والجَملِ، والعاشِقُ على المرأةِ والرَّجُلِ".
قالَ المُشَرِّحُ: مذهبُ الكُوفيّين في هذه المسألةِ أنَّ كلَّ صَفَةٍ لا يُشارِكُ فيها المُذَكَّر المؤنَّثَ لا تَدخُلُها التَّاءُ، ولا حاجَةَ إلى الفَرقِ كحائِضٍ وحاملٍ، وذلِكَ أنَّ الحيضَ والحَمل صفتان مُختَصَّتَانِ بالنِّساء وما أحسن هذا لو كانَ يَطَّرِدُ في جميعِ ما حُذِفَ عنه التَّاء فهذا مَحصولُ هذا الفَصلِ.
واعلم أنّهم قَالوا: امرأةٌ جميلةُ الوَجهِ تامةُ القَدِّ، وناقةٌ ضامرةٌ وامرأةٌ عاشِقٌ فأثبتوا في الفَصلِ الأوَّلِ دونَ الثَّاني، والفَرقُ بَينَهُما أنَّ الضَّمرَ والعِشقَ وإن عُنِيَ بهما الثَّباتُ والدَّوامُ يَحتَمِلان الحُدوثَ والتَّجَدُّدَ، فلم تَدخل عليهما التَّاءُ لئلَّا يُوهماه بخلافِ [الفصلِ الأوَّل فإنَّه وإن أُريدَ به الثَّباتُ والدَّوامُ لكنَّ إدخالَ التَّاءِ فيهما لا يُوهِمُ الحُدوثَ والتَّجدُّد] (١) لأنَّ جمالَ الوَجهِ وتمامَ القَدِّ إذا ثَبَتَ لم يَحدُث ولم يَتَجَدَّد بعدَ ذلِكَ. فإن سألتَ: ما ذَكرتَ من الدَّليلِ إن دَلَّ على دُخُولِ التَّاءِ في قولِكَ: امرأةٌ جَمِيلةُ الوَجهِ تامةُ القَدِّ أكثرُ من دُخُولِها على ناقةٍ ضامرٍ وامرأةٍ عاشقٍ فها هنا ما يَدُلُّ على القَلبِ والعَكسِ، وذلِكَ أن التَّاءَ في تِلكَ الصُّورةِ مما لا يَتَوَفَّرُ عليه تَمامُ مُقتَضَاه، وإطلاق الكَلِمَةِ في مَوضِعٍ لا يَتَوَفَّرُ فيه عَليها تَمامُ المُقتَضَى أقلُّ من إطلاقِهَا في مَوضِعٍ يَتَوَفَّرُ فيه عَليها تَمامه. أجبتُ: في كلِّ من الصُّورتين وُجِدَ المُقتَضى لإِطلاقها والمانِعُ منه، أمَّا وجودُ المُقتَضى فمساسُ الحاجَةِ إلى التَّفرِقةِ بينَ المُذَكَّرِ والمُؤنثِ وأمَّا وجودُ المانِعِ فهي (٢) صُوَر الجَميلَةِ والتَّامَّةِ وُقوعُ الكَلِمَةِ وهي التَّاءُ مجازًا ضرورةَ أنَّها لا تقعُ مُوهِمَة للحدُوثِ والتَّجَدُّدِ، وفي صورةِ الضَّامِرِ والعاشِقِ يُوهِمُهُ لكنَّه غيرُ مُرادٍ، ووقوعُ الكَلِمَةِ مَجازًا أهونُ المانِعينَ إذ المجازُ كثيرًا ما يُقَدَّمُ على الحَقيقةِ، لكونِ كلّ واحدٍ من أنواعِهِ مُحتَويًا على
стр. 877
نَوعِ فَصاحَةٍ بخلافِ وقوعِ الكَلِمَةِ مُوهمةً غير المُرادِ، فإنه لا يُقَدَّمُ ضَرورة أنَّه مفوِّتٌ المَقصودَ، وأمَّا الإِيهامُ في صَنعة الشّعرِ بمَعزِلٍ عن هذا لأنَّه وإن كانَ يُوهِمُ غيرَ المُرادِ إلَّا أنَّه لا مَحالةَ يكونُ هناكَ ما يُقَوِيّ جانِبَ المُرادَ، ولا كَذلِكَ في فَصلِ ناقةٍ ضامِرٍ وامرأةٍ عاشِقٍ فإنه لو أطْلَقَ التَّاء والمُرادُ به مُجازاةً وهو عَدَمُ الحُدُوثِ والتَّجَدُّدِ لما كانَ فيه ما يُقَوّي جَانِبَ المَجَازِ. فإن سألتَ: فَعَلى ما ذَكَرتَهُ وَجَبَ القولُ بجوازِ امرأةٍ ضارِبٍ وقاعِدٍ إذا أُرَيدُ بها الثَّباتُ والدَّوامُ، أجبتُ: الضَّربُ لا يَمتَدُّ فلا يَتَحَقَّقُ فيه الثَّباتُ والدَّوامُ، أمَّا إذا قُلتَ: امرأةٌ قانِتٌ وعاقِلٌ فلعلَّةٍ وعلى ذلِكَ نَحو قوله تَعالى (٢): ﴿وكانَت مِنَ القانِتِينَ﴾ على أنَّ في الآية وجهًا آخَرَ وهو أنْ يكونَ من قبيلِ قولِ النَّابِغَةِ في الخنساء: إنَّ لها أربعَ خِصًى.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وَيَستَوِى المُذَكَّر والمُؤنَّثُ في: فَعولٍ ومِفعَالٍ ومِفعيلٍ وفَعيلٍ بِمَعنى مَفعولٍ ما جَرى على الاسمِ تَقُولُ: هذه المرأةُ قَتِيلُ بَنِي فُلانٍ، ومررتُ بِقَتِيلَتِهِم".
قالَ المُشَرِّحُ: هذا الفَصلُ مما يُؤكّد الفَصل الأوَّل، وذلِكَ أنَّ فَعولًا ومِفعالًا ومَفعيلًا مِمَّا يَستَوي فيه المُذَكَّرُ والمُؤَنَّث لأنَّها على مَعنى ثَابِتٍ تَدُلُّ فإن سألتَ فإنَّ طَوِيلًا وكَريمًا وحَسَنًا على مَعنى ثابتٍ تَدُلُّ وهي مَعَ ذلِكَ تُؤَنَّثُ، والَّذي يَدُلُّ على أنَّها على مَعنى (٤) ثابتٍ تَدُلُّ أنَّهم قَالوا: مَتَى قَصَدُوا بهذِهِ الأسماءِ الحُدُوثَ قِيلَ: هو طايلٌ وكارِمٌ وحاسِنٌ أجبتُ: حَسَنًا وإن كان يَدُلُّ على الثُّبوتِ إلَّا أنَّه قامَ استِعمالًا مقامَ اسمِ الفاعلِ ونابَ مَنَابَهُ، ولذلِكَ تَقُولُ: حَسُنَ يَحْسُنُ حُسْنًا فهو حَسَنٌ، كما تَقُولُ: ضَرَبَ يَضرِبُ ضربًا فهو
стр. 878
ضارِبٌ. واسمُ الفاعِلِ مما يُلحَقُ به عَلامَةُ التَّأنيثِ فكذلِكَ نائِبُه (١)، وكذلِكَ فَعيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ مما يَجري على الاسم تَقولُ هذه امرأةٌ قَتِيلُ بَني فلانٍ فلا تُؤَنِّثُ لأنَّه جَرى، ومررتُ بقتِيلَتِهم فَتُؤَنِّثُهُ لأنَّه لم يَجْرِ بخلافِ فَعيلٍ بمَعنى فاعِلٍ فإنَّهما لا يَستَوِيان فيه والفَرقُ بينَهما أنَّ فعيلًا بِمَعنى فاعلٍ [أقربُ إلى الفِعلِ] (٢) من فَعيل بمعنَى مَفعولٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "وقَد يُشَّبَّه به ما هو بِمَعنى فاعلٍ قالَ اللهُ تعالى (٣): ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقالُوا: مُلْحَفَةٌ جَدِيدَةٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: أمّا (٤) قَولُهُ تَعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المُحسِنينَ﴾ فَهو على نِيَّةِ إضمارِ المَوصوفِ يعني أنَّ رحمَتَه قريبَةٌ من المُحسِنِينَ أمرٌ ثابِتٌ وشيءٌ مَفروغٌ عنه لا أنَّه الآن يَتَجَدَّدُ، وأما (٥) مُلحَفَةٌ جديدَةٌ فالتَّذكيرُ فيها إيماءٌ إلى أنَّها يُحدِثُها كأنَّه كساءٌ غيرُ خارِجٍ من الكِسائِيّةِ إلى المَلحَفِيّةِ.
قال جارُ الله: "فصلٌ؛ وتأنيثُ الجَمعِ غيرُ (٦) حَقِيقيّ ولذلِكَ اتَّسعَ فيما أُسنِدَ إليه إلحاقُ العَلَامةِ وتَركُها، تَقُول: فَعَلَ الرِّجالُ والمُسلِمَاتُ، والأيام فَعَلَت".
قالَ المُشَرِّحُ: جموعُ التَّكسيرِ كلُّها مُؤَنَّثَةٌ تأنيثَ المُؤَنَّثِ المَجَازِيّ، فكما تَقُولُ طَلَعَ الشَّمسُ وطَلَعَت الشَّمسُ (٧) كذلِكَ (٨) تَقُولُ: فَعَلَ الرِّجالُ
стр. 879
وفَعَلَتِ الرِّجالِ (١) فَتُجِيزُ كِلَا الأمرينِ، وكما تَقُولُ الشَّمسُ طَلَعَتْ قولًا واحدً، كذلِكَ: الرِّجالُ فَعَلَتْ.
قالَ جارُ اللهِ: "أمَّا ضَمِيرُهُ فَتقولُ في الإِسنادِ اليهِ: الرِّجالُ فَعَلَت وفَعلوا والمُسلِماتُ فَعَلَتْ وفَعَلْنَ، [وكذلِكَ الأيام] (٢) قالَ (٣):
وإذا العَذَارى بالدُّخانِ تَقَنَّعَتْ … واستَعْجَلَت نَصبَ القُدُورِ فَمَلَّتِ
قالَ المُشَرِّحُ: تأنيثُ (٤) الجَمعِ على مَرَاتِبَ من حَيثُ أنَّ الجَمعَ جَمعان: جَمعٌ تَلحَقُهُ علامةُ التَّذكيرِ والتَّأنيثِ، نَحو المُسلِمُون والمُسلِماتِ، وجمعٌ لا تَلحَقُهُ إحدى العَلامَتَينِ وهو على ضَربين: مواتٌ وغير مواتٍ، فجمع المَوات إذا أَسنِدَ إلى ضَمِيرِهِ فَعَلَ فأصلُهُ أن يكونَ بالتَّاءِ، ويجوزُ فيه النُّونُ، وذلِكَ أنَّ هذا الجَمعَ يُوصَفُ بِمُفردٍ فيه التَّاءُ، نَحو سيوفٌ باتِرةٌ، كما يُوصَفُ بجمعِ سَلامَةِ المُؤنَّثِ كقولِكَ: سُيوفٌ باتراتٌ، فهو مُفردٌ مُؤَنَّثٌ، [وجمعُ مُؤَنَّثٌ] (٦)، فاعتُبِرَ فيه كِلتا (٧) الجِهَتَين، لكَّن المُفرَدَ مُقدَّمٌ على الجَمعِ، فإن سألتَ: نَعم: المُفرَدُ مُقدَّمٌ على الجَمعِ، لَكنَّ الجَمعَ الّذي هو
стр. 880
صِفَةُ الجَمعِ مقدَّمٌ على المُفرَدِ الَّذي هو صِفَةُ الجَمعِ، وهذا لأنَّ قَضِيَّةَ الطَبعِ [أن يكونَ صِفَةُ الجَمعِ جمعًا، وأمَّا أن يكون صفَةُ الجَمعِ مُفردًا فلا. وما يقتضِيهِ الطَّبعُ] (١) ويَبْتَدِرُ إليهِ مقدَّمٌ على ما لا يَقْتَضِيهِ؟ أَجبتُ: المُفرَدُ (٢) كما هو ها هُنا مقدَّمٌ على الجَمعِ وَضعًا، فَمُقَدَّمٌ عليه طَبعًا، وذلِكَ أنَّ صِفَةَ الجَمْعِ متى كانَتْ جَمْعًا اقتَضَتْ انقسامَ الأفرادِ على الأفرادِ، ألا ترى أنَّك إذا قُلتَ الرِّجالُ قائِمُونَ فكلُّ واحدٍ منهم قائِمٌ، وكذلِكَ (٣) إذا قُلت النِّساءُ قائِماتٌ فكلُّ واحدةٍ منهُنَّ قائِمةٌ، والجَمعُ ها هنا مُؤَنَّث ومفاريدُهُ مُذَكَّرَةٌ، فلا تَنقَسِمُ عليه الصِّفَةُ، فلَزِم أن تكونَ الصِّفَةُ مُؤَنَّثةً مُفرَدَةً. فإن سألتَ: فما تَقُولُ في نحوِ قولِكَ (٤) دُورٌ مُهَدّمَةٌ؟ أجبتُ: جَمعُ التَّكسيرِ إذا وُصِفَ لا يخلو من أن يكون أفرادُهُ مذكَّرةَّ أو لا يكونَ، فلئن كانت أفرادُه مذكرة فالأحسنُ فيه الإِفرادُ، كقولِكَ سُيوفٌ باتِرَةٌ، وإن لم يَكن أفراده مُذكَّرةً فسِيَّان فيه الأمران نحو دُورٌ مُنهَدِمَةٌ ومُنهَدِماتٌ.
