Полный текст (366 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
هذه الأمور التي ذكرت هي التي تجعل المسلم متقيًا للفتنة. ثم ذكر الهيثمي بابًا آخر فيمن ترك شيئًا لله تعالى أي: مخافة لله، وحبًّا في الله، ووقوفًا عند أوامر الله ونواهيه.
عن أبي قتادة وأبي الدَّهماء قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقلنا: هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا؟ قال: نعم. قال: سمعته يقول: ((إنك لن تدعَ شيئًا لله إلا أبدلك الله به ما هو خير لك منه))، وفي رواية: ((أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يُعلمني مما علمه الله ﵎ وقال: إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرًا منه)) رواه أحمد بأسانيد صحيحة.
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال: رسولُ الله ﷺ : ((من قَدِر على طمع من طمع الدنيا فأدَّاه ولو شاء لم يؤدّه؛ زوَجه الله من الحور الحين حيث شاء)) رواه والطبراني.
باب: ما جاء في الشهرة:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((بحسب امرئ من الشرّ إن يُشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا إلا من عصم الله))، فالذين يحبُّون الشهرة يقعون في الرياء والسمعة. وعن ابن محيريز قال: صحبت فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ فقلت: ((أوصني رحمك الله. فقال: احفظ عني ثلاث خصال ينفعك الله بهنَّ: إن استطعت أن تعرف ولا تُعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلم فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يُجلس إليك فافعل)) رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
هذه الأمور الثلاثة فيها شهرة فبيَّن له أن يتعلَّم والناس لا يعرفون مكانه، ويسمع كثيرًا ويتكلَّم قليلًا، بل لا يتكلم إن استطاع، ويجلس ولا يُجلس إليه، يعني: الناس لا تقوم له ليُجلسوه.
стр. 177
ثم بعد ذلك ذكر بابًا "فيما يحتقره الإنسان من الكلام"؛ ليبين لنا في الأحاديث التي جاءت تحت هذا الباب أن النجاة من الفتن تكون أيضًا في حفظ اللسان، قال: عن شنير بن شكل، وعن زفر، وعن صلة بن زفر، وعن سليك بن مسحل قالوا: خرج علينا حذيفة ونحن نتحدث فقال: "إنكم لتتكلمون كلامًا إن كنا لنعدّه على عهد رسول الله ﷺ النفاق" رواه أحمد ورجاله الثقات، إلا أن ليث بن أبي سليم مدلّس. وعن حذيفة قال: "إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير بها منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم في المجلس عشر مرات"، وفي رواية "أربع مرات".
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إنّ الرجل ليتكلم بالكلمة يهوي بها في النار كذا وكذا خريفًا))، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه إلى رسول الله ﷺ قال: ((إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يريد بها بئسًا إلا ليُضحك بها القوم، وإنه لا يقع منها أبعد من السماء)). وعن أَمَة ابنة أبي الحكم الغفارية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ الرّجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها قيد ذراع، فيتكلم بالكلمة، فيتباعد منها أبعد من صنعاء)) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وعن ابن مسعود قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحك بها جلساءه، ما ينقلب إلى أهله منها بشيء؛ ينزل بها أبعد من السماء إلى الأرض".
ثم بعد ذلك جاء باب "الصمت وحفظ اللسان":
قال الهيثمي: عن سماك، قال: "قلت لجابر بن سمرة: أكنت تُجالس النبي ﷺ ؟ قال: نعم. وكان كثير الصمت" رواه أحمد والطبراني في حديث طويل، ورجال أحمد رجال الصحيح غير شريك وهو ثقة.
стр. 178
وعن أنس أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : ((من خزن لسانه ستر الله عورته، ومن كفَّ غضبه كفَّ الله عنه عذابه، ومن اعتذر إلى الله قَبِل الله منه عذره))، وعن تميم بن يزيد مولى بني زمعة عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: ((يا أيها الناس، ثنتان من وقاه الله شَرّهما دخل الجنة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، ألا تخبرنا بهما؟ ثم قال: اثنتان من وقاه الله شرّهما دخل الجنة حتى إذا كانت الثالثة حبسه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: ترى رسول الله ﷺ يريد أن يبشرنا فتمنعه، فقال: إني أخاف أن يتكَّل الناس. قال: ثنتان من وقاه الله شرهما دخل الجنة ما بين لحييه وما بين رجليه)) يعني: الفرج واللسان.
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من حفظ ما بين فقميه وفرجه دخل الجنة)) فقم يعني: الفم أو الفكين، رواه أحمد وأبو يعلى وغيرهم.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أُحدثك ثنتين من فعلهما دخل الجنة، قلنا: بلى يا رسول الله. قال: يحفظ الرجل ما بين فقميه وما بين رجليه. قال: فرجعت أنا وصاحبي، فقلنا: والله إن هذا لشديد، كيف يستطيع المرء أن يحفظ ما بين فقميه فلا يتكلم إلا بخير؟ قال: فأتينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، إنك ذكرت خَصلتين شديدتين، ومن يستطع أن يملك لسانه يا رسول الله؟ قال: فستٌّ من فعلهنَّ دخل الجنة، قلنا: وما هن يا رسول الله؟ قال: من لا يشرك بالله شيئًا، ولا يزني، ولا يأتي ببهتان يفتريه، فأتمَّ الآية كلها، فكانت هذه أشدُّ من الأولى)) رواه الطبراني، ورجاله وثقوا.
وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: "كنا نجلس عند النبي ﷺ ونحن غلمان فلم أرَ رجلًا كان أطول صمتًا من رسول الله ﷺ ، فكان إذا تكلم أصحابه
стр. 179
فأكثروا الكلام تبسَّم". وعن الحرث بن هُشيم أنه قال: لرسول الله ﷺ : أخبرني بأمر أعتصم به. فقال رسول الله ﷺ : ((أملك هذا. وأشار إلى لسانه)).
وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم، فسار على راحلته وأصحابه معه، لم يتقدّم منهم أحد بين يديه، فقال معاذ بن جبل: "يا رسول الله أسأل الله أن يجعل يومنا قبل يومك، أرأيتم كان شيء ولا يرينا الله ذلك أيُّ الأعمال نعملها بعدك، فسألت رسول الله ﷺ قال: ((الجهاد في سبيل الله، قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: نِعم الشيء الجهاد في سبيل الله، وعاد بالناس من أملك من ذلك؟ قال: الصيام والصدقة، قال: نعم الشيء الصيام والصدقة، وعاد بالناس أملك من ذلك؟ فذكر معاذ كل خير يعلمه))، كل ذلك يقول رسول الله ﷺ : ((وعاد بالناس أملك من ذلك قال: يا رسول الله عاد بالناس أملك من ذلك، فأشار رسول الله ﷺ إلى فيه قال: الصمت إلا من خيرٍ، قال: وهل نؤاخذ بما تكلمت ألسنتنا؟ فضرب رسول الله ﷺ على فخذ معاذ، ثم قال: ثكلتك أمك -وما شاء الله أن يقول- وهل يكبّ الناس على مناخرهم في جهنم إلا ما نطقت به ألسنتهم، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت عن شرٍّ، قولوا خيرًا تغنموا، واسكتوا عن شر تسلموا)) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير عمرو بن مالك الجنبي، وهو ثقة.
وعن أبي أمامة أنّ رَسول الله ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ويشهد أني رسول الله ﷺ فليسعه بيته، وليبكِ على خطيئته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ويشهد أني رسول الله ﷺ فليقل خيرًا ليغنم، أو ليسكت عن شرٍّ فيسلم))، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليَسعك بيتك، وابك على ذكر خطيئتك، واملك عليك لسانك)) رواه
стр. 180
الطبراني في (الكبير) و (الأوسط)، وفيه المسعودي، وقد اختلط، لكنا نقول هذه الأحاديث وإن كان فيها بعض الضعف إلا أن بعضها يقوِّي بعضها، فموضوعها واحد وقد جاء الكثير منها بأسانيد جيدة صحيحة، وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: رسول الله ﷺ : ((طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته، وبكى على خطيئته)) رواه الطبراني في (الأوسط) و (الصغير) وحسن إسناده.
