَيت كنايَتَان عن الحَديثِ والخَبَرِ كما كُنِّي بفلانٍ و"هَنٍ" عن الأعلامِ والأجناسِ تقولُ: كَمْ مالكَ؟ وكَم رَجُلٍ عِندي؟، وله كذا وكَذا درهمًا، وكان من القصة كيتَ وكيتَ، وذيتَ وذيتَ. قالَ المُشرِّحُ: الكِنايةُ: ذِكرُ مُجمل وإرادةُ مُفَصَّلٍ. "وكَمْ": بُنِيَ لِجَريها مَجرى هَمزةِ الاستفهام وقد مَضى، كَذا: بُنِيَ لأنَّه في الأصلِ اسم إشارةٍ وأسماءُ الإِشارةِ مَبنِيَّةٌ لجَريهَا مَجرى اللَّام المُعَرّف. أمَّا تَعريفُ مَعناه فقد قالَ الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرجاني: ﵀ (١) تعالى- عندي كالعَدَد درهمًا، كيتَ كنايةٌ عن الجُملةِ والجملةُ من حيثُ وهي جملة مبنية، فكذلك ما فيه مَعنى الجُملةِ، كَم مالُكَ؟ كم هي (٢) الاستفهامِيَّةُ، ومميزها مَحذوفٌ، كم رَجُلٌ عندي هي الخَبريّة. قالَ جارُ اللهِ: فصلٌ؛ وكَم على وَجهين، استفهاميّةٌ وخَبَرِيَّةٌ، فالاستفهامِيَّةُ يُنصَبُّ مميِّزها مفردًا كمميّز أحدَ عَشَرَ، والخَبَرِيَّةُ تَجُرّهُ مُفردًا أو

стр. 789

مَجموعًا كمميِّز الثَّلاثةِ والمائةِ، تَقولُ: كَم رَجُلٍ عِندي، وكَم رِجالٍ، كما تَقولُ: ثلاثةُ أثوابٍ ومائةُ ثَوبٍ. قالَ المُشرِّحُ: اعلَم أنَّ الخبرَ مُقدَّمٌ على الاستفهامِ تَقولُ: أفي الدَّارِ زيدٌ، وضربَ (١) عَمرو، فالخَبرُ بحكم تَقَدُّمها أصابت حكَم المرتَبة الأولى، وهو خبرُ المُمَيَّزِ المَجموعِ. ثم الإِخبارُ عن القَليل يكون أيضًا عن الكَثير فأعطيت حكمَ المَرتبةِ الثَّالثةِ أيضًا وهو المميِّزُ المُفرَدُ فَعلى هذا قَولُك: كم رجلٍ عندي أكثر من قولك: "رِجالٍ" ولما استَولت الخَبَرِيَّةُ على المَرتَبَتَينِ لَم يبقَ للاستفهامِيّةِ إِلا النّصبُ. قالَ جارُ اللَّهِ: فصلٌ وتقعُ في وِجهَتِها مبتدأةً ومَفعولةً، ومُضافًا إليها تقولُ: كَم درهمٍ عِندك؟ وكَم غُلامٍ لَكَ، على تَقديرِ أيّ عَدَدٍ من الدَّراهمِ حاصلٌ عِندَك، وكثيرٌ من الغِلمانِ كائنٌ لَكَ. قالَ المُشَرِّحُ: كَم سواءٌ كانت خَبَرِّيَةً أو استفهاميةً تَجيءُ تارةً مُبْتَدَأةً وأُخرى مَفعولةً، ومرّةً مضافًا إليها. أمَّا المبتدأةُ فقولُكَ: كم دِرهمًا عِندك؟ وكم غُلام لَكَ، فكم دِرهمًا استفهامية وهي مُبتَدَأةٌ، ودِرْهَمًا ممِيّزُها وعِندَك خَبَرُها (٢)، و"كم" في كَم غلامٍ لَكَ خَبَريّةٌ، وهي مُبتدأةٌ مضافَةٌ إلى غُلامٍ، ولَكَ خَبَرُهُ. قالَ جارُ الله: "وتقولُ: كَم مِنهم شاهدٌ على فُلانٍ، وكم غلامًا لَكَ ذَاهِبٌ تَجعل لَكَ صفةً للغُلامِ، وذاهبًا خبرًا لِكَم". قالَ المشرِّحُ: "كم" في (كَم مِنهم شاهِدٌ على فُلانٍ) هي الخَبَرِيَّة، [وهي مُبتَدَأة] (٣) والظَّرفُ وهو "مِنهُم" في مَحَلِ الرَّفعِ بأنَّه صِفَةٌ لِهذا المُبتَدَأ، وشاهدٌ خَبَرُ هذا المُبتَدأ وعلى فلانٍ صِلةٌ شاهدٌ كما إذا قُلتَ: مررتُ

стр. 790

بِزَيدٍ فـ "بزَيدُ" صِلَةُ مَرَرتُ (١) وتقديرُهُ (٢) كثِيرٌ منهم شاهِدٌ، ويُحتَمَلُ أن تكُونَ هي الاستفهاميَّة و"كَمْ" في كَم غُلامًا لَكَ ذاهبٌ هي الاستفهاميَّةُ، وهي المُبتَدَأةُ وغُلامًا مُمَيِّزُها، ولَكَ صِفَةٌ لِغُلام (٣) وذاهِبٌ خَبَرُهُ، تَقديره: أيُّ عَدَدٍ من غِلمانٍ مَملوكةٍ لَكَ ذاهِبٌ ولو قَدَّمتَ ذاهبٌ على لَكَ لكانَ ذاهبٌ صِفَةً لكم، والظَّرفُ وهو لَكَ خبرُ المُبتَدأ فإن سألتَ: لِمَ لَمْ يُجعل الظَّرفُ في هذه المسألة صِفَةً للمُبتدأ كما في المَسألةِ المُتَقَدِّمةِ؟ أجبتُ: هذا أيضًا يَجُوزُ إلَّا أنَّ الأحسن أن يُجعَلَ المرفوعُ الأوّلُ صفةً للمبتَدَأ، والمَرفوع الثَّاني خبرَ المُبتدأ حتَّى لا يَقَع الخَبَرُ فاصِلًا بينَ الصِّفةِ والمَوصوف. ولا يجوز في هذه المَسألة كم غِلمانًا لَكَ؟ كما لا يَجوزُ أعشرون غلمانًا لَكَ أم ثَلاثون؟. قالَ الأخفشُ: الكوفيّونَ يُجِيزُونَ كَمْ غِلمانًا لَكَ. قالَ جارُ اللهِ: "وتقولُ في المفعولِيّة: كَم رَجُلًا رأيتَ؟ وكم غُلامًا مَلكتَ؟ وبكم رَجُلٍ مررتَ وأنفُسَ كم رَجُلٍ أنقذتَ، وعلى كَمْ جِذعٍ بُنِيَ بَيتُكَ؟ قالَ المُشَرِّحُ: كَم في كَمْ رَجُلًا رأيتَ؟ هي استفهاميّة، وهِيَ منصوبٌ بأنَّها مَفعولَة رأيتَ رَجُلًا مميِّزها تَقديرُهُ أيُّ عَدَدٍ من الرّجالِ رَأيتَ "وكَم" في كَم غُلامٍ مَلَكتَ هي الخبرية، وهي منصوبة على أنَّها مَفعولة مَلَكتَ، تَقديرُهُ: كثيرٌ من الغِلمان مَلَكتَ (٤)، وكذلك كَم في قولِكَ (٥): بكم رَجُلٍ مررتَ هي الخَبَرِيَّة وهي في مَحَلّ النَّصبِ على أنَّها مَفعولةٌ لكنَّها مَفعولةٌ غيرُ