تَخمير: إنّما نُزّلَ (٥) جمعُ التَّكسيرِ تَنزيلَ المُفرَدِ لأنَّه يُجمَعُ جَمعَ سَلامَة المُؤنَّثِ وذلِكَ نحو أُعطِيَةٌ وأُعطِياتٌ، وبُيُوتٌ وبُيُوتاتٌ، وجَمعُ غيرِ المُؤَنَّثِ مما لَيس فيه عَلامةُ تَذكيرٍ ولا تأنيثٍ على صِنفَين: جَمعِ تذكيرٍ وجمعِ تأنيثٍ فجمعُ التَّذكير منه إذا أُسند إلى ضَمِيرِهِ فعلٌ فأصلُه أن يكونَ بالواوِ ويجوزُ فيه التَّاء اعتبارًا للوَصفِ، حيثُ يقولُ: رِجالٌ مُكَرمون ومُكَرَمةٌ فَهُم ذُكور عُقلاء ومُؤنّث مُفرد لكنّ كَونهم ذكورًا عُقَلَاء مقدّمٌ في المَعرِفَةِ على كَونِهِ مؤنَّثًا مُفرَدًا وجمعُ التَّأنيثِ حكمُهُ حكمُ ما فيهِ التَّاء، فالّذي فيه علامةُ تَذكيرٍ فالفعلُ إذا أُسند إلى ضَمِيرِهِ فبالواوِ ولَئلَّا يُضافَ إلى اسمٍ عَلَامَتَيْ
стр. 881
تَذكيرٍ وتأنيثٍ، والَّذي فيه علامَةُ تأنِيثٍ فعندَ إسنادِ الفِعل إلى ضَميرِهِ النّون ويَجوزُ فيه التَّاءُ من حَيث أن جَمعَ المَواتِ قد دَخَلَ على جَمعِ سَلامَةِ المُؤَنَّثِ فَيَدخُلُ عَلَيهِ جمعُ السَّلامَةِ فعلى حَسبِ هذا التَّقديرِ، تَقولُ الأيَّامُ مَضَت ثم مَضَينَ، والدُّورُ منهَدِمَةٌ ومُنهَدِماتٌ والمسلماتُ فَعَلَت ثم فَعَلنَ، والرِّجالُ فَعَلَت ثم فَعَلُوا، والمسلمون فَعَلُوا فخُذه تَقريرًا مَذهَبِيًا. استَعجلتُهُ طَلَبتُ عَجَلَتَه، مَلَّ الخُبزَ إذا خَبَزَهُ في المَلَّةِ يَصِفُ زمانَ جَدْبٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "وعن أبي عُثمان المازِني: العربُ تَقولُ: الأجذاعُ انكَسَرَت لأدنى العَدَدِ، والجُذوعُ انكَسَرت، ويقالُ: لخَمسٍ خَلونَ، ولخَمس عَشرةَ خَلَت وما ذاكَ بضربَةِ لازِبٍ.
قالَ المُشَرِّحُ: هذه النُّون في الأصلِ كما ذَكرنا لِجَمع سَلامَةِ المُؤنَّثِ وهو جَمعُ قِلّةٍ وجمعُ القِلّةِ يُناسبُ جَمعَ القِلّةِ، ولذلِكَ قالوا: مُمَيّز العَشَرَةِ فما دُونها حَقُّه أن يكون جَمعَ قِلّةٍ، والتَّاءُ كالكِنايَة عن المواتِ، وهو في الغالِبِ جَمعُ كَثرَةٍ.
وسَمعتُ بعضَ الأُدباءِ اليَابِسَة (١): [يقول]، هذا مثلُ قولِهِم: جمعُ القِلَّةِ يعامَلُ معامَلَةَ [النِّساء وجَمعُ الكثرة يُعامَل مُعامَلَةَ] (٢) [امرأةٍ واحِدَةٍ والأصلُ في هذا البابِ قَولهم: لِخمس خَلَون؛ لأنَّهُنَّ لَيالٍ، وخَمس عَشرةَ خَلَتْ، لأنَّها لَيلة] (٣).
قالَ جارُ اللهِ: "فصلُ؛ ونحو النَّخل والتَّمرِ مما بَينهُ وبينَ واحِدِهِ التّاء يُذَكَّر ويُؤنَّثُ قالَ الله تعالى (٤) ﴿كأنَّهم أعجازُ نَخلٍ خاوِيَة﴾ وقالَ (٥): ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ ".
стр. 882
قالَ المُشَرِّحُ: وهذا لأنَّه جَمعٌ من وَجهٍ فَردٌ من وَجهٍ، أمَّا أنَّه جَمعٌ من وجهٍ فلأنَّه يجوزُ إطلاقُهُ على الجِنسِ الأوّل (١)، [وأمَّا أنَّه فَردٌ من وَجهٍ فلأنَّه يَجوزُ إطلاقُهُ على الجنسِ الثّاني] (٢).
قالَ جارُ اللهِ: "ومُؤَنَّث هذا الباب لا يكونُ له مُذَكَّرٌ من لَفظِهِ لالتِباسِ الواحِدِ بالجَمعِ. قالَ يُونُس: واذا أرادَوا ذلِكَ قالوا: هَذِهِ شاه ذَكَرٌ وحَمامةٌ ذَكَرٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: فيه تَنبيهٌ على أنَّ ما فيه التَّاءُ ها هُنا فهو المُؤَنَّثُ، واذا عَنَيتَ المُذَكَّرَ فلا بُدَّ من قَرِينَةٍ.
قالَ جارُ اللهِ: فَصلٌ؛ والأبنِيةُ التي تَلحَقُها ألِفُ التَّأنيثِ المَقْصُورَةُ على ضَربَينِ: مُختَصَّةٌ بها ومُشتَرَكَةٌ فمن المُختَصّ فعلى، وهي تَجيءُ على ضَربين: اسمًا وصِفَةً فالاسمُ على ضَربين: غيرُ مَصدَرٍ كالبُهمى والحُمَّى والرُّؤيا وحَزوي ومَصدَرٌ كالبُشرى والرُّجعى".
قالَ المشرِّحُ: [الدّليل على أنَّ ألفَ فُعلى لَيست إلحاقيّة أنَّه لَيس في كلامِهِم فِعلَالٌ في غَيرِ المُضاعفِ نحو زِلزَالٌ وقِلقَالٌ. وأمَّا ما يَحكِيه (٣) البَغدادِيُّون في قَولِهِم خِزعال فليس عند أصحابنا بِثَبتٍ إنما يَجعلُونَه على فَعلَلٍ نحو خَزْعَلٍ، ويَجعلُون الألفَ لإِشباعِ الفَتحَة كقولِهِ (٤):
وأنت من الغَوائِلِ حينَ تَرمى … ومن ذَمِّ الرِّجالِ بمُنتَزاحِ
وإذا لم يَكُن في الأُصولِ فِعلال تَعَذَّرَ الإِلحاق] (٥). "مُختَصَّةٌ بِها" أي بألفِ التَّأنيثِ.
стр. 883
قالَ جارُ اللهِ: "والصِّفةُ نحو خُنثَى وجُلَّى ورُبَّى".
قالَ المُشرِّحُ: الرُبَّى: من الشاءِ كالعائِذِ في النَّوق (١)، والنُّفساءِ في النِّساءِ.
قالَ جارُ اللهِ: "ومنها فَعَلَى وهي على ضَربين: اسمٍ (٢) كأجَلَى ودَقَرَى وبَرَدَى، وصِفَةٍ كَجَمَزَى وَكَبَشَكَى ومَرَطَى.
وكذلك أْدَمَى اسمُ مَوضِعٍ (٣) قالَ جَريرُ (٤):
يَسبِقنَ بالأْدَمَى فِراخَ تَنُوفَةٍ … زُغبًا جَآجِئُهُنَّ حُمُر الحَوْصَلِ
قالَ ابنُ خالَوَيهِ (٥): ولَيس في كلامِ العَرَبِ فُعَلَى إلَّا هذه الثَّلاثَةِ.
قالَ جارُ اللهِ: ومن المُشتَرَكَةِ فَعْلَى التي ألفُها للتَّأنيثِ أربعةُ أضرُبٍ: اسمُ عَينٍ كَسلْمَى، ورَضْوى، وعَوَّى، واسمُ معنًى كالدَّعوَى والرَّعوَى، والنَّجوَى واللَّومَى، ووصفٌ مفردٌ كالضّمَّى والعَطشَى والسَّكرَى، وجمعٌ كالجَرحَى والأسرَى.
стр. 884
قالَ المُشَرِّحُ: سَلمى من أسماء النِّساء، وفي بيتِ (الحماسةِ) (١):
..... ..... سَلْمَى بنِ جَنْدَلٍ
من أسماءِ الرّجالِ وأحدُ جَبَلَي طَيِّءٍ. رَضوَى: جبلٌ بالمدينَةِ (٢). عَوَّى: نَجمٌ الرَّعوَى مِثلُ التَّقوى من ارعَيَيْتُ عَليه أي اتَّقيتُ، اللَّومَى بمعنى المَلامَةِ.
قالَ المُشَرِّحُ: [البَيداء: فَعلاء من بادَ يَبيدُ ألا تَرى إلى قَولهم: مَهلَكَةٌ فالياءُ عينُ الفعلِ، ولا يجوزُ أن يكونَ فَيعالًا من بَدَأ يَبدَأ حتَّى كأنَّه قيلَ يَبدَأ ثم قُلِبَت الواوُ همزةً لأمرين أحدُهُما: أنَّ المَعنى لا يُساعِدُ على اشتِقاقِهِ من بَدَأ، مساعدة على أخذِهِ من بادَ يَبيدُ، والثَّاني: - وهو القاطِعُ أنَّهم لم يَصرِفُوه، ولو كانت الهَمزةُ مُنقَلِبَةً عن لامِ الفعلِ لَوَجَبَ أن يُصرَفَ] (٣) واحدُ الطَّرفاءِ طَرفَةُ، وواحد القَصباء قَصبَةٌ، ووَاحدُ الحَلفا حَلْفَةُ مُخالفَةً لأختَيها نَقَلَه ابن السَّراجِ عن المُبَرّدِ عن أبي عُثمان عن الأصمَعِي (٤)، وقالَ أبو زَيدٍ: واحدُ الحَلفاء حَلفه مثل قَصبةٌ وطَرْفَةٌ.
قالَ جارُ اللهِ: "والأشياءُ".
قالَ المُشَرِّحُ: اختلفوا في لَفظَةِ أشياءَ فقالَ بعضُ الكُوفِيّة وَزْنُها أفعال، وذَهَبَ الباقون منهم وهم الأكثرون إلى أنَّ وَزْنَها أفعلاء، وعَليه أبو الحَسَنِ
стр. 885
الأخفَشُ من البَصرِيّين، وقالت البَصرِيّة وَزنُها أفعاءُ والأصلُ فَعَلاء (١).
واحتجَّ (٢) بعضُ الكُوفِيَّةِ بأنَّ فَعلاء في الصَّحيحِ وإن كانَ لا يُكَسَّرَ على أفعالٍ لكنَّه في المُعتَلِّ يُكَسّرَ عليه، بدَليلِ بَيتٍ وأبياتٍ، وسَيْفٍ وأسيَافٍ، وقَوْمٍ وأقوامٍ ويَوم وأيّامٍ على أنَّهم قالوا في الصَّحيحِ فَرخٌ وأفراخٌ، وزَندٌ وأزناذً وأنفٌ وآنافٌ. واحتجَّ الباقون من الكُوفيَّة والأخفش بأنَّ "أشياء" لَيست بأفعالٍ ولا أفعاء، ويمكنُ أن تكونَ أفعِلاءَ فَتُحمَلُ عليها أمَّا أنَّها لَيست بأفعالٍ فلامتناعِها عن التَّصرُّفِ ألا تَرى أنَّ أسماءَ وأبناءَ جَمَعْي اسمٍ وابنٍ يَتَصَرَّفَان وأمَّا أنَّها ليست بأفعاء فلأنَّها لو كانت لكانت مفردة، وأنّها غيرُ مُفرَدَةٍ، إذ لو كانَت مُفرَدَةً لما أُضيف إليها عَدَدُ القِلّةِ في قَولِهِم: ثلاثةُ أشياءٍ، وعشرةُ أشياءٍ، ومن ثَمَّ لم يَجُز ثلاثةُ ثَوبٍ، وعَشَرَةُ دِرهَمٍ، وأمَّا أنّه يمكنُ حَملُها على أفعِلاء فلأن فَيعلاء يُكسر عليها تَقولُ بيّن وأبيناء ولَيّن وأليناءَ إلّا أنَّهم استَثقلُوا اجتماعَ الهمزتَين لا سيّما في الجَمع فَحَذَفُوا الهمزَةَ التي هي اللامُ طَلَبًا للتَّخفيفِ، وأمَّا الألفُ فلأنَّه حاجِزٌ غيرُ حَصينٍ ولأنَّه من جنسِ الهَمزَةِ.
