Полный текст (366 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
في الإسلام. وقيل: معناه أن الإماء يلدن الملوك. وقال وكيع معناه: تلد العجم العرب، والعرب ملوك العجم، وأرباب لهم.
والعلامة الثانية ((أن ترى الحفاة العراة العالة)) والمراد بالعالة الفقراء كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (الضحى: ٨). وقوله: ((رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)) هكذا في حديث عمر، ووالمراد: أن أسفل الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهُم حتى يتباهُونَ بطولِ البنيانِ، وزخرفته وإتقانه، وفي حديث أبي هريرة ذكر ثلاث علامات، منها أن تكون الحفاة العراة رءوس الناس، ومنها: ((أن يتطاول رعاءُ البُهْمِ في البنيان)). وروى هذا الحديث عبد الله بن عطاء عن عبد الله بن بريدة. فقال فيه: "وأن ترى الصم البكم العمي الحفاة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ملوك الناس".
قال: فقام الرجل فانطلق، فقلنا: يا رسول الله من هؤلاء الذين نعت؟ قال: ((هم العريب)) وكذا روى هذه اللفظة الأخيرة علي بن زيد، عن يحيى بن معمر، عن ابن عمر. وأما الألفاظ الأول، فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة بمعناها.
وقوله ﷺ : ((الصم البكم العمي)) إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم، وفهمهم. وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومتعددة، فخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث حذيفة عن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع)) وفي (صحيح ابن حبان) عن أنس عن النبي ﷺ قال: ((لا تنقضي الدنيا حتى تكون عندَ لكعِ ابن لكع)).
وخرج الطبراني من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يغلب على الدنيا لُكَعٌ ابن لُكَع)) وخرَّجَ الإمام أحمد، والطبراني من
стр. 107
حديث أنسٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((بين يديْ الساعة سنون خدَّاعة، يُتَّهَمُ فيها الأمين، ويؤتمن فيها المتهم، وينطق فيها الرويبضة، قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: السفيه ينطقُ في أمرِ العامة)) وفي رواية: ((الفاسق يتكلم في أمر العامة)) وفي رواية للإمام أحمد: ((إن بين يدي الدجال سنين خداعة، يُصَدَّقُ فيها الكاذبُ، ويكَذَّبُ فِيهَا الصادق، ويخَوُّنُ فيها الأمينُ ويؤتمَنُ فيهَا الخائن)) وذكر باقي الحديث.
ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها، كما قال النبي ﷺ لمن سأله عن الساعة: ((إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهلِهِ؛ فانتظر الساعة)) فإنَّهُ إذا صار الحفاة العراة رعاء الشاء، وهم أهلُ الجهلِ، والجفاء رؤوس الناس، وأصحاب الثروة، والأموال حتى يتطاولوا في البنيان، فإنه يفسد بذلك نظامُ الدين والدنيا، فإنه إذا رأس الناس من كان فقيرًا عائلًا، فصار ملكًا على الناس سواء كان ملكه عامًّا أو خاصًّا في بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم، بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال.
فقد قال بعض السلف: لأن تمد يدك إلى فم التنين فيقضمها خيرٌ لك من أن تمدها إلى يد غنيٍّ قد عَالَجَ الفقْرَ، وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين؛ لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس، ولا تعليمهم بل همته في جبايةِ المَالِ واكتنازه، ولا يبالي بما فسد من دين الناس، ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم.
وفي حديث آخر: ((لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها))، وإذا صار ملوك الناس ورؤوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فصدق الكاذب، وكذب الصادق، واؤتمن الخائن، وخون الأمين، وتكلم الجاهل، وسكتَ العَالِمُ، أو عدم بالكلية، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال:
стр. 108
((إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل)) وأخبر أنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناس رؤوسًا جُهَّالًا فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.
وقال الشعبي: لا تقومُ الساعة حتى يصير العلمُ جهلًا والجهل علمًا، وهذا كله من انقلاب الحقائق، في آخر الزمان وانعكاس الأمور، وفي صحيح الحاكم عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: ((إن من أشراط الساعة أن يوضع الأخيار، ويرفعَ الأشرار)) وفي قوله ﷺ : ((يتطاولُونَ في البنيان)) دليل على ذمِّ التباهي والتفاخر؛ خصوصًا بالتطاول في البنيان، ولم يكن إطالةُ البناء معروفًا في زمن النبي ﷺ وأصحابه بل كان بنيانهم قصيرًا بقدر الحاجة.
وروى أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان)) خرجه البخاري، وخرج أبو داود من حديث أنس بن مالك ﵁: ((أن النبي ﷺ خرج فرأى قبةً مشرفةً، فقال: ما هذه؟ قالوا: هذه لفلان رجل من الأنصار، فجاء صاحبُها، فسلم على رسول الله ﷺ فأعرض عنه، فعل ذلك مرارًا، فهدمها الرجل)) وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضًا وعنده. فقال النبي ﷺ : ((كل بناء، وأشار بيده هكذا على رأسه أكثر من هذا فهو وبال)).
وقال حريث بن السائب عن الحسن: "كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ في خلافة عثمان بن عفان ﵁ فأتناول سقفها بيدي". وروي عن عمر أنه كتب: "لا تطيلوا بناءكم؛ فإنه شر أيامكم" وقال يزيد بن أبي زياد: قال حذيفة لسلمان -يعني: سلمان الفارسي ﵃ جميعًا- ألا نبني لك مسكنًا يا أبا عبد الله؟ قال: لم لتجعلني ملكًا؟ قال: لا، ولكن نبني لك بيتًا من قصب، ونسقفه بالبواري إذا
стр. 109
قمت كاد أن يصيب رأسك، وإذا نمت كاد أن يمس طرفيك، قال: كأنك كنت في نفسي.
وعن عمار بن أبي عمار، قال: "إذا رفع الرجل بناءه فوق سبعة أذرع، نودي يا أفسق الفاسقين إلى أين" خرجه كله ابن أبي الدنيا. وقال يعقوب بن شيبة في مسنده: بلغني عن ابن عائشة، حدثنا ابن أبي شميلة، قال: نزل المسلمون حول المسجد، يعني: بالبصرة في أخبية الشعر ففشا فيهم السَّرَق، يعني: السرقة، فكتبوا إلى عمر، فأذن لهم في اليراع، فبنوا بالقصب، ففشا فيهم الحريق، فكتبوا إلى عمر، فأذن لهم في المدر، يعني: يبنوا بالطين، ونهى أن يرفع الرجل سُمْكَهُ أكثرَ من سبعة أذرع. وقال: "إذا بنيتُم منه بيوتكم، فابنوا منه المسجد".
قال ابن عائشة: وكان عتبة بن غزوان بنى مسجد البصرة بالقصب، قال: من صلى فيه وهو من قصب أفضل ممن صلى فيه وهو من لبن، ومن صلى فيه وهو من لبن خير ممن صلى فيه، وهو من آجر، يعني: من حجارة، وخرج ابن ماجه من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)).
ومن حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ((أراكم ستشرفون مساجدكم بعدي كما شرفت اليهود بِيَعَهَا، وكما شرفت النصارى كنائسها)) أي: جعلتها عالية وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن ﵁ قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد قال: ((ابنوه عريشًا كعريش موسى)) قيل للحسن: وما عريش موسى؟ قال: إذا رفع يده بلغ العريش" يعني: السقف.
ولقد جاءت بعض العلامات الصغرى في حديثٍ آخر للإمام البخاري -رحمه الله تعالى- إذ روى حديثًا ذكر فيه: أن من علامات الساعة أن يُرفع العلم وأن ينتشر
стр. 110
الجهل، وأن يُشْرَب الخمر، وأن يظهر الزنا -والعياذ بالله- وأن يقل الرجال، وأن تكثر النساء حتى يكون للرجل الواحد خمسون امرأة، وذلك بكثرة الحروب، والهرج، والقتل للرجال؛ وأيضًا بسبب كثرة ولادة الإناث عن ولادة الصبيان.
