← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10120

الحديث الموضوعي - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (366 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المجاهرون بالمعاصي، والذين يفعلون الذنوب والخطايا لا يراهم أحد، ثم بعد ذلك يتحدَّثون عنها، ويظهرونها للناس، ويُفشونها، أخبر النبي ﷺ بأنهم مجاهرون، والله يغفر لكل مذنب ومذنبة إلا المجاهرين؛ لأنهم تجرءوا على حُرمة الله وعلى ستر الله. عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجانة -أي: المجاهرة- أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يُصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)) رواه البخاري برقم ٦٠٦٩. والباب الذي بعد ذلك باب الهجرة، وقول النبي ﷺ : ((لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث))، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((لا يَحِلُّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ يلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)). الباب الذي بعد ذلك: دعوة إلى الصدق: فإن الصدق خلق كريم دعا إليه الرسول الكريم، ودعا إليه القرآن الكريم في كثير من آيات الذكر الحكيم تحت باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) جاء ذلك الحديث عن عبد الله أي: ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا))، ثم هناك الصبر على الأذى أو الصبر في الأذى، فعلى المسلم إذا ابتُلي أن يصبر ويعلم أن أجر الصابرين كبير، ويكفي أن الحق قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠).

стр. 212

تحت باب الصبر في الأذى: عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((ليس أحد، أو ليس شيء أصبر على أذًى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه ليُعافيهم ويرزقهم))، الحق يدَّعي بعضُ الناس أن له ولدًا، ومع ذلك يرزقهم ويعافيهم من البلاء والأمراض، هل هناك صبر بعد ذلك. ثم جاء باب: الحذر من الغضب: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)) يعني: ليس الشديد هو الذي يصرع الناس ويغلبهم، وإنما الشديد في الحق، الشديد حقًّا هو الذي يملك نفسه عند الغضب، وعن أبي هريرة ﵁ أيضًا أن رجلًا قال للنبي ﷺ : ((أوصني. قال: لا تغضب. فردَّد مرارًا. قال: لا تغضب)). ثم بعد ذلك جاء باب الحياء: والحياء خلق كريم لا يأتي إلا بخير، قال ذلك المصطفى ﷺ . فتحت عنوان باب الحياء روى البخاري بسنده عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((الحياء لا يأتي إلا بخير)). الباب الذي بعد ذلك: باب إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت: عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) يعني: هذا خلق كريم دعت إليه كل الشرائع السماوية أي: الحياء. وبعد أن انتهينا مما جاء في (مختصر صحيح الإمام البخاري) في كتاب الأدب من الأخلاق الكريمة الفاضلة، والآداب الحسنة التي دعا إليها الإسلام، نذكر ما جاء في كتاب الآداب في (صحيح مسلم) في باب الاستئذان، وما يتعلق به من آداب، فتحت عنوان باب الاستئذان روى الإمام مسلم بسنده، عن بُسر بن سعيد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "كنت جالسًا بالمدينة في مجلس الأنصار،

стр. 213

فأتانا أبو موسى فَزِعًا أو مذعورًا، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر -أي: ابن الخطاب وكان أميرًا للمؤمنين يومها- أرسل إليَّ أن آتيه فأتيت بابه فسلمت ثلاثًا، فلم يردّ عليَّ، فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فسلمت على بابك ثلاثًا فلم يردُّوا علي فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ : ((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يُؤذن له، فليرجع)) فقال عمر: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك، أي: أقم البينة على أنك سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، فقال أُبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد قلت: أنا أصغر القوم، قال فاذهب به: فذهب أبو سعيد إلى سيدنا عمر، وشهد أنه سمع ذلك الحديث أيضًا من رسول الله ﷺ ". والحديث الذي بعد ذلك هو نفس الحديث، وزاد ابن أبي عمر في حديثه قال: أبو سعيد "فقمت معه فذهبت إلى عمر فشهدت". وبسنده أيضًا أن بسر بن سعيد سمع أبا سعيد الخدري يقول: "كنا في مجلس عند أُبي بن كعب، فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا حتى وقف فقال: أنشدكم الله هل سمع أحد منكم رسول الله ﷺ يقول: ((الاستئذان ثلاث؛ فإن أُذن لك وإلا فارجع)) قال أُبي: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات، فلم يؤذن لي، فرجعت، ثم جئته اليوم فدخلت عليه؛ فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثًا ثم انصرفت، قال: قد سمعناك ونحن حينئذٍ على شغل، فلوما استأذنت حتى يُؤذن لك، قال: استأذنت كما سمعت رسول الله ﷺ ، قال: فوالله لأوجعنَّ ظهرك وبطنك، أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا، فقال أُبي: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنًّا أي: أصغرنا، قم يا أبا سعيد، فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا".

стр. 214

أدب الاستئذان في الدخول على البيوت يكون ثلاثًا، وهنا شيء آخر في هذا الحديث حرص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على حديث رسول الله ﷺ حتى لا يزيد فيه أحد. نفس الحديث برواية أخرى رواه مسلم بسنده، عن أبي سعيد أن أبا موسى أتى باب عمر فاستأذن فقال: "عمر واحدة، ثم استأذن الثانية، فقال عمر: ثنتان، ثم استأذن الثالثة؛ فقال عمر: ثلاث، ثم انصرف، فأتبعه فردَّه فقال: "إن كان هذا حفظته من رسول الله ﷺ فها أي: قل، وإلا فلأجعلنك عظة"، قال أبو سعيد: فأتانا -يعني: أبو موسى- فقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال: ((الاستئذان ثلاث)) قال: فجعلوا يضحكون، قال: فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد أُفزع تضحكون، انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة، فأتاه فقال: هذا أبو سعيد". وروى مُسلم أيضًا بسنده عن أبي سعيد ﵁ وعن أبي ندرة قالا الاثنان؛ أبو سعيد وأبو ندرة: "هذا الحديث بنفس المعنى"، وروى مسلم بسنده عن عبيد بن عميرة، أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا، فكأنه وجده مشغولًا فرجع، فقال عمر: ألم تسمع صوت عبد الله بن قيس، وهو أبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس، ائذنوا له، فدُعي له، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنا كنا نُؤمر بهذا -والصحابي إذا قال كنا نؤمر يكون ذلك حديثًا؛ لأنه لا يأمر الصحابي إلا رسول الله ﷺ قال عمر: لتُقيمنَّ على هذا بينة، أو لأفعلنَّ -تهديد- فخرج، فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا فقام أبو سعيد فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله ﷺ ألهاني عنه الصفق بالأسواق، يعني: سيدنا عمر حزن على ما فاته من الأحاديث بسبب التجارة التي كان يعمل بها.

стр. 215

وروى مسلم بسنده عن أبي بُردة، عن أبي موسى الأشعري -وأبو بردة ابن سيدنا أبو موسى الأشعري يعني: يروي هذا الحديث عن أبيه- قال: "جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم، هذا عبد الله بن قيس فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى السلام عليكم، هذا الأشعري، ثم انصرف، فقال -أي: عمر بن الخطاب: ردُّوا عليَّ، ردُّوا عليَّ، فجاء فقال: يا أبا موسى، ما ردَّك كنا في شغل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الاستئذان ثلاث، فإن أُذن لك وإلا فارجع)) قال عمر: لتأيتني على هذا ببينة، وإلا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى، قال عمر: إن وجد بينة يعني: إن وجد أبو موسى بينة تجدوه عند المنبر عشية، يعني: في صلاة المغرب والعشاء تجدوه، وإن لم يجد بينة فلن تجدوه، فلمَّا أن جاء بالعشي وجدوه، قال أبا موسى: ما تقول أقد وجدت؟ قال: نعم. أُبي بن كعب، قال: عدل، قال: يا أبا الطفيل، ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب، فلا تكوننَّ عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: سبحان الله إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت". انظر إلى عظمة الصحابة أُبي بن كعب يشهد مع أبي موسى، ويطلب من عمر بن الخطاب أن يكون رفيقًا رحيمًا بالصحابة، وألا يكون عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، فعمر استبعد أن يكون عذابًا على أمة المصطفى، وقال: "سبحان الله إني سمعت شيئًا، فأحببت أن أتثبت منه". وروى الإمام مسلم بسنده أيضًا هذا الحديث غير أنه قال: "فقال: يا أبا المنذر -وهو أُبي بن كعب- أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، فلا تكن يا ابن الخطاب عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يذكر من قول عمر سبحان والله، وما بعده".

