بوصف النثر في المنزلة الثالثة من الكتاب (١) ، روى أبو حيان عن علي بن عيسى الوزير أنه قال: " عرض على قدامة كتابه سنة عشرين وثلاثمائة، واختبرته فوجدته قد بالغ وأحسن وتفرد في وصف فنون البلاغة في المنزلة الثالثة بما لم يشركه فيه أحد من طريق اللفظ والمعنى، مما يدل على المختار المجتبى والمعيب المجتنب، ولقد شاكه فيه الخليل بن أحمد في وضع العروض، ولكني وجدته هجين اللفظ ركيك البلاغة في وصف البلاغة حتى كأن ما يصفه ليس ما يعرفه، وكأن ما يدل به غير ما يدل عليه " (٢)
وهذه الثقافة نفسها هي التي جعلته يشارك في النقد الأدبي، إذ لا تكاد تشك في أن المنزلة الثالثة من كتاب الخراج إنما كتاب صدىً لكتاب أرسطو في الخطابة، وإن استكماله لمراحل المنطق الأرسططاليسي (وكتاب الشعر مرحلة أخيرة فيه) هو الذي جعله يقوم بتأليف كتابه " نقد الشعر "، وأنه بحكم هذه الثقافة نفسها كان منحازاً إلى تقدير " المعنى "، ولذا ألف كتابه " الرد على ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام " (٣) ؛ ولكن يجب ألا ننسى أن صلته بثعلب وأمثاله من علماء القرن الثالث، هي التي وضعت في يديه المادة الأدبية الصالحة لسند آرائه النظرية.
عدم إطلاع قدامة على نقد القرن الثالث
ويبدو أن قدامة لم يعرف شيئاً عن كتاب " نقد الشعر " للناشئ، ولم يطلع على كتاب " عيار الشعر " لأبن طباطبا، لأنه يصرح بأنه لم يجد " أحداً وضع في نقد الشعر وتخليص جيده من رديئه كتاباً " (٤) ثم يقول: " فأما علم جيد الشعر من رديئه فإن الناس يخبطون في ذلك منذ تفقهوا في العلم، فقليلاً ما يصيبون؛ ولما وجدت الأمر على ذلك وتبينت أن الكلام في هذا
стр. 177
الأمر أخص بالشعر من سائر الأسباب الأخر، وأن الناس قد قصروا في وضع متاب فيه، رأيت أن أتكلم في ذلك بما يبلغه الوسع " (١) ؛ فالنقد لدى قدامة " علم " ومجاله تخليص الجيد من الرديء في الشعر، أما سائر ما يتعلق بالشعر من علوم العروض والوزن والقوافي والغريب واللغة والمعاني، فليس مما يدخل في باب النقد إلا على نحو عارض، وقد أكثر الناس في التأليف في تلك العلوم وقصروا في علم النقد.
حد الشعر عند قدامة
ومنذ البداية يبدو قدامة متأثراً بالمنطق الأرسططاليسي، متجاوزاً المفهوم اليوناني للشعر، في آن معاً. فهو في حده للشعر، وفي حرصه على أن يكون ذلك الحد مكوناً من جنس وفصل يدل على أنه يترسم ثقافته المنطقية، " الشعر قول موزون مقفى يدل على معنى " فكلمة قول: بمنزلة الجنس، وموزون فصل له عما ليس بموزون، ومقفى فصل عما هو موزون ولا قوافي له، ودال على معنى فصل له عما يكون موزوناً مقفى ولا يدل على معنى. غير أن وضعه " المقفى " صفة فاصلة للشعر تدل على أنه يؤثر أن يستقل بحديثه عن الشعر العربي، وأنه لا يحتاط كما أحتاط الفارابي من بعد بقوله " إن للعرب من العناية بنهايات الأدبيات التي في الشعر أكثر مما لكثير من الأمم التي عرفنا أشعارهم " (٢) ، ولا يحتاط شأن أبن سينا حين قال: " الشعر هو كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية وعند العرب مقفاة " (٣) . وقد كان هذا التعريف مورطاً لقدامة على الصعيد المنطقي، لأن القافية لا تعدو أن تكون لفظة فهي جزء من " القول " أو ركن " اللفظ " أي هي داخلة في " اللفظ " وفي " المعنى " وفي " الوزن "، فإفرادها خروج
стр. 178
على المنطق. ولذا فإن قدامة وقع حيرة من أمرها. حين أراد أن يستكشف ائتلافها مع هذه العناصر. لأنها ليست وحدة قائمة بذاتها، ثم وجد - على سبيل التسامح - إنها يمكن أن تقع مؤتلفة مع المعنى. ومن ثم يتجه الحديث في الشعر إلى عناصره البسيطة (اللفظ - المعنى - الوزن - القافية) - ثم ينجه إلى المركبات (اللفظ والمعنى - اللفظ والوزن - المعنى والوزن - المعنى والقافية) فهذه ثماني وحدات: قسمة منطقية (أسعف فيها شيء من التساهل في أمر القافية) إلا أنها يجب أن تعتمد أساساً ثنائياً، لأن كلاً من العناصر البسيطة والمركبة قد يكون جيداً وقد يكون رديئاً، ولهذا كانت هذه الوحدات في حالتي الإيجاب والسلب ست عشرة.
صورة موجزة لكتاب نقد الشعر
ويظل الحديث عن عناصر: اللفظ، والوزن، والقافية، وعن ائتلاف اللفظ والوزن وائتلاف المعنى والقافية (وهو مفتعل) أمراً سهلاً ليس فيه تعقيد في حلي الوجوب والسلب أو الجودة والرداءة.
١ - فاللفظ يجب أن يكون سمحاً سهل مخارج الحروف من مواضعها. عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة (١) وعيوبه أن يكون ملحوناً وجارياً على غير سبيل الإعراب واللغة وحشياً قائماً على المعاظلة.
٢ - والوزن يكون سهل العروض. فيه ترصيع. وعيوبه الخروج عن العروض والتخليع.
٣ - والقافية تكون عذبة الحرف سلسة المخرج فيها ترصيع، وعيوبها هي العيوب القديمة من إقواء وتخميع وإبطاء وسناد.
٤ - وائتلاف اللفظ والوزن أن تكون الأسماء والأفعال في الشعر
стр. 179
تامة مستقيمة كما بنيت، لم يضطر الأمر في الوزن إلى نقضها عن البنية بالزيادة عليها والنقصان منها، وهذا يرجع إلى صناعتي المنطق والنحو، وعيب ائتلاف اللفظ والوزن: الحشو والتثليم والتذنيب والتغيير والتفصيل.
٥ - وائتلاف القافية مع المعنى أن تكون متعلقة بما تقدمها تعلق ملاءمة ونظم، بالتوشيح أو الإيغال، وعيبها في هذا الصدد أن تكون مستدعاة متكلفة يتعمد فيها السجع دون فائدة للمعنى.
ولكن الصعوبة تجيء من المعنى؛ وهذا هو الباب الذي يشغل الجزء الأكبر من كتاب قدامة، إذ ما دام المنطق هو الأساس المعتمد فلابد من حصر المعاني (على قدر الإمكان) ثم حصر الصفات الموجبة والسالبة التي قد تلحقها. ولهذا يحدد قدامة المعاني بستة أنواع - كل منها ذو حدين: جيد ورديء، ولها سبع صفات: كل صفة موجبة ونقيضتها، وأنواع المعاني تقع في الأغراب الآتية: المديح - الهجاء - المراثي - التشبيه - الوصف - النسيب، ولكل غرض حسنات في المعاني وعيوب، ويكفي أن يقال إن العيوب نقض للحسنات. وتتوفر في المعاني الجيدة الصفات الآتية: صحة التقسيم - صحة المقابلات - صحة التفسير - التتميم - المبالغة - التكافؤ - الالتفات، وأضدادها المعيبة هي: فساد التقسيم - فساد المقابلات - فساد التفسير - الاستحالة والتناقض - إيقاع الممتنع - مخالفة العرف - نسبة الشيء إلى ما ليس له.
