Полный текст (366 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقال غيره: "أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة إلى المكروه، ثم أطلقت على كل مكروه، أو آيل إليه كالكفر، والإثم، والتحريق، والفضيحة، والفجور، وغير ذلك".
تحذير النبي ﷺ من الوقوع في الفتن
باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥) وما كان النبي ﷺ يُحذِّر من الفتن:
روى البُخَاريُّ بسنده عن ابن أبي مليكة قال: قالت أسماء عن النبي ﷺ أنه قال: ((أنا على حوضي أنتظر من يرد علي، فيؤخذ بناس من أمتي فأقول: أمتي. فيقال: لا تدري مشوا على القهقهري)). قال ابن أبي مليكة: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نعود على أعقابنا، أو نُردّ على أعقابنا أو نفتن".
وروى البخاري قال: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: ((أنا فَرَطكم على الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا؛ ليَرِدُنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم))، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلًا؟ فقلت: نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيه قال: ((إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدَّلوا بعدك، فأقول سُحقًا سُحقًا لمن بدل بعدي)).
стр. 142
باب: قول النبي ﷺ : ((سَتَرَون بعدي أمورًا تُنكرونها))
وقال عبد الله بن زيد قال النبي ﷺ : ((اصبروا حتى تلقوني على الحوض)):
روى البخاري بسنده عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله أي: ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ : ((إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تُنكرونها، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدُّوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم)). وبسنده أيضًا عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية))، وبسنده عن أبي رجاء العطاردي قال: سمعتُ ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية)).
وبسنده -أي: بسند البُخاري- عن جنادة بن أبي أمية، قال: "دخلنا على عُبادة بن الصامت ﵁ وهو مريض قلنا: أصلحك الله حدّث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي ﷺ قال: ((دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان)) يعني: كفر صريح.
وبسند البخاري أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ عن أسيد بن حضير: ((أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله استعملت فلانًا ولم تستعملني، قال ﵊: إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني))، ولقد جمع الإمام مسلم في صحيحه أحاديث الفتن، أو قُل: قدرًا كبيرًا منها تحت عنوان: كتاب الفتن وأشراط الساعة. جاء في هذه الأحاديث تحذير النبي ﷺ من الفتن، وبيانه ﷺ لما سيكون في آخر الزمان من الفتن التي تجعل الحليم حيران، وتجعل القابض على
стр. 143
دينه كالقابض على الجمر، وبيَّن ﷺ في هذه الأحاديث أن هذه الفتن ستكون كثيرة، تظهر وتتوالى، وتتابع كسقوط القطر أي: المطر، وبينت هذه الأحاديث أن هلاك أمة الإسلام على يد أبنائها، فإنه لا يُهلكها غيرها، وأن السيف إذا رُفع بين المسلمين لا يُوضع أي: لا توقف، بل يستمر الهرج والقتل بينهم.
وبيَّن ﷺ في هذه الأحاديث أن هناك فتنة عظيمة قبل قيام الساعة تموج كموج البحر، وغير ذلك مما ذكره ﷺ وسأورده الآن إن شاء الله تعالى، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه بسنده -رحمه الله تعالى، يقول الإمام مسلم -رحمه الله تعالى: كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج، حدثنا عمرو الناقد حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش ﵄ ((أن النبي ﷺ استيقظ من نومه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد سفيان بيده عشرة قلت: -يعني: زينب بنت جحش وأم حبيبة سألوا النبي ﵊ يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث)).
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وسعيد بن عمرو الأشعثي، وزهير بن حرب وابن أبي عمر قالوا: حدثنا سفيان عن الزهري بهذا الإسناد، وزادوا في الإسناد عن سفيان فقالوا: عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش ﵂.
وبسنده -أي: بسند الإمام مسلم- عن عروة بن الزبير: "أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته -أن أم حبيبة بنت أبي سفيان -زوجة النبي ﵊ أخبرتها يعني: أخبرت زينب بنت أبي سلمة، أن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ قالت: ((خرج رسول الله ﷺ يومًا فَزِعًا مُحمرًا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب
стр. 144
من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلَّق بأصبعه الإبهام والتي تليها، قالت: فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث)).
وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وعقد وهيب بيده تسعين)).
باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت:
من الفتن التي ستقع في آخر الزمان أن هناك جيشًا يؤم البيت يعني: يقصد بيت الله الحرام يريد أن يهدمه، فيُخسف بذلك الجيش، روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه قال: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، واللفظ لقتيبة: قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا جرير عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد الله بن القبطية، قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان، وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين ﵂ فسألاها عن الجيش الذي يُخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير فقالت: قال رسول الله ﷺ : ((يعوذ عائذ بالبيت فيُبعث إليه بعث؛ فإذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بهم، فقلت: يا رسول الله فكيف بمن كان كارهًا، قال: يخسف به معهم، ولكنه يُبعث يوم القيامة على نيته))، وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة يعني: كلٌّ يُخسف به، والذي خرج مكرهًا في هذا الجيش الذي يُريد تدمير بيت الله الحرام، إذا كان مكرهًا يخسف به، ويُبعث يوم القيامة على نيته أي: ينجيه الله من العذاب؛ لأنه خرج مكرهًا، فكلٌّ يبعث على نيته.
وبهذا الإسناد قال: لقيت أبا جعفر، فقلت: إنها إنما قالت: ببيداء من الأرض، وقال أبو جعفر: كلا والله إنها لبيداء المدينة، يعني: من طريق المدينة يقصدون
стр. 145
بيت الله الحرام ليهدموه. وبسند مسلم عن أمية بن صفوان سمع جده عبد الله بن صفوان يقول: أخبرتني حفصة أنها سمعت النبي ﷺ يقول: ((ليؤمَّن هذا البيت -يعني: ليقصدن هذا البيت- جيش يغزونه حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأوسطهم، ويُنادي أولهم آخرهم، ثم يُخسف بهم، فلا يبقى إلا الشريد الذي يُخبر عنهم))، فقال رجل: أشهد عليك أنك لم تكذب على حفصة، وأشهد على حفصة أنها لم تكذب على النبي ﷺ .
فالأحاديث يُصدق بعضها بعضًا، الأول عن أم حبيبة وعن زينب بنت جحش، والثاني عن أم سلمة، وآخر عن حفصة بنت عمر ﵅ جميعًا.
وبسنده أيضًا عن يوسف بن ماهك قال: أخبرني عبد الله بن صفوان، عن أم المؤمنين، هنا لم يُسمِّ من هي؛ لأن كل نساء النبي ﵊ يُسمَّون أو يُكنَّون بأمهات المؤمنين، فيقول عبد الله بن صفوان: عن أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: ((سيعوذ بهذا البيت -يعني: الكعبة- قوم ليست لهم مَنَعة -يعني يحتمون ببيت الله الحرام، لا عندهم أحد يمنعهم، ولا عُدة ولا سلاح معهم- ولا عدد ولا عُدة، يُبعث إليهم جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بهم)).
قال يوسف: هو يوسف بن ماهك الراوي عن عبد الله بن صفوان،: وأهل الشام -تقال: الشام والشأم بالهمزة، يعني: بالتسهيل- يومئذٍ يسيرون إلى مكة، فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش، قال زيد: وحدثني عبد الملك العامري، عن عبد الرحمن بن سابط، عن الحارث بن أبي ربيعة، عن أم المؤمنين بمثل حديث يوسف بن ماهك، غير أنه لم يذكر فيه الجيش الذي ذكره عبد الله بن صفوان.