стр. 216

ثم جاء باب آخر في كراهة قول المستأذن أنا، إذا قيل من هذا: أي: الذين يذهبون إلى البيوت ويستأذنون عليها، الذين يكونون في الداخل يقولون: من بالباب، أو من بالخارج؟ فيقول أنا، المفروض والمطلوب أن يقول: أنا فلان حتى يعرفه من بالداخل، وهذا ما حدث مع رسول الله ﷺ عندما جاء زائر، وطرق الباب فقال ﷺ : من؟ فقال: أنا فخرج رسول الله ﷺ كالكاره لذلك الأمر، ويقول: ((ومن أنا؟)). روى مسلم في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ((أتيت النبي ﷺ فدعوت، فقال النبي ﷺ : من هذا؟ قلت: أنا. قال: فخرج وهو يقول: أنا أنا)) أي: كأنه كره هذا ﷺ . وبسنده أيضًا عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: ((استأذنت على النبي ﷺ فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال النبي ﷺ : أنا أنا))، ثم جاء بعد ذلك التصريح بأن النبي ﷺ كان يكره هذا الأمر، فروى مسلم بسنده هذا الحديث بهذا الإسناد، وفي حديثهم ((كأنه كره ذلك)). ثم جاء باب بعد ذلك يُحرم النظر في بيت الغير، روى مسلم بسنده عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن رجلًا اطلع في جحر في باب رسول الله ﷺ يعني: كوّة، فتحة من الباب، ومع رسول الله ﷺ مدرًا يعني: مشطًا يحكُّ به رأسه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ((لو أعلم أنك تنظرني لطعنتُ به في عينك، وقال رسول الله ﷺ : إنما جُعل الإذن من أجل البصر)). وبسنده أن رجلًا اطلع من جحر في باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مِدرًا يُرجِّل به رأسه فقال له رسول ﷺ : ((لو أعلم أنك تنظر طعنت به في عينك، إنما جعل الله الإذن من أجل البصر))، وروى مسلم أيضًا بسنده عن أنس بن

стр. 217

مالك ﵁ ((أن رجلًا اطَّلع من بعض حُجر النبي ﷺ فقام إليه بمشقص أو مشاقص، فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يَخْتِلْهُ ليطعنه))، هذه الرواية من رواية سيدنا أنس بن مالك. وقال ﷺ في الحديث الذي بعد ذلك: ((من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم؛ فقد حلَّ لهم أن يفقئوا عينه))، وبسنده أي: روى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لو أن رجلًا اطلع عليك بغير إذن، فقذفته بحصاة ففقأت عينه؛ ما كان عليك من جُناح)) يعني: لا إثم عليك في ذلك، ولكن قد تكون هناك نظرة مفاجئة على المسلم أن يصرف نظره، ولا شيء عليه بعد ذلك. روى مسلم بسنده عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: ((سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفُجاءة، فأمرني أن أصرف بصري)) يعني: أمرني بصرف البصر. الحياء من الإيمان نموذج هام من نماذج الأخلاق الإيمانية في جميع الرسالات السماوية، دعا إليه كل الرسل، ونادت به كل الأنبياء. وعندما تحدثنا في عن ثمار الإيمان ذكرنا أن الحياء ثمرة من ثمار الإيمان، ولا بأس أن نتحدث عن الحياء هنا بالتفصيل؛ حيث إنه خلق هام من الأخلاق الإسلامية التي نادت بها كل الرسل، ودعت إليها كل الشرائع السماوية، فأقول -وبالله التوفيق-: الأخلاق الكريمة الفاضلة واحدة في كل الشرائع، ونادت بها كل الرسالات، ودعا إليها جميع الرسل قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣)، وفي ذلك أيضًا يقول الحق : ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٩).

стр. 218

والحياء خلق من الأخلاق النبيلة الفاضلة التي نادت بها كل الرسالات، وجاء الإسلام فأكَّد عليها؛ بل إن الحياء كان من أبرز الأخلاق التي تخلَّق بها الرسل جميعًا، لا سيما سيِّد الخلق وأشرف الرسل، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد ﷺ والذي عُرف عنه بأنه كان أشدَّ حياء من العذراء في خُدرها ﷺ . والحياءُ عَرّفه علماء اللغة بأنه تغيير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يُعاب به، أو يُذمّ عليه، وعند علماء الشرع الحياء خُلق يبعث على اجتناب القبائح، والتخلي عن الرذائل، ويمنع صاحبه من التقصير في حق ذي الحق، وعلى ذلك فالذي يتخلَّق بخلق الحياء تراه يبتعد كل البعد عن المعايب، ولا يبدر منه القبيح، وإنما يستحي من نفسه من الناس ومن الله تعالى، ولهذا كان الحياء خصلة من خصال الإيمان العظيمة، وشعبة من شعبه الكريمة. روى البخاري بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((الإيمانُ بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان))، ((الإيمان بضع وستون شعبة، وأعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)) في رواية أخرى، فهذا الحديث الشريف جعل الحياء واحدًا من شعب الإيمان، بل جعله من أهمها؛ إذ نبَّه عليه دون باقي الشعب في الرواية الأولى، وذلك لأهميته ولمكانته، وفي الرواية الثانية ذكره مقرونًا بكلمة التوحيد، وإزالة الأذى عن طريق المسلمين، فقال فيها: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))، ثم قال: ((والحياء شعبة من الإيمان)). وما كان هذا الاقتران إلا لتلك المكانة العالية لخلق الحياء، ولقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: ((الحياء خير كله))، وأنه ﷺ قال: ((إن الحياء لا يأتي إلا بخير))، وفي رواية للبخاري ومسلم عن عبد بن عمرو ﵄ أن رسول

стр. 219

الله ﷺ مرَّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : ((دعه فإن الحياء من الإيمان))، في رواية ((دعه فإن الحياء لا يأتي إلا بخير))، وفي رواية ثالثة ((دعه فإن الحياء خير كله)). وإن من المشاهد والمجرب أن الحياء يمنع صاحبه المتخلق به من ارتكاب القبائح، والمنكرات، ويجعله بعيدًا كل البعد عن كل ما يُعيب الإنسان، وحين ينعدم الحياء؛ فإنه يهون على الإنسان أن يفعل المنكرات، ويستهين بالقبائح، ويفعل ما يشاء؛ لأن الذي لا حياء له يكون مستهترًا بالناس، غير مبالٍ بهم، ولا يهتم بما يقال فيه، أو عليه، أو عنه، فهو إنسان متبلّد المشاعر ميت الأحاسيس، وكأنه بهيمة تأكل ما تشاء وترتع أينما شاءت، وتفعل ما تشاء، بل ترى عديم خلق الحياء يُفاخر بالمعاصي، ويتباهي بالمجون، وبفعل القبائح، يُسبل الله عليه ستره، فيكشف ستر الله عليه، وينادي: يا فلان يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، غير مبالٍ بالناس، ولا بمشاعر الناس، وهذا العمل وهذا المجون والمجاهرة بالإثم والمعاصي؛ إنما سببه فقدان الحياء من الله تعالى ومن الناس، وهذا العمل لا يغفره الله تعالى؛ لأن الله تعالى وكما أخبر عنه ﷺ بأنه تعالى يغفر لكل المذنبين إلا المجاهرين بمعاصيهم، لفقدهم الحياء يسترهم الله فيفضحون أنفسهم، ويفضحون الناس. ومن هنا قال ﷺ : ((إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت))، وبيَّن ﷺ أن هذا الكلام ميراث من مواريث النبوة الأولى، وأنه من كلام الأنبياء السابقين، ومما أوحى الله به إليهم؛ إذ يقول ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت))، إن الرسول ﷺ قضى بأن الإيمان والحياء قُرناء، فإذا غاب أحدهما غاب الآخر، وإذا سُلب أحدهما سُلب الآخر، روى الإمام البيهقي

стр. 220

بسنده في (شعب الإيمان) عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: ((إن الحياء والإيمان قُرناء جميعًا، فإذا رُفع أحدهما رفع الآخر))، وفي رواية عن ابن عباس ﵄ ((فإذا سُلب أحدهما تبعه الآخر)). فالحياءُ خُلقٌ نبيل دعا إليه الإسلام ورسول الله ﷺ كما دعت إليه كل الشرائع وكل الرسل، لقد جاءت أحاديث كثيرة عن سيد الخلق سيدنا محمد ﷺ تُبيّن قيمة هذا الخلق الكريم، خلق الحياء. روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار)) وما كان الأمر كذلك إلا لأن الحياء يمنع صاحبه من الوقوع في الفواحش، ويُبعده عن الرذائل، وكل ما يخدش الحياء، أما الجفاء فإنه يهوِّن على الإنسان أن يكون فاحشًا وبذيئًا، وصخابًا، وشتامًا، وعيابًا، والله يبغض الفُحشَ والتفاحش، ويبغض الفاحش البذيء، والحياء خُلق من أخلاق الإيمان الحسنة، بل هو من أوائل هذه الخلق. وأثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة إنما هو الخلق الحسن، روى الإمام الترمذي بسنده عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن أثقل شيء يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)) يقول الشيخ عبد الرحمن حسن في كتابه (الأخلاق الإسلامية): "إن الحياء يحجز المرء عن الفواحش، ويجعله يتستَّر بها إذا هو كَبَا في شيء من أوحالها، ويجعله بعيدًا عن فحش القول والبذاءة، والحياء يدفع المرء إلى التحلي بكل جميل محبوب، والتخلي عن كل قبيح مكروه، والجمال من الكمال، والقبح من النقصان، وجمال الخصال، والأفعال أسمى من جمال الرسوم والأشكال، بكل ذلك حثَّ الإسلام على التحلِّي بخلق الحياء، والبعد عن كل وقاحة ومجانة، وفحش وبذاء".