وأما رفع العلم: فقد جاءت كيفيته في حديث آخر للبخاري بين فيه ﷺ "أن الله يقبض العلم بقبض العلماء؛ فإذا مات العلماء تولى أمور الناس رؤساءُ جهالٌ يسئلون؛ فيفتون بغير علم فيضلون ويضلون". فموت العلماء بكثرة، وعدم وجود من يخلفهم في رتبتهم علامة من علامات الساعة، وقد مر هذا الحديث سابقًا.
رفع العلم، وثبوت الجهل، وشرب الخمر، وظهور الزنا، وقلة الرجال وكثرة النساء
قال البخاري ﵀ حدثنا عمران بن ميسرة، قال: حدثنا عبد الوارث، عن أبي التيَّاح، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أشراط الساعة أن يُرْفَعَ العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا)).
الرواية الأخرى لهذا الحديث: البخاري بسنده عن أنس قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكُم أحدٌ بعدي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أشراطِ الساعة أن يَقِلَّ العلمُ، ويظهر الجهلُ، ويظهر الزنا، وتكثر النساءُ، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد)) تخريج الحديث: هذا الحديث أخرجه البُخاري في كتاب العلم، وفي كتاب المحاربين، وفي كتاب الفتن، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في المجلد الثالث ص٩٨، ١٥١، ١٧٦، وأخرجه الإمام الترمذي في كتاب الفتن، في باب: ما جاء في أشراط الساعة. الرواية الثانية: رواها البخاري في كتاب النكاح ورواها في كتاب المحاربين، ورواها في كتاب الأشربة،
стр. 111
ورواها الإمام مسلم في كتاب العلم في باب رفع العلم. ورواها الترمذي أيضًا في كتاب الفتن، في باب: ما جاء في أشراط الساعة.
والمعنى العام لهذا الحديث: بين لنا ﷺ شيئًا من أشراط الساعة؛ فإن الساعة غيبٌ لا يعلمها إلا الله ولكن من علاماتها أن يرفع العلم، أي: يذهب العلماء ويقضون نحبهم؛ فإن العلم لا يقبض انتزاعًا، وإنما يكون بموت العلماء. وما دامَ ذهب العلماء إلى مصيرهم المحتوم، فلا بد أن ينتشر الجهل، وأن يثبت، ويصبح الجهلُ له أركان، ويسير الناسُ وراء الجهلة فيفتونهم بما يعرفون، وما لا يعرفون؛ فينتشر الضلال في الأرض، فتستباح الحرمات بفتاوى ضالة من الجهال الذين يثبت أمرهُم، ويمكن لهم في الأرض والصدارة، وإذا بشرب الخمر يكثر وينتشر ويفشو؛ فإن الخمر كانت موجودة في عهد النبي ﷺ ولكن المراد منها في آخر الزمان عندما تكون علامة من علامات الساعة كثرتها عن المعتاد، وتسمى بغير اسمها تمويهًا، وتضليلًا من الشيطان وحزبه. وأيضًا يظهر الزنا أي ينتشر ويكثر عما كان عليه في عهده ﷺ ثم زادت الرواية الثانية علامة وأنقصت علامة؛ فلم تذكر انتشار الخمر وزادت، وأن يكثر النساء، ويَقِلَّ الرجالُ حتى يكون للرجل الواحد خمسينَ امرأة يتولى شئونهن.
توضيح الحديث: في قوله ﷺ : ((إن من أشراط الساعة أن يرفع ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا)).
((أشراط الساعة)) أي علاماتها يرفع العلم أي: يرفع بموت حملته، وقبض نقلته لا بمحوه من الصدور يثبت الجهل عند مسلم يبث الجهل، وهو الظهور، والفشو والانتشار، يُشرب الخمر يكثر شرب الخمر، كما ورد مصرحًا به في طريق أخرى فحمل المطلق على المقيد؛ لأن سياق الحديث في الإخبار عن أشياء
стр. 112
لم تكن معهودة عند المقالة؛ فإذا ذكر ﵊ شيئًا موجودًا في زمانه، وجعله علامة كان حمله على أن المراد أن يتصف ذلك بصفة زائدة على ما كان موجودًا كالكثرة، والفشو.
((وأن يظهر الزنا)) أي: يفشو الزنا بالقصر لغة أهل الحجاز يعني يقال الزنا في لغة، والزناء بالمد؛ ففي كلمة الزنا لغتين تأتي بالبدء الزناء، وتأتي بالقصر. فيقال: الزنا وهي لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم والمد لغة نجد فوجود كل واحد من الأربعة علامة لوقوع الساعة. وقيل: مجموعها هو العلامة، وحينئذ يصح أن يراد بقوله ﷺ : ((ويُشرب الخمر)) أن شربه مطلقًا من الأشراط؛ لأن ذلك جزء علة لا علة مستقلة فقوله في الرواية الأخرى: ((ويكثر شرب الخمر)) لا يستلزم نفي كون مطلق الشرب من أشراطها أيضًا لكن مع غيره وهو الكثرة.
وقوله في الرواية الثانية: ((لا يحدثكم أحد بعدي)) جاء في رواية أخرى ((لا يحدثكم غيري)) حمل على أنه قاله لأهل البصرة وقد كان هو آخر من مات بها من الصحابة اللي هو سيدنا أنس قوله: "يقل" الرجال من القلة، وفي الرواية الأولى ((يقل العلم)) وفي الرواية الأخرى ((يرفع العلم)) لا تنافي بينهما؛ لأن المراد بالقلة العدم، أو أن ذلك باعتبار زمانين، مبدأ الأشراط وانتهاؤها فما هنا باعتبار المبدأ، وما تقدم باعتبار الانتهاء.
قوله: ((وتكثر النساء ويقل الرجال)) إشارة إلى كثرة القتل بسبب الفتن وقيل: إشارة إلى كثرة الفتوح؛ فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل الواحد عدة موطوءات. وقيل: إشارة إلى أنه يكثر في آخر الزمان ولادة الإناث، ويقل ولادة الذكور، وبقلة الرجال مع كثرة الإناث يظهر الجهل والزنا، ويرفع العلم لأن النساء حبائل الشيطان. القيم هو من يقوم بأمر من تكفل به، والمراد به هنا من يقوم على النساء.
стр. 113
قال القرطبي: يُحتمل أن يُراد بالقيم من يقوم عليهن سواء كن موطوءات أم لا ويحتمل أن يكون ذلك في الزمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله الله، فيتزوج الواحد بغير حق؛ جهلًا بالحكم الشرعي، وعرف القيم يعني أضاف كلمة الـ للقيم؛ فصارت القيم بالتعريف عرفها إشعارًا بما هو معهود من كون الرجال قوامين على النساء، وهل المراد بقوله: ((خمسين امرأة)) حقيقة العدد، أو المجاز عن الكثرة يؤيد الثاني هو المجاز عن الكثرة يعني، ليس المراد العدد فالعدد غير مقصود، يؤيد ذلك ما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ الذي يقول فيه: ((ويُرَى الرجلُ الواحدُ يتبعه أربعون امرأة)).
وخصت هذه الأمور الخمسة بالذكر؛ لأن تحققها مشعر باختلال الضروريات الخمس الواجب رعايتها في جميع الأديان وهي رعاية النفس ورعاية الدين ورعاية المال ورعاية العرض ورعاية العقل؛ إذ بحفظها صلاح المعاش والمعاد هذه الأشياء الخمسة كما قلت الدين والعقل والنفس والنسب يعني العرض والمال، فرفع العلم مخل بحفظ الدين، وشرب الخمر مخل بالعقل وبالمال أيضًا، وقلة الرجال بسبب القتل في الفتن مخل بالنفس وظهور الزنا مخل بالعرض وبالنسب، وكذلك مخل بالمال هذا الحديث الذي كنا بصدده يؤخذ منه:
١ - أن الساعة لا يعلمها إلا الله تعالى.