وقال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني، عن محمد بن زياد، عن عبد الله بن الزبير أن عائشة ﵂-
стр. 146
قالت: ((عَبِث رسول الله ﷺ في منامه)) قيل: معناه اضطرب بجسمه، وقيل: حرك أطرافه كمن يأخذ شيئًا أو يدفعه، ((فقلنا: يا رسول الله، صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله، فقال: العجب إن ناسًا من أمتي يؤمُّون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم، فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد يجمع الناس)) يعني: الطريق فيه الصالح، وفيه الطالح، وفيه من هو ذاهب يريد بيت الله الحرام، وفيهم من ليس يريد ذلك ((قال: نعم، فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتَّى، يبعثهم الله على نيَّاتهم)) يعني: الذي لا يقصد هدم بيت الله لا يُؤاخذ على أنه خُسف به، يكفيه الخسف.
ثم بعد ذلك ذكر الإمام مسلم بابًا في نزول الفتن، وأنها كثيرة كمواقع القطر -يعني: المطر- يروي مسلم بسنده عن عروة، عن أسامة -أي: أسامة بن زيد ﵄: "أن النبي ﷺ أشرف على أُطم من آطام المدينة -يعني: حصن عال من حصون المدينة- ثم قال: هل ترون ما أرى، إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر"، مثل: المطر عندما ينزل.
وروى مسلم قال: حدثني عمرو الناقد، والحسن الحلواني، وعبد بن حميد قال عبد: أخبرني، وقال الآخران: حدثنا يعقوب، وهو ابن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، حدثني ابن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: "أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرَّف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليَعُذْ به)) يعني: القاعد في هذه الفتن خير من القائم، خير من الواقف، والقائم خير من الذي يمشي بين الناس بالفتنة، والذي يمشي بالفتنة -يعني: ببطء- خير من الساعي الذي يسعى
стр. 147
بسرعة ليُشعل الفتنة بين الناس، هذه الفتنة من تعرض لها وقع فيها، ((من تشرَّف لها تستشرفه)) ثم يحذر الرسول ﷺ ويدعو المسلم إلى أن يبتعد عن هذه الفتن فيقول: ((ومن وجد فيها ملجأ فليَعُذْ به)).
وروى مسلم أيضًا بسنده مثل هذا الحديث؛ إلا أن أبا بكر يزيد ((من الصلاة صلاة من فاتته؛ فكأنما وُتر أهله وماله)) صلاة العصر، جاءت في أحاديث أخرى. كأنما ضاع أهله وماله. وروى مسلم أيضًا بسنده عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((تكون فتنة النائم فيها خير من اليقظان)) يعني: والنائم هنا ليس المراد النوم وإنما الذي يكون بعيدًا عن هذه الفتن ولا يشارك فيها، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم ((فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليستعذ)) يعني: الذي يجد ملجأ، أو شيء يعيذه من هذه الفتن فليلجأ إلى هذا المكان.
وروى مسلم أيضًا بسنده قال: حدثني أبو كامل الجحدري فُضيل، وفضيل بن حسين، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عثمان الشحام قال: انطلقت أنا وفرقد السبخي إلى مسلم بن أبي بكرة، وهو في أرضه فدخلنا عليه فقلنا: هل سمعت أباك يُحدِّث في الفتن حديثًا؟ قال: نعم. سمعت أبا بكرة -هو أبوه- أبو بكرة نفيع بن الحارث، هذا ابنه الذي يروي هذا الحديث، قال: نعم. سمعت أبا بكرة يُحدِّث، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنها ستكون فتن، ألا ثَمَّ تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، والماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه)) يعني: يروح الصحراء بعيد عن الفتن، ويعيش يرعى الإبل والأغنام، ويأكل منها، ((ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض)) يعني: ماذا يفعل؟ كالذين
стр. 148
يعيشون في الحضر قال ﷺ : ((يعمد إلى سيفه فيدقّ على حدِّه بحجر -يعني: معناه السلاح عنده يتخلص منه- ثم لينجُ إن استطاع النجاة يهرب، اللهم هل بلغت اللهم، هل بلغت اللهم هل بلغت، قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أُكرهتُ حتى يُنطلق بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفئتنين، فضربني رجل بسيفه، أو يبوء أو يجيء سهم فيقتلني، قال ﵊: يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار))، المعنى: أنت ما دمت مكرهًا فلا شيء على مكره.
ثم بعد ذلك ذكر الإمام مسلم بابًا في التحذير من أن يقتتل المسلمان، وأنه يجب البُعد عن التشاحن والبغضاء؛ فقال: باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما:
روى بسنده عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل -يقصد عليًّا- ينصره وينضم إلى حزبه، يقول: فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف؟ قال: قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله ﷺ يعني: عليًّا. قال: فقال لي: يا أحنف ارجع، ارجع يا أحنف لماذا؟ ارجع؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما -يعني: توجه أحدهما إلى الآخر وكل منهما رفع سيفه على أخيه- فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال ﵊: إنه قد أراد قتل صاحبه)) ما هو كان نيته يقتله، والناس تُحاسب على نيتها في هذه المواقف.
وبسنده أيضًا عن الأحنف بن قيس، عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) والتقى بمعنى تواجه، وروى مسلم أيضًا بسنده عن ربعي بن خراش، عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال:
عن النبي ﷺ ((إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما على جرف جهنم)) واقفين على شفة النار، إن رجعا ولم يقتل أحدهما الآخر، هنا تكون السماحة والعفو، أما لو قتل أحدهما صاحبه وقعا الاثنان في جهنم.
стр. 149
وبسنده -يعني: بسند مسلم- عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ فذكر أحاديث -يعني: أبو هريرة ذكر أحاديث- منها، وقال رسول الله ﷺ : ((لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتنان، وتكون بينهما مقتلة عظيمة، ودعواهما واحدة)) الاثنين كل واحد يدعي أن الحق معه والهدف واحد للاثنين. وبسنده أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج. قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل)).
ثم عقد الإمام مسلم بابًا بعنوان: باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض يعني: الأمة الإسلامية ضمن الله لها ألا تُهلك على يد أعدائها، وإنما يكون هلاكها على يد بعضها، يعني: يهلك بعضها بعضًا، روى الإمام مسلم بسنده عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله زوى لي الأرض)) -زواها يعني: جمعها ووضعها كلها أمامي- ((فكشفت لي، فرأيت مشارقها ومغاربها)) طبعًا هذا لا يعجز الله يعني: الكرة الأرضية كُشفت لرسول الله ﷺ كلها، ثم قال ﵊: ((وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها)) معناه: أن الإسلام سيعمّ الكرة الأرضية، وقد عمها في كل بلاد العالم الآن يوجد مسلمون، ((وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض)) يعني: الذهب والفضة ((وإني سألت ربي لأمتي ألا يُهلكها بسنة عامة وألا يُسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم)).
سأل النبي ﷺ ربنا ألا يجعل هلاك الأمة الإسلامية بسبب الجوع والقحط، كما أنه طلب من الحق وسأله ألا يجعل، أو ألا يسلط على أمة المسلمين عدوًّا يقضي عليهم قضاء كاملًا فيستبيح بيضتهم ((وإن ربي قال لي: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء، فإنه لا يُردّ، وإني أعطيت لأمتك ألا أُهلكهم بسنة عامة، وألَّا أسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم)) المراد بالبيضة يعني:
стр. 150
حوزة الإسلام، أو حرم الأرض الإسلامية، ((ولو اجتمع عليهم من أقطارها)) يعني: لو جاءت الأعداء من كل مكان من الأرض إن شاء الله لا تستبيح بيضة المسلمين يعني: كل ما يملكه المسلمون، أو قال: ((من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا)) وهذا ما حدث.