стр. 221

أقول: من أجل ذلك جعل رسول الله ﷺ الحياء خلق الإسلام؛ لأنه أساس لكل الفضائل ورادعًا وزاجرًا عن كل الرذائل، روى ابن ماجة في سننه، والبيهقي في (شعب الإيمان) عن أنس وابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((إن لكل دين خلقًا، وخلق الإسلام الحياء))، ورواه أيضًا مالك مرسلًا عن زيد بن طلحة، عن رسول الله ﷺ . ولقد سبق أن ذكرت أن رسول الله ﷺ كان أشدَّ حياء من العذارء في خدرها، وأنه وُصف في الكتب السابقة بأنه ليس بفاحش ولا بذيء، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يدفع السيئة بالحسنة، ويعفو، ويصفح، وهل هذا كله إلا من الحياء، لقد وصل من حيائه ﷺ أنه كان يغتسل مع نسائه في إناء واحد، ومن إناء واحد، ولا يرى من امرأته شيئًا، ونساؤه ﷺ لحيائهنَّ لا يرين منه شيئًا، قالت السيدة عائشة ﵂: ((كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، فما رأيت منه -صلوات الله وسلامه عليه- ولا رأى مني)) تريد العورة. وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: ((كان النبي ﷺ أشدّ حياء من العذارء في خدرها، فإذا رأى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه)) يظهر على وجهه الشيء الذي يكرهه، هذا هو الحياء، ولقد بين ﷺ أن الحياء صفة من صفات الله ؛ فخليق بكل مسلم أن يتخلق بهذا الخلق الذي هو من أخلاق الله تعالى، فلقد بيَّن ﷺ أن الله كريم جواد، يعطي الليل والنهار، إذا رفع العبد يديه إليه سائلًا شيئًا من عطاياه يستحي الحق أن يردَّ يده خائبة، بل يعطيه الحق من فضله. روى الترمذي، وأبو داود، والبيهقي في الدعوات الكبير، عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن ربكم حييٌّ كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردَّهما صفرًا)) أي: خاويتين أي: خاليتين، إن هذا الخلق الجميل، ألا

стр. 222

وهو خلق الحياء الذي هو من صفات ذي الجلال والذي يجعل الحق يغفر الذنوب لكبار السن، الذين شابوا في الإسلام؛ إذ جاء في بعض الأحاديث: ((أن الله تعالى يستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام))، وهو نفس المعنى الذي ورد في (الحلية) لأبي نعيم الأصفهاني، عن علي أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله يحب أبناء السبعين، ويستحيي من أبناء الثمانين)) قال السيوطي: هذا حديث حسن. إن هذا الحياء، وهذا الخلق النبيل جعل الإمام عليًّا كرم الله وجهه لا يسجد لصنم، ولا يرى عورة قط، حتى عورة نفسه، والحياء أيضًا هو الخلق النبيل الذي جعل عثمان بن عفان ﵁ الخليفة الثالث الراشد لا يمس، ولا يقترب من ذكره، أي: من فرجه بيده اليمنى؛ حياء من الله تعالى، إذ اليمين علامة كل خير، والله تعالى يحب التيامن في كل شيء. يقول عثمان بن عفان ﵁: "والله ما مَسَسْت ذكري بيميني منذ أسلمت، ولكن علينا جميعًا أن نفهم بأن الحياء الحق لا يمنع من قول الحق، ولا فعل الحق، ولا تعلم الخير، ولا قول الخير، فإن الحياء إذا منع من قول الحق، أو فعل الحق، أو قول الخير، أو تعلم الخير لا يكون حياء محمودًا، وإنما يكون خجلًا وكسوفًا ممقوتًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (البقرة: ٢٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (الأحزاب: ٥٣). هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 223

الدرس: ١٤ الوفاء بالعهد، وحفظ السر .

стр. 224

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (الوفاء بالعهد ، وحفظ السر) الوفاء بالعهد الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: إن الوفاء هو الأداء بالكمال والتمام، والعهد والذمة واليمين والوعد والتعاقد؛ فالإسلام يطلب من كل مسلم أن يؤدي ما عاهد عليه، وأن يقوم بما تعاهد به فيوفيه، ويؤديه كاملًا غير منقوص؛ فلا يخون العهد ولا يغدر، وإنما يقوم بالوفاء بالعهد وفاء كاملًا يقول ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث): وفى فيه "إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها"، أي: تمت العدة بكم سبعين، يقال: وفى الشيء ووفى إذا تم وكمل ومنه الحديث: ((فمررت بقوم تقرض شفاههم، كلما قرضت وفت))، أي: تمت وطالت، ومنه الحديث: ((أوفى الله ذمتك)) أي: أتمها ووفت ذمتك أي تمت، واستوفيت حقي أخذته تامًّا ومنه الحديث: ((ألست تنتجها وافية أعينها وآذانها)). وفي حديث زيد بن أرقم: "وفت أذنك، وصدَّقَ اللهُ حديثك"، كأنه جعل أذنه في السماع كالضامنة، بتصديق ما حكت، فلما نزل القرآن في تحقيق ذلك الخبر صارت الأذن كلها وافيةً بضمانها خارجة من التهمة فيما أدته إلى اللسان، وفي رواية: "أوفى الله بأذنه" أي: أظهر صدقه في إخباره عما سمعت أذنُهُ، يقال: وفى بالشيء، وأوفى، ووفَّى بمعنىً واحد. وتحت مادة عَهِدَ في باب العين مع الهاء: يقول ابن الأثير أيضًا في كتابه (النهاية) في حديث الدعاء: ((وأنا على عهدك ووعدِكَ ما استطعْتُ)) أي: أنا مقيم على ما عاهدتك عليه من الإيمان بك، والإقرار بوحدانيتك، لا أزول عنه، واستثنى بقوله: ((ما استطعت)) موضع القدر السابق في أمره، أي: إن كان قد جرى

стр. 225

القضاء أن أنقض العهد يومًا ما؛ فإني أخلد عند ذلك إلى التنصل والاعتذار؛ لعدم الاستطاعة في دفع ما قضيتَهُ علي. وقيل: معناه إني متمسك بما عهدته إلي من أمرك ونهيك، ونيل العذر في الوفاء به قدر الوسع والطاقة، وإن كنتُ لا أقدر أن أبلغَ كنْهَ الواجب فيه، وفيه: ((ولا يقتل مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهدِهِ)) أي: ولا ذو ذمة في ذمته، ((ولا مشرك أعطي أمانًا فدخل دار الإسلام، فلا يقتل حتى يعود إلى مأمنه)). ولهذا الحديث تأويلان بمقتضى مذهب الشافعي وأبي حنيفة، أما الشافعي فقال: لا يقتل المسلم بالكافر مطلقًا، معاهدًا كان الكافر، أو كان غير معاهد، حربيًّا كان أو ذميًّا، مشركًا كان أو كتابيًّا؛ فأجرى اللفظَ على ظاهره، ولم يضمر له شيئًا؛ فكأنه نهى عن قتل المسلم بالكافر، وعن قتل المعاهد. وفائدة ذكره بعد قوله: ((لا يقتل مسلم بكافر)) لئلا يتوهم متوهم أنه قد نفي عنه القَوَدُ بقتله الكافر، فيظن أن المعاهد لو قتله كان حكمه كذلك قال: ((ولا ذو عهد في عهده)) ويكون الكلام معطوفًا على ما قبله منتظمًا في سلكه من غير تقدير شيء محذوف. وأما أبو حنيفة: فإنه خصص الكافر في الحديث بالحربي دون الذمي، وهو بخلاف الإطلاق؛ لأن من مذهبه: أن المسلم يقتل بالذمي، فاحتاج أن يضمر في الكلام شيئًا مقدرًا، ويجعل فيه تقديمًا وتأخيرًا؛ فيكون التقدير: لا يقتل مسلمٌ ولا ذُو عهدِ في عهدِهِ بكافر، أي: لا يقتل مسلم، ولا كافر معاهد بكافر؛ فإن الكافر قد يكون معاهدًا وغير معاهد، وفيه: ((من قتل معاهدًا -أو معاهدًا- لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا)) يجوز أن يكون بكسر الهاء، وفتحها على الفاعل والمفعول، وهو في الحديث بالفتح أشهر وأكثر، والمعاهد من كان بينك وبينه