وعن إسماعيل بن أبي خالد، قال: "أوصى ابن مسعود أبا عبيدة ابنه بثلاث كلمات: أي بني أوصيك بتقوى الله، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك" رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، إلا أن عبد الملك بن عمر، قال: حدثني إلى عبد الله: أن عبد الله أوصى ابنه، وعن أبي وائل بن عبد الله أنه ارتقى الصفا؛ فأخذ بلسانه فقال للسان: "قل خيرًا تغنم، واسكت عن شرٍّ تسلم من قبل أن تندم من قبل أن تندم، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((أكثر خطايا ابن آدم من لسانه)) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وعن أسود بن أصرم قال: ((قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: تملك يدك. قلت: فماذا أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: تملك لسانك. قلت: فماذا أملك؟ قال: تملك لسانك. قلت: فماذا أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: لا تبسط يدك إلا إلى خير، ولا تقل بلسانك إلا معروفًا)) رواه الطبراني وإسناده حسن.
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: ((قلت: يا رسول الله، أكلُّ ما نتكلم به يُكتب علينا، فقال: ثكلتك أمك، وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، إنك لن تزال سالمًا ما سكت، فإذا تكلمت كتب الله لك أو عليك)) يقول الهيثمي: "رواه الترمذي باختصار من قوله: ((إنك لا تزال)) إلى آخره، ورواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.
стр. 181
وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أيمن امرئ وأشأمه ما بين لحيَيْه)) -يعني: ما بين الفكين- يعني: اللسان هو سبب اليمن وسبب الشؤم. وعن أبي اليسر أن رجلًا قال: ((يا رسول الله دُلَّني على عملٍ يُدخلني الجنة؟ قال: أمسك عليك هذا، وأشار إلى لسانه، فأعادها عليه، فقال: ثكلتك أمك، هل يكبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم)). رواه البزار، وقال: إسناده حسن، ومتنه غريب، ورواه الطبراني إلا أنه قال: قال معاذ: ((مُرني بعمل يُدخلني الجنة. قال: آمن بالله وقل خيرًا يُكتب لك، ولا تقل شرًّا يُكتب عليك، قال: وإنَّا لنُآخذ بما نتكلم به))، فذكر نحوه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت))، وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه))، وعن أنس قال: ((لقي رسول الله ﷺ أبا ذر وقال: يا أبا ذر ألا أدلُّك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: عليك بحسن الخلق وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما)). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ((سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: أن يسلم الناس من لسانك، قلت: في الصحيح منه الصلاة لميقاتها)).
وعن الحرث بن هشام قال: ((قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به قال: أملك عليك هذا وأشار إلى لسانه)). وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: لمن حوله من أمته ((اكفلوا -يعني: اضمنوا- لي بستِّ خصال، وأكفل
стр. 182
لكم الجنة -أضمن لكم الجنة- قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الصلاة، والزكاة، والأمانة، والفرج، والبطن، واللسان)). وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((تقبلوا لي ستًّا أتقبَّل لكم الجنة، إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا اؤتمن فلا يخن، غُضُّوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم)).
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة: إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يُخلف، وإذا اؤتمن فلا يخن، غضُّوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكُفُّوا أيديكم))، وعن أبي سعيد ﵁ قال: ((جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أوصني، قال: عليك بتقوى الله، فإنها جماع كل خير، وعليك بالجهاد في سبيل الله فإنه رهبانية المسلمين، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه نور لك في الأرض، وذكرٌ لك في السماء، واخزن لسانك إلا من خير -يعني: احفظ لسانك إلا من خير- فإنك بذلك تغلب الشيطان))، ومن الأسباب التي يتقي بها المسلم الفتن التوكل على الله ، وليس معنى التوكل هو أن الإنسان لا يأخذ بالأسباب، وإنما يأخذ بالأسباب ويترك النتائج إلى الله .
قال الهيثمي تحت باب التوكل: عن عمرو بن أمية الضمري "أنه قال: يا رسول الله أُرسل راحلتي وأتوكل، فقال رسول الله ﷺ ((بل قيّدها وتوكل)) رواه الطبراني من طُرق، ورجال أحدها رجال الصحيح، غير يعقوب بن عبد الله بن عمرو بن أمية، وهو ثقة.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ((أُهديت لرسول الله ﷺ ثلاثة طوائر، فأطعم خادمته طائرًا، فلما كان من الغد أتته به، فقال لها رسول الله ﷺ : ألم أنهك أن ترفعي شيئًا لغدٍ، فإن الله يأتي برزق كل غدٍ)) رواه أحمد وإسناده حسن.
стр. 183
ومن الأسباب التي تجعل المسلم ينجو من الفتن العزلة عند الفتن، المسلم يعتزل الناس ويبتعد عن شرِّهم، ويخلو في بيته، فكما أمر بحفظ لسانه عليه أيضًا أن يبتعد عن الناس عندما تقع الفتن.
عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : ((من انقطع إلى الله كفاه الله كل مئونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وَكَله الله إليها))، وعن أم ميسرة ﵂ قالت قال: رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بخير الناس رجلًا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فأشار بيده نحو المشرق، فقال: رجل آخذٌ بعنان فرسه في سبيل الله، ينظر أن يُغير أو يُغار عليه، ألا أخبركم بخير الناس بعده رجلًا؟ قالوا: بلى، فأشار بيده نحو الحجاز فقال: رجلًا في غُنيمة -يعني: مجموعة غنم صغيرة- يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، يعلم ما حقُّ الله تعالى في ماله، قد اعتزل الناس)) رواه الطبراني، ورجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس لكنه مقبول.
وعن عدسه الطائي قال: "كنت بصراف -موضع- فنزل علينا عبد الله -يعني: عبد الله بن مسعود- فبعثني إليه أهلي بأشياء، وجاء غِلمة لنا كانوا في الإبل من مسيرة أربع ليالٍ بطير، فذهبت به إليه، فلما ذهبت به إليه سألني من أين جئتني بهذا الطائر؟ قال: قلت جاء غلمان لنا كانوا في الإبل من مسيرة أربع ليالٍ، فقال عبد الله: لوددت أني حيث صِيد لا أكلم أحدًا بشيء، ولا يكلمني أحد؛ حتى ألحق بالله ".
وعن عبد الله بن عمرو أنه مرَّ بمعاذ بن جبل وهو قائم على بابه يُشير بيده كأنه يدسّ نفسه، فقال له عبد الله بن عمرو: ما شأنك يا أبا عبد الرحمن؟ تحدَّث نفسك قال: ما لي، يريد عدوَّ الله أن يلفتني عمَّا سمعت رسول الله ﷺ قال:
стр. 184
((تكابد دهرك في بيتك ألَّا تخرج إلى المجلس))، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من خرج في سبيل الله كان ضامنًا على الله، ومن عاد مريضًا كان ضامنًا على الله ، ومن غدا إلى المسجد أو راح كان ضامنًا على الله ، ومن دخل على إمام يعزّره -يعني: ينصحه يوصيه بالحق- كان ضامنًا على الله ، ومن جلس في بيته لم يغتبْ أحدًا بسوء كان ضامنًا على الله ) فيريد أن يُخرجني عدوُّ الله يريد لسانه أنه كان يدسّه في فمه أي: يضرب فمه أن يخرجني من بيتي إلى المجلس فيحدث نفسه ويتكلم، ويقصد بعدو الله الشيطان.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنه كان فيمن كان قبلكم من الأمم رجل يُقال له: مورّق، وكان متعبدًا، فبينما هو قائم في صلاته ذكر النساء واشتهاهنَّ، وانتشر حتى قطع صلاته، فغضب فأخذ قوسه فقطع وتره، فعقده بخصيته، وشدَّه لعقبه، ثم مدَّ رجليه فانتزعها، ثم أخذت تمريه ونعليه حتى أتى أرضًا لا أنيس بها، ولا وحش فاتخذ عريشًا، ثم قام يصلي فجعل كلما أصبحت تصدَّعت الأرض فخرج له خارجٌ منها معه إناء فيه طعام حتى شبع، ثم يدخل فيخرج بإناء فيه شراب فيشرب حتى يُروى، ثم يدخل وتلتئم الأرض، فإذا أمسى فُعل مثل ذلك. قال: ومر الناس قريبًا منه فأتاه رجلان من القوم فمرَّ به تحت جنح الليل، فسألاه عن قصدهما فسمت لهما بيده، قال: هذا قصدكما حيث يريدان، فسارا غير بعيد. قال أحدهما: ما يسكن هذا الرجل ها هنا بأرض لا أنيس بها، ولا وحش، لو رجعنا إليه حتى نعلم علمه، قال: فرجعا إليه، فقال له: يا عبد الله ما يُقيمك بهذا المكان، بأرض لا أنيس بها ولا وحش، قال: امضيا لشأنكما ودعاني، فأبيا وألحَّا عليه.