стр. 791

صَحِيحةٍ هذا هو الصَّحيحُ. "كم" في على كَمْ جِذْعًا بُنِيَ بَيتُكَ هي الاستِفهاميَّة بأنَّها مفعولةُ بُنِيَ تَعدّى إليها الفِعلُ بواسِطَةِ حَرفِ الجَرِّ، وجِذْعًا تَمييزُها (١). تَخمير: سِيبوَيهِ: سألتُ الخَليلَ عن قولِهِمْ: على كَمْ جِذعٍ بَيتُك؟ أمَبنِيّ؟ فقالَ القِياس هو النَّصب، وهو قَولُ الأكثر وأما الّذين جَرُّوا فإنّهم أرادوا مَعنى "مِنْ" ولكنَّهم حَذَفوا "من" تَخفيفًا على اللِّسانِ. قَال جارُ اللَّهِ: "وفي الإِضافةِ رِزْقَ كم رجلًا (٢) وكم رجلٍ أطلَقْتَ". قال المشرّح: "رِزقَ": منصوبٌ على أنَّه مفعولُ أطلَقت (٣)، وكم هِيَ الخَبَرِيَّة، ورِزق مضافٌ إليها، وكَم مضافٌ إلى رَجُلٍ تقديرُه رزقُ كَثِيرٍ من الرِّجالِ، أطلقت (٤)، وإن نَصبتَ رَجُلًا ها هُنا فكم هِيَ الاستفهامِيّة وتقديرُهُ رزقُ أيِّ عَدَدٍ من الرِّجالِ أطلَقتَ. قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ وقد يُحذَفُ المُمَيَّزُ فيقالُ: كم مالُكَ أي كَم دِرهمًا أو كَمْ دِينارًا مالُكَ، وكم غلمانُك: أي كَمْ نفسًا غِلمانُكَ، وكم دِرهُمك (٥): أي كم دانِقًا درهَمُك، وكم عبد اللَّه ماكِثُ (٦) أي كم يَومًا أو شهرًا". قالَ المشرّحُ: المُمَيّز كما ذكره الشَّيخ في جَميعِ (٧) هذه الأمثلةِ محذوفٌ، فإن سألت: فما تقولُ في "كم" ها هُنا: أهو المُبتدأ أم المالُ؟

стр. 792

أجبتُ: المُبتدأ هو المالُ كأنَّكَ قُلتَ: مالُكَ مسؤولٌ عن عَدَدِهِ، ولأنَّ معنى كَم مالُك (١): العشرون أم الثَّلاثون، والعِشرون في هذا المقام خَبَرُ المبتدأ ألا تَرى أنَّ التَّأكيدَ يقعُ له فيقالُ العشرون لا الثَّلاثون (٢) مالُكَ ولا يقع لمالِكَ فَلا يقالُ: العِشرون مالُكَ لا غيرَ مالك لأنّ الرابطة في كم مالك تلتحق بكم لا بمالك. تَخميرٌ: إذا قُلتَ: كم دِرهَمُكَ فالسُّؤالُ عن وَزنِ الدِّرهَمِ، وإذا قُلتَ: كَم دراهُمِكَ فالسُّؤال عن عَدَدِها. قالَ جارُ اللَّهِ: "وكذلك كم سِرْتَ، وكمْ جاءَك فُلانٌ، أي كَمْ فَرسخًا وكم مرَّةً أو كَم فَرسَخٍ وكم مَرَّةٍ". قالَ المُشرِّحُ: ["كم" في كَمْ سِرتَ، وكم جاءَكَ فلانٌ يُحتَمَلُ أن تكونَ هي] (٣) الاستفهامِيَّة، وأن تكونَ هي الخَبَرِيَّة، وإذا أتيتَ بالمميّز منصوبًا فهي الاستفهامِيَّة وإن كان مَجرورًا فهي الخَبَرِيَّة، وأمّا إذا جِئتَ به مَرفوعًا فَيُحتَمَلُ المَحذوف ها هُنا كما يُحتَمَل أن يكون ظَرفَ مكانٍ يُحتَمَلُ أنَّ يكونَ ظَرفَ زَمَانٍ. قالَ جارُ اللَّهُ: "فصلٌ؛ ومُمَيّز الاستفهاميَّة مُفردٌ لا غيرَ، وقولُهم: كم لك غلمانًا المُمَيّز فيه محذُوفٌ، والغِلمانَ مَنصوبةٌ على الحالِ بما في الظَّرفِ من مَعنى الفِعل والمَعنى كم نفسًا لَكَ غلمانًا". قال المشرّح: هذا كما تقول: عبدُ اللَّهِ في الدَّارِ قائمًا لو قَدَّمتَ فقلتَ: كَم غِلمانًا لَكَ على الحالِ لم يَجُز. كما لا يَجوزُ عبدُ اللَّهِ قائمًا فِيها، لأنَّ الحالَ لا يَتَقَدَّم إذا كانَ العاملُ فيها (٤) مَعنى.

стр. 793

قَال جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ وإذا فُصِلَ بينَ الخَبَرِيَّةِ ومميّزِها نُصِبَ تَقولُ: كَم في الدَّارِ رَجُلًا و: كَمْ نَالَني مِنكُمُ فَضْلًا على عَدَمٍ وقال: تَؤُمُّ سِنانًا وكَم دُونه … من الأرضِ مُحدَودِبًا غَارُها" قالَ المُشَرِّحُ: هذا الفَصلُ يَحتَوِي على مَسألَتَينِ: إحداهما: - أنه (١) يَجوزُ الفَصلُ بينَ "كم" الخَبَرِيّةِ ومُمَيّزِها بالظَّرفِ وأحيانًا بِغَيرِه وهذا كما [يُفْصَلُ] (٢) بينَ المُضافِ والمُضافِ إليه. الثَّانية: - أنَّ المُمَيَّزَ يَنتَصِبُ عندَ وقوعِ الفَصلِ. فإن سألتَ: فكيفَ لم ينتصِب المُضافُ إليه إذا وَقَعَ الفَصلُ بالظَّرف بينَ المُضافِ والمُضافِ إليه؟ أجبتُ: لأنَّ سُقوطَ التَّنوين من (٣) المُضافِ يَدفَعُ النَّصبَ في المضافِ إليه، أمَّا ها هُنا فبخِلافِهِ، وهذا لأنَّ ثُبوتَ التَّنوين وسُقوطَه غيرُ ثابِتٍ في الظَّاهِرِ، إنَّما هو ثابِتٌ نِيَّةً وتَقديرًا، أو ساقِطٌ كَذلِكَ فإذا جَرَرنا المُمَيَّزَ فقد نَوَينا سُقُوطَ التَّنوينِ، وإذا أسقَطناهُ (٤) فَقَدْ نَوينَا إثباتَه (٥)، وهذه المَسألة تَدُلُّ على أنَّ تمامَ "كم" فيما يَرجِعُ إلى انتصابِ المُمَيَّزِ بها كَونها في تَقديرِ الثُّبوتِ (٦). البيتُ الأولُ (٧) للقَطَامِيّ، تَمامُهُ (٨):