стр. 226

عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على أهل الذمة، وقد يطلق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترك الحرب مدةً ما. ومنه الحديث: ((لا يحِلّ لَكُم كَذَا وكذا، ولا لقطة معاهد)) أي: لا يجوز أن يتملك لقطتُهُ الموجودةُ من ماله؛ لأنه معصومُ المال، يجري حكمه مجرى حكم الذمي. وقد تكرر ذكر العهد في الحديث، ويكون بمعنى اليمين والأمان، والذمة، والحفاظ، ورعاية الحرمة، والوصية، ولا تخرج الأحاديث الواردة فيه عن أحد هذه المعاني، ومنه: ((حسن العهد من الإيمان)) يريد الحفاظ، ورعاية الحرمة. والوفاءُ بالعهد خُلُقٌ جميل من الأخلاق التي نادى بها الإسلام، ودعا إليها رسولُ الله ﷺ في أحاديثه الكثيرة فما أكثر ما تحدث ﷺ عن الأخلاق الكريمة الفاضلة، ولقد بَيَّنَ ﷺ : ((أنه ليس هناك شيء في الميزان يوم القيامة أثقل من حسن الخلق)). وقبل أن نتكلم عن الوفاء بالعهد نذكر ما كتبه الأستاذ حسن عبد الرحمن حسن حنبكه الميداني في كتابه (الأخلاق الإسلامية وأسسها) قال تحت عنوان: "تمجيد الإسلام للخلق الحسن، وحثه عليه": ولما كانت ثمرات الخلق القويم للسلوك الديني، وللسلوك الشخصي عظيمة جدًّا، وكان لدى المقارنة أجل الثمرات التي تحققها المبالغة في أداءِ كثيرٍ من العبادات الخاصة المحضة، ولما كانت سلامة النفس من المساوئ الخلقية أهم من سلامة السلوك الظاهر من طائفة من المعاصي، والذنوب الظاهرة، وكان ما يتحقق بحسن الخلق من رضوان الله تعالى أكثر مما يتحقق بالاستكثار من نوافل العبادات المحضة كالصلاة، والصيام، والأذكار اللسانية، لما كان كل ذلك؛ وجدنا النصوص الإسلامية توجِّهُ الاهتمام العظيم والعناية الكبرى لقيمة حسن الخلق في الإسلام، وتذكر الخلق الحسن بتمجيد كبير فمنها النصوص التالية:

стр. 227

أولًا: روى الترمذي بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهُم خلقًا وخيارُكُم خياركُم لنسائهم)) وفي حديث عمرو بن عبسة: أنه سأل النبي ﷺ : ((أيُّ الإيمان أفضل؟ قال: حسن الخلق)) رواه أحمد. فربط الرسول ﷺ الارتقاء في مراتبِ الكمالِ الإيماني بالارتقاء في درجات حُسْنِ الخُلُق؛ وذلك لأن السلوك الأخلاقي النابع من المنابع الأساسية للخلق النفسي في الإنسان موصول هو والإيمان وظواهره، وآثاره في السلوك ببواعثَ نفسيةٍ واحدةٍ؛ فصدق العبادة لله تعالى أخلاقي كريم؛ لأنه وفاء بحق الله على عبيده، وحسن المعاملة مع الناس وفاء بحقوق الناس المادية والأدبية، فهي بهذا الاعتبار من الأعمال الأخلاقية الكريمة، فإذا تعمقنا أكثرَ من ذلك؛ فكشفنا أن الإيمان إذعان للحق، واعتراف به؛ رأينا أن الإيمان أيضًا هو عمل أخلاقي كريم بخلاف الكفر بالحق فهو دناءة خلقية. فإذا ضممنا هذه المفاهيم إلى المفهوم الإسلامي العام الذي يوضح لنا أن كل أنواع السلوك الإنساني الفاضل فروع من فروع الإسلام والإسلام التطبيقي آثار للإيمان وثمرات عملية له إذا جمعنا كل هذه المفاهيم وجدنا أن أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، كما قال الرسول ﷺ فأحسن الناس خلقًا لا بد أن يكون أصدقهم حديثًا، لا بد أن يكون أصدقهم إيمانًا، وأخلصهم نية، وأكثرهم التزامًا بما يجب على العباد نحو ربهم من عبادة، وحسن توجه له وصلة به، وأكثرهم التزامًا بحقوق الناس المادية والأدبية. ومن المستبعد جدًّا أن يكون الإنسان ذا خلق كريم مع الناس محبًّا للحق معطاءً متواضعًا صبورًا عليهم رحيمًا بهم، ودودًا لهم، متسامح النفس معهم، ثم لا

стр. 228

يكون ذا خلقٍ كريمٍ مع ربِّهِ؛ فلا يؤمن بحق ربوبيته، وألوهيته ولا يذعن له بذلك، ولا يؤدي واجب العبادة له كما أنه ليس من المعقول أن يكون ذا خلق كريم مع الناس وهو يأكل حقوقهم ويعتدي عليهم، ويتجاوز حدود الواجب الأدبي الذي توصي به الآداب الاجتماعية الإسلامية؛ فهذا مناف لما توحيه فضائل الأخلاق لو كان حقًّا ذا خلق كريم. فالأسس الأخلاقية، والأسس الإيمانية ذات أصول نفسية واحدة، وإن كانت بعض التطبيقات العملية التي يطالب بها الإسلام المستند إلى الإيمان قد لا تستدعيها الأسس الأخلاقية وحدها، منفصلة عن الإيمان فلا يظهر بذلك ارتباطها بها، فهي أحكام شرعية يقتضي الإيمانُ العملَ بها؛ نظرًا إلى أنها أوامر ربانية، والأوامر الربانية توجب الأسس الأخلاقية طاعتها، بوصف كونها طاعةً لمن تجب طاعته، لا يوصف كون المطلوب بِهَا ظاهرة لأساسٍ خلقي؛ فحينما يأمرنا الله تعالى بعبادَةٍ خاصة على وجه مخصوص كصلاة ركعات معينة محددة بصفات خاصة، وشروط خاصة، فليس من اللازم أن تكون هذه الصلاة بصفاتها الخاصة ظاهرة من ظواهر السلوك الأخلاقي وذات صلة مبشرة بالأسس الأخلاقية العامة إذ لله تعالى أن يختار لعبادته أي عمل من الأعمال، وعلى أي شكلٍ من الأشكال، سواء أكان ذلك مما يتصل بالأسس الأخلاقية العامة، أو لا يتصل بها. ومع ذلك نقول: إنّ الفضيلة الخلقية توجب القيام بهذه الطاعة من جهة أن الله تعالى أمر بها؛ إذ الفضيلة الخلقية توجب طاعة الله؛ لأنه الخالق المنعم المالك ونظير هذا نقول في طاعة الوالدين وبرهما، وفي طاعة أولي الأمر من المسلمين المؤمنين وهكذا.

стр. 229

أما قول الرسول ﷺ في الحديث: ((وخياركم خياركم لنسائهم)) فيكشف الرسول ﷺ فيه أدقَّ الموازين والكواشف التي تكشف عن حقيقة خَلْقِ الإنسان، فأحسن الناس خلقًا في المعاملة، ومعاشرة النساء هم أحسنهم خلقًا؛ فهم بسبب ذلك خيارهم؛ لأن خير الناس هم أحسنهم خلقًا. ومن المعروف: أن الإنسان قادر على أن يتصنع التظاهر بمكارم الأخلاق وفضائل السلوك إلى فترة معينة، ومع بعض الناس، أما أن يتصنع ذلك في كل الأوقات، ومع كل الناس؛ فذلك من غير الممكن ما لم يكن فعلًا ذا خلق كريم. والمحَكُّ الذي يمتحن فيه الإنسان امتحانًا صحيحًا ودقيقًا لمعرفة حقيقة خلقه الثابت هو المجتمع، الذي تكون عليه سلطة ما وله معه معاشرة دائمة ومعاملة مادية وأدبية؛ فإرادة التصنع تضعف حينما يشعر الإنسان بأن له سلطة ونفوذ، ثم تشتد ضعفًا حينما تطول معاشرته لمن له عليه سلطة، ثم تتلاشى هذه الإرادة حينما تتدخل المعاملة المادية والأدبية؛ فإذا ظل الإنسان محافظًا على كماله الخلقي في مجتمع له عليه سلطة، وله معه معاشرة دائمة، ومعاملة مادية وأدبية؛ فذلك هو من خيار الناس أخلاقًا. وأبرز أمثلة هذا المجتمع الذي تتوافر فيه هذه الشروط هو مجتمع أسرة الإنسان، وما له من سلطان فيه على نسائه، وهن الضعيفات بالنسبة إليه يضاف إلى ذلك أن النساء قد تبدو منهن تصرفات، أو مطالب تخرج الحليم عن حلمه، والرصين عن رصانته والسمح عن سماحته، والصدوق عن التزام الصدق، فإذا ثبت الإنسان على خلقه الفاضل، رغم وطأة محرجاتهن التي يتبعن فيها أهواءهن؛ فإنه من خيار الناس خلقًا، وكم يظهر الإنسان أنه حسن الخلق، فإذا سافرت معه، أو عاملته بالدرهم والدينار انكشف عن صاحبه خلق سيء.