قال: فإني مخبركما على أن من كَتَما منكما عني أكرمه الله في الدنيا والآخرة، ومن أظهر عليَّ منكما أهانه الله في الدنيا والآخرة. قالا: نعم. قال: فنزل، فلما
стр. 185
أصبحا خرج الخارج من الأرض مثل الذي كان يخرج من الطعام، ومثليه معه فأكلوا حتى شبعوا، ثم دخل فخرج إليهم بشراب في إناء مثل الذي كان يخرج به كل يوم، ومثليه معه -يعني: خرج برزقهم- فشربوا حتى رُوُوا، ثم دخل والتأمت الأرض قال: فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: ما يعجلنا، هذا طعام وشراب وقد علمنا سمتنا من الأرض، امكث إلى العشاء، فمكثا، فخرج إليه من الطعام والشراب مثل الذي خرج أول النهار، فقال أحدهما لصاحبه: امكث بنا حتى نُصبح، فمكثا فلما أصبح خرج إليهما مثل ذلك، ثم ركبا فانطلقا، فأما أحدهما فلزم باب الملك حتى كان من خاصته، ومن سُمَّاره. وأما الآخر فأقبل على تجارته وعمله، وكان ذلك الملك لا يكذب أحدٌ في زمانه من أهل مملكته كذبةً يُعرف بها إلا صلبه، فبينما هم ذات ليلة في السمر يُحدِّثونه بما رأوا من العجائب أنشأ ذلك الرجل يُحدّث فقال: ألا أحدثك أيها الملك بحديث ما سمعت أعجب منه قط، فحدَّث بحديث ذلك الرجل الذي رأى من أمره قال: الملك ما سمعت بكذب قط أعظم من هذا، والله لتأتينِّي على ما قلت ببينه أو لأصلبنك.
قال: بيِّنتي فلان، قال: رضاء ائتوني به، فلما أتوه قال الملك: إن هذا يزعم أنكما مررتما برجل، ثم كان من أمره كذا وكذا، قال الرجل: أيها الملك أولست تعلم أن هذا كذب وهذا ما لا يكون، ولو أني حدثتك بهذا؛ لكان عليك من الحق أن تصلبني عليه، قال: صدقت وبررت فأدخل الرجل الذي كتم عليه في خاصته، ومن سُمَّاره، وأمر بالآخر فصُلب فقال رسول الله ﷺ : "فأما الذي كتم عليه منهما فقد أكرمه الله في الدنيا والآخر، وأما الذي أظهر عليه منهما فقد أهانه الله في الدنيا وهو مهينه في الآخرة، ثم نظر بكر بن عبد الله بن أنس فقال: يا أبا المثنى سمعت جدَّك يُحدّث هذا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم))، رواه
стр. 186
الطبراني في (الأوسط) عن شيخه محمد بن شعيب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات على ضعف في بعضهم يسير.
وهناك أحاديث في الخوف والرجاء، وأحاديث تحت عنوان باب ساعة وساعة، وأحاديث في ذكر الموت، وأحاديث جاءت في الحزن، وأحاديث في خشية الله تعالى، وأحاديث في علامة البراءة من النفاق، هذه الأمور إذا نظر المسلم فيها، ونظر في هذه الأحاديث، وعمل بما تطلبه منه من مراقبة لله تعالى، ومن تقوى لله تعالى، ومن يقين وثقة في الله تعالى، وتوكل على الله حق التوكل، ثم نظر إلى طعامه وشرابه فلا يأكل ولا يشرب إلا ما أحل الله تعالى له، وتورع وابتعد عن الشبهات وأكل الحلال الطيب فقط، وزهد في الدنيا كما ينبغي، وترك المحرمات، وترك أكل الشهوات الباطلة لله تعالى، وخوفًا من الحق واعتزل، وعزل شرَّه عن الناس، وخاف من الله تعالى حق الخوف، إذا فعل المسلم ذلك؛ نجا من الفتن قال: تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (الطلاق: ٢ - ٣).
هذا، وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 187
الدرس: ١٢ الآداب والأخلاق الإسلامية .
стр. 188
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(الآداب والأخلاق الإسلامية)
تعريف: الآداب، والأخلاق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين:
المراد بالآداب: ما يتأدَّب به المسلم من السِّمات والأوصاف الحميدة، وما يتخلَّق به المسلم من الأخلاق الحسنة الرفيعة، يقول ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى: "والأدب استعمال ما يُحمد قولًا وفعلًا، وعبَّر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستحسنات، وقيل: هو تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك، وقيل: إنه مأخوذ من المَأدبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سُمّي بذلك؛ لأنه يُدعى إليه"، فالأدب هو الأخذ بمجامع الأخلاق الكريمة، وإذا أريد به الطعام أي: المأدبة فهو أيضًا يدل على أن الأدب خلق كريم طيب، يُعدّ الطعام؛ ليكون مأدبة يأكل منه الجياع، ويلجأ إليه المحتاجون.
ولقد جاء في (النهاية) لابن الأثير -رحمه الله تعالى: "أنه يُراد بالأدب المأدبة وهي الطعام الذي يصنعه الرجل يدعو إليه الناس، وكان العرب يتفاخرون بالمأدبة، ويدعون الناس جميعًا إليها لا يختارون أحدًا على أحد، ولذلك قال شاعرهم:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
والقرآن الكريم عُرف بأنه مأدبة الله في الأرض، كما جاء في حديث ابن مسعود: ((القرآن مأدبة الله في الأرض)) يعني: مدعاته أي: دعا الناس إليه للانتفاع به والأخذ منه، شُبّه القرآن بصنيع صنعه الله تعالى للناس لهم فيه خير ومنفعة.
يقول ابن الأثير في (النهاية) تحت مادة أدب يقول في حديث علي: "أما إخواننا بنو أمية فقادة أدبة، جمع آدب مثل كاتب وكتبة، وهو الذي يدعو إلى المأدبة وهي
стр. 189
الطعام الذي يصنعه الرجل يدعو إليه الناس، ومنه حديث ابن مسعود: ((القرآن مأدبة الله في الأرض)) يعني: مدعاته للناس للخير والنفع.
تعريف الأخلاق: الأخلاق جمع خلق، وهو يُستعمل عند أهل اللغة في معانٍ كثيرة منها: الطبع، وهو الصفة الراسخة التي جُبل عليها الإنسان دون إرادة منه.
٢ - العادة: وهي الصفة الراسخة المكتسبة بالإرادة عن طريق المران والتدريب.
٣ - السجية: وتشمل المطبوع والمكتسب الذي أصبح عادة.
وقال ابن الأثير: الخُلق -بضم اللام وسكونها- الدين والطبع والسجية، وإليك ما جاء في (النهاية) في شرح معنى الخلق يقول: في مادة خلق يقول: في أسماء الله تعالى الخالق، وهو الذي أوجد الأشياء جميعها بعد أن لم تكن موجودة، وأصل الخلق التقدير، فهو باعتبار تقدير ما منه وجودها، وباعتبار الإيجاد على وفق التقدير خالق، وفي حديث الخوارج ((هم شرُّ الخلق والخليقة)) الخلق هو الناس، والخليقة البهائم، وقيل: هما بمعنًى واحد، ويريد بهما جميع الخلائق.
وفيه ((ليس في الميزان أثقل من حسن الخلق)) يُراد به الدين والطبع والسجية، وحقيقته: أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه، وأوصافها، ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة، وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب مما يتعلقان بأوصاف الصور الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع، كقوله ﷺ : ((أكثرُ ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق))، وقوله ﷺ : ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا))، وقوله
стр. 190
- ﷺ : ((إن العبد ليُدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم))، وقوله ﷺ : ((بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق))، وأحاديث من هذا النوع كثيرة، وكذلك جاء في ذم سوء الخلق أحاديث كثيرة، وفي حديث عائشة ﵂: ((كان خلقه القرآن)) ﷺ أي: كان متمسكًا بآدابه وأوامره ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن والألطاف، وفي حديث عمر ﵁: ((من تخلَّق للناس بما يعلم أنه ليس من نفسه شانه الله تعالى)) أي: تكلَّف أن يُظهر من خلقه خلاف ما ينطوي عليه مثل: تصنع، وتجمل إذا أظهر الصنيع والجميل (النهاية) لابن الأثير.