وبسنده -يعني: بسند الإمام مسلم- عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان أن نبي الله ﷺ قال: ((إن الله تعالى زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض))، ثم ذكر نحو الحديث السابق، وبسنده أي: بسند مسلم؛ قال: قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، ثم تحوَّل السند قال: وحدثنا ابن نمير، واللفظ له، قال: حدثنا أبي، حدثنا عثمان بن حكيم، أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه أن رسول الله ﷺ : ((أقبل ذات يوم من العالية)) العالية مكان بعيد عن المدينة، وكان سيدنا عمر له فيه أغراض، كان يسكن به كثيرًا، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلًا، ثم انصرف إلينا فقال ﷺ : ((سألت ربي ثلاثًا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي ألا يُهلك أمتي بالسنة)) يعني: بالفقر ((فأعطانيها، وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)).
وقال مسلم أيضًا: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا عثمان بن حكيم الأنصاري، أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه: "أنه أقبل مع رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه؛ فمر بمسجد بني معاوية بمثل حديث ابن نمير السابق".
ثم عقد الإمام مسلم، بابًا آخر تحت عنوان باب إخبار النبي ﷺ بما يكون إلى قيام الساعة، قال الإمام مسلم: حدثني حرملة بن يحيى التجيبي، أخبرنا ابن وهب،
стр. 151
أخبرنا يونس عن ابن شهاب، قال حذيفة: "أن أبا إدريس الخولاني كان يقول: قال حذيفة بن اليمان: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة حذيفة كان يُعرف بأنه صاحب سرّ رسول الله ﷺ هو الذي يعرف حديث الفتن بالتفصيل، وهو الذي كان يعرف المنافقين واحدًا واحدًا بأسمائهم.
يقول: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله ﷺ أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يُحدثه غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال: وهو يحدث مجلسًا أنا فيه عن الفتن -فأنا الذي أحفظه وأتذكره من بين أولئك الأصحاب، فقال رسول الله ﷺ وهو يَعُدّ الفتن: ((منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئًا)) يعني: فيه ثلاث فتن لا تترك شيئًا، ((ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار))، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري.
وروى مسلم بسنده عن شقيق، عن حذيفة قال: ((قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدَّث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء؛ وإنه لا يكون منه الشيء قد نسيته فأُراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه)) يعني: فيه حاجات من الفتن التي ستظهر أنا نسيتها، لكن عندما تقع وأراها أتذكر ما قاله رسول الله ﷺ ، كأن تنسى شبه إنسان يغيب عنك، فلما يقع أمامك تتذكره مرة أخرى، هذا ما أراد أن يقوله حذيفة ﵁ وأرضاه.
وروى مسلم بسنده عن عبد الله بن يزيد عن حذيفة أنه قال: "أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته، إلا أني لم أسأله ما يُخرج أهل المدينة من المدينة في آخر الزمن، مع أن الدجال سيدخل كل قرية إلا المدينة، فإنه على كل نقب يعني: طريق من طرق المدينة ملك شاهر أي: رافعًا سيفه، لو قدم الدجال ناحية المدينة قتله ذلك الملك.
стр. 152
يقول حذيفة: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته -يعني: كان يستفسر عن كل شيء إلا أني لم أسأله ما يُخرج أهل المدينة من المدينة، على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام.
وبسنده حدثني أبو زيد يعني: عمرو بن أخطب قال: ((صلَّى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا)) يعني: الذي حفظ ذلك هو الذي صار أعلم القوم.
ثم ذكر الإمام مسلم بابًا آخر تحت عنوان: باب: الفتنة التي تموج كموج البحر، روى الإمام مسلم بسنده عن حذيفة، ما أغلب أحاديث الفتن عن حذيفة لماذا؟ لأنه كما رأيتم هو الذي حفظ أحاديث الفتن، والذين كانوا معه ماتوا، فكان كل ما يتذكر شيء من الفتن يُحدث به، فروى مسلم بسنده تحت هذا العنوان: "الفتنة التي تموج كموج البحر"، روى بسنده عن شقيق عن حذيفة قال: "كنا عند عمر -يعني: سيدنا عمر بن الخطاب- فقال عمر: أيُّكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال: يعني: قال فقلت: أنا قال عمر: إنك لجريء، وكيف قال ﷺ قال: قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((فتنة الرجل في أهله، وماله، ونفسه، وولده، وجاره يُكفّرها الصيام، والصلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)) فقال عمر: ليس هذا أريد، إنما أريد الفتن التي تموج كموج البحر، قال: فقلت: ما لك ولها يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال عمر: أفيُكسر الباب أم يُفتح يا حذيفة؟ قال حذيفة: قلت: لا، بل يُكسر، قال: ذلك أحرى ألا يُغلق أبدًا؛ لأنه لو فتح ممكن يغلق، إنما كُسر لا يغلق بعد كسره، قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم مَن الباب؟ قال: نعم،
стр. 153
كما يعلم أن دون غدٍ الليلة، إني حدَّثته حديثًا ليس بالأغاليط -يعني: عمر كان هو الباب، ولما مات سيدنا عمر فُتحت الفتنة كما تعلمون- قال: فهبنا أن نسأل حذيفة مَن الباب؟ فقلنا لمسروق: سله، فسأله، فقال حذيفة: عمر"، يعني: هو الباب الذي كُسر، ولم تغلق الفتنة بعد ذلك.
وروى الإمام مسلم نفس الحديث بسند آخر، وشقيق يقول فيه: سمعت حذيفة يقول.
وروى مسلم أيضًا عن أبي وائل عن حذيفة قال: قال عمر: من يحدثنا عن الفتنة واقتص الحديث بنحو حديثهم السابق.
وروى مسلم بسنده أيضًا، قال: حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن حاتم، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون عن محمد قال: قال جندب: جئت يوم الجرعة؛ فإذا رجل جالس فقلت: ليهرقنَّ اليوم هاهنا دماء، فقال: ذاك الرجل كلَّا والله، قلت: بلى والله، قال: كلا والله، قلت: بلى والله، قال: كلا والله إنه لحديث رسول الله ﷺ حدثنيه، قلت: بئس الجليس لي أنت منذ اليوم، تسمعني أخالفك، وقد سمعته من رسول الله ﷺ فلا تنهاني، ثم قلت: ما هذا الغضب، فأقبلت عليه وأسأله، فإذا الرجل حذيفة.
أيضًا حديث آخر نختم بهذه الأحاديث في الفتن رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يَحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيُقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو)) هذه كلها أحاديث صحيحة في الكتاب الذي هو أصح الكتب بعد كتاب البخاري، وهو صحيح مسلم، فلا يسع المسلم إلا التصديق بما جاء وما ورد فيها، والإيمان بكل ما جاء فيها على لسان المصطفى ﷺ . فعلى المسلم أن يحذر الفتن وأن يتوقاها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 154
الدرس: ١٠ كيف يتقي المسلم الفتن .
стр. 155
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(كيف يتقي المسلم الفتن)
المراد بالتقوى في كيفية اتقاء المسلم للفتن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
إن المراد بالتقوى هنا أي: باتقاء المسلم الفتن أن يتخذ المسلم لنفسه حاجزًا وحاجبًا وحائلًا يحول بينه وبين الوقوع في الفتن.
فالتقوى: هي الحجاب الذي يحجب المسلم عن الوقوع فيما حرَّمه الله تعالى، والتقوى: هي الحاجز الذي يحجز المسلم عن الوقوع في النار، والتقوى: هي الساتر الذي يكون بين المسلم وبين العاصي، وبالتالي بينه وبين النار، والذي يتَّقي الله أخذ لنفسه وقاية من الوقوع في المعاصي وفيما يُغضب الله تعالى. ولقد ذكر ابن الأثير في كتابه (النهاية في غريب الحديث وعلومه) معنى التقوى، وكلُّ ما ذكره الإمام ابن الأثير يدور حول أن التقوى: هي أن يأخذ الإنسان لنفسه حاجزًا وساترًا من النار.