стр. 230

ثانيًا: وروى الترمذي بإسناد صحيح عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: ((ما من شيءٍ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخُلُق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)) أي: يبغض الذي يفعل الفحشاء، ويقول الفحش، ويتكلم ببذيء الكلام، وهو رديئه، وقبيحه الذي يتحدث عن العورات والرذائل، وما ينبغي من الأشياء والأعمال التي يجب سترها. وفي هذا الحديث يقرر الرسول ﷺ أن أثقل الفضائل في ميزان المؤمن يوم القيامة الخلق الحسن، وقد يشكل هذا على بعض الناس فيقول: إن الإيمان بالله، وحسن الصلة به أفضل الأعمال، وكذلك توحيد الله، والإخلاصُ له في العبادة، وإذا كانت هذه أفضل الأعمال فهي أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة؛ فكيف يقول الرسول ﷺ : ((ما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخُلُق)). ولكن هذا الإشكال لا يلبث أن ينحَلَّ إذا عَرَفْنَا أن الإيمان وعبادة الله بما توجِبُهُ الأسسُ الأخلاقية, ومن أولى الواجبات التي تفرضها مكارم الأخلاق، وأن الكفر بالله ورفض عبادته وطاعته من أقبح رذائل الأخلاق -كما سبق بيانه في شرح الحديث السابق- لأنه إنكار للحق من عدة وجوه؛ فهو إنكار لربوبية الله مع أن كون الله رب كل شيء، وخالق كل شيء حقيقة تفرض نفسها على كل منصف محب للحق، وهو جحود لألوهية الله، واستكبار عن عبادتِهِ، وهو تمردٌ على حقِّ اللهِ تجَاهَ عبادِهِ في أن يعبدوه، ويطيعُوهُ مع أنه المنعم عليهم بالنعم الكثيرة التي لا يحصونها. وظاهر: أن جحود النعمة وعدم القيام بواجب الشكر عليها من أقبح رذائل الأخلاق؛ فالإيمان الذي هو أثقل الفضائل عند الله تعالى، ومظهر من مظاهر

стр. 231

الكمال الخلقي في الإنسان، وإذا تتبعنا الأعمال وجدنا العبادات أيضًا من مظاهرِ الكمالِ الخلقي في الإنسان، وعندئذٍ يتضح لنا بجلاء أن أثقل شيءٍ في ميزان المؤمن يوم القيامة حسن خلقه؛ لأنه صدقُ إيمانِهِ، وسلامة يقينه، وإخلاص نيته كل ذلك من ثمرات فضائله الخلقية؛ لأن صدقَ إيمانِهِ، وسلامة يقينه، وإخلاص نيته كل ذلك من ثمرات فضائله الخلقية، ولما كان الفحش والبذاءة من مظاهر الرذائل الخلقية النفسية؛ كان الفاحش البذيء من الذين يبغضهم الله . ثالثًا: وروى الترمذي بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي هريرة ﵁ قال: ((سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن أكثر ما يُدْخِلُ الناسَ الجنة فقال ﷺ : تقوى الله وحسن الخلق)). ((وسئل ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال ﵊: الفم والفرج)) فتقوى الله، وحسن الخلق من أحب الأعمال إلى الله تعالى فهما أكثر ما يدخل الناس الجنة. وفي كون الفم والفرج أكثر ما يدخل الناس النار إشارةً إلى عناصر متصلة بسوء الخلق؛ إذ جعل الرسول ﷺ في مقابل التقوى، وحسن الخلق، والمراد من الفَمِ والفرج ما يعمل الإنسان بهما من أعمال محرمَةٍ؛ فالفم يصدر عنه الكفرُ بالله، والكذب، وشهادة الزور والغيبة، والنميمة والطعن، والتعيير والتنقيص، واللمز، والتنابز بالألقاب، والدعوة إلى الباطل، ونشر الباطل، والحكمُ بغير الحق، وغير ذلك من أمورٍ كثيرةٍ تنافي التقوى، وتنافي مكارم الأخلاق، والفرج يصدر عنه أعمال محرمة أخرى تنافي التقوى، وتنافي مكارم الأخلاق. رابع حديث في هذا الأمر: وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو، بن العاص ﵄ قال: ((لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا)).

стр. 232

وروى الترمذي بإسنادٍ حسن عن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((إن من أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنِكُم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليَّ، وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون أي: المدعون للفقه قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيقهون؟ قال: المتكبرون)) الثرثارون: هم الذين يكثرون الكلام، ويتكلفونه، المتشدقون: هم الذين يتكلمون بملء أفواههم، ويتصنعون القولَ تصنعًا مع التعاظم بِهِ، والتعَالِي به على النَّاسِ. الحديث الخامس وروى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن المؤمن ليدركُ بُحُسْنِ خُلُقِهِ درجةَ الصائمِ القائم)) ويظهر: أن السبب في هذا أن من يلتزم التقيد بالأخلاق الحسنة؛ ابتغاء مرضاة الله تعالى لا بد أن يتَعَرّض في حياتِهِ الاجتماعية إلى ما يستدعي منه أخلاقًا حسنة في معظم أوقاته، وهذا يجعله في حالةِ عبادةٍ دائمة يغالب فيها نفسه بالصبر، وتحمل مشقة مخالفة الهوى؛ لذلك فهو يدرك بحسن خلقِهِ درجةَ الصائم الذي لا يفطر، ودرجة القائم الذي لا يفتر -أي: لا يتعب- يضاف إلى هذا أن حسن الخلق عبادةٌ ذات آثار اجتماعية تنفع خَلْقَ الله، وتوحد كلمتهم، تبعد عنهم عوامل الفرقة والخلاف. أما الصيام والقيام: فهما عبادتان قد لا تنتج عنهما بشكل مباشر آثار اجتماعية تنفع عباد الله، وقد يكون أمرهما قاصرًا على فاعلهما، وصلة خاصة يتوجه بها الإنسان إلى ربه، ولا يخفى أن عبادة الله تعالى ذات أثرين، أعلى من عبادةٍ ذات أثرٍ واحد، على أن حسن الخلق لا يغني عن فروض العبادات، وكذلك كلُّ الفرائضِ الإسلامية لا يغني بعضُهَا عن بعض فالصلاة المفروضة لا تغْنِي عن

стр. 233

الصيام المفروض، وأداءُ الصلاة والصيام المفروضين لا يغنيَانِ عن أداء الزكاة، ولا عن أداءِ فريضةِ الحج، وكل هذه الفروض لا تغني عن فريضة الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. الحديث السادس، وروى أبو داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة، لمن ترك المِرَاءَ، وإن كان محقًّا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنةِ لمن حَسُنَ خُلُقُهُ))، زعيم، أي: كفيل ربض الجنة. ربض المكانة نواحيه، وما حوله من خارجه، كحريم المسجد وكالأبنية التي تكون حول المدن، وهي الأمكنة التي تربض فيها الأنعام فمن ترك المراء، أي: الجدال في أمور الدنيا ولِحَظِّ النفس؛ بنى الله له بيتًا في ربض الجنة، أي: استحق دخول الجنة بهذا العمل الذي يخالف فيه هوى نفسه. ومن ترك الكذب في كل الأحوال، ومنها حالات المزاح؛ بنى الله له بيتًا في وسط الجنة؛ لأن من يحفظ لسانه من كل الكذب ابتغاء مرضاة الله، وذو مرتبة عالية في الأخلاق الحميدة، وفي تقوى الله، وأعمال البر؛ إذ ترك الكذب، والتزام الصدق مجمع لجملة كبيرة من الفضائل الخلقية، والمصالح الاجتماعية العلمية والعملية، أما جماع الفضائل كلها فهو حسن الخلق بوجهٍ عامٍّ. الحديث السابع: وروى مسلم بسنده عن النواس بن سمعان ﵁ قال: ((سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم، فقال: البرُّ حُسْنُ الخُلُق، والإثم ما حَاكَ في نفسك، وكرهت أن يطَّلِعَ عليه الناس)) البر: هو جماع أفعال الخير. وقد عرفه الرسول ﷺ بأنه حسن الخلق؛ فهذا يدلُّ على أن حسن الخلق يشتمل على جماع أفعال الخير، والاتساع فيما يقرب إلى الله تعالى ويرضيه سبحانه.

