البابُ، "والمُذَكَّر الذي لم يُكَسّر يُجْمَعُ بالألفِ والتَّاءِ نحو قَولهم جمالٌ سَبْحَلَاتٌ، وسَبْطَرَاتٌ" [وفي هذا الفَصل أوردتَه مُكسَّرًا فما وَجه التَّوفيقِ بَينَهما؟ فقالَ] (١) سَبطرات (٢) لَيس فيه إشكالٌ وأمَّا سباطرُ فمشكوكٌ فيه.
قالَ بعضُ من أدركتُهُ من المشايخ: عَثرتُ على سَباطِر مَنصُوصًا عليه في "خَصائِصِ ابنِ جنّي" ﵀ فعرضتُه على العُمرانِيِّ فأرَمَّ، والفصل المَذكورُ في آخرِ الصِّنفِ إنّما هو أكثَرِيٌّ لا كُليّ فاعرِفهُ.
قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا الخماسي فلا يُكَسَّرُ إلّا على استِكراهٍ، ولا يَتَجَاوَزُ به إن كُسّر هذا المَقال بعدَ حذفِ خامِسِه كقولِهم: في فَرزدَقٍ فَرازدُ، وفي جَحْمَرِشٍ جَحَامرُ".
قالَ المُشَرِّحُ: إذا كَسَّرت الخُماسِيّ فاحذف الخامِسَ منه حَتَّى يَعودَ رُباعيًّا ثُمَّ كَسّرهُ، ألا تَراكَ تَقُولُ في تَكسيرِ العَندَلِيب، وهو طائرٌ يُقالُ له الهِزَّارُ والبُلبل يُعَندِلُ أي يُصَوّتُ. قالَ سِيبويهِ: إِذا كانَت النُّون ثانِيةً فلا تُجعَل زائدةً، فإن سألتَ: فما الفرقُ بينَ التَّصغيرِ والتَّكسيرِ، حيثُ يَجوز في التَّصغيرِ كلا الأمرينِ وهو إمّا حَذفُ الخامِسِ وإثباتُ الرَّابعِ، وإمَّا حدفُ الرَّابع وإثبات الخامِس، ولا كَذلِكَ ها هُنا، فإِنّه لم يَجز إلّا حذفُ الخامِس؟ أجبتُ: القياسُ أن لا يَجوزَ فيه كِلا الأمرين، وقَد وَرَدَ ذلِكَ في كلامِ الكُتَّابِ وعَلَيهِ قَول أبي النَّصرِ (٣): "فإِزنانةُ كالعَنادِبِ تَغرِيدًا".
قالَ جارُ اللهِ: "ويقالُ: دَهثَمون وهَجرعُون، وصَهصلَقون، وحَنظلاتٌ
стр. 842
وبَهصلاتٌ وسِفَرجَلاتٌ، وجَحمَرِشَّاتٌ".
قالَ المُشرِّحُ: رَجُلٌ دَهثَمٌ: سَهلُ الخُلُقِ من قَولِهِم: أرضٌ دَهشَمَةٌ أي سَهلةٌ، صوتٌ (١) صَهصَلَقٌ: أي: شَديدٌ: والصَّهصَلَقُ: العَجُوزُ الصَخَّابةُ. والبَهصَلَةُ من النِّساء القَصيرَةُ الجَحمَرِش: العَجُوزُ المُسِنَّةُ، يَقُولُ: الرُّباعِيُّ والخُماسِيّ (٢) كما يُجمعان جمعَ تَكسيرٍ يُجمَعان أيضًا جمعَ سَلامةٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وما كانت زِيادَتُهُ مدّةً ثَالِثةً فلأسمائِهِ في الجَمعِ (٣) أحَدَ عَشَرَ مِثالًا أفْعِلَةٌ، فُعُلٌ، فِعْلَانٌ، فَعَايِلٌ، فُعْلَانٌ، فِعْلَةٌ أفْعَالٌ، وفِعَالٌ، وفُعُولٌ أفْعِلَاءٌ وأفْعُلْ. وذلك نحوَ: أزمِنَةٍ وأحْمِرةٍ وأغْرِبَةٍ وأرْغِفَةٍ وأعْمِدَةٍ، وقُذُلٍ وخُمُرٍ وقُرُدٍ وكُثُبٍ وزُيُرٍ، وغِزلان وصِيران وغِربان وظِلمانٍ وقِعدانٍ، وأفايلٍ وذَنايِبٍ وشمايِلٍ، ورُقصانٍ، وقُضْبَانٍ، وغِلْمَةٍ، وصِبْيَةٍ، وأيمانٍ وأفْلَاءٍ وفِصَالٍ، وعُنُوقٍ وأنْصِباءٍ وألْسُنٍ".
قالَ المُشرِّحُ: كانَ الواجِبُ أن يَبدَأ بأفعل أو مفعَل. وبكل ما كان الزّائد فيه قَبلَ الفاءِ، ثُمَّ ما بعدَ الفاءِ، ثمَّ ما بعدَ العَينِ، ثُمَّ ما بعدَ اللّامِ، ولَستُ أدرِي لِمَ فَعَلَ هذا؟! ولا حولَ ولا قُوةَ إلَّا باللَّهِ. قُرُدٌ -بضمتين- جمعُ قُرادٍ. ظُلمان جَمعُ ظَلِيمٍ، قُعَدانٍ: جمع قَعُودٍ وهي النَّاقة التي يُقْعِدُها الرَّاعِي عِندَ حاجَتِهِ، ومنه اتَّخِذُوه قَعِيدَ الحاجات. هما جَمعُ شمأل -بالفتحِ- وهي خِلافُ جَنوب وشِمال -بالكَسرِ- وهي خلافُ اليَمين، ذنائِب: جمع ذَنوب: وهو الدَّلُو المَليِءُ ومثلُها قَلوص وقَلائِص، أفلاء: جمعُ فَلُوٍّ -بفَتحِ الفاءِ وتَشديدِ الواوِ- لأنَّه يَفيلُ أي يَعظُمُ، وللأُنْثَى فَلُوَّةٌ كقولِهِم عَدُوّ وأعْداءٌ وعَدُوَّةٌ. عُنُوقٌ: تَكسيرُ عَنَاقٍ. وكانَت مَدَّتُهُ زِيادةً ثالِثةً فأبنَيتُهُ تِسعةٌ اعتبارًا
стр. 843
وخمسةٌ وجُودًا. أفعالٌ، وفَعيلٌ، وفَعولٌ -بفتح الفاء-، وفُعالٌ، وفُعولٌ، وفُعيلٌ -بِضمِّ الفاءِ- فِعالٌ وفِعيلٌ وفِعولٌ -بكسرِ الفاءِ- فالأَربعة الأُولى مُستَعملةٌ على الإِطلاقِ، وكذلك (١) السّابِعُ فَعال، وأما السَّادِسُ والتاسِعُ فُعَيلٌ -بالضَّمِّ- وفِعول -بالكسرِ-، وهما فَرعان على فُعلٍ وفِعلٍ فمُنتَقيان مُطْلقًا. وأمَّا فُعولٌ: فمن أبنِيَةِ الجُموعِ ثم فِعال بالكسرِ في المُفردِ أكثرُ منه في الجَمعِ، وبَقِي اعتبارُ فَعيل لكونِهِ فرعًا على فَعلٍ فَبَقِيَت المُعتَبَرةُ تِلكَ الخَمسَةُ.
قالَ جارُ اللهِ: "ولا يُجمَعُ على أفعُلٍ إلَّا المُؤنَّثُ خاصَّةً نحو عَناقٍ وأعنُقٍ، وعَقَابٍ وأعقُبٍ، وذِرَاعٍ وأذرُعٍ، وأمكُنٍ من الشَّواذِ".
قالَ المُشَرِّحُ: أفعل في الحَقيقة جمعُ (٢) فُعُولٍ، وفُعُولٌ مؤنَّثةٌ لأنَّها جَمعُ تَكْسيرٍ ولهذا تَقولُ في أفْلُسٍ بأنها جَمعُ فُلُوسٍ لا جمعُ فِلسٍ، وكذلك تَقُولُ في أدهُرٍ بأنَّها جَمْعُ دُهُورٍ لا جَمْعُ دَهْرٍ، أمَّا أزمُنٌ (٣) مَحمُولَةً على أدْهُرٍ (٤) فحُكمُها حُكُمها. من أنَّث اللِّسانَ قالَ ألسُنٌ. ابنُ السَّراجِ (٥) ومن ذَكَّرَ قالَ ألْسِنَةٌ، وعلى أمكُنْ وأمْكِنَةٌ، فإِنَّ الأوَّلُ جَمعُ مكانَةٍ قالَ الله تعالى (٦): ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ وبه تَبَيَّنَ أنَّ أمكُن لَيس من الشَّواذِّ. والثَّاني جَمعُ مكانٍ.
قالَ جارُ اللهِ: ولم يَجئْ فَعلٌ من المُضاعف والمُعتَلَ اللَّامِ، وقَد شَذَّ نَحوَ ذُبّ (٧) في جَمعِ ذُبابٍ.
стр. 844
قالَ المُشَرِّحُ: الكلامُ فيه مَبنِيٌّ على مُقَدِّمةٍ وهي أنَّ أوَّلَ شَيءٍ كُسِّرَ من الأسماءِ إنما هو فُعْلٌ على فُعُول كفِلسٍ وفُلوسٍ، وبَيتٍ وبُيُوتٍ، ثمَّ تَخَلَّصُوا منها إلى جَمْع القِلَّة فَطَرَحوا الواوَ وبَقِيت الضَّمةُ في العَينِ كالتَّذكِرةِ من الواوِ المَطروحَةِ. فَخافُوا على هذه الضَّمةِ زَوالها بالإِسكانِ، فأسكنوا الفاءَ ليأمنوا سُكونَ العَين، واجتَلَبُوا همزةَ الابتداءِ ولتَكونَ هَذِهِ الهَمزةُ مع الضَّمةِ المُؤكّدة (١) كالعِوَضِ عن الواوِ الذَّاهِبَةِ، وهذا المَعنى يَقتَضي أن لا تَجيء فِعل في المُضاعَفِ ولا المُعتلّ اللّامِ ضَرورةَ أنَّ مِن شَأنِ هذه الضَّمةِ أن تكونَ ثابتةً باقِيةً وكونُها مُضاعفًا أو معتلَّ اللّام يَقْتَضِي زَوَالَها وهما في طَرفَي نَقِيضٍ. وأمّا ذُبُّ فقد زالَ بمفردِهَا الضَّمة.
قالَ جارُ اللَّهِ: "ولِمَا لَحِقتهُ من ذلِكَ تاءُ التَّأْنيثِ منا لأنَّ فعايلَ وفُعُل وذلِكَ نحو صَحايفَ (٢) ورَسائلَ وحَمائمَ وذَوائِبَ وحَمائِلَ وسُفُنٍ".
قالَ المُشَرِّحُ: يُحتَمَلُ أن تكونَ سُفُنٌ جَمعَ سَفِينٍ وسَفِينَةٍ. ابنُ دُريدٍ: سَفينَة بِمَعنى فاعِلةٍ بمعنى تَسفُنُ الماءَ كأنَّها تُفسِّرُهُ.
قالَ جارُ اللَّه: "ولِصفاتِهِ تِسْعَةُ أمثِلَةٍ: [فُعَلاءُ] فُعُل، فِعَالٌ، فِعلانٌ، فُعلانٌ أفْعالٌ، أفْعِلاءُ، أفْعِلَةٌ، فُعُولٌ، وذلك نحو كُرَماءَ وجُبَنَاءَ وشُجَعاءَ ووُدَدَاءَ، ونُذُرٍ وصُنُعٍ وصُبُرٍ وكُنُزٍ، وكِرَامٍ وجِيَادٍ، وهِجَانٍ وثِنْيانٍ وشِجْعانٍ وخُصْيانٍ (٣) وشُجْعانٍ (٣)، وأشرافٍ وأعداءٍ وأنبياءٍ وأشِحّةٍ وظُروفٍ".