٢ - أن للساعة علامات كثيرة منها رفع العلم. أي: ذهابه بموت العلماء. ومنها: أن ينتشر الجهل وأن يسود الجهلة فيفتوا الناس بغير علم فيضلونهم.
أن يكثر شرب الخمر، وينتشر أن يفشوا الزنا، وينتشر أيضًا.
ومن الرواية الثانية نأخذ من علامات الساعة أيضًا كثرة النساء، وقلة الرجال.
أهم ما يؤخذ من هذا الحديث: أن على الإنسان أن يجاهد نفسه وأن يستعد للساعة؛ فإنها تأتي بغتة وأخفيت حتى يجتهد الناس في العبادة ولقد سأل رجل
стр. 114
رسول الله ﷺ صحابي جليل قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال له ﷺ : ((وماذا أعددت لها)) فالمراد أن يستعد الإنسان للساعة.
أما قبض العلماء: فهو قبض للعلم، وهو من علامات الساعة، جاء ذلك أيضًا في حديث صحيح رواه الإمام البخاري بسندِهِ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا؛ اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا؛ فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا))، هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في أكثر من موضع في صحيحه وأخرجه أيضًا الإمام مسلم في صحيحه وأخرجه أيضًا الإمام الترمذي وأخرجه الإمام ابن ماجه وأخرجه الإمام الدارمي في (سننه) وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل.
الصحابي الجليل الذي روى هذا الحديث هو سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال أبو هريرة: ما أجد أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب، أسلم قبل أبيه، وكان صوامًا قوامًا حتى نهاه النبي ﷺ عن المواظبة في قيام الليل، وصيام النهار، وأمره بقراءة القرآن في كل ثلاث، وكان يقول في كبره يا ليتني كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ مات في سنة ٦٥ هجرية بالشام ﵁ وأرضاه.
المعنى العام لهذا الحديث:
هذا الحديث مبين لجزء من الحديث السابق؛ فقد بين لنا رسول الله ﷺ في الحديث السابق بعضًا من أشراط الساعة، أي من علاماتها التي تشير إلى قربها، وذكر أول شيء من تلك العلامات: أن يرفع العلم. أما كيف يرفع العلم فلم نعرفه في
стр. 115
الحديث السابق، فجاء هذا الحديث مبينًا وموضحًا لنا كيفية رفع العلم، فبين لنا رسول الله ﷺ أن الله لا يقبض العلم، أي: يرفعه انتزاعًا ينزعه من صدور الرجال، أي: يمحوه من صدورهم، ولكن ارتفاع العلم وقبضه إنما يكون بقبض العلماء، أي: بموتهم فكلما مات عالم لم يظهر أو لم يخلفه في علمه عالم آخر، وهكذا حتى ينتهي العلماء وينتهي معهم علمهم ويقبر معهم، حتى إذا لم يبقِ الله تعالى عالمًا إذا بالناس يذهبون إلى الجهال فيولونهم أمور دينهم وتكون لهم الفتوى، فيفتون بما لا يعلمون، ويقلدونهم أعلى المناصب، وتكون لهم الكلمة، فإذا سئلوا أفتوا بغير علم.
وقوله ﷺ ((اتخذ الناس رؤساء جهالا)) يشير إلى أن الجهل أصبح سمة الناس، فالكل في جهل مطبق، وبجهلم يولون جهالا اعتقادًا منهم بأن لهم علم، وأنهم يصلحون للإفتاء ولأمور الدين في دينهم ودنياهم، وإذا بهؤلاء الجهال بجهلم أيضًا يسارعون فيقبلون ويفتون ويسئلون، ولجهلم لا يتحرجون ولا يتورعون عن الإفتاء، فإذا صار الأمر كذلك وفعل الجهال ذلك؛ فأفتوا بغير علم، وأفتوا برأيهم غير مستندين إلى كتاب أو سنة، وإنما هي آراؤهم الباطلة يحملون الناس عليها؛ وعندئذ يكون وعندئذ يكونون قد ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم.
هذا الحديث فيه أمور تحتاج إلى توضيح: قول الراوي ﵁: "سمعت رسول الله ﷺ يقول"؛ "يقول" جملة حالية، أي: حال كونه. يقول عند الإمام أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة في حجة الوداع، فبينت رواية الإمام أحمد، ورواية الإمام الطبراني أن هذا الحديث قيل في حجة فبينت تاريخه، ومن هنا الزيادات في الحديث تأتي بالفوائد.
قوله ﷺ : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء)) انتزاعًا بالنصب مفعول مطلق بقبض العلماء، أي: بموت
стр. 116
حملته، وعبر بالمظهر في قوله: بقبض العلم في موضع المضمر؛ لزيادة تعظيم العلم كقوله تعالى: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (الإخلاص:٢) بعد قوله: ﴿اللهُ أَحَدٌ﴾ ((حتى إذا لم يبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) لم يُبقِ بضم الياء من الإبقاء أي: لم يبقِ الله تعالى أحدًا من العلماء، عالمًا بالنصب على المفعولية، وفي رواية "يبقى" بفتح الياء، وعالِمٌ بالرفع على الفاعلية، أي: ولمسلم في روايته في حديثه "حتى إذا لم يترك عالمًا".
"رؤساء" جمع رئيس، "جهالًا" منصوب صفة لرؤساء، "فأفتوا بغير علم"، وفي رواية: ((فيفتون برأيهم)) فضلوا من الضلال، أي: أنفسهم، وأضلوا من الإضلال، أي: أضلوا السائلين.
شبهة وردها: إن قيل: الواقع بعد حتى هنا جملة شرطية؛ فكيف وقعت غاية، أجيب بأن الغاية في الحقيقة ما ينسبك من الجواب مرتبًا على فعل الشرط والتقدير، والتقدير، أي: ولكن يقبض العلم بقبض العلماء إلى أن يتخذ الناس رؤساء جهالًا وقت انقراض أهل العلم.
يؤخذ من هذا الحديث:
أن موت العلماء أمرٌ خطيرٌ يجب أن يتنبه له المسلمون خاصة إذا لم يتركوا وراءهم من يخلفهم في علمهم فإنه من علامات الساعة.
الشيء الثاني: أن تولي الجهال أمور الناس شيء خطير ونذير باقتراب الساعة. الشيء
الثالث: إنه من الخطأ أن تقبل فتاوى الجهلاء، فإنهم ضالين ومضلين.
٤ - إذا لم يكن المرء محيطًا علمًا بالمسألة التي سئل فيها لا يقدم على الإفتاء فيها، فيفتي بغير علم، فيصير من الجهال الذين إذا سئلوا أفتوا بغير علم فيضلون ويضلون.
стр. 117
الأمر الخامس: الاهتمام بالعلم والتعلم حتى لا يسود الجهل فيتولى أمور المسلمين الجهلة الذين يضلونهم.
الأمر السادس: جواز خلو الزمان عن مجتهد على رأي الجمهور، وهذا دليلهم خلافًا للحنابلة، فإنهم لم يجوزوا خلو الزمان عن مجتهد.
علامات الساعة الكبرى
وأما العلامات الكبرى فقد جاء في الأحاديث الصحيحة أنها عشر علامات:
طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابة، والدخان، والدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ وظهور يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف تقع خسوف بالمشرق، وخسوف بالمغرب، وخسوف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن. وفي رواية: من قعر عدن تسوق الناسَ إلى أرضِ المحشر؛ وإذا ظهَرَتْ هذه الآيات لا يُقْبَلُ الإيمان من نفس لم تكن آمنت من قبل، أو كسبتْ في إيمانها خيرًا، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٨).
وخروج الدابة دليله من القرآن الكريم قول الحق : ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: ٨٢) وكون الدخان يأتي من السماء علامة من العلامات الكبرى.
