Полный текст (366 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
فربط رسول الله ﷺ في هذه الأحاديث الأمانة وكون الإنسان مأمون الجانب بالإيمان، وجعل عدم الأمانة مؤثرة في صحة الإيمان، وجعل الرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، الخيانة من علامات النفاق؛ فمن ذلك ما رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان؛ وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)).
وما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)).
فالأمانة من صفات المؤمنين، وهي من صفات محبي الحق، الأمانة من أبرز أخلاق الرسل؛ من الملاحظ في أسس العقيدة أن الأمانة من أبرز أخلاق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لأنها شرط أساسي لاصطفائهم بالرسالة؛ فلولا أن يكونوا أمناء لما استأمنهم الله تعالى على رسالاته لخلقه؛ ففي شأن هود ﵇ يقول الله تعالى في سورة " الأعراف ": ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (الأعراف: ٦٥ - ٦٨).
فعرض هود لقومه من صفاته أنه أمين، وهذه الصفة من صفاته لا بد أن تكون معروفة لديهم قبل أن يبعثه الله رسول ً ا، ومن شأن الأمين أن يكون موثوقًا به في نقل الأخبار وتبليغ الرسالات.
стр. 247
ويقص الله علينا قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈ في سورة " الشعراء " ويخبرنا بأن كل رسول من هؤلاء قد قال لقومه: إني لكم رسول أمين.
ورسولنا محمد ﷺ قد كان في قومه قبل الرسالة وبعدها مشهورًا بينهم بأنه الأمين؛ فكان خلق الأمانة من الأخلاق الظاهرة البارزة فيه - صلوات الله عليه - حتى كان الناس يختارونه لحفظ ودائعهم عنده، ولما هاجر - صلوات الله عليه - وكل علي بن أبي طالب لرد الودائع إلى أصحابها.
فالأمانة من الأخلاق الكريمة الفاضلة التي نادت بها كل الشرائع السماوية، تنزلت بها الكتب، ودعا إليها كل الرسل، وجاء الإسلام فأكد عليها في القرآن الكريم وعلى لسان سيد الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: ٥٨).
وسبب نزول هذه الآية: أن رسول الله ﷺ أراد أن يدخل الكعبة يومًا قبل الهجرة فمنعه القائم عليها عثمان بن طلحة وكان مشركًا يومها، فقال له ﷺ تذكر يا عثمان بن طلحة عندما تكون المفاتيح بيدي يومًا ما، وبعد ذلك هاجر ﷺ وتكونت دولة الإسلام وجاء رسول الله ﷺ فاتحًا مكة وتم الفتح العظيم، وانكسر الشرك وأهله، واندحرت دولة الكفر، وسلمت مكة إلى المسلمين، وأرسل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب إلى عثمان بن طلحة ليأتي بمفاتيح الكعبة، وذهب إليه علي وأخذ منه المفاتيح رغمًا عنه، وألقاها في حجر رسول الله ﷺ وعثمان ينظر ويتذكر ما قاله ﷺ سابقًا؛ تذكر يا عثمان يوم أن تكون المفاتيح بيدي يومًا ما، وفي هذه الحال نزلت الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فنادى ﷺ على عثمان بن طلحة قائل ً ا: ((يا عثمان بن طلحة خذ المفاتيح خذوها خالدة تالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم)).
стр. 248
إن الإسلام مجد الأمانة ومدحها، ومدح المتصفين بها، وجعلها من أبرز صفات عباد الله المؤمنين الذين قضى بفلاحهم وفوزهم؛ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: ١ - ٩) جعلهم الحق ورثة جنة النعيم، بل ورثة الفردوس الأعلى؛ إذ قال عقب ذلك مباشرة ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠ - ١١).
وأيضًا تكررت الآية في سورة " المعارج " في وصف عباد الله المكرمين في جنة الرضوان قال تعالى في سورة " المعارج ": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (المعارج: ٣٢ - ٣٥).
وفي الأحاديث النبوية الكثير عن الأمانة والوصية بها عن أنس ﵁ قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) وقال ﷺ : ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)).
إنّ رسولَ الله ﷺ كان من أبرز صفاته أنه عرف قبل أن يكون نبي ًّ ابالصّادق الأمين، وذلك ثابت في كتب السنة والسيرة الصحيحة؛ إذ نطقوا جميعًا بلسان واحد عندما كادت أن تنشب بينهم الحرب من أجل من يحظى بشرف وضع الحجر الأسود مكانه، عندما جددوا بناء الكعبة، فحكموا أول قادم عليهم، فنظروا فإذا رسول الله ﷺ قادم من بعيد؛ قادم من باب بني شيبة، ف قالوا جميعًا: هذا الأمين رضيناه حكمًا، وهذا ما نعاه عليهم الشاعر المسلم أحمد
стр. 249
شوقي؛ إذ لما جاءته الرسالة اتهموه زورًا وبهتانًا بالكذب والسحر وغير ذلك مع أنهم مقرون له من قبل بالصدق والأمانة في صغره، فقال شوقي:
يا جاهلين على الهادي ودعوته ... أتجهلون مكان الصادق العلم
لقبتموه الأمين في صغر ... وما الأمين على القوم بمتهم
إن أهل مكة مع كفرهم وعنادهم وعدوانهم برسول الله ﷺ ما وجدوا رجل ً اأمينًا مثله يضعون عنده أماناتهم وكل شيء ثمين يريدون أن يحتفظوا به، وما وجدوا بيتًا أمينًا مثل بيت رسول الله ﷺ شهد بذلك التاريخ ودون ذلك في الكتب إن علي ًّ ا ﵁ تأخر عن الهجرة بعد رسول الله ﷺ ليرد إلى أهل مكة أماناتهم وودائعهم التي كانوا يضعونها عند رسول الله ﷺ ولم يجدوا مثله ليحفظ لهم أماناتهم.
إن الأمانة خلق نبيل نادى به سيد الخلق، وأمر به الإله الحق في كل الشرائع، وها هي آيات القرآن الكريم تبين أن السابقين مطالبون بالأمانة وبالحفاظ عليها، ومدح من أداها منهم وذم من خانها، فبين الحق أن أهل الكتاب في الأمانة أصناف وألوان منهم من يحافظ عليها ويرعاها ويؤديها مهما عظمت دون مطمع فيها، ومنهم من يطمع فيها ولا يردها مهما قلت أو صغرت وحقرت قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: ٧٥، ٧٦).
ومما يدل دلالة واضحة على أن الأمانة خلق نبيل نادت به كل الشرائع السماوية أن يوسف ﵇ أعلن عن أمانته وحفظه، وبين أن حفظه للأمانة هي أهم مؤهل من مؤهلاته التي بسببها يستحق أن يكون على خزائن الأرض، ولذلك لما أراد
стр. 250
الملك أن يستخلص يوسف لنفسه ويوله أمرًا مهمًا في دولته، بعدما ثبتت براءته وأمانته على بيته وافق يوسف وأعلن عن أمانته وحفظه، وأن هذا مؤهل له لأن يتولى خزائن الأرض؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٥٤ - ٥٦).