стр. 794

............... … إذ لا أكادُ من الإِقتارِ أحتَوِلُ يقولُ: كَمْ فَضلٍ نالَني مِنهُم، وفي فَضْلٍ (١) يَجوز الرَّفعُ بتقدير كَمْ نالَني منهم فَضلٌ، وهو الوَجهُ: أحتَوِلُ من الحِيلَةِ، والحِيلَةُ واوِيَّةٌ إلَّا أنَّهُ انقَلَبَ فيه (٢) الواو ياءً (٣) لِكَسرَةِ ما قَبلَها ونَظيرُهُ قَولُهُ: تَعتَوِرُهُ حالتان مُتَضَادَّتان. البيتُ الثَّاني لزهَير (٤) الضَّميرُ في تَؤُمُّ للناقَةِ. سِنَانٌ: اسم رَجُلٍ الضَّميرُ في دونه لِسنانٍ. مُحدَودِبًا غَارُها من بابِ: تَحِيَّةُ بَينِهم ضَربٌ وجِيَعُ (٥) قالَ جارُ اللَّه: "وقد جَاءَ الجَرُّ في الشَّعرِ مع الفَصلِ قال (٦):

стр. 795

كَم في بِنَي بَكرِ بنِ سَعدٍ سَيّدٌ … ضَخمُ الدَّسيعةِ ماجِدٌ نَفَّاعُ" قال المشرّح: الدَّسيعةً: هي العَطِيَّةُ، يقالُ: فلانٌ ضَخْمُ الدَّسِيعَةِ، وفي الحَديثِ: "ألم أجعلك تَربَعُ وتَدسَعُ "، أي: تَأخُذُ المِرباعَ وتُعطي الجَزِيلَ وأصلُها من دَسَعَ البَعِيرِ (١) بِجُرَّتِهِ إذا (٢) دَفَعَها (٣) من جَوفه (٤) إلى فِيه. قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ؛ ويَرجِعُ الضَّميرُ على اللَّفظِ والمَعنى تقولُ: كم رَجُلٍ رأيتَهُ ورأيتَهُم، وكم امرأةٍ لَقِيتَها ولَقِيتُهُنَّ، قالَ اللَّهُ تَعالى (٥): ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: يُريدُ (٦): يَجُوزُ أن يَرجعَ الضَّميرُ إليه مفردًا لأنَّ اللَّفظَ لَفظُ المُفردِ، ويجوزُ أن يَرجِعَ إليه مَجموعًا، لأنَّ المعنى مَعنى المَجموع. قال جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ وتقولُ: كم غَيرُهُ لَكَ، وكم مِثْلُهُ لَكَ وكَم خَيرًا مِنك لَكَ وكَمْ غَيرُه مِثلُهُ لَكَ، تَجعَلُ مِثلَهُ صفَةً لغَيره، فَتَنصِبُهُ (٧) نَصبَه". قالَ المُشرِّحُ: كم ها هُنا هي الاستِفهاميَّة، وغَيرَه نصبٌ على التَّمييز، وهو في الأصلِ صفةٌ للمُمَيّزِ المَحذوفِ، المعنى كَم رجلًا غير هذا الرَّجل

стр. 796

لَكَ أو غُلامًا غيرَ هذا الغُلام لَكَ، وكذلك مثلُهُ لَكَ، وخيرًا منه لَكَ. وأما كَم غيرَه مثلَه لَكَ فغيرُه انتَصَبَ على التَّمييزِ، ومثلُهُ انتَصَبَ على الوَصفِ لِغَيرِهِ. قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ وقد يُنشَدُ بيت الفرزدَقِ (١): كمْ عَمَةً لكَ يا جَريرُ وخالةً … فَدعاءَ قد حَلَبتَ عَليّ عِشاري هي على ثَلاثةِ أوجُهٍ النَّصب على الاستفهامِ، والجَرِّ على الخَبَرِ والرَّفعِ على معنى كَم مرّةٍ حَلَبتَ عَلَيّ عَمَّاتِكَ". قالَ المُشرِّحُ: المُبَرِّدُ (٢): وإن قُلتَ كم عَمّةٌ [أوقعت] (٣) "كَم" على الزَّمانِ فقلتَ كم يومًا عمةُ لَكَ وخالةٌ حَلَبَتْ عَلَيّ عِشَاري، أو كَم مرةً ونَحو ذلِكَ. وعلى ذلك تقولُ: كم امرأةُ قامت بالرَّفع. قالوا: ولم يَجز في هذه المَسالة الجَمعُ، لأنّ "كم" لم تَقَع على النّساءِ، وإنّما المَعنى كَمْ مَرّةً امرأةُ قامَتْ. الفَدَعُ: التِوَاءٌ في الرَّسغِ. فإِنْ سألت (٤): فما مَعنى "على" في قَولِهِ: حَلَبَت عَلَيّ؟ أجبتُ: مَعناهُ على كُرهٍ مِنّي، وهذا كما يُقال: باعَ القاضِي عَليه دارَه، يَقولُ: كنتُ أستَنكِفُ أن يَحلِبَ أمثالُها عَلَيَّ عِشارِي، ويشهَد لهذا المَعنى الفَدعَاءُ.