قالَ المُشَرِّحُ: في "الصحاح" (٤) الودَودُ المُحِبُّ، ورِجالٌ وِدَدَاءُ. صُبُرٌ: جمعُ صَبورٍ وكُنُزٌ: جمعُ كِنازٍ. [الجَوهَرِيُّ: ناقةٌ كِناز] (٥) -بالكَسر- أي مُكتَنِزة
стр. 845
اللَّحمِ. جياد: جَمع جَواد. وفي "الحماسة" (١):
تُلاقُوا جِيادًا لا تَحيدُ عن الوَغَى … إذا ما غَدَتْ في المأزِقِ المُتَدَانِي
هِجَانٌ: جَمعُ هِجَانٍ، والكَسرةُ في جَمعِهِ غيرُ الكَسرةِ في مُفرَده، ألا تَرى أنَّ الكَسرَةَ في الجَمعِ بِمَنزِلَتِها في جِيادٍ وغِرابٍ، وفي المُفردِ بمنزِلَتِها في حِمار وكِتاب. والثِّنيان جمعُ ثِنىً وهو الَّذي تُلقى تَثْنِيَتَهُ، ويكون ذلِك (٢)، في الظِّلفِ والحافِرِ، وفي السَّنَةِ (٣) الثَّالِثَةِ، وفي الخُفِّ (٤) في السَّنَةِ السَّادِسَةِ. ابنُ السِّكِّيت (٥) عن اللَّحْيانِيّ: رَجُلٌ شَجِيعٌ وشِجعان، وقَومٌ شِجعان وشُجعان المَضموم جَمعٌ. رَجُلٌ سَمِيحٌ ونحوه قُفْزَانْ جَمْعُ قَفيزٍ المَكسورُ جَمعُ شُجَاعٍ ونَحوه غُلمان جَمع غُلام. وظُروف: جَمع ظَريفٍ، وقِياسُهُ ظَرفٌ كما أنَّ فُلْكًا قياسه فُلُوكٌ. ونحو ظُروفٍ جَمْعُ ظَرِيفٍ. زُبورٌ -بِضَمِّ الزَّاي- جَمعُ زَبورٍ، وهيَ قِراءَةُ حَمزةَ (٦) في قولِهِ تَعالى (٧): ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وهذا جَمعٌ بحذفِ الزِّيادةِ ونحوه: كَروان وكُروان ووَرشان ووُرشان ويشهدُ لصِحَّته أن التَّكسيرَ مثلُ التَّصغيرِ، وقَد طُرِدَ هذا الحَذفُ في تَرخيمِ التَّصغيرِ نَحوَ أزهَرَ وزُهيرٍ وحارِثٍ وحُريثٍ. فإن سألتَ: في كُنُزٍ وصُنُعٍ نَظَرٌ لأنَّه ما سِيقَ هذا الفَصلِ إلَّا للمُذَكَّرِ وهما مُؤنَّثان، أمَّا أنَّه ما سِيقَ هذا الفَصل إلا للمُذَكَّرِ فبدليلِ قولِهِ فيما بَعد ولِمؤنَّثها ثلاثةُ أمثِلةٍ … ؟ أجبتُ: نَعم ما سِيقَ هذا
стр. 846
الفَصلُ إلَّا للمُذكَّر، على أنَّه لَيسَ فيه عَلامةُ تأنيثٍ وعنى بالمؤنَّث ما فيه علامةُ تَأنِيثٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "ويجمعُ جمعَ تَصحيحٍ نحو كَريمون وكَريماتٌ، أمَّا فَعيل بِمَعنى مَفعول فَبابُهُ أن يُكَسَّرَ على فَعْلَى كجَرحَى وقَتلى".
قالَ المُشَرِّحُ: فَعيل إذا [كان] بِمَعنى فاعلٍ جُمعَ بالواوِ والنُّون، أمَّا [إذا كان] بمعنى مفعول فلم يَجُز بالواوِ والنّون جَمعُهُ، وذلِكَ لانقطاعِهِ عن الفِعلِ بَعدَهُ، ويُجمَع في الأكثرِ على فَعْلَى نحو جَرْحَى، وأسْرَى وقَتْلى.
قالَ جارُ الله "وقَد شَذَّ قَتلى وأسرى".
قالَ المُشَرِّحُ: كأنَّه شَبَّه في جَمعه فَعيلًا بمَعنى مَفعولٍ بِفَعيلٍ بمعَنى فاعِلٍ، فكما قَيلَ: عُلماء، وحُكماء قِيل: قَتلى وأسرى في جَمع قَتيل وأسير، كما شُبِّه مُلحَفَةٌ جَديدٌ و ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (١) بفعيل بمَعنى مَفعولٍ فلم تَدخُلُها التَّاءُ.
قالَ جارُ اللهِ: "ولا يُجمَعُ جَمعَ التَّصحِيحِ فلا يُقالُ جَريحون ولا جَريحات".
قالَ المُشَرِّحُ: لأنَّه بالأسماءِ الجامِدَةِ أشبَهُ منه بالجَارِيَةِ، ومن ثَمَّ لم يُؤَنَّث في قَولِكَ: امرأةٌ جَريحٌ وقَتيلٌ.
قالَ جارُ اللهِ: "ولمؤنَّثها ثلاثةُ أمثِلَةٍ: فِعالٌ، وفَعائِلُ، وفُعلاءُ وذلك نحو صِباحٌ وصَبائِحُ وعَجَائِزُ وخُلَفَاءُ".
قالَ المشرّحُ: الضَّميرُ في قوله: "ولمؤنثها ثلاثة أمثِلَةٍ" يرجعُ إلى "صِفاتٍ" في قولِهِ: ولصفاتِهِ تَسعَةُ أمثلةٍ. صِباحٌ كما جاء (٢) جَمع مُذَكَّرٍ جاءَ جمعَ مُؤَنَّثٍ.
стр. 847
قال جارُ اللهِ: "فصلٌ، وما كانَ على فاعِلٍ اسمًا فلَه إذا جُمِعَ ثلاثةُ أمثِلَةٍ: فَواعلُ وفُعلانٌ وفِعلانٌ، نحو كَواهِلٌ وحُجرانٌ وجِنّانٌ".
قالَ المُشرّح: حُجرانٌ جمعُ حاجرٍ، وهو ما يُمسك الماءَ من شَفَةِ الوادي وكذلك حَاجوز، ونَظيره حايزٌ وحُوزانٌ، وشابٌ وشُبَّانُ، ورَاعٍ ورُعيَانٌ، وجَانٌّ وجِنانٌ ونظيرُهما حائِطٌ وحِيطَان.
قالَ جارُ اللهِ (١): ولمؤنَّثِهِ مثالٌ واحدٌ فواعِلٌ نحو كَواثِبٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: الكاثِبةُ من الفَرَسِ: مقدمة المنسج حَيثُ يَقَعُ عليه يَدَا الفارِسِ فإن سألتَ: كيفَ كَسَّروا فاعِلًا اسمًا على مُكَسَّرِ فاعِلَةٍ صِفَةً، ولم يُكَسِّروها على فاعِلٍ صِفَةً؟ أجبتُ: لأنَّ فاعِلًا اسمًا قد امتَنَع إلحاقُهُ بفاعِلٍ صِفَةً في سالِمِه فجازَ أن يَمتَنِعَ إلحاقُه به في تَكْسِيرِه بخلافِ فاعِلة (٢) صِفَة (٣)، فإنّه إنما (٤) امتَنَعَ إلحاقُه بها في سالِمِهِ، ولا يَمتَنِعُ إلحاقُه بها في مُكَسَّرِهِ (٥). فإن سألتَ: ما الدَّليلُ على أنَّ فاعِلًا اسمًا لم يَمتَنِعْ إلحاقُه بفاعِله صِفَةً وهذا لأنَّه لا يُجمَعُ من الأسماءِ جمعَ سلامةِ المُؤَنَّثِ (٦). إلا ما فيه التَّاء حَقيقةً أو تقديرًا، وفاعِل اسمًا ليس من قَبيل ذلِكَ لأنَّ الكلامَ في فاعِلٍ مِثلُهُ؟ أجبتُ: لأنَّ الاسمَ مما يُجمَعُ جمعَ سَلامةِ المؤنَّث إذا لم يكُن له مؤنَّثٌ مُكَسَّرُ بدَليلِ سُرادِقات، وجُمادات وضَبُعان لذَكَرِ الضّباع ضَبُعانات. "وفي البَيع ثَلاثُ خِياراتٍ".
قالَ جارُ اللهِ: "وقد نَزَّلوا ألفَ التَّأنيثِ مَنزِلةَ تائِهِ فقالُوا في فاعِلاء
стр. 848
فَواعل نَحو نوافق وقَواصِعٍ، ودَوامٍ وشَوَابٍّ".
قالَ المُشَرِّحُ إنَّهم نَزَّلوا الألفَ المَقصورَةَ منزِلَةَ تاءِ التَّأنيثِ ألا تَرى أنَّهم قالوا في جَمْع إحدى أحدٌ كما قالوا في جَمع كِسرةٍ كِسَرٌ، وفي جَمع إحنَةٍ إحَنٌ، وكذلك غُرفةٌ غُرَفٌ وظُلمةٌ ظُلَمٌ، كما جَعَلُوا المَقصورَة بمنزلةِ التّاءِ وجَعَلوا المَهموزَة (١) بمنزِلَتِها في قَولهم: قاصِعاءُ قَواصِعٌ، ودَامّاء دَوامٍ. النَّافقاءُ إحدى جحرة اليَربوعِ يَكتُمُها ويُظهِرُ غَيرَها، وهو موضِعُ تَرفقه، فإذا أُتى من قِبَلِ القاصِعاء ضَرَبَ برأسِهِ النَّافِقاءَ فانتَفَقَ أي خَرَجَ منه. نَفَقَ اليَربوعُ تَنْفِيقًا ونافَق أي أخَذَ في نافِقائِهِ، ومنه المُنافِقُ في الدِّينِ. الدّامّاء: إحدى جحرة اليَربُوعِ التي [يُخرِجُ] منها التُّرَابَ يَجمعه، وكذلك الرّاهِطاء. القاصِعاءُ من جُحرة اليَربِوع الذي يَقْصَعُ فيه، أي يَدخُلُ. السَّابياءُ المَشْيَمَةُ التي تَخرج مع الدّلو، وكأنَّه من انسَبَأ الجِلدُ أي انسَلَخَ.
قالَ جارُ اللهِ (٢): "وللصّفَةِ تَسعَةُ أمثلةٍ: فُعَّلٌ، فُعَّالٌ، فَعَلةٌ، فُعَلةٌ، فَعلى، فَعلاءُ، فَعلان فَعالٌ فُعولٌ. نحو شُهَّدٌ وجمَّلٌ وجُهَّالٌ وفَسَقَةٌ وقُضاةٍ [ويَخْتَصُّ بالمعتَل اللّامِ] " (٣).
قال المشرّح: اِعلَم أنَّ فُعَلَةً مما يُكَسَّرُ عليه فاعِلٌ من المُعتَلّ اللّامِ صفةً، وذلك نحو: غُزَاةٌ وقُضاةٌ وبُنَاةٌ.
قالَ جارُ اللهِ: "وبُزَّلٌ وشُعراءُ، وصُحبان، وتُجَّار، وقُصود".
قالَ المُشرِّحُ: نَظيرُ بُزَّلٍ قُتَّلٌ جمعُ قَتيلٍ حكاهُ الغُوري (٤)، وكذلِكَ قُرَّحٌ: جَمعُ قارح نُقِلَ عن (حاشيَةِ الجامع) للغوري (٤) شُعراء جمع شَاعرٍ.
стр. 849
قال الشَّيخُ أبو عَليٍّ الفارِسي: ويُشبِهُ أن يكُونَ ذلِكَ لتَعاقُب فاعِلٍ وفَعيلٍ على الشَّيءِ الواحِدِ كعَليم وعَالمٍ، وشَهيدٍ وشاهدٍ، وَوِليّ ووَالٍ وقالوا: يَتِيمٌ وأيتامٌ، وأيّيلٌ وآيالٌ، وشَريفٌ وأشرافٌ، كما قالوا: صاحبٌ وأصحابٌ وطائرٌ وأطيارٌ. وكذلك جُمِعَ وادٍ على أودِيةٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "وقد شذَّ نحو فَوارِسَ".
قالَ المشرّحُ: إنَّما كُسِّرَ فارِسٌ لِجَريِهِ مَجرى الأسماء.
قالَ جارُ اللهِ: "ولمؤنَّثِهِ مثالان فَواعلُ [و] فُعَّلٌ نحو ضَواربُ ونُوَّمٌ ويَستَوي في ذلِكَ ما فيه التَّاءُ، وما لا تاءَ فيه كحائِضٍ وحاسِرٍ".
قالَ المُشَرِّحُ: الحاسِرُ خِلافُ المُقَنَّعِ.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وللاسمِ مما آخِرُه ألفُ تأنيثٍ رابِعةٌ مَقصورةٌ أو مَمدودَةٌ مِثالان: فَعالى [و] فِعال نحو صَحارى وإناثٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: الاسمُ إذا كانَ آخرُه ألفَ تأنيثٍ ممدَودةً فإنَّه يُكَسَّرُ على فَعالى، أمّا إذا كانت إلحاقيّةً فلا يُكَسَّر عليه، وذلِكَ نحو حَرباءُ وحَرابى.
قالَ جارُ اللهِ: "وللصِّفةِ أربعةُ أمثلةٍ: فِعَالٌ وفُعْلٌ وفُعَل وفَعَالَى نَحو: عِطَاشٌ وبِطاحٌ وعِشَارٌ وحُمْرٌ والصُّغَرُ وحَوامَى".
قالَ المُشَرِّحُ: هي تَكسيرُ عَطْشى وبَطْحاء وعُشراء وحَمْراء والصُّغرى وحَومى وهي التي تشتَهي على الحَبل المَطعُومات. فإن سألتَ: لِمَ عَرَّى سائِرَ الأمثلةِ عن اللّام، وأدخَلها في الصُّغرى؟ أجبتُ: لأنَّ تَكسيرَ الصّغرى تَأنيث الأصغَر أفعَل تَفْضيلٍ من الصِّغَرِ، وأفعل التَّفضيلِ لا بُدَّ له من أحَدِ الأشياءِ الثَّلاثةِ، فإن لم يَكُن مَعَهُ من التَّفضيلية ولا الإِضافةِ فَلا بُدَّ أن تَكونَ مَعَهُ اللَّامُ.
قالَ جارُ اللهِ: "وقد يُقالُ ذِفريات وحُبلَيات، والصُّغرَيات،
стр. 850
والصَّحراوات إذا أُريدَ أدنى العَدَدِ.
قالَ المُشَرِّحُ: يقول السِّيرافي (١) كما وَرَدَ في جمعِ التَّكسيرِ مما فيه ألف التَّأنيث المَقصورةُ أو الممدودةُ من الأسماء فكذلك وردَ فيه جمعُ التَّصحيحِ.
قالَ جارُ اللهِ: "ولا يقالُ حَمراوات".