يقول: وقيتُ الشيء أوقيه إذا صُنته وسترته من الأذى، وفي شرحه لكلمة "وقي" في قوله ﷺ : ((فوقي أحدكم وجهه النار))، قال: هذا اللفظ خبر أُريد به الأمر أي: ليقي أحدكم وجهه النار بالطاعة والصدقة. وإليك ما جاء في (النهاية) لابن الأثير بنصِّه يقول: "وقى فيه فوقى أحدكم وجهه النار، وقيت الشيء أوقيه إذا صنته وسترته عن الأذى". وهذا اللفظ خبرٌ أريد به الأمر أي: ليقي أحدكم وجهه النار بالطاعة والصدقة، وفي حديث معاذ ﵁: ((وتوقَ كرائم أموالهم)) أي: تجنبها لا تأخذها في الصدقة؛ لأنها تَكْرُم على أصحابها، وتعز، فخذ الوسط لا العالي ولا النازل.
و"توق" و"اتق" بمعنًى واحد، وأصل أتقى: أوتق، فقُلبت الواو ياء للكسرة قبلها، ثم أُبدلت تاء وأدغمت، ومنه الحديث ((تيق)) و ((توق)) أي: استبقي
стр. 156
نفسك ولا تعرضها للتلف، وتحرَّز من الآفات واتقها، وقد تكرَّر ذكر الاتقاء في الحديث، ومنه حديث علي ﵁ وكرم الله وجهه قال: "كنا إذا احمرَّ البأس -يعني: اشتدَّ القتال- اتقينا برسول الله ﷺ " أي: جعلناه وقاية لنا من العدو، هذا يُثبت شجاعة رسول الله ﷺ في الميدان.
ومنه الحديث ((من عصى الله لم تقه من الله واقية)) يعني: الذي يعصى الله ليس هناك أحد يُنجيه من عقاب الله، هذا ما ورد في معنى التقوى.
كيف يتقي المسلم الفتن ؟
أما كيف يتقي المسلم الفتن أقول: أنه إذا أراد المسلم أن ينجو من الفتن؛ فليخشَ الله تعالى وليستعدّ للقائه، ويوقن بأنه سيحاسبه، وأن هذا الإنسان سيحاسب على كل عمل يعمله، وكل ما تُقدّمه يداه؛ بل سيحاسب عن كل كلمة يقولها، وعليه أن يحفظ لسانه ويصونه، وأن يعلم أن للصمت فضلٌ عظيم إذا صمت عن الحرام، ولم يولج نفسه مواطن التهم، وعليه أن يتوكَّل على الله تعالى حق التوكل، فإنه إن توكل على الله اعتمد عليه، وعندما يتقي المسلم ربه يكن له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: ٢،٣).
ولقد ذكر الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه (رياض الصالحين) بابًا في المراقبة صدَّره بآيات كريمة تدعو إلى المراقبة، ثم بعد الآيات ذكر مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة تدعو إلى مراقبة الله تعالى، فمن الآيات الكريمة التي ذكرها في المراقبة قال: قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الشعراء: ٢١٧، ٢٢٠)،
стр. 157
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (الحديد: ٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ٥،٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر: ١٤)، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (غافر: ١٩)، ثم قال: الإمام النووي بعد ذلك: "والآيات في ذلك كثيرة"، وبعد الآيات أورد الأحاديث التي جاءت في المراقبة، وبعد المراقبة تكلم عن التقوى وأتى بالآيات التي تدعو للتقوى، ثم بعد ذلك أورد الأحاديث التي جاءت في التقوى.
فمن الآيات التي ذكرها في التقوى قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٢)، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: ٧٠)، وبعد ذكر الآيات أتى بالأحاديث التي وردت في تقوى الله تعالى، والتي تدعو المسلم إلى أن يتقي الله، وتقوى الله هي المخرج من الفتن، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: ٢، ٣).
وبعدما فرغ الإمام النووي من باب التقوى ذكر باب اليقين والتوكل على الله تعالى، ثم بدأ بالآيات الداعية إلى اليقين والتوكل على الله تعالى، والتي منها قول الحق : ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٢)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: ١٧٢ - ١٧٣ - ١٧٤)، ثم بعد الآيات أورد الأحاديث الداعية إلى اليقين والتوكل على الله تعالى.
стр. 158
وإليك ما جاء في (رياض الصالحين) المؤلف المشهور الإمام النووي: كنيته أبو زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي، يقول تحت عنوان باب المراقبة: "قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩) " وقد مرت الآيات فلنعرّج على الأحاديث.
الأحاديث: الحديث الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ((بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يومًا إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا. قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه. قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تَلِد الأمة ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق فلبثت مليًّا. ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم؟ قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم)) رواه الإمام مسلم.
الشاهد في هذا الحديث في قوله: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، هنا مراقبة الله هذه المراقبة هي أول شيء يقي الإنسان من الفتن التي تحدث، وينجيه الله منها.
стр. 159
الحديث الثاني: عن أبي ذر ﵁ واسمه جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، ((اتق الله)) يعني: راقب الله في كل مكان.
الحديث الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: ((كنتُ خلف النبي ﷺ يومًا -يعني: ركب وراء رسول الله ﵊ دابته- فقال ﵊: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وفي رواية غير الترمذي ((احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشّدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا)) مراقبة، ((احفظ الله)) أي: راقب الله.
الحديث الرابع: في المراقبة، والتي هي سبب أصيل من أسباب النجاة من الفتن: عن أنس ﵁ قال: "إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدُّها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات". يعني: من الأمور المهلكة رواه البخاري، وقال: الموبقات المهلكات.
الحديث الخامس: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الله تعالى يغار، وغِيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرّم الله عليه)) حديث متفق عليه يعني:
стр. 160
رواه البخاري ومسلم، فهو في أعلى درجات الصحة من الأحاديث، والغيرة -بفتح الغين- وأصلها الأنفة.
الحديث السادس: عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص، وأقرع، وأعمى أراد الله أن يبتليهم -يعني: يختبرهم- فبعث إليهم ملكًا -أرسل ملك في صورة بشر- فأتى الأبرص فقال: أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس.، فمسحه -يعني: مسحه بيده- الملك فذهب عنه قذره، وأعطي لونًا حسنًا. قال: فأيُّ المال أحب إليك؟ قال: الإبل، أو قال: البقر، أو قال: البقر -شك الراوي- فأعطي ناقة عُشراء، فقال: بارك الله لك فيها. فأتى الأقرع فقال أيُّ شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس. فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعرًا حسنًا. قال الملك لذلك الأقرع: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر فأعطي بقرة حاملًا. وقال: بارك الله لك فيها.
فأتى الأعمى فقال: أيُّ شيءٍ أحب إليك؟ قال: أن يردَّ الله إليَّ بصري فأبصر الناس، فمسحه فردَّ الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدة، فأنتج هذان ولد هذا، فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم، ثم إنه أتى الأبرص -يعني: جاء على صورة رجل أبرص، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الجبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا -يعني: أسألك بعيرًا- أتبلَّغ به في سفري فقال: الحقوق كثيرة. قال له الملك: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصًا يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثتُ هذا المال كابرًا عن كابر. فقال الملك: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته وهيئته -في صورة أقرع وهيئة أقرع- فقال له مثل ما
стр. 161
قال لهذا، وردَّ عليه الأقرع مثل ما ردَّ الأبرص، فقال الملك: إن كنت كاذبًا فصيَّرك الله إلى ما كنت.