جاء أيضًا في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمْ
стр. 118
الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ (الدخان: ١٠ - ١٦).
ونزول سيدنا عيسى ﵇ كعلامة من علامات الساعة جاء أيضًا ذكره في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (الزخرف: ٥٧: ٦١).
في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: لعلم لقرب الساعة في قراءة من القراءات، "وإنه لَعَلَمٌ للساعة"، أي: علامة من علاماتها.
أما ظهور يأجوج ومأجوج: فجاء في القرآن الكريم في سورة الكهف، وفي سورة الأنبياء قال تعالى في سورة الكهف في قصة ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (الكهف: ٩٣: ٩٩).
وفي سورة الأنبياء، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا
стр. 119
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ (الأنبياء: ٩٦: ١٠٠).
وتحدث ﷺ عن يأجوج ومأجوج في الحديث الذي رواه الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- بسندِهِ عن زينب بنت جحش: ((أن النبي ﷺ استيقظ من نومِهِ، وهو يقول: لا إله إلا الله، ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقترب، فُتِحَ اليومَ من دم يأجوج ومأجوج مثل هذه)) وعقد سفيان راوي الحديث بيده عشرةً.
وفي رواية الزهري: ((وحلَّقَ بإصبعِهِ الإبهام والتي تليها)) وطلوع الشمس من المشرق، وظهور الدجال، والخسوف الذي يحدث ثلاث مرات، والنار التي تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى أرض المحشر، هذه العلامات جاءت كلها في الحديث عن رسول الله ﷺ روى الإمام مسلم بسندِهِ عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: طلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، الساعة، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة يا رسول الله قال ﵊: إنها لن تقوم -أو لن تكون- حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن)) وفي رواية: ((من قعر عدن تطرد الناس)) وفي رواية: ((تسوق الناس إلى محشرهم)) رواه مسلم في صحيحه.
هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 120
الدرس: ٨ تابع: علامات الساعة الكبرى .
стр. 121
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن
(تابع: علامات الساعة الكبرى)
طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابة، وظهور المهدي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين: ترتيب علامات الساعة الكبرى خروجًا ووقتها:
ذكرنا فيما سبق الكثير من العلامات الصغرى، وذكرنا العلامات الكبرى والتي هي عشر آيات، وهذه الآيات العشر لا تخرج مرة واحدة، وإنما تخرج تباعًا، وكأنها عِقد انفرط. فأول الآيات خروجًا أو ظهورًا طلوع الشمس من المغرب، أو الدابة التي تخرج فتُكلم الناس. وعلى كل حال فأيتهما خرجت كانت الثانية على إثرها، يعني: إذا طلعت الشمس مباشرة بعدها تكون الدابة، إذا خرجت الدابة، تكون الشمس معها مباشرة فهما مقترنتان.
ثم يخرج بعد ذلك المهدي: وهو رجلٌ من آل بيت النبي ﷺ يملأ الأرض عدلًا بعدما مُلئت جورًا وظلمًا، ولم يُذكر أنه من العشر؛ لكنه سيكون مع هذه الآيات، ثم بعده يظهر الدجال، وبعد الدجال ينزل سيدنا عيسى ابن مريم ﵇ فيتعاون مع المهدي في قتل الدجال، ثم يعمل عيسى ﵇ على إبطال النصرانية، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويعمل بالإسلام، ويحقق وعد الله تعالى في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح: ٢٨).
ثم يكون الدخان وظهور يأجوج ومأجوج، ثم بعد ذلك ثلاثة خسوف: "خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب"، وآخر الآيات نارٌ تخرج من اليمن، أو من قعر عدن تسوق الناس إلى أرض المحشر، وعلى ذلك يكون ترتيب الآيات يعني: علامات الساعة الكبرى كما يلي:
أولًا: طلوع الشمس من المغرب.
ثانيًا: خروج الدابة، وقد تكون الدابة أولًا ثم طلوع الشمس، وعلى كل فهي تهمة خرجت كانت الأخرى على إثرها مقارنة لها، قال ﷺ : ((إنّ أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحى)) في وقت
стр. 122
الضحى، وهي تهمة كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا، رواه مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.
ثالثًا: المهدي وهو رجل من آل بيت النبي ﷺ يمكث في الأرض سبع سنين، يملأ الأرض عدلًا بعدما ملئت ظلمًا، واسمه محمد واسم أبيه عبد الله، جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
رابعًا: يظهر المسيح الدجال فيزعم النبوة أولًا، ثم بعد ذلك يزعم الألوهية، ويعيث في الأرض فسادًا.
خامسًا: ينزل عيسى ابن مريم ﵇ حكمًا عدلًا يدعو إلى الإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويتعاون مع المهدي على قتل الدجال.
سادسًا: ظهور يأجوج ومأجوج.
سابعًا: الدخان.
ثامنًا: خسوف بالمشرق.
تاسعًا: خسوف بالمغرب.
العاشر: خسوف بأرض العرب. بعد ذلك نار تسوق الناس إلى أرض المحشر.
يقول الشيخ سيد سابق -رحمه الله تعالى- في كتابه (العقائد الإسلامية): " العلامات للساعة: هذه العلامات منها علامات صغرى وعلامات كبرى فأما العلامات الصغرى فنجملها فيما يلي: بعثة رسول الله ﷺ وختم النبوة والرسالة به، فعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى)) رواه البخاري ومسلم والترمذي، والمراد بهذا التشبيه أنه ﷺ ليس بينه وبين الساعة نبي آخر، فهي تليه، وتأتي بعده، وهذا عَلَم بقربها، ولا
стр. 123
يستلزم العلم بوقت مجيئها؛ فإن العلم بوقت المجيء لا يعلمه إلا الله تعالى، وأن يصبح الملوك والأمراء والرؤساء من أولاد السراري، لا من أولاد بنات البيوتات العريقة بحسن التربية، وعلوِّ الأخلاق، وكمال المروءة، كما يُصبح أهل البداوة، ورعاة الغنم من أصحاب الثروة، والترف، والقصور العالية، والترأس على الناس.
فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يومًا بارزًا للناس فأتاه جبريل وقال: ((يا رسول الله، متى الساعة؟ فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل, ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها، فذاك من أشراطها، وإذا كانت الحفاة العراة رعاة الشاه رءوس الناس، فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رُعاة الغنم في البنيان، فذاك من أشراطها)) رواه ابن أبي شيبة.
وفي حديث جبريل ((أنه سأل الرسول عن الساعة؟ فقال ﷺ : ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟ قال: فأخبرني عن أمارتها. قال: أن تلد الأمة ربَّتها، وأن ترى الحُفاة العراة العالة، رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)) رواه البخاري ومسلم عن عمر.
وفي حديث الإمام البخاري جملة من هذه العلامات عدَّتها إحدى عشرة علامة، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى تقتَتِل فئتان عظيمتان؛ تكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة، وحتى يُبعث دجَّالون كذابون قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج -وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يُهمّ رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا إِرَب لي به - لا حاجة لي به- وحتى يتطاول
стр. 124
الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا. ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه، ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يُليط حوضه)) يعني: يُعدل الحوض للأغنام وللجمال التي عنده- فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه، أو أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها)).
العلامات الكبرى
أما العلامات الكبرى فنُجملها فيما يلي: هذا كلام الشيخ السيد سابق -رحمه الله تعالى- طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابة عند قرب الساعة. عند قرب الساعة يحدث تغيير في نظام الكون، وتظهر آيات غير مألوفة للبشر، وتطلع الشمس من المغرب على خلاف ما نعهده الآن من طلوعها من المشرق، وتخرج دابة من الأرض تُكلم الناس.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إن أوّل الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبة))، وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((لا تقُوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا)).