стр. 797

قالَ جارُ اللَّهِ: فَصلٌ؛ والخَبَرِيَّةُ مضافةٌ إلى مَمَيِّزها عاملةٌ فيه عَمَلَ كلِّ مُضَافٍ في المُضَافِ إليه فإِذا وَقَعت بعدَها "من" وذلك كَثِيرٌ في استعمالهم منه قولُه تَعالى (١): ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ (٢) كانَت منوِيَّةً في التَّقديرِ كقولِكَ كثيرٌ من القُرى والمَلائِكَةِ، وهي عندَ بَعضِهِم منويَّةٌ أبدًا، والمَجرورُ بَعدَها بإضمارِ "مِنْ". قالَ المُشَرِّحُ: هذه المسألةُ كما ذَكرنا تَدُلُ على انتصابِ المُمَيَّزِ في "كم" الاستفهامِيَّة لتمامِ الاسمِ بالتَّنوينِ. قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ وفي معنى "كَمْ" الخبريَّة "كأيّن" وهي مركَّبَةٌ من كاف التَّشبيه وأي، والأكثرُ أن تُستَعمَل مع "من" قال اللَّه عزَّ قائِلًا (٣): ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ (٤) وفيها خَمسُ لغاتٍ كأيّن وكاءِ بوزن كاعِ، وكِيْنَ بِوزَنِ كِيْعَ، وكأيّ بوَزنِ كغى، وكإِ بِوزنِ كَعِ. قالَ المُشَرّحُ: دخولُ "من" في كأيِّ أحسنُ من سُقُوطِها، لتَدُلَّ على أنَّ ذكرَ الاسم بَعدَها على طَريقِ التَّفسيرِ، وتَقُولُ: وكأيّ رَجُلًا لَقِيتُ (٥)، بنَصبِ ما بعدَ كأيٍّ وأنتَ في حالِ الخَبَرِ، قال أبو سَعيدٍ السّيرافي (٦): وكأيّ مَعناهُ رُبَّ عندَ سيبويهِ، وعندَ الفراءِ معناها: "كَمْ" وقد أكثَرَ استعمال النَّحويين من البَصرِيّين والكُوفيّين تَفسيرَها بكَمْ والّذي قالَ سيبويه أصحُّ، لأنَّ الكافَ حرفُ دخولُه على ما بعدهُ كدخولِ ربَّ وكم في نِفْسها اسمٌ وأنتَ تقولُ: كم لَكَ، ولا تَقول: كأيّ لَكَ، كما لا تَقُولُ: ربَّ لَكَ - وهي مُرَّكبَةٌ من أيّ وكافِ

стр. 798

التَّشبيهِ، وأيّ في الأصل للعَدَدِ والاستفهامِ. إذا قُلتَ: أيُّ القَوم أتاكَ فقد دَلَلتَ على جَماعةٍ تَسأل عن واحدها بأي، وإنّما نَقَلَها من الاستِفهامِ إلى الخَبَرِ على مَعنى التَّكثيرِ، كما نُقِلَت "كَمْ" ولزمتها كافُ التَّشبيه، كما لًزِمت كَذا وكَذا. وهذا أصلها، ثُمَّ أُكثِرَ استعمالُ الكَلِمَة فصارت كَلِمةً واحدةً فقلب قلب الكلمة الواحدة، كما فُعل ذلِكَ في قَولهِم: لَعمري، ورَعملي (١)، فَصارت كياين فحذفَت الياءُ الثَّانية كما حُذفت في كَينونَة (٢) فصارت بعد الحَذفِ كيان (٣)، ثم أُبدِلت مِنَ الياءِ الأُولى الألفُ كما أُبدلت في طَائيٍّ فصارت كأيّ، بوزن كاعِن (٤)، أمَّا كئي بوزن كَعي فهو على تَخفيف اليَاءِ وإسكان الهمزةِ كما في بيتِ الفَرزدق (٥): تَنَظّرتُ نَصرا والسِّماكين أيْهُما … عليَّ من الغَيثِ استَهَلَّت مَواطِرُه وأما كَإِ بوزن كَعِ فهو تَخفيفُ كأيّ. قال جارُ الله: "فصلٌ؛ وكيتَ وذيتَ مخفَّفتان من كيَّة وذيَّة، وكثير من العَربِ يَستعملونَهما على الأصلِ، ولا يُستَعملان إلَّا مُكَرَّرَتين، وَقَد جاءَ فِيهما الفَتحُ والكَسرُ والضَمُّ". قالَ المُشَرِّحُ: أمّا بناؤُهما فلأنَّهما كنايَتان عن الجُملة وكأنّهما يَسُدَّانِ مَسَدَّ الجُملةِ، والجُملةُ (٦) من حَيثُ هي جُملةٌ غيرُ مُعرَبَةٍ، ولأنَّ الكناياتِ جاريةٌ مَجرى لامِ التَّعريفِ، وأمَّا بناؤُهما على الحَرَكَةِ فِلِسُكونِ ما قبلَ أواخرِهما، والحركَتُ فيهما لُغاتٌ.

стр. 799

قالَ جارُ اللَّهِ: والوقفُ عليهما كالوقفِ على بنتٍ وأُختٍ". قالَ المشرّحُ: عن الشَّيخ ﵀ (١) - التاءُ في بنتٍ بَدَلٌ من لام الاسمِ، وأصلُهُ بَنَوٌ ولكنَّهم خَصُّوا بهذا الإِبدال المؤنَّثَ دونَ المُذَكَّرِ فاقتنعوا (٢) بالاختصاص عن علاقةَ التَّأنيثِ وكذلك التَّاء في كَيتَ وذَيتَ، أمَّا في ابنَة فهي تاءُ تأنيثٍ كما في كَيَّة وذَيَّة. فإن سألتَ: ما أدراكَ أنَّ التاءَ في بنتٍ لَيست تاءَ تأنيثٍ؟ أجَبتُ عَنه بوَجهَينِ (٣): أحَدُهُما: أنَّها لَو كانَتْ تَاءَ تأنيثٍ لانفَتَحَ ما قَبلها. الثَّاني: أنَّها لو كَانَتْ كذلِكَ لَقَلبَها في الوقفِ في اللُّغةِ الشَّائعةِ هاءً. فإن سألتَ: فلم قَلَب ما قَبلها هاء في الوقفِ فقال البَنونَ والبَناه؟ أجبتُ: رآها تُعطى ما تُعطيه (٤) تاءُ التَّأنيثِ فتوهَّمَها مثلَها (٥). تَخميرٌ: أعلم أنَّ ما لا يَظهر فيه الإِعرابُ على شَيئين: أحدِهُما: أن يكونَ مَبنيًّا. والآخرِ: أن يكونَ مُعرَبًا. والمبنيُّ على أمرين: مفردٌ وجملةٌ أمَّا المُفردُ فهو على قسمين: ما يَعرِضُ له عندَ التَّركيبِ البِناءُ، وما لا يَعرِضُ له عندَه ذلِكَ. أمَّا ما يَعرِضُ له عندَ التَّركيبِ البِناء فهو على عَدَدينِ، ما كانَ يَتَضَمَّن مَعنى الحَرفِ، وما لم يَكُن، فما كانَ يَتَضَمَّن معنى الحَرفِ فهو الشَّطر (٦) الآخرُ في نحوِ خمسةَ عشرَ، واسم لا التي لنفي الجِنسِ وكلّما ضُمِّنَ مَعنى