حُجَّةُ البَصريَّة أنَّها لَيستَ بأفعالٍ ولا أفعِلاء ومُمكن أن تكونَ أفعاءَ فتُحَملُ عليها، أمَّا أنَّها لَيست بأفعالٍ فلِما تَقَدَّمَ ذكرهُ من امتناعها من الصَّرف، وأمَّا أنَّها ليست بأفعلاء فلأنّها على بِنائِها تُصَغَّرُ. قالَ أبو عُثمان المازِنِيّ سألتُ: الأخفشَ عن تَصغيرِ أشياءَ فقالَ أُشيَّاء، قالَ المازِنِيُّ: فقلت يَجِبُ على قولِكَ: أنّه أفعلاء أن تُرَدَّ إلى الواحِدِ وتُصَغَّرُ ثم تَجمَعُهُ! فانقَطَعَ الأخفشُ ولأنّها تكسّرُ على أشاوِيّ. والّذي يقطعُ الشَّغَبَ قَولهم في جَمعِها أشياواتٍ كصحراواتٍ وأمَّا أنَّه يُمكِنُ أن يكونَ أفعا فلأنَّه غيرُ مُستَحيلٍ أن
стр. 886
يكونَ أصلُها أشياءَ، ثم تَقَدّم لامُ الكَلِمَةِ على فائِها كما قُدِّمت في قِسِيّ. قوله: بأنه أُضيف إليها عدَدُ القِلّة، ولو كانَت أشياءَ مفردةً لما أُضيفَ إليها عَدَد القِلّة؟ قلنا: إذا كانت غير مفرَدَةٍ من حيثُ المَعنى فإنَّه يجوزُ إضافَتُهُ إليها كما في قولِكَ: ثلاثَةُ قَومٍ وتِسعَةُ رَهطٍ. فإن سألت: لو كانت أشياءُ مفردةً لما جازَ ثلاثةُ أشياءَ بل ثلاثُ أشياءَ، كما لا يجوزُ ثلاثةُ طرفاء بل ثلاثُ طرفاء؟ أجبتُ: فرقًا بينَ أشياءَ وطرفاء وذلك أنَّ طرفاءَ كما يُطلَقُ على الكَثيرِ يُطلَق على القَليلِ أيضًا، فقولُنا ثلاثُ طرقاء بِمَنزِلَة ثلاثُ طَرفاواتٍ بخلافِ أشياءَ ذاتِها لا تَقَعُ على المُفرَدِ.
قالَ جارُ اللهِ: "ومصدَرٌ كالسّرّاء والضّرّاء والنَّعماء والبأساء (١)، والصّفَةُ على ضَربَين: ما هو تَأنيثُ أفعلَ، وما لَيسَ كذلِكَ، فالأول نحو سَوداء وبَيضاء والثّاني: نحو امرأةٍ حسناء وديمةٍ هَطلاء وحُلّة شَوكاءُ والعرب العرباء. ونحو رُحضَاء ونُفساء وسِيراء وسابِياء وكبرياء وعَاشُوراء وبُراكاء، وعَقْرَباء وخُنفُساء وأصدقاء وكُرَمَاءَ وزِمكاءَ.
قالَ المُشرِّحُ: حُلَّةٌ (٢) شَوكاءُ: خَشنة المَسّ لأنَّها حَدِيدٌ، الرُّحضَاء عَرَقُ المَحمومِ، واشتقاقُها من الرَّحضِ وهو الكَسَلُ، والسِّيَرَاءُ: بُردٌ فيه خُطُوطٌ صُفرٌ البُركَاءُ (٣) [من سارَ البُركاء] (٤): الثَّباتُ في الحَربِ والجِدُّ، وأصلُها من البُروكِ قالَ (٥):
стр. 887
ولا يُنجي من الغَمَرَاتِ إلَّا … بُرَاكاءُ القِتالِ أو الفِرارُ
وكذلِكَ البروكاء بالفتحِ: عقرباءُ موضعٌ (١) خُنفُسا: بِضَمّ الخَاءِ والفاءِ. الزِّمِكاءُ بالكسرتين وتشديد الكافِ والمَدّ ذَنَبُ الطَّائِرِ فإن سألتَ: لِمَ لَمْ يَقتَنِع [الشَّيخُ بمجرَّدِ] (٢) الواوِ العاطِفَةِ في قولِهِ: ونحو رُحَصَاء بل وَسَّطَ بينَ المعطوف والواوِ (٣) نحو أجبتُ: لأنَّ المعطوفَ أسماءٌ (٤)، والمعطوفَ عليه صفاتٌ.
قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا فُعْلَاء وفِعْلاء كعِلباء وحِرباء وسِيساء وحُوّاء ومُزّاء وقُوباء فألفُها للإِلحاقِ.
قالَ المُشَرِّحُ: العلباءُ: عَصَبُ العُنقُ: وهما علباوانِ بَينَهُما مَنبتُ العَرق الحِرباء: هو الَّذي يَستَقبِلُ الشَّمسَ، ويدورُ معها كيفَ دَارتْ، ويَتَلَّونُ ألوانًا لِحرّ الشَّمسِ، وهو ذَكَرُ أمِّ حَنين والأُنثى حَرباه. السِّيساءُ مُعظم (٥) فقار الظّهرِ، وقالَ أبو عَمروٍ: السِيسَاءُ من الفَرَسِ الحارِك، ومن الحِمارِ الظَّهر. الحَوَّاء: نبتٌ يُشبه لَونَ الذِّئب: الواحِدَةُ حَوَّاة: المِزَّاء: شَربٌ من الأشرِبَةِ قالَ الأخطلُ (٦):
بِئس الصُّحاةُ وبئسَ الشِّربُ شِربُهُمُ … إذا جَرى فِيهُمُ المِزَّاءُ والسُّكُرُ
القُوباءُ: داءٌ معروفٌ. يَتَقَشَّرُ وَيَتَّسِعُ ويُعالَجُ بالرّيقِ قالَ (٧):
стр. 888
يا عَجبًا لهذه الفَليقَة … هل تَغلِبنَّ القُوباء الرّيقَة
وهي مؤنثةٌ لا تَنصَرِفُ وجَمعها قُوبٌ، وقد تُسَكَّنُ مِنهما (١) الواوُ استثقالًا للحَرَكَةِ، على الواوِ، فإن سَكَّنتها ذَكَّرتَ وصَرفتَ. ابنُ السِّكِّيتِ: لَيسَ في كَلامِ العَرَبِ فُعْلاء مضمومةَ الفاءِ ساكنةَ العَين ممدودةً إلا حَرفان: الخُشَّاء وهوَ العَظْمَ النّاتِئُ وَرَاءَ الأُذُنِ والقُوبَاء، والأصلُ فيهما تَحريكُ (٢) العَين. خُشَيئا وقُوباء (٣) الجَوهَرِي: والمُزَّاءُ عِندي مِثلُها.
تخمير: ما ذكرنا لا تَخلو همزتُها من أن تكونَ للتأنيثِ أو للإِلحاقِ أو مُنقَلِبةً. ولا يجوزُ أن تكونَ للإِلحاقِ لأنّه ليس في الأصولِ شيءٌ على وَزنِهِ فيكونُ هذا مُلحقًا بِهِ. ولا يجوزُ أن تكونَ مُنقَلِبةً لأنَّ الانقلابَ لا يَخلو من أن يكونَ في نفسِ الحرفِ أو من حُروف الانقلابِ، فلا يَجوز أن يكونَ من نفسِ الحَرفِ لأَنَّ الياءَ والواوَ لا يكونان أصلًا فيَما كانَ على أربعةِ أحرُفٍ، ولا يجوزُ أن يكونَ مُنقَلِبًا من حرفِ الإِلحاقِ لأنَّه (٤) لَيسَ في الأصولِ شيءٌ يكونُ هذا ملحقًا بِهِ، فإذا بَطَلَ هذا ثَبَتَ أنَّها للتَّأنيثِ وكذلِكَ القولُ فيمن قَصَرَ فقالَ: زَكَرِيّا ونَظيرُ القَصرِ والمَدِّ في هذا قولُهُم: الهَيجاء والهَيجا. هذه كلُّها ألفاظُ الشَّيخ أبي علي الفارسيّ (٥) ﵀.
стр. 889
[بَابُ التّصغير]
قالَ جارُ اللهِ: "ومن أصناف الاسم المُصَغَّرُ الاسمُ المُتَمَكِّنُ إذا صَغَّرتَهُ ضُمَّ صدرُهُ وفُتحَ ثانيه وأُلحق ياءً ثالثةَ ساكِنةً".
قالَ المُشَرِّحُ: ضُمَّ (١) أوَّلُ المُصَغَّرِ لأنَّ الضَّمَّ من انضمامِ الشَّفَتَينِ، وإذا انضَمَّتِ الشَّفَتَانِ صَغُرَ (٢) المَخرَجُ، فَجَعَلوا الحَرَكَةَ الصُّغَرى لأَوَّلِ المُصَغَّرِ لِتُشاكِلَ مَعناهُ. قالَ النَّحويُّونَ: المُصَغَّرُ يَتَضَمَّنُ المُكَبَّرَ ويَدُلُّ عَلَيهِ فأَشبَهَ فِعلَ ما لَم يُسَمَّ فاعِله، حيثُ يَدُلُّ على الفاعِلِ، ويَشهَدُ لذلِكَ قَولُهُم: في تصغيرِ بَيتٍ ومَيتٍ بضمّ أَوّلِهِ وكَسرِهِ وكذلِكَ القولُ في تَصغِيرِ شَيءٍ وشَيخٍ وغَيرِ وأَشباهِهَا، وهَكذا يقالُ في شُدَّ الحَبلُ -بالضّمِّ (٣) والكَسرِ- وقُريء ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ (٤) على الوَجهَينِ، وإنما لم يَنكَسِر ثانِيهِ كما في فِعلِ ما لَم يُسَمَّ فاعِلُهُ لأنَّه لو كُسِرَ لأوهَمَ وزنَ فُعِلٍ وليسَ في الأسماءِ وزَنٌ على وَزنِ فُعِلَ إلَّا دُئِل، ومَن كان (٥) يُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلا يَقِفَنَّ مواضِعَ
стр. 890
التُّهَم (١)، وإنّما زِيدَ حرفٌ ثالِثٌ لئَلَّا يَشتَبهَ بفَعِل الذي هو من أَبنِيَةِ المُبالَغَةِ. فإن (٢) سألتَ: فلمَ كان ذلِكَ الحرفُ الثَّالِثُ هو الياء؟ أجبتُ: لأَنَّ الحَرفَ الثالِثَ في فِعلِ ما لَم يُسَمَّ فاعِلُهُ يَنقَلِبُ ياءً إِذا كانَ حَرفَ عِلَّةٍ، كقولِكَ: رَمى وعَزى إِذا كانَ الفِعلُ زائدًا على ثَلاثَةِ أحرُفٍ، فإنَّه يَنكَسِرُ فيه الثَّالِثُ، وها هُنا لَم يُمكِن (٣) الكَسرُ لأنَّ آخِرَ الكَلِمَةِ مما يَجري عَليهِ الإِعرابُ فأُقَحِمَ فيه الباءُ، ومن ثَمَّ قَلَبَتْ هُذَيلُ الأَلِفَ الواقِعَةَ في آخرِ الاسمِ إذا أُضِيفَ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ لَمَّا لَم يقدِّرُوا عَليه الكَسرَ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "ولم يتجاوَزوا ثلاثة أمثِلةٍ: فُعيلٌ، وفُعَيعِلٌ وفُعَيعِيلٌ كفُلَيسٍ ودُرَيهم وَدُنَينيرٍ".
قالَ المشرِّحُ: لمَّا كانت (٤) الأسماء ثلاثةً ثلاثِيَّةً ورُباعيَّةً وخُماسِيَّةً أخرجوا لَها في التَّصغير ثلاثة أمثلةٍ: ليَقَعَ تَصغيرُ كلٍّ منها على ما يُناسِبُهُ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وما خالَفَهُنَّ فَلِعِلَّةٍ وذلِكَ ثلاثةُ أشياء (٥): مُحَقَّرُ أفعالٍ كأجمالٍ وما في آخِرِهِ ألفُ تأنيثٍ كحُبَيلَى وحُمَيراء، أو ألفٌ ونُونٌ مُضارِعَتَان كَسُكَيْرانٍ".