ولذلك لم يعط رسول الله ﷺ أبا ذر ﵁ الصحابي الجليل الذي قال عنه: ((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء -أي: السماء- أصدق لهجة من أبي ذر)) لم يوله الإمارة خوفًا عليه من هذه الأمانة؛ لأنه ضعيف ربما قصر في جانب من جوانبها؛ روى مسلم في (صحيحه) بسنده عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: ((يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)).
ومن الأدلة الواضحة أيضًا على أن الأمانة خلق نبيل جاءت في كل الشرائع؛ ما جاء في قصة بنتي شعيب عندما لاحظتا هذه الأمانة على موسى ﵇ وذلك قبل أن يتنبأ موسى؛ فالأمانة معروفة من قبل أن يكون موسى نبي ًّ اومدحته بها ابنة شعيب بأنه قوي أمين، وذلك عندما سقى لهما ثم تولى إلى الظل راجيًا عطاء ربه قائل ً ا: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، وظهرت أمانته عندما جاءته إحداهما تمشي على استحياء تطلب منه أن يذهب لمقابلة أبيها، فرأت في الطريق عفته وأمانته؛ إذ لم يقبل أن يمشي إلا أمامها حتى لا يرى منها شيئًا، فقالت لأبيها: إن خير من استأجرت القوي الأمين.
стр. 251
ومن أمانته أيضًا أنه بعد ما تزوج بابنة شعيب وف َّ ى بالعمل عشر سنين أدى الأمانة وزيادة من عنده، سئل ابن عباس: "هل عمل موسى عند شعيب في مهر ابنة شعيب ثماني حجج أو عشر حجج - أي سنين -؟ فقال ابن عباس ﵄: عمل عشر سنين؛ عمل بالزيادة؛ لأن أنبياء الله يؤدون الحق وزيادة، وهل يقبل أنبياء الله غير ذلك، وأخذ ذلك ابن عباس من حديث لرسول الله ﷺ قال فيه: ((يرحم الله موسى ﵇ لقد آجر نفسه عشر سنين من أجل عفة فرجه وشبع بطنه)).
وإليك هذه القصة كما حكاها القرآن الكريم في سورة " القصص " قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنْ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (القصص: ٢٠ - ٢٩).
стр. 252
هذه هي الأمانة، وهذه مكانتها في كل الشرائع السماوية والتي أكد عليها الإسلام ونادى بها رسول الإسلام ﷺ .
أما المراد بالأمانة؛ فكل ما يؤتمن عليه الإنسان من مال أو عرض أو أسرار، وكذلك من الأمانة كل ما تحت يده من مسئولية من أهل وولد، ودينه الذي أودعه الله إياه وهداه إليه أمانة عنده، ونفسه التي بين جنبيه أمانة عنده؛ فهو لا يتصرف فيها وفق مراده وهواه، بل عليه أن يحافظ عليها، فلا يملك الإنسان أن يميت نفسه أو أن يقتل نفسه فحياته ملك لله وهب الحق له النفس والحياة ويستردهما منه متى شاء وكيف شاء.
إن الذين يظنون أن الأمانة خاصة بحفظ الأموال، ثم ردها إلى أصحابها قاصرون في نظرتهم، وتفسيرهم هذا تفسير خاطئ يأباه الإسلام، ولا يقبله بحال من الأحوال؛ إنّ علماء الإسلام الأفذاذ فهموا ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ٧٢) فقالوا: إن المراد بالأمانة في الآية الكريمة التكاليف الشرعية بكل تفاصيلها من عقيدة وعمل.
وها هي أحاديث رسول الله ﷺ شاهدة بأن ذلك الفهم فهم صحيح إذ نرى النبي ﷺ يبين لنا أن كل إنسان عنده أمانة، وسيسأل عنها يوم القيامة؛ سواء كان أمير قوم أم كان إنسانًا عادي ًّ امغمورًا يعيش في هذه الحياة، فأمير القوم شعبه وبلده أمانة في عنقه يسأله الله تعالى عن كل فرد منهم يوم القيامة؛ فهم أمانة عنده، وهو أمين على بلده لا يحق له أن يفرط في حبة رمل أو ذرة من ترابها، والرجل في بيته أولاده وزوجته، وكل من يقوم بإعالته أمانة، وسيسأل عنها يوم القيامة، وكذلك الولد في مال أبيه، والزوجة في بيت زوجها، والخادم في مال سيده قال ﷺ -
стр. 253
((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع ومسئول عن رعيته، والابن في مال أبيه راع ومسئول عن رعيته؛ ألا كلكم راع ومسئول عن رعيته)).
إن القتل في سبيل الله يُكفر كل الذنوب والخطايا إلا الأمانة؛ فالشهيد الذي قاتل حتى قتل لو كان عنده أمانة فخانها لا تغفر له تلك الخيانة، بل يكب في النار، وتتمثل الأمانة في جهنم، ويكلفه الله أن يأتي بها، وبعد معاناة في النار يجدها في قعر جهنم فيأخذها على منكبيه ويريد أن يخرج بها، ولما يصل إلى أعلى النار تسقط منه فيهوي ليأتي بها، وهكذا يظل يتردد في نار جهنم.
روى الإمام أحمد في (مسنده) بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة؛ وإن قتل في سبيل الله فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها فيعرفها، فيهوي في إثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج ذلت عن منكبيه - يعني: وقعت - إلى قعر جهنم، فهو يهوي في إثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة؛ وأشياء عددها، وأشد ذلك الودائع)).
قال راوي الحديث عن ابن مسعود: فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؛ قال كذا، قال البراء: صدق؛ أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: ٥٨) إن رسول الله ﷺ جعل خيانة
стр. 254
الأمانة علامة من علامات النفاق إذ قال ﷺ : ((آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)).
ومن هنا دعانا الحق إلى الوفاء بالأمانة، وعدم خيانتها، وقرنها بخيانة الله والرسول قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: ٢٧، ٢٨).
المجالات التي تراعى فيها الأمانة
أقول: إن الأمانة تدخل في كل شيء في حياة الإنسان، وما يتعلق به من أمور دينه ودنياه؛ فالدين أي عقيدة المسلم النقية الخالصة أمانة، والتكاليف الشرعية أمانة، وتدخل الأمانة في الأموال والأنفس والأعراض والأجساد وغير ذلك يقول ﷺ : ((المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)).
يقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني في كتابه (الأخلاق الإسلامية) تحت عنوان المجالات التي تدخل فيها الأمانة: والمجالات التي تدخل فيها الأمانة والخيانة كثيرة؛ منها المجالات التالية:
أ- الأموال: فمن الأمانة العفة عما ليس للإنسان به حق من المال، وتأدية ما عليه من حق لذويه، وتأدية ما تحت يده منه لأصحاب الحق فيه، وتدخل في البيوع والديون والمواريث والودائع والرهون والعواري والوصايا وأنواع الولايات الكبرى والصغرى وغير ذلك.