قال المشرّح: السِّيرافي لا يُجمَعُ المُذَكَّر منه بالواوِ والنُّون، ولا المُؤَنَّث بالألفِ والتَّاء إلَّا ما اضطُرَّ إليه شَاعِرٌ فَشَبَّهه بِغَيرِه من الجُمُوعِ.
قالَ الكُمَيتُ (٢):
فما وَجَدَتْ بناتُ أبي نِزَارٍ … حَلائِلَ أحمَرين وأسْوَدِينا
قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا قولُه ﵇ (٣): "لَيس في الخُضرواتِ صَدَقةُ" فلِجَريِهِ مَجرى الاسمِ".
قالَ المُشَرِّحُ: ونحوها فَوارسُ جَمعُ فارسٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "وإذا كانت الألفُ خامِسةً جُمِعَ بالتّاء كقولِكَ حُبارَياتٍ وسُمانَياتٍ".
قالَ المُشرِّحُ: هما مُكسّرتان لِحُبارَى وسُمانَى لِطَائِرَينِ.
قالَ جارُ اللهِ: "ولأفعل إذا كانَ اسمًا مثالٌ واحدٌ [أ] فاعِلٌ نحوَ أجادِلٌ".
стр. 851
قال المشرّحُ: الاسمُ الصَرفُ لا يُجمع جَمعَ السّلامة لبُعدِهِ من الأفعالِ.
قال جارُ اللهِ: "وللصّفَةِ ثلاثةٌ أمثِلَةٍ فُعْلٌ وفُعلانٌ وأفاعلٌ، نَحو: حُمرٌ وحُمرانٌ والأصاغِرُ وإنَّما يُجمَعُ بأفاعِل الّذي مؤنّثه فُعل، ويُجمع أيضًا بالواو والنُّون قالَ اللَّهُ تعالى (١): ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾.
قالَ المشرّحُ: أفعلُ إذا كان كالصّفةِ فهو على وَجهين: أحدُهما أن تكونَ مؤنَّثه فَعلاء -بالفَتح والمَدِّ- نحو أحمرُ وحَمراءُ (٢). والثَّاني أن تكونَ مؤنَّثة فُعلى -بالضَّم والقَصر- فالأوّل يُجمَعُ بِفُعَلٍ وفُعلانٍ، والثَّاني يُجمَعُ بأفاعِلَ، وبالواوِ والنُّون، لأنّه اسمٌ وأيضًا صِفَة قَرِيبَةٌ من الفِعلِ أمَّا أنَّه اسمٌ فلأنَّه لا يَعمَلُ إعمالَ سائِرِ الصّفاتِ، وأمَّا أنَّه صِفَة قَرِيبَةٌ من الفِعلِ فَظاهِرٌ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وأمَّا قَولُه (٣):
أتاني وَعِيْدُ الحُوْصِ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ … فَيا عَبْدَ عَمروٍ لو نَهَيتَ الأحَاوِصَا
فَمَنظورٌ فيه إلى جانِبِ الوَصفِيَّة والاسمِيَّة".
قالَ المُشَرِّحُ: الحُوصُ منظورٌ فيه إلى جانب الوَصفِيّةِ، والأحاوِصُ مَنظورٌ فيه إلى جانِب الاسميّة، وأمَّا الأباطِحُ فقد غَلَّبوا فيه جانَبَ الاسميَّةِ قال الشَّيخُ أبو عَلِيّ فيَ "الشِّيرازِيَّات" واستِعمالَهم له أي الأوّلُ استَعمالَ الأسماءِ ليس يُخرِجُهُ عما هو عَليه في الأصلِ من كَونِهِ وَصْفًا، ألا تَرى أنَّ الأجرَع والأبطَحَ -وإن كانا يُستعملان استعمالَ الأسماءِ حتّى كُسِّرا تَكسِيرَهما- لم
стр. 852
يُخرِجهما عمَّا كانا عَلَيه في الأصل، بِدلالَةِ امتَناعِهم من صَرفِهِما.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وقد جَمَع فَعلان اسمًا على فَعالِين نحوَ شَياطين، وكذلك فُعْلان وفِعْلان نحو: سَلاطين وسَراحين، وقَد جاءَ [على فِعال] (١) نحو سِراح".
قالَ المُشَرِّحُ: شَياطين: إن أخذتَه من شاطَت القِدرُ أي احترقَت ولَصِقَ بها شَيءٌ فهو فَعلان، وإن أخذتَهُ من شَطَنَ بمعنى بَعُدَ فهو فَيعالٌ فكأنَّه يَحتَرِقُ في النّار أو هو بَعيدٌ من رَحمةِ اللهِ. وبالوجه الأوَّلِ قَد أخَذَ شَيخُنا ﵀ سِراح: -بكسر السّين- جَمعُ سِرْحانَ.
قال جارُ اللهِ: "وصِفَةٌ على فِعَال وفُعَالى نحو غِضَاب وسُكارى".
قالَ المُشَرِّحُ: فَعلاء كما يُكَسَّر على فُعَالى فكذلك ما يُضارِعُهُ مما فيه ألفُ ونونٌ فَعلان صِفةً نحو غِضَاب وسُكارى.
قالَ جارُ اللهِ: "ويقولُ بعضُ [العرب] كُسالى وسُكارى وعُجالى وغُيارى بالضَمّ".
قالَ المُشَرِّح: من ضَمَّ الفاءَ في نَحو سُكارى وعُجالى فكأنَّه فَرّق بينَ فُعَال جَمع فَعلاء، وفُعالى جمع فَعلان.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وفَيعل (٢) يكسَّر على أفعالٍ وفِعال وأفعِلاء نحو أموات وجِياد وأنبياء ويقال: بَيعُون وبَيّعات".
قالَ المُشَرِّحُ: أنبياء: بالباءِ الموحّدَةِ قبل الياءِ المثّناة، يقولُ فَيعلٌ (٢) كما يُجمَعِ جَمعَ تَكسيرٍ يُجمَع جَمعَ السَّلامةِ أيضًا. وفي (شرح الكِتَابِ) يقالُ للمُذكَّر بَيِّعون وللمؤنَّث بَيّعاتٌ.
стр. 853
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وفَعال وفعّال (١) وفِعّيل ومَفعول ومُفعِل ومفعل يُستَغنى فيها بالتَّصحيحِ عن التَّكسير فَيُقال: شَرّابون وحَسّانون وفَسيقون، ومُضرِبُون، ومُكرِمون ومُكرَمون".
قالَ المشرّح أمَّا فَعّال فنحو شَرَّابٍ، وفَعَّالٌ نحو حَسّانٍ، وفَعيلٌ نحو فَسيقٍ، فلأنه لو جُمِعَ [جمعَ التَّكسيرِ] (٢) لاشتَبَه فيه المُفرَدُ، وأمَّا مفعولٌ فلأنَّه يَشتَبِهُ جَمعه بجَمعِ مَفْعَالٍ وَمِفْعِيلٍ، وأمَّا مِفْعَلٌ -بالكسرِ- فلا يخلو من أن يكون له مَفعَلٌ -بالفَتح- أو لا يكون، فلئن كان لَزِمَ الاشتِبَاهُ بينَه وبَينَ جَمع مَفعِلٍ أو مفعَلٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "وقد قيلَ عَواويرُ، ومَلاعِينُ، ومَشائِيمُ، ومَيامِينُ، ومَياسِيرُ، ومَقاطِيرُ، ومَناكِيرُ، ومَطافِلُ (٣)، ومَشادِنُ".
قالَ المشرّحُ: العَواويرُ جمعُ عُوَّارٍ وهو: الجَنَانُ (٤) ذَكَرَه السِّيرافيّ في "شرحِ الكِتابِ" (٥) هيَ جمعُ مُوسِرٍ ومُقطِرٍ ومُنكِرٍ، امرأةٌ مُطفلٌ، أي: لها طِفلٌ، ونحوها ظَبيةُ مُعْزِلٌ ومُشدِنٌ معها غَزَالٌ وشادِنٌ.
قالَ جارُ اللهِ:، "فصلٌ؛ وكلُّ ثُلاثِيّ فيه زيادةٌ للإِلحاقِ بالرُّباعِيّ كَجَدولٍ وكَوكبٍ وعِثيَرٍ، أو لِغَيرِ الإِلحاقِ ولَيستْ بهذِهِ كأجدَلٍ وتَنْضُبٍ ومَدعَسٍ فَجَمعُهُ على مِثِالِ جَمْعِ الرُّباعِيَّ: تقولُ: جَداوِلُ وأجادِلُ وتَنَاضِبُ ومَدَاعِسُ".
قالَ المشرِّحُ: الّذي يَدُلُ على أنَّ الواوَ في كَوكَبٍ مَزِيدَةٌ أنَّها وَقَعْت معَهَا ثلاثةُ أصولٍ، ومثلُه عَوسَجٌ لِضَربٍ من الشَّوكِ، ومنه عَسَجَ المالُ إذا
стр. 854
أخذَهُ من رَعْيِ العَوسَجِ دَاءٌ. فإن سألتَ: ما ذكرت من الدَّليلِ إن دَلَّ على أنَّ الواوَ في كَوكبٍ مَزيدَةٌ فها هُنا ما يَدُلُّ على أنَّها أصلٌ؟ وذلِكَ لأنَّها لو كانَت مَزيدةً للزِمَ أن تكونَ فاءُ الكَلِمَةِ وعَينُها من جِنسٍ وذَلِكَ مما لا يُحمَلُ عليه إلّا لِدَليلٍ؟! أجبتُ: ما ذَكرتَ من الدَّليلِ وإن دَلَّ على أنَّ الواوَ في كَوكَبٍ أصلٌ، فها هُنا ما يَدُلُّ على أنَّها زِيادةٌ، وذلِكَ أنَّ العَين في الرُّباعي إذا كانت واوًا فلا بُدّ (١) من أن تكونَ اللّامُ الأخيرةُ أيضًا واوًا وذلك نحوَ: دَأدَأة، لبعضِ أراجيحِ الصِّبيانِ، وشَوشأة: للسَّريعةِ، ألا تَرى أنَّ أصلَها دَودَوةٌ وشَوشَوةٌ (٢). فلمّا لم تَكُن اللّامُ الأخيرةُ في كَوكبٍ واوًا دَلَّ ذلك على أنَّها مَزيدَةٌ. وينضُبُ (٣): شَجَر يُتَّخَذُ منه السّهامُ والنّبعُ شَجَرٌ يتخذُ منه القِسِيّ الدّعسُ هو الطعنُ، والمدعسُ هو الرّمحُ يُدعسُ به، المُداعَسَةُ المُطاعَنَةُ فإن سألتَ: ما الدَّليلُ على أنَّ الزِّيادَةَ في مثلِ هذه الأمثلةِ ليست للإِلحاقِ؟ أجبتُ: أمَّا في نَحو أجدَلٍ ومَدعِسٍ فلجَرَيانِ الإِدغامِ، وأمّا نَحوِ يَنضُب فلأنّه ليسَ في الكلامِ فَعلَل.
قالَ جارُ اللهِ: "وتُلحَقُ بآخِرِه التَّاءُ إذا كانَ أعجَميًّا أو منسوبًا كحوارِثَة وأشاعِثة".
قال المشرّحُ: أما في الأعجمي فلأنَّه تكثر التاء (٤) في الأسماءِ الأعجميَّة نَحو تَازه (٥) ونَزَه، ومَوزَة فَتُزاد للجَمع بَينهما على العُجمَةِ، وأمَّا في المَنسوب فلأنَّ بينَ تاءِ التَّأنيثِ وياءِ النَّسب مشابَهَةً، وهذا لأنَّ تاءَ التَّأنيث كما تَكونُ فارقةً بينَ المُفردِ والجِنسِ وذلِكَ في نَحو تَمرٍ وَثَمرةٍ، فكذلِكَ النِّسبَةُ تكونُ فارقةً بينَ المُفرَد والجنسِ في زِنجِيّ وزِنْجٍ، وهِندي وهِنْدٍ ورُومِيّ
стр. 855
ورُومٍ، وكما يكونُ التّأنيثُ حَقيقيًا ومجازيًّا فكذلك النِّسبةُ.
قالَ جارُ الله: "فَصلٌ والرُّباعِيّ إذا لَحِقه حرفُ لينٍ رابعٌ جُمِعَ عَلَى فَعَاعِيل كَقَنادِيل وسَرَادِيح، وكذلك ما كانَ في الثُّلاثي ملحقًا به كقِرواحٍ وقِرطاط تقول قَراويح وقَراطِيط".
قالَ المشرِّحُ: القراويح: هي الأرضُ المُستَوِيةُ، والقِرطاطُ: هي البِرذَعَةُ.
قالَ جارُ اللهِ: "وكذلك: ما كانت فيه من ذلِكَ زيادَةٌ غيرُ مَدَّةٍ كمصابِيحَ وأناعيمَ وَيرابيعَ وكَلاليب".