قالَ المُشرِّحُ: أمَّا تَحقيرُ أفعال فلأنَّ قَضِيَّةَ الدَّليلِ أنْ لا يُصَغَّرَ الجَمعُ، إِذ الجَمعُ مُؤخَّرٌ عن التَّصغير بدَليل شُويعرون ومُسيجدات، وتَصغيرُه يَقتَضي تَقديمَ الجَمعِ فلا يجُوزُ إلَّا أنَّه أجيز (٦) فيما نحن بِصَدَدِهِ لكونِهِ جَمعًا (٧) بمنزِلَةِ الفَردِ ولذلِكَ يَجوزُ جَمعُهُ مرةً ثانيةً جمعَ الكَثرَةِ فيُحافِظُ على صِيغَتِهِ
стр. 891
محافَظَتَه على المَعذرة. وفي (حاشية المُفَصَّلِ) (١) الفَرقُ بينَ أُحَيْمال وجُميلات أنَّ أُحَيْمالًا تَصغيرٌ للجَمع .. وجُميلات تصغيرٌ الدَّوابِ، ومنهُ كلامُ عِيسى بن عُمر: ما كانَ أُثيابًا من أُسيفاطٍ. وأمَّا ما في آخِره ألفُ تأنيثٍ، فلأنَّه بمنزِلَةِ كَلِمَتين، فَمتى غَيَّرتَ الأُولى للتَّصغيرِ فالثَّانيةُ عن التَّصغيرِ تُصانُ وكذلِكَ ما في آخِرِهِ ألفٌ ونُونٌ مُضارعَتَان، لأنَّه بمنزِلَةِ كَلِمتينِ ألا تَرى أنَّ حرفَي المُضارعَةْ بانفرادِهِما يَدُلَّان على التَّذكيرِ، كما أنَّ ألفَي التَّأنيث يَدُلانِ عَلَيهِ.
قالَ جارُ اللهِ: "ولا يُصَغَّر إلا الثُّلاثِيُّ والرُّباعي، وأمَّا الخُماسِيُّ فتَصغِيرُهُ مُستَكْرَهٌ كتَكسيرِهِ فإنْ صُغّرَ قيلَ في فَرَزدَقٍ: فُريزد، وفي جَحمَرِش جُحَيمر، ومنهم من يَقولُ: فُريزِق وجُحَيرش بحذف الميم لأنَّها من الزَّوائِدِ، والدَّالُ لِشَبَهِها بما هو منها وهو التَّاءُ. وَالأَوَّلُ الوَجهُ قالَ سيبويه: لأنَّه لا يَزالُ في سُهولَة حتّى يَبلُغ الخامِسَ ثم يَرتَدِعُ وإنَّما حُذِفَ الَّذي ارتَدَعَ عِندَهُ".
قالَ المُشَرِّحُ: وجهُ (٢) الرِّواية الثَّانيةِ أنَّ حذفَ الدَّالِ والميم أخفى لِوُقوعِهِ في الطَيِّ، فإن سألت في هذه الرِّوايةِ كما تُسقِطُ الحَرفَ يَتَّصِلُ بغير (٣) جارِهِ فتكونُ الرِّوايةُ الأُولى أولى أجبتُ: ما ذَكرتَ من الدَّليلِ إن دَلَّ على أنَّ الرِّوايَةَ الأُولى أولى، فها هُنا ما يَدُلُّ على القلبِ والعَكسِ، وذلِكَ أنّه لا يَسقُطُ في هذه الرِّواية إلَّا ما هو من حُروف الزِّيادَةِ أوَ ما هُو شَبيهٌ بحرفٍ من حُروف الزِّيادَةِ، وفي هذه الحُروف إيماءٌ إِلى أنَّك لو قُلتَ في تَصغيرِ سَفرجلٍ: سُفَيرل، أو سُفَيجِلٍ لم يَجُز. وقولُ سِيبيويهِ أولى لأنَّ آخرَ الاسمِ أوهنُ شَيءٍ في الكَلِمَةِ وأضَعَفُهُ. ومن ثُمَّ كَمُن (٤) في أواخِرِ الاسمِ الحَذفُ،
стр. 892
وكفاكَ -في هذا البابِ- التَّرخيمُ حُجَّةً.
قالَ جارُ اللهِ: "وقالَ الأخفشُ وسمعتُ من يقولُ: سُفيرجل مُتَحركًا، والتَّصغير والتَّكسيرُ من وادٍ واحدٍ".
قالَ المُشرِّحُ: قالَ الأخفشُ: الذي (١) يَدُلُّ على أنَّ التَّصغيرَ والتَّكسيرَ من وادٍ واحدٍ أنَّك لو كَسَّرتَ نحوَ سَفرجَلٍ لقُلتَ: سَفارِجٍ، وأمَّا سفاريجٌ فعلى التعويض ونظيرُها سُفيرج وسُفيريج. ولأنَّ حرفَ التَّكسيرِ فيه يَقَعُ ثالثًا. وقولُ الشَّيخِ ﵀ (٢) - التَّصغيرُ والتَّكسيرُ من وادٍ واحدٍ ردٌّ لما سَمِعَهُ الأخفشُ.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وكلُّ اسمٍ على حَرفين فإنَّ التَّحقير يَرُدُّهُ إلى أصلِهِ حتَّى يَصيرَ إلى مثالِ فُعَيلٍ".
قالَ المُشرِّحُ: وذلك لِيَصيرَ الاسمُ على وزنٍ من أوزانِ التَّحقيرِ.
قالَ جارُ اللهِ: "وهو على ثَلاثةِ أضرُبٍ: ما حُذِفَ فاؤُه أو عَينُهُ أو لامُهُ تقولُ في عِدَةٍ وشِيَةٍ وكُلْ وخُذْ. اسمين -: وُعَيْدةٌ ووشَيَّةٌ وأُكَيلٌ وأُخَيذٌ. وفي مُذ وسَل -اسمين- وسَه: مُنيذٌ وسُؤيلٌ وَسُتَيْهةٌ، وفي دَم وشَفَةٍ وحِرٍ وفُلٍ وفَمٍ: دُمَيٌّ، وشُفيهةٌ وحُريحٌ، وفُلينٌ، وفُويهٌ".
стр. 893
قالَ المُشرِّحُ: الهَمزَةُ في أُكَيلٍ: هيَ الأصلِيَّةُ لا الوَصلِيَّةُ، لأنَّها لَمَّا تَحَرَّكت لم تَحتَج إلى هَمزَةِ الوَصلِ. الحِرُ: مُخَفَّفٌ أصلُه حِرِحٌ بدَليلِ أنَّ جَمعَه أحراحٌ.
ابنُ السَرّاج: فلانٌ كِنايةٌ عن اسمٍ سُمِيّ به (١) المُحَدّثُ عَنه خاصٌّ غالِبٌ، ويُقالُ في النِّداءِ: يا فُلُ فتَحذفُ منه الألفُ والنُّون لِغَيرِ تَرخيمٍ، ولَو كانَ تَرخيمًا لقالوا يا فُلا ورُبَّما جاءَ ذلِكَ في غيرِ النِّداءِ ضَرورةً وقالَ أبو النَّجمِ (٢):
في لَجَّةٍ أمسِك فُلانًا عن فُلِ
قالَ الجوهَرِي (٣): ومَعناه: أمسِكْ فُلانًا عن فُلانٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وما بَقي منه بَعدَ الحَذفِ ما يكونُ به على مِثالِ
стр. 894
المُحَقَّرِ لم يُرَدَّ إلى أصلِهِ كقولِهِم في مَيّت وهارٍ وناسٍ: مُيَيْتٌ وهُويرٌ ونُويسٌ، ولَو رُدَّ لَقِيل: مُيَيّتٌ وهُويرٌ ونُويسٌ".
قالَ المُشرِّحُ: أصله من هارَ الحرفُ فقُلِبَ الفاعِلُ منه لأنَّ القياسَ هايِرٌ فقيل: هارِئ ثُمَّ خُفِّفَتْ الهَمزَةُ فصارَت ياءً، ثُمَّ حُذِفَت اليَاءُ فقيلَ هارٍ كقاضٍ. ناسٌ مخفّفُ أُناسٍ فهو من فُعالٍ، ومنه (١) أنِستُ الشَّيءَ بمعنى أبصرتُهُ وفي التَّنزيلِ (٢) ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ سُمُّوا بذلِكَ لظُهورِهِم، كما سُمِيَّ الجِنُّ جِنًّا لاجتنانِهِم، وقيلَ: سُمُّوا بذلِكَ لأنَّ هذا الجِنسَ مؤنِسٌ غيرُ موحِشٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ ونقولُ في اسم وابن سُمَيٌّ وبُنَيٌّ فتَرُدَّ اللَّامَ الذَّاهِبَةَ وتَستَغنِي بتَحريكِ الفاءِ عن الهَمزَةِ".
قالَ المُشرِّحُ: كما استَغنيتَ بتَحريكها عَنها في سُؤيل.
قالَ جارُ اللهِ: "وفي أختٍ وبنتٍ وهنت: أُخيَّة وبُنيّة وهُنَيّة تَرُدُّ اللَّامَ وتُؤنِّثَ، وتَذهَب بالتَّاء اللّاحِقَةِ".
قالَ المُشرِّحُ: التَّاءُ في أختٍ وهنت بَدَلٌ عن الواوِ لأنَّ لامَ الكَلِمَةِ واوٌ بِدَليلِ: أخواتٍ وهَنَواتٍ، [وكذلك في بنتٍ، لأنَّ هذه التَّاءَ المُخْتَصَّة بالتَّأنيثِ لا تكُونُ بَدَلًا عن الياءِ كما في أخواتٍ وهَنَواتٍ] (٣).
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ والبَدَلُ غَيرُ اللّامِ يُرَدُّ إلى أصلِهِ، كَما يُرَدُّ في التَّكسيرِ تَقولُ في مِيزانٍ مُويزين، وفي مُتَّعد ومُتَّسرٍ مُوَيعِدٍ ومُوَيسرٍ، وفي قيلٍ ونابٍ وبابٍ. قُويلٌ ونُويبٌ وبُويبٌ".
стр. 895
قال المُشَرِّحُ: تَقولُ (١) في ميزان مُويزين، لقَولِهِم في تَكسِيرِه مَوازِين. وفي مُتَعَدِّ: مُويعدٌ، وكذلك في مُتَّسِرٍ مُوَيسرٌ، لأنَّه تُعاد الواوُ فيه. قال ابنُ السَّراجِ: وإن شِئت قُلتَ: مُوتَعِدٌ وموتزنٌ كما تَقولُ: أدوُرٌ فلا تَهمِزُ، وفي قِيل قُويل، لأنَّك تَقولُ في جَمعِه أقوالٌ كما تقولُ في جَمعِ ريحٍ: أرواح، وكذلِكَ تقولُ في بابٍ ونابٍ: بُويبٌ ونُييبٌ لقولِهم: أبوابٌ وأنيابٌ.
قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا البَدَلُ اللَّازِمُ فلا يُرَدُّ إلى أصلِهِ تقولُ في قائِلٍ قُويل، وفي تُخَمَة تُخَيمَةٌ، وكذلك تاءُ تُراثٍ وهَمزَةُ أُدَدٍ، وتقولُ في عِيدٍ عُيَيدٌ، لقولِكَ أعيادٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: أمَّا قائلٌ وقائِلةٌ فَلِقولِهِم في الجَمعِ قَوائلٌ. فإن سألتَ (٢): فما تَقولُ في قَولٍ جمع قائلٍ؟ أجبتُ: المَعنِيُ بالبَدَلِ اللَّازِم أن لا يَنفسخ البَدَلُ إلَّا صُورةَ وُجُودِهِ ولا فيما اطّرَدَ من تَكاسير الاسم. وقولٌ جَمعٌ غيرُ مُطَّرِدٍ. وأمَّا تُخَمَةٌ فلِقولِهِم في الجَمعِ تُخَمٌ، وأما تاءُ (٣) تُراثٍ: فلأنَّها ثَبَتَتْ بِمَنزلَةِ الهَمزَةِ التي تُبَدلُ من واوِ نحو ألفُ أرقَةٍ وألفُ أُدَدٍ، وهو الوَجهُ الثّاني في تاءِ تُخمَةٍ. وأمّا همزةُ أُدَدٍ فهي مُبدَلَةٌ من الواوِ.
قالَ ابنُ السَّراجِ: إنَّما أُدَدٌ من الوُدِّ لا يقالُ فيه وُدَدٌ بالواوِ، وكما يَقولون: تَميمُ بنُ أُدٍّ وَوُدٍّ جَميعًا، ولا تَكسيرَ له فيتوقَّعُ فيه (٤) عَودَةٌ إلى الأصلِ وهو أُدَدُ بنُ زَيدِ بنِ كَهلان بنِ سَبَأ بنِ حِميَر. فهذا أحدُ الوَجهينِ في هذا النَّحوِ.