والأخلاق -كما سبق- منها ما هو محمود وهو ما يدعو إليه الإسلام، ومنها ما هو مذموم، وهو ما حذَّر منه الإسلام، وحسن الخلق وصف جميل تخلَّق به سيد الرسل ﷺ قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)، وفي تعريف الأخلاق قال الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني في كتابه المشهور: ((الأخلاق الإسلامية وأسسها)) قال تحت عنوان تعريف الأخلاق: "يقتضينا البحث أولًا أن نميز الأخلاق عن غيرها من الصفات الإنسانية، وأن نميز أنواع السلوك التي هي آثار خلقية عن أنواع السلوك التي ليست آثارًا خلقية حتى نعرف موضوع البحث الذي نحن في صدده، فلا يختلط علينا ما ليس من قبيل الأخلاق بما هو منها، وما ليس سلوكًا أخلاقيًّا بما هو سلوك أخلاقي، ولدى المتأمل وإمعان النظر يتبيَّن لنا أن الخُلق صفة مستقرة في النفس، فطرية، أو مكتسبة، ذات آثار في السلوك محمودة أو مذمومة، فالخلق منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، والإسلام يدعو إلى محمود الأخلاق، وينهي عن مذمومها.
نستطيع أن نقيس مستوى الخلق النفسي عن طريق قياس آثاره في سلوك الإنسان، الصفة الخلقية المستقرة في النفس إذا كانت حميدة كانت آثارها حميدة،
стр. 191
وإذا كانت ذميمة كانت آثارها ذميمة، وعلى قدر قيمة الخلق في النفس تكون بحسب العادة آثاره في السلوك، إلا أن توجد أسباب معوّقة أو صوارف صادَّة عن ظهور آثار الخلق في السلوك.
وليست كل الصفات المستقرة في النفس من قبيل الأخلاق، بل منها غرائز ودوافع لا صلة لها بالخلق، ولكن الذي يفصل الأخلاق ويميزها عن جنس هذه الصفات كون آثارها في السلوك قابلة للحمد أو للذم، فبذلك يتميَّز الخلق عن الغريزة ذات المطالب المكافئة لحاجات الإنسان الفطرية.
إن الغريزة المعتدلة ذات آثار في السلوك إلا أن هذه الآثار ليست مما يُحمد الإنسان أو يُذم عليه، فالأكل عند الجوع بدافع الغريزة ليس مما يُحمد أو يُذمّ في باب السلوك الأخلاقي، لكن الشَّره الزائد عن حاجة الغريزة العضوية أمر مذموم؛ لأنه أثر وخلق في النفس مذموم هو الطبع المفرط، وعكس ذلك أثر لخلق في النفس محمود هو القناعة، والحذر من وقوع مكروه أثر من آثار غريزة حب البقاء، وليس محلًّا للمدح أو الذم في باب السلوك الأخلاقي، لكن الخوف الزائد عن حاجات هذه الغريزة أثر بخلق في النفس مذموم هو الجبن.
أما الإقدام الذي لا يصل إلى حدّ التهور فهو أثر لخلق في النفس محمود هو الشجاعة، وهكذا سائر الغرائز والدوافع النفسية التي لا تدخل في باب الأخلاق؛ إنما يميزها عن الأخلاق كون آثارها في السلوك أمورًا طبيعية ليست مما تُحمد إرادة الإنسان عليه أو تذم، والعبادات الإسلامية كلها تدعو إلى مكارم الأخلاق؛ فالصلاة تدعو إلى حسن الخلق، وتدعو صاحبها إلى البعد والانتهاء عن الفحشاء والمنكر، ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ فلا صلاة له قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ (الكهف: ٢٧)،
стр. 192
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٥).
وكذلك الصوم يدعو إلى تقوى الله ومكارم الأخلاق، وعفة اللسان، يقول ﷺ : ((الصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يفسق، ولا يرفث، ولا يصخب، وإن سابّه أحد أو شاتمه، فليقل: إني امرؤ صائم، إني امرؤ صائم))، ويقول ﷺ : ((مَنْ لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).
والزكاة تدعو إلى مكارم الأخلاق؛ فالمسلم يخرج زكاته ولا يمنّ على الفقير والمسكين؛ فتبطل زكاته، وتضيع صدقته قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: ٢٦٣: ٢٦٥).
والحج يدعو إلى مكارم الأخلاق كسائر عبادات الإسلام، فالحج لا رفث فيه، ولا فسوق، ولا جدال، فالذي يُقبل حجة والذي تظهر عليه أخلاق الحجيج قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٩٧)، وقال ﷺ : ((من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق؛ رجع كيوم ولدته أمه)) رواه أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة.
стр. 193
وهكذا كل عبادات الإسلام سُمُوٌّ ورقي بالأخلاق، فالمسلم الحق الذي يقوم بما فرض الله عليه من عبادات تظهر عليه وعلى سلوكياته أخلاق كريمة فاضلة، دعت إليها هذه العبادات، وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله تعالى- في كتابه (خلق المسلم) يقول تحت عنوان أركان الإسلام ومبادئ الأخلاق، جاء ذلك في مقدمة الكتاب يقول: "لقد حدَّد رسول الله ﷺ الغاية الأولى من بعثته، والمنهاج المبين في دعوته بقوله ﷺ : ((إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق))، هذا الحديث رواه الإمام مالك بن أنس في (الموطأ) وغيره".
فكأن الرسالة التي خطَّت مجراها في تاريخ الحياة، وبذل صاحبها جهدًا كبيرًا في مدِّ شعاعها وجمع الناس حولها، لا تنشد أكثر من تدعيم فضائلهم، وإنارة آفاق الكمال أمام أعينهم؛ حتى يسعوا إليها على بصيرة، والعبادات التي شُرعت في الإسلام، واعتبرت أركانًا في الإيمان به ليست طقوسًا مبهمة من النوع الذي يربط الإنسان بالغيوب المجهولة، ويكلّفه بأداء أعمال غامضة، وحركات لا معنى لها، كلا، فالفرائض التي ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه، هي تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، وأن يظلَّ مستمسكًا بهذه الأخلاق مهما تغيرت أمامه الظروف، إنها أشبه بالتمارين الرياضية التي يُقبل الإنسان عليها بشغف ملتمسًا من المداومة عليها عافية البدن وسلامة الحياة، والقرآن الكريم والسنة المطهرة يكشفان بوضوح عن هذه الحقائق.
فالصلاة الواجبة عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها فقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: ٤٥) فالإبعاد عن الرذائل، والتطهير من سوء القول وسوء العمل هو حقيقة الصلاة، وقد جاء في حديث يرويه النبي ﷺ عن ربِّه، رواه الإمام البزار، قال فيه ﷺ فيما يرويه
стр. 194
عن ربه: ((إنما أتقبَّل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي -يعني: لم يتكبر على خلقي- ولم يبت مصرًّا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب)).
والزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل هي أولًا غرس لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات، وقد نصَّ القرآن الكريم على الغاية من إخراج الزكاة بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (التوبة: ١٠٣) فتنظيف النفس من أدران النقص، والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى.
ومن أجل ذلك وسَّع النبي ﷺ في دلالة كلمة الصدقة التي ينبغي أن يبذلها المسلم فقال: ((تبسُّمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة)) يعني: الرجل الأعمى لما تهديه تكون أنت مبصرًا له هذه صدقة.
وهذه التعاليم في البيئة الصحراوية التي عاشت دهورًا على التخاصم والنزق تشير إلى الأهداف التي رسمها الإسلام.