هذه حال المعاني في وضعها البسيط، فإذا تركبت مع اللفظ كان ائتلافها يقتضي أن تتوفر المساواة والإشارة والإرداف والتمثيل والمطابقة والمجانسة ويقابل هذه الحسنات عيبان: الإخلال (النقص الذي يفسد المعنى) والزيادة التي تفسد المعنى، فإذا ائتلفت المعاني مع الوزن توفر: التمام والاستيفاء والصحة، وإذا أختل ذلك الائتلاف نتج عن ذلك القلب والبتر.
стр. 180
مصطلح قدامة
تلك هي الصورة الخارجية لكتاب " نقد الشعر " أردنا وضعها على هذا النحو لتدل على أن الكتاب قد رسم حسب خطة دقيقة، لا تختل، لأن فكرة المؤلف واضحة تمام الوضوح في ذهنه، فهو مقتصد في الكلام، لا يخرج عن حدود موضوعه، ثم إن هذه الصورة تدلنا على أن قدامة قد حشد مصطلحاً كبيراً أصبح مادة، هامة في نقد الشعر وفي البلاغة على السواء، ودارسو المصطلح البلاغي يجدر بهم أن يعالجوا هذا الذي جاء به قدامة، فيردوه إلى أصوله: عربية كانت أو منطقية أو بلاغية يونانية، ويتتبعوا دورانه في الكتب البلاغية من بعد، واعتراض المعترضين عليه، واستبدال غيره به أو إقراره أو تحويره، ذلك ما لا أحاوله بإسهاب في هذا المقام لأنه هامشي في الجهد النقدي. غير أن هذا المصطلح نفسه يدل على انشغال قدامة بالتحديد والتقعيد، كان الرجل يحس بما انتشر في مجال النقد من فوضى ذوقية، وكان حريصاً على أن يعلم النقد، مثلما كان حريصاً على أن يكون علمه قائماً على منطق لا يختل، ولذلك حول النقد - مخلصاً في محاولته - إلى منطقية ذهنية وقواعد مدرسية ووضع له مصطلحاً، وليس بمستغرب أن يرى فيه معاصروه " أفرس الناس ببيت شعر " وأن يسألوه تحديد المصطلح البلاغي النقدي إذا أشكل عليهم منه شيء، فقد سأله عيسى أبن عبد العزيز الطاهري مرة عن الإشارة فقال: " هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة باللمحة الدالة " فلما سأله مثلاً عليها قال: مثل قول زهير:
فإني لو لقيتك واتجهنا ... لكان لكل منكرة كفاء (١) وهذا وارد أيضاً في " نقد الشعر " (٢) ؛ وكذلك نجد أبا الفرج الأصفهاني
стр. 181
يسأله عن المقابلة فيورد عليه تعريفها والمثل عليها كما هو في كتابه دون إخلال (١) ، مما يدل على أن الكتاب أصبح جزءاً من محفوظه حاضراً لديه، وقد أثار هذا المصطلح بعض الاعتراضات، وتعرض للتغييرات، ولنأخذ مثلاً على ذلك " المطابق " فإن قدامة مثل عليه بقول الشاعر:
ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام فكاهل أسم القبيلة، وكاهل عضو، فاعترض الأخفش علي بن الحسن وقال: إن هذا يسمى التجنيس لا المطابقة، وزعم أن قدامة خالف في هذا الخليل والأصمعي (٢) ؛ وكذلك جرى الآمدي وغيره على تعقب قدامة في هذا المصطلح وهو أمر يطول تتبعه.
ثم إن هذه الصورة الخارجية السريعة التي رسمناها لكتابة تنبئ عما كلفته المعاني في حالتها البسيطة والمركبة من جهد، وتدل على ان عنايته بها (وذلك أمر طبيعي) فاقت كل شيء آخر، وفي سبيل رسم الحدود لها، كان لابد أن ينطلق من تصور نظري محدد، تصور قائم على وحدة تشبه ساق الشجرة، ثم يكون كل من بعده تفرعات تالية.
رأى قدامة أن أغراض الشعر إما أن يكون موضوعها الإنسان (الممدوح - المهجو - المرثي - المتغزل فيه - الموصوف) (٣) وإما يكون موضوعها الشيء (الموصوف) ، وقد يجيء موضوع سادس يجمع بين هذين بالرابطة الصورية (التشبيه) ، وفكر قدامة أننا إذا استثنينا الوصف، وهو موضوع مشترك بين الناس والأشياء فإن الأربعة الأولى ليست إلا منحاً للصفات أو سلباً لها،
стр. 182
فالمدح يتطلب صفات إيجابية تسلب في الهجاء. وتحول إلى المضي في حال الرثاء. وتحور عن قاعدتها الأصلية في الحديث عن النساء. فما هي هذه الصفات الإيجابية؟
تحديد الصفات الإيجابية حسب نظرية الفضيلة الأفلاطونية
هنا لجأ إلى ثقافته الفلسفية، فوجد أن أفلاطون يجعل الفضائل الكبرى أربعاً: العقل والشجاعة والعدل والعفة. وبما أن مدح الرجال معناه ذكر فضائلهم. فمن أتى في مدحه بهذه الأربع كان مصيباً ومن مدح بغيرها كان مخطئاً (١) ؛ وهذه الفضائل أمهات ذات فروع، ولا باس ان يمدح الشاعر بكل ما يتفرع عن كل فضيلة منها: ففضيلة العقل تتفرع إلى ثقابة المعرفة والحياء والبيان والسياسة والكفاية والصدع بالحجة والعلم والحلم عن سفاهة الجهلة وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، ومن أقسام العفة: القناعة وقلة الشره وطهارة الإزار وغير ذلك مما يجري مجراه، ومن أقسام الشجاعة: الحماية والدفاع والأخذ بالثار والنكاية في العدو والمهابة وقتل الأقران والسير في المهامه الموحشة وما أشبه ذلك، ومن أقسام العدل السماحة والإنظلام والتبرع بالنائل وإجابة السائل وقراء الأضياف وما جانس ذلك (٢) . وليست هذه الفضائل دائماً بسيطة بل يتركب منها فضائل أخرى تبلغ ستاً، فمن العقل مع الشجاعة يتولد الصبر على الملمات ونوازل الخطوب والوفاء بالأبعاد؟. (٣) ؛ وليس الهجاء إلا سلب هذه الفضائل عن المهجو، كما ان الرثاء (والصواب التأبين) ليس إلا تحويل الفعل إلى صيغة الماضي. ومن هذا يتبين ان شعر الإنساني في نظر قدامة يقوم (إذا
стр. 183
نحن استثنينا الغزل) على قاعدة أخلاقية ركينة. فلما كان الهجاء إنكاراً لإنسانية المهجو صح حينئذ أن نعيره بفقدان هذه القاعدة. لكي نحقره إلى نفسه فيتعظ بحاله غيره.
تتبع العلاقة بين قدامة وكتاب الشعر لارسطو
وفي هذا الصدد يثور أمامنا سؤالان كبيران: أولهما كيف اهتدى قدامة إلى هذا التفسير؟ والثاني كيف نوفق بين هذه القاعدة الأخلاقية وبين إقرار قدامة بالغلو لدى الشاعر والفحش والتناقض؟ ففي الإجابة عن هذين السؤالين يتضح جانب كبير من جهد قدامة الناقد.
والسؤال الأول من هذين وهو: كيف اهتدى قدامة إلى هذا التفسير، يردنا إلى كتاب الشعر لأرسطو، لقد ذكر الأستاذ بونيبكر في مقدمته على كتاب قدامة (١) أنه لم يجد صلة بين هذا الكتاب وبين بويطيقا أرسطاطاليس، ولكن التدقيق في ترجمة متي - التي اطلع قدامة على ترجمة شبيهة بها فيما يبدو - قد يشير إلى رأي مخالف.