стр. 800

اللَّامِ بنى (١) وهو أنواعٌ: نوعٌ رأيتُه بكرَة وسَحَرَ، ونوعُ الغايات، وما لم يَكن يَتَضَمَّن معنى الحَرفِ فهو الصَّدرُ، من خَمسةَ عَشَرَ، ونحو بَعلَبَكَّ، وهو ضُروبٌ: ضربُ المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلّمِ، وضَربُ: مثلُ بغدا ذيّ، وضَربٌ نحوَ ضارِبُهُ وضَربُ: الحمدِ لله بكسر الدال -، وضَربُ الظَّرفُ المضافُ إلى جُملةِ أوّل أجزائِها مَبنِيٌّ وضربُ الفِعلِ المُضارِعِ مُتَّصِلًا به إحدى النُّونات نَحو يَضرِبان، ويَضربْنَ، واضربْنَ، واضربَنّ، وما لا يعرِضُ له عندَ التَّركيبِ البناءُ فهو الحُروفُ، وما مضى (٢)، وصيغةُ الأمرِ، ومنه أسماءُ الأفعالِ، والأصواتُ المحكيَّةُ، والأسماءُ الجارِيةُ مَجرى المَبنِيّ، وهي على صِنفَين صنفٌ يُجرى مُجرى الحَرف، وصنفٌ يُجرى مُجرى المُضمَر (٣). أمَّا الّذي يُجرى مُجرى الحَرفِ فَفُنونٌ من المُضمراتِ، ومن المُبهماتِ، ومن الكناياتِ، ومن الاسمين المُشبَهَّين بمن الاستغراقيَّة، وهما قَط وعَوض، وأمَّا الَّذي يُجرى مُجرى الجُملةِ فالمُنادى المُفردُ المَعرفةُ. وأما الجُملةُ فمثالُ كلِّ جملةٍ سواءُ كانت اسميّةً أو فعليَّةً، إذا كانت الجُملةُ من حيثُ هي جُملةٌ قد حرمت الإِعرابَ اللَّهمَّ - إلّا إذا وَقَعت موقعَ المُفردِ فحينئذٍ تَحظى (٤). وأمَّا المُعرب الّذي لا يَظهر فيه الإِعرابُ فهي (٥) على نَوعين: نوعٌ يكونُ الظُّهور (٦) فيه باختِيارِ المُتَكَلّمِ، ونوع لا يكون، أما الّذي يكونُ فهو المُعَربُ الموقوفُ عليه والمَحكِيُّ نحو ما إذا قيلَ لَكَ هل مَعَكَ تَمرَتانِ فقلتَ: دَعني من (٧) تَمرتان ومنه بيتُ الكتاب (٨):

стр. 801

نُبِّئتُ أخوالي بَنِي يَزيدُ وأمّا الذي لا يكونُ فَعَلى ضَربين: ضَربٌ لا يَظهرُ فيه في كلّ أحوالِهِ الإِعرابُ، وضربٌ لا يَظهَرُ فيه في بَعضِ أحوالِهِ دونَ البَعضِ. أمَّا الّذي لا يَظهَرُ في كلِّ أحوالِهِ فهو ما في (١) آخرِه ألفٌ مقصورةٌ، وأمّا الّذي لا يَظهَرُ فيه في بَعضِ أحوالِهِ دونَ البَعضِ فهو على صِنفَينِ: صِنفٌ يَستَوجِبُ امتناعَ الصَّرفِ وصِنفٌ لا يستوجِبُهُ، فالَّذي لا يَستَوجِبُهُ القاضِي في حالَتَي الرّفعِ والجَرّ وأمَّا الذي يستَوجِبُهُ فهو على فَنَّينِ: فنُّ يَدخله التَّنوينُ، وفنُّ لا يدخُلُه وأما الّذي يدخُلُه فنحو جوارٍ في الحالَتين، وأما الذي لا يَدخله فهو غيرُ المنصَرِفِ في حالةِ الجَرِّ. فخُذه حَصْرًا أليَقُ بالمسائِلِ المَذهَبِيّةِ.

стр. 802

[بَابُ المثَنّى] قالَ جارُ اللَّهِ: ومن أصنافِ الاسمِ المُثَنَّى وهو ما لَحِقَ آخره زِيادتان ألفٌ أو ياءٌ مفتوحٌ ما قبلها ونونٌ مكسورةٌ لتَكونَ الأولى عَلمًا لِضَمِّ واحدٍ إلى واحدٍ والأُخرى عِوَضًا مما مُنِعَ من الحَرَكَةِ والتَّنوينِ الثَّابِتَين في الواحِدِ". قالَ المُشرِّحُ: الزِّيادةُ الأُولى في التَّثنيةِ عَلَمُ ضَمِّ واحدٍ إلى واحدٍ والأخرى تَدُلُّ على التَّنوين. وها هُنا مسألةُ مختلَفٌ فيها بينَ الأخفشِ وصاحِبِ الكِتابِ (١) فذهَبَ الأخفشُ إلى أنَّ الألفَ والياءَ في التَّثنِيَة إعرابٌ، وليس حروفَ إعرِابٍ بدليلِ أنَّه يَنقلبُ، ومذهبُ سيبويهِ: أنَّه حرفُ إعرابٍ ولَيس بإعرابٍ لأنَّ هذه الألف إن كانت رَفع إعرابٍ فأينَ حرفُ الإِعرابِ؟ وكذا الخِلافُ في جَمْعِ السَّلامة المُذَكَّرِ ونحو أخوكَ وأبوكَ وفُوكَ (٢)، وقولُ

стр. 803

الشَّيخِ ﵀ (١) - لتكونُ الأُولى عَلَمًا لِضَمِّ واحدٍ إلى واحدٍ على مَذهَبِ سيبَويه. ثمَّ كونُ النُّونِ ها هُنا بَدَلًا عن التَّنوينِ في مَعنى الكَبسِ لا في غَيرِهِ، والغَرَضُ (٢) في هذا الفِعل لا يَكادُ يلوحُ إلا إذا ثَبَتَتْ (٣) فائدةُ التَّنوين الّذي هو عَلَمُ الخِفَّةِ، فقلتَ المَقصودُ بهذا التَّنوبن شيئان: أحدهُما: كَبس الفُرجَةِ المتوهِّمةِ (٤) في موصِلِ الكِلمَتَينِ بحرفٍ خَفيفٍ، والكلامُ في هذا الفَصلِ يُنظَرُ في مسألةِ استحالةِ الخلا بطريقِ المشارفَةِ. والثاني: هو الدِّلالةُ على التَّنكيرِ، أي على أنَّ ذلك الاسمَ الّذي لَحِقَه التَّنوين غيرُ مَعنِيّ بذلِكَ ولا مَوصوفٍ في الكلامِ الّذي لَحِقَه فيه، أو مشارفٌ أن يكونَ كذلك والمَعنِيّ بذلك أنَّ المتكلّمَ في ذلك الكلامِ ساكتٌ عنِ وَصفِهِ وتَعريفِهِ. فإن سألتَ: فما تقولُ في جاءَني رَجُلٌ مُسلِمٌ، فإنَّ قولَكَ: رجلٌ مع أنَّه منوَّنٌ قد وُصِفَ كما تَرى في الكلامِ الّذي لَحِقَه فيه التَّنوينُ بِمُسلمٍ (٥)؟ أجبت: ما الدَّليلُ على أنَّ "رجلٌ" قد وُصفَ في الكلامِ الّذي لَحِقه فيه التَّنوين بمُسلمٍ (٦)، وهذا لأنَّ قَولَكَ: جاءَني رَجُلٌ مُسلِمٌ وإن كان من حيثُ الظَّاهر كلامًا واحدًا، فهو في الحقيقةِ كلامان، بَيانُه أنَّك إذا قُلتَ: جاءَني رَجُلٌ، فكأنّه قيلَ أيُّ رَجُلٍ جاءَك، فقلتَ مُسلِمٌ، أيْ مُسلِمٌ من الرِّجالِ جاءَني فَقَولُكَ: جاءَني رَجُلٌ كَلامٌ، وقَولُكَ: مُسلِمٌ من الرّجالِ جاءني كلامٌ آخرُ. ومعنى مشارَفَتِهِ التَّنكيرَ أن يكونَ في الحالِ مَعرفةً إلَّا أنَّه على شَرَفِ العَودَةِ إلى التَّنكيرِ، وذلِكَ في نحو زَيدٌ وعبَّاسٌ، وكذلِكَ كلّ ما صارَ في أصلِهِ جِنسًا. إذا ثَبَتَ هذا رَقَّيتُكَ إلى المطلبِ فقلت: النُّون في