ب- الأعراض: أي: تدخل الأمانة في الأعراض؛ فمن الأمانة في الأعراض؛ العفة عما ليس للإنسان به حق منها، وكف النفس واللسان عن نيل شيء منها بسوء كالقذف والغيبة.
стр. 255
ج- وتدخل الأمانة في الأجسام والأرواح: فمن الأمانة في الأجسام والأرواح كف النفس واليد عن التعرض لها بسوء من قتل أو جرح أو ضر أو أذى.
د- وتدخل الأمانة في المعارف والعلوم: من الأمانة في المعارف والعلوم تأديتها دون تحريف أو تغيير، ونسبة الأقوال إلى أصحابها، وعدم انتحال الإنسان ما لغيره منها.
هـ- وتدخل الأمانة في الولاية: فمن الأمانة في الولاية تأدية الحقوق إلى أهلها، وإسناد الأعمال إلى مستحقيها الأكفياء لها، وحفظ أموال الناس وأجسامهم وأرواحهم وعقولهم، وصيانتها مما يؤذيها أو يضر بها، وحفظ الدين الذي ارتضاه الله لعباده من أن يناله أحد بسوء، وحفظ أسرار الدولة وكل ما ينبغي كتمانه أن يتسرب إلى الأعداء؛ إلى غير ذلك من الأمور.
وتدخل الأمانة في الشهادة: وتكون الأمانة في الشهادة ب تحملها بحسب ما هي عليه في الواقع، وبأدائها دون تحريف أو تغيير أو زيادة أو نقصان.
وتدخل الأمانة في القضاء: وتكون الأمانة في القضاء بإصدار الأحكام وفق أحكام العدل التي استؤمن القاضي عليها وفوض الأمر فيها إليه.
وتدخل الأمانة في الكتابة: وتكون الأمانة في الكتابة بأن تكون على وفق ما يمليه ممليها، وعلى وفق الأصل الذي تنسخ منه؛ فلا يكون فيها تغيير ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان، وإذا كانت من إنشاء كاتبها فالأمانة فيها أن تكون مضامينها خالية من الكذب والتلاعب بالحقائق إلى غير ذلك.
وتدخل الأمانة في الأسرار التي يستأمن الإنسان على حفظها وعدم إفشائها: وتكون الأمانة فيها بكتمانها.
وتدخل الأمانة في الرسائل: وتكون الأمانة فيها بتبليغها إلى أهلها تامة غير منقوصة ولا مزيد عليها، وعلى وفق رغبة محملها؛ سواء أكانت رسالة لفظية أو كتابية أو عملية.
стр. 256
وتدخل الأمانة في السمع والبصر وسائر الحواس: وتكون الأمانة فيها بكفها عن العدوان على أصحاب الحقوق، وبحفظها عن معصية الله فيها، وبتوجيهها للقيام بما يجب فيها من أعمال؛ فاستراق السمع خيانة، واستراق النظر إلى ما لا يحل النظر إليه خيانة، واستراق اللمس المحرم خيانة؛ وهكذا.
وأختم هذا الدرس بما جاء في (رياض الصالحين) للإمام النووي في باب: الأمر بأداء الأمانة، يقول النووي - رحمه الله تعالى - في كتابه (رياض الصالحين) باب: الأمر بأداء الأمانة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء: ٥٨) وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ٧٢).
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) حديث متفق عليه؛ أي رواه البخاري ومسلم، وفي رواية: ((وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم)).
الحديث الثاني: وعن حذيفة بن اليمان ﵁ كان يعرف حذيفة ب أنه صاحب سر رسول الله ﷺ وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ((ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء - ثم أخذ حصاة فدحرجه على رجله - فيصبح الناسُ يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان
стр. 257
رجلاً أمينًا - يعني يضرب المثل لندرته برجل أمين في بلد - حتى يقال للرجل: ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلمًا ليردنه علي دينه، ولئن كان نصراني ًّ اأو يهودي ًّ اليردنه علي ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا)) متفق عليه؛ أي رواه البخاري ومسلم.
قوله: ((جذر)) بفتح الجيم وإسكان الذال المعجمة وهو أصل الشيء.
و ((الوكت)) بالتاء المثناة من فوق الأثر اليسير.
و ((المجل)) بفتح الميم وإسكان الجيم وهو تنفط في اليد ونحوها من أثر عمل وغيره.
قوله: ((منتبرًا)) مرتفعًا.
قوله: ((ساعيه)) أي الوالي عليه.
وعن حذيفة وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : ((يجمع الله ﵎ الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة - أي: تقرب إليهم - فيأتون آدم - صلوات الله عليه وسلامه - ف يقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله، قال: فيأتون إبراهيم، فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك إنما كنت خليل ً امن وراء وراء، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليمًا، فيأتون موسى؛ فيقول: لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدًا ﷺ فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق)) قلت: بأبي
стр. 258
وأمي؛ أي شيء كمر البرق. قال: ((ألم تروا كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل لا يستطيع السير إلا زحفًا، وفي حافة الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكودس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفًا)). رواه مسلم.
قوله: ((وراء وراء)) هو بالفتح فيهما وقيل بالضم بلا تنوين، ومعناه لست بتلك الدرجة الرفيعة، وهي كلمة تذكر على سبيل التواضع.
وعن أبي خ ُ بيب بضم الخاء المعجمة عبد الله بن الزبير بن العوام ﵄ قال: لما وقف الزبير يوم الجمل - يعني يوم وقعة الجمل - دعاني فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لأراني إلا سأقتل اليوم مظلومًا، وإن من أكبر همي لديني - الديون التي كانت عليه لأنه كان يتاجر ويتداين رغم أن أمواله كثيرة إلا أن التجارة فيها أمور متداخلة، وفيها ديون كثيرة - فيقول الزبير: وإن من أكبر همي لديني، أفترى ديننا يبقي من مالنا شيئًا - يعني أنه مال كبير فلا يبقي من ماله شيئ ً ا.
ثم قال: يا بني بع ما لنا واقض ديني، وأوصى بالثلث وثلثه لبنيه - يعني لبني عبد الله بن الزبير ثلث الثلث - قال: فإن فضل من مالنا بعد قضاء الدين شيء؛ فثلث هـ لبنيك، قال هشام وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير خبيب وعباد وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات، قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني، إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه بمولاي قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله، قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه، فيقضيه الله تعالى ".
стр. 259
قال: فقتل الزبير ولم يدع دينارًا ولا درهمًا إلا أراضينا منها الغابة - مكان يعرف بالغابة أرض شهيرة من عوالي المدينة - وإحدى عشرة دارًا بالمدينة، ودار ين بالبصرة، ودارًا بالكوفة، ودارًا بمصر؛ هذه تركة سيدنا الزبير، قال: وإنما كان دينه الذي كان عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكن هو سلف إني أخشى عليه الضيعة - يعني الضياع والهلاك - وما ولي إمارة قط ولا جباية ولا خراجًا ولا شيئًا إلا أن يكون في غزو مع رسول الله ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ جميعًا.