стр. 234

أما كون الإثم ما حاك في نفس الإنسان وكره أن يطلع عليه الناس ففيه إشارة للضمير الأخلاقي، الذي فطر الله الناس عليه، وهذا الضمير يحس بالفضيلة الخلقية كما يحس بالألم؛ وحينما يحس بالإثم يلامس نفسه شعور خاص به، وحينما يحدث هذا الشعور في النفس يقدر الإنسان أن ما أحس به من شأنه أن يحس به كل إنسان آخر إذا اطلع عليه؛ لأن الناس يشتركون معه في القدرة على الإحساس بالإثم؛ لذلك فهو يكره أن يطَّلِعَ عليه الناس؛ لئلا يخسر مكانته في نفوسهم حينما يعلمون أنه امرؤ آثم، وهذا المقياس النبوي مقياسٌ صحيحٌ دقيق عند ذوي القلوب المؤمنة التي لم تفسد موازينها الفطرية بارتكابِ القبائح الآثام. الحديث الثامن، وروى البخاري ومسلم بإسنادهما عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)) الألد هو شديد الخصومة، الخصم هو كثير الخصومة المولع بها حتى تصير الخصومة عادة له. وظاهره: أن الخصم الألد سيء الخلق من درجة شديدة القبح، وقد أبان الرسول ﷺ أنه أبغض الرجال إلى الله تعالى. الحديث التاسع: وروى الترمذي بإسناد حسن عن أبي ذر وعن معاذ بن جبل ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن)) ففي هذا الحديث إرشاد إلى قواعد السلوك الكبرى التي من التزمها؛ فقد أخذ سبيله لارتقاء مراتب المجد والكمال الإنساني. وهذه القواعد ترشد إلى المنهج الخلقي العام الشامل لجانبي علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بالناس. أما ما يدعو إليه الواجب الخلقي بالنسبة إلى علاقة الإنسان بربه؛ فهو تقوى الله في أي مكان ظاهر أو خفي يكون فيه الإنسان وذلك لأن الواجب الأخلاقي

стр. 235

يفرض على الإنسان طاعة من خلقه فسواه فعدله فأنعم عليه بالنعم التي لا يستطيع إحصاءها، ويفرض عليه أيضًا حمده وشكره، وعبادته؛ فكل هذه الواجبات يجمعها تقوى الله في السر والعلن وهذا ما دلت عليه القاعدة الأولى: ((اتق الله حيثما كنت)) وحينما يتق الإنسان ربه في كل أحواله الظاهرة والباطنة؛ فلا بد أن يكون مخلصًا لله في تقواه، وفي هذا تكمن الروح الأخلاقية السامية البعيدة عن النفاق والرياء والسمعة، وطلب الثناء من الناس، أو اجتلاب المصالح النفسية، أو المادية منهم هذه هي القاعدة الأولى. وأما القاعدة الثانية: وهي قول الرسول ﷺ : ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)) ففيها إرشاد إلى منهج الإصلاح والتقويم، وتدارك النهوض بالنفس بعد سقوطها بارتكاب السيئة، وهذا المنهج ترسمه هذه القاعدة أضبط رسم، فمن سقط بارتكابه السيئة في حالةٍ من حالاتِ الضعفِ الإنساني؛ فعليه أن يتبع هذه السيئة حسنةً مستمدة من منابع الضمير الأخلاقي؛ فإن للحسنات قوةَ سبقٍ عجيبة بفضل الله تعالى، إذ تمر على السيئات التي قد انطلقت قبلها فتردها، وتمحو أثرها عند الله تعالى، وتعود نفس المؤمن بالله إلى براءتها، ونقائها الخلقي بعد أن أصابها ما أصابها من أدناس السيئات. وهذه القاعدة مستمدة من قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود: ١١٤). وأما القاعدة الثالثة: وهي القول الرسول ﷺ : ((وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَن)) فهي تحدد المنهج العام الذي يجب على الإنسان أن يسلكه في علاقاته بالناس، وعنوان هذا المنهج أن يخالق الناس بخلق حسن، أي: يعاملهم في كل علاقاته معهم بالخلق الحسن.

стр. 236

عاشرًا: ولما كان حسن الخلق يحتل هذه القيمة العظيمة في الإسلام كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، روى البخاري ومسلم عن أنس قال: ((كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خُلُقًا)) واختار الله للثناء على رسوله ﷺ من دون سائر صفاته العظيمة ما يتحلى به من خلق حسن عظيم؛ إذ خاطبه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤). وصح عن الرسول ﷺ أنه قال: ((بعثت لأتمم حسن الخلق)) رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة، ورواه الإمام مالك في (الموطأ) وعن جابر: أن النبي ﷺ قال: ((إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال)) رواه في (شرح السنة). وجميع الأخلاق الكريمة الفاضلة واحدة في كل الشرائع السماوية تنزلت بها كل الكتب، ودعت إليها كل الرسالات، وجاء الإسلام فأكد على هذه الأخلاق الفاضلة في القرآن الكريم، ونادى بها سيد الخلق أجمعين نبينا وسيدنا محمد ﷺ . ومن هذه الأخلاق الفاضلة النبيلة: الوفاء بالعهد، وعدم خيانة من يُعَاهِد، أو من يُعَاهَدُ، والبعد كل البعد عن الغدر بالعهود؛ ففي القرآن الكريم أخذ الحق العهد على آدم وذريته أن يعبدوه وحده وألا يشركوا به شيئًا، وطالبهم وسيطالبهم بهذا العهد فمن وفى بهذا العهد فله الفوز والفلاح ومن لم يوف به فله الويل والثبور، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٢: ١٧٤).

стр. 237

قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (يس: ٦٠: ٦٢). بينت هذه الآيات من سورة الأعراف وسورة يس أن الله أخذ على خلقه عهدًا بالإقرار له بالوحدانية والعبودية فلم يوفوا بذلك العهد فكان حسابه على الله تعالى فكان حسابه تعالى لهؤلاء الذين لم يوفوا بعهدهم مع الله كانت جهنم هي مصير الناقضين لهذا العهد ففي سورة يس قال تعالى بعد التذكير بهذا العهد وأنهم ضلوا عنه ولم يوفوا به قال: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ *اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (يس: ٦٣: ٦٥). ثم يأتي بعد ذلك المطالبة بالوفاء بالعهد عند كل الرسل، وفي كل الشرائع فهذا أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ مدحه ربه في وفائه بالعهد وكان الوفاء بالعهد من أبرز صفاته وخلاله التي تحلى بها قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (النجم: ٣٦، ٣٧). ويُطالب الحقُّ بنو إسرائيل أن يوفوا بعهدهم مع الله فيقول تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (البقرة: ٤٠) ولقد نعى الحق على بني إسرائيل نقضهم للعهود، وأنهم قوم لا أمان لهم، ولا عهد لهم يتعهد منهم فريق فينبذ العهد الآخر فريق آخر، وهذا دأبهم وديدنهم، قال عنهم الحق : ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (البقرة: ١٠٠).