والوجهُ الثَّاني: ما قالوا: حُكْمُ الحَرف المُبدَلِ في التَّصغيرِ أن يُردَّ إلى
стр. 896
أصلِهِ، إذا زالت العِلَّةُ التي من أجلها وَقَعَ البَدَلُ، فتقولُ في مِيقاتٍ: مُويقِيتٌ، وفي مُوقِنٍ مُيَيقِنٌ وفي طَيّ وَلَيّ طُويُّ ولُويُّ، وفي قِيراطٍ ودِينارٍ قُريريطٌ، ودُنَينيرٌ، فإن كانت عِلّةُ البَدَلِ فيه قائِمَة تَركتهُ على حالِهِ كقولِكَ: في تُخَمَةٍ وتُراثٍ تُخَيمةٌ وتُريثُ لأنَّ العِلَّة (١) فيه كَرَاهِيَةِ الواوِ المَضمومَةِ أولًا في عيدٍ عُييدٌ وفي عُود عُويدٌ لأنَّ العِلّةَ في ذلِكَ الفرقُ بينَ البِناءَين.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ والواوُ إذا وَقَعَت ثالثةً وسطًا فأجودُ الوَجهين أُسيدٌ وجُديلٌ ومنهم من يُظهرُ فيقولُ: أُسيودٌ وجُديولٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: وجهُ ظاهِرِ الرِّوايةِ أن الواوَ والياءَ متى اجتَمَعَتا. ووجهُ الرِّوايةِ الثَّانيةِ أنَّ اجتماعَهُما ها هُنا عارِضٌ غَيرُ مُعتَدٍّ بهِ، ولذلِكَ لم تُعَدّ الألفُ السَّاقِطَة في رَمَتَا وإن تَحَرَّكت التَّاء لأن تَحَرُّكَهَا عارِضٌ.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وكلّ واوٍ وَقَعَت لامًا صَحَّت أو اعتَلَّت فإنَّها تَنقلِبُ ياءً كقولِكَ عُريّة ورُضيّا وعُشيًّا وعُصيَّة في عُروة، ورَضوى وعَشواء وعُصَيَّةٌ في عَصا".
قالَ المُشرِّحُ: إنَّما تَنقَلِب لاجتماعِ الياءِ والواوِ فيه وسَبق أحدهما بالسُّكونِ. فإن سألتَ (٢): فكيفَ لم تَصِحّ ها هُنا الواوُ وجهًا ثانيًا كما في الفَصل الأولِ أجبتُ: الواوُ (٣) في موضِعِ اللَّام أغلَبُ انقلابًا إلى الياءِ منه في مَوضع العَين، ومن ثمَّ قالوا فى المُعتَلّ العَينِ متى اشتَبَهَ عليكَ أيائيٌ هو أم واوٌ فالظَّاهر أنّه واوٌ وفي المُعتَلّ اللّامِ ياءٌ (٤).
قالَ جار الله: "فصلٌ؛ وإذا اجتَمع مع ياءِ التَّصغير ياءٌ. حذفت
стр. 897
الأخيرَ، وصارَ الاسمُ على مثالِ فُعيل كقولِكَ في عَطا وإداوَةٍ، وعارية ومعاويةً وأحوى عُطَيّ وأُدَيّةٌ وعُرَيّةٌ ومُعَيِّيةٌ".
قال المُشَرِّحُ: وكلُّ (١) اسمٍ اجتمعَ (٢) فيه ثلاثُ ياءاتٍ أولاهُنَّ ياءٌ التَّصغيرِ، حذفتَ واحدةً منهُنَّ، فإذا لم تَكن أولاهُنَّ ياءَ التَّصغيرِ لَم يُحذَف منه شَيءٌ (٣). [يقولون في تَصغيرِ مَيَّة مُييَّةٌ، وأمَّا أهلُ الكُوفَةِ فلا يَحذِفُون منه شَيئًا] (٤) يَقُولون في تَصغيرِ معاوَيةَ مُعَيَّيَة على مَن قالَ أُسيود إلَّا أنَّه حُذِفَت الياءُ الأخيرةُ التي (٥) هي لامُ الكلِمَةِ وبَقِيَتْ المُنقَلِبَةُ مَعَ ياءِ التَّصغيرِ فإن سألتَ: لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ المَحذوفُ ياءَ التَّصغير؟ أجبتُ: إنّما يَقَعُ حيثُ يكونُ استثقالًا، والاستثقالُ لا يَقَعُ إلَّا عِندَ الياءِ الّتي هيَ لامُ الكَلِمَةِ (٦) ونظيرُهُ قولُ سِيبويهِ (٧) في فرزدَقٍ فُريزِد. فإن سألتَ: فهل يجوزُ أن يكونَ المَحذوفُ هوِ الأوَّلُ وهو ياءُ التَّصغيرِ قولًا ثانيًا كما في فَرَزدَقٍ؟ أجبتُ: لا يجوزُ لأنَّ المحذوفَ (٨) لو كان ياءَ التَّصغيرِ لكانَ مُعظَمُ علامةِ التَّصغير ساقطةً. وهذا لأنَّ علامةَ التَّصغيرِ حركَتَان وحَرفٌ فيكون الحَرفُ مُعظَم العَلامةِ، ولذلِكَ وَقَعَ به الاجتزاءُ في تَصغيرِ أسماءِ الإِشارةِ بخلافِ ما لو كان لامُ الكَلِمَةِ هو السَّاقِطُ فإنَّه لا يكونُ معظَمُ الكَلِمَةِ ساقطًا. على أنَّ الشَّيخَ أبا علي الفارِسِيَّ قد (٩) نَصَّ على أنّ حرف التَّصغيرَ البَتّة لا يَسقُطُ.
стр. 898
قال جارُ الله: "وأُخيٌّ غيرُ منصرِفٍ وكان عِيسى بنُ عُمَرَ يَصرِفُهُ، وكان أبو عَمرو يقول: أخيٌّ ومن قالَ أُسيود قال أُخيو".
قال المُشَرِّحُ: في هذه المسألةِ (١) أربعةُ أقوالٍ: أخيٍّ بالكسر والتَّنوين مُدغَمًا وغيرَ مُدْغمٍ، وأُخَيَّ بالإِدغام مُنصرفًا وغيرَ مُنصرِفٍ. فالأوَّلُ اثنان والثَّاني أيضًا اثنان وَوَجهُ مَن قالَ أخيوه ما ذكره الشَّيخ من القياس على أُسيودٍ. وجهُ قولِ أبي عَمروٍ أنَّه امتَنَعَ دُخُولُ الإِعراب عَلَيهِ، ولَم يَمتَنِع دُخُولُ التَّنوينِ فيكونُ غيرَ مُعرَبٍ مُنَوَّنًا، أمَّا أنّه امتَنَعَ دُخُولُ الإِعرابِ عَلَيه فلأنَّ آخرَ الاسمِ ساقِطٌ. وهذا الّذيَ قامَ مقامَ آخرِ الكلمةِ لَهُ (٢) حَرَكَةٌ بَنَائيَّةٌ، وأمَّا أنَّه لم يَمتَنِع دخولُ التَّنوين عَلَيهِ فلأنَّه لَيس بِتَنوينٍ سِوى التَّنوين الدَّاخِلِ عَلَيهِ. فإن سألتَ فكيفَ لم يُعامَل مُعامَلَةَ جَوارٍ في حالةِ النَّصبِ؟ أجبتُ: هَرَبًا من الياءاتِ.
وجهُ قول عيسى أنَّه كما خَرَجَ بالتَّصغير على وزنِ الفعلِ فقد تَأكَّدَ خُرُوجُهُ عنه بالإِدغام، وبخلافِ نحو أُشَيعِثٍ وأُسيمِرٍ، وجهُ ظاهِرِ الرِّوايَةِ أنَّ الإِدغامَ فيه عارِضٌ أُحَيوي كأُشيعث غيرُ مُنصَرفٍ.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وتاءُ التَّأنيثِ لا تَخلو أن تكونَ ظاهرةً أو مقدّرةً، فالظَّاهِرةُ ثابِتَةٌ أبدًا، والمقدّرةُ تَثبُتُ في كلِّ ثُلاثِيّ إلَّا ما شَذَّ من نَحوِ عَريسٌ وغَريبٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: كلاهُما بالعَين المُهمَلة. لَم تَعُد التَّاءُ في عَريسٍ لأنَّ أصلَه أعراسٌ وهو مذكَّر، ونحوُهُ حَريبٌ، لأنَّه مَصدَرٌ حَربْتُ حَربًا، وإنما لم تَعدِ (٣) التّاءُ في مُصغَّرِ عَرب حتّى لا يُوهِمُ أنَّه مُصَغَّرُ عَرَبَةَ البَلَدِ.
стр. 899
قالَ جارُ اللهِ: "ولا تَثبُتُ في الرُّباعي إلَّا ما شَذَّ من قُديدِيمَة ووُريئية".
قالَ المُشرِّحُ: حكى أبو عُثمان المازِنيُّ وغيره وُرَيئيَة، وهذا يَدُلُّ على أنَّ اللَّام في هذه الكَلِمة هَمزةٌ وليس من بابِ الوَرى إذ لو كان من بابِ (١) الوَرى لكانَ وُريَّة ألا ترى أنَّك تُصَغِّرُ عَطًا علىَ عُطَيّ ومنه وَرأتُ الشَّئ كنَّيتُ عن حَقِيقَتِهِ، جَعَلتَهُ وراءَ المَنوِيّ. إنما لم تَعُد الياءُ في الرُّباعيّ لأنَّه لم يَثبتُ في بعضِ مُتَصَرّفاتِ الكَلِمَةِ، وهو الجَمعُ بدلِيل أنَّك تقولُ في تَكسيرِ عَقربٍ عَقارِب فلا تَثبُت في هذا التَّصرّفِ وهو التَّصغيرُ ويقولون لأنَّ الحرفَ (٢) الرَّابِعَ عاقبت تاءَ التَّأنيثِ (٣)،، وأمَّا (٤) قُدَّام وَوَرَاء فإنَّهما مُشتَرِكان فإن قُدَّامًا بمعنى المُلك، وبِمعنى الجِهةِ، وَوَراءَ بمعنى وَلَدِ الوَلَدِ وبمعنى الجِهِةِ، وظروفُ المكانِ آنيّة (٥) العنان في بابِ التَّصغيرِ حلف، ولِهَذا (٦) لا تُصغَّرُ خلف (٧)، ولا تَحتَ ولا شمال ولا (٨) يَمين فَتَصغِيرُها يُوهِمُ المَعنى الثَّاني فتَدخُلُ عليها التّاء صَرفًا لها عن المَعنى الثَّاني.
قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا الألفُ فهي إذا كانت مقصورةً رابِعةً تَثبُتُ نحو جُلَّى وَسَقَطَت خامِسَة فَصاعدًا، كقولِكَ: جُحَيجِب وقُريقر وحُويل في جَحْجبى وقَرقَرى وحَولايا.
قالَ المُشَرِّحُ: إنّما سَقطت (٩) الألفُ في جَحجَبى وقَرقَرى في التَّصغير
стр. 900
ليكونَ الاسمُ على وزنٍ من أوزانِ التَّصغيرِ. أمَّا حَولايا فلأنَّه لم يَكن على بنائِها تَصغيرها فطُرِحَ من آخرها الألفُ واليَاءُ ثُمَّ صُغِّرَ الباقي، فانقَلبت يَاءً لأنَّها لَيست ألفَ تأنيثٍ ثُمَّ سَقَطَت ضَرورة أنَّ ما قَبلها مكسورٌ، فهي بِمنزِلَةِ رامٍ وقاضٍ. فالطَّرحُ الأوّلُ فيه بِمَنزِلَةِ يا مالُ بالضمِّ ويا ثَمِى، وهذا لأنَّ طَرحَ الألفِ والياءِ من هذا الاسمِ لا يخلو من أن يكونَ قَبلَ التَّصغيرِ أو بَعدَه، فلئن كانَ قبلَ التَّصغير فقد جَعلنا الباقي بعدَ الطَّرحِ بمنزِلَةِ الاسم التَّامِ [حتَّى صَغَّرناه، ولئن كانَ بَعده فقد اعتبرنا الاسمَ وراء الألفِ والتَّاء بمنزلة اسم تامٍّ ولذلِكَ سَوّيناهُ على وزنٍ من أوزانِ التَّصغيرِ، ثُمَّ حَذفنا ما فَضَل عنه، والطَّرحُ الثَّاني بمنزلة يا مالِ -بالكسرِ- ويا ثَمُو، وذلِكَ لأن الثَّابتَ بعدَ الطَّرحِ الثَّاني لو كانَ بمنزلةِ اسمٍ لكانَ على وزنٍ من أوزانِ التَّصغيرِ، وليس عَلَيهِ، وإنَّما الّذي يكونُ على وَزنٍ من أوزانِ التَّصغيرِ هذا الثَّابتُ مع ذلِكَ المَطروحِ، فيكونُ الثَّابِتُ والمَطروحُ بِمنزِلَةِ اسمٍ، وإذا كان الشَّيئان بمنزلةِ اسمٍ وأحدُهما -وهو الثَّابِتُ- بمنزلةِ جزءٍ من الاسمِ جَحجَبى قَبيلةٌ. قَرقَرى (٢): اسمُ موضِعٍ. حولايا (٣) اسمُ مَوضِعٍ آخرٌ.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وكلّ زائدةٍ كانت مَدّة في موضِعِ ياء فُعَيعِيل وَجَبَ تَقرِيرها وإبدالُها ياءً -إن لَم تَكُنها- وذلِكَ نَحو مُصَيبِيح وَكُرَيدِيس وقُنَيديل، في مصباحٍ وكِردُوسٍ وقِندِيلٍ.