وكذلك شرَع الإسلام الصوم، فلم ينظر إليه على أنه حرمان مؤقت من بعض الأطعمة والأشربة، بل اعتبره خُطوة إلى حرمان النفس دائمًا من شهواتها المحذورة، ونزواتها المنكورة، وإقرارًا لهذا المعنى قال الرسول ﷺ : ((من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))، وقال ﵊: ((ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك
стр. 195
أحد أو جهل عليك؛ فقل: إني صائم)) رواه ابن خزيمة، والقرآن الكريم يُذكّر المسلم ثمرة الصيام بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣).
وقد يحسب الإنسان أن السفر إلى البقاع المقدسة الذي كُلِّف به المستطيع، واعتبر من فرائض الإسلام على بعض أتباعه، يحسب الإنسان هذا السفر رحلة مجردة من المعاني الخلقية، ومثلًا لما قد تحتويه الأديان أحيانًا من تعبُّدات غيبية، وهذا خطأ؛ إذ يقول الله تعالى في الحديث عن هذه الشعيرة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٩٧).
هذا العرض المجمل لبعض العبادات التي اشتُهر بها الإسلام عُرفت على أنها أركانه الأصيلة، نستبين منه متانة الأواصر التي تربط الدين بالخلق، إنها عبادات متباينة في جوهرها ومظهرها، ولكنها تلتقي عند الغاية التي رسمها الرسول ﷺ في قوله: ((إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) فالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وما أشبه هذه الطاعات من تعاليم الإسلام، هي مدارج الكمال المنشود، وروافد التطهر الذي يصون الحياة، ويُعلي شأنها، ولهذه السجايا الكريمة التي ترتبط بها، أو تنشأ عنها أعطيت منزلة كبيرة في دين الله، فإذا لم يستفد المرء منها ما يُزكي قلبه، وينقي لبَّه، ويهذب بالله ومن الناس صلته؛ فقد هوى قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (طه:٧٤: ٧٦).
стр. 196
دعوة الإسلام إلى الأخلاق الكريمة الفاضلة
لقد بيَّنَّا فيما سبق أن الأخلاق تُطلق على ما يتخلَّق به الإنسان، وأن منها المحمود ومنها المذموم، والإسلام دعا إلى الأخلاق الكريمة المحمودة، وحذَّر من الأخلاق المذمومة، وقال ﷺ كما سبق ((إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)).
وكان ﷺ أجمل الناس خلقًا وخلقًا قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤)، وقال تعالى واصفًا رسوله بالرحمة وحسن الخلق قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩)، وحول دعوة الإسلام للأخلاق النبيلة الفاضلة، وأنه جاء بتعاليم سامية تدعو إلى السمو في الأخلاق والتعامل مع الناس من منطلق إيماني، وأخلاق إسلامية فاضلة.
يقول شيخنا الغزالي -رحمه الله تعالى- في كتابه (خلق المسلم): يقول تحت عنوان نحو عالم أفضل: "ظهر من هذه التعاليم -يقصد تعاليم الإسلام التي تحدث عنها- أن الإسلام جاء لينتقل بالبشر خُطوات فسيحات إلى حياة مشرقة بالفضائل والآداب، وأنه اعتبر المراحل المؤدّية إلى هذا الهدف النبيل من صميم رسالته، كما أنه عدَّ الإخلال بهذه الوسائل خروجًا عليه وابتعادًا عنه، فليست الأخلاق من مواد الترف التي يمكن الاستغناء عنها، بل هي أصول الحياة التي يرتضيها الدين، ويحترم ذويها".
وقد أحصى الإسلام بعدئذٍ الفضائل كلها، وحثَّ أتباعه على التمسك بها واحدة واحدة، ولو جمعنا أقوال صاحب الرسالة ﷺ في التحلِّي بالأخلاق الزكية؛ لخرجنا بسفْر لا يُعرف مثله لعظيم من أئمة الإصلاح".
стр. 197
وقبل أن نذكر تفاصيل هذه الفضائل، وما ورد في كلٍّ منها على حدة، نُثبت طرفًا من دعوته الحارة إلى محامد الأخلاق، ومحاسن الشيم عن أسامة بن شريك قال: ((كنا جلوسًا عند النبي ﷺ كأنما على رءوسنا الطير ما يتكلم منا متكلم؛ إذ جاء أناس فقالوا: من أحبّ عباد الله إلى الله تعالى؟ قال ﵊: أحسنهم خلقًا))، وفي رواية: ((ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: خلق حسن))، وقال ﵊: ((إن الفُحش والتفَحُش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلامًا أحسنهم خلقًا)).
وسُئل ﷺ : ((أيُّ المؤمنين أكمل إيمانًا؟ قال: أحسنهم خلقًا)) رواه الطبراني، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ((ألا أخبركم بأحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، فأعادها مرتين أو ثلاثًا، قالوا: نعم يا رسول الله. قال: أحسنكم خلقًا)) رواه الإمام أحمد، وقال ﵊: ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، إن الله يكره الفاحش البذيء، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة)) أخرجه أحمد.
هذا التصريح لو صدر عن فيلسوف يشتغل بشئون الإصلاح الخلقي فحسب، لما كان مستغربًا منه، إنما وجه العجب أن يصدر عن مؤسس دين كبير، والأديان عادة ترتكز في حقيقتها الأولى على التعبّد المحض، ونبي الإسلام ﵊ دعا إلى عبادات شتَّى، وأقام دولة ارتكزت على جهاد طويل ضد أعداء كثيرين، فإذا كان مع سعة دينه وتشعُّب نواحي العمل أمام أتباعه يخبرهم بأن أرجح ما في موازينهم يوم الحساب الخلق الحسن، فإن دلالة ذلك على منزلة الخلق في الإسلام لا تخفى.
стр. 198
والحق أن الدين إن كان خلقًا حسنًا بين إنسان وإنسان فهو في طبيعته السماوية صلة حسنة بين الإنسان وربه، وكلا الأمرين يرجع إلى حقيقة واحدة، إن هناك أديانًا تُبشر بأن اعتناق عقيدة ما يمحو الذنوب، وأن أداء طاعة معينة يمسح الخطايا، لكن الإسلام لا يقول هذا، إلا أن تكون العقيدة المعتنقة محورًا لعمل الخير، وأداء الواجب، وأن تكون الطاعة المقترحة غُسلًا من السوء، وإعدادًا للكمال المنشود أي: أنه لا يمحق السيئات إلا الحسنات التي يطَّلع بها الإنسان ويرقى إلى مستوى أفضل، وقد حرص النبي ﷺ على توكيد هذه المبادئ العادلة حتى تتبينها أمته جيدًا، فلا تهون لديها قيمة الخلق، وترتفع قيمة الطقوس.
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن العبد ليبلُغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، وأشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل درجة في جهنم)) رواه الطبراني.
وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم))، وفي رواية ((إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار)) رواه أبو داود في سننه، وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن المسلم المسدَّد -يعني: الموفق- ليُدرك درجة الصُّوَّام القُوَّام بآيات الله بحسن خلقه، وكرم طبيعته)).
وبيَّن ﷺ أن كرم المؤمن دينه، مكانته هي الدين، وأن المروءة في العقل، وأنّ الحسب إنما هو في حسن الخلق، فقال ﷺ فيما رواه عنه أبو هريرة قال ﵊: ((كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه)) رواه الحاكم.
وروى أبو ذر عن النبي ﷺ أنه قال: ((قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليمًا، ولسانه صادقًا، ونفسه مطمئنة، وخلقته مستقيمة)) رواه ابن حبان،
стр. 199
وحسن الخلق لا يُؤسَّس في المجتمع بالتعاليم المرسلة، أو الأوامر والنواهي المجردة؛ إذ لا يكفي في طبع النفس على الفضائل أن يقول المعلم لغيره: افعل كذا أو لا تفعل كذا، فالتأديب المثمر يحتاج إلى تربية طويلة، ويتطلب تعهدًا مستمرًّا، ولن تصلح تربية إلا إذا اعتمدت على الأسوة الحسنة، فالرجل السيِّئ لا يترك في نفوس من حوله أثرًا طيبًا، وإنما يُتوقع الأثر الطيب ممن تمتدّ العيون إلى شخصه فيروعها أدبه، ويسبيها نبله، وتقتبس بالإعجاب المحض من خلاله، وتمشي بالمحبة الخالصة في آثاره، بل لا بد ليحصل التابع على قدر كبير من الفضل؛ ليكون في متبوعه قدر أكبر، وقسط أجل.