стр. 125
ويقول الله : ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: ٨٢) ففي هذه الآية إخبار عن خروج دابة تُكلم الناس حينما يأتي أمر الله كمقدمة من مقدمات الساعة، وحينما لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولا ينبغي أن يُبحث عما وراء ذلك من الغرائب التي قيلت في وصف هذه الدابة من أن طولها ستون ذراعًا بذراع آدم، وأن لها وجه إنسان، ورأس ثور، وعين خنزير، وأُذن فيل، وأنه لا يُدركها طالب ولا يُفوتها هارب، وأنها تحمل عصى موسى، وخاتم سليمان، فذلك لم يصح منه شيء.
قال الإمام الرازي: "واعلم أنه لا دلالة في الكتاب على شيء من هذه الأمور؛ فإن صح الخبر فيه عن رسول الله ﷺ قُبل، وإلا لم يُلتفت إليه. إن خروج الدابة غيب من الغيوب، فيجب علينا الوقوف عند ما أخبر به القرآن والسنة الصحيحة، ولم يأتِ فيها سوى أنها دابة ستخرج، وأنها ستكلم الناس، وأن ذلك من أمارات الساعة، وقد ذُكر في السورة نفسها أن موسى ﵇ ألقى عصاه بأمر الله، فإذا هي تهتزّ كأنها جان، وأن سليمان عرف لغة الطير، وسمع كلام النملة وهي تدعو جماعتها لتدخل مساكنها؛ مخافة أن يُحطمها سليمان هو وجنوده، وهم لا يشعرون، وأن سليمان تبسَّم ضاحكًا من قولها، وفي السورة أيضًا أن الهدهد كلَّم سليمان بخبر سبأ وقال: ﴿إنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ * لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (النمل:٢٣: ٢٥)، والدابة التي ستخرج من الأرض، وتكلم الناس سيكون كلامها لهم من هذا القبيل.
стр. 126
المهدي: خلاصة القول في الإمام المهدي أنه سيظهر في آخر الزمان، وأن اسمه محمد بن عبد الله، أو أحمد بن عبد الله، روى حديثه أبو داود والترمذي، وأنه من أهل بيت رسول الله ﷺ من ولد فاطمة الزهراء ﵂ وأرضاها- روى ذلك أبو داود والحاكم، وأنه يُشبه الرسول ﷺ في الخُلق، ولا يُشبهه في الخلق يعني: أخلاقه كأخلاق المصطفى ﵇. أما الهيئة في الخلقة فلا يُشبهه فيها.
روى ذلك أيضًا هذا الكلام أبو داود في سننه من كلام الإمام علي بن أبي طالب ﵁، وأنه أجلى الجبهة، أقنى الأنف أي: منحسر الشعر عن مقدم الرأس، وأن أنفه طويل ما حدب وسطه، ودقة أرنبته، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت ظلمًا وجورًا، وأنه يقيم شريعة الإسلام، ويُحيي ما اندثر من سنة رسول الله ﷺ وأن الإسلام تعلو كلمته في عهده، يلقي بجرانه إلى الأرض يعني: يقر مرة ويستقر، ويُمَكّن له، ويكثر الرخاء في أيامه من وفرة العدل وكثرة ما يعطي من المال، فهو يحثو المال حثوًا لا يعدّه عدًّا، كما رواه الإمام مسلم، وأنه يمكث سبع سنين كما ذكر ذلك الإمام أبو داود، ويأتي بعده الدجال.
ثم ينزل عيسى بن مريم ﵇ فيتعاون عيسى مع المهدي على قتله، ثم يتوفى المهدي ويصلي عليه المسلمون.
هذه هي خلاصة الروايات التي تحدَّثت عن المهدي، ورويت في شأنه، وهي في جملتها لا تخرج عن كونها أخبارًا عن ظهور رجل من المصلحين في آخر الزمان، يرفع لواء الحق ويُعلي كلمة الله، ويمكن للإسلام، ويكون طليعة للخير العام الذي يأتي بعده كما كان يوحنا قبل ولادة عيسى ﵊.
على إثر ذلك يخرج الدجال اليهودي كمظهر من مظاهر الفتنة الكبرى؛ ليقاوم هذه النهضة الإسلامية محاولًا فتنة الناس عن دينهم بما أعطي من علم، وبراعة،
стр. 127
وقوة، فيبطل الله أمره بما يحدثه من آيات أكبر من فتنته بإنزال عيسى ﵇ ليكون قوة للحق الذي يمثله المهدي حينئذٍ، ويتعاون كل من عيسى والمهدي، ومن ورائهما كتائب الإسلام على قتله، وإحباط أمره؛ فإذا قُتل الدجال انهزم اليهود الذين يقاتلون معه، وعددهم سبعون ألفًا، روى ذلك ابن ماجه، ثم يكشف الله أمرهم فلا يتوارى منهم يهودي وراء شيء إلا أنطق الله هذا الشيء فقال: ((يا عبد الله، يا مسلم هذا يهودي؛ فتعال اقتله))، وبهذا يقضى على أكبر فتنة من الفتن التي تحدث في الأرض، ثم يأخذ عيسى في العمل على محو النصرانية التي ارتكبت كل الحماقات باسمه أي: باسم عيسى، ويعمل عيسى للتمكين لدين الحق، دين الإسلام.
ثم قال الرسول ﷺ فيكون عيسى في أمتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مقسطًا يدقُّ الصليب يعني: يكسر الصليب، ويذبح الخنزير يعني: يقتله، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة، ولا بعير، وتُرفع الشحناء، ويُرفع التباغض، وتنزع حَمَة كل ذي حُمَةٍ، يعني: السموم التي في الأفاعي تنزع منها؛ حتى يُدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتفرُّ الوليدة الأسد فلا يضرها، يعني: البنت الصغيرة تُهيج الأسد لا يضرها ذلك الأسد، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملؤ الأرض من السلم كما يملؤ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة، فلا يُعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتُسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة تُنبت نباتها بعهد آدم.
وبهذا يتحقَّق وعد الله من إظهار الإسلام وإعلائه على الدين كله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (الفتح: ٢٨)، ثم يحدث بعد ذلك النقصان، ولا يزال الناس يبتعدون عن الدين شيئًا فشيئًا حتى يرتدُّون عن دينهم، فتقوم الساعة وهم على ما هم
стр. 128
عليه من الردَّة، وليس بعد الكمال إلا الفناء والزوال قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس: ٢٤).
خروج المسيح الدجال، وما يتبعه من علامات
خروج المسيح الدجال:
يُقال المسيح، ويقال المسيخ، المسيح لأنه يمسح الأرض، ولأنه ممسوح العين، كما يقال: المسيخ لأنه ممسوخ الخِلقة، فعينه طافئة كأنها عنبة، والدجال أي: الكذاب. خروج المسيح الدجال من علامات الساعة، ومن أماراتها الكبرى أنس يخرج هذا المسيح الدجال ويدَّعي الألوهية، ويُحاول أن يفتن الناس عن دينهم مما يُحدثه من خوارق للعادات، وبما يظهر على يديه من عجائب فيفتن به بعض الناس، ويثبِّت الله الذين آمنوا فلا يُخدعون بأضاليله، ثم ينجلي أمره، وينكشف، ويُفضح، ويُقضى على فتنته، ويُقتل بأيدي المسلمين وقائدهم حينئذٍ عيسى ﵇.
وقد حذَّرت الرسل أممهم من فتنته وغوايته، كما حذَّر منها -أي: من فتنته ومن غوايته- خاتم الرسل ﷺ عن عمر بن الخطاب ﵁ ((أن النبي ﷺ استنصت الناس يوم حجة الوداع)) معنى استنصت أي: طلب من أصحابه أن يطلبوا من بقية الصحابة أن يسمعوا قوله، وأن ينصتوا له- ((فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر الدجال فأطنب في ذكره -يعني: أطال- وقال: ما بعث الله من نبي إلا أنذر أمته، وإنه يخرج فيكم، فما خُفي عليكم من شأنه فلا يخفى عليكم، إن ربكم ليس بأعور؛ وإنه أعور العين اليُمنى كأن عينه طافئة)) رواه البخاري ومسلم.