لقد قدمنا القول بأن الترجمة العربية بكتاب الشعر قد سمت التراجيديا والكوميديا باسم المديح والهجاء. ويبدو أن هذه التسمية الخاطئة قد رسخت في ذهن قدامة أن العرب واليونان يشتركون في هذين الفنين. وان اليونان قد سهلوا له الطريق حين وضعوا لهما قواعد نقدية، وبحسب ما تستطيع أن تؤديه الترجمة العربية يدور المديح على أعمال الأفاضل والهجاء على أعمال الأراذل: " فقد يجب أن يكون هؤلاء إما افاضل، وإما أراذل، وذلك ان عاداتهم واخلاقهم بأجمعهم إنما الخلاف بينها بالرذيلة والفضيلة؟ وبهذا الفصل بعينه الخلاف الذي للمديح عن الهجاء " (٢) ؛ وما دام المديح
стр. 184
يدور حول الفضائل، وما دامت الفضائل الكبرى أربعاً، فلماذا لا يوفق قدامة بين النظريتين، لاسيما وأنه يقرأ في الترجمة المشوهة: " وأنواع المدائح أربعة أنواع (١) ؛ ثم يقرا في موضع آخر: (وقد يجد ضرورة أن تكون جميع أجزاء صناعة المديح ستة أجزاء بحسب أي شيء كانت هذه الصناعات "، وتختلط هذه الأمور في ذهنه فيحاول ان يحلها، ويسعفه عقله المنطقي على الاهتداء إلى حل. هي أربع بالنسبة للفضائل الكبرى، وهي ست بما تركب عنها. ثم لا يستطيع أن يفهم من التقسيمات الأصلية شيئاً لأنها تتصل في حقيقتها بالمأساة لا بالمديح، ولكنه يحس انه خرج من المأزق منتصراً. وقد كان الأمر كذلك لان بوادي الأمور الخاطئة قد تكونت لديه في صورة نظرية جديدة. وهو غير متردد في أن ما خرج به من استنتاج موافق لرأي المعلم الأول، لان المعلم الأول يقول أيضاً: " والتشبيه والمحاكاة هي مدائح الأشياء التي هي في غاية الفضيلة " (٢) .
كيف تم التلاءم بين القاعدة الأخلاقية والغلو في الشعر
و" غاية الفضيلة " تمثل جانباً من الجواب على السؤال الثاني، فقد قال أرسططاليس ان الفضيلة وسط بين طرفين، فهل يجوز للشاعر أن يصف قوماً بالإفراط في هذه الفضائل؟ وجواب قدامة على ذلك بالإيجاب لان هذا من باب الغلو في الشعر وليس يراد منه غلا المبالغة والتمثيل لا حقيقة الشيء (٣) ؛ لقد اختلف الناس في النظر إلى الشعر وانقسموا في مذهبين: ناس يرون الغلو في المعنى، وناس يرون الاقتصار وانقسموا على الحد الأوسط، بل إن بعضهم يستجيد الغلو في شعر وينكره في آخر، ويقول قدامة معلقاً على ذلك: " عن الغلو عندي أجود المذهبين وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر والشعراء قديماً. وقد بلغني عن بعضهم أنه قال: أحسن الشعر
стр. 185
أكذبه، وكذا يرى فلاسفة اليونانيين في الشعر على مذهب لغتهم " (١) . وفي هذا يقف قدامة مناقضاً لمبدأ الصدق الذي دافع عنه ابن طباطبا والآمدي، معتمداً في رأيه على نقاد قدماء من العرب وعلى فلاسفة يونان، وإن كنا لا ندري يقيناً إلى أي الفلاسفة يشير.
ويستمر قدامة في تأييده للغلو حتى ولو أفرط فيه الشاعر وجاء بما يخرج عن الموجود (٢) ، ولكن من الطبيعي أن نسأل: أليس لهذا الغلو حد يقف عنده، أو بعبارة أخرى هل يبلغ الغلو مرحلة لا يكون فيها مقبولاً؟ لقد تنبه قدامة لهذه المسالة عند حديثه عن عيب من عيوب المعاني سماه " إيقاع الممتنع فيها في حال ما يجوز وقوعه "، وتحديد الممتنع أنه " لا يكون، ويجوز أن يتصور في الوهم " وهو في هذا يختلف عن المتناقض، لان المتناقض لا يكون أبداً. ومن أمثلة هذا الممتنع الذي وضع فيما يجوز وقوعه قول أبي نواس:
يا أمين الله عش أبداً ... دم على الأيام والزمن " فليس يخلو هذا الشاعر من أن يكون تفاءل لهذا الممدوح بقوله: عش أبداً أو دعا له وكلا الأمرين مما لا يجوز، مستقبح " (٣) ؛ أقول تنبه قدامة إلى أن حكمه هذا قد يوهم التعارض مع ما سمح به من قبل إفراط في الغلو، فقال: " ونحن نقول إن هذا وما أشبهه ليس غلواً ولا إفراطاً بل خروجاً عن حد الغلو الذي يجوز أن يقع، إلى حد الممتنع الذي لا يجوز أن يقع، لان الغلو إنما هو تجاوز في نعت ما، للشيء أن يكون عليه وليس خارجاً عن طباعه إلى ما لا يجوز أن يقع له، لان الذي كنا كما قلنا إنه جائز مثل قول النمر بن تولب:
стр. 186
تظل تحفر عنه عن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي فليس خارجاً عن طباع السيف أن يقطع الذراعين والساقين والهادي وان يؤثر بعد ذلك ويغوص في الارض، ولكنه مما لا يكاد أن يكون؟ وليس في طباع الإنسان أن يعيش أبداً؛ وأيضاً فأنا كنا قد قدمنا أن مخارج الغلو إنما هو على " يكاد " وليس في قول أبي نواس: عش أبداً موضع يحسن فيه، لأنه لا يحسن على مذهب الدعاء أن يقال: يا أمين الله تكاد تعيش أبداً (١) .
وهذه قضية تتطلب توضيحاً، فقد أقرا قدامة أن الغلو يخرج " عن باب الموجود ويدخل في باب المعدوم " وأجاز ذلك على سبيل المثل وبلوغ النهاية (٢) ، إلا أنه وإن كان معدوماً، فإن وقوعه أمر ممكن، أما الممتنع فإن وقوعه أمر غير ممكن، ولامتحان الفرق بين هذين نضع كلمة " يكاد " فحيث صلحت فذلك غلو جائز الوقوع، وحيث لم تصلح فذلك " ممتنع " لا يكون أبداً (وإن جاز أن يتصور في الوهم) . وهذا يجعل الغلو واسع المدى بحيث لو سمعنا قول الشاعر:
ولو قلم ألقيت في شق رأسه ... خفيت وما غيرت من خط كاتب لقلنا على مذهب قدامة " أكاد أخفى؟ " وإذن يكون هذا من الغلو الذي لا يمنعه قدامة، وأمثال ذلك كثيرة، وواضح ان الوقوف عند حد " الممتنع " الذي لا يكون أبداً غير دقيق في التمييز بين أنواع الغلو.
وقد كان قدامة في هذا الموقف يستوحي أيضاً فكرة وردت عند ارسططاليس وهي: " أما فيما يتصل بالصدق الشعري فإن المستحيل المحتمل
стр. 187
مفضل على شيء غير محتمل إلا انه ممكن " (١) ؟.؛ وإذا أخذنا بقانون " الاحتمال " الأرسططاليسي وجدنا ان بعض أنواع الغلو غير محتملة لكنها ممكنة وهي ما يؤثر ارسطو أن يبعده من حيز الشعر، وأن بعض ما سماه قدامة " الممتنع " يقع تحت " المستحيل المحتمل " وأن ارسطو يفضله على النوع السابق؛ هل نقول هنا إن قدامة لم يستطع أن يفهم ما عناه الفيلسوف؟ عن المثل الذي أورده قدامة لأبي نواس " يا أمين الله عش أبداً " يدخل في غير المعقول (لا في الممتنع) وهو شيء أنكره ارسططاليس في الشعر لأنه يحطم منطق الأشياء وقانون السبية، فالمثل صحيح، ولكن القاعدة العامة التي وضعها قدامة لا تتقيد برأي ارسطو.
ذلك هو الموقف فيما يتصل بالغلو، فلنأخذ في الحديث عن إقرار قدامة بجواز الفحش والرفث في الشعر، فنقول:
هل يجوز الفحش والرفث في الشعر مع قيامه على اساس افلاطوني
إذا كان الشعر يعتمد على أساس أخلاقي كهذا الذي وصفه قدامة فكيف يجيز للشاعر أن يتحدث في شئون متصلة بالرفث والضعة وما أشبه من المعاني الذميمة؟ وجواب قدامة على هذا أن المعاني كلها معروضة للشاعر يتكلم منها فيما أحب دون أن يحظر عليه معنى من المعاني، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيها كالصورة، وعليه إذا شرع في معنى أن يتوخى البلوغ إلى النهاية المطلوبة من التجويد (٢) . إذ الأساس الأخلاقي إنما يتناول تصوير الجوانب الموجبة، وليس هناك من يستطيع أن يحظر عليه تصوير الجوانب السالبة، وإلا لم يكن الهجاء فناً من فنون الشعر على هذا الاعتبار.