وقد كان رسول الله ﷺ بين أصحابه مثلًا أعلى في الخلق الذي يدعو إليه، فهو يغرس بين أصحابه هذا الخلق السامي بسيرته العاطرة قبل أن يغرسه بما يقوله من حِكَم وعظات، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: ((إن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا))، وكان يقول: ((خياركم أحاسنكم أخلاقًا))، وعن أنس ﵁ قال: ((خدمت النبي ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي: أفٌّ قط، ولا قال لشيء: لما فعلت كذا، وهلَّا فعلت كذا)) رواه البخاري.
وعنه -يعني: عن أنس ﵁: ((إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فتنطلق به حيث شاءت، وكان إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم يُرَ مقدمًا ركبتيه بين يد جليس له)) الحديث رواه الترمذي، يعني: أنه ﵊ يتحفَّظ مع جلسائه فلا يتكبر عليهم.
وفي يسره وسهولته ﷺ تُخبر عائشة ﵂ عن هذا اليسر فتقول: ((ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان
стр. 200
أبعد الناس عنه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء قط، إلا أن تُنتهك حرمة الله فينتقم، وما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى)) أخرجه مسلم.
وعن أنس ﵁ قال: ((كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي -يعني: كساء غليظ خشن- فأدركه فأعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ ، وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه رسول الله ﷺ وضحك، وأمر له بعطاء)) رواه البخاري.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه))، وفي رواية ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه))، وعن جرير ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق)) الحمق ((وإذا أحب الله عبدًا أعطاه الرفق))، وعن جرير أن النبي ﷺ قال: ((إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق)) أي: الحمق ((وإذا أحبَّ الله عبدًا أعطاه الرفق، ما من أهل بيت يُحرمون الرفق إلا حُرموا الخير كله))، وسئلت عائشة ﵂ ما كان رسول الله ﷺ يفعل في بيته. قالت: ((كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة)) معناه: أنه كان يساعدهم في عمل البيت.
وعن عبد الله بن الحارث قال: "ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله ﷺ وعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ فطيم -يعني: صغير- يُسمى أبا عمير، لديه عصفور مريض اسمه النغير، فكان
стр. 201
رسول الله ﷺ يُلاطف الطفل الصغير، ويقول له: ((يا أبا عمير ما فعل النغير)) الحديث رواه البخاري.
والمعروف في شمائل الرسول ﷺ أنه كان سمحًا لا يبخل بشيء أبدًا، شجاعًا لا ينكص عن حق أبدًا، عدلًا لا يجور في حكم أبدًا، صدوقًا أمينًا في أطوار حياته كلها، وقد أمر الله المسلمين أن يقتدوا به في طيب شمائله، وعريك خلاله فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١). قال القاضي عياض: "كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعًا قد سبقهم إليه، واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عُريٌ، والسيف في عنقه، وهو يقول: ((لن تُراعوا))، وقال علي ﵁: ((إنا كنا إذا حمى البأس واحمرت الحدق، نتقي برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب إلى عدوٍّ منه)).
وعن جابر ﵁ قال: "ما سُئل النبي ﷺ فقال: لا". وقد قالت له خديجة: "إنك تحمل الكلَّ، وتُكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق " وحُمل إليه سبعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسّمها، فما ردَّ سائلًا حتى فرغ منها.
"وجاء رجل فسأله ﷺ فقال له: ((ما عندي شيء، ولكن ابتع عليَّ)) ((فإذا جاءنا شيء قضيناه))، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه يا رسول الله، فكره النبي ﷺ ذلك، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالًا، فتبسم ﷺ وعُرف البشر في وجهه وقال: ((بهذا أمرت)).
стр. 202
وكان رسول الله ﷺ يؤلف أصحابه ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر النار ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد منهم يتفقد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردُّه إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء.
وكان دائم البشر، سهل الطبع، لين الجانب، ليس بفظٍّ، ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحَّاش، ولا عتَّاب، ولا مدَّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه قاصده.
وعن عائشة ﵂: "ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال: لبيك"، وقال جرير بن عبد الله ﵁: "ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم، وكان يُمازح أصحابه، ويخالطهم، ويجاريهم، ويداعب صبيانهم، ويجلسهم في حجره، ويجيب دعوة الحر، والعبد، والأمة، والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عُذر المعتذر". قال أنس: "ما التقم أحد أذن رسول الله ﷺ يعني: ناجاه، فينحي رسول الله ﷺ رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه" أي: هو الذي يبتعد، وما أخذ أحد بيده فيرسل ﵊ يده حتى يرسلها الآخر، وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم يُر قط مادًّا رجليه بين أصحابه، فيضيّق بهما على أحد يُكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه ليجلس عليه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى، ويكني أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم؛ تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام".
стр. 203
وعن أنس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ إذا أُتي بهدية قال: اذهبوا بها إلى بيت فلانة، إنها كانت تحب خديجة" هذا من الوفاء، وعن عائشة ﵂ قالت: "ما غِرت على امرأة ما غرت على خديجة، لما كنت أسمعه يذكرها ﵊ وإن كان ليذبح الشاة، فيهديها إلى خلائلها -يعني: إلى أصدقائها- واستأذنت عليه أختها، فارتاح إليها، ودخلت عليه امرأة فهشَّ لها، وأحسن السؤال عنها، ولما خرجت قال: ((إنها كانت تأتينا في أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان)).
وكان ﷺ يصل رحمه من غير أن يؤثرهم على من أفضل منهم، وعن أبي قتادة ﵁ قال: ((لما جاء وفد النجاشي قام النبي ﷺ يخدمهم بنفسه، فقال له أصحابه: نكفيك يا رسول الله. فقال ﵊: إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أحب أن أكافئهم)).
وعن أبي أمامة ﵁ قال: ((خرج علينا رسول الله ﷺ متوكئًا على عصى، فقمنا له فقال: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يُعظّم بعضهم بعضًا، وقال: إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، وكان يركب الحمار، ويُردف خلفه من يركب معه، ويعود المساكين، ويُجالس الفقراء، ويجلس بين أصحابه مختلطًا بهم حيثما انتهى به المجلس جلس))، "وحج رسول الله ﷺ على رحل رثٍّ عليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم فقال: ((اللهم حجة لا رياء فيها ولا سُمعة، ولما فتحت عليه مكة ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ رأسه على راحلته حتى كاد أن يمسَّ قادمته؛ تواضعًا لله تعالى)).
وكان كثير السكوت لا يتكلم في غير حاجة يُعرض عمن تكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسمًا، وكلامه فصلًا لا فضول فيه ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم؛ توقيرًا واقتداء به، مجلسه مجلس حلم، وخير، وأمانة، لا تُرفع فيه
стр. 204
الأصوات، ولا تُخدش فيه الحرم، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، وإذا مشى مشى مجتمعًا يُعرف في مشيته أنه غير ضاجر ولا كسلان.
وقال ابن أبي هالة: كان سكوته على أربع على الحلم والحذر، والتقدير والتفكر. وقالت عائشة ﵂: ((كان يُحدث حديثًا لو عدَّه العادُّ أحصاه))، وكان ﷺ يحب الطيب والرائحة الحسنة، ويستعملها كثيرًا، وقد سيقت إليه الدنيا بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحها فأعرض عن زهرتها، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله، ها هي الأخلاق الحميدة الفاضلة الكريمة، التي دعا إليها الإسلام في القرآن الكريم، وعلى لسان النبي المصطفى الكريم، سيدنا محمد ﷺ .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 205
الدرس: ١٣ الحياء من الإيمان .
стр. 206
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(الحياء من الإيمان)
نماذج من الآداب والأخلاق الإسلامية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
إن الأخلاق في الإسلام لها منزلة رفيعة عالية، وأكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، والأدب الحسن الرفيع، والخلق الكريم هو أفضل ما يُربّي الوالد ولده عليه، وأحلى، وأحسن، وأجمل ما يُعطي الوالد ولده الأدب الحسن قال ﷺ : ((ما نحل -أي: ما أعطى- والد ولده أفضل من أدب حسن)). والآداب الإسلامية كثيرة جمعت منها كُتب السنة الكثير والكثير، وسنذكر بعضها من (مختصر صحيح الإمام البخاري) و (صحيح الإمام مسلم) -رحمهما الله تعالى.