قالَ المُشرِّحُ: يقولُ: الاسمُ إذا كانَ رُباعيًا وفيه مَدّةٌ زَائِدَةٌ فَحُكْمُهُ ما ذَكرناه وكذلِكَ إذا لم يَكن رُباعيًا لكن لَه شَكلُ الرُّباعيّ، وذلِكَ نحوَ مِصباحٌ وإنعامٌ ويَربوعٌ وكَلُّوبٌ ألا تَرى أنَّ مِصباحًا ليس بِرُباعِيّ لكن له صُورة الرُّباعي بهذه الزِّيادَةِ التي لَيست بِمدّةٍ وهِيَ المِيمُ الواقِعَةُ في أوّلِهِ، وكذلِكَ أنعامٌ ليس بِرُباعِيّ إنّما هو عَلى شَكلِ الرُّباعِيّ بالزّيادةَ التي لَيست بمَدّة إنما هي الهَمزةُ الواقعةُ في أوّلِهِ، وهكذا يَربوعٌ فإنّه لَيس برُباعِيّ فإنه يَفعُول (١) على ما يأتي في شرحِ الأبنيةِ إن شَاء اللهُ -تَعالى- إنّما له صُورةُ الرُّباعي بهذه اليّاء التي لَيست بِمَدّةٍ وهيَ في أوّلِهِ، وكذلك في كلُّوبٍ لَيس بِرُباعِيّ إنّما لَهُ شَكلُ الرُّباعِيّ بهذه اللّام الثّانِيَة التي في وَسَطِه. وهذا الموضعُ من تَقَاعِيدِ الشيَّخ في "حاشية المُفصَّل" (٢) الكَلاليبُ: جَمعُ كَلُّوب: وهي حَديدٌ طويلٌ في رأسِهِ عُقَّافَةٌ يفرَجُ بها الجَمرُ (٣) أو الرَّصاصُ المُذابُ وهو بالفارسية (سكاراهيج) وأنّه للقَصّاعين.
стр. 856
قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ ويقعُ الاسمُ المُفرَدُ على الجنسِ ثُمَّ يُمَيَّزُ منه واحِدُهُ بالتَّاءُ، وذلِكَ نَحو تَمْرٍ وتَمْرَةٍ، وحَنْظَلٍ وحَنْظَلَةٍ، وبِطَّيْخٍ وبِطّيخَةٍ، وسَفَرجَلٍ وسَفَرجَلَةٍ".
قال المُشَرِّحُ: قد كَثُرَ في الأشياءِ المخلوقةَ كَثرةً مُستَمِرّةً أن يكونَ الاسمُ بُدون التّاء للجِنسِ، ومَع التَّاءِ للمُفرَدِ (١)، وإنّما وَجَبَ فيما كانَ مَخلوقًا أن يكونَ لَفظُ واحِدِهِ وجَمعِهِ سواءً، ولا تَفْصِل بينهما إلّا الهَاءُ، وذلِكَ لأنَّ الجَمعَ في هذا البابِ مقدّمٌ (٢) على الواحِد، لأنَّه خُلِقَ في أوّلِ وَهلَةٍ ثم كَثُرَ وتَغَيَّرَ كثيرًا، فلمَّا كَانَ الجَمعُ هو السَّابِقُ ثم أرادُوا الفَصلَ بَينَهُ وبينَ الواحِدِ ألحقوا الوَاحِدَ علامةَ التَّأنيثِ، أمَّا ما كانَ مصنُوعًا غالبًا فواحِدُهُ قبل جَمْعِهِ، وإذا كانَ كَذلِكَ وَجَبَ أن يُغَيَّر الجَمعُ عن لَفْظِ الواحِدِ بزيادَةٍ عَلَيهِ.
قالَ جارُ اللَّهِ: وإنّما يَكثُرُ هذا في الأشياءِ المَخلوقَةِ دُونَ المَصنوعة نَحوَ سَفينٍ وسَفينَةٍ ولَبِنِ ولَبِنَةِ، وقَلَنْسٍ وقَلنْسُوَةٍ ليسَ بِقِياسٍ وعكس تَمرةٍ وتَمرٍ وكمأةٍ وكموءٍ وجِبَأةٍ وجِبَءٍ.
قالَ المشرّحُ: إنَّهم شَبَّهوا المَصنعات في هذا البابِ بالمَخلوقاتِ كما شَبَّهوا المخلوقاتِ بالمَصنوعات في نَحوِ قولِهِم: سِدْرَةٍ وسِدرٍ وطَلحَةٍ وطَلْحٍ وشَبَّهوها بكِسرةٍ وكِسَرٍ، وجَفنَةٍ وجِفَانٍ. قالَ المُشرِّح (٣): الكمأةُ واحدةُ (٤) الكَمءِ (٥) على غَيرِ قياسٍ وهو من النَّوادِرِ، تقولُ هَذا كَمءٌ وهذان كمآن، وهؤلاء أكمؤٌ ثلاثةٌ (٦)، فإذا كَثُرَ فهي الكمأة. والجَبْءُ: واحدةُ (٧) الجَبْأةِ وهي
стр. 857
الحُمر من الكَمَأةِ، مثالُه فَقْعٌ وفَقْعَةٌ، وغَرْدٌ وغَردَةٌ، قال الأحمرُ: الجَبأةُ هي الّتي [تضرِبُ] (١) إلى الحُمَرةِ، والكَمأةُ: هي الّتي إلى الغُبرة والسّواد والفَقعة البِيضُ. [وبناتُ أوبر الصِّغارُ] (٢) يقالَ في القليل منه ثلاثة أجبوءٍ وأجْبَأتِ الأرضُ إذا كثُر (٣) جَبؤُها وأرض مَجبَأةٍ. لا تَظنّ أنَّ في كلامِ الشَّيخ نظرًا وذلِكَ أنَّ جِبَأة وجِبَأ إنما يَكونُ عَكسَ تَمرةٍ وتَمْرٍ، أن لو كانَت الجِبأة مفتوحةَ الجِيمِ (٤) ساكنة الياءِ وهي مَكسورةُ الجيمِ مفتوحةٌ الباءِ. فإن سألتَ لم انقلبت قَضِيّةُ سائِرِ الأفرادِ والأجناسِ ها هُنا وكانَ الاسمُ بدونِ التَّاءِ للمُفرَدِ ومع التَّاء للجِنسِ، وفي سائِر المواضِعِ بخلافِ هذا؟
أجبتُ: هذا من بابِ تَطبيق اللَّفظِ بالمَعنى وتَبيينهُ اشتقاقُ الجَبأةِ ألا تَرى أنَّها من جَبَأ إذا تَأخَّرت وذلِكَ أنَّ نَبتَها لا يَظهرُ، إنما هي خَفِيَّةٌ في الأرضِ فكأنَّها مُتَراجعَةٌ إلى ضِدِّ الجِهَةِ التي من شَأنِ النَّوابِتِ أن تَذهَبَ (٥) فيها. قالَ ابنُ جِنيّ فكأنَّها تقاعَست إلى أسفَل وتأخّرت.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ؛ وقد يُجمع الجمع مبنيًّا على غَيرِ واحِده المُستَعمَلِ، وذلِكَ نحو أراهِطُ وأباطِيلُ، وأحادِيثُ وأعاريضُ وأقاطيعُ وأهالٍ (٦) ولَيالٍ وحَميرٌ وتِوَأمٌ (٧) وأمكُنٌ".
قالَ المشرّحُ: أمَّا أراهِطُ: فلأنَّ الإِمامَ عبدَ القاهِر الجُرجاني ﵀ وإن ذَكَر أنَّها جَمعُ أرهُطٍ جَمْع رَهْطٍ فإنّ أرهطًا غيرُ مُستَعمَلةٍ في الصِّحاحِ. الباطِلُ: ضِدَّ الحَقِّ، والجَمع أباطِيل على غَيرِ قِياسٍ كأنَّهم
стр. 858
جَمَعُوا أبْطِيلًا. الفَرّاءُ: يَرى أنَّ وأحدَ الأحادِيث أُحدوثَة ثمّ جَعَلوه جمعًا للحَدِيث. قال الجَوهَرِيّ: والأُحدوثة ما يُتَحَدَّثُ به. الأعاريضُ: جَمعُ عَروضٍ وهو اسمُ الجزءِ الذي في آخر النِّصفِ الأوّل من البَيت كأنَّهم جَمَعوا إعريضًا. القَطِيعُ الطائِفَةُ من الغَنَمِ والبَقَرِ والجَمْعُ أقاطِيعُ على غَير قِياسٍ كأنَّهم جَمَعُوا إقطيعًا. الأهلُ أهلُ الرَّجُلِ وأهلُ الدّارِ والجَمعُ أهلَاتٍ، وآهالٍ وزَادُوا فيه التَّاءَ على غيرِ قِياسٍ كما جَمَعُوا ليلًا على لَيَالٍ، قالَ ابنُ جِنيّ: كأنّ واحدَها أهلاة اللَّيلُ واحدٌ بمعنى جَمعٍ وواحدُهُ لَيْلَةٌ مِثلٌ تَمْرة وتَمْرٍ، وقد جُمِعَ على لَيَالٍ، فَزادوا فيها الياء (١) على غير قياسٍ، ونظيرُه أهلُ وأهالٍ، ولُيَيلةٌ مُحَقَّرًا يُشبِهُ أن يكون تَحقيرُه لَيلاةٍ أنشدَ ابنُ جِنيّ: -رحمه اللَّه تعالى (٢): -
في كلِّ يَومٍ مَّا وكلّ ليلاهْ
حَتّى يَقولَ من رَاه إذْ راهْ
يا وَيحَه من جَمَلٍ ما أشقَاهْ (٣)
الحِمارُ هو العَيرُ والجَمعُ الحَمِيرُ. الجَوهَرِيّ: قالَ ابنُ السّكِّيت: ولَم يَجئ شَيءٌ من الجَمعِ على فِعالٍ إلا أحرفٌ منها تُؤامٌ [جمعَ تؤام] (٤)، والحَقُّ أنَّ حَمِيرًا وتِوَامًا ليسا من الجُموعِ إنَّما هي من أسماءِ الجُموع، وقد ذَكَرَ شَيخُنا ﵀ (٥) - في الفَصلِ الذي تَرجَمَهُ في قولهِ: وَيقعُ الاسمُ على الجَمعِ ثُمَّ يُكَسَّرُ عَلَيه واحِدُهُ". تِواما فدَلَّ على صِحّةِ ما ذَكَرناهُ، والجَمعُ غيرٌ
стр. 859
واسمُ الجَمعٍ غيرٌ، [كما أنَّ الفاعِلَ غيرٌ] (١) واسمُ الفاعِل غَيرُ، وأما أمكُنٌ فقد مَضى ما عَلَيه في هذا الصّنف.
قالَ جارُ اللَّهِ (٢): "ويُجمَعُ (٣) الجَمعُ فِعال في كلّ أفعل وأفعلة أفاعل، وفي كلّ أفعال وأفاعيل نحوَ أكالِبٍ وأساوِرٍ وأناعِيمٍ".
قالَ المُشرِّحُ: إذا جُمِعَ الجمع فإمّا أنْ يُجمَعَ جمعَ القِلّةِ نحوَ أُعطِيَةٍ وأُعطيات أو جَمعَ الكَثرَةِ نحوَ أكلُبٍ وأكاليبٍ، وأسورَةٍ وأساوِرٍ، وأنْعَامٍ وأناعِيم، وإمَّا أن يُجمَعَ جَمعَ الكَثرَةِ [جمعَ قِلَّةٍ] (٤) مثل: مَنَعاتٌ وطُرُقاتٌ أو جَمعَ الكَثرة مثلَ مَصارين وحَشاشِينَ وجَمايِل وهيَ جمعُ جِمالَةٍ قالَ اللَّهُ تعالى (٥): ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ ابنُ السِّكِّيتِ (٦): يقالُ للإِبلِ إذا كانَت ذكورةً ولم يَكن فيها أُنثى هذا جِمالةٌ بَني فُلانٍ، ثم الجِمَالة كأنَّها جَمعُ جَمعٍ، ونظيرُها حِجَارةٌ وذِكارةٌ في جَمعِ (٧) ذَكَرٍ وحَجَرٍ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وقالوا: جَمايِلٌ وجِمالاتٌ ورجالاتٌ، وكلاباتٌ، وبُيوتاتٌ، وجَمَراتٌ، وجُزُرواتٌ، وطُرُقاتٌ، ومُعناتٌ، وعَوْذَاتٌ، ودُوْرَاتٌ، ومَصارِينَ، وحَسَّاشِين".
قالَ المُشَرِّحُ: الرِّجالاتُ كالبُيوتاتِ تَخْتَصُّ بالأشراف، وفي فَقرةِ (٨)
стр. 860
"اليَمِينيّ": فَلَم يُحِط إلّا العَدَدَ اليَسيرَ اللَّذين سارَ ذكرُهم في الآفاقِ وتَسامعَ بذكرِهم رِجَالاتُ خُراسان، والجَمَرات: -بالتَّحريكِ- جَمعُ جَمْرٍ جَمْعِ جِمارٍ، والجَزرات: جَمعُ جَزُرٍ [جمع جَزوزٍ] (١) والطُّرقات: جَمعُ طُرُقٍ، جَمع طَريقٍ، والمُعنات: - بالضَّمِّ- جَمعُ مُعنٍ جَمعُ مَعينٍ أيضًا، والعَوذات جمع عُوذٍ مكسَّرُ عايذٍ وهي الحَدِيثَةُ النِتاجِ، وهذا من بابِ الكِنَايَةِ وأصلُه أنَّ الحامِلَ إذا دَنا نِتاجُها عاذَت بجذعِ شَجَر أو ظل (٢) حائِطِ أو باطِنِ مَغارَةٍ ثم كُنِّي به عن النِتاجِ. الدُّوراتُ: جَمعُ دُورٍ جَمعِ دَارٍ. والمَصارين جَمعُ مصرانٍ جَمعِ مَصيرٍ وهو في الأمعاءِ. الحَشاشِين: جمع حَشّان جَمعِ حَشٍّ وهو البُستان ومثلُه ضِيفانٌ جمعُ ضَيفٍ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ ويقعُ الاسمُ على الجَمعِ (٣) لم يُكَسَّر عليه واحدُهُ وذلِكَ مثلُ رَكْبٍ وسَفْرٍ، وأدَم وعُمُدٍ وحِلقٍ وخَدَمٍ وجَامِلٍ وباقرٍ، وسَراة وفُرْهَةٍ، وضَأن وغِزى وتُوام ورُحال".