стр. 238

أما شريعة الإسلام فأكدت على الوفاء بالعهد أشد تأكيد ونادت به في كل العهود والعقود فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: ١) وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (النحل: ٩١). ومدح الحقُّ الذين يوفون بالعهد، ولا ينقضون المواثيق وجعل اللعنة، وسوء الدار على الذين ينقضون العهود، ولا يراعونها، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ * وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (الرعد: ١٩: ٢٥). إنّ الوفاء بالعهد خلق كريم نبيل نادت به كل الشرائع وجاء على كل الرسل وبه تنزلت كل الكتب وهو من الصفات التي وصف بها الحق نفسه فما أجمل أن يتصف بها كل مسلم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: ١١١). فالوفاء بالعهد خلق نبيل دعت إليه كل الشرائع وجاء على لسان كل الرسل وجاء الإسلام، فأكد عليه ونادى به، قال تعالى في سورة الإسراء ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٤)

стр. 239

ولقد جاء من الأحاديث النبوية الكثير والكثير في الدعوة إلى الوفاء بالعهد، وأن ذلك الخلق الجميل من أخلاق الشرائع كلها من هذه الأحاديث قال ﷺ : ((اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة، اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم)) رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي عن عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه. حفظ السر إن حفظ السر نوع من الوفاء بالعهد؛ فمن عهد لك بشيء أو أسر لك شيئًا فقد أودعك سره، وسار بينك وبينه عهد يجب أن تحفظه، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: ٣٤) ولقد ذكر الإمام النووي بابًا في حفظ السر في كتابه القيم (رياض الصالحين) وأتبعه بباب في الوفاء بالعهد يحسن بنا أن نذكر هنا ما ذكره -رحمه الله تعالى- قال النووي: باب حفظ السر، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. (الإسراء: ٣٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة، وتفضي إليه، ثم ينشر سرها)) رواه مسلم في صحيحه. وعن عبد الله بن عمر ﵄: "أن عمر ﵁ حين تأيمت بنته حفصة، يعني: سارت أرملة، قال: لقيتُ عثمان بن عفان ﵁ فعرضت عليه حفصة فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني، فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا، فلقيت أبا بكر الصديق ﵁ فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر؛ فَصَمَتَ أبو بكر ﵁ فلم يرجع إلي شيئًا فقلت عليه أوجد مني على عثمان، يعني: كره منهما هذا الأمر فلبثت

стр. 240

ليالي، ثم خطبها النبي ﷺ فأنكحتها إياه فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة، فلم أرجع إليك شيئًا فقلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن النبي ﷺ ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها النبي ﷺ لقبلتها" رواه البخاري. ومعنى تأيمت، أي: سارت بلا زوج، وكان زوجها توفي ﵁ وعن عائشة ﵂ قالت: ((كنا أزواج النبي ﷺ عنده فأقبلت فاطمة ﵂ تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئًا فلم رآها رحب بها وقال: مرحبًا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديدًا فلم رأى جزعها سارها الثانية فضحكت فقلت لها خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار -يعني: بالأسرار- ثم أنت تبكين، فلم قام رسول الله ﷺ سألتها ما قال لك رسول الله ﷺ قالت: ما كنت أفشي على رسول الله ﷺ سرًّا، فلما توفي رسول الله ﷺ قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني، ما قال لك رسول الله ﷺ أما الآن فنعم -لأن الرسول ﷺ توفي، وأصبح الأمر لا يكون سرًّا- أما حين سارني في المرة الأولى؛ فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب؛ فاتقي الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك فبكيت بكائي الذي رأيت، ولما رأى جزعي سارني الثانية وقال: يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة؟ فضحكت ضحكي الذي رأيت)). متفق عليه وهذا لفظ مسلم. وعن ثابت عن أنس ﵁ قال: ((أتى علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا، فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة قالت: ما حاجته قلت: إنها سر -

стр. 241

نعم الغلمان، ونعم التربية تربية غلمان الصحابة هذا غلام يقول لأمه: إنها سر- قالت: لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدًا قال أنس: والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت)) رواه مسلم، وروى البخاري بعضه مختصرًا. ثم قال النووي باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد: قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (النحل: ٩١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: ١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: ٢، ٣). عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((آية المنافق ثلاث إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا اؤتمن خان، زاد مسلم: ((وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر)). هذا وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 242

الدرس: ١٥ الأمانة .

стр. 243

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس عشر (الأمانة) الأمانة: تعريفها، والنصوص التي وردت فيها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين: الأمانة تعريفها والنصوص التي وردت في الأمانة: عرف العلماء الأمانة بأنها إيثار الحق ورده إلى أهله، والأمانة ضد الخيانة، وتكلم في التعريف ل لأمانة الشيخ الميداني تكلم بكلام طيب وذكر كثيرًا من النصوص في الأمانة؛ فقال: تعريف الأمانة؛ الأمانة: أحد الفروع الخلقية لحب الحق وإيثاره، وهي ضد الخيانة، والأمانة في جانبها النفسي خلق ثابت في النفس يعف به الإنسان عما ليس له بحق وإن تهيأت له ظروف العدوان عليه دون أن يكون عرضة للإدانة عند الناس، ويؤدي به ما عليه، أو لديه من حق لغيره وإن استطاع أن يهضمه دون أن يكون عرضة للإدانة عند الناس. فمن تهيأ له أن يهضم دينًا عليه دون أن يكون لدى الدائن ما يثبت به حقه فعف عن ذلك ولم يفعل وأدى ما عليه من حق كامل غير منقوص فهو أمين حقًّا، ومن تهيأت له فرصة اختلاس أموال غيره دون أن يشعر به أحد من الناس ودون أن يكون عرضة لاكتشاف لصوصيته؛ فعف عن ذلك ولم يفعل فإنما ذلك أثر من آثار الأمانة في نفسه، ومن كان يؤدي الودائع التي عنده لأصحابه مع أن أصحابها لا يملكون وثائق بها عليه فهو أيضًا إنما يفعل ذلك بدافع خلق الأمانة التي يتحلى به. ولا تقتصر الأمانة على العفة عن الأموال، بل العفة عن كل ما ليس للإنسان به حق هي أيضًا داخلة في حدود الأمانة أو أثر من آثارها؛ فالعفة عن العدوان على الأعراض من الأمانة، والعفة عن العدوان على الحقوق العلمية من الأمانة، والعفة عن الغش وتطفيف الكيل والميزان من الأمانة، والعفة عن الغلول وهي الأخذ من الغنيمة قبل توزيعها من الأمانة، وتبليغ الرسائل الكتابية أو اللفظية إلى

стр. 244

أصحابها من الأمانة، وتأدية حق النصيحة لكل مسلم من الأمانة، وتأدية حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمانة، وتأدية العبد حق ربه عليه من الأمانة كالعبادات المفروضة والطاعة الواجبة. وكف العبد نفسه عما حرم الله عليه من الأمانة؛ لأن العبد المكلف مستأمن على ما وضع الله بين يديه وما وضع تحت سلطته من أشياء؛ سواء أكانت داخلة في حدود ذاته أو خارجة عنها؛ فالحق في كل ذلك هو لله وقد استأمن الله عباده عليها فأذن لهم بأشياء وحرم عليهم أشياء؛ فمن تجاوز حدود الإذن الإلهي فاعتدى على ما ليس به حق فقد خان الأمانة؛ فالطاعة لله من الأمانة والمعصية لله من الخيانة. ومن الأمانة إعطاء كل ذي حق حقه؛ فالعدل من الأمانة والجور والظلم من الخيانة، ومن الأمانة الاهتمام بأن يحفظ المستأمنون ما تحت أيديهم من حقوق لغيرهم حتى يؤدوها إلى أصحابها وهي على حالتها حينما استؤمنوا عليها ما لم يكن مرور الزمن يغير منها بصفة طبيعية معلومة. وهكذا تتعدد مجالات خلق الأمانة وتتسع دوائرها، ولما كانت الأمانة مرتبطة بمبدأ الحق كان من يحب الحق ويؤثره يجد نفسه مدفوعًا لأن يكون أمينًا على حقوق الآخرين وإن تحركت مطامعه أو شهواته للاستيلاء عليه ا. والأمانة مصدر كالأمان، والأمان من الأمن وهو ضد الخوف، وحين تنعدم مسببات الخوف يحصل الأمان في النفوس، ولما كان الأمين إنسانًا مأمون الجانب لا يُخشى عدوانه على حقوق غيره كانت ساحته ساحة أمان ليس فيها أي مثير للخوف على المال، أو على العرض أو على الحياة، ولذلك سميت الخصلة التي يتحلى بها الأمين على حقوق الآخرين أمانة، ولما كانت هذه الخصلة داخلة في

стр. 245

ميدان الأخلاق كانت إحدى الفروع الأخلاقية ولما كان أساسها الحق كانت إحدى الفروع الخلقية لحب الحق وإيثاره. وقد ظهر لنا من تعريف الأمانة أنها تشتمل على ثلاثة عناصر: الأول: عفة الأمين عما ليس له به حق. الثاني: تأدية الأمين ما يجب عليه من حق لغيره. الثالث: اهتمام الأمين بحفظ ما استؤمن عليه من حقوق غيره، وعدم التفريط بها، والتهاون بشأنها. موقف الإسلام من خلق الأمانة: لقد فرض الإسلام على المسلمين الأخذ بخلق الأمانة، وحرم عليهم أن يسكلوا مسلك الخيانة؛ فمن كان أمينًا كان مطيعًا لربه في إسلامه، ومن كان خائنًا كان عاصيًا لربه في إسلامه، وربما وصل إلى حالة كان فيها مجروح الإسلام والإيمان. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)) - بوائقه أي غوائله وخياناته. وروى الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)). وروى البيهقي في (شعب الإيمان) بإسناد حسن عن أنس بن مالك ﵁ قال: قلّما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)).