وأتى الأعمى في صورته وهيئته فقال: رجل مسكين وابن سبيل انقطعت بي الجبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي ردَّ عليك بصرك شاة أتبلَّغ بها في سفري، فقال له: خذْ ما شئت، قد كنت أعمى فردَّ الله إليّ بصري، فخذ ما شئت ودعْ ما شئت، فوالله ما أجهلك اليوم بشيء أخذته لله . -لا أحبس عنك شيئًا- فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك)) حديث متفق عليه.
بعض الألفاظ: "الناقة العشراء": بضم العين وفتح الشين وبالمد هي الحامل، قوله ((أنتج)) في رواية ((فنتج)) معناه: تولى نتاجها، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة، وقوله ((ولّد هذا)) بتشديد اللام أي: تولى ولادتها، وهو بمعنى: نتج في الناقة فالمولد والناتج والقابلة بمعنًى واحد، لكن هذا للحيوان وذاك لغيره، وقوله ((انقطعت بي الحبال)) هو بالحاء المهملة والباء الموحدة أي: الأسباب يبقى إذًا ليست الجبال، وإنما هي الحبال بالحاء أي: الأسباب، وقوله ((لا أجهدك)) معناه: لا أشقّ عليك في ردّ شيء تأخذه أو تطلبه من مالي، وفي رواية البخاري ((لا أحمدك)) بالحاء المهملة والميم، ومعناه: لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه، كما قالوا: ليس على طول الحياة ندم أي: على فوات طولها.
الحديث السابع: عن أبي يعلى شداد بن أوس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. قال: الترمذي وغيره من العلماء معنى ((دان نفسه)) حاسبها. يحاسب نفسه باستمرار.
стр. 162
الحديث الثامن: في باب المراقبة التي تنجي من الفتن: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) يعني: في الفتن وغيرها اترك ما لا شأن لك به، هذا حديث حسن رواه الترمذي وغيره.
الحديث التاسع: عن عمر ﵁، وعن النبي ﷺ قال: ((لا يسأل الرجل فيما ضرب امرأته)) ثم جاء باب التقوى، والإمام النووي قدَّمه -كما قلت سابقًا- بآيات منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه﴾ (آل عمران: ١٠٢)، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: ٧٠)، وذكرنا الآيات من قبل، فإلى الأحاديث التي أوردها الإمام النووي في كتابه القيم (رياض الصالحين). ذكر عدَّة أحاديث:
الحديث الأول في هذه الأحاديث: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((قيل: يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم. فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله؟ قال: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) الحديث متفق عليه، و ((فقهوا)) بضم القاف على المشهور، وحكي كسرها أي: فقهوا أي: علموا أحكام الشرع.
الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون؛ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)) حديث رواه الإمام مسلم، حديث يدعوا إلى التقوى وأخذ الحيطة والحذر من الدنيا ومن النساء، فإن أول فتنة وقعت في بني إسرائيل كانت بسبب النساء.
الحديث الثالث: عن ابن مسعود ﵁ أنّ النبي ﷺ كان يقول: ((اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى))، فالتقوى سبب من أسباب النجاة
стр. 163
من الفتن، كدعاء النبي ﵊ كان يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)) حديث رواه مسلم أيضًا.
الحديث الرابع: عن أبي طريف عدي بن حاتم الطائي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من حلف على يمين، ثم رأى أتقى لله منها؛ فليأتِ التقوى)) يعني: حلفت على يمين لكن وجدت الشيء الآخر فيه تقوى الله، فافعل الأمر الذي فيه تقوى الله، واحنث في يمينك، وكفّر عن يمينك.
الحديث الخامس: عن أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهلي ﵁ قال: "سمعتُ رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع فقال: ((اتقوا الله وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنة ربكم)) رواه الترمذي في آخر كتاب الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح. قال: ذلك ﷺ في خطبته التي خطبها في حجة الوداع بمعنى: أن هذا أصل أصيل، وحديث غير منسوخ، إنه كان في أواخر أيام المصطفى ﷺ ؛ إذ بعد حجة الوداع بثلاثة أشهر تقريبًا تُوفي رسول الله ﷺ .
ثم جاء باب اليقين والتوكل على الله ، فإذا اجتمع للمسلم المراقبة والتقوى واليقين والتوكل على الله بهذه الأمور الأربعة ينجو المسلم من الفتن.
في باب اليقين والتوكل على الله أتى الإمام النووي بالآيات القرآنية التي فيها اليقين، حسن التوكل على الله قال: تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٢٢)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (آل عمران: ١٧٣، ١٧٤)، وقال
стр. 164
تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت﴾ (الفرقان: ٥٨)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون﴾ (إبراهيم: ١١)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه﴾ (آل عمران: ١٥٩)، والآيات في الأمر بالتوكل كثيرة معلومة وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ (الطلاق: ٣)، أي: كافية، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (الأنفال: ٢)، والآيات في فضل التوكل كثيرة معروفة.
وأما الأحاديث فهي كثيرة أيضًا، وأورد الإمام النووي منها الكثير تحت هذا العنوان "باب اليقين والتوكل على الله ".
الحديث الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((عُرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد؛ إذ رُفع لي سواد عظيم -يعني: خلق عظيم- فظننت أنهم أمتي -فرح- فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق -الأفق الملك كله- فنظرت، فإذا سواد عظيم، أعظم من الأول، فقال لي: انظر إلى الأفق الآخر،، فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض ﷺ فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، جعلوا يتساءلون، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صاحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: الذين وُلدوا في الإسلام، فلم يُشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء.
فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما الذي تخوضون فيه فأخبروه؟ فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة ابن محصن ﵁ فقال: ادعوا الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم،
стр. 165
فقال: أنتم منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادعوا الله لي يا رسول الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة)) الحديث متفق عليه.
الرُّهيط -بضم الراء- تصغير رهط، وهم دون عشرة أنفس، والأفق: الناحية والجانب، وعكاشة -بضم العين وتشديد الكاف- عكَّاشة، ويجوز تخفيفها فيقال: عكاشة، والتشديد أفصح.
الحديث الثاني: عن ابن عباس ﵄ أيضًا أن رسول الله ﷺ كان يقول: ((اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت -يعني: من أجلك أحارب وأخاصم- اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون)) حديث متفق عليه. وهذا لفظ مسلم، واختصره البخاري.
الحديث الثالث: عن ابن عباس ﵄ أيضًا قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾)) رواه البخاري، يريد ابن عباس أن يقول: ليكن سلاح المسلم التوكل على الله، وليكن شعاره دائمًا حسبي الله ونعم الوكيل، هذا ما قاله ابن عباس أو ما يريده، والله أعلم في هذا؛ إذ قال: ((حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾)) رواه البخاري.
وفي رواية له يعني: البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: ((كان آخر قول إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار حسبي الله ونعم الوكيل، فالتوكل على الله ينجي من الفتن)).
стр. 166
الحديث الرابع: عن أبي هُريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((يدخُل الجَنّة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير)) حديث صحيح رواه الإمام مسلم، قيل: معناه متوكلون، وقيل قلوبهم رقيقة.
الحديث الخامس: عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه غزا مع النبي ﷺ قِبَل نجد -يعني: ناحية نجد- فلما قفل - رسول الله ﷺ قفل معهم، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاة فنزل رسول الله ﷺ وتفرَّق الناس يستظلون بالشجر ونزل رسول الله ﷺ تحت سَمُرة -شجرة نوع من السمر- فعلق بها سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال النبي ﵇: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم،
ثم قال: الأعرابي: من يمنعك مني يا محمد؟ قلت: الله، ثلاثة. الأعرابي يقولها ثلاثة مرات: من يمنعك مني؟ والرسول ﵊ يقول: الله. ولم يعاقبه وجلس)) الحديث متفق عليه. الحديث جاء بعد ذلك في روايات أخرى بالتفصيل، ((فوقع السيف من يد الرجل، فأخذه النبي ﷺ بيده وقال: من يمنعك مني يا رجل؟ فقال الرجل: يا محمد كُن خير آخذ، فإذا بالنبي ﷺ يأسره ويقدّمه لأصحابه)).