ففي كتاب الأدب للإمام البخاري نماذج عديدة من الأخلاق الحميدة التي دعا إليها الإسلام على لسان رسول الله ﷺ منها: أحق الناس بالصحبة، وعدم السب، والشتم، وعدم التسبّب في شتم الوالدين، والدعوة إلى صلة الرحم، والرحمة بعباد الله، إلى آخر هذه الموضوعات الموجودة بكتاب (الأدب) للإمام البخاري.
واخترنا من (صحيح الإمام مسلم) الأحاديث المتعلقة بالاستئذان وآداب الاستئذان، ولنبدأ بما جاء في (صحيح الإمام البخاري في المختصر) تحت عنوان كتاب الأدب جاءت عدة أبواب في الآداب والأخلاق الإسلامية.
الباب الأول: من أحق الناس بحسن الصحبة: عن أبي هريرة ﵁ قال: ((جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم مَن؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم مَن؟ قال: ثم أبوك)).
стр. 207
الباث الثاني: لا يَسُبّ الرجل والديه: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال سول الله ﷺ : ((إن من أكبر الكبائر أن يَلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبّ الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه))، الحديث الأول ((قال: أمك. قال: ثم مَن؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك.)) كررت الأم أو الوصية بالأم للتأكيد على أن الاهتمام بالأم يكون أكثر؛ لأنها في حاجة إلى العطف والشفقة أكثر من الأب، وتحملت من المتاعب ما لا يتحمّله الأب، ومع ذلك ليس معنى هذا أن الإنسان يَعطِف على أمه بقدر ما يعطف على أبيه ثلاث مرات، وإنما هو مجرد التأكيد على العطف على الأم؛ لأنه جاء في حديث آخر من غير تكرار، عندما سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: ((يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال له ﵊: أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك)) يعني: الأقرب فالأقرب.
الباب الثالث في كتاب الأدب من (مختصر صحيح الإمام البخاري) تحت عنوان: باب إثم القاطع أي: قاطع الرحم: عن جُبير بن مطعم ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يدخل الجنة قاطع))، الباب الذي بعد ذلك في فضل صلة الرحم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله: من وصلكِ وصلته، ومن قطعكِ قطعته)).
الباب الذي بعد ذلك في إثم من لم يأمن جاره بوائقه: يعني: الشرور والأذى، على الجار أن يأمن شر جاره، فالإحسان إلى الجار من الأخلاق والآداب التي دعا إليها الإسلام، عن أبي شريح ﵁ قال: ((إن النبي ﷺ قال: والله لا يؤمن. قيل: ومَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)) أي: شروره وأذاه، ثم بين ﷺ بعد ذلك أن من علامة الإيمان ألا يؤذي المؤمن جاره، فقال ﵊ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه،
стр. 208
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)) يعني: يسكت، ثم بيَّن ﷺ بعد ذلك أن كل إنسان مطالب بأن يعمل المعروف، وأن المعروف صدقة يتصدق بها على نفسه.
عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: كل معروف صدقة، ودعا ﷺ إلى الرفق والسماحة واللين في كل الأمور، فعن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : ((إن الله يُحب الرفق في الأمر كله))، ودعا بعد ذلك ﷺ المؤمنين إلى أن يتعاونوا، وأن يتكاتفوا، وأن يتحدوا، عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُدُّ بعضه بعضًا، ثم شبَّك بين أصابعه وكان النبي ﷺ جالسًا إذ جاءه رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال: اشفعوا فلتؤجرُوا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء)) يعني: الإنسان يسعى في طلب الخير للناس، وليس عليه أن يُدرك تحقيق المصالح، وأجره على الله .
ثم جاء حديث بعد ذلك بيَّن بعضًا من الأخلاق الكريمة لرسول الله ﷺ ؛ إذ كان هاشًّا باشًّا في وجوه الناس، ليس فاحشًا ولا متفحشًا، ولا سبابًا ولا صخابًا في الأسواق، تحت باب: لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا: روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك ﵁ قال: ((لم يكن النبي ﷺ سبابًا، ولا فحاشًا، ولا لعانًا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة -يعني: عندما يعتب عليه لأمر أخطأ فيه- كان النبي ﷺ يقول: ما له تَرِب جبينه)) وهي كلمة تقولها العرب من باب الحث على الفعل، أو ترك الفعل، ولا يراد بها حقيقة الدعاء.
أما حُسن الخلق والسخاء وما يُكره من البخل فقد حذَّر منه النبي ﷺ ، دعا إلى حسن الخلق والسخاء، وحذَّر من البُخل، عن جابر ﵁ قال: ((ما سُئل النبي ﷺ عن شيء قط -يعني: أبدًا- فقال: لا.)) يعني: كان يعطي ولا يقول ﷺ : لا.
стр. 209
وعن أنس ﵁ قال: ((خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي أفّ، ولا لِمَ صنعت، ولا أَلَا صنعت)).
والباب الذي بعد ذلك عنوانه: ما يُنهى عنه من السباب واللعن، عن أبي ذر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((لا يرمي رجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدَّت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك)) يعني: من قال لإنسان يا فاسق، أو يا كافر، والذي قيل له هذا الكلام، ورمي بالفسق أو بالكفر لم يكن أهلًا للفسق ولا للكفر؛ عاد الكلام إلى القائل.
وعن ثابت بن الضحاك ﵁ وكان من أصحاب الشجرة أي: شجرة الرضوان يوم البيعة التي نزل فيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح: ١٨) ثابت هذا راوي هذا الحديث كان من أصحاب الشجرة، قال: ((إن رسول الله ﷺ قال: من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا؛ عُذب به يوم القيامة، ومن لعن مؤمنًا فهو كقتله، ومن قذف مؤمنًا بكُفر فهو كقتله)).
الباب الذي بعد ذلك: تحذير من النميمة: بيَّن فيه ﷺ أن النمام لا يدخل الجنة، والنمام هو الذي ينقل الحديث بين الناس على وجه الإفساد، أما من ينقل الحديث؛ ليصلح بين الناس فليس بنمَّام، ويسمى النمام بالقتَّات تشبيهًا لمن يجمع القتَّ، عن حذيفة ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: ((لا يدخل الجنة قتات)) والقتات: هو النمام.
وهناك تمادح يدور بين الناس يكرهه الإسلام، وهو أن يمدح الرجل رجلًا بما ليس فيه، أو يمدحه بصفات وإن كانت فيه ستُغريه وتجعله يتكبر على خلق الله، أما إذا
стр. 210
أُمنت الفتنة فلا مانع من التمادح إذا دَعَا إلى خير أكثر، تحت باب ما يُكره من التمادح.
روى البخاري بسنده عن أبي بكرة ﵁ أنّ رجلًا ذُكر عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجل خيرًا، فقال النبي ﷺ : ((ويحك)) وهي كلمة تقال للزجر ((ويحك قطعت عنق صاحبك)) أي: تسببت في فتنته يقوله مرارًا، ثم قال ﷺ : ((إن كان أحدكم مادحًا لا محالة)) يعني: مصر على أن يمدح الناس ((فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يُرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يزكي على الله أحدًا))، ثم بعد ذلك جاء حديث ينهي المسلم عن التحاسد والتدابر، والحسد هو تمني زوال نعمة الغير، والتدابر هو التنافر، فجاء الحديث بعد ذلك؛ ليُحذّر المسلمين من البغضاء، ومن الحسد، ومن التدابر، ودعاهم إلى أن يكونوا إخوانًا في الله متحابين، وبيَّن أنه لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، ونهى عن التجس، ونهى عن التناجش، وهو الخداع في البيع والشراء، عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إيَّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا)).
ثم بيَّن الحديث الذي بعد ذلك أن هناك ظن يجوز، عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : ((ما أظن فلانًا وفلانًا يعرفان من ديننا شيئًا))، وفي رواية ((يعرفان ديننا الذي نحن عليه))، ثم بعد ذلك دعت الأحاديث إلى ستر المؤمن على نفسه إذا ابتُلي بالمعاصي، فليداري نفسه ولا يتحدث بها، وأمره إلى الله . أما
стр. 211
المجاهرون بالمعاصي، والذين يفعلون الذنوب والخطايا لا يراهم أحد، ثم بعد ذلك يتحدَّثون عنها، ويظهرونها للناس، ويُفشونها، أخبر النبي ﷺ بأنهم مجاهرون، والله يغفر لكل مذنب ومذنبة إلا المجاهرين؛ لأنهم تجرءوا على حُرمة الله وعلى ستر الله.