стр. 246

فربط رسول الله ﷺ في هذه الأحاديث الأمانة وكون الإنسان مأمون الجانب بالإيمان، وجعل عدم الأمانة مؤثرة في صحة الإيمان، وجعل الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، الخيانة من علامات النفاق؛ فمن ذلك ما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان؛ وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)). وما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)). فالأمانة من صفات المؤمنين، وهي من صفات محبي الحق، الأمانة من أبرز أخلاق الرسل؛ من الملاحظ في أسس العقيدة أن الأمانة من أبرز أخلاق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لأنها شرط أساسي لاصطفائهم بالرسالة؛ فلولا أن يكونوا أمناء لما استأمنهم الله تعالى على رسالاته لخلقه؛ ففي شأن هود ﵇ يقول الله تعالى في سورة " الأعراف ": ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (الأعراف: ٦٥ - ٦٨). فعرض هود لقومه من صفاته أنه أمين، وهذه الصفة من صفاته لا بد أن تكون معروفة لديهم قبل أن يبعثه الله رسول ً ا، ومن شأن الأمين أن يكون موثوقًا به في نقل الأخبار وتبليغ الرسالات.

стр. 247

ويقص الله علينا قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈ في سورة " الشعراء " ويخبرنا بأن كل رسول من هؤلاء قد قال لقومه: إني لكم رسول أمين. ورسولنا محمد ﷺ قد كان في قومه قبل الرسالة وبعدها مشهورًا بينهم بأنه الأمين؛ فكان خلق الأمانة من الأخلاق الظاهرة البارزة فيه - صلوات الله عليه - حتى كان الناس يختارونه لحفظ ودائعهم عنده، ولما هاجر - صلوات الله عليه - وكل علي بن أبي طالب لرد الودائع إلى أصحابها. فالأمانة من الأخلاق الكريمة الفاضلة التي نادت بها كل الشرائع السماوية، تنزلت بها الكتب، ودعا إليها كل الرسل، وجاء الإسلام فأكد عليها في القرآن الكريم وعلى لسان سيد الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: ٥٨). وسبب نزول هذه الآية: أن رسول الله ﷺ أراد أن يدخل الكعبة يومًا قبل الهجرة فمنعه القائم عليها عثمان بن طلحة وكان مشركًا يومها، فقال له ﷺ تذكر يا عثمان بن طلحة عندما تكون المفاتيح بيدي يومًا ما، وبعد ذلك هاجر ﷺ وتكونت دولة الإسلام وجاء رسول الله ﷺ فاتحًا مكة وتم الفتح العظيم، وانكسر الشرك وأهله، واندحرت دولة الكفر، وسلمت مكة إلى المسلمين، وأرسل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب إلى عثمان بن طلحة ليأتي بمفاتيح الكعبة، وذهب إليه علي وأخذ منه المفاتيح رغمًا عنه، وألقاها في حجر رسول الله ﷺ وعثمان ينظر ويتذكر ما قاله ﷺ سابقًا؛ تذكر يا عثمان يوم أن تكون المفاتيح بيدي يومًا ما، وفي هذه الحال نزلت الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فنادى ﷺ على عثمان بن طلحة قائل ً ا: ((يا عثمان بن طلحة خذ المفاتيح خذوها خالدة تالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم)).

стр. 248

إن الإسلام مجد الأمانة ومدحها، ومدح المتصفين بها، وجعلها من أبرز صفات عباد الله المؤمنين الذين قضى بفلاحهم وفوزهم؛ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: ١ - ٩) جعلهم الحق ورثة جنة النعيم، بل ورثة الفردوس الأعلى؛ إذ قال عقب ذلك مباشرة ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠ - ١١). وأيضًا تكررت الآية في سورة " المعارج " في وصف عباد الله المكرمين في جنة الرضوان قال تعالى في سورة " المعارج ": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (المعارج: ٣٢ - ٣٥). وفي الأحاديث النبوية الكثير عن الأمانة والوصية بها عن أنس ﵁ قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) وقال ﷺ : ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)). إنّ رسولَ الله ﷺ كان من أبرز صفاته أنه عرف قبل أن يكون نبي ًّ ابالصّادق الأمين، وذلك ثابت في كتب السنة والسيرة الصحيحة؛ إذ نطقوا جميعًا بلسان واحد عندما كادت أن تنشب بينهم الحرب من أجل من يحظى بشرف وضع الحجر الأسود مكانه، عندما جددوا بناء الكعبة، فحكموا أول قادم عليهم، فنظروا فإذا رسول الله ﷺ قادم من بعيد؛ قادم من باب بني شيبة، ف قالوا جميعًا: هذا الأمين رضيناه حكمًا، وهذا ما نعاه عليهم الشاعر المسلم أحمد

стр. 249

شوقي؛ إذ لما جاءته الرسالة اتهموه زورًا وبهتانًا بالكذب والسحر وغير ذلك مع أنهم مقرون له من قبل بالصدق والأمانة في صغره، فقال شوقي: يا جاهلين على الهادي ودعوته ... أتجهلون مكان الصادق العلم لقبتموه الأمين في صغر ... وما الأمين على القوم بمتهم إن أهل مكة مع كفرهم وعنادهم وعدوانهم برسول الله ﷺ ما وجدوا رجل ً اأمينًا مثله يضعون عنده أماناتهم وكل شيء ثمين يريدون أن يحتفظوا به، وما وجدوا بيتًا أمينًا مثل بيت رسول الله ﷺ شهد بذلك التاريخ ودون ذلك في الكتب إن علي ًّ ا ﵁ تأخر عن الهجرة بعد رسول الله ﷺ ليرد إلى أهل مكة أماناتهم وودائعهم التي كانوا يضعونها عند رسول الله ﷺ ولم يجدوا مثله ليحفظ لهم أماناتهم. إن الأمانة خلق نبيل نادى به سيد الخلق، وأمر به الإله الحق في كل الشرائع، وها هي آيات القرآن الكريم تبين أن السابقين مطالبون بالأمانة وبالحفاظ عليها، ومدح من أداها منهم وذم من خانها، فبين الحق أن أهل الكتاب في الأمانة أصناف وألوان منهم من يحافظ عليها ويرعاها ويؤديها مهما عظمت دون مطمع فيها، ومنهم من يطمع فيها ولا يردها مهما قلت أو صغرت وحقرت قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: ٧٥، ٧٦). ومما يدل دلالة واضحة على أن الأمانة خلق نبيل نادت به كل الشرائع السماوية أن يوسف ﵇ أعلن عن أمانته وحفظه، وبين أن حفظه للأمانة هي أهم مؤهل من مؤهلاته التي بسببها يستحق أن يكون على خزائن الأرض، ولذلك لما أراد

стр. 250

الملك أن يستخلص يوسف لنفسه ويوله أمرًا مهمًا في دولته، بعدما ثبتت براءته وأمانته على بيته وافق يوسف وأعلن عن أمانته وحفظه، وأن هذا مؤهل له لأن يتولى خزائن الأرض؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٥٤ - ٥٦). ولذلك لم يعط رسول الله ﷺ أبا ذر ﵁ الصحابي الجليل الذي قال عنه: ((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء -أي: السماء- أصدق لهجة من أبي ذر)) لم يوله الإمارة خوفًا عليه من هذه الأمانة؛ لأنه ضعيف ربما قصر في جانب من جوانبها؛ روى مسلم في (صحيحه) بسنده عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: ((يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)). ومن الأدلة الواضحة أيضًا على أن الأمانة خلق نبيل جاءت في كل الشرائع؛ ما جاء في قصة بنتي شعيب عندما لاحظتا هذه الأمانة على موسى ﵇ وذلك قبل أن يتنبأ موسى؛ فالأمانة معروفة من قبل أن يكون موسى نبي ًّ اومدحته بها ابنة شعيب بأنه قوي أمين، وذلك عندما سقى لهما ثم تولى إلى الظل راجيًا عطاء ربه قائل ً ا: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، وظهرت أمانته عندما جاءته إحداهما تمشي على استحياء تطلب منه أن يذهب لمقابلة أبيها، فرأت في الطريق عفته وأمانته؛ إذ لم يقبل أن يمشي إلا أمامها حتى لا يرى منها شيئًا، فقالت لأبيها: إن خير من استأجرت القوي الأمين.
следующие страницы →