стр. 129
قال الشيخ رشيد رضا -رحمه الله تعالى: "ويَدُلّ القدر المشترك منها على أن النبي ﷺ كُشف له، ومثَّل له ظهور دجال في آخر الزمان يُظهر للناس خوارق كثيرة، وغرائب يفتتن بها خلقٌ كثير، وأنه من اليهود، وأن المسلمين يقاتلونه، ويقاتلون اليهود في هذه البلاد المقدسة، وينتصرون عليهم، وقد كشف له ذلك مجملًا غير مفصل، كما كشف له غير ذلك من الفتن، فذكره فتناقله الرواة بالمعنى، فأخطأ بعضهم، وتعمَّد الذين كانوا يبثُّون الإسرائيليات ويدسونها في الروايات، تعمدوا أن يدسُّوها أيضًا في المسيخ الدجال".
ولا يبعد أن يكون طُلَّاب الملك من اليهود الصهيونيين بتدبير فتنة في هذا المعنى، يستعينون عليها بخوارق العلوم، والفنون العصرية، كالكهرباء والكيمياء، وغير ذلك، والله أعلم.
ويؤيِّد هذا الرأي الذي قاله الشيخ رشيد رضا الأحاديث الآتية: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقومنَّ الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله)) وهذا مجاز عن عدم إفادة الاختباء شيئًا.
وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال)) رواه أبو داود، وهذا الفتح غير الفتح الأول، ففي رواية الترمذي ((فتح القسطنطينية مع قيام الساعة)).
نزول عيسى ﵇: يُستخلص من مجموع الأحاديث أن عيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان أثناء وجود الدجال، ويكون نزوله هذا علامة من علامات الساعة الكبرى فيحكم بالقسط، ويقضي بشريعة الإسلام، ويُحيي من شأنها ما تركه الناس،
стр. 130
ويقتل الدجال، ثم يمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يموت، ويُصلى عليه ويُدفن، ثم تهبّ ريحٌ تقبض أرواح المؤمنين جميعًا فلا يبقى بعد ذلك إلا شرار الناس، فلا يكون بعد الكمال إلا الفناء والزوال.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((والذي نفسي بيده ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيه ا))، ثم قال أبو هريرة ﵁: "اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء: ١٥٩) أي: ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ بعيسى ﵇ قبل موت عيسى حين ينزل إلى الأرض قبل قيام الساعة".
وعن عروة بن مسعود الثقفي ﵁ قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : ((يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين)) قال: لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا، يعني: الراوي الذي قال: لا أدري.
((فيبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قِبل الشام؛ فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته؛ حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه، فيبقى شرار الناس في خِفَّة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا يُنكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزقهم -رزق كثير- حسن عيشهم، ثم يُنفخ في الصور فيُصعق الناس جميعًا، ثم يُنزل الله مطرًا كأنه الطلّ، فتنبت منه أجساد الناس، ثم يُنفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها
стр. 131
الناس هلمُّوا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ (الصافات: ٢٤)، ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذاك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يُكشف عن ساق)).
وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من شرار الناس؟ من تُدركهم الساعة وهم أحياء)) رواه البخاري ومسلم.
ولنقرأ بعض الأحاديث التي جاءت في هذه العلامات الكبرى، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده، والتي هي العلامات العشر التي قال عنها ﷺ لأصحابه: ((لن تكون الساعة حتى تروا عشر آيات)) فذكر الإمام مسلم تفاصيل عن كل علامة بأحاديث لرسول الله ﷺ رواها لنا صحابته الكرام ﵃ جميعًا.
يقول الإمام مسلم: باب ذكر الدجال وصفة ما معه، روى بسنده عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال بين ظهراني الناس فقال: ((إن الله تعالى ليس بأعور، ألا وإن المسيح الدجال أعور العين اليُمنى، كأن عينه عنبة طافئة)).
وبسنده أي: روى مسلم بسنده أيضًا عن قتادة قال: سمعتُ أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((ما من نبيٍّ إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه: ك ف ر)) يعني: كفر، أو كُفر، وبسنده عن أنس أيضًا أن نبي الله ﷺ قال: ((الدجال مكتوب بين عينيه: ك ف ر)) أي: كافر، وبسنده عن أنس أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه كافر، ثم تهجَّاها ك ف ر)) قال ﵊: ((يقرؤه كل مسلم)) يعني: كل مسلم يُعتبر حتى وإن كان غير قارئ يقرأ ك ف ر أي: كافر ويعلم أنه الدجال.
стр. 132
وروى مسلم أيضًا بسنده عن شقيق عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : ((الدَّجال أعور العين اليُسرى، جُفال الشعر، معه جنة ونار؛ فناره جنة، وجنته نار))، وجفال الشعر يعني: كثير الشعر. وعن حذيفة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأنا أعلم بما مع الدجال منه)) يعني: الرسول ﷺ يعلم ما مع الدجال أكثر من علم الدجال بما معه، قال ﷺ : ((لأنا -واللام هنا موطَّأة للقسم أي: والله لأنا- أعلم بما مع الدجال منه -أي: من الدجال نفسه- معه نهران يجريان: أحدهما رأي العين ماؤه أبيض، والآخر رأي العين نار تأجَّج))، ((فإما أدركن أحد فليأت النهر الذي يراه نارًا، وليغمّض، ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه، فإنه ماء بارد، -النار ماء بارد- وإن الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة -يعني: عليها جلدة كبيرة- مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب)) طبعًا الزمن بتتغير فيه الأمور، وأمور خارقة للعادة، يعني: الذي لا يعرف القراءة يقرأ في هذه الأيام.
وبسنده أيضًا بسند الإمام مسلم عن ربعي بن خراش، عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في الدجال: ((إن معه ماء ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار، فلا تهلكوا)) قال أبو مسعود: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ .
وبسنده عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: "انطلقت إلى حذيفة بن اليمان فقال له عقبة بن عمرو: حدثني يا حذيفة ما سمعت من رسول الله ﷺ في الدَّجال. قال حذيفة: قال ﷺ : ((إن الدجال يخرج، وإن معه ماء ونارًا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارًا فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا؛ فإنه ماء عذب طيب)) فقال عقبة: وأنا قد سمعته، تصديقًا لحذيفة.
стр. 133
وروى مسلم أيضًا بسنده قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود الأنصاري فقال حذيفة راويًا لحديث رسول الله ﷺ : ((لأنا بما مع الدجال أعلم منه، إن معه نهرًا من ماء ونهرًا من نار، فأما الذي ترون أنه نار ماء، وأما الذي ترون أنه ماء نار، فمن أدرك ذلك منكم فأراد الماء فليشرب من الذي يراه أنه نار، فإنه سيجده ماء)) قال أبو مسعود: هكذا سمعت النبي ﷺ يقول.
وبسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم عن الدجال حديثًا ما حدثه نبي قومه، إنه أعور، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه)). وبسنده عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع يعني: رفع من شأنه وقلل من شأنه في نفس الأمر، وقربه إليهم حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: ((ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداة فخفَّضت فيه ورفَّعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: غير الدجال أخوفني عليكم)) -أي: أخاف عليكم- ((إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط -يعني: شديد جعودة الشعر مباعد للجمودة المحبوبة- عينه طافئة كأنه يشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خَلة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا يا عباد الله فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟)) -يعني: يمكث كم- ((قال ﵊: أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟، قال: لا، اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم
стр. 134
فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرًّا، وأسبغه دروعًا)).