في رواية قال جابر: ((كنا مع رسول الله ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ ، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله ﷺ مُعلَّق بالشجرة فاخترطه -يعني: أخذه نزله من الشجرة، فقال: تخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله)) قال ﵊: أي: هنا التوكل على الله هو الذي ينجي من الفتن.
في رواية أبي بكر لإسماعيل في صحيحه قال: ((من يمنعك مني؟ قال: الله. قال: فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله ﷺ السيف فقال للرجل: من يمنعك
стр. 167
مني؟ فقال: كُن خير آخذ. فقال: تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال الرجل: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلَّى ﷺ سبيله، فأتى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس ﷺ ).
قوله: ((قفل)) أي: رجع، و ((العضاة)): الشجر الذي له شوك، و ((السمرة)) بفتح السين وضم الميم الشجرة من الطلح، وهي العظام من شجر العَضَاة، و ((اخترط السيف)) أي: سلّه، وهو في يده صلطن أي: مسلولًا، وهو بفتح الصاد وضمها، يجوز صَلطن وصُلطن.
الحديث السادس: عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لو أنّكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
معناه: تذهب أول النهار خماصًا، أي: ضامرة البطون من الجوع وترجع آخر النهار بطانًا أي: ممتلئة البطون.
الحديث السابع: عن أبي عمارة البراء بن عازب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا فلان، إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك؛ رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإنك إن متَّ من ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا)) متفق عليه. وفي رواية في الصحيحين عن البراء، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقِّك الأيمن، وقل))، وذكر نحوه، ثم قال: ((واجعلهنَّ آخر ما تقول)).
стр. 168
الحديث الثامن: عن أبي بكر الصديق ﵁ عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي ﵁، وهو وأبوه وأمه صحابة ﵃ قال: ((نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رءوسنا فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي ﵊: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهم)) حديث متفق عليه.
الحديث التاسع: عن أم المؤمنين أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية حذيفة المخزومية ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا خرج من بيته قال: ((باسم الله، توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضلّ أو أُضلَّ، أو أزلَّ أو أُزلَّ، أو أظلم أو أُظلم، أو أجهل أو يُجهل عليَّ)) حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهذا لفظ أبي داود.
الحديث العاشر: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من قال -يعني إذا خرج من بيته- بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ يقال له: هُديت وكُفيت ووُقيت، وتنحَّى عنه الشيطان)). رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، وقال الترمذي: حديث حسن رواه أبو داود، فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي.
وعن أنس ﵁ قال: "كان أخوان على عهد النبي ﷺ ، وكان أحدهما يأتي النبي ﷺ والآخر يحترف، فشكا المحترف أخاه للنبي ﷺ فقال له ﵊: ((لعلك تُرزق به)) " يمكن سبب رزقك هذا، رواه الترمذي بإسناد صحيح على شرط مسلم. ويحترف أي: يكتسب.
стр. 169
أقول: من هذه الآيات الكريمة التي جاءت في المراقبة والتقوى واليقين والتوكل على الله تعالى، وما جاء في ذلك من الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة، من خلال هذه الآيات وهذه الأحاديث تكون نجاة المسلم من الفتن. فعندما يُراقب المسلم ربه، ويعلم أنه مطَّلع عليه وعلى سرّه وعلانيته يبتعد كلَّ البعد عن معاصي الله تعالى، وعندما يتَّقي المسلم ربه ويخشاه يكون قد أخذ لنفسه وقاية من غضب الله تعالى وعقابه ومن النار.
ومن يتوكل على الله ويوقن بأن الله تعالى هو الرزاق وهو المحيي، وهو المميت عندما يزداد يقينه بالله يزداد توكله على الله، بهذا ينجو من الشدائد ومن الفتن، قال: تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: ٢،٣).
هذا وبالله التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 170
الدرس: ١١ تابع: كيف يتقي المسلم الفتن .
стр. 171
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(تابع: كيف يتقي المسلم الفتن)
التورع عن الشبهات، وأكل الطيب من الحلال، والتحذير من أكل الحرام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
فكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به، ويتفرع عنه أيضًا، فضل الورع والزهد، ومن يترك شيئًا لله تعالى.
يتفرع عنه أيضًا: ما يحتقره الإنسان من الكلام والصمت، وحفظ اللسان، يتفرَّع عنه أيضًا: العُزلة والتوكل على الله، ويتفرع عنه أيضًا: الخوف والرجاء، وساعة وساعة، وذكر الموت، وما جاء في الحزن، كما يتفرع من هذه العناصر الخشية من الله، وأن يقشعر جسد العبد من خشيته لله، وأيضًا البراءة من النفاق. من تخلق بهذه الأخلاق التي ذكرتها؛ نجا من الفتن، ولقد جاء تحت كل عنصر من هذه العناصر أحاديث أوردها الإمام الحافظ الهيثمي في كتابه (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد).
وإليكم بعض هذه الأحاديث كما رواه الإمام الهيثمي تحت كل عنوان من العناوين السابقة.
قال: باب: "في من نبت لحمه من الحرام": عن أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا يدخل الجنة جسد غُذِّي بحرام)) رواه أبو يعلى، والبزار، والطبراني في (الأوسط)، ورجال أبي يعلى ثقات، وفي بعضهم خلاف. وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به)) رواه الطبراني في (الأوسط) لرواية أيوب بن سويد عن الثوري، وهي مستقيمة، وإبراهيم بن خلف الرملي لم أعرفه وبقيّة رجاله رجال الصحيح.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة لحم نبت من سُحت)) رواه الطبراني، وفيه حسين بن قيس وهو متروك، إلا أن الأحاديث السابقة في هذا الموضوع كافية في هذا الباب.
стр. 172
ثم قال: "باب التورّع عن الشبهات" عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((اجعلوا بينكم وبين الحرام سُترة من الحلال)) فذكر الحديث، رواه الطبراني في حديث طويل، ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني المقدم ابن داود، وقد وُثِّق على ضعف فيه.
وعن عمار بن ياسر، أنّ رَسولَ الله ﷺ قال: ((إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما شبهات، من توقاهنَّ كنَّ وقاء لدينه، ومن وقع فيهنَّ يوشك أن يواقع الكبائر، كالمرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه لكل ملك حمى)) رواه أبو يعلى، وفيه موسى بن عبيدة، وهو متروك. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: ((الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك شبهات، فمن أوقع بهنَّ فهو قمنَ -أي: خليق وجدير- أن يأثم، ومن اجتنبهنَّ فهو أوفر لدينه كمرتعٍ إلى جنب حمى، وحمى الله الحرام)) رواه الطبراني، وفيه سابق الجزري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
وعن وائلة بن الأسقع قال: ((تراءيتُ للنبي ﷺ بمسجد الخيف، فقال لي أصحابه: يا وائلة -أي: تنحى عن وجه النبي ﷺ فقال النبي ﷺ فإنما جاء يسأل قال: فدنوت فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لتفتنا بأمر نأخذ به عنك من بعدك، قال: لتُفتك نفسك، قال: قلت: وكيف لي بذلك، قال: دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أفتاك المفتون، قلت: وكيف لي بعلم ذلك؟ قال: تضع يدك على فؤادك، فإن القلب يسكن للحلال ولا يسكن للحرام، وإن المسلم الورع يدع الصغير؛ مخافة أن يقع في الكبير. قلت: بأبي أنت ما المصيبة؟ قال: الذي يعينه قومه على الظلم، قلت: ما الحريص؟ قال: الذي يطلب المكسبة من غير حلّها، قلت: فمن الوَرِع؟ قال: الذي يقف عند الشبهة. قلت: فمن المؤمن؟
стр. 173
قال: من أمنه الناس على أموالهم ودمائهم. قلت: فمن المسلم؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. قلت: فأيُّ الجهاد أفضل. قال: كلمة حقٍّ عند إمام جائر)) رواه أبو يعلى والطبراني.