قال عبد الله - أي ابنه -: فحسبت ما كان عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف - يعني بلغتنا الآن ٢ مليون و٢٠٠ ألف دينار - فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير، فقال: يا بن أخي، كم على أخي من الدين؟ - يعني: على أبيك ال ذي هو الزبير الذي وصى أن تدفع عنه دينه - فكتمته لأنه كثير، وقلت: مائة ألف، فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع هذه، فقال عبد الله: أرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي، لكن أباه وصاه إن عجزت عن سداد الدين فاستعن بمولاي - أي: بالله سبحانه تعالى.
قال: وكان الزبير قد اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام فقال: من كان له على الزبير شيء فليوافنا بالغابة، يأتي ليأخذ حقه، فأتاه عبد الله بن جعفر وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال ل عبد الله: إن شئتم تركتها لكم قال عبد الله: لا، قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم.
فقال عبد الله: لا، قال: فاقطعوا لي قطعة، قال عبد الله: لك من ها هنا إلى ها هنا، فباع عبد الله منها فقضى عنه دينه، وأوفاه وبقي منها أربعة أسهم ونصف،
стр. 260
فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة؛ فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم بمائة ألف، قال: كم بقي منها؟ قال: أربعة أسهم ونصف، فقال المنذر بن الزبير: قد أخذت منها سهمًا بمائة ألف، قال عمرو بن عثمان: قد أخذت منها سهمًا بمائة ألف، وقال ابن زمعة: قد أخذت منها سهمًا بمائة ألف، ف قال معاوية: كم بقي منها؟ قال: سهم ونصف سهم، قال: قد أخذت بخمسين ومائة ألف، قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف.
فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دين الزبير، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراث ن ا، البركة نزلت وسدد الدين وطالبوا بقسمة الميراث، قال: والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين؛ ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه، فجعل كل سنة ينادي في الموسم، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم، ودفع الثلث، وكان للزبير أربع نسوة فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف ". روى الحديث الإمام البخاري في (صحيحه).
هذا وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 261
الدرس: ١٦ تابع: الأمانة - العدل .
стр. 262
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس عشر
(تابع: الأمانة - العدل)
تتمة الحديث عن الأمانة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
بقية الحديث عن الأمانة.
إن الأمانة خلق نبيل نادت به كل الشرائع السماوية، والأمانة لها معنى واسع يتسع لكل أضرب الحياة، يقول الشيخ الغزالي في كتابه (خلق المسلم) تحت عنوان؛ الأمانة: الإسلام يرقب من معتنقه أن يكون ذا ضمير يقظ، تصان به حقوق الله وحقوق الناس، وتحرس به الأعمال من دواعي التفريط والإهمال، ومن ثم أوجب الإسلام على المسلم أن يكون أمينًا، والأمانة في نظر الشارع واسعة الدلالة، وهي ترمز إلى معان شتى مناطها جميعًا شعور المرء بتبعته في كل أمر يوكل إليه، وإدراكه الجازم بأنه مسئول عنه أمام ربه على النحو الذي فصله الحديث الكريم؛ ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسئول عن رعيته))، رواه البخاري.
قال ابن عمر راوي الحديث: سمعت هؤلاء من النبي ﷺ وأحسبه قال: ((الرجل في مال أبيه راع وهو مسئول عن رعيته)) والعوام يقصرون الأمانة في أضيق معانيها وآخرها ترتيبًا؛ وهو حفظ الودائع، مع أن حقيقتها في دين الله أضخم وأثقل إنها الفريضة التي يتواصى بها المسلمون يتواصون برعايتها ويستعينون بالله على حفظها؛ حتى إنه عندما يكون أحدهم على أهبة سفر يقول له أخوه: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك.
وعن أنس قال: ما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له))، ولما كانت السعادة القصوى أن يوقي الإنسان شقاء العيش
стр. 263
في الدنيا وسوء المنقلب في الآخرة؛ فإن رسول الله ﷺ جمع في استعاذته بين الحالين معًا؛ إذ قال: ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة؛ فإنها بئست البطانة)) الحديث رواه أبو داود، فالجوع ضياع الدنيا، والخيانة ضياع الدين.
وكان رسول الله ﷺ في حياته الأولى قبل البعثة يلقب بين قومه بالأمين، وكذلك شوهدت مخايل الأمانة على موسى حين سقى لابنتي الرجل الصالح ورفق بهما واحترم أنوثتهما، وكان معهما عفيفًا شريفًا، في نهاية القصة قالت ابنة شعيب ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٦)، وقد حدث هذا قبل أن ينبأ موسى وأن يرسل إلى فرعون، ولا غرو فرسل الله يختارون من أشرف الناس طباعًا وأذكاهم معادن، والنفس التي تظل معتصمة بالفضائل على شدة الفقر ووحشة الغربة هي لرجل قوي أمين، والمحافظة على حقوق الله وحقوق العباد تتطلب خلقًا لا يتغير باختلاف الأيام بين نعم ة وبؤس، وذلك جوهر الأمانة.
من معاني الأمانة؛ وضع كل شيء في المكان الجدير به واللائق له؛ فلا يسند منصب إلا لصاحبه الحقيق به، ولا تملأ وظيفة إلا بالرجل الذي ترفعه كفايته إليها، واعتبار الولايات والأعمال العامة أمانات مسئولة ثابت من وجوه كثيرة؛ فعن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: ((يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنما أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)) رواه مسلم.
إن الكفاية العلمية أو العملية ليست لازمة لصلاح النفس؛ قد يكون الرجل رضي السريرة حسن الإيمان، ولكنه لا يحمل من المؤهلات المنشودة ما يجعله منتجًا في وظيفة معينة؛ ألا ترى إلى يوسف الصديق إنه لم يرشح نفسه لإدارة
стр. 264
شئون المال بنبوته وتقواه فحسب، بل بحفظه وعمله أيضًا ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥).
وأبو ذر لما طلب الولاية لم يره الرسول ﷺ جلدًا لها؛ فحذره منها، والأمانة تقضي بأن نصطفي للأعمال أحسن الناس قيامًا بها، فإذا ملنا عنه إلى غيره لهوى أو رشوة أو قرابة فقد ارتكبنا بتنحية القادر وتولية العاجز خيانة فادحة، قال رسول الله ﷺ : ((من استعمل رجل على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)) الحديث رواه الحاكم.
وعن يزيد بن أبي سفيان ﵁ قال: قال لي أبو بكر الصديق حين بعثني إلى الشام: يا يزيد إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة، وذلك أكثر ما أخاف عليك بعد ما قال رسول الله ﷺ : ((من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدل ً احتى يدخله جهنم)) الحديث رواه الحاكم أيضًا.