يعني: تعود المواشي مليئة باللبن- ((وأمد خواصر)) تسمن، ((ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيُصبحون ممحلين)) -يعني: أصابهم الجفاف والجدب لما تركوا دعوته، ما هي فتنة- ((ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة)) يعني: المكان الخرب ((فيقول للأرض الخربة: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطبه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيُقبل)) بعد ما يقطعه نصفين ((يقول له: قم فيقم، ويتهلل وجه الكذاب)) يضحك الدجال، ((فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين)) بين مهرودتين معناه: لابس مهرودتين أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران، وقيل هما شقتان والشقة نصف الملاءة، ((واضعًا كفَّيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعوا تُحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه)) يعني: سيدنا عيسى يطلب الدجال فيدرك الدجال ((حتى يقتله بباب لد فيقتله)) يعني: بيقتله عند باب لد بفلسطين.
((ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه))، جماعة ربنا عصمهم من المسيح، ((فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادًا لي، لا يدان لأحد بقتالهم)) هم يأجوج ومأجوج ((فحرز عبادي إلى الطور)) سيدنا عيسى يعزل المؤمنين إلى الطور، ((ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه
стр. 135
مرة ماء، ويُحسر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله على يأجوج ومأجوج النغف في رقابهم)) دود يأكلهم ((فيصبحون فرسى)) يعني: ميتين ((كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم))
((فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت -الجمال الكبيرة- فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا، لا يكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر -يعني: مطر شديد- فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة)) كالزلفة يعني: مكان نظيف ((ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، ورُدِّي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة -يعني: الجماعة الكبيرة تصل أربعين رجلًا- من الرمانة الواحدة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل)) هو اللبن ((حتى إن اللقحة)) يعني: الحلبة الواحدة من الإبل ((لتكفي الفئام من الناس)) تكفي مجموعة من الناس، ((واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك؛ إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر -يعني: الحمير- فعليهم تقوم الساعة)).
وبسنده زاد بعد قوله: ((لقد كان بهذه مرة ماء، ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل خنر)) وهو الشجر الملتف الذي يستر من فيه، وهذا جبل فُسِّر بأنه في بيت المقدس ((فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشبابهم -يعني: حرابهم- إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا)) زيادة في فتنتهم، وفي رواية ابن حجر ((فإني قد أنزلت عبادًا لي لا يدي لأحد بقتالهم)).
стр. 136
وصفة الدجال روى فيها الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "حدثنا رسول الله ﷺ يومًا حديثًا طويلًا عن الدجال فكان فيما حدثنا قال: ((يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا، ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، قال: فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه هذا الشاب: والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يُسلط عليه))، قال أبو إسحاق: يقال: إن هذا الرجل هو الخضر ﵇.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخرج الدجال فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فتلقاه المسالح)) جمع سلاح يرقبون في المراكز كالخفراء، سُموا بذلك لحملهم السلاح ((فتلقاه المسالح مسالح الدجال، فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج، قال: فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا، فيقول: ما بربنا خفاء، فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه، قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ﷺ . قال: فيأمر الدجال به فيُشبَّح -يعني: يصلب- فيقول: خذوه وشجُّوه، فيوسع ظهره وبطنه ضربًا، قال: فيقول: أو ما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الكذاب. قال: فيُؤمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يُفرَّق بين رجليه، قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له: قم فيستوي قائمًا. قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة، قال: ثم يقول: يا أيها الناس، إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس، قال: فيأخذه الدجال ليذبحه فيُجعل ما بين رقبتيه إلى ترقوته
стр. 137
نحاسًا، فلا يستطيع إليه سبيلًا، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما أُلقي في الجنة، فقال رسول الله ﷺ : هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين)).
قال بعض الصحابة: كنا نظن أن هذا الرجل الذي يُواجه الدجال بهذه المواجهة هو عمر بن الخطاب؛ لقوته في الحق، فكنا لا نرى أحدًا يستطيع أن يواجهه حتى مات عمر بن الخطاب، فعلمنا أنه واحد من الأمة غير عمر، والأمة فيها الخير إلى يوم القيامة.
وبسنده عن المغيرة بن شعبة قال: ((ما سأل أحد النبي ﷺ عن الدجال أكثر مما سألت، قال: وما يُنصبك منه إنه لا يضرك قال: قلت يا رسول الله: إنهم يقولون: إن معه الطعام والأنهار، قال: هو أهون على الله من ذلك)).
وعن المغيرة بن شعبة قال: "ما سأل أحد النبي ﷺ عن الدجال أكثر مما سألته، قال: وما سؤالك؟ قال: قلت: ((إنهم يقولون معه جبال من خبز ولحم، ونهر من ماء. قال: هو أهون على الله من ذلك)).
هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 138
الدرس: ٩ الفتن وتحذير النبي ﷺ من الوقوع فيها .
стр. 139
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع
(الفتن وتحذير النبي ﷺ من الوقوع فيها)
الفتن: تعريفها، والمراد منها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
يُراد بالفتن الاختبار والامتحان من الله لخلقه، ويُراد بالفتن أيضًا ما يقع في آخر الزمان من هرج ومرج وحروب وتطاحن بين الناس، وقد يُراد بالفتن أيضًا تحوُّل الناس عن الدين. كل هذه المعاني ذكرها الإمام ابن الأثير في كتابه العظيم (النهاية في غريب الحديث والأثر).
قال ابن الأثير تحت مادة فتن: "في حديث قيلة "المسلم أخو المسلم يتعاونان على الفُتَّان"، ويروى على الفَتَّان بضم الفاء وفتحها، فالضم جمع فاتن، أي: يعاون أحدهما الآخر على الذين يُضلّون الناس عن الحق ويفتنونهم، وبالفتح الفتان هو الشيطان؛ لأنه يفتن الناس عن الدين، وفتان من أبنية المبالغة في الفتنة، ومنه الحديث: ((أفتَّان أنت يا معاذ))، وفي حديث الكسوف: ((وإنكم تُفتنون في القبور)) يريد مسألة منكر ونكير، من الفتنة الامتحان والاختبار، وقد كثرت استعاذته ﷺ من فتنة القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات، وغير ذلك.
ومنه الحديث: ((فبي تفتنون، وعني تُسألون)) أي: تمتحنون بي في قبوركم، ويُتعرف إيمانكم بنبوَّتي، ومنه حديث الحسن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (البروج: ١٠) قال: فتنوهم بالنار أي: امتحنوهم وعذَّبوهم بالنار، ومنه الحديث ((المؤمن خُلِق مفتنًا)) أي: ممتحنًا، يمتحنه الله بالذنب ثم يتوب، ثم يعود، ثم يتوب، يقال: فتنته أفتنه فتنًا وفتونًا إذا امتحنته، ويقال فيها: افتتنته أيضًا، وهو قليل. وقد كَثُر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثم كثُر استعمل بمعنى الإثم والكفر، والقتال، والإحراق، والإزالة، والصرف عن الشيء.
стр. 140
وفي حديث عمر ﵁ أنه سمع رجلًا يتعوَّذ من الفتن فقال: أتسأل ربك ألا يرزقك أهلًا ولا مالًا، تأوَّل قول الله تعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (الأنفال: ٢٨) ولم يرد فتن القتال والاختلاف.
وإليك ما جاء بنصِّه في (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) لابن حجر العسقلاني حول كلمة الفتن، تحت عنوان كتاب الفتن، يقول ابن حجر: "بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب الفتن في رواية كريمة، والأصيلي تأخير البسملة، والفتن جمع فتنة، قال الراغب: أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، ويُستعمل في إدخال الإنسان على العذاب كقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ (الذاريات: ١٤)، وعلى ما يحصل عند العذاب كقوله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ (التوبة: ٤٩)، وعلى الاختبار كقوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ (طه: ٤٠)، وفيما يُدفع إليه الإنسان من شدَّة ورخاء، وفي الشدة أظهر وأكثر استعمالًا قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: ٣٥)، ومنه قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (الإسراء: ٧٣) أي: يوقعونك ويصرفونك عن العمل بما أوحي إليك.