стр. 188
هل يبقى الشاعر على مستوى نفسي واحد؟ وهل يقبل منه التضاد
وما دامت هذه الحرية مكفولة للشاعر، فليس ينتظر منه ان يظل على مستوى نفسي واحد، ولهذا يرد قدامة على من عاب أمرا القيس لأنه صور نفسه " ساعياً لمجد مؤثل " مرة وقانعاً " بالشبع والري " مرة أخرى - في موقف أشرنا إليه فيما سبق - وكان رده ذا وجهين، الأول: أن امرأ القيس لم يناقض نفسه، فإنه أكد في الأولى انه لو شاء لقنع ولكنه لا يريد، وفي الثانية انه قانع، وليس في هذا تناقض وإنما في الموقف الأول زيادة على الثاني، والشعران يحتويان على اكتفاء الإنسان باليسير، والرد الثاني: أنه لو كان امرؤ القيس متناقضاً لم يكن في نظر قدامة مخطئاً، إذ أن الشاعر لا يوصف بان يكون صادقاً، غنما يراد منه إذا أخذ في معنى من المعاني - أياً كان ذلك المعنى - أن يجيده في وقته الحاضر وحسب (١) .
التناقض في موقفين ليس عيباً على الشاعر، ولكنه عيب كبير حين يكون في المعنى الواحد، وهنا يلجا قدامة أيضاً إلى أرسططاليس، غلا انه يعتمد كتاباً آخر هو المقولات (٢) ليفسر معنى التقابل ومنش التناقض. يقول أرسطو ويتابعه قدامة: إن الأشياء تتقابل على أربع جهات (٣) .
١ - جهة أل إضافة: كالأب والابن، والعبد والمولى.
٢ - جهة التضاد: كالخير والشرير والحار والبارد.
стр. 189
٣ - جهة العدم والقنية كالعمى والبصر.
٤ - جهة النفي والإثبات: مثل زيد جالس، زيد غير جالس.
فمن أمثلة التناقض من جهة التضاد قول أبي نواس يصف الخمر:
كان بقايا ما عفا من حبالها ... تفاريق شيب في سواد عذار
تردت به ثم انفري عن أديمها ... تفري ليل عن بياض نهار فالحباب في البيت الأول ابيض، يشبه الشيب، وهو في الثاني أسود ينجاب عن سطح الكأس انجياب الليل.
ومن التناقض من جهة الإضافة قول عبد الرحمن القس:
فغني إذا ما الموت حيل بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر فقد شرط أن يحل الموت بها حتى يموت هو، قم قال " قبل " - وقدمه على " بعد " ولا يكون ذلك في المعقول. هذان نموذجان للتناقض الذي ينكره قدامة، وهو متصل بالامعقولية؛ موافق لما أنكره ارسطو من أمر غير المعقول في الشعر.
بهذا يكون قدامة قد أجاب على السؤال الثاني في عناصره الثلاثة (الغلو - الفحش - التناقض) ، ومع أن أمثلته معظمها إنما هي مما عالجه نقاد العرب من قبل - كقصة امرئ القيس في موقفين، ومبالغات أشار إليها النقاد مثل مبالغة مهلهل والنمر بن تولب، وقصة حسان مع النابغة حول الجفنات الغر اللواتي يلمعن بالضحى، واعتراض عبد الملك على كثير لوصفه إياه بلبس الدرع في الحرب) فإن تفسيره لهذه الأمثلة متصلاُ بالأصول النظرية التي وضعها، يدل على إحسانه الجمع بين الأصول اليونانية والنماذج العربية، وقدرته الفائقة على التطبيق، وحضور الشواهد الضرورية في
стр. 190
ذهنه. غير انك تجده حين يتحدث عن شئون الغلو والفضيلة وأخلاقية المنبع الشعري، ولا أخلاقية بعض النماذج الشعرية، غنما همه ان يوافق بين ما حشده من روافد مختلفة تأدت إليه من ثقافته اليونانية، وسواء أكان فهمه للآراء دقيقاً أو خاطئاً، وسواء أكانت أجوبته على المشكلات موفقة أو غير موفقة، فغن هذا الموقف يصور ما كان يشغل باله من شئون المزاوجة بين الشعر والفكر، وابتداع " علم " نقدي. وليس من الضروري أن نتتبع دينه إلى يونان في جزئيات الأمور (١) ، وإنما يكفي أن نقول من قدامة ليضع ما يمكن أن نسميه " منطق الشعر ". وليس هذا واضحاً وحسب في بناء الكتاب وتقسيماته، وحدوده، واقتباس بعض الآراء اليونانية فيه، بل هو واضح على أشده في الحديث عن خصائص المعاني وعيوبها كذلك.
منطق الشعر
فإن " منطق الشعر " يقتضي صحة التقسيم وصحة المقابلات وصحة التفسير والتكافؤ، وهو أيضاً ينر فساد التقسيم وفساد التقابل وفساد التفسير والتناقض؛ غير أن الفضائل المذكورة تمثل طبيعة الفكر الإنساني السليم، كما أن العيوب تمثل ما ينكره هذا الفكر، فتلك فضائل لا يستقل بها الشعر، وهذه عيوب تنطبق على كل شئون القول؛ ولبيان هذا الموقف بمزيد من الوضوح أقول: إننا حقاً قد نستبين العيب من جهة فساد التقسيم أو فساد التقابل أو التناقض في الشعر، وننفر منه من أجل واحد أو غير واحد من هذه العيوب، فالمقياس السالب هنا، أدق في تفسير عدم التأثير الذي نرجوه في الشعر، ولكن المقاييس الإيجابية لا تصنع شعراً،
стр. 191
فقد يتم للبيت من الشعر صحة التقسيم، أو صحة المقابلات أو صحة التفسير، ثم لا تميزه إحدى هذه الخصائص عن مستوى الكلام العادي الذي نتطلب فيه أيضاً مثل هذه الفضائل دون تسمح فيها. ولهذا يمكن أن نقول أن الصفات الإيجابية التي وضعها قدامة للمعاني لا تميز الشعر بشيء، وبقي هذا الشعر بحاجة إلى استنباط خصائص أخرى، وإلى بناء " منطق شعري " غير المنطق العام الذي بناه قدامة. وليس من المعاياة ان نفترض بان شعراً قد يخلو من كل هذه الخصائص الإيجابية يظل مع ذلك في نظرنا شعراً جميلاً مؤثراً، أما العيوب المنطقية فغنها إن وجدت فيما نسميه شعراً جميلاً مؤثراً شانت صفحته، وجعلتنا ننفر منه مما خرج على حد المعقولية؛ وليس معنى ذلك أن " صحة التقسيم " مثلاً لا تكون سبباً من أسباب جمال الشعر، وإنما الذي أقوله هنا: أن صحة التقسيم حقيقة مفترضة ضرورة، لا ينكشف أثرها، إلا إذا كانت غاية في ذاتها، كان تكون العامل المشترك في المبنى الكلي أو أشبه ذلك، لنقل إذن إن الشعر يجب أن يخلو من العيوب التي يحد بعضها بكذا وكيت، فأما أن نحصر الخصائص الإيجابية فيه فذلك شيء ليس في طوق أحد على النحو الجزئي الذي أراده قدامة، ولعل هذا هو أكبر عيب في محاولته، وخلاصة هذا العيب انه أنه أراد ان يحكم الخصائص المنطقية في مجال لا منطقي، فلم يفرد الشعر عن غيره بشيء، وبهذا ورط البلاغيين العرب من بعده حين تصوروا أن صحة المقابلة والإيغال والتتميم وما أشبه قد تكون سمات لتمييز القول البليغ من غيره.