وعن وائلة قال: ((قلت: يا نبي الله، نبئني. قال: إن شئت أنبأتك بما جئت تسأل عنه، وإن شئت فسل. قال: بل أنبئني يا رسول الله؛ فإنه أطيب لنفسي. قال: جئت تسأل عن اليقين والشك، قلت: هو ذاك، قال: فإن اليقين ما استقر في الصدر واطمأنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون، دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإذا شككت فدَعْ)) فذكر نحوه رواه الطبراني، وفيه إسماعيل بن عبد الله الكندي، وهو ضعيف.
وعن وابصة بن معبد الأسدي قال: ((جئتُ رسول الله ﷺ وأنا لا أريد أن أدع من البر والإثم شيئًا إلا سألته عنه، فأتيته وهو في عصابة من المسلمين حوله، فجعلت أتخطَّاهم لأدنو منه، فانتهرني بعضهم، فقال: إليك يا وابصة عن رسول الله ﷺ أي: ابتعد عن رسول الله ﷺ فقلت: إني أحبُّ أن أدنو منه، فقال رسول الله ﷺ : دَعُوا وابصة، ادن مني يا وابصة، فأدناني حيث كنت بين يديه، فقال: أتسألني، أم أخبرك، فقلت: لا، بل تخبرني، فقال: جئت تسأل عن البر والإثم، قلت: نعم. فجمع أنامله، فجعل ينكث بهنَّ في صدري، فقال: البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردَّد، وإن أفتاك المفتون وأفتوك)) رواه الطبراني، وأحمد باختصار عنه، ورجال أحد إسنادي الطبراني ثقات.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: ((قال رجل ما الإثم يا رسول الله؟ قال: ما حاك في صدرك فدعه، قال: فما الإيمان؟ قال: من ساءته سيئته وسرَّته حسنته فهو
стр. 174
مؤمن)) رواه الطبراني وأحمد باختصار عنه، ورجال الطبراني رجال الصحيح.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك))، ثم ذكر بعد ذلك بابًا آخر، فقال عن رافع بن خُديج قال: دخلت يومًا على رسول الله ﷺ وعندهم قِدر تفور لحمه، فعجبتني شحمة فأخذتها فأردتها، فاشتكيت عليها سنة، ثم إني ذكرته لرسول الله ﷺ فقال: ((لو كان فيها نفس سبعة أناسي، ثم مسح بطني، فألقيتها خضراء، والذي بعثه بالحق ما اشتكيت حتى الساعة)) رواه الطبراني، وفيه أبو أمية الأنصاري، ولم أعرفه وبقية رجاله وُثِّقوا.
ثم قال: "باب فيمن أكل طيبًا حلالًا":
عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((والذي نفسي بيده إن مثل المؤمن كمثل النحلة أكلت طيبًا، ووضعت طيبًا، ووقعت فلم تكسر ولم تفسد)) رواه أحمد في حديث طويل تقدم، ورجاله رجال الصحيح غير أبي سبرة، وقد وثَّقه ابن حبان.
وعن أبي رزين العقيلي أن رسول الله ﷺ قال: ((مثل المؤمن مثل النحلة لا تأكل إلا طيبًا، ولا تضع إلا طيبًا)) رواه الطبراني في (الأوسط)، وفيه حجاج بن نصير، وقد وُثِّق على ضعفه وبقية رجاله ثقات قلت: وقد تقدَّم حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: لسعد بن أبي وقاص: ((أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))، وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: ((أربعٌ إذا كنَّ فيه فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفّة في طُعمة)) رواه أحمد والطبراني وإسنادهما حسن.
стр. 175
فضل الورع والزهد، وما جاء في الشهرة، وباب الصمت وحفظ اللسان
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث من كنَّ فيه استوجب الثواب واستكمل الإيمان: خلق يعيش به في الناس، وورعٌ يحجزه عن محارم الله، وحلم يردّ به جهل الجاهل)) رواه البزار، وفيه من لم أعرفه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى ناجى موسى بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مَقَتهم، مما وقع في مسامعه من كلام الرب، وكان فيما ناجاه أن قال: يا موسى، لم يتصنَّع المتصنعون لي بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرَّب المتقرِّبون بمثل الورع عمَّا حرمت عليهم، ولا تعبَّدني العابدون بمثل البكاء من خيفتي، فقال موسى: يا إله البرية كلها، ويا مالك يوم الدين، يا ذا الجلال والإكرام، فماذا أعددت لهم، وماذا جزيتهم؟ قال: يا موسى أما الزاهدون في الدنيا، فإنهم أبحتهم جنتي يتبوَّءون حيث يشاءون، وأما الورع عما حرمت عليهم، فإنه ليس من عبد يلقاني يوم القيامة إلا نقشته وفتشته عما كان في يديه إلا ما كان من الورعين، فإني استهيبهم وأُجلّهم، وأدخلهم الجنة بغير حساب، وأما البكائون من خيفتي؛ فلهم الرفيق الأعلى لا يُشَاركون فيه)).
وعن عائشة ﵂ قالت: "ما أعجب رسول الله ﷺ شيء من الدنيا أعجبه فيها إلا ورع"، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : ((يا أبا هريرة، ارضَ بما قسم الله لك تكن غنيًّا، وكن ورعًا تكن أعبد الناس، وأحب للناس ما تُحب لنفسك تكن مؤمنًا، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلمًا، وإيَّاك وكثرة الضحك، فإنه يُميت القلب، والقهقهة من الشيطان، والتبسم من الله ) رواه الترمذي وابن ماجه، خلا من قوله: ((والقهقهة)).
стр. 176
هذه الأمور التي ذكرت هي التي تجعل المسلم متقيًا للفتنة. ثم ذكر الهيثمي بابًا آخر فيمن ترك شيئًا لله تعالى أي: مخافة لله، وحبًّا في الله، ووقوفًا عند أوامر الله ونواهيه.
عن أبي قتادة وأبي الدَّهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقلنا: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا؟ قال: نعم. قال: سمعته يقول: ((إنك لن تدعَ شيئًا لله إلا أبدلك الله به ما هو خير لك منه))، وفي رواية: ((أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يُعلمني مما علمه الله ﵎ وقال: إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرًا منه)) رواه أحمد بأسانيد صحيحة.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال: رسولُ الله ﷺ : ((من قَدِر على طمع من طمع الدنيا فأدَّاه ولو شاء لم يؤدّه؛ زوَجه الله من الحور الحين حيث شاء)) رواه والطبراني.
باب: ما جاء في الشهرة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بحسب امرئ من الشرّ إن يُشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصم الله))، فالذين يحبُّون الشهرة يقعون في الرياء والسمعة. وعن ابن محيريز قال: صحبت فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ فقلت: ((أوصني رحمك الله. فقال: احفظ عني ثلاث خصال ينفعك الله بهنَّ: إن استطعت أن تعرف ولا تُعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلم فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يُجلس إليك فافعل)) رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
هذه الأمور الثلاثة فيها شهرة فبيَّن له أن يتعلَّم والناس لا يعرفون مكانه، ويسمع كثيرًا ويتكلَّم قليلًا، بل لا يتكلم إن استطاع، ويجلس ولا يُجلس إليه، يعني: الناس لا تقوم له ليُجلسوه.