والأمة التي لا أمانة فيها هي الأمة التي تعبث فيها الشفاعات بالمصالح المقررة، وتطيش بأقدار الرجال لأكفاء لتهملهم وتقدم من دونهم، وقد أرشدت السنة إلى أن هذا من مظاهر الفساد الذي سوف يقع آخر الزمان؛ جاء رجل يسأل رسول الله ﷺ متى تقوم الساعة؟ فقال له ﵊: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة)) فقال الرجل: وكيف إضاعتها؟ قال ﵊: ((إذا وسد - يعني أسند - الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)) رواه البخاري.
ومن معاني الأمانة؛ أن يحرص المرء على أداء واجبه كامل ً افي العمل الذي يناط به، وأن يستنفد جهده في إبلاغه تمام الإحسان، أجل إنها لأمانة يمجدها الإسلام؛ أن يخلص الرجل لشغله، وأن يعنى بإجادته، وأن يسهر على حقوق
стр. 265
الناس التي وضعت بين يديه؛ فإن استهانة الفرد بما كلف به وإن كان تافهًا تستتبع شيوع التفريط في حياة الجماعة كلها، ثم استشراء الفساد في كيان الأمة وتداعيه برمته.
وخيانة هذه الواجبات تتفاوت إثمًا ونكرًا، وأشدها شناعة ما أصاب الدين وجمهور المسلمين وتعرضت البلاد لأذاه قال رسول الله ﷺ ((إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء يعرف به فيقال: هذه غدرة فلان)) رواه البخاري، وفي رواية ((لكل غادر لواء عند استه يرفع له بقدر غدرته، ولا غادر أعظم من أمير عامة)) الحديث رواه مسلم؛ أي ليس أعظم خيانة ولا أسوأ عاقبة من رجل تولى أمور الناس فنام عنها حتى أضاعها.
ومن الأمانة ألا يستغل الرجل منصبه الذي عين فيه لجر منفعة إلى شخصه وقرابته؛ فإن التشبع من المال العام جريمة، والمعروف أن الحكومات أو الشركات تمنح مستخدميها أجورًا معينة، ف محاولة التزيد عليها بالطرق الملتوية هي اكتساب للسحت، قال رسول الله ﷺ : ((من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا؛ فما أخذ بعد ذلك فهو غلول))؛ أي سرقة وحرام؛ لأنه اختلاس من مال الجماعة الذي ينفق في حقوق الضعفاء والفقراء ويرصد للمصالح الكبرى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ١٦١).
أما الذي يلتزم حدود الله في وظيفته ويأنف من خيانة الواجب الذي طوقه فهو عند الله من المجاهدين بنصرة دينه وإعلاء كلمته، قال رسول الله ﷺ في حديث رواه أبو داود في (سننه) يقول ﵊: ((العامل إذا استعمل فأخذ الحق وأعطى الحق لم يزل كالمجاهد في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته)).
стр. 266
وقد شدد الإسلام في ضرورة التعفف عن استغلال النفوذ، وشدد في رفض المكاسب المشوبة عن عدي بن عميرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فو ق - يعني إبرة - فكتمنا مخيطًا فما فوق كان غلول ً ايأتي به يوم القيامة)) فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه ف قال: يا رسول الله اقبل عني عملك، قال: ((وما لك؟)) قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال ﵊: ((وأنا أقوله الآن؛ من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نهى عنه انتهى)).
وحدث أن استعمل النبي ﷺ رجل ً امن الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم بها قال ابن اللتبية: هذا لكم وهذا أهدي إلي، قال راوي الحديث: فقام رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد؛ فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتيني فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا، والله لا يأخذ أحد منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فل أعرفن أحدًا منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر))، ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يقول: ((اللهم هل بلغت)) الحديث رواه مسلم في (صحيحه).
ومن معاني الأمانة؛ أن تنظر إلى حواسك التي أنعم الله بها عليك، وإلى المواهب التي خصك بها، وإلى ما حببت، وإلى ما أعطيت من أموال وأولاد؛ فتدرك أنها ودائع الله الغالية عندك، فيجب أن تسخرها في قرباته، وأن تستخدمها في مرضاته؛ فإن امتحنت بنقص شيء منها فلا يستخفنك الجزع متوهمًا أن ملكك المحض قد سلب منك؛ ف الله أولى بك وأولى بما فاء عليك، وله أخذ وله ما
стр. 267
أعطى، وإن امتحنت ببقائها فما ينبغي أن تجبن بها عن جهاد، أو تفتن بها عن طاعة، أو تستقوي بها على معصية، قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: ٢٧، ٢٨).
ومن معاني الأمانة؛ أن تحفظ حقوق المجالس التي تشارك فيها؛ فلا تدع لسانك يفشي أسرارها ويسرد أخبارها؛ فكم من حبال تقطعت، وكم من مصالح تعطلت لاستهانة بعض الناس بأمانة المجلس وذكرهم ما يدور فيه من كلام منسوب إلى قائله أو غير منسوب؛ قال رسول الله ﷺ :
((إذا حدث رجل رجل ً ابحديث ثم التفت فهو أمانة)).
وحرمات المجالس تصان ما دام الذي يجري فيها مضبوطًا بقوانين الأدب وشرائع الدين وإلا فليس لها حرمة، وعلى كل مسلم شهد مجلسًا يمكر فيه المجرمون بغيرهم ليلحقوا بهم الأذى أن يسارع إلى الحيلولة دون الفساد جهد طاقته؛ قال رسول الله ﷺ : ((المجلس بالأمانة إلى ثلاثة مجالس؛ مجلس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق)).
وللعلاقات الزوجية في نظر الإسلام قداسة؛ فما يضمه البيت من شئون العشرة بين الرجل وامرأته يجب أن يطوى في أستار مسبلة؛ فلا يطلع عليه أحد مهما قرب، والسفهاء من العامة يثرثرون بما يقع بينهم وبين أهلهم من أمور، وهذه وقاحة حرمها الله تعالى؛ فعن أسماء بنت يزيد ﵂ أنها كانت عند رسول الله ﷺ والرجال والنساء قعود عنده فقال: ((لعل رجل ً ايقول ما فعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها))؛ فأذم القوم - أي سكتوا وجلين خائفين - تقول أسماء: فقلت: أي والله يا رسول الله إنهم ليفعلون وإنهن ليفعلن، قال: ((لا تفعلوا؛ فإنما مثل ذلك مثل شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون)).
стр. 268
وقال رسول الله ﷺ أيضًا: ((إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة؛ الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)).
والودائع التي تدفع إلينا لنحفظها حينًا ثم نردها إلى ذويها حين يطلبونها هي من الأمانات التي نسئل عنها أمام الله يوم القيامة، وقد استخلف رسول الله ﷺ عند هجرته ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ ليسلم المشركين الودائع التي استحفظها ﷺ مع أن هؤلاء المشركين كانوا بعض الأمة التي استفزته من الأرض واضطرته إلى ترك وطنه في سبيل عقيدته، لكن الشريف لا ي ت ضع مع الصغار، قال ميمون بن مهران: ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر؛ الأمانة، والعهد، وصلة الرحم.