стр. 804

التَّثنِيةِ وجمعِ السَّلامَةِ عِوَضٌ عن التَّنوينِ في المَعنَيَينِ، وهو كَبْسُ الفُرجَةِ المُتَوَهَّمةِ دونَ المَعنى الثَّاني وهو الدّلالةُ على التَّنكيرِ. أمَّا بيانُ أنَّه ليس عِوَضًا من التَّنوين [في الدِّلالةِ على التَّنكير] (١) فلأنَّ المُثَنَّى والمَجموعَ بمنزلةِ مَوصوفٍ وَصِفَةٍ [وهما في كلامٍ. أمَّا أنَّهما بمنزلةِ مَوصوفٍ وصفة] (٢) فظاهرٌ لأنَّ قولَكَ: مُسلمان بِمَنزلَةِ أن تَقول: مُسلِمٌ مَعَهُ مُسلِمٌ، ولا شُبهةَ في أنَّ ذلِكَ موصوفٌ وصِفَتُهُ، ويشهَدُ له أنَّ قولَهم (٣): (؟) وكذلك لو قلتَ ومرَّ بعبدِ اللَّه مروان، وسيرَ بعبدِ اللَّه سيرٌ شديدٌ لكانَ مفيدًا، إنما جوّزوا الرَّفعَ على بُعدٍ إذا قُلتَ: سِيرَ بعبدِ اللَّه سَيرٌ لأنَّه لَيس في قولِكَ: سِيرَ من الفائِدَةِ إلّا ما في قولِكَ سَيْرٌ، فقد أجروا المُثنى في هذا الكَلامِ مُجرى مَوصوفٍ وصِفَةٍ، أمَّا أنَّها بِمَنزِلَةِ مَوصوفٍ وصِفَةٍ في كلامٍ فلأنَّ الألف والنُّونَ في المُثَنَّى غيرُ منفَصِلين حُكمًا عن الاسمِ الَّذي لَحِقا به حَسب انفصالِ الصَّفةِ عن المَوصوفِ، ومَتى ثَبَتَ أنَّ كلَّ واحدٍ مِنَ المُثَنَّى والمجموع بمنزلةِ مَوصوفٍ وصِفَةٍ هما في كَلامٍ استحالَ أن تكونَ النُّون فيهما عِوَضًا عن التَّنوين في الدِّلالةِ على التَّنكيرِ فيما قدّمناه في التَّقرير، وأمَّا أنَّه عِوَضٌ عن التَّنوين في مَعنى الكَبسِ فلأنَّه طَريقٌ صالِحٌ للكبسِ، فُقِدَ (٤) ورُدّ الواضِعُ به فَغَلَب على الظَّنِّ أنَّه وَرَدَ بِهِ لهذا المَعنى، فعُلِمَ أنَّ التَّنوينَ في التَّثنية والجَمعِ عوضٌ عن التَّنوين في أحدِ المَعنَيينِ، وهو كَبسُ الفُرجةِ المُتَوَهَّمةِ دون المعنى الثَّاني ومن ثَمّ جازَ اجتماعُ النُّون باللَّامِ المُعَرِّفةِ لأنَّه للكبسِ دونَ التَّنكير، واجتماع التَّنوين باللَّامِ المُعرّفَةِ لم يَجُز لأنَّ التَّنوينَ كما هُو للكَبسِ فهو أيضًا (٥) للتَّنكير وإنَّما لمَ يَجُز اجتماعُ النُّون بالإِضافةِ لأنَّها كما

стр. 805

ذكرنا لِكَبس الفُرجةِ المُتَوَهَّمةِ في موصِّل الكَلِمَتينِ، وعندَ الإِضافةِ لا يُمكِنُ كَبسُ تلكَ الفُرجةِ لارتِفاعِ الفُرجَةِ بائتلافِ الكَلِمَتينِ وصيرُورَتِهِما بمنزلةِ كلمةٍ واحدةٍ، ولذلِكَ لم يَجُز اجتماعُ التَّنوين بالإِضافةِ، لأنَّه -وإن كانَ للكَبسِ- فهو للدِّلالةِ على التَّنكيرِ، [إلَّا أنَّه عندَ الإِضافةِ لا يُمكن تَحقيقُ أحدِ المعنَيين، أمّا معنى الكَبسِ فلارتفاعِ الفُرجةِ] (١) بالإِضافة على ما ذكرنا، وأمَّا مَعنى التَّنكير فلأنَّ المضافَ والمضافَ إليه من حَيثُ المَعنى بمنزلةِ موصوفٍ وصفةٍ وهما في كلامٍ فلا يمكن أيضًا تَحقيقُ مَعنى التَّنكيرِ، فهذا هو الوَجهُ في نونِ التَّثنِيةِ والجمعِ، وأمَّا قولُهم: النُّونُ في التَّثنِية والجَمْعِ عِوَضٌ عن التَّنوينِ والحَرَكَةِ المُطلَقَةِ، فباطلٌ وذلِكَ: أنَّ التَّنوينَ عندَهم لَيس للكَبس فبعدَ (٢) ذلِكَ لو كانَ عِوَضًا لا يخلُو من أن يكونَ عِوَضًا عنهما جَميعًا أو على الانفرادِ ومُستحيلٌ كونُه عِوَضًا عنهما على كلِّ واحدٍ من القِسمَين، أمَّا أنَّه يَستَحيلُ كونُه عِوَضًا عَنهما فلأنَّها لو كانَت عِوَضًا عنهما جَميعًا لما جَاز اجتماعُ النُّون باللَّامِ في اسمٍ واحدٍ، فبعد ذلِكَ لا يَخلو من أن يكونَ التَّنوين على التَّعيينِ أو عن الحَرَكَةِ المُطلَقَةِ على التَّعيين أو عن أحدِهما لا على التَّعيينِ، ومستحيلٌ كونُها عِوَضًا عن كلّ واحدٍ منهما في ذلِكَ الاسمِ، أمَّا أنَّه يَستَحيلُ كونُها عِوَضًا عن أحدِهِما لا على التَّعيينِ فلأنَّ كونَها عِوَضًا عن أحدِهِما (٣) لا على التَّعيِين يَعتَمِدُ جَواز (٤) كونِها عِوَضًا عن كلّ واحدٍ منهما إذ يَجوزُ كونُها عِوَضًا عن الحَرَكةِ المُطلَقَةِ، لأنَّه إنَّما يكونُ عِوَضًا عن الحَرَكَةِ المُطلَقَةِ أن لو فاتَت الحَرَكةُ المُطلَقَةُ في المُثنى ولم تَفُت، وذلِكَ أنَّها إنّما تَفُوتُ أن لو كانت الحَرَكَةُ (٥) المُطلَقَة في المُفرَدِ ولم تَكُن في المُثَنَّى فيما