قال المشرّح: رَكبٌ: اسمُ جمعٍ لِرَاكِبٍ، وكذلك سَفْرٌ اسمُ جَمعٍ لِمُسافِر يقالُ: سَفرتُ أسفُرُ سُفُورًا وإذا خَرَجتُ إلى السَّفَرِ فأنا مُسافِرٌ وقومٌ سَفرٌ أُدُمٌ اسمُ (٤) جَمع لأديمٍ، ونَحوُهُ أُفُقٌ في جميعِ أفيق، وهو الجِلدُ الّذي لم تَتِمَّ دِباغَتُهُ فكأنَّه الذي صارَ على أُفُقِ الدّبَاغَةِ، ويُقالُ لها أيضًا: أُدُمةٌ ومثلُها أيضًا أُفُقَةٌ جمعُ أفيق كأطراقٍ جمع طَريقٍ. العَمَدُ -بالفَتحِ- اسمُ جَمع لِعمودِ البيتِ، وأمَّا العُمُدُ -بالضَّم- فجَمعٌ، وقُرِئَ بهما (٥) في قَولِهِ تَعالى (٦): ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾. الحَلَقُ: بِفَتحتين هي الدّرعُ اسمُ جَمعِ
стр. 861
حَلْقةٍ في الواحِدِ (١) بالسُّكون. قال الأصمعيّ (٢):
الجَمعُ حَلَقٌ مثل بَدْرةٍ وبِدَرٍ وقَصعَةٍ وقِصَعٍ، وحَكى يُونُسُ عن أبي عَمروٍ بنِ العلاءِ حَلقة في الواحِدِ بالتَّحريكِ. الجامِلُ القَطِيعُ من الإِبلِ مع رُعاتِهِ وأربابِهِ قالَ (٣):
لَهم جامِلٌ ما يَهدَأ اللَّيلَ سامِرُه
الباقِر: اسمُ جمع البَقَر مع رُعاتِها. السُّراةُ: اسمُ جَمعٍ لِسَرِيّ. الجَوهري وهو جَمعٌ. عَزيزٌ أنْ يُجمَعُ فعيل على فَعَلَه ثم جُمع السّراة على سَرَواتٍ. الفارِهُ في الأصلِ: هو الحاذِقُ بالشَّيءِ وقد فَرُهَ -بالضّم- يَفْرَهُ فهو فارِهٌ وهو نادِرٌ مثل حامِضٍ وقياسُه فَرِيةٌ وحَمِيضٌ مثلُ صَغُرَ فهو صَغِيرٌ ومَلُح فهو مَلِيحٌ، ويقالُ للبرذون والبَغلِ والحِمار فارِهٌ بيّن الفُروهَةِ والفَراهَةِ، وبراذِين فُرَّهٌ مثلُ بازِلٍ وبُزَّلٍ، وحايِلٍ وحِيّل، وفُرْهَةٌ أيضًا مثل صاحِبٍ وصُحْبَةٍ، ولا يُقال للفَرَسِ فارِهٌ لكن رابِعٌ، وجوادٌ: ضَأنٌ: اسمٌ (٤) جَمعٍ لضائِنٍ كمِعزًى اسم جَمعٍ (٥) لماعز. غُزًّى: اسمُ جَمعٍ لغازٍ، ونظيرُهُ حَجِيجٌ وحاجٌّ، [وقطِيرٌ وقاطِرٌ] (٦)، رَخَالٌ: اسمُ جَمعٍ لِرخِل -بكسر الخاءِ- ويقالُ أيضًا رِخَال بالكسر فإن سألت: ما الفَرقُ بينَ الجَمعِ واسمِ الجَمعِ؟ أجبتُ: اسمُ الجَمعِ حُكمُهُ حكمُ المُفرَدِ، ولذلك جازَ كما هو تَحقيرُهُ، ولا كَذلِكَ الجَمعُ فإنَّه إلى واحِده يُرَدُّ.
стр. 862
قالَ جارُ اللَّه: "ويقعُ الاسمُ الَّذي فيه علامةُ تأنيثٍ على الواحِدِ والجَمعِ بلفظٍ واحدٍ نحوَ (١) حَنوةٍ وبهمى وطَرفَى وحَلفاء".
قالَ المُشرِّحُ: الحَنوةُ نبتٌ طيِّبُ الرّيحِ وكأنَّها في الأصلِ مَرّةً من حَنوتُ بِمَعنى حَنَيتُ، لأنَّها يَعطِف عليها كلّ أحدٍ. بُهمى: نَبتٌ قالَ سيبويهِ: وألفُها للتَّأنيثِ فلا تُنَوّنُ. قالَ المُبَرِّدُ (٢): ولا تَكُونُ ألِفُ فُعلى -بالضَّم- لغير المُؤَنَّث، وقالت قومٌ: ألفُها للإِلحاقِ، والواحدة بُهماةٌ ومنه أبْهَمَتِ الأرض كثُرَ بُهامُها. الطَّرفاءُ بالفارِسيّة (كر) سُمّيت بذلِكَ لدقّتها كأنّها أطرافُ النَّبتِ، الحَلفاءُ: نبتٌ في الماءِ قالَ أبو زيدٍ: واحدُها حَلفة كَقَصَبَةٍ وطَرْفَةٍ، وعن الأصمَعِيّ: حَلِفَة بِسكرِ اللَّام.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ ويُحمَلُ الشَّيءُ على غَيرِهِ في المَعنى فيُجمَعُ جَمعَهُ نحو قَولِهِم مَرضى وهَلكى ومَوتى وحَرّى وحَمقى حُمِلَت على قَتلى وجَرحَى وعَقرَى ولَدغَى مما هو فَعيل بِمَعنى مَفعولٍ".
قالَ المُشرِّحُ: الضَّابِطُ في هذا الباب أنَّ كلَّ ذِي بلوَى مُحقّقةٍ أو مُقدّرةٍ فجَمعُهُ على فَعَلى أو فُعالى. ثم يُحمَل عَليه ما يُقارِبُهُ وهو من بابِ التَّضمينِ ولا يُظَنَّ أنَّ كلَّ واحدٍ من تِلكَ الأمثِلَةِ مَحمولٌ على كلِّ واحدٍ من هذه للمُطابقةِ بَينَهما، بل لاشتراكِهِما في مَعنى الشِّدَّةِ، وكونِ ذلِكَ في المَحمولِ عليه أظهرُ من المَحمولِ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وكذلك أيامى ويَتامَى مَحمولان على وِجاعى وحِباطى".
قال (٣) المُشَرِّحُ: الوَجَعُ والحَبَطُ كونُهما بلاءً ظاهِرًا فحُمِلَ عليهما الأيِّمةُ واليَتِيمُ.
стр. 863
قالَ جارُ اللَّهِ (١): "والمَحذوفُ يُرَدُّ عندَ التَّكسيرِ وذلِكَ في جَمعِ شَفَةٍ وأستٍ وشاةٍ ويَدٍ أشفَاهٍ وأستاهٍ وشِياهٍ وأيدٍ وأيدِى".
قالَ المُشَرِّحُ: يريدُ به المحذوفَ العَجُز المَحذوفَ من الشّفَةِ والإِستِ والشّاهِ هاء. وأمَّا من اليَدِ الياءُ (٢). اليَدُ: النّعمَة والإِحسان يَصطَنِغهُ ويُجمَعُ على يُديٍّ مثلُ عصِيّ قالَ (٣):
فإنَّ لها عِندي يُدِيًّا وأنعُما
وإنّما فَتَحَ الياءَ كرَاهَةً لتوالِي الحَرَكاتِ (٤).
قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ والمذكَّرُ (٥) الّذي لم يُكَسّرْ يُجمَعُ بالألفِ والتَّاءِ نحو قولِهِم: السُّرادُقات، وجِمَالٌ سِبَحْلاتٌ وسِبَطْراتٌ، ولم يقولوا: جَوالِقات حينَ قالوا: جوالِيق".
قال المشرّحُ: السِّبَحل: بكسر السّين، وفتح الباءَ وسكونِ الحاءِ: الضَّخمُ من الضَّبِّ والبَعيرِ والسِّقا والأُنثى السِّبَحلةُ، مثلُ رِبَحلَةٌ.
قالَ جارُ اللَّهِ: وقَد قالوا: بُوانات مع قولهم: بَون.
قالَ المُشَرِّحُ: البُوان بِضَمّ الباءِ الموحّدةِ عَمودُ البيتِ، وهذه السَّلامَة والتَّكسيرُ يَدُلّان على أنَّ هذا البابَ أكثَرِيٌّ لا كلِّيٌّ وكذلِكَ سَباطر وسِبَطْراتٌ.
стр. 864
[بَاب النّكِرةَ وَالمعْرِفَة]
قالَ جارُ اللَّهِ: "من أصنافِ الاسمِ المَعرِفَةِ والنَّكِرَةُ. والمَعرِفَةُ ما دَلَّ على شيءٍ بِعَينِهِ، وهو عَلى خَمسةِ أضرُبٍ: العَلَمِ الخاصِّ والمُضمِر، والمُبهَمِ وهو شيئان: أسماءُ الإِشارةِ والمَوصولاتُ، والدّاخل عليه حَرفُ التَّعريفِ، والمُضافِ إلى إحداها، ولا إضافةً حقيقيةً". قالَ المُشَرِّحُ: المعرفةُ ما دَلَّ على مَعنًى دِلالةً يَتَضَمَّنُ الإِشارةَ إليه، الشَّيخُ: عَدَّ المعارفَ (١) أولًا، واعتبر فيه معنًى، وذلِكَ من حيثُ مفارقَةُ التَّعريفِ وعدَمُ مفارقتِهِ، ومن حَيثُ أنَّ ذِكرَ الإضافةِ إلى أحدِ الأشياءِ إنّما يَحسُنُ عندَ عَدِّ تلكَ الأشياء. فإن سألتَ: فعلى هذا يَجِبُ أنَّ يكونَ تَعريفُ المُضمَرِ أقوى مُفارقةً من تَعريفِ اسمِ الإِشارة، واسمُ الإِشارةِ كما لا يُفارِقُه التَّعريفُ فكذلِكَ المُضمَرُ؟ أجبتُ: نَعم تَعريفُ المُضمَر أكثرُ مُفَارَقَةً من تعريفِ اسم الإِشارة. [ألا تَرى أنَّ المُضمَرَ كما يَكُون مَعرِفَة يَكونُ نَكِرَةً في نحوِ: رُبَّهُ رَجُلًا وقولِهِ (٢):
أظَبيٌ كانَ أُمُّك أم حِمارُ
أمَّا اسمُ الإِشارةِ فلا يَقَعُ في مَوضِعٍ نَكِرَةً] (٣).
стр. 865
قالَ جارُ اللَّهِ: "وأعرفُها المُضمَرُ ثُمَّ العلَمُ ثُمَّ المُبهَمُ ثم الدَّاخِلُ عَلَيهِ حرفُ التَّعريفِ أمَّا المضافُ فيُعتَبَرُ أمرُهُ بما يُضافُ إليه".
قالَ المُشَرِّحُ: أمَّا المُضمَرُ فإنّه أعرفُ المَعَارِفِ، وهذا لأنَّه كما زَعَموا بِمَنزِلَةِ وَضعِ اليَدِ، ولا تَعريفَ فَوقَه، وأمَّا العَلَمُ (١) والمُبهَمُ فلأنَّ كلَّ واحدٍ مِنهُما وإن لم يَكُن له وَضْعُ اليَدِ لكنَّ العَلَمِ مَوضوعٌ لشَيءٍ بِعَينِهِ بِخِلافِ المُبهَمِ، وأمَّا المُبهَمُ والدَّاخِلُ عَليهِ حَرفُ التَّعريفِ فلأنَّ أحَدَ نوعَيهِ يَقتَضِي المُشارَ إليه، إمَّا في الخارِجِ وإمَّا مذكورًا سابِقًا، ولا كَذلِكَ الدّاخِلُ عَليه حَرفُ التَّعريفِ، والنَّوعُ الثَّانِي منه يَقتَضي الصِّلةَ، ولا كَذلِكَ المُعَرَّفُ باللّام. أمَّا الدَّليلُ (٢) على أنَّ المضافَ يُعتَبَرُ أمرُهُ بما يُضافُ فلأنَّه عدَّ ما أُضيفَ إليه المُعَرّفُ باللَّام بمنزلةِ المُعَرَّفِ باللَّامِ، وذلِكَ قولُهم نِعْمَ أخو العَشِيرَةِ أنتَ، ورئيسُ صاحِب الرَّجُلِ عبدُ اللَّهِ، وتَقُولُ: هو الحَسَنُ وَجْهُ العَبدِ، كما تَقُولُ: هو الحَسَنُ الوَجهِ، ولا تَقُولُ: هو الحَسَنُ وَجهُ.
ما زالَ (٣) النَّحويُّون يقولونَ: المُنادى مَعرفةٌ نحوَ يا رَجُلُ ويا عالِمٌ بدَليلِ أنَّكَ مَتَى وَصفتَهُ وَصَفتَهُ بالمَعرِفةِ، ولأنَّهم فَرَّقوا بينَ يا رَجُلًا وبَينَ يا رَجُلٌ فقالوا: بِأَنَّ الأوَّلَ نكرةٌ والثَّانِي معرفَةٌ، حتَّى إذا آلَ إلى حَصرِ المَعَارِفِ أهمَلُوهُ وطَرَحُوهُ من البَينِ.