واعتبار الوديعة غنيمة باردة هو ضرب من السرقة الفاجرة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله فيقال: أد أمانتك، فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه حتى إذا ظن أنه خارج ذلت - أي سقطت - عن منكبيه؛ فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة؛ وأشياء عددها، وأشد ذلك الودائع.
قال راوي الحديث: فأتيت البراء بن عازب ﵁ فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؟ قال كذا، قال البراء: صدق؛ أما سمعت الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الحديث رواه مسلم.
والأمانة التي تدعو إلى رعاية الحقوق وتعصم عن الدنايا لا تكون بهذه المثابة إلا إذا استقرت في وجدان المرء ورست في أعماقه وهيمنت على الداني والقاصي من
стр. 269
مشاعره؛ وذلك معنى حديث حذيفة بن اليمان ﵁ عن رسول الله ﷺ ((إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن؛ فعلموا من القرآن وعلموا من السنة)) الحديث رواه مسلم.
والعلم بالشريعة لا يغني عن العمل بها، والأمانة ضمير حي إلى جانب الفهم الصحيح للقرآن والسنة، فإذا مات الضمير انتزعت الأمانة فما يغني عن المرء ترديد للآيات ولا دراسة للسنن، وأدعياء الإسلام يزعمون للناس وقد يزعمون لأنفسهم أنهم أمناء، ولكن هيهات أن تستقر الأمانة في قلب تنكر للحق، ومن ثم يستطرد حذيفة في وصفه لتسرب الأمانة من القلوب التي تخلخل فيها اليقين فيروي عن الرسول ﷺ ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال: ((ينام الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت - والأثر المغاير كالنقطة على الصحيفة - ثم ينام الرجل النومة فتنقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل - كالبثور التي تظهر في اليد مثل ً امن استخدام الأدوات الخشنة - ثم قال: فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجل ً اأمينًا، وحتى يقال للرجل: ما أجلده ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)).
والحديث يصور انتزاع الأمانة من القلوب الخائنة تصويرًا محرج ًا؛ فهي كذكريات الخير في النفوس الشريرة تمر بها وليست منها، وقد تترك من مرها أثرًا لاذعًا بيد أنها لا تحيي ضميرًا مات، وأصبح صاحبه يزن الناس على أساس أثرته وشهوته غير مكترث بكفر أو إيمان.
إن الأمانة فضيلة ضخمة لا يستطيع حملها الرجال المهازيل، وقد ضرب الله المثل لضخامتها فأبان أنها تثقل كاهل الوجود؛ فلا ينبغي للإنسان أن يستهين بها، أو
стр. 270
يفرط في حقها؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: ٧٢) والظلم والجهل آفتان عرضتا للفطرة الأولى وعني الإنسان بجهادهما فلن يخلص له إيمان إلا إذا نقاه من الظلم؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ (الأنعام: ٨٢) ولن تخلص له تقوى إلا إذا نقاها من الجهالة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨) ولذلك بعد أن تقرأ الآية التي حملت الإنسان الأمانة تجد أن الذين غلبهم الظلم والجهل خانوا ونافقوا وأشركوا فحق عليهم العقاب، ولم تكتب السلامة إلا لأهل الإيمان والأمانة؛ قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: ٧٣).
العدل، ونماذج من عدل النبي ﷺ
العدل هو إيثار الحق، وإعطاء كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان، وهو المساواة في كل أمر يشترك فيه الناس، والعدل مطلوب في كل شيء؛ فعلى المسلم أن يعدل مع نفسه، ومع أهله، ومع ربه، ومع بدنه، ومع جيرانه، وأن يعطي كل ذي حق حقه، وهذا ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لسلمان الفارسي ﵁: ((إن لربك عليك حق ًّ ا، وإن لزوجك عليك حق ًّ ا، وإن لبدنك عليك حق ًّ ا، وإن لزورك - أي زوارك - عليك حق ًّ ا؛ فأعط كل ذي حق حقه)).
والعدل خلق نبيل نادت به كل الرسل، وجاءت به كل الشرائع السماوية؛ فمثل ً االعدل في الكيل والميزان حث عليه الإسلام في القرآن الكريم، وعلى لسان النبي الكريم سيدنا محمد ﷺ وجاء في القرآن الكريم ذكره على لسان كثير من النبيين؛
стр. 271
فهو من الأخلاق الكريمة الفاضلة؛ أي أن العدل في ال ميزان ومراعاة حق الله تعالى في الوزن والمكيال وعدم التطفيف؛ أي الزيادة أو النقصان في الميزان، الزيادة عندما يزن لنفسه، والنقصان عندما يزيد لغيره هذا لون من ألوان الظلم نهت عنه كل الشرائع، وجاء الإسلام فأكد على ذلك النهي؛ فمن أوائل سور القرآن نزول ً افي مكة سورة " الرحمن " وفيها أكد الحق على ذلك الأمر، ونادى على خلقه بأن يزنوا بالقسط والعدل ولا يخسروا الميزان، وأن الله تعالى وضع ميزانًا لخلقه حتى لا يظلم بعضهم بعضًا، ولا يأكلون أموالهم بينهم بالباطل؛ قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: ٧ - ٩).
ومن السور المكية أيضًا سورة " الأنعام " وقد جاء فيها التأكيد على أن يكون الكيل أو المكيال وكذلك الوزن بالقسط؛ أي بالعدل؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٢).
والناظر في كتاب الله تعالى سيجد لأهمية هذا الأمر أن الحق أنزل سورة من سور القرآن الكريم تحمل عنوان عدم القسط في الوزن والكيل تسمى سورة " المطففين " وبينت آيات السورة الكريمة شناعة هذا الأمر، وأن فاعله له الويل والثبور؛ قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (المطففين: ١ - ٦).
والتطفيف للكيل أن يكون للتاجر صاعان؛ صاع ي ُ عطي به وصاع يأخذ به؛ فالذي ي ُ عطي به ناقص والذي يأخذ به فيه زيادة.
стр. 272
ودعا رسول الله ﷺ إلى القسط في الميزان؛ أي العدل، وإذا وزن المسلم للناس عليه أن يرجح الميزان، ولا يحيف على الناس في المكيال؛ روى الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم وابن حبان بإسناد صحيح عن سويد بن قيس أن رسول الله ﷺ قال: ((زن وأرجح)).
وروى الطبراني بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين - أي بالفقر -)) ففي هذه الحديث أعلن الصادق ﷺ أن التطفيف في الكيل والميزان عقابه وخيم وعذابه أليم، وأن عقابه في الدنيا يقع قبل الآخرة؛ فهو سبب من أسباب القحط ومنع الرزق وضياع البركة من الأرض.