стр. 806

وَرَاء التَّنوين، وليَس في المُفردِ حركةٌ ليستَ في المُثَنّى فيما وراءَ التَّنوينِ، بيانُه أنَّ التَّنوينَ في المُفردِ ليس له إلَّا أحوالٌ ثلاثٌ، وفي كلّ من هذه الأحوال ليسَ لَه إلَّا حركةٌ مَخصوصَةٌ، والمُثَنَّى فيما وَرَاءَ التَّنوينِ لَه هذه الأحوالُ بِعَينها، وفي كلّ من هذه الأحوالِ له غَير تِلكَ الحَرَكَةِ، فَعُلِم أنَّ الحَرَكَةَ المُطلَقَةَ لم تَفُتْ في المُثَنَّى فيما وراءَ التَّنوينِ، وفي هذا تَبَيَّن أنَّها لَيست عِوَضًا عن الحركةِ المُطلقَة على التَّعيينِ لأنَّها لو كانَت عِوَضًا عنها على التَّعيين لما سَقَطت النُّونُ عندَ الإِضافةِ في نَحو الضاربا زَيدٍ إذ الحركةُ عندَ الإِضافةِ لا تَسقُطُ. قالَ جارُ الله: ومن شَأنِهِ إذا لم يَكُن مثَنًّى مَنقوصًا أن تَبقى فيه صِيغَةُ المُفرَدِ محفوظةً. قالَ المُشرّح: المرادُ بالمنقوصِ هُنا المقصورُ، كذا فسّره أبو سَعيدٍ السّيرافي، في "شرح الكتابِ" (١) كما أنَّ المَقْصورَ من قَصرتُهُ أي نَقصتُهُ قالَ الله تعالى (٢): ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي تَنقُصُوا من عددِ ركعاتِها المَفعولة في الإِقامَةِ والحَضرِ أو هَيئَتِها، هذا محصولُ كلامِ الشَّيخِ أبي عَلِيٍّ في "الشِّيرازِيَّاتِ" وذلك نَحو فَرَسٌ وفرسان ورَجَلٌ ورجلَان بخلافِ فَتَيان ورَحَيان. قالَ جارُ اللهِ: "ولا تَسقُطُ تاءُ التَّأنيث إلا في كَلِمَتينِ خِصْيَتَان وأليَتَان قالَ: كأنَّ خِصيَيْهِ من التَّدلدُلِ وقال (٣):

стр. 807

تَرتَجُّ ألياهُ ارتجاج الرَطْب قالَ المشرِّحُ: إنما سَقَطَت التَّاءُ فيها لِجَرِيها مجرى شيءٍ واحدٍ غيرِ مُثَنَّى وذلِكَ أنّهما مُتلاصِقَان لا يُمكن الانتفاعُ بأحَدِهما إلّا مَعَ قيامِ الآخرِ، وذلِكَ من بابِ تَطبِيقِ اللَّفظ بالمَعنى. تمامُ المِصراعِ الأوَّلِ (١): ظَرْفُ عَجُوزِ فيْهِ ثنْتَى حَنْظَلِ على أنَّنا نَقولُ: الخِصيان الجِلدتَان فيهما البَيضَتان. قالَ الأَمَويّ (٢): الخِصية البَيضة. والإِليَتَان. ظَرفُ عَجوزٍ جرابُ عَجوزٍ تَجعَلُ فيه خُبزَها وما تَحتاجُ إليه أضافَ الجِرابَ إلى العَجوزِ تَنبِيهًا على أنَّه خَلِقٌ مُتقَبِضٌ قد تَشَنَّجَ

стр. 808

لِقِدَمِهِ، شبَّه الخصيَة بالجِراب الخَلَقِ للغُضُون التي فِيهِ. قالَ جارُ الله: "وتَسقُطُ نونُه بالإِضافةِ كقولِكَ: غُلاما زَيدٍ، وثَوبي عَمرو، وألفه لملاقَاة ساكنٍ كقولِكَ: التَقَت حَلقَتا البِطانِ". قالَ المُشَرّحُ: إنّما تَسقُطُ النُّون عندَ الإِضافةِ لما ذَكرنا من ارتفاعِ الفُرجَةِ بالإِضافةِ. التقاء السَّاكِنين في غيرِ حَدِّه لا يجوزُ، وحدُّهُ أن يكونَ الأوَّلُ حَرفَ مَدٍّ، والثَّاني مُدغمًا، والتقاءُ السَّاكِنَين ها هُنا لا على حَدِّهِ، ولذلِكَ (١) تسقُطُ. التقاء (٢) حَلقَتي البِطان مَثَلٌ في شِدَّةِ الأمرِ، لأنَّه إنّما تَلتَقي حَلَقَتاهُ إذا شُدَّ البِطانِ شَدًّا. قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ؛ ولا يَخلو المَنقوصُ من أن تكونَ ألِفُه ثالِثَةً أو فوقَ ذلِكَ، فإن كانت ثالِثةً وعُرِفَ لها أصلٌ في الواوِ والياءِ رُدَّت إليهِ في التَّثنيةِ كقولِكَ قَفَوانِ وعَصَوان وفَتَيان وَرَحَيانِ، فإن جُهِلَ أصلُها نُظِرَ فإن أُمِيلَتْ قُلِبَت ياءً كقولِكَ مَتَيانِ وبَلَيانِ في مُسَمَّيَينِ بِمَتى وبَلى، وإلّا قُلِبَت واوًا كقولِك لَدَوان وإلوانِ في مُسَمَّيَينِ بِلَدَى وإلَى، وإن كانَت فوقَ الثَّلاثة لم تُقلَب إلَّا ياءً كقولِهِم أعشيان وملهيان وجَليان وحُباريان". قالَ المُشرِّحُ: الألفُ المقصورةُ إذا وَقَعَت ثالثةً في آخرِ الاسمِ، وعُرفَ لَها أصلٌ فإنّها (٣) تُقلَبُ (٤) إليه في التَّثنِيَةِ، وذلِكَ لأنَّه لا يُمكِنُ عندَ التَّثنِيَة إبقاؤُها على حالِهَا، ورَدُّها إلى أصلِها أولى من رَدّها إلى غَيرِهِ، وإن جُهِلَ أصلُها. وهي مِمَّا (٥) تُمالُ قُلِبَت إلى الياءِ، لأنَّها ياءٌ لانتفاءِ سائرِ أسبابِ الإِمالةِ، كقولِكَ متَيان وبَليان في مُسميين بِمَتى وبَلى، وإلّا قُلِبَت واوًا نحو لَدَوانِ وإلَوَانِ.