فَقُلْ لِمَنْ يدَّعِي في العِلْمِ فَلسَفَةً … حَفِظْتَ شيئًا وضاعَتْ عَنْكَ أشْيَاء
فإن سألتَ: فإذا كانت معرفةً فما الأداةُ المُعَرّفةُ؟ أجبتُ: حَرفُ النِّداءَ مَعَ الضَّمِّ.
стр. 866
قالَ جارُ اللَّهِ: "وأعرفُ أنواعِ المُضمَرِ ضميرُ المُتَكَلِّمِ ثُمَّ المُخاطَبِ ثم الغائبِ".
قال المُشَرِّحُ: إنّما كانَ ضميرُ المُتَكَلّم أعرفَ أنواعِ المُضمَرِ، لأنَّهُ مِمّا لا يَجرِي فيهِ الشَكُّ، ولَيس لِشُبهَةٍ فيه مَجَالٌ، لأنَّه لا يُشارِكُهُ غيرُه بِخِلافِ ضَميرِ المُخاطَبِ والغائِبِ، وبَعدَ ضَمير المُتَكَلّمِ ضَميرُ المُخاطَبِ، لِمُشاهَدَتِهِ، ثُمَّ لِضَميرِ الغائِبِ لِتَقَدُّم ذِكرِهِ، ولهذا كانَ الوَجهُ إذا اتَّصلت هذه الضَّمائرُ بفعلٍ أن يُبتَدَأ بِضَميرِ المُتَكلِّمِ ثُمَّ ضَميرِ المُخاطَبِ ثُمَّ الغائِبِ. فَتقولُ: الدِّرهَمُ أعطَيتُكُم، وكذلك المُتَكَلِّمُ على المُخاطَبِ في قولِكَ: أنا وأنت قُمنا، والمُخاطَبُ على الغائِبِ في قولِكَ أنتَ وزَيدٌ قُمتُما.
قالَ جارُ اللَّهِ: والنَّكرةُ: ما شاعَ في أَمَّتِهِ كقولِكَ: جاءَني رَجُلٌ، ورَكبت فَرَسًا.
قالَ المُشَرِّحُ: هذا يَنتَقِضُ (١) بالمُعَرَّفِ باللّامِ من الجِنسِ الثَّاني فإنَّه شاعَ في أُمَّتِهِ. وهو لَيس بِنَكِرَةٍ.
أمَّا بيانُ المُقدِّمةِ الأُولى: فلأنَّ الجِنسَ الثَّاني يَجوزُ إطلاقُه علَى كلِّ فَردٍ، ألا تَرى أنَّه إذا قِيلَ لَكَ: ما الكُرَّاثُ؟ فأخذت كُرَّاثَةً واحِدةً فقلتَ: الكُرَّاثُ هذا وَهَلُمَّ جَرّا إلى كلَّ كُرَّاثَةٍ كُرَّاثَةٍ. إنَّما الحَدُّ الصَّحيحُ أن يُقالَ: النَّكرَةُ ما دَلَّ على مَعنًى دِلالَةً عارِيَةً عن الإِشارَة إليهِ.
стр. 867
[بَابُ المُذكّر وَالمؤنّث]
قالَ جارُ اللَّهِ: "ومن أصنافِ الاسمِ المُذَكَّرُ والمُؤنَّثُ. المُذَكَّرُ ما خَلا من العلامات الثَّلاثِ التّاءِ والألفِ والياءِ في نحوِ غُرفَةٍ وأرضٍ وحُبلَى وحَمراء، وهُدى، والمُؤَنَّثُ ما وُجِدَت فيه إحدَاهُنَّ".
قالَ المُشَرِّحُ: التاءُ المقدَّرةُ في أرضٍ كالظَّاهِرةِ فيها فلذَلِك ذَكَرَه في جُملةِ (١) ما كانَ تأنِيثُهُ بالتَّاءِ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "والتَّأنيثُ على ضَربين: تأنيثٌ حَقِيقيٌّ كتأنيثِ المَرأةِ والنَّاقَةِ ونَحوِهِما مما بإزائِهِ ذكرٌ في الحَيَوَانِ. وغَيرُ الحَقيقيّ كتأنيثِ الظُّلمةِ والنّعلِ ونَحوهِمَا مما يَتَعَلَّقُ بالوَضعِ أو الاصطِلاحِ".
قالَ المُشَرِّحُ: النَّعلُ بالنُّون والعَينِ المُهملة مؤنَّثةٌ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "والحَقِيقيُّ أقوى، ولذلِكَ امتَنَع في حالِ السَّعَةِ جاءَ هندٌ وجازَ طَلَعَ الشَّمسُ، وإن كانَ المُختارُ طَلَعَتِ".
قالَ المُشَرِّحُ: المؤنَّثُ (٢) الحَقِيقيّ إذا أُسنِدَ إلى ظاهِرِ الفِعل ولم يَفصِل بينَهما فاصِلٌ فإنَّه في السَّعَةِ لا يَجوزُ إلّا إلحاقُ العَلامَةِ بِهِ. وأمَّا المؤنَّثُ
стр. 868
المَجازِيُّ فإنَّه يَجوزُ فيه إلحاقُ العَلامَةِ وتَركُها، إلَّا أنَّ الاختيارَ أن تُلحِقَ بالفِعلِ عَلامَة التَّأنيثِ إذا لم يَفصِل بينَ الفعلِ وبينَ ذلِكَ المؤنَّث المَجازِيّ (١) فاصِلٌ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فإن وَقَعَ فَصلٌ استُجِيزَ نحوَ قولِهِم: حَضَر القاضِي اليومَ امرأةٌ، وقولُ جَريرٍ (٢):
لَقَد وَلَدَ الأُخَيطِلَ أُمُّ سُوءٍ
ولَيس بالواسِعِ، رَدَّهُ المُبَرَّدُ (٣) واستَحسَنَ نحو قَولِهِ تَعالى (٤): ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وقَولِهِ (٥): ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ".
قالَ المُشَرِّحُ: عِندَ الفَصلِ يُستَحْسَنُ التَّذكيرٌ، لأنَّ إلحاقَ عَلَامَةِ التَّأنيثِ بالفعلِ تكرارٌ للوَعدِ بالفعلِ، والمَطلُ بالمَوعودِ مع تَكرارِ الوَعدِ قَبيحٌ، بِخِلافِ ما إذا كانَ المُؤَنَّثُ حَقِيقيًّا حَيثُ يُستَحسَنُ تأنيثُهُ وإن فُصِلَ بين الفِعلِ (٦) والفاعِلِ لأنّ الحاجَةَ إلى تأنيثِ المُؤنثِ الحَقِيقيّ أقوَى، ولذلِكَ لَمْ يَجُز في غيرِ مَوضِعِ الفَصلِ تذكيرُهُ فانجَبَرَ قِلّة الحاجَةِ النّاشِئةِ من وُقُوعِ الفَصلِ إلى التَّأنِيثِ، بزيَادةِ الحاجَةِ النَّاشِئةِ من كَونِ التَّأنيثِ حَقِيقيًّا، فكذلِكَ
стр. 869
استُحسِنَ مع الفَصلِ تَذكيرُ اليومِ مِنْ حَضَرَ القاضِي اليومَ امرأةٌ (١). مَتنٌ في نُسخَةِ العُمرَانيّ (٢) غيرُ مذكورٍ في سائِرِ النُّسخِ، والأصوبُ ألّا يكونَ فيه، لأنَّ القاضِيَ فَصلٌ مُستَقِلٌّ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "هَذا إذا كانَ الفِعلُ مُسندًا إلى ظَاهِرِ الاسمِ، فإذا أُسنِدَ إلى ضَميرِهِ فإلحاقُ العَلامةِ، وقولُهُ:
ولا أرضَ أبْقَلَ إبقَالَها
مُتَأوَّلٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: الفِعلُ إذا أُسنِدَ إلى ظَاهِرِ المُؤنَّثِ المَجَازِيّ جازَ فيه الأمرانِ، أمَّا إذا أُسنِدَ إلى ضَمِيرِه فإلحاقُ العَلامِةِ لأنَّ الضَّميرَ يُحتاطُ لَهُ فوقَ ما يُحتاطُ للصَّريحِ. أمَّا البيتُ فالمَعنِيّ بها المُثبَت. هَكَذا وَقَعَ في النُّسخِ قولُه: وقولُهُ، والصَّوابُ وقَولُها (٣) لأنَّ البَيتَ للخَنساءِ وقَبلَهُ:
стр. 870
وجارِيةٌ من بَنَاتِ المُلُو … كِ تُقَعقِعُ بالخَيلِ خَلخَالَهَا
كَكَرفِيَّةِ الغَيثِ ذات الضّبيـ … ـر تَأتي السَّحابَ وتأتى لَهَا
فَلَا مِزنَةٌ وَدَقَت وَدْقَهَا … ولا أرْضَ (أبقَلَ إبقَالَهَا)
تَقول: لَمَّا أغَرت عليهم هَرَبَت الجارِيَةُ تَعدُو فَسُمِعَ صَوتُ خَلخَالِها. بالخَيلِ أي: بإرسَالِ الخَيلِ. الكَرفِئَةُ السَّحابةُ المُتَرَاكِمَةُ، الضَّبيرُ: هو السَّحابُ الأبيضُ، وقيلَ: هو الّذي ضَبَرَ بَعضُهُ عليِ بَعْضٍ. تأتي السَّحابَ: أي تَجيئُهُ وتأتي لَها أي: يَصلُحُ السَّحاب بانِضمَامِها إليها. وَتأْتَأَلُ: مُفْتَعَلٌ من آل الشَّيءَ يؤُولُه إذا أصلَحَهُ وسَوَّاهُ. فالواوُ نَصَبَتْ "تَأتالَهَا" على الجَوارِ بالواوِ وشَبَّهَت عدوَها بِمَعنى السَّحاب فلا سَحَابَةَ مَطَرت مِثَل مَطَرِ هذه السَّحابة التي بِها شُبَّهَت الجارِيةُ ولا أرضًا أخَرَجَت بَقلًا مثلَ الأرضِ الّتي أصابَها مَطَرُ هذهِ السَّحابَة ومنهُم مَن يَروِيه (١):
أبقَلتَ إِبْقَالَهَا
стр. 871
على تَخفيفِ الهمزةِ من "إبقالَها"، والقاءِ حَرَكَتِها على التاء من أبقَلت.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ؛ والتَّأنيثُ في اللَّفظِ لا يَخلو من أن يُقَدَّرَ في اسمٍ ثُلاثِيّ كَعينٍ وأُذُنٍ، أو في رُباعي كعَنَاقٍ وعَقْرَبٍ، ففي الثُّلاثِيّ يَظهَرُ أمرُها بِشَيئينِ: بالإِسنادِ وبالتَّصغِيرِ وفي الرُّباعي بالإِسنادِ".
قالَ المُشَرِّحُ: لأنَّ التَّاءَ لا تَظهَر في بعضِ مُتَصَرّفات الكَلِمَةِ وهو الجَمعُ فجازَ أن لا تَظهَرَ في المُصرّفِ الثَّاني وهو التَّصغيرُ بخلافِ الثُّلاثِيّ فإن التَّاءَ تَظهَرُ في أحدِ تَصرِيفِهِ، وهو الجَمعُ فَيظهَرُ في الثُّلاثِيّ ألا تَرى أنَّهم قَالوا: أَرَضَات وأَهَلَات.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ ودُخولُها على وُجُوهٍ: للفَرقِ بينَ المُذَكَّرِ والمُؤنَّثِ في الصّفَةِ، كضارِبَةٍ ومَضروبَةٍ وجَميلةٍ. وهو الكثيرُ الشَّائِعُ، وللفَرقِ بَينهما في الاسمِ كامرأةٍ وشَيخةٍ وإنسانَةٍ وغُلامَةٍ ورَجُلَةٍ وحِمارةٍ، وأسَدَةٍ وبرذَونَةٍ، وهو قليلٌ، وللفَرقِ بينَ اسمِ الجنسِ الواحِدِ منه كَتَمَرةٍ وشَعِيرَةٍ وضَرْبَةٍ وقَتْلَةٍ، وللمُبالغَةِ في الوَصفِ كعلّامَةٍ ونَسَّابَةٍ (١) ورَاوِيةٍ وفَروقَةٍ ومَلولةٍ (٢) ولتأكيدِ التَّأنيثِ كنَاقَةٍ ونَعجَةٍ، ولتأكيدِ تأنيثِ مَعنى الجَمْع كحِجارَةٍ وذِكارةٍ وصُخُورةٍ وخُؤولَةٍ وصياقلةٍ وقَشاعِمَةٍ، وللدّلالة على النَّسب كالمَهالِبَةِ والأشاعِثَةِ، وللدِّلالَةِ على التَّعريفِ (٣) كموارِجَةِ وجَوارِيَةِ، وللتَّعويضِ كَفرازِنَةِ وجَحَاجِحَةِ، وتَجمَعُ هذه الأوجُه أنَّها تَدخُلُ للتَّأنيثِ وشِبهِ التَّأنيثِ".