والشرائع السابقة كما ذكرنا سابقًا دعت إلى ما دعا إليه الإسلام من القسط والعدل في الوزن وعدم التطفيف في الكيل، وهذا نبي الله شعيب ﵇ ينادي على قومه بألا يخسروا الميزان؛ يأتي ذلك في القرآن الكريم في أكثر من موضع قال تعالى في سورة " الأعراف ": ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: ٨٥).
وفي سورة " الشعراء " يقول الحق على لسان شعيب ﵇ ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء: ١٨١ - ١٨٣).
وفي سورة " هود " قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ
стр. 273
بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (هود: ٨٤ - ٨٦).
وسيدنا يوسف ﵇ كان من أوفى الناس في الكيل والميزان، وأعلن عن ذلك بنفسه ليبين قيمة هذا الخلق النبيل؛ فقال لإخوته وهم لا يعرفونه: إني أوف ي الكيل وأنا خير المنزلين؛ قال تعالى في ذلك في سورة يوسف ﵇: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ (يوسف: ٥٨، ٥٩).
فخلق العدل في الكيل والميزان والقسط وعدم التطفيف خلق نبيل وعدل كامل دعت إليه كل الشرائع السماوية، وجاء الإسلام فأكد عليه، ودعا إليه القرآن الكريم وسيدنا محمد ﷺ .
أما عدل رسول الله ﷺ فحدث عنه ولا حرج؛ فلقد كان ﷺ أعدل الناس، وكيف لا وهو الذي دعا إلى العدل وقضى بأنه خلق الصالحين، وبين ﷺ أن الإمام العادل واحد من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، بل جعله أولهم، ويعلن ﷺ أن فاطمة ابنته لو سرقت لقطع يدها؛ فأي عدل بعد هذا؛ جاء في الحديث الصحيح أن المخزومية لما سرقت أرسلوا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وابن حبه؛ ليشفع فيها عند رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: ((أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة؟! إنما أهلك من كان قبلكم؛ أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)).
والآيات في العدل كثيرة؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (الشورى: ١٧)، وقال تعالى ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ
стр. 274
وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ (الشورى: ١٥).
وقال ﷺ : ((سبعة يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال؛ فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه)) وقال ﷺ : ((إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن؛ وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا)).
وكما دعا رسول الله ﷺ إلى العدل حذر من الظلم وبين أن عاقبته وخيمة، وإليك ما جاء في (رياض الصالحين) في تحريم الظلم والأمر برد المظالم إلى أصحابها:
عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)) رواه مسلم في (صحيحه).
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء))؛ أي الشاة التي ليس لها قرون يقاد لها من التي لها قرون. رواه مسلم وغيره.
وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نتحدث عن حجة الوداع والنبي ﷺ بين أظهرنا ولا ندري ما حجة الوداع حتى حمد الله رسول الله ﷺ وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره - يعني أطال قال كلامًا كثيرًا - وقال: ((ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته؛ أنذره نوح والنبيون من بعده، وإ نه يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم إن ربكم ليس بأعور وإنه أعور عين اليمنى
стр. 275
كأن عينه عنبة طافئة، ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟)) قالوا: نعم، قال: ((اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد، ويلكم - أو ويحكم - انظروا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)) رواه البخاري ومسلم.
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين)) حديث متفق عليه.
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ)) ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: ١٠٢) والحديث متفق عليه.
وعن معاذ ﵁ قال بعثني رسول الله ﷺ فقال: ((إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم؛ فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) حديث متفق عليه؛ أي أخرجه البخاري ومسلم.
وعن أبي حميد عبد الرحمن بن سعد الساعدي ﵁ قال: استعمل النبي ﷺ رجل ً امن الأزد وهو ابن اللتبية، وقد مرت قصته قريبًا، نعيش مع الحديث الذي بعده.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له
стр. 276
عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)).
وعن ابن عمرو ﵁ قال: كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كركره فمات، فقال رسول الله ﷺ : ((هو في النار)) فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها.
وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السم اوات والأرض، السنة اثن اعشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاث متواليات؛ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان، أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس ذا الحجة؟)) قلنا: بلى، قال: ((فأي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس البلدة؟)) قلنا: بلى - أي البلدة الحرام - قال: ((فأي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم؛ ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب؛ فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه)) ثم قال: ((ألا هل بلغت؟)) قلنا: نعم، قال: ((اللهم اشهد))، حديث متفق عليه.
стр. 277
وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه - يعني حلف على مال مسلم - فأخذه ظلمًا فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة)) فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله، فقال ﵊: ((وإن قضيبًا من أراك))؛ يعني ولو عود مثل السواك، حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
وعن عدي بن عميرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا يأتي به يوم القيامة))، فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله اقبل عني عملك، قال: ((وما لك؟)) قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال ﵊: ((وأنا أقوله الآن؛ من استعملناه على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى)) رواه مسلم وقد مر قريبًا.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال النبي ﷺ : ((كلا إني رأيته في النار في بردة - أي عباءة - غلها)) - أي أخذها قبل أن تقسم الغنائم؛ سرقة.
وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطايا؟، فقال له رسول الله ﷺ : ((نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر)) ثم قال رسول الله ﷺ : ((كيف قلت؟)) قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطايا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدَّيْن فإن جبريل قال لي ذلك)) رواه مسلم.
стр. 278
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((أتدرون ما المفلس؟)) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة؛ ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال، هذا وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته؛ فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار)).
وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض - يعني أبلغ - فأقضي له بنحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار)).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرام)).
وعن خولة بنت عامر الأنصارية وهي امرأة حمزة ﵁ وعنها - قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير الحق فلهم النار يوم القيامة)) رواه البخاري.
هذا ما جاء في العدل وتحريم الظلم.
هذا وبالله التوفيق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 279
الدرس: ١٧ الدعوة إلى الصدق، والتحذير من الكذب .
стр. 280
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع عشر
(الدعوة إلى الصدق، والتحذير من الكذب)
تعريف الصدق، والدعوة إليه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
الصدق هو مطابقة الخبر للواقع، ولقد دعا الإسلام إلى الصدق وحبب فيه ورغب في آيات تتلى في القرآن الكريم، وفي أحاديث قالها النبي الكريم سيدنا محمد ﷺ .
فمن الآيات التي دعت إلى الصدق وحثت عليه قول الحق : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥).
أما الأحاديث في الصدق فهي كثيرة؛ منها قال ﷺ : ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا؛ وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)) رواه البخاري وغيره.
وإن الصدق دعت إليه كل الرسالات ونادى به جميع الرسل؛ فهو خلق الأنبياء والصالحين، ومما تمدح به السيدة مريم أم سيدنا عيسى ﵇ أنها صديقة قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَانظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٥) فالأخلاق الكريمة واحدة في كل الشرائع،
стр. 281
ومن هذه الأخلاق ما نحن بصدده الآن؛ وهو الصدق، فالصدق خلق نبيل فاضل دعت إليه كل الشرائع السماوية في كتبها وعلى ألسنة رسلها، ثم جاء الإسلام فأكد على هذا الخلق النبيل في كتابه الكريم، وعلى لسان سيد الأولين والآخرين رسول الإسلام والسلام سيدنا محمد - عليه الصلاة وأفضل السلام.