إحساس قدامة بان " منطق الشعر " لا يمكن أن يكون كلياً
ولست أظن أن قدامة كان غافلاً تماماً عن قصور هذه المحاولة، فغن إحساسه أحياناً بان الشعر لا ينضبط بالقاعد الصارمة موجود في كتابه. ها أنت تراه بعد ان يضع قاعدته الكبرى في المدح وهي جمع الفضائل الأربع أو ما يترتب منها، قد عاد يقول " وقد أومأ أبو السمط مروان بن أبي حفصة في مدحه شراحيل بن معن بن زائدة إيماء موجزاً ظريفاً أتى على كثير
стр. 192
من المدح اختصار وإشارة بديعة حيث قال:
رأيت ابن معن انطق الناس جوده ... فكلف قول الشعر من كان مفحما
وارخص بالعدل السلاح بأرضنا ... (١) فما يبلغ السيف المهند درهما " فالتفاته إلى هذا الإيجاز أو الإيماء في أغراض الشعر إشارة إلى انه يدرك ان هناك أموراً ربما لم تندرج بسهولة تحت القاعدة العامة. وأزيد بان ما خرج عن القاعدة العامة اكثر بكثير مما انضوى تحتها، واحسبنا لو دمنا لقدامة ضروباً من أمثلة الشعر تتجاوز النماذج التي جاء بها كمية وأنواعاً (كالفرار في الحرب، والهجاء القائم على السخرية، والرثاء الوجداني الخالص دون تعداد للمناقب، والتحسر على الشباب و؟ إلى عشرات من أمثالها) لوسع من حدود النظرية والمصطلح، أو لاضطر ان يقيم الاستثناءات مقام القاعدة.
الفرق بين منطق قدامة وعقلانية ابن طباطبا
ولست أقول إن نقد قدامة - لذلك - كله عقلي محض، فإن النقد العقلي (أو الذهني) قد يستكشف العلاقات الجمالية كما هو عند ابن طباطبا، وغنما نقد قدامة لا يستطيع أن يتناول إلا " الواقع " الشعري دون غيره من المستويات، ومثل هذا النقد يستطيع ان يتمرس بالحقائق التي يقبلها العقل في الشعر ويؤثر التقرير والوضوح والحسم الفاصل والصحة المتميزة. والفرق بين قدامة وابن طباطبا أن الأول يريد أن يضع للشعر مخططاً منطقياً بقطع النظر عن السعة والشمول وحكم الذوق، والثاني يحاول ان يحد من طغيان الذوق بشيء من القواعد والأسس. ولكن بينهما من الشركة ما يتضح في
стр. 193
موقف كل منهما من التشبيه. فقد اشترط ابن طباطبا أن يقوم التشبيه على " الصدق " - لأنه المبدأ الكبير في نظرته النقدية. وما كنا ننتظر من قدامة وهو المؤمن بمبدأ الكذب في الشعر فيه أن يحدد التشبيه بقوله: " فاحسن التشبيه هو ما وقع بين الشيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد " (١) ويورد على ذلك أمثلة مواقفة لهذه القاعدة كتشبيه صوت جرع اللبن بصوت المطر الواقع على خباء الادم، وتشبيه شخب العنز عند الحلب بصوت الكير إذا نفخ؛ وسر ذلك ان قدامة غنما يتسامح في الغو إذا كان في المعاني لا في الصور، وحين يأخذ التشبيه في الإفراط، فقد يتحول إلى استعارة، وهي - على أنها سر الشعر - يضيق بها قدامة ذرعاً، ولا يستطيع أن يتقلبها إلا إذا حملها محمل التشبيه، فقول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل معناه أن هذا الليل في تطاوله " كالذي يتمطى بصلبه لا أن له صلباً " وهذا في حقيقته إنكار لطبيعة الاستعارة، وقيمة ما فيها من تشخيص، ولذلك يتخلص منها قدامة تخلص المستثقل البرم بأمرها حين يقول: " فما جرى هذا المجرى مما له مجاز كان أخف واسهل مما فحش ولم يعرف له مجاز، وكان منافراً للعادة بعيداً عما يستعمل الناس مثله " (٢) .
стр. 194
لماذا يهون قدامة من شان الاستعارة كما استبعد الآمدي الاستعارات البعيدة؟
وهذا التهوين الضمني من شان الاستعارة يشير إلى شيئين: أولهما أن المنهج العقلي لا يستلطف مثل هذا التصور الجامح الذي لا يخضع لتحديدات منطقية، فالاستعارة تحطم كثيراً مما بناه قدامة بصبر وتؤدة، والثاني ان قدامة لو لم يخضع لمنطقه الصارم لقدرنا أيضاً أن يقف مثل هذا الموقف نفسه في بيئة كانت ثائرة على ما يسميه قدامة " ما فحش ولم يعرف له مجاز " من أمثال استعارات أبي تمام التي انصب عليه من أجلها اشد هجوم. ولهذا رأينا قدامة هنا يحتكم للعادة، أي الذوق العام، في قبول الاستعارة. وليس احتكامه إلى العادة قاصراً على هذا الجانب من الشعر، بل أنه يتناول شئوناً أخرى في المعاني، حتى ليعد مخالفة العرف عيباً فيقول: " ومن عيوب المعاني مخالفة العرف والإتيان بما ليس في العادة والطبع مثل قول المرار:
وخال على خديك يبدو كأنه ... سنا البدر في دعجاء باد دجونها فالمتعارف المعلوم أن الخيلان سود أو ما قاربها في اللون، والخدود الحسان غنما هي البيض وبذلك تنعت، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى " (١) .
انعدام الاهتمام بالحالة النفسية في نقد قدامة
ثم أن الاهتمام بالاستعارة يعني من بعض جوانبه الاهتمام بقوة الخلق عند الشاعر، ولن تجد ناقداً مثل قدامة، قصر حديثه كله على الشعر نفسه دون أن يلتفت للشاعر أو للمتلقي. فليس يدخل في نقد قدامة أي حديث عن الحالات النفسية بالمعنى الدقيق ولا عن الطبع وما أشبه من هذه الأمور التي تعرض لها ابن قتيبة، وليس يهتم كثيراً بالسامعين وحالتهم النفسية عند تلقي الشعر.
стр. 195
لم لم يهتم بالسرقات رغم احتفاله بالمعنى
وهذا التركيز الشديد جعله يصدر حكماً على السرقات الشعرية دون أن يسميها، وبذلك أهمل موضوعاً كبيراً أستأثر باهتمام غيره من النقاد، فبذلوا فيه جهوداً مضنية قليلة الثمرات. وكان الذي أثاره إلى هذا الموضوع حديثه عن الاستغراب والطرافة. وهو أن يكون المعنى مما لم يسبق إليه. غير أن وصف المعنى بأنه غريب وطريف لا علاقة له بكونه جيداً أو غير جيد، فقد يكون الجيد غير طريف أو غريب. وقد يكون الغريب الطريف غير جيد. والسبق إلى المعنى ليس صفة للمعنى نفسه بل هو صفة للشاعر إذ انه هو السابق في الاهتداء إليه. أما المعنى فإنه عن كان قبيحاً في ذاته لم يحسنه هذا السبق، والعكس كذلك: " واحسب انه اختلط على كثير من الناس وصف الشعر بوصف الشاعر فلم يكادوا يفرقون بينهما، وإذا تأملوا هذا الأمر نعماً علموا أن الشاعر موصوف بالسبق إلى المعاني واستخراج ما لم يتقدمه أحد إلى استخراجه لا الشعر " (١) . أرأيت إلى هذا الفصل الدقيق بين الشعر والشاعر؟ كان قدامة يقول: أنا في حديثي عن الشعر لا اهتم إلا بصفاته الذاتية وحدها، فأما ما كان متعلقاً بالشاعر نفسه فلا شان لي به. ولكن اين الحديث عن السرقات في هذا الذي عرضنا له؟ هو حديث يشبه الإيماء إذ ان قدامة يتقد أن الشعراء لو تعاوروا مثلاً تشبيه الدروع بحباب الماء الذي تسوقه الرياح، ظل التشبيه في ذاته جميلاً، ولم تخلق جدته بسبب تداول الشعراء له: ومن ثم فليس لنا أن نبحث من هو أول من سبق إلى هذا التشبيه أو ذاك المعنى، وليس لنا ان نقف عند ننظر إلى حسن الأداء وحده دون أي شيء آخر. وكأن قدامة يومئ من طرف خفي غى ان المعاني شركة للجميع، مطروحة في الطريق، فإن لم تكن كذلك واهتدى شاعر إلى معنى غريب طريف، فحقه ان يوصف هو بالسبق، أما معناه
стр. 196
فإن غرابته أو طرافته لا تميزه بشيء في ميزان النقد. وقد امتلأت الدنيا بالغريب الطريف البارد في آن معاً " مثل أشعار قوم من المحدثين سبقوا إلى البرد فيها " (١) . ومن حق قدامة علينا أن نقدر له هذا الموقف من تداول المعاني، ولكننا نخشى أن يكون قد فاته التنبيه إلى ما في التكرار من أثر في النفس عكسي، مثلما فاته ان الطرافة والغرابة تعبير عن تأثر القارئ، فقول القارئ إن هذا المعنى طريف يمثل هزة خاصة وجدها في نفسه نحو الجدة النسبية، وهذا شيء طبيعي يكسب المعنى صفة جمالية، إذ ليست كل صفة في المعنى يجب أن تكون قائمة فيه. فأنت ترى أن قدامة لا يعبر الحالة النفسية أدنى اهتمام، فالتكرار الذي يبلغ حد الابتذال لا يقلل من جودة التشبيه ما دام جيداً في ذاته، والطرافة لا تزيد شيئاً إلى المعنى لأنها ليست من خصائصه. وإذا تقدمنا خطوة اخرى لمحنا ان قدامة الذي لا يعرف التأثر الانفعالي في حكمه قد خرج على خطته فاتهم المحدثين بسبقهم إلى إشعار باردة، وهذا يومئ إلى ذوق متمكن في القديم، أو إن شئت الدقة فقل إن قدامة كان ضيق النفس بكل ما خرج على أصول الكلاسيكية اليونانية والعربية في آن معاً.