стр. 809

فإن سألتَ: كما انتَفَت في مثلِ هذه الصُّورةِ أماراتُ الياءُ، فكذلك انتَفت أماراتُ الواوِ فلم قُلِبَت إلىَّ الواوِ دونَ الياءِ؟ أجبتُ: ما الدَّليلُ على انتفاءِ أماراتِ الواوِ؟ والدَّليلُ على أنه لو كان بالأميل، وهذا لأن كون الألفِ ياءً في الأصلِ سببٌ للإِمالةِ. فإن سألتَ: فهذا منتَقِضٌ بلَدي وعَلىّ فإن هذه الألفات لم يُعرف لها أصل فى الواوِ ولأنَّ الحُروف غيرُ مشتَقَّةٍ ولا مشتقٍّ (١) منها ولا تَجري فيها الإِمالةُ لأنَّهم قالوا: الحُروف لا تُمالُ، وهي مع ذلِكَ محكومٌ عليها بالياءِ بدليلِ أنّهم كَتَبوا هذه الألفاتِ بالياءِ. أجبتُ: ما الدّليلُ على أنَّ هذه الألفاتِ محكومٌ عليها بالياءِ؟، وأمَّا كَتْبُهُم إيّاها بالياءِ فبناءً على لَفظِ لَديه وعَليه وإليه، وكأنَّهم جَعلوا هذه الألفات عندَ اتصالِ الضَّميرِ بها ياءً مخافةَ أن يُتَوَهَّمَ أن هذه الكَلِم أفعالٌ. الألف في أعشى مُنقلبةٌ عن الواو لأنَّها من العَشا وكذلك مَلهى لأنَّها في اللَّهو، أمَّا في جليان وحُباريان فمزيدةٌ. فإن سألتَ: فكيفَ رُدَّ نحو عَصوان إلى الأصلِ ولم تُردَّ إليه نحوَ مَلهيَانِ أجبتُ: ها هُنا تَعَارضَ أصلان أحدُهما يَقتضي أن يُرَدَّ في التَّثنِيَةِ الاسمُ إلى أصلِهِ، والثّاني: أنَّ لا يُرَدَّ إن (٢) كان واوِيًّا، وذلِكَ أنه يَجِبُ أن يَكونَ آخرُ الكَلِمَة على حَرفٍ ضَعِيفٍ وكذلِكَ أنَّهم اتَّفقوا على أن تُقطَعَ الكَلِمَةُ عن الحَرَكَةِ ثُمَّ يوقَفُ عليها فأخَذَ في نحوِ عَصوانِ بالأوَّل، لأنَّه أقوى، إذ هو خَاصُّ وقَضيَّةُ القياسِ الأخذُ به في مَلهيان إلَّا أنَّه ثَمَّ قد عارَضَهُ شيءٌ آخرُ وذلِكَ الأصلُ لا يُحمَلُ على الثّقيل الثقيل (٣) فَعدلوا عن الواوِ إلى الياء هُناكَ. قالَ جارُ الله: وأمَّا مَذروان وثِنيان فلأنَّ (٤) التَّثنِيَةَ فيهما لازِمَةٌ كالتَّأنيثِ في شَقاوةٍ وعِضَايَةٍ".

стр. 810

قال المُشرِّحُ: أمّا مَذروان فإنَّ التَّثنيَةَ لما كانت له لازِمَةً وكأنَّ الواوَ لم تَقع طَرفًا، ونظيرُه الثّنايان لأنَّ القياسَ فيه وإن كانَ هو الهَمزةَ إلّا أنَّهم خَفّفوه لأنَّ لزومَ التَّثنية فيه أوهَم أنَّه لُغةٌ مبنِيَّةٌ على لُغةٍ واحدةٍ. ومثلُ هذه المسألةِ في الأعلامِ نحو أبانين وعِمايتين، وعَرفات، وأذرعات، وثنايان وإن لم يَكُن من هذا البابِ إلّا أنَّه أورده تمثيلًا للمَذرَوانِ من حيثُ أنَّ التّثنيَةَ في الثّنايين لما كانت لازَمةً تُرِكَت على أصلِها اليّاء ولم تُقلِب [همزةً كما أنَّ التَّثنِيَةَ لما كانت في المَذرَوَينِ لازِمةً رُدَّت إلى أصلِها اللَّازِم ولم تُقلَب ياءً، وكذلك] (١) نحو شِقاوة وعِضاية لأنَّ القياسَ فيهما الهَمزةُ كما في كِساءٍ ورداءٍ إلَّا أنَّ لزومَ الياءِ هو الّذي شَجَّعهم على عَدَمِ القَلبِ. فإن سألتَ: ما الدَّليلُ على لُزومِ الياءِ في شِقاوة؟ ألا تَرى أنه يُقال: شَقاوٍ وأصله شَقاوٍ بالواوِ. أجبتُ: بدليلِ أنَّهم قالوا في جَمعِها شَقاوى، أمَّا الشّقا فَلَيسَ يُجمَعُ شَقاوه وإنّما هو مصدَرٌ على حدّه. المَذروان من القوسِ الموضِعُ الذي يَقَعُ عليه الوَتَرُ، ومنه جاءَ فلانٌ ينفضُ مذرويه إذا جاءَ باغيًا يَتَهَدَّدُ قالَ عنتَرة يَهجو عمارة بنَ زيادٍ وهو مما أنشدَه السِّيرافيّ (٢): أحولي تَنفُضُ أستُك مِذرَويها … لِتَقتُلَنِي فها أناذا عُمَارا يريدُ عَمارةَ، ويقالُ: عَقَلتُ البَعيرَ بِثِنايَينِ، إذا عَقَلتَ يَديهِ جميعًا (٣) بِحَبلٍ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وما آخرُه هَمزةٌ لا تَخلو همزَتُهُ من أنْ يَسبِقها ألِفٌ أولًا، فالّتي سَبَقَها ألفٌ على أربعةِ أضرُبٍ أصلِيّةٍ كقُرَّاءٍ ووُضَّاءٍ ومُنقَلِبَةٍ عن حرفٍ أصلٍ كرِداءٍ وكِساءٍ، وزائدةٍ في حكمِ الأصليَّةِ كعِلباء وحِرباء، ومُنقلبةٍ عن ألفِ تأنيثٍ كَحمراءَ وصَحراءَ، فهذه الأخيرةُ تُقلَبُ واوًا لا غيرُ،
следующие страницы →