قالَ المُشَرِّحُ: الألفُ (٤) في مِصباحِ زائدةٌ، هي مدّةٌ في مَوضِعِ ياءِ فُعَيعِيل لكنَّها لَيست يَاءً فقلِبَت ياءً في التَّصغيرِ، وكذلك الواوُ في كُردُوسٍ مدَّة زائِدةٌ في مَوضعِ ياءِ فُعَيعِيل لكنَّها لَيست بياء فقُلبت ياءً، وكذلك ياءُ
стр. 901
قِنديلٍ زائدةٌ وهي مدّةٌ في مَوضِعِ ياءُ فُعَيعيل لكنَّها ياءً فلا حاجَةَ إلى قلبها. الكُردُوس: هي القِطعةُ العَظيمَةُ من الخَيلِ.
قال جارُ اللهِ: "وإن كانت في اسمٍ ثُلاثِيٍّ زائدتان لَيست أحدَهما إيّاها أبقيتَ أذهَبَهُما في الفائِدَةِ وحذَفتَ أُختها فتقُول في مُنطَلِقٍ ومُتَعَلّمٍ ومُضَارِبٍ ومُقَدَّمٍ ومَهمومٍ ومُحمَرٍّ مُطيلقٍ، ومُعَيلمٍ، ومُضَيرِبٍ، ومُقَيدِمٍ، ومُحَيمرٍ".
قالَ المُشَرِّحُ: تَحذفُ النون (١) في التَّصغيرِ والياءَ والألفِ، والدَّالَ الثَّانِيَةَ والمِيمَ الثّانيِة لأنَّ الميمَ بانفرادِها تَدُلُّ على كَونِ الاسمِ جارِيًا بخلافِ هذه الحُروف.
قالَ جارُ الله: "وإذا تَساوَتا كُنتَ مُخَيّرًا فَتَقُولُ في قَلَنسُوَةٍ وحَبَنطَى: قُلينسَةٌ وقُليْسيَةٌ، وحُبَينِطٌ أو حُبَيطٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: هذا كما في الجمع إن شئت (٢) حَذفتَ الواو فقلتَ: قلانِس وإن شِئت حَذَفتَ النُّون فقلتَ: قَلاسٍ. في (جامِعِ الفَرغاني) (٣) الحَبنْطَاء العَظيم البطنِ. المُنتَفِخُ، وقد احبَنطأتُ واحبنطيتُ.
قالَ جارُ الله: "وإن كُنَّ ثَلاثًا والفَصلُ لإِحدَاهُنّ حذَفتَ أختيها فتقولُ في مُقعَنسٍ مُقيعِسٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: لِمَا ذَكرنا (٤) من أنَّ الميمَ تَدُلُّ على كونِ الاسمِ جاريًا بخلافِ النُّون والسِّينِ.
стр. 902
قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا الرُّباعي فتحذِفُ منه كلُّ زائِدة، ما خَلا المَدَّةَ المَوصوفَةَ، تَقولُ في عَنكبوت عُنَيكِبٌ، وفي مُقشعِرٍّ مُقَيشِعرٌ، وفي احرنَجام حُرَيجِيمٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: التَّاءُ والواوُ في عَنكبوتٍ زائدتان بدليلِ قولِهِم في الجَمعِ: عَناكب فإن سألتَ: فقد قالوا في جَمعِ عَندليبٍ عنادِلُ، وهذا لا يَدُلُّ على أنَّ الياءَ والباءَ زائدتان في عَندَلِيبٍ؟ أجبتُ: إنّما لَم نَحكُم على زِيادَةِ الباءِ هُناك لأنَّهم كما قالوا: عَنادِلُ قالوا: عَنادِبُ، وأمَّا ها هُنا فبخلافِهِ لأنَّهم لم يَقولوا: عَناكِبُ. إنّما ثَبَتَت الياءُ في حُريْجِيمٍ لأنَّها مقلُوبَةٌ من المَدَّةِ الّتي هي في مَوضِع ياءِ فُعيعيلٍ بخلافِ سائرِ الزَّوائِدِ، فإنَّها لَيست مدَّات، فَضْلًا عن أن تكونَ مدَّاتٍ في موضعِ ياءِ فُعيعِيل، ومن قَبيلِ ما لَيست الزِّيادةُ فيه مدَّةً لقولِهِم في تَصغيرِ مُدَحرجٍ دُحيرِج.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ ويجوزُ التَّعويضُ وتَركُهُ فيما يُحذَفُ من الزَّوائِدِ، والتَّعويضُ أن يكونَ على مقالٍ، فيصيرُ بزيادَةِ الياء إلى فُعَيعِيل وذلِكَ قولُكَ في مُغَيلم مُغَيْلِيمٍ (١) وفي مُقَيدِمٍ مُقَيدِيمٍ، وفي عُنيكِبٍ عُنَيكِيبٍ، وكذلك البَواقي.
قالَ المُشَرِّحُ: كما وَرَدَ (٢) التَّعويضُ في التَّصغيرِ وَرَدَ في التَّكسيرِ، إن شِئتَ قلانس وإن شئتَ قلاسيّ.
قالَ جارُ اللهِ: "وإن كانَ المثالُ في نَفسِهِ على فُعَيعِيلٍ لم يَكُن التَّعويضُ.
قالَ المُشَرِّحُ: وذلِكَ في نحوِ حُريجيم في احرِنْجَامٍ. "وليس وراءَ عَبَّادان قريةٌ" (٣).
стр. 903
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وجَمعُ القِلّةِ يُحَقَّرُ على بَنائِهِ كقولِكَ في أكلُبٍ وأجربَةٍ وأجمالٍ وَوِلدَةً أُكيلِبٌ، وأجيُرِبَةٌ، وأُجيمَالٌ، ووُلَيدَةٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: جَمعُ القِلّة يُنَزَّلُ تَنزِيلَ المُفرَدِ، فكذلِكَ يُكَسَّرُ مَرَّةً ثانِيَةً فمِنْ ثَمَّ جاءَ تَصغِيرُهُ.
قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا جَمعُ الكَثرَةِ فَلَهُ مذهَبَانِ أحدَهُما: - أنْ يُرَدَّ إلى الوَاحِدِ فَيُصَغَّرُ عَلَيه ثُمَّ يُجمَعُ على ما يَستَوجِبُهُ من الواوِ والنُّون، والألفِ والتَّاءِ، أو إلى بِناءِ جَمعِ قِلَّةٍ إنْ وُجِدَ لَه، وذلِكَ قولُك: في فَتَيَانِ فَتَيون أو فتْيَةٌ، وفي أذِلَّاء ذُلَيّلُون وأُذَيْلَّةٌ، وفي غِلمان غِلَيمون أو غِلَيمَةٍ، وفي دُورٍ دُوَيرات أو أُدَير".
قالَ المُشَرِّحُ: جمعُ القِلّةِ إذا أُريد تَصغِيرُهُ فإنَّه يُرَد إلى واحِدِهِ ثُمَّ يُصَغَّرُ وهذا كأنَّ تَصغيرَ الاسمِ بمَنزِلةِ صِفَتِهِ، وصِفَةُ الشَّيءِ بمنزِلَةِ الجُزءِ منهُ، وجَمْعُ الاسمِ بمنزلةِ ذِكرِ أمثالِهِ، والأصلُ أن يُذكَرَ الشَّيءُ بأجزائِه، ثم بأمثالِهِ. أُذَيْلَّة بسكون الياء وتشديد اللّامِ.
قالَ جارُ اللهِ: "وفي شُعراءَ شُويعرون، وفي شُسُوعٍ شُسَيّعات".
قالَ المُشَرِّحُ: "ذَكَر (١) الشَّيخُ في هذا (٢) الفَصلِ المُتَقدِّم أسماءً ولها جموعُ قِلّةٍ فلا جَرمَ جازَ في تَحقيرها وَجهان. تَحقيرُها على القِلَّةِ، ورَدُّها إلى المُفرَدِ ثم تَحقِيرُها وفي هذا الفصلِ ذَكَرَ أسماءٌ ليس لها قلّة، فكذلِكَ لَم [يَجُز] (٣) في تَحقيرها إلا (٤) الرَدُّ إلى المُفرَدِ، وقد رُويَ عن الأخفشِ أنّه أثبت أشْسُعًا فيجوز في تحقيرِهِ شُسَوْعٌ وأُشَيسِعٌ وشُسَيّعاتٌ.
стр. 904
قالَ جارُ اللهِ: "وحكمُ أسماءِ الجُمُوعِ حكمُ الآحادِ تقولُ: قُويم ورُهَيط ونُفَير وأُبيلة وغُنيمة".
قالَ المُشَرِّحُ: نُفَيرٌ تَصغيرُ نَفَرٍ.
قالَ جارُ الله: "فصلٌ (١)؛ ومن المُصَغَّرات ما جاءَ على غَيرِ واحِدِهِ كأُنَيسان ورُويجِلٍ وأَتيتُكَ مُغيربان. الشَّمسُ عُشَيّانًا وعَشَيشِيَةُ".
قالَ المُشَرِّحُ: اختلف (٢) أهلُ (٣) البَصرةِ والكُوفةِ في إنسانٍ، فمذهبُ (٤) الكُوفِيَّةِ أنَّ وَزنَهُ أفعالٌ ولامُ الكَلِمَةِ ساقِطَةٌ، ومذهَبُ البَصرِيَّةِ أنَّ وَزنَهُ فَعلانٌ. احتَجَّت الكُوفيَّةُ بأنَّ أصلَهُ أُنسَيانٌ أُفعَلانٌ، وقَضِيّة التَّصغيرِ أن يكونَ على أُنَيسانٍ باليَاءَين إلّا أنَّه خُفِّفَ بحَذفِ إحدى اليَاءَين، كما في أيشٍ وأصلُهُ: أيُّ شَيءٍ. وحُجَّةُ البَصرِيّةِ أنَّه من أنِسَ الشَّيءَ إذا أبصَرَهُ أو من الأُنس على ما مَرَّ، والأصلُ عَدَمُ الحَذفِ. ورُوَيجِل. مُصَغَّرُ رَجُلٍ، ولَعَلَّ أصلُه راجِلٌ. مُغيَرِبَان الشَّمسِ كأنَّ معناهُ في آن غُروبِ الشَّمسِ، كما أنَّ عُشيَّانًا في آنِ إقبالِ العَشِيّ. عُشَيشية على إبدالِ الشِّينِ من اليَاءِ فإن سألتَ: فلِم أبدَلَ الشِّينَ من الياءِ؟ أجبتُ لأنَّ إبدالَ الشّينِ حرفٌ زائد فهو بمنزِلَةِ زيادة حَرفٍ وزيادةُ حَرفٍ إذا كانَ من جنسِ العَين أو اللَّام أهونُ، ألا تَرى أنَّ هذا النَّوع من الزِّيادَةِ يكونُ في جَميع الحُرُوف، ولا كذلِكَ غيرُهُ فإنَّه لا يكونُ إلَّا من أحرُف مَخصُوصَةٍ، فإن سألت فلِم جِئ بالمُصَغَّرِ على مُخالَفَتِهِ قياسَ المُكَبَّرِ؟ أجبتُ: كأنَّهم طَلَبوا الفَرقَ بينَ مُصَغَّرِ عَشوَةً وعَشِيَّةٍ.
стр. 905
قالَ جارُ الله: "ومنه قولهم أُغَيلِمَة وأُصيبِيَة في صِبيَةٍ وغِلمَةٍ".
قالَ المُشَرِّحُ: كان (١) أصلُها أصبِيَة وأغلِمَةٍ، وهذا لأنِّ فَعيلًا يُكَسَّرُ على أفعِلَةٍ كطريقٍ وأطرِقَةٍ وأديمٍ وآدمةٍ، وقد جاء أغلِمةٌ، ويؤنِسُكَ بيتُ العِرَاقيَّاتِ (٢):
إليكَ زَجرتُ العِيسَ بينَ عِصَابَةٍ … كُهُولٍ وشُبَّانٍ وأغلِمَةٍ مُردِ
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وقد يُحَقَّرُ الشَّيءُ لدُنُوّهِ من الشَّيءِ، ولَيسَ مِثله كقولِكَ: هو أُصيغِرُ منك إنما أردت أن تُقَلِّلَ: الّذي بَينهما دُوينَ هَذاك (٣)، وفُويقَ هذا".