الصدق مع الله، والصدق مع رسول الله، والصدق مع النفس، والصدق مع الناس؛ إن الصدق بكل أشكاله وألوانه دعا إليها الإسلام ورسول الإسلام، روى الإمام البخاري - رحمه الله تعالى - بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر ... )) ومر الحديث قريبًا.
إن رسول الله ﷺ دعا إلى الصدق وعدم اتباع الظن والأوهام، بل يجب أن يكون المسلم صادقًا مع نفسه يسعى إلى اليقين ويعيش حياته باليقين ومع اليقين لقد قضى رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؛ قضى بأن الظن أكذب الحديث وحذر المسلمين منه؛ لأن عاقبته وخيمة قال ﷺ : ((إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا)).
من أبرز صفات رسول الله ﷺ قبل مبعثه أنه عرف بالصادق الأمين؛ كان رسول الله ﷺ صادقًا في حديثه، صادقًا في تجارته، صادقًا في كل أحواله؛ وهذا الصدق هو الذي جعل هرقل يجزم بأنه نبي الله حق ًّ ا، وأنه النبي المنتنظر، وأنه سيملك موضع قدميه، وأن الخير كل الخير في اتباعه؛ إذ قال لأبي سفيان: هل يكذب محمد في حديثه معكم؟ قال أبو سفيان: لا، قال هرقل: ما كان ليذر؛ أي ليترك الكذب على الناس ثم يكذب على الله.
стр. 282
ولما جاءته الرسالة ﷺ جمع أهل مكة وقال: ((لهم لو أخبرتكم أن خيلًا من وراء هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبًا قط.
ولقد وصفه الله تعالى بالصدق في دعوته قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ (التكوير: ٢٤، ٢٥) وقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٣٣).
ومدح الحق أهل الصدق فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ الآية، وقد مرت قريبًا، ودعا الحق سبحانه المؤمنين بأن يكونوا مع الصادق ي ن فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وقد مرت أيضًا.
والشرائع كلها نادت بالصدق ودعت إليه، ومدح الحق سبحانه أهل الصدق منهم، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل؛ فها هو خليل الرحمن نبي الله إبراهيم ﵇ يصفه ربه بالصدق مادحًا إياه بهذا الوصف الجميل؛ فيقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٤١).
ونفس الوصف يصف به الله نبيه إدريس ﵇ فيقول الحق : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ (مريم: ٥٦).
وهذا نبي الله يوسف ﵇ يعرف بالصديق ويكون ذلك الوصف من أبرز الأوصاف التي عرف بها، بل به كان ينادى، فها هو رسول الملك في سورة " يوسف " يخاطبه قائل ً ا: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٤٦).
стр. 283
ونبي الله عيسى ﵇ صديق ومصدق لما بين يديه من (التوراة) و (الإنجيل)، ومبشر برسول يأتي من بعده هو نبينا ﷺ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦).
ومريم ﵍ أم سيدنا عيسى وصفها الحق كما قلت سابقًا بأنها صديقة.
فالصدق في القول والعمل خلق نبيل جاءت به كل الشرائع، واتصف به جميع الرسل، وأكد عليه الإسلام ورسول الإسلام ﷺ .
وإليكم ما جاء من أحاديث في فضل الصدق في (رياض الصالحين) للإمام النووي حيث ذكر أحاديث هامة في الصدق وفضله:
الحديث الأول: عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة ... )) الحديث.
الحديث الثاني: عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)) رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح.
قوله: ((يريبك)) هو بفتح الياء وضمها ي ُ ريبك وي َ ريبك ومعناه اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا شك فيه.
الحديث الثالث: عن أبي سفيان صخر بن حرب ﵁ في حديثه الطويل من قصة هرقل؛ قال هرقل: فماذا يأمركم - يعني النبي -؟ قال أبو سفيان: قلت يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، وتركوا ما يقوله آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.
стр. 284
الحديث الرابع: عن أبي ثابت، وقيل: أبي سعيد، وقيل: أبي الوليد بدري؛ يعني من أهل بدر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)).
انظر إلى الصدق في النية عندما يصدق الإنسان النية مع الله يكتب الله له بحسب نيته فهذا الذي تمنى أن يموت شهيدًا في سبيل الله تكتب له الشهادة وإن مات على فراشه، وذلك في قوله ﵊ ((من شهد الله تعالى الشهادة بصدق)) المهم أن يكون صادقًا في طلبه ونيته ((بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)).
الحديث الخامس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((غزا نبي من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها، ولا أحد بنى بيوتًا لم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خلفات -يعني إبل وأبقار- وهو ينتظر أولادها؛ فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك؛ فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم، فجاءت -يعني النار- لتأكلها فلم تطعمها -وكان هذا شأن الأمم السابقة الغنائم أحلت لرسول الله ﷺ وللأمة الإسلامية فقط، أما من كان قبلنا فكانوا إذا غنموا يضعون الغنيمة في مكان فتأتي النار فتأكلها كلها إن كانوا صادقين، ومعنى أن النار تأكلها أنها قبلت، فلما لم تأكلها النار- قال ذلك النبي لمن معه من المحاربين: إن فيكم غلولًا -يعني فيه هناك من سرق من الغنيمة- فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعها فجاءت النار فأكلتها، فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا)) حديث متفق عليه.
стр. 285
((الخ َ ل ِ فات)) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام جمع خلفة؛ وهي الناقة الحامل.
الحديث السادس: عن أبي خالد حكيم بن حزام ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)) هذا الحديث يجعل البركة في التجارة أساسها الصدق وإخلاص النية بين الشريكين، وأن يصدقوا مع الناس الذين يبايعونهم ويتبايعون معهم.
تعريف الكذب، والتحذير منه
الكذب هو مخالفة الخبر للواقع، أو عدم مطابقة الحال للواقع؛ فيشمل القول والعمل، ولقد جاءت آيات كريمة تذم الكذب وتحذر منه وتبين شؤمه وعاقبته الوخيمة الأليمة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ﴾ (النحل: ١٠٥) فهذه الآية جعلت الكذب علامة للذين لا يؤمنون بالله وحكمت بأنهم كاذبون.
وقال تعالى يصف أهل الكتاب بأنهم صنفان؛ صنف أمين فحمد الحق أمانته ي ُ عطي أمانته التي ائتمنته عليها ولو كانت قنطارًا من الذهب، وهناك صنف لا ي ُ عطيك ما أمنته عليه حتى وإن كان دينارًا إلا ما دمت عليه قائمًا تلح وحريص على أن تأتي بمالك من عنده، إذا لم تفعل ذلك لا يأتيك مالك ويأكل هذه الأمانة؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧٥). يكذبون على الله .
следующие страницы →