قالَ المُشَرِّحُ: دُخولُ تَاءِ التَّأنيثِ إمَّا للفَرقِ بينَ المُذَكَّرِ والمُؤنَّثِ إمّا في الصِّفةِ والمَوصوفِ كضارِبةٍ ومَضرُوبةٍ وهو الكثيرُ، وإمّا في الاسمِ كإنسَانَةٍ، وممّا رأيتُهُ في خَطِّ بعضِ المَشَايِخِ:
стр. 872
إنسانَةٌ فَتَّانَةٌ … بَدرُ الدُّجَى منها خَجِلْ
وغُلامَةٌ قال (١):
ومُركِضَةٍ صَرِيحيّ أبُوها … تُهانَ لها الغُلامَةُ والغُلامُ
ورَجُلَةٌ. وكانت صَفِيّةُ بنتُ عبدِ المُطَّلبِ امرأةً رَجُلَةَ الرَّأيِ. وإمَّا بَينَ الواحِدِ والجِنسِ عَينًا كتمرةٍ وَبْغلَةٍ وحَلُوبَةٍ، ومَعنًى كَجلْسَةٍ وأكْلَةٍ، وللتَأكيدِ إمّا في الوَصفِ كرَاوِيةٍ وعَلَّامَةٍ.
تَخميرٌ: التَّاء في نَسَّابَةٍ وعَلَّامَةٍ كَهِيَ في حَمَّارة وبَغّالَةٍ وفَعَّالَة في بابِ التَّأكيد وفُعَّال بالضَّمِّ والتَّشديد، ومنهُ رُمحٌ اكسارٌ وثَوبٌ أسمالٌ، وأمَّا في الاسمِ مُفرَدًا كَنَعجَةٍ وناقَةٍ فإنه فيه لِتَأكِيدِ مَعنى التَّأنيثِ، ومَجموعًا كحِجارةٍ وصُخُورَةٍ. وللتَّعويضِ إمَّا في حَرفِ عِلّةٍ. وذلِكَ إما زائدٌ كجحاجِحَةٍ وفَرازِنَةٍ وإمَّا أصلٌ كعِدةٍ وزِنَةٍ. وإمّا من ياءِ الإِضافَةِ كما في تأبت، وإمَّا ياءِ علامَةِ (٢) النَّسب كأشَاعِثَةٍ ومَهالِبَةٍ. وللنَقْلِ من لُغَةٍ إلى لُغَةٍ كجَوارِبَةٍ وموازِجَةٍ. وإمَّا من حالٍ إلى حالٍ كنقلِ وصفٍ إلى اسم كذَبِيحَةٍ ولَقِيطَةٍ. وعَكسُهُ: مررتُ بقومٍ عَرَبٍ كلّهم. وتَجمَعُ هذه الأوجه أنَّها للنَقْل وشِبهِ النَّقل، أمّا في الفَرقِ بينَ [المُذَّكَّرِ والمُؤنَّثِ فمعنى النَّقلِ فيه ظَاهِرٌ (٣) لأنَّه نُقِلَ فيه الاسمُ عَن التَّذكير إلى التَّأنيثِ، وأمَّا في التَّأكيد] (٤) فلأنَّه نقِلَ فيه الاسمُ عن أصلِ المعنى إلى المُبالَغَةِ، وأمَّا ما في التَّعويضِ فلأنَّه نُقِلَ فيه الاسمُ عن حالِ عَدَمِ
стр. 873
التَّعويضِ إلى حال التَّعويضِ، وأمَّا في الفِعلِ فهو المَقصودُ. ولَفظُ الشَّيخِ للتَّأنيثِ وشِبْهِ التَّأنيثِ، يَعني: شِبهُ التَّأنيثِ يكونُ كالتَّأنيثِ فَرعًا على غَيرهِ. إلَّا أنَّ التَّاءَ للمُبالَغَةِ، والمُبالَغَةُ فَرعٌ عَلى الأصلِ، وكذلِكَ إذا كانَ لتأكيدِ التَّأنيثِ لأنَّ التَّأكيدَ فرعٌ على أصلِ المَعنى، وكذلِكَ إذا كانَ للتَّعويضِ فإنَّ التَّعويضَ فرعٌ على نَفسِ الاسمِ.
المَهَالِبَةُ: أعقابُ المُهَلَّبِ بن أبي صُفرَة. وأمَّا الأشاعِثةُ: فَهُم أشياعُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مُحَمَّدِ بن الأشعَثِ، والأشعَثُ هو ابنُ قَيس بن مَعدِي كَرِب. وعبد الرّحمن هذا هو الَّذي غَدَرَ بالحَجَّاجِ فأُهلِكَ، وأبوهُ بمُسلم بنِ عَقيلٍ وجَدّه بِبَني الحارِث بن كَعبٍ فَغَزاهُم، فأسروه فافتُدِيَ بمائتَيْ قَلوصٍ، فأعطاهم مائةً حتى جاءَ الإِسلامُ فَجَبَّ ما قَبلَهُ. وقيسُ بِنِزارٍ وكانَ بَينهم اتفاقٌ إلى أجَلٍ فغزاهم في آخر يومٍ من الأجلِ، وكان يومَ جُمعَةٍ، وزَعَمَ أنَّه لا يَحِلّ له القِتالُ غَدًا لتَهَوُّدِهِ. ومعدِي كَربَ بمُهرَةَ غزاهم تاركًا للعَقدِ. فَشُقَّ بَطنُه ومُلِئَ حَصىً.
وَرِثَ السَّفاهَةَ كابِرًا عن كابِرِ
وأشياعُهُ مثل الشَّعبي، وسَعيد بنِ جُبَيرٍ، وابنِ القَريَةِ، وابن أبي لَيْلَى، وسُويدِ بنِ عَقْلَةَ، وجابِرٍ الجُعِفيّ، وأبي إسحاق السُّبَيعِي، وأبي عُبَيدَةَ بن عبد اللَّه بن مَسعودٍ وأعشى هَمدان. وطالت المُناهضة بَينه وبينَ الحَجَّاج فواقَعه ثمانين وَقعة بالكُوفَةِ والبَصَرةِ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ والكَثير فيها أن تَجيءَ مُفَصِلَةً، وقلَّ أنَّ تُبنَى عَليها الكَلِمَة ومن ذلِكَ عَبايَةٌ وعِضَايةٌ وعَلاوةٌ وشَقاوةٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: العباءَة والعَبَايةُ ضربٌ من الأكسِيَةِ والجَمعُ العَباءاتُ والعَضاءَةُ دُوَيْبَّةٌ أكبرُ من الوَزَغَةِ، الواحدَةُ عَضاءة وعضَايَةٌ أيضًا، والعَلاوة كل ما عَلوت به على البَعيرِ بعد تَمامِ الوِقرِ وعَلَّقتهُ عليه نَحو السِّقاءِ والسَّفُّودِ،
стр. 874
وجَمعها عَلاوى مثلُ أدارةٍ أدارى، والعَلاوة أيضًا رأس الإِنسان ما دامَ في عُنُقِهِ يقال: ضَرَبَ علاوَتَه أي رَأسُه.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ؛ وقَولُهم جِمَّالَةٌ في جَمعِ جِمَّالٍ بمعنى جَماعَةٌ جِماله، وكذلك بَغَّالةٌ وحَمَّارةٌ وشَارِبَةٌ وواردة وسَائِلةٌ، ومن ذلِكَ البَصرِيَّةُ والكُوفيَّةُ والمَروانيّةُ والزُّبَيرِيَّةُ".
قالَ المُشَرِّحُ: الشَّارِبةُ والوَارِدَةُ والسَّائِلَةُ: جمعُ شاربِ وواردٍ وسائلٍ وهو ابنُ السَّبيلِ: البَصرِيَّةُ: أي الجَماعةُ البَصريّةُ والكوفيَّةُ: أي الجَماعة الكُوفيّةُ. والمَروانية: مَنسوبةٌ إلى مَروان بنِ الحَكَمِ، الزُّبَيرِيَّةً: مَنسوبةٌ إلى الزُّبيرِ بنِ العَوَّامِ ﵁ (١).
قالَ جارُ اللَّهِ: ومنه (٢) الحَلُوبَةُ والرَّكوبَةُ والقَتوبَةُ قالَ اللَّهُ تعالى ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ وقُرىَء "ومنها (٣) رُكُوبُهُم"، وأمَّا حَلوبة للواحد وحَلوبٌ للجمعِ فكَتَمرةٍ وتَمْرٍ.
قال المشرح: أمّا (٤) حَلُوبَةٌ وحَلُوبٌ على حَدّ تَمرةٍ وتَمْرٍ فعلى القِياسِ المُنقادِ، وأمَّا حَلوبَةٌ للجَمعِ وحَلُوبٌ للمُفرَدِ فَعَلى حَدّ بَغَّالَةٍ وحَمَّارَةٍ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ وللبَصرِيّين في نحوِ حَائِضٍ وطَامثٍ وطَالقٍ مذهَبان: فعندَ الخَليلِ أنَّه على مَعنى النَّسب كلابنٍ وتامرٍ، كأنَّه قيلَ ذاتُ حَيضٍ وذاتُ طَمثٍ، وعندَ سيبَويه أنّه متأوَّلٌ بإنسانٍ أو شَيءٍ حائِض كَقولهم غلامٌ رَبْعَةٌ وَيفَعَةٌ على تَأويلِ نَفْسٍ وَسِلعَةٍ".
стр. 875
قالَ المُشَرِّحُ (١): رَبْعَةٌ: بسكون الباءِ وَيفَعَةٌ -بالتَّحريكِ-. فإن سألتَ: فما مَعنى النَّسبِ؟ أجبتُ: المَعنِيُّ به ذُو كَذا، وهذا لأنَّهم يَقولون: فَعَّالٌ وفاعِل فيهما مَعنى النَّسب، ومن ثمَّ لا تَجوزُ النِّسبةُ إليهما، وفَعَّالٌ وفاعِلٌ لَيس معناهما سِوى ذُو كذا، نَحوَ صَنَّاعٍ وصانِع، فإن مَعناهُما ذو صِناعَةٍ وذُو صِناعةٍ. وفي كلام ابنِ السَّراجِ (٢): ولا كعَطَّارٍ المَنسوب إلى العِطْرِ، ولا كَدارعٍ المنسوبِ إلى الدّرع. ونظيرُ مَذهَبِ الخَليلِ عامةُ أسماءِ المُحترِفِينَ. ونَظيرُ مذهبِ سِيبَويهِ كافةُ الألفاظِ المُضَمَّنَةِ. فإن سألتَ: لِمَ أوجَبَ كَونه بمَعنى النَّسبَ أن لا تَظهَرَ فيه علامةُ التَّأنيثِ؟ أجبتُ: لأنَّ كونَهُ بمَعنى النَّسبِ يَقتَضي أن لا يكونَ صِفَةً مَحضةً، وكذلِكَ قالوا في لابنِ وتامِرٍ بأنَّها في مَعنى ذِي لَبَنٍ وذِي تَمرٍ، ولَيس في اللُّغةِ لَبَنَ وتَمرَ إذا صار ذَا لَبَنٍ وتَمْرٍ، وكذلِكَ بَتَّاتٌ وعوّاجٌ لبائع البَتِّ والعاجِ، ولَيس في اللُّغة بَتَّ وعاجَ فِعلَين.
قالَ جارُ اللهِ: "وإنَّما يكونُ في الصّفةِ الثَّابِتَةِ أمَّا الحادِثَةُ فلا بُدَّ لها من عَلامةِ التَّأنيثِ تَقولُ: حائِضَةٌ وطالِقَةٌ الآن وغَدًا".
قالَ المُشَرِّحُ: بينَ الحائِضِ والحَائِضَةِ، والطَّالِقِ والطَّالِقَةِ فَرقٌ، وذلِكَ أنَّ الحائِضَ هي الّتي ثَبَتَ بها الحَيضُ واستَمَرَّ، والحائِضَةُ هي التي يَحدُثُ بها الحَيضُ وكذلِكَ الطَّالِقُ والطَّالِقَةُ.
قالَ جارُ اللهِ: "ومذهبُ الكُوفِيّين يُبطِلُه جَريُ الضّامِرِ عَلى النّاقَةِ
стр. 876
والجَملِ، والعاشِقُ على المرأةِ والرَّجُلِ".
قالَ المُشَرِّحُ: مذهبُ الكُوفيّين في هذه المسألةِ أنَّ كلَّ صَفَةٍ لا يُشارِكُ فيها المُذَكَّر المؤنَّثَ لا تَدخُلُها التَّاءُ، ولا حاجَةَ إلى الفَرقِ كحائِضٍ وحاملٍ، وذلِكَ أنَّ الحيضَ والحَمل صفتان مُختَصَّتَانِ بالنِّساء وما أحسن هذا لو كانَ يَطَّرِدُ في جميعِ ما حُذِفَ عنه التَّاء فهذا مَحصولُ هذا الفَصلِ.