لم تحفظ قدامة في حال النسيب وما أشبهه؟
ولهذا لا يستطيع في بروده المنطقي واقتصاده الذهني ان ينقل إلينا تأثره بموضوع قائم على الانفعال القوي مثل النسيب، (أو الرثاء الوجداني) فأما إذا كان الحديث في المدح والهجاء فذلك أمر سهل ميسور، لان المقاييس تستطيع أن تتسع هنالك لما تتسع له في أمر النسيب، استمع إلى لون من تذوقه لشعر غزلي:
" وأما قول الشاعر:
يود بان يمسي سقيماً لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله
стр. 197
ويهتز للمعروف في طلب العلا ... لتحمد يوماً عند ليلى شمائله فهو من احسن القول في الغزل، وذلك ان هذا الشاعر قد أبان في البيت الأول عن اعظم وجد وجده محب، حيث جعل السقم ايسر مما يجد من الشوق، فإنه اختاره ليكون سبيلاً إلى أن يشفى بالمراسلة. فهو ايسر ما يتعلق به الوامق وأدنى فوائد العاشق. وأبان في البيت الثاني عن إعظام منه شديد لهذه المرأة حيث لم يرض نفسه لها عن سجيته الأولى حتى احتاج إلى أن يتكلف سجايا مكتسبة يتزين بها عندها، وهذه غاية المحبة " (١) . وما أظن أن القارئ الحديث لو طلب إليه أن يختار من محاسن الغزل، يختار هذين البيتين، إلا أن قدامة يرى أن الشعر قد أدى معنى " غاية المحبة " وهذا يكفي، ثم لا يسال الشاعر بعد ذلك، لا عن صدق التجربة، ولا عن قوة الانفعال، ولا عن النقل التصويري؟ لا يسأل عن شيء من ذلك: " إذ كان الشعر إنما هو قول فإذا أجاد فيه القائل لم يطالب بالاعتقاد لأنه قد يجوز أن يكون المحبون معتقدين لاضعاف ما في هذا الشاعر من الوجد، فحيث لم يذكروه وإنما اعتقدوه فقط لم يدخلوا في باب من يوصف بالشعر " (٢) وليس الأمر هنا تفاوتاً بين حال من يعبر عن وجد، وحال من يبقى الوجد كامناً في نفسه لا يحسن التعبير عنه، كما يقول قدامة. وإنما الفرق بين قدرتين على التعبير لا يحسن التعبير عنه، كما يقول قدامة. وإنما الفرق بين قدرتين على التعبير عن حالة واحدة من الوجد، وهذا ما ينفر قدامة من الوقوف عنده. الست تراه يجمع في نطاق واحد بين قول الشاعر المتقدم وبين قول أبي الصخر الهذلي:
أما والذي أبكى واضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها ... بتاتاً لأخرى الدهر ما طلع الفجر
стр. 198
فما هو إلا أن أراها فجاءه ... فأبهت لا عرف لدي ولا نكر؟ الخ الأبيات. ثم لا يستطيع - أو لعله لا يرى - أن يدل على الفرق الواضح بين الشعرين في طبيعة الانفعال، وما يتصل به من عناصر شعرية. وأن المسالة ليست مطالبة الشاعر بالاعتقاد - اي بصدق الحادث من الزاوية التاريخية - وإنما بمقدار ما هنالك من الصدق في نقل التجربة، وإن كانت متخيلة، وإلا فما معنى قول قدامة في النسيب: " ومما اختم به القول أن المحسن من الشعراء فيه هو الذي يصف من أحوال ما يجده ما يعلم به كل ذي وجد حاضر أو داثر انه يجد أو قد وجد مثله " (١) ؟ - مرة أخرى يقف قدامة عند المشاركة الشعورية، ثم يتهرب من التفضيل، ليلجا إلى محض الأداء المستوي لمعنى من المعاني، إن النسيب من حيث وجوده قد يمثل مشكلة بالنسبة لقدامة، لأنه ليس كالمدح أو الهجاء أو الرثاء وليد قاعدة أخلاقية، ولكنه يحاول أن يتجاهل هذا الوضع ويجعل له صلة بالأخلاق فيقول في تعريفه: " إن النسيب ذكر الشاعر خلق النساء وأخلاقهم وتصرف أحوال الهوى به معهن " (٢) ؛ ولكن وصف الخلقة ليس ذا صلة بالأخلاق، ووصف المواجد الذاتية (أحوال الهوى وتصرفها) ليس أيضاً من باب الأخلاق. كذلك فغن ذكر الشاعر " أخلاق " النساء لا يتصل بالفضائل الأربع ولا بما تركب عنها، ومن هنا صح أن نعد النسيب مشكلة فلسفية بالنسبة لقدامة - مشكلة محيزة يريدها ان تخضع للكيان الأخلاقي العام ويتحيل لها من كل وجه، فيرى أن الذي يميل النساء إلى الرجل " الشمائل الحلوة " من ضمن السمات الأخرى (كالمعاطف الظريفة والحركات اللطيفة والكلام المستعذب؟) وتحس ان قدامة مغلوب على أمره، فحيثما أراد مسحة أخلاقية للغزل وجد الصفات الأخرى اغلب وأقوى، ولعله لم يخف عليك الأساس الأخلاقي
стр. 199
في إعجابه بالبيتين المتقدمين اللذين عدهما من احسن الغزل، وذلك قول الشاعر:
ويهتز للمعروف في طلب العلا ... لتحمد يوماً عند ليلى شمائله فإن في البيت ما يرضي إحساس قدامة العميق بالربط بين الحب " والمعروف " وان " ليلى " امرأة تحب (الشمائل الحلوة " التي تدفع صاحبها إلى طلب العلا - إلى مستوى أخلاقي رفع. ثم إن مما يزيد حال النسيب إشكالاً عند قدامة ان أستاذه أرسططاليس لا يذكر شيئاً عنه عند الحديث عن الشعر، وغنما يكتفي بذكر المدح والهجاء (أو هكذا فهم قدامة) فأما الرثاء فمن السهل قياسه على المدح وان لم يتحدث ارسططاليس عنه.