стр. 177
ثم بعد ذلك ذكر بابًا "فيما يحتقره الإنسان من الكلام"؛ ليبين لنا في الأحاديث التي جاءت تحت هذا الباب أن النجاة من الفتن تكون أيضًا في حفظ اللسان، قال: عن شنير بن شكل، وعن زفر، وعن صلة بن زفر، وعن سليك بن مسحل قالوا: خرج علينا حذيفة ونحن نتحدث فقال: "إنكم لتتكلمون كلامًا إن كنا لنعدّه على عهد رسول الله ﷺ النفاق" رواه أحمد ورجاله الثقات، إلا أن ليث بن أبي سليم مدلّس. وعن حذيفة قال: "إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير بها منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم في المجلس عشر مرات"، وفي رواية "أربع مرات".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة يهوي بها في النار كذا وكذا خريفًا))، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: ((إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يريد بها بئسًا إلا ليُضحك بها القوم، وإنه لا يقع منها أبعد من السماء)). وعن أَمَة ابنة أبي الحكم الغفارية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ الرّجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها قيد ذراع، فيتكلم بالكلمة، فيتباعد منها أبعد من صنعاء)) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وعن ابن مسعود قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحك بها جلساءه، ما ينقلب إلى أهله منها بشيء؛ ينزل بها أبعد من السماء إلى الأرض".
ثم بعد ذلك جاء باب "الصمت وحفظ اللسان":
قال الهيثمي: عن سماك، قال: "قلت لجابر بن سمرة: أكنت تُجالس النبي ﷺ ؟ قال: نعم. وكان كثير الصمت" رواه أحمد والطبراني في حديث طويل، ورجال أحمد رجال الصحيح غير شريك وهو ثقة.
стр. 178
وعن أنس أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خزن لسانه ستر الله عورته، ومن كفَّ غضبه كفَّ الله عنه عذابه، ومن اعتذر إلى الله قَبِل الله منه عذره))، وعن تميم بن يزيد مولى بني زمعة عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: ((يا أيها الناس، ثنتان من وقاه الله شَرّهما دخل الجنة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، ألا تخبرنا بهما؟ ثم قال: اثنتان من وقاه الله شرّهما دخل الجنة حتى إذا كانت الثالثة حبسه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: ترى رسول الله ﷺ يريد أن يبشرنا فتمنعه، فقال: إني أخاف أن يتكَّل الناس. قال: ثنتان من وقاه الله شرهما دخل الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه)) يعني: الفرج واللسان.
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حفظ ما بين فقميه وفرجه دخل الجنة)) فقم يعني: الفم أو الفكين، رواه أحمد وأبو يعلى وغيرهم.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أُحدثك ثنتين من فعلهما دخل الجنة، قلنا: بلى يا رسول الله. قال: يحفظ الرجل ما بين فقميه وما بين رجليه. قال: فرجعت أنا وصاحبي، فقلنا: والله إن هذا لشديد، كيف يستطيع المرء أن يحفظ ما بين فقميه فلا يتكلم إلا بخير؟ قال: فأتينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، إنك ذكرت خَصلتين شديدتين، ومن يستطع أن يملك لسانه يا رسول الله؟ قال: فستٌّ من فعلهنَّ دخل الجنة، قلنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: من لا يشرك بالله شيئًا، ولا يزني، ولا يأتي ببهتان يفتريه، فأتمَّ الآية كلها، فكانت هذه أشدُّ من الأولى)) رواه الطبراني، ورجاله وثقوا.
وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: "كنا نجلس عند النبي ﷺ ونحن غلمان فلم أرَ رجلًا كان أطول صمتًا من رسول الله ﷺ ، فكان إذا تكلم أصحابه
стр. 179
فأكثروا الكلام تبسَّم". وعن الحرث بن هُشيم أنه قال: لرسول الله ﷺ : أخبرني بأمر أعتصم به. فقال رسول الله ﷺ : ((أملك هذا. وأشار إلى لسانه)).
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم، فسار على راحلته وأصحابه معه، لم يتقدّم منهم أحد بين يديه، فقال معاذ بن جبل: "يا رسول الله أسأل الله أن يجعل يومنا قبل يومك، أرأيتم كان شيء ولا يرينا الله ذلك أيُّ الأعمال نعملها بعدك، فسألت رسول الله ﷺ قال: ((الجهاد في سبيل الله، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: نِعم الشيء الجهاد في سبيل الله، وعاد بالناس من أملك من ذلك؟ قال: الصيام والصدقة، قال: نعم الشيء الصيام والصدقة، وعاد بالناس أملك من ذلك؟ فذكر معاذ كل خير يعلمه))، كل ذلك يقول رسول الله ﷺ : ((وعاد بالناس أملك من ذلك قال: يا رسول الله عاد بالناس أملك من ذلك، فأشار رسول الله ﷺ إلى فيه قال: الصمت إلا من خيرٍ، قال: وهل نؤاخذ بما تكلمت ألسنتنا؟ فضرب رسول الله ﷺ على فخذ معاذ، ثم قال: ثكلتك أمك -وما شاء الله أن يقول- وهل يكبّ الناس على مناخرهم في جهنم إلا ما نطقت به ألسنتهم، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت عن شرٍّ، قولوا خيرًا تغنموا، واسكتوا عن شر تسلموا)) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير عمرو بن مالك الجنبي، وهو ثقة.
وعن أبي أمامة أنّ رَسول الله ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ويشهد أني رسول الله ﷺ فليسعه بيته، وليبكِ على خطيئته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ويشهد أني رسول الله ﷺ فليقل خيرًا ليغنم، أو ليسكت عن شرٍّ فيسلم))، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليَسعك بيتك، وابك على ذكر خطيئتك، واملك عليك لسانك)) رواه
стр. 180
الطبراني في (الكبير) و (الأوسط)، وفيه المسعودي، وقد اختلط، لكنا نقول هذه الأحاديث وإن كان فيها بعض الضعف إلا أن بعضها يقوِّي بعضها، فموضوعها واحد وقد جاء الكثير منها بأسانيد جيدة صحيحة، وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: رسول الله ﷺ : ((طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته، وبكى على خطيئته)) رواه الطبراني في (الأوسط) و (الصغير) وحسن إسناده.
وعن إسماعيل بن أبي خالد، قال: "أوصى ابن مسعود أبا عبيدة ابنه بثلاث كلمات: أي بني أوصيك بتقوى الله، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، إلا أن عبد الملك بن عمر، قال: حدثني إلى عبد الله: أن عبد الله أوصى ابنه، وعن أبي وائل بن عبد الله أنه ارتقى الصفا؛ فأخذ بلسانه فقال للسان: "قل خيرًا تغنم، واسكت عن شرٍّ تسلم من قبل أن تندم من قبل أن تندم، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أكثر خطايا ابن آدم من لسانه)) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وعن أسود بن أصرم قال: ((قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: تملك يدك. قلت: فماذا أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: تملك لسانك. قلت: فماذا أملك؟ قال: تملك لسانك. قلت: فماذا أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: لا تبسط يدك إلا إلى خير، ولا تقل بلسانك إلا معروفًا)) رواه الطبراني وإسناده حسن.
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: ((قلت: يا رسول الله، أكلُّ ما نتكلم به يُكتب علينا، فقال: ثكلتك أمك، وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، إنك لن تزال سالمًا ما سكت، فإذا تكلمت كتب الله لك أو عليك)) يقول الهيثمي: "رواه الترمذي باختصار من قوله: ((إنك لا تزال)) إلى آخره، ورواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.
следующие страницы →