واعلم أنّهم قَالوا: امرأةٌ جميلةُ الوَجهِ تامةُ القَدِّ، وناقةٌ ضامرةٌ وامرأةٌ عاشِقٌ فأثبتوا في الفَصلِ الأوَّلِ دونَ الثَّاني، والفَرقُ بَينَهُما أنَّ الضَّمرَ والعِشقَ وإن عُنِيَ بهما الثَّباتُ والدَّوامُ يَحتَمِلان الحُدوثَ والتَّجَدُّدَ، فلم تَدخل عليهما التَّاءُ لئلَّا يُوهماه بخلافِ [الفصلِ الأوَّل فإنَّه وإن أُريدَ به الثَّباتُ والدَّوامُ لكنَّ إدخالَ التَّاءِ فيهما لا يُوهِمُ الحُدوثَ والتَّجدُّد] (١) لأنَّ جمالَ الوَجهِ وتمامَ القَدِّ إذا ثَبَتَ لم يَحدُث ولم يَتَجَدَّد بعدَ ذلِكَ. فإن سألتَ: ما ذَكرتَ من الدَّليلِ إن دَلَّ على دُخُولِ التَّاءِ في قولِكَ: امرأةٌ جَمِيلةُ الوَجهِ تامةُ القَدِّ أكثرُ من دُخُولِها على ناقةٍ ضامرٍ وامرأةٍ عاشقٍ فها هنا ما يَدُلُّ على القَلبِ والعَكسِ، وذلِكَ أن التَّاءَ في تِلكَ الصُّورةِ مما لا يَتَوَفَّرُ عليه تَمامُ مُقتَضَاه، وإطلاق الكَلِمَةِ في مَوضِعٍ لا يَتَوَفَّرُ فيه عَليها تَمامُ المُقتَضَى أقلُّ من إطلاقِهَا في مَوضِعٍ يَتَوَفَّرُ فيه عَليها تَمامه. أجبتُ: في كلِّ من الصُّورتين وُجِدَ المُقتَضى لإِطلاقها والمانِعُ منه، أمَّا وجودُ المُقتَضى فمساسُ الحاجَةِ إلى التَّفرِقةِ بينَ المُذَكَّرِ والمُؤنثِ وأمَّا وجودُ المانِعِ فهي (٢) صُوَر الجَميلَةِ والتَّامَّةِ وُقوعُ الكَلِمَةِ وهي التَّاءُ مجازًا ضرورةَ أنَّها لا تقعُ مُوهِمَة للحدُوثِ والتَّجَدُّدِ، وفي صورةِ الضَّامِرِ والعاشِقِ يُوهِمُهُ لكنَّه غيرُ مُرادٍ، ووقوعُ الكَلِمَةِ مَجازًا أهونُ المانِعينَ إذ المجازُ كثيرًا ما يُقَدَّمُ على الحَقيقةِ، لكونِ كلّ واحدٍ من أنواعِهِ مُحتَويًا على
стр. 877
نَوعِ فَصاحَةٍ بخلافِ وقوعِ الكَلِمَةِ مُوهمةً غير المُرادِ، فإنه لا يُقَدَّمُ ضَرورة أنَّه مفوِّتٌ المَقصودَ، وأمَّا الإِيهامُ في صَنعة الشّعرِ بمَعزِلٍ عن هذا لأنَّه وإن كانَ يُوهِمُ غيرَ المُرادِ إلَّا أنَّه لا مَحالةَ يكونُ هناكَ ما يُقَوِيّ جانِبَ المُرادَ، ولا كَذلِكَ في فَصلِ ناقةٍ ضامِرٍ وامرأةٍ عاشِقٍ فإنه لو أطْلَقَ التَّاء والمُرادُ به مُجازاةً وهو عَدَمُ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ لما كانَ فيه ما يُقَوّي جَانِبَ المَجَازِ. فإن سألتَ: فَعَلى ما ذَكَرتَهُ وَجَبَ القولُ بجوازِ امرأةٍ ضارِبٍ وقاعِدٍ إذا أُرَيدُ بها الثَّباتُ والدَّوامُ، أجبتُ: الضَّربُ لا يَمتَدُّ فلا يَتَحَقَّقُ فيه الثَّباتُ والدَّوامُ، أمَّا إذا قُلتَ: امرأةٌ قانِتٌ وعاقِلٌ فلعلَّةٍ وعلى ذلِكَ نَحو قوله تَعالى (٢): ﴿وكانَت مِنَ القانِتِينَ﴾ على أنَّ في الآية وجهًا آخَرَ وهو أنْ يكونَ من قبيلِ قولِ النَّابِغَةِ في الخنساء: إنَّ لها أربعَ خِصًى.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وَيَستَوِى المُذَكَّر والمُؤنَّثُ في: فَعولٍ ومِفعَالٍ ومِفعيلٍ وفَعيلٍ بِمَعنى مَفعولٍ ما جَرى على الاسمِ تَقُولُ: هذه المرأةُ قَتِيلُ بَنِي فُلانٍ، ومررتُ بِقَتِيلَتِهِم".
قالَ المُشَرِّحُ: هذا الفَصلُ مما يُؤكّد الفَصل الأوَّل، وذلِكَ أنَّ فَعولًا ومِفعالًا ومَفعيلًا مِمَّا يَستَوي فيه المُذَكَّرُ والمُؤَنَّث لأنَّها على مَعنى ثَابِتٍ تَدُلُّ فإن سألتَ فإنَّ طَوِيلًا وكَريمًا وحَسَنًا على مَعنى ثابتٍ تَدُلُّ وهي مَعَ ذلِكَ تُؤَنَّثُ، والَّذي يَدُلُّ على أنَّها على مَعنى (٤) ثابتٍ تَدُلُّ أنَّهم قَالوا: مَتَى قَصَدُوا بهذِهِ الأسماءِ الحُدُوثَ قِيلَ: هو طايلٌ وكارِمٌ وحاسِنٌ أجبتُ: حَسَنًا وإن كان يَدُلُّ على الثُّبوتِ إلَّا أنَّه قامَ استِعمالًا مقامَ اسمِ الفاعلِ ونابَ مَنَابَهُ، ولذلِكَ تَقُولُ: حَسُنَ يَحْسُنُ حُسْنًا فهو حَسَنٌ، كما تَقُولُ: ضَرَبَ يَضرِبُ ضربًا فهو
стр. 878
ضارِبٌ. واسمُ الفاعِلِ مما يُلحَقُ به عَلامَةُ التَّأنيثِ فكذلِكَ نائِبُه (١)، وكذلِكَ فَعيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ مما يَجري على الاسم تَقولُ هذه امرأةٌ قَتِيلُ بَني فلانٍ فلا تُؤَنِّثُ لأنَّه جَرى، ومررتُ بقتِيلَتِهم فَتُؤَنِّثُهُ لأنَّه لم يَجْرِ بخلافِ فَعيلٍ بمَعنى فاعِلٍ فإنَّهما لا يَستَوِيان فيه والفَرقُ بينَهما أنَّ فعيلًا بِمَعنى فاعلٍ [أقربُ إلى الفِعلِ] (٢) من فَعيل بمعنَى مَفعولٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "وقَد يُشَّبَّه به ما هو بِمَعنى فاعلٍ قالَ اللهُ تعالى (٣): ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقالُوا: مُلْحَفَةٌ جَدِيدَةٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: أمّا (٤) قَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المُحسِنينَ﴾ فَهو على نِيَّةِ إضمارِ المَوصوفِ يعني أنَّ رحمَتَه قريبَةٌ من المُحسِنِينَ أمرٌ ثابِتٌ وشيءٌ مَفروغٌ عنه لا أنَّه الآن يَتَجَدَّدُ، وأما (٥) مُلحَفَةٌ جديدَةٌ فالتَّذكيرُ فيها إيماءٌ إلى أنَّها يُحدِثُها كأنَّه كساءٌ غيرُ خارِجٍ من الكِسائِيّةِ إلى المَلحَفِيّةِ.
قال جارُ الله: "فصلٌ؛ وتأنيثُ الجَمعِ غيرُ (٦) حَقِيقيّ ولذلِكَ اتَّسعَ فيما أُسنِدَ إليه إلحاقُ العَلَامةِ وتَركُها، تَقُول: فَعَلَ الرِّجالُ والمُسلِمَاتُ، والأيام فَعَلَت".
قالَ المُشَرِّحُ: جموعُ التَّكسيرِ كلُّها مُؤَنَّثَةٌ تأنيثَ المُؤَنَّثِ المَجَازِيّ، فكما تَقُولُ طَلَعَ الشَّمسُ وطَلَعَت الشَّمسُ (٧) كذلِكَ (٨) تَقُولُ: فَعَلَ الرِّجالُ
стр. 879
وفَعَلَتِ الرِّجالِ (١) فَتُجِيزُ كِلَا الأمرينِ، وكما تَقُولُ الشَّمسُ طَلَعَتْ قولًا واحدً، كذلِكَ: الرِّجالُ فَعَلَتْ.
قالَ جارُ اللهِ: "أمَّا ضَمِيرُهُ فَتقولُ في الإِسنادِ اليهِ: الرِّجالُ فَعَلَت وفَعلوا والمُسلِماتُ فَعَلَتْ وفَعَلْنَ، [وكذلِكَ الأيام] (٢) قالَ (٣):
وإذا العَذَارى بالدُّخانِ تَقَنَّعَتْ … واستَعْجَلَت نَصبَ القُدُورِ فَمَلَّتِ
قالَ المُشَرِّحُ: تأنيثُ (٤) الجَمعِ على مَرَاتِبَ من حَيثُ أنَّ الجَمعَ جَمعان: جَمعٌ تَلحَقُهُ علامةُ التَّذكيرِ والتَّأنيثِ، نَحو المُسلِمُون والمُسلِماتِ، وجمعٌ لا تَلحَقُهُ إحدى العَلامَتَينِ وهو على ضَربين: مواتٌ وغير مواتٍ، فجمع المَوات إذا أَسنِدَ إلى ضَمِيرِهِ فَعَلَ فأصلُهُ أن يكونَ بالتَّاءِ، ويجوزُ فيه النُّونُ، وذلِكَ أنَّ هذا الجَمعَ يُوصَفُ بِمُفردٍ فيه التَّاءُ، نَحو سيوفٌ باتِرةٌ، كما يُوصَفُ بجمعِ سَلامَةِ المُؤنَّثِ كقولِكَ: سُيوفٌ باتراتٌ، فهو مُفردٌ مُؤَنَّثٌ، [وجمعُ مُؤَنَّثٌ] (٦)، فاعتُبِرَ فيه كِلتا (٧) الجِهَتَين، لكَّن المُفرَدَ مُقدَّمٌ على الجَمعِ، فإن سألتَ: نَعم: المُفرَدُ مُقدَّمٌ على الجَمعِ، لَكنَّ الجَمعَ الّذي هو
стр. 880
صِفَةُ الجَمعِ مقدَّمٌ على المُفرَدِ الَّذي هو صِفَةُ الجَمعِ، وهذا لأنَّ قَضِيَّةَ الطَبعِ [أن يكونَ صِفَةُ الجَمعِ جمعًا، وأمَّا أن يكون صفَةُ الجَمعِ مُفردًا فلا. وما يقتضِيهِ الطَّبعُ] (١) ويَبْتَدِرُ إليهِ مقدَّمٌ على ما لا يَقْتَضِيهِ؟ أَجبتُ: المُفرَدُ (٢) كما هو ها هُنا مقدَّمٌ على الجَمعِ وَضعًا، فَمُقَدَّمٌ عليه طَبعًا، وذلِكَ أنَّ صِفَةَ الجَمْعِ متى كانَتْ جَمْعًا اقتَضَتْ انقسامَ الأفرادِ على الأفرادِ، ألا ترى أنَّك إذا قُلتَ الرِّجالُ قائِمُونَ فكلُّ واحدٍ منهم قائِمٌ، وكذلِكَ (٣) إذا قُلت النِّساءُ قائِماتٌ فكلُّ واحدةٍ منهُنَّ قائِمةٌ، والجَمعُ ها هنا مُؤَنَّث ومفاريدُهُ مُذَكَّرَةٌ، فلا تَنقَسِمُ عليه الصِّفَةُ، فلَزِم أن تكونَ الصِّفَةُ مُؤَنَّثةً مُفرَدَةً. فإن سألتَ: فما تَقُولُ في نحوِ قولِكَ (٤) دُورٌ مُهَدّمَةٌ؟ أجبتُ: جَمعُ التَّكسيرِ إذا وُصِفَ لا يخلو من أن يكون أفرادُهُ مذكَّرةَّ أو لا يكونَ، فلئن كانت أفرادُه مذكرة فالأحسنُ فيه الإِفرادُ، كقولِكَ سُيوفٌ باتِرَةٌ، وإن لم يَكن أفراده مُذكَّرةً فسِيَّان فيه الأمران نحو دُورٌ مُنهَدِمَةٌ ومُنهَدِماتٌ.
تَخمير: إنّما نُزّلَ (٥) جمعُ التَّكسيرِ تَنزيلَ المُفرَدِ لأنَّه يُجمَعُ جَمعَ سَلامَة المُؤنَّثِ وذلِكَ نحو أُعطِيَةٌ وأُعطِياتٌ، وبُيُوتٌ وبُيُوتاتٌ، وجَمعُ غيرِ المُؤَنَّثِ مما لَيس فيه عَلامةُ تَذكيرٍ ولا تأنيثٍ على صِنفَين: جَمعِ تذكيرٍ وجمعِ تأنيثٍ فجمعُ التَّذكير منه إذا أُسند إلى ضَمِيرِهِ فعلٌ فأصلُه أن يكونَ بالواوِ ويجوزُ فيه التَّاء اعتبارًا للوَصفِ، حيثُ يقولُ: رِجالٌ مُكَرمون ومُكَرَمةٌ فَهُم ذُكور عُقلاء ومُؤنّث مُفرد لكنّ كَونهم ذكورًا عُقَلَاء مقدّمٌ في المَعرِفَةِ على كَونِهِ مؤنَّثًا مُفرَدًا وجمعُ التَّأنيثِ حكمُهُ حكمُ ما فيهِ التَّاء، فالّذي فيه علامةُ تَذكيرٍ فالفعلُ إذا أُسند إلى ضَمِيرِهِ فبالواوِ ولَئلَّا يُضافَ إلى اسمٍ عَلَامَتَيْ