مقياس الجودة
من كل ذلك يتبين لنا ان قدامة لا يملك مقياساً في النقد إلا الجودة (ويقابلها الرداءة) وفي الطرف الأعلى منتهى الجودة (وفي الادنى منتهى الرداءة) وبين المرحلتين مواقف هي وسائط بين المدح والذم " تشتمل على صفات محمودة وصفات مذمومة. فما كان فيه من النعوت اكثر كان إلى الجودة أميل، وما كان فيه من العيوب أكثر كان إلى الرداءة أرب، وما تكأفات فيه النعوت والعيوب كان وسطاً بين المدح والذم " (١) ؛ فالحكم يتحقق بان تعود إلى ما حدده قدامة من نعوت للبسائط والمركبات، وخاصة نعوت المعاني وعيوبها، في حالتي الأفراد والتركيب، وتعد ما في القصيدة من فضائل، وما فيها من عيوب، وتقرر إلى أي الطرفين تميل، ليكون حكمك نقدياً، ولتكون أنت ممن يعلم النقد، أي تخليص الجيد من الرديء.
стр. 200
نظرة إجمالية
ذلك هو قدامة في النقد، يقف موقف العالم، يصنف كل شيء بمنتهى الدقة والوضوح، ويسيء الظن بالقارئ، فيضع له الأنموذج ليقيس عليه، ولا ريب في أنه بنى أسساً نقدية متكاملة. وغاص بذكائه الفذ على أمور دقيقة في المعاني، وآمن بان النقد يقوم على نظرية محددة؛ وقدامة في كل ذلك نسيج وحده. وغن خالفناه في اكثر ما يريده من الشعر والنقد؛ لقد أراد أن يكون " معلم " النقد في تاريخ الأدب العربي، كما كان أرسططاليس في تاريخ " المنطق " وفي " كتاب الشعر "، ولكن حيث كان كتاب الشعر عاملاً حافزاً. كان كتاب قدامة كالمعلم المتزمت، أو سرير بروكست، من كان طويلاً فلا بد أن يقص جزء منه كي يستطيع ان ينام فيه. وإذا كان كتابه قد لقي من المهاجمين أكثر مما لقي من المؤيدين - كما سنوضح في هذا السياق التاريخي - فإنه يمثل اجتهاداً ذاتياً مدهشاً. وقد كان موضع الرضى لدى أولئك الذين آمنوا بقيمة الفكر والثقافة الفلسفية.
أبو نصر الفارابي (- ٣٣٩)
سبب اهتمام الفارابي بالخطابة والشعر
كان اهتمام الفارابي بالخطابة والشعر جزءاً من منهجه الفلسفي العام، ولذا فإنه فسر ريطوريقا (كتاب الخطابة) ، ولعل هذا التفسير هو الذي قال فيه ابن أبي أصبعية " كتاب في الخطابة كبير، عشرون مجلداً " (١) ؛ وذكر له القفطي أيضاً " صدر كتاب الخطابة " وكتاباً " في صناعة الكتابة " (٢) ؛ أما في الشعر فإن ابن أبي أصبيعة لم يذكر له سوى " كلام له في الشعر والقوافي "، ولا ندري إن كان هذا الكتاب هو إحدى الرسالتين اللتين
стр. 201
وصلتا له في الشعر وهما: " رسالة في قوانين صناعة الشعراء " (١) ثم " كتاب الشعر " وهو " رسالة صغيرة (٢) ، ويضاف إلى هذين الأثرين ما جاء عن الشعر في كتاب " إحصاء العلوم ".
رسالة في صناعة
ويبدو أن " رسالة في قوانين صناعة الشعراء " تلخيص لجزئيات من كتاب الشعر مع الإفادة من شرح لثامسطيوس على ذلك الكتاب، إذ أن الفارابي يقول بعد ان يعد أصناف الشعر اليوناني: " فهذه هي أصناف أشعار اليونانيين ومعانيها على ما تناهي إلينا من العارفين بأشعارهم وعلى ما وجدناه في الأقاويل المنسوبة إلى الحكيم ارسطو في صناعة الشعر وغلى ثامسطيوس وغيرهما من القدماء والمفسرين لكتبهم " (٣) . والرسالة - كما لاحظ الدكتور بدوي - " لم تتناول كتاب ارسطو في الشعر إلا لماماً ولم تمسه إلا مساً خفيفاً جداً " (٤) . وفي فاتحتها اعتذار عن استيفاء الموضوع لان " الحكيم " نفسه لم يكمل القول في صناعة الشعر " ولو رمنا إتمام الصناعة التي لم يرم الحكيم إتمامها - مع فضلة وبراعته - لكان ذلك مما لا يليق بنا، فالأولى بنا أن نومئ إلى ما يحضرنا في هذا الوقت من القوانين والأمثلة والأقاويل التي ينتفع بها في هذه الصناعة " (٥) ؛ وحين يخبرنا الفارابي أن الحكيم لم يكمل القول في صناعة الشعر أتراه بعني النقص الذي لا يزال إلى اليوم شاهداً على ضياع قسم من الكتاب أم ترى الفارابي كان يتوقع من الحكيم إشباع القول في
стр. 202
جوانب أخرى من الشعر، كالشعر الغنائي وفنونه المختلفة؟ أياً كان الامر، ومهما تكن الصلة بين رسالة الفارابي وكتاب ارسطو خفيفة فإن الفارابي - في مجموع ما وصلنا من حديث له عن الشعر - كان على معروفة بكتاب ارسطو، ولكنه لم يفد منه الإفادة المستوفاة لأسباب عديدة: منها انغلاق بعض أجزاء الكتاب دونه، ومنها أنه غير منصرف - على الحقيقة - للشعر والنقد، أو كما اعتذر في آخر القوانين بقوله: " إلا أن الاستقصاء في مثل هذه الصناعة يذهب بالإنسان في نوع واحد من الصناعة وفي وجهة واحدة، ويشغله عن الأنواع والجهات الأخرى " (١) ، وأنت إذا قرأت قوله في وصف الكتاب الثامن " أي كتاب الشعر " من الكتب المنطقية: " والثامن فيه القوانين التي تسير بها الأشعار وأصناف الأقاويل الشعرية المعمولة والتي تعمل في فن من الامور، ويحصي أيضاً جميع الأمور التي تلتئم بها صناعة الشعر، وكم أصنافها وأصناف الأشعار والأقاويل الشعرية، وكيف صنعة كل منها، ومن أي الأشياء يعمل وبأي الأشياء يلتئم ويصير أجود وأفخم وأبهى وألذ، وبأي أحوال ينبغي ان يكون حتى يصير أبلغ وأنفذ " (٢) ، ذكرت ما جاء في العبارة الأولى من كتاب الشعر (٣) ، وغن انتحى الفارابي منحى البسط والإسهاب. كذلك فإن حديث الفارابي عن المحاكاة في مواضع مختلفة يشير إلى أنه استطاع استيعاب هذه النظرية على وجه مقبول. وهو لا يسمى المأساة والملهاة ما سماها متى مدحاً وهجاء بل يحتفظ باسميهما اليونانيين " طراغوذيا وقوموذيا " وإن كان في تعريفه لهما بعيداً عن إدراك
стр. 203
مهمة كل منهما وطبيعتها.
ولابد لدراسة ما جاء به الفارابي حول الشعر من ترتيبه على نحو ما، على أن نذكر ان جانباً من رسالته الصغيرة (التي نشرها الدكتور مهدي) يرد في كتاب إحصاء العلوم ويكاد يكون الشبه بينهما حرفياً.
أنواع العلوم التي تتناول الشعر
تنقسم العلوم التي تتناول الشعر في أقسام فبعضها لإحصاء الأوزان والأسباب والأوتاد (أي المقاطع والأرجل) باليونانية) وبعضها يتناول نهايات الابيات، وبعضها للفحص عما يصلح ان يستعمل في الشعر من ألفاظ، ولكن هناك علماً اسمه " علم الأقاويل الشعرية " وهو الذي يحدد طبيعة الأقاويل وغايتها على النحو الذي أورده ارسططاليس في كتاب الشعر (١) . وهذه البداية تذكرنا بما قاله قدامة في مقدمة كتابه " نقد الشعر ".