قالَ المُشَرِّحُ: أي الّذي بينهما من التَّفاوُتِ في الصِّغرِ والكِبَرِ.
قالَ جارُ اللهِ: "ومنه أُسَيّدٌ أي لم يَبلُغ السَّواد. وتقولُ العربُ أحدَثُ منه مُثَيل هَاتَيَّا ومُثيل هَاذَيًّا".
قالَ المُشَرِّحُ: المراد (٤) أنَّ فيه سَوادًا قَليلًا، كأنَّهم [يُريدون المسافةُ بينهما] (٥) حَقِيرةٌ لأنَّ المُشَبَّه والمُشبَّهَ بِهِ حَقيرٌ، ومنه قولُهُ ﵇ (٦): "هؤلاء أُصَيحابِيَّ" أراد تَلَطُّفَ المَحَلّ وتَقريبَهُ، وتَقليلَ المَسافَةِ بينَهم وبينَه وتَحقيرَها لا تَحقيرَهُم.
قالَ جارُ اللهِ: فَصلٌ؛ وتَصغيرُ الفِعلِ ليسَ بقياسٍ، وقولُهم: ما أُميلِحَهُ
стр. 906
قال الخليلُ: إنَّما يَعنُون الَّذي يَصِفُهُ بالمِلحِ كأنَّك قُلتَ: زيدٌ مَلِيحُ شبَّهوهُ بالشَّيءِ الّذي يُلفظ بِهِ وأنت تَعني شيئًا آخرَ نحوَ قولِكَ: بنو فُلانٍ تَطَؤهُمُ الطَّريقُ، وصِيدَ عَلَيهِ يَومان.
قال المُشَرِّحُ: أنا أبدًا (١) في التَّعحُّب من النَّحويين كيفَ التَبَسَ عليهم أنَّ هذا لَيس بفعلٍ، وأنَّ الفعلَ البَتّةَ لَا يَقبَلُ التَّصغيرَ، ولا يُتَصَوَّرُ تَصغِيرُ معنى الفِعلِ، وإذا لم يُجيزوا قولَكَ: هو ضُويرِب زيدًا لأنَّ هذا الاسم لَهُ شَبَهٌ بالفعلِ من حيثُ أنَّكَ أعمَلتَهُ عَمَلَ الفِعلِ، وتَصغيرُ الاسمِ الّذي لَهُ شَبَهٌ بالفِعل لا يَجوزُ، فلأنَّ لا يَجوزُ تَصغيرُ الفِعلِ نفسِهِ أولى. قال: ولأنَّهم ما أجازوا وَصفَ الفِعلِ، لَم يُجِيزوا وَصفَ الاسمِ الشَّبيه بِهِ، وذلِكَ قولُكَ: هذا ضاربٌ ظَريفٌ زيدًا قال أبو سعيدٍ السّيرافيُّ في (شرح الكِتَابِ) يُريدُ يَطَؤُهُم أهلُ الطَّريقِ الّذي يَمرُّون فيه. في (حاشية الكَشّاف) يَعني صِيد على الفَرَسِ وَحشُ يَومين.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ (٢)؛ ومن الأسماء ما جَرى في الكلامِ مُصغَّرًا أو تُرِكَ تَكبِيرُهُ لأنَّه عِندَهم مُستَصغرٌ وذلِكَ نحو جُميلٍ وكُعيتٍ وكُميَتٍ. وقالوا جُملان وكعتان وكميت. فجاؤوا بالجَمعِ على المُكَبّر كأنَّها جَمعُ جُملٍ وكعتٍ وأكمَت".
قالَ المُشَرِّحُ: في (جامِعِ الفُرغَانِيّ): طائرٌ من الدَّخاخِيلِ يقالُ له جَميل والدَّخاخيل: هي الطّيور الصِغار. السّيرافي عن المُبَرّدِ كعيت أنّه يُشبِهُ البُلبُل وليسَ بِهِ. وفي "صِحَاح الجَوهَرِيّ": الكَعِيتُ: البُلْبُلُ، [الشَّيخُ ﵀] (٣) قالَ الخَليلُ: إنّما صَغَّروه لأنَّ فيه قَليلًا من السَّوادِ وقَليلًا من
стр. 907
الشُّقرَةِ، ولَفظُ السِّيرافي: لأنَّ الكُمتَةَ لَونٌ نَقَصَ عن سَوادِ الأدهَم، وزاد على حُمرَةِ الأشقَرِ. فُعَلْ يكسَّر (١) على فِعْلان وذلك نَحو صُرَدٍ وصِرْدَان، وجُرذٍ وجِرذَان، وهذا لأنَّ فُعلًا مَقصورٌ على فُعال، وفُعال يكسر على فِعلان نحو عِقابٍ وعقبانٍ وغُرابٍ وغِربان، وكذلِكَ ما كان مَقصورًا منه. وأفعل فَعلاء يكسَّر على فُعْلٍ نحو أحمرَ وحَمراءَ وأبيض وبَيضاءَ.
قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ؛ والأسماءُ المُرَكَّبة يُحَقّرُ الصَّدرُ منها، فيُقالُ: بُعيلَبَكّ، وحُضَيرموتَ وثُنيَّا عَشَر، وخُمَيسَةَ عَشَرَ".
قالَ المُشَرِّحُ: الأسماءُ المُرَكَّبةُ على نَوعين: نوعٌ يَتَضَمَّنُ الشَّطرُ الثّاني مَعنى الحَرفِ وهو على نوعين: ما كانَ الشَّطر الثَّاني منه مُعرَبًا نحو اثنا عَشَرَ، ونوعٌ لم يَتَضَمَّن الشَّطر الثَّاني منه كَبَعلَبَكَّ. وجَميعُها يُصَغَّرُ منها الشَّطرُ الأوَّلُ.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ، وتَصغيرُ التَّرخيم: أنْ تَحذِفَ كلَّ شيءٍ زِيدَ في بَنَاتِ الثَلَاثَةِ والأربَعَةِ حتَّى يَصيرَ الاسمُ على حُروفِهِ الأصولِ، ثُمَّ يُصَغَّرُ، كقولِكَ في حارِثٍ: حُريثٌ وفي أسودَ سُويدٌ وفي حَفيدٍ حُفَيدُ وفي مُقْعَنسٍ قُعَيسٌ، وفي قِرطاسٍ قُريطسٌ".
قالَ المُشَرِّحُ: تَحقيرُ (٢) التَّرخيمِ مُطَّرِدٌ ولِهَذا قالَ الشَّيخُ أبو عَلِيٍّ في كتابِهِ المَوسوم بـ (الشِّيرازِيَّات) (٣) ونظيرُ هذا في رَدّهم إيّاهُ إلى الأصلِ ما جاءَ مُطَّرِدًا في كلامِهِم من تَحقير التَّرخيمِ كقولِهِم في ثابِتٍ ثَبيتٌ، وفي حارِثٍ حُريثٌ، وفي أَسودَ سُويدٌ، وفي أزهرَ زُهيرٌ، وعَلى هَذا سائَرُ من ثَبَتَ فيه زَيادةٌ
стр. 908
في أنَّ حَذفَ الزّوائد منه ورَدَّه إلى الأصلِ شائِعٌ مُستَقِيمٌ وعلى هَذا قولُ الأعشى (١):
أبا ثابتٍ لا تَعلِقَنْكَ رِماحُنَا … أبا ثابِتٍ فاقعُدْ وعِرْضُك سالِمُ
وقالَ فيه أيضًا (٢):
أبلغ يزيدَ بَني شَيبانَ مألُكَةً … أبا ثُبَيتٍ أما تَنْفكُّ تَأتَكِلُ
ثم تَحقيرُ التَّرخيم قسمان: واجبٌ وجائَزٌ.
فالوَاجِبُ: كل ما فيه حَرفُ مَدٍّ زائدٌ وفي آخِرِهِ واوٌ أو ياءٌ أو هَمزةٌ مُبدلَةٌ عن ألفٍ منقَلِبَةً، فإنَّكَ تَحذِفُ الزَّوائِدَ فتقولُ في غِطاءٍ وغشاوةٍ ونهايَةٍ غُطَيُّ وعُشَيُّ ونُهَيُّ.
وأمَّا الجائِزُ: فما كان آخِرُهُ حرفًا صَحِيحًا. حُفَيدَدٌ: إحدى الدّالين فيه زائِدةٌ لقولِهِم في معناه حفيفد وهو الظَّليمُ. اقعسس تأخَّر ورَجَعَ وأصلُهُ من الأقعَسِ.
تخميرٌ: هذه المَسألةُ مُختَلفٌ فيها، وذلِكَ أنَّ الاختيارَ في تَحقير مُقعَنسس عن سيبويهِ (٣) حذفُ إحدى السِّينين مَعَ النُّون فَيُصَيَّرُ مُيَعِسٌ، وأمَّا المبرّدُ (٤) فيختارُ حذفَ الميمِ والنُّونِ فيُصيَّرُ قُعَيسٌ. احتَجَّ المُبَرِّدُ بأنَّ السِّينَ للإِلحاقِ، والميمَ والنُّون زائِدَةٌ لِغَيرِ الإِلحاقِ، والمُلحَقُ بِمَنزِلَةِ الأصلِ فكانَ بقاؤُه أولى.
стр. 909
حُجَّةُ سِيبويه: [أنَّ السِّينَ -وإن كانت للإِلحاقِ- فهي زَائِدةٌ] (١)، والميمُ -وإن كانت زائدةً لغيرِ الإِلحاقِ- فهي بمنزلةِ الكلمَةِ لِكَونِها دالَّةً على كَونِ الاسمِ جارِيًا، فصارَ هذا المعنى مُقاومًا للإِلحاق ثم جُعِلَ لِلمِيمِ قُوَّةً من وَجهين: أحدهُمُا: - أنَّها في أوّلِ الكَلِمَةِ والسِّينُ في آخَرِهَا والأواخِرُ أولى بالحَذفِ من الأوائِلِ، ألا تَرى أنَّك تقولُ في جَمعِ فَرزدَقٍ فَرازِدٌ، وفي جَمعِ سَفَرجَلٍ سَفارِجٌ فتحذِفُ الآخر دونَ الأوَّل.
الثَّاني: - أنَّ التكرارَ يثقُلُ عليهم، وبالسِّينِ يَقَعُ التَّكرارُ، فكانَ حَذفُهُ أولى.
قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ؛ ومِنَ الأسماءِ ما لا يُصَغَّرُ كالضَّمائِرِ وأبنٍ ومَتَى وحَيثُ وعِندَ ومَعَ وغَيرِ".
قالَ المُشَرِّحُ: الضَّمائِرُ لا تُصَغَّرُ لِغَلبةِ الحَرفيَّةِ عَليهَا. فإن سألتَ: فأسماءُ الإِشارةِ قد غَلَبَت عَليها الحَرفيَّةُ وهي مَعَ ذلِكَ تُصَغَّرُ؟ أجبتُ: غَلَبةُ الحَرفيَّةِ على الضَّمائِرِ أكثرُ من غَلبتِها على أسماءِ الإِشارةِ ألا تَرى أنَّ أسماءَ الإِشارة تُثَنَّى وتُنادَى ولا كذلِكَ الضَّمائِرَ وعلى ذلِكَ أينَ ومَتى لِغَلَبَةِ الحَرفيّةِ عَلَيهما بدَليلِ جَريِهِما مَجرى هَمزةِ الاستفهام، وكذلِكَ حيثُ لِغَلَبَةِ الحَرفيّةِ أيضًا عَليه بدَلَيلِ أنَّه لا يُعرَبُ أصلًا وكذلِكَ عِندَ لا تُصَغَّرُ لِمُشَابَهَتِهِ الحَرفيّةَ، وهذا لأنَّ الحَرفَ هو الّذي لا يُتَصَوَّر مَعناه إلا بِتَصوُّرِ مَعنَيينِ آخَرينِ، و"عندَ" بهذه المَنزِلَةِ لأنَّه ظَرفٌ (٢) إضافيّ فإن سَأَلتَ: فهذه المُشابهةُ قائِمةٌ في "قَبلُ وبعدُ" وهما مَعَ ذلِكَ يُحَقَّرانِ؟ أجبتُ: بأنَّ مُشابَهَتَهُما الحَرفَ غيرُ مُتَأكِّدَةٍ، لأنَّهما لا يُفارِقَانِ الإِضافةَ في نحوِ قولِهِ (٣):
стр. 910
فَساغَ لِيَ الشَّرابُ وكنتُ قَبلًا
وعلى ذلِكَ "مَعَ". فإِن سألتَ: مشابَهَة الحرفِ غير مُتَأكِّدةٍ لمفارقةِ الإِضافةِ نَحَو: خَرَجنَا معًا؟ أجبتُ: مفارقة الإِضافة قد انجَبَرَتْ لِمُشابَهَة الحَرف من وَجهِ آخرَ وذلِكَ أن مَعَ على حَرفين لم يَسقط منه شَيءٌ، وذلِكَ أشبَهُ بحالِ الحَرفِ، ولأنَّ تَصغيرَ "مَعَ" غيرُ مُمكنٍ لأنَّ ياءَ التَّصغيرِ يَجِبُ أن تَكونَ بعدَ حَرفينِ قبلَ ثلاثٍ، وأمَّا غَير فمشابَهَتُهُ بالحرفِ، وذلِكَ أنه نِسبةٌ بينَ شيئين ينفي المُماثَلَةَ. فإن سألتَ: فهذا يَنتقِضُ ومماثِلٍ فإِنَّ أحدَهُما لِنَفي المُماثَلَةِ بينَ الشَّيئين والآخر لإِثباتِ المُماثَلَةِ بَينهما، وهُما مَعَ ذلِكَ يُصغَّران؟ أجبتُ: بأنَّه (١) أشبَهُ بالحَرفِ من المُغايِرِ والمُماثِلِ لأنَّ غَيرًا كالحَرفِ لا يَنفَكُّ عن اقترانِ إحدى المُغايِرَينِ بِهِ بخلافِ المُغايِرِ والمُماثِلِ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وحَسبُ" و"مَنْ" و"مَا"".