وقال أيضًا: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله، والمصيبة، والقتل، والعذاب، والمعصية، وغيرها من المكروهات أيضًا تُسمى فتن، فإن كانت من الله فهي على وجه الامتحان، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فقد ذمَّ الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: ١٩١)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (البروج: ١٠)، وقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ (الصافات: ١٦٢)، وقوله: ﴿بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (القلم: ٦)، وكقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ (المائدة: ٤٩) ".
стр. 141
وقال غيره: "أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه، أو آيل إليه كالكفر، والإثم، والتحريق، والفضيحة، والفجور، وغير ذلك".
تحذير النبي ﷺ من الوقوع في الفتن
باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥) وما كان النبي ﷺ يُحذِّر من الفتن:
روى البُخَاريُّ بسنده عن ابن أبي مليكة قال: قالت أسماء عن النبي ﷺ أنه قال: ((أنا على حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من أمتي فأقول: أمتي. فيقال: لا تدري مشوا على القهقهري)). قال ابن أبي مليكة: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نعود على أعقابنا، أو نُردّ على أعقابنا أو نفتن".
وروى البخاري قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: ((أنا فَرَطكم على الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا؛ ليَرِدُنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم))، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلًا؟ فقلت: نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه قال: ((إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدَّلوا بعدك، فأقول سُحقًا سُحقًا لمن بدل بعدي)).
стр. 142
باب: قول النبي ﷺ : ((سَتَرَون بعدي أمورًا تُنكرونها))
وقال عبد الله بن زيد قال النبي ﷺ : ((اصبروا حتى تلقوني على الحوض)):
روى البخاري بسنده عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله أي: ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ : ((إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تُنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدُّوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم)). وبسنده أيضًا عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية))، وبسنده عن أبي رجاء العطاردي قال: سمعتُ ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية)).
وبسنده -أي: بسند البُخاري- عن جنادة بن أبي أمية، قال: "دخلنا على عُبادة بن الصامت ﵁ وهو مريض قلنا: أصلحك الله حدّث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي ﷺ قال: ((دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان)) يعني: كفر صريح.
وبسند البخاري أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ عن أسيد بن حضير: ((أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استعملت فلانًا ولم تستعملني، قال ﵊: إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني))، ولقد جمع الإمام مسلم في صحيحه أحاديث الفتن، أو قُل: قدرًا كبيرًا منها تحت عنوان: كتاب الفتن وأشراط الساعة. جاء في هذه الأحاديث تحذير النبي ﷺ من الفتن، وبيانه ﷺ لما سيكون في آخر الزمان من الفتن التي تجعل الحليم حيران، وتجعل القابض على
стр. 143
دينه كالقابض على الجمر، وبيَّن ﷺ في هذه الأحاديث أن هذه الفتن ستكون كثيرة، تظهر وتتوالى، وتتابع كسقوط القطر أي: المطر، وبينت هذه الأحاديث أن هلاك أمة الإسلام على يد أبنائها، فإنه لا يُهلكها غيرها، وأن السيف إذا رُفع بين المسلمين لا يُوضع أي: لا توقف، بل يستمر الهرج والقتل بينهم.
وبيَّن ﷺ في هذه الأحاديث أن هناك فتنة عظيمة قبل قيام الساعة تموج كموج البحر، وغير ذلك مما ذكره ﷺ وسأورده الآن إن شاء الله تعالى، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده -رحمه الله تعالى، يقول الإمام مسلم -رحمه الله تعالى: كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج، حدثنا عمرو الناقد حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش ﵄ ((أن النبي ﷺ استيقظ من نومه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد سفيان بيده عشرة قلت: -يعني: زينب بنت جحش وأم حبيبة سألوا النبي ﵊ يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث)).
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأشعثي، وزهير بن حرب وابن أبي عمر قالوا: حدثنا سفيان عن الزهري بهذا الإسناد، وزادوا في الإسناد عن سفيان فقالوا: عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش ﵂.
وبسنده -أي: بسند الإمام مسلم- عن عروة بن الزبير: "أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته -أن أم حبيبة بنت أبي سفيان -زوجة النبي ﵊ أخبرتها يعني: أخبرت زينب بنت أبي سلمة، أن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قالت: ((خرج رسول الله ﷺ يومًا فَزِعًا مُحمرًا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب
стр. 144
من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلَّق بأصبعه الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث)).
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وعقد وهيب بيده تسعين)).
باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت:
من الفتن التي ستقع في آخر الزمان أن هناك جيشًا يؤم البيت يعني: يقصد بيت الله الحرام يريد أن يهدمه، فيُخسف بذلك الجيش، روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لقتيبة: قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد الله بن القبطية، قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان، وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين ﵂ فسألاها عن الجيش الذي يُخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير فقالت: قال رسول الله ﷺ : ((يعوذ عائذ بالبيت فيُبعث إليه بعث؛ فإذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بهم، فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارهًا، قال: يخسف به معهم، ولكنه يُبعث يوم القيامة على نيته))، وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة يعني: كلٌّ يُخسف به، والذي خرج مكرهًا في هذا الجيش الذي يُريد تدمير بيت الله الحرام، إذا كان مكرهًا يخسف به، ويُبعث يوم القيامة على نيته أي: ينجيه الله من العذاب؛ لأنه خرج مكرهًا، فكلٌّ يبعث على نيته.
وبهذا الإسناد قال: لقيت أبا جعفر، فقلت: إنها إنما قالت: ببيداء من الأرض، وقال أبو جعفر: كلا والله إنها لبيداء المدينة، يعني: من طريق المدينة يقصدون
стр. 145
بيت الله الحرام ليهدموه. وبسند مسلم عن أمية بن صفوان سمع جده عبد الله بن صفوان يقول: أخبرتني حفصة أنها سمعت النبي ﷺ يقول: ((ليؤمَّن هذا البيت -يعني: ليقصدن هذا البيت- جيش يغزونه حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأوسطهم، ويُنادي أولهم آخرهم، ثم يُخسف بهم، فلا يبقى إلا الشريد الذي يُخبر عنهم))، فقال رجل: أشهد عليك أنك لم تكذب على حفصة، وأشهد على حفصة أنها لم تكذب على النبي ﷺ .
فالأحاديث يُصدق بعضها بعضًا، الأول عن أم حبيبة وعن زينب بنت جحش، والثاني عن أم سلمة، وآخر عن حفصة بنت عمر ﵅ جميعًا.
وبسنده أيضًا عن يوسف بن ماهك قال: أخبرني عبد الله بن صفوان، عن أم المؤمنين، هنا لم يُسمِّ من هي؛ لأن كل نساء النبي ﵊ يُسمَّون أو يُكنَّون بأمهات المؤمنين، فيقول عبد الله بن صفوان: عن أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: ((سيعوذ بهذا البيت -يعني: الكعبة- قوم ليست لهم مَنَعة -يعني يحتمون ببيت الله الحرام، لا عندهم أحد يمنعهم، ولا عُدة ولا سلاح معهم- ولا عدد ولا عُدة، يُبعث إليهم جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بهم)).
قال يوسف: هو يوسف بن ماهك الراوي عن عبد الله بن صفوان،: وأهل الشام -تقال: الشام والشأم بالهمزة، يعني: بالتسهيل- يومئذٍ يسيرون إلى مكة، فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش، قال زيد: وحدثني عبد الملك العامري، عن عبد الرحمن بن سابط، عن الحارث بن أبي ربيعة، عن أم المؤمنين بمثل حديث يوسف بن ماهك، غير أنه لم يذكر فيه الجيش الذي ذكره عبد الله بن صفوان.
وقال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني، عن محمد بن زياد، عن عبد الله بن الزبير أن عائشة ﵂-
следующие страницы →