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجانة -أي: المجاهرة- أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يُصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)) رواه البخاري برقم ٦٠٦٩. والباب الذي بعد ذلك باب الهجرة، وقول النبي ﷺ : ((لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث))، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا يَحِلُّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ يلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)).
الباب الذي بعد ذلك: دعوة إلى الصدق: فإن الصدق خلق كريم دعا إليه الرسول الكريم، ودعا إليه القرآن الكريم في كثير من آيات الذكر الحكيم تحت باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) جاء ذلك الحديث عن عبد الله أي: ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا))، ثم هناك الصبر على الأذى أو الصبر في الأذى، فعلى المسلم إذا ابتُلي أن يصبر ويعلم أن أجر الصابرين كبير، ويكفي أن الحق قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠).
стр. 212
تحت باب الصبر في الأذى: عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليس أحد، أو ليس شيء أصبر على أذًى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليُعافيهم ويرزقهم))، الحق يدَّعي بعضُ الناس أن له ولدًا، ومع ذلك يرزقهم ويعافيهم من البلاء والأمراض، هل هناك صبر بعد ذلك.
ثم جاء باب: الحذر من الغضب: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) يعني: ليس الشديد هو الذي يصرع الناس ويغلبهم، وإنما الشديد في الحق، الشديد حقًّا هو الذي يملك نفسه عند الغضب، وعن أبي هريرة ﵁ أيضًا أن رجلًا قال للنبي ﷺ : ((أوصني. قال: لا تغضب. فردَّد مرارًا. قال: لا تغضب)).
ثم بعد ذلك جاء باب الحياء: والحياء خلق كريم لا يأتي إلا بخير، قال ذلك المصطفى ﷺ . فتحت عنوان باب الحياء روى البخاري بسنده عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((الحياء لا يأتي إلا بخير)).
الباب الذي بعد ذلك: باب إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت: عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) يعني: هذا خلق كريم دعت إليه كل الشرائع السماوية أي: الحياء.
وبعد أن انتهينا مما جاء في (مختصر صحيح الإمام البخاري) في كتاب الأدب من الأخلاق الكريمة الفاضلة، والآداب الحسنة التي دعا إليها الإسلام، نذكر ما جاء في كتاب الآداب في (صحيح مسلم) في باب الاستئذان، وما يتعلق به من آداب، فتحت عنوان باب الاستئذان روى الإمام مسلم بسنده، عن بُسر بن سعيد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "كنت جالسًا بالمدينة في مجلس الأنصار،
стр. 213
فأتانا أبو موسى فَزِعًا أو مذعورًا، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر -أي: ابن الخطاب وكان أميرًا للمؤمنين يومها- أرسل إليَّ أن آتيه فأتيت بابه فسلمت ثلاثًا، فلم يردّ عليَّ، فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فسلمت على بابك ثلاثًا فلم يردُّوا علي فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ : ((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤذن له، فليرجع)) فقال عمر: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك، أي: أقم البينة على أنك سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، فقال أُبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد قلت: أنا أصغر القوم، قال فاذهب به: فذهب أبو سعيد إلى سيدنا عمر، وشهد أنه سمع ذلك الحديث أيضًا من رسول الله ﷺ ".
والحديث الذي بعد ذلك هو نفس الحديث، وزاد ابن أبي عمر في حديثه قال: أبو سعيد "فقمت معه فذهبت إلى عمر فشهدت".
وبسنده أيضًا أن بسر بن سعيد سمع أبا سعيد الخدري يقول: "كنا في مجلس عند أُبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا حتى وقف فقال: أنشدكم الله هل سمع أحد منكم رسول الله ﷺ يقول: ((الاستئذان ثلاث؛ فإن أُذن لك وإلا فارجع)) قال أُبي: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئته اليوم فدخلت عليه؛ فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثًا ثم انصرفت، قال: قد سمعناك ونحن حينئذٍ على شغل، فلوما استأذنت حتى يُؤذن لك، قال: استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ ، قال: فوالله لأوجعنَّ ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا، فقال أُبي: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنًّا أي: أصغرنا، قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا".
стр. 214
أدب الاستئذان في الدخول على البيوت يكون ثلاثًا، وهنا شيء آخر في هذا الحديث حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على حديث رسول الله ﷺ حتى لا يزيد فيه أحد.
نفس الحديث برواية أخرى رواه مسلم بسنده، عن أبي سعيد أن أبا موسى أتى باب عمر فاستأذن فقال: "عمر واحدة، ثم استأذن الثانية، فقال عمر: ثنتان، ثم استأذن الثالثة؛ فقال عمر: ثلاث، ثم انصرف، فأتبعه فردَّه فقال:
"إن كان هذا حفظته من رسول الله ﷺ فها أي: قل، وإلا فلأجعلنك عظة"، قال أبو سعيد: فأتانا -يعني: أبو موسى- فقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال: ((الاستئذان ثلاث)) قال: فجعلوا يضحكون، قال: فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد أُفزع تضحكون، انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة، فأتاه فقال: هذا أبو سعيد".
وروى مُسلم أيضًا بسنده عن أبي سعيد ﵁ وعن أبي ندرة قالا الاثنان؛ أبو سعيد وأبو ندرة: "هذا الحديث بنفس المعنى"، وروى مسلم بسنده عن عبيد بن عميرة، أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا، فكأنه وجده مشغولًا فرجع، فقال عمر: ألم تسمع صوت عبد الله بن قيس، وهو أبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس، ائذنوا له، فدُعي له، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنا كنا نُؤمر بهذا -والصحابي إذا قال كنا نؤمر يكون ذلك حديثًا؛ لأنه لا يأمر الصحابي إلا رسول الله ﷺ قال عمر: لتُقيمنَّ على هذا بينة، أو لأفعلنَّ -تهديد- فخرج، فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا فقام أبو سعيد فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله ﷺ ألهاني عنه الصفق بالأسواق، يعني: سيدنا عمر حزن على ما فاته من الأحاديث بسبب التجارة التي كان يعمل بها.
стр. 215
وروى مسلم بسنده عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعري -وأبو بردة ابن سيدنا أبو موسى الأشعري يعني: يروي هذا الحديث عن أبيه- قال:
"جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم، هذا عبد الله بن قيس فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى السلام عليكم، هذا الأشعري، ثم انصرف، فقال -أي: عمر بن الخطاب: ردُّوا عليَّ، ردُّوا عليَّ، فجاء فقال: يا أبا موسى، ما ردَّك كنا في شغل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الاستئذان ثلاث، فإن أُذن لك وإلا فارجع)) قال عمر: لتأيتني على هذا ببينة، وإلا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى، قال عمر: إن وجد بينة يعني: إن وجد أبو موسى بينة تجدوه عند المنبر عشية، يعني: في صلاة المغرب والعشاء تجدوه، وإن لم يجد بينة فلن تجدوه، فلمَّا أن جاء بالعشي وجدوه، قال أبا موسى: ما تقول أقد وجدت؟ قال: نعم. أُبي بن كعب، قال: عدل، قال: يا أبا الطفيل، ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب، فلا تكوننَّ عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: سبحان الله إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت". انظر إلى عظمة الصحابة أُبي بن كعب يشهد مع أبي موسى، ويطلب من عمر بن الخطاب أن يكون رفيقًا رحيمًا بالصحابة، وألا يكون عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، فعمر استبعد أن يكون عذابًا على أمة المصطفى، وقال: "سبحان الله إني سمعت شيئًا، فأحببت أن أتثبت منه".
وروى الإمام مسلم بسنده أيضًا هذا الحديث غير أنه قال: "فقال: يا أبا المنذر -وهو أُبي بن كعب- أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، فلا تكن يا ابن الخطاب عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يذكر من قول عمر سبحان والله، وما بعده".
следующие страницы →