قالَ المُشرِّحُ: أمَّا "حسبُ" فلأنَّه في مَعنى الفِعل المَنهيّ عَنه، والفِعلُ لا يُصغَّرُ، فإن سألتَ: فهذا يَنتقِضُ بِكَفِيك وكافِيكَ فإن كلَّ واحدٍ منهما في مَعنى الفِعلِ وهو مَعَ ذلِكَ يُصَغَّرُ؟ أجبتُ: بأنَّ حَسب أقرُب إلى النَّهيِ من كَفِيك وكافِيكَ ولذلِكَ انجَزَمَ به الجوابُ في قَولِهِم حَسبُكَ يَنَمِ النَّاسُ. وأمَّا "من" و"ما" فلغلبةِ الفِعلِيَّة عَليهما وذلِكَ لِجَرِيهِما إمّا مَجرَى حَرفِ الاستفهام وإمّا حَرفِ المجازاة وإمَّا حَرفِ التَّعريفِ. فإن سألتَ: الَّذي والَّتي غَلَبَ عليهما الحَرفِيَّة بِدَلِيلِ أنَّهما يُجرَيَان مُجرى حَرفِ التَّعريفِ وهما مع ذلِكَ يُصغَّران؟ أجبت: غَلَبَةُ الحَرفيَّةِ على "مَن" و"ما" قَوَّى (٢) غَلَبَة الحَرفيَّة على الّذي والّتي، وذلِكَ أن دُخولُ اللَّامِ عَلَيهما يُوِهِمُ أنَّه بِمَنزِلَةِ اسمٍ مُظهَرٍ، ولذلِكَ يُوصفُ بهما بخلافِ "مَن" و "ما".
стр. 911
قالَ جارُ اللهِ: "وأمسِ وغدًا وأوَّلُ من أمسِ والبارحةِ وأيَّام الأُسبوعِ".
قالَ المُشَرِّحُ: قال سيبويه (١): ولا يُصَغَّرُ الثُّلاثاءُ والأربعاءُ والبارِحَةُ وأسماءُ الشُّهور كلُّها نحوَ المُحَرَّمِ وصَفَرٍ لأنَّها أسماءُ أعلامٍ، والكُوفِيُّون يَرون تَصغيرها، وكلّ اسمٍ عَلَمٍ خاصٍّ لِشَيءٍ لا اشتراكَ فيه، فإنّه لا يَصِحُّ تَصغِيرُهُ. اعلمَ أنَّ تَسمِية الأزمِنَةِ على صِنفَين: صنفٌ يَقَعُ به تَعيينُ مُسَمَّاهُ وتَحصِيلُهُ. وصِنْفٌ لا يَقَعُ، أمَّا الصِّنفُ الأوَّلُ فكاليومِ واللَّيلةِ والصَّيفِ والشّتاءِ، وأمَّا الصِّنفُ الثَّاني: فنحو أيَّامِ الأُسبوع لأنَّ حاصل الأمرِ فيها يَرجِعُ إلى أنَّ يومَ الأحدِ هو اليومُ الَّذي بَعدَهُ يومُ الاثنينِ ويومُ الاثنينِ هو اليومُ الَّذي بعدَه يومُ الثُّلاثاء، أمَّا يومُ الاثنينِ في الحَقيقةِ ما هو فَشَيءٌ. غيرُ حاصِلٍ، ولذلِكَ إِذا ضَلَلتَ التَّرتيبَ في أيّامِ الأسبوعِ لم تَجِدْ ما يعَيّنُ لَكَ أنَّه يومُ الأحدِ أو يومُ الاثنَينِ. أمَّا الصِّنفُ الأوَّلُ فَتَصغِيرُهُ كتَصغِيرِ سائرِ الأيَّامِ سائغٌ، وهذا لأنَّ تَصغيرَ الشَّيءِ نَوعُ ذَمٍّ وتَحقيرٍ له وتَحقيرُ شَيءٍ غير مُعَيّنٍ ولا مُحَصَّلٍ مُحالٌ.
قالَ جارُ اللهِ: "والاسمُ الَّذي بِمَنزِلَةِ الفِعلِ لا تَقولُ: هو ضُويرِبٌ زَيدًا".
قالَ المُشَرِّحُ: هذه المسألةُ ما قاله الشَّيخ أبو علي الفارِسِيُّ: واسمُ الفاعِلِ [إذا عَمِلَ عَمَلَ الفعلِ] (٢) لم يُوصف كما لا يُصَغَّرُ فمن ثُمَّ لم يُستَحسَنْ هذا ضُويربُ زَيدٍ كما لا يُستَحسَن هذا ضارِبٌ ظريفٌ زيدًا. ثُمَّ (٣) هذه المسألَةُ أدَلُّ دَليلٍ على أنَّه لا يَجُوزُ تَصغِيرُ الفِعلِ، وذلِكَ: أنَّ الاسمَ معِ كونِهِ مُستَوجِبًا التَّصغيرَ إذا امتَزَجَ به شَوبٌ من الفِعلِ وهو كونُه عامِلًا عَمَلَ الفِعلِ لم يُصَغَّر، فكيفَ يُصَغَّرُ الفِعلُ نَفسُهُ!؟
стр. 912
قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ؛ والأسماءُ المُبهَمَة خُولِفَ بتَحقِيرها تَحقيرَ ما سِواها بأن تُركَت أوائِلُها غيرَ مَضمُومَةٍ وأُلحِقَت بآخرها ألفاتٌ، فقالُوا في ذَواتا ذَيَّا وتيَّا، وفي أُولى، وأُولاءِ أوليَّا، وأُوليَّاء، وفي الَّذي والّتي اللُذيَّا والُّتَيَّا، وفي الَّذين واللَّاتي الُّذيُّون واللُّتَيَّات".
قالَ المُشَرِّحُ: كان (١) يَنبَغي أن يُقال في تَصغيرِ هذا هُذَيَا. الياءُ الأُولى عَينُ الفِعلِ والثَّانِيَةُ والثَّالِثَةُ لامُ الفِعلِ فحُذِفَت الّتي هي عَينُ الفِعلِ، ولم يَجُز أن تُحذَفَ الّتي هِيَ لامُ الفِعلِ لأنَّك لو حَذفتَها لتَحرَّكت يَاءُ التَّحقيرِ لمُجاوَرَتَها الألفَ، وهذه الياءُ لا تُحَرَّكُ أبدًا. قاله (٢) الشَّيخُ أبو عَليّ الفارِسِيُّ. فإن سألت: فلم (٣) لا يَجوزُ أن تكونَ الألفُ المُتَطَرِّفَةُ في هُذَيَّا لامَ الكَلِمَةِ كما في هَذا؟ أجبتُ: لكونِها منَزَّلَةً تَنزِيلَها في اللُّذَيا واللُّتيا والألفُ هنا لَيست من رُقعَةِ الكَلِمَةِ، إنما هِيَ علامةُ التَّصغِير، فكذلك هنا (٤)، فالألفُ في هذا عَينٌ، وفي هاذَيَّا عَينٌ (٥).
[تَمَّ السِّفرُ الأَوَّلُ من كتابِ شَرحِ المُفَصَّل المَوسُوم بـ (التَّخمِيرِ) بحمد اللهِ تَعالى ومَنِّهِ وَيتلوه إِنْ شاءَ اللهُ في السِّفرِ الثَّانِي] (٦):
قالَ جارُ اللهِ: ومن أصنافِ الاسمِ المَنسوبُ واتّفق الفَراغُ من نِساخَةِ هذا. الكِتاب ضَحوَةَ يوم الاثنَين لتسعِ ليالٍ خَلونَ من شَهرِ اللهِ الأصمِّ رَجَبِ الأصَبِّ من شُهُورِ سنةِ ستٍ وسَبعين وسِتِّمايَة من الهِجرَةِ النَّبوية الطَّاهرة المُحَمَّدِيَّة، صلواتُ اللهِ وسلامهُ على صاحِبِها، وعلى آلِهِ الطَّاهِرِين وأصحابِهِ
стр. 913
المُنتَخَبين، والحمدُ لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطِنًا، وصَلَّى الله على رَسُولِهِ مُحمَّدٍ النَبيِّ الأُمِّي وآلِهِ وسَلَّم تَسليمًا. حَسبُنا الله ونِعمَ الوكيلُ.
стр. 914
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه أستعين، وعليه أتوكل
[بابُ النَّسب]
قال جارُ الله: "ومن أصنافِ الاسم المنسوبُ وهو: اسمُ الأب أو البلد الملحق بآخره ياء مشددة مكسورٌ ما قبلها علامَةً للنسبة إليه كما أُلحقت التاء علامةً للتأنيث وذلك نحو هاشِمِيٌّ وبَصْرِيٌّ".
قال المُشرِّحُ: -هدى الله سَعْيَهُ- هذا الكلام يُنَبِّهُكَ لسرٍّ وذلك أنهم قالوا النِّسبة إلى الجمع لا تجوزُ، وها هنا قد أُشير إلى عدمِ علّة الجواز، وهي أن المنسوب إليه في الحقيقة هو الوالد أو المولد، ولا بدّ أن يكون الوالد والمولد [فردًا] (١)، فإذا نُسبت إلى غيرهما فعلى التَّشبيه، ولم يتمّ التَّشبيه بدون الوحدة.
فإِنْ سألتَ (٢): في هذا الكلامِ نظرٌ، وذلك [أنَّه] (٣) أدرج في تفسير المنسوب لفظِ النَّسبة، وذلك لا يجوزُ؛ لأنَّه تفسيرُ الشيءِ بنفسه؛ ولأنَّه لا حاجةَ إلى قوله للنِّسبة؟
стр. 915
أَجبتُ: النِّسبة الإِعرابيَّةُ غير، والنسبةُ اللُّغوية [غَير] (١) إِذ النِّسبة اللُّغوية هي المشهورةُ فيما بينَ النَّاس، فأقول: أيَّ بأسٍ فيما لو فسر النسبة الإِعرابية بشيءٍ من جُملةِ النِّسبةِ المشهورةِ اللُّغويةِ، ألا تَرى أنك لو قلتَ في النسبة الإِعرابية: هي النسبة اللغوية إذ زيْدَ عليها كذا وكذا لما كنتَ مُنحرفًا عن الصَّواب فكذلك هذا؛ لأنَّ معناه النِّسبة الإِعرابيَّة هي النِّسبةُ اللُّغويَةُ إذا كانت بياءٍ مُشدَّدةٍ مَكسورٍ ما قَبلها.
أمَّا قولُهُ: لا حاجةَ إلى قوله: "للنِّسبة".
فنقول: لا نُسلِّمُ؛ لأنَّه لو أَهْمَلَ قوله: "للنِّسبة" لانتَقَضَ الحدُّ بما لو سُمِّيَ رجل ببغدادِي فإنه ليس بمنسوبٍ مع أنّه اسمُ البلدِ المُلحق بآخره ياءٌ مشددةٌ.
فإِن سألتَ: المَعْنِيّ بالمنسوبِ اسمُ البلدِ الملحق بآخره ياء مشدَّدةً، واسمُ البلد مرادٌ؟
أجبتُ فهذا لا يكون استدراكًا؛ لأنَّ بقيَّةَ اللَّفظِ غيرُ كافيةٍ -اللَّهمَّ- إلا إذا زِيْدَ فيها شيءٌ آخرُ.
قالَ جارُ الله: "وكما انقسمَ التأنيثُ إِلى حقيقيٍّ وغيرِ حَقيقيٍّ فكذلك النِّسبةُ، فالحقيقيُّ ما كان مؤثرًا في المعنى واللَّفظ، وغير الحقيقي ما تَعَلَّق باللَّفْظِ فحسبُ، نحو كُرسيّ وبَرْدِيّ".
قال المُشَرِّحُ: البَرْدِيُّ -بالفتح-: نبتٌ معروف، قال (٢):