موضع الأقاويل الشعرية بين سائر الأقاويل
وليست الأقاويل الشعرية إلا ضرباً واحداً من ضروب الأقاويل: فهناك الأقاويل البرهانية والجدلية والخطابية والسوفسطائية والشعرية، وتتفاوت هذه في حظوظها من الجزم والقياس، فبعضها جازم مطلقاً كالأقاويل البرهانية، وبعضها غير جازم، ومن ثم تتفاوت في حظوظها من الصدق والكذب: فالأقاويل البرهانية صادقة بالكل لا محالة، والجدلية صادقة بالبعض على الأكثر، أما الأقاويل الشعرية فإنها كاذبة بالكل لا محالة (٢) ، لأنها قائمة على التخييل، ومن هنا نفهم من ابن سند قدامة القول العربي " أعذب الشعر أكذبه " بسند من الفلسفة اليونانية؛ على ان لفظة " الكذب " موهمة هنا، فهي ليست غضاً من قيمة الشعر، وإنما هي لتمييز الأقاويل الشعرية عما
стр. 204
يعتمد إطلاقاً على البرهان ويكون صدقاً كله، ومع ذلك فغن الأقاويل الشعرية ترجع إلى نوع من أنواع السولوجسموس (القياس) أو ما يتبعه من استقراء ومثال وفراسة (١) . ولهذا كان للتخييل في الشعر قيمة العلم في البرهان، والظن في الجدل، والإقناع في الخطابة، لأنه ذو قيمة - سنتبين طبيعتها - في الفعل الإنساني (٢) ، لهذا يكون من الخطأ الفادح أن نجعل كلمة " كذب " تهويناً من شأن الشعر.
عنصر المحاكاة أو التخييل
وهذا التخييل هو الذي يسمى المحاكاة " والأقاويل الشعرية هي التي شانها أن تؤلف من أشياء محاكية للأمر الذي فيه القول؛ فإن محاكاة الأمور قد تكون بفعل، وقد تكون بقول، فالذي يفعل ضربان: أحدهما أن يحاكي الإنسان به إنساناً بعينه أو شيئاً غير ذلك - أو يفعل فعلاً يحاكي به إنساناً ما أو غير ذلك. والمحاكاة بقول هو: أن يؤلف القول الذي يضعه أو يخاطب به من أمور تحاكي الشيء الذي فيه القول، وهو أن يجعل القول دالاً على أمور تحاكي ذلك الشيء، ويلتمس بالقول المؤلف مما يحاكي الشيء تخييل ذلك الشيء: أما تخييله في نفسه وإما تخييله في شيء آخر، فيكون القول المحاكي ضربين: ضرب يخيل الشيء نفسه، وضرب يخيل وجود الشيء في شيء آخر " (٣) .
стр. 205
بين الشعر والرسم في المحاكاة
إذن فالشعر (القول الشعري) يقوم على المحاكاة، وهو في ذلك يشبه الرسم (صناعة التزويق) وليس من اختلاف بينهما إلا في مادة الصناعة. ولكنهما متفقان في صورتها وافعالها وأغراضها، " وذلك أن موضع هذه الصناعة الأقاويل، وموضع تلك الصناعة الأصباغ؟ إلا ان فعليهما جميعاً التشبيه (التمثيل) وغرضيهما إيقاع المحاكيات في أوهام الناس وحواسهم " (١) .
أهمية المحاكاة في الشعر
وما دام الشعر يعتمد على المحاكاة فغن المحاكاة والأشياء التي تتم بها تعد أهم عنصر في الشعر، ولو طلبنا تعريف الشعر عند القدماء لكان كما يلي: " وان يكون قولاً مؤلفاً مما يحاكي الأمر وان يكون مقسوماً بأجزاء ينطق بها في أزمنة متساوية "، ففيه أذن عنصران كبيران: المحاكاة ومادتها، والوزن، والثاني اصغر العنصرين، وكل ما قد يضاف من عناصر إلى الشعر بعد ذلك فإنه تحسين فيه يجعله افضل، ولكن تلك العناصر الإضافية لا تعد من صميم ما يتطلبه الشعر (٢) .
قيمة الوزن في الشعر
غير أن الشعر إذا خلا من الوزن بطل ان يكون شعراً والأصح أن يسمى عند ذلك " قولاً شعرياً " (٣) ؛ على انه قد شاع بين الناس تقديم الوزن، حتى لم يعد بعض الشعراء يبالون ان يكون الشعر مؤلفاً مما يحاكي الشيء (٤) ، وكان الفارابي هنا يومئ إلى فقدان فكرة " المحاكاة " عند شعراء العرب وجماهير المثقفين منهم، ويزيد بان العرب اهتموا بنهايات الأبيات أكثر من اهتمام الأمم
стр. 206
الأخرى التي عرفت اشعارها، وهم يرون أن الشعر يصير أكمل وأفضل بألفاظ محددة تقع في النهايات (١) . ولكن هذا الشرط غير موجود عند " القدماء ".
أقسام الشعر على أساس الوزن والموضوع
وعلى أساس الوزن ينقسم الشعر في أنواع، مثلما ينقسم على أساس المعاني، وقد اختار العرب القسمة الموضوعية حين ميزوا الاهاجي والمدائح والمفاخرات والألغاز والمضحكات والزليات والوصفيات (٢) . ولم يجعلوا لكل موضوع وزناً خاصاً به، وكذلك فعلت أكثر الأمم ما عدا اليونانيين فإنهم جعلوا لكل نوع من أنواع الشعر نوعاً من الوزن، فأوزان المدائح عندهم غير أوزان الاهاجي وهذه غير أوزان المضحكات. ولهذا كان لكل من الطراغوذيا والقوموذيا والديثرامبي وسائر الأنواع الشعرية (٣) موضوع خاص ووزن خاص: " أما طراغوديا فهو نوع من الشعر له وزن معلوم يلتذ به كل من سمعه من الناس أو تلاه، يذكر فيه الخير والأمور المحمودة المحروص عليها ويمدح بها مدبرو المدن، وكان الموسيقاريون يغنون بها بين يدي الملوك، فإذا مات الملك زادوا في أجزائها نغمات أخرى وناحوا بها على أولئك الملوك.. وأما ديثرمبي فهو نوع من الشعر له وزن ضعف وزن طراغوذيا يذكر فيه الخير والأخلاق الكلية المحمودة والفضائل الإنسانية ولا يقصد به مدح ملك معلوم ولا إنسان معلوم، لكن تذكر فيه الخيرات الكلية. وأما قوموذيا فهو نوع من الشعر له وزن معلوم تذكر فيه الشرور وأهاجي الناس وأخلاقهم المذمومة وسيرهم الغير المرضية، وربما زادوا في أجزائه نغمات وذكروا فيها الأخلاق المذمومة التي يشترك فيها الناس والبهائم والصور المشتركة
стр. 207
القبيحة أيضاً " (١) .
الخلاف بين الشعر العربي وغيره في العلاقة بين الشعر واللحن
وقد نشأت عند بعض الأمم علاقة وثيقة بين اللحن والوزن، إذ يجعلون النغم التي يلحنون بها الشعر أجزاء للشعر، فإذا نطقوا الشعر دون لحن بطل وزنه، وليس كذلك العرب، فإنهم يجعلون " القول بحروفه وحدها "، فإذا حن الشعر العربي فقد ينشا تباين بين إيقاع اللحن وإيقاع القول (٢) .
غاية المحاكاة
أما المحاكاة - وهي أهم العنصرين - فإن من شانها أن تخيل الأمر على حال افضل أو احسن " وذلك إما جمالاً أو قبحاً أو جلالة أو هواناً أو غير ذلك مما يشاكل هذه " (٣) . وبما أن أفعال الإنسان كثيراً ما تتبع تخيلاته (مثلما أنها كثيراً ما تتبع ظنه وعلمه) صارت الأقاويل الشعرية تستعمل: " وفي مخاطبة إنسان يستنهض لفعل شيء باستفزازه إليه واستدراجه نحوه، وذلك إما بان يكون الإنسان المستدرج لا روية له ترشده، فينهض نحو الفعل الذي يلتمس منه بالتخييل، فيقوم له التخييل مقام الروية، وغما ان يكون إنساناً له روية في الذي يلتمس منه، ولا يؤمن إذا روى فيه أن يمتنع، فيعاجل بالأقاويل الشعرية لتسبق بالتخييل رويته حتى يبادر إلى ذلك الفعل؟ الخ " (٤) فغاية المحاكاة أو التخييل هي الإثارة والحفز والاستفزاز إلى الفعل " سواء صدق ما يخيل إليه من ذلك أم لا، كان الأمر في الحقيقة على ما خيل أو لم يكن " (٥) .
стр. 208
السبب في قدرة المحاكاة على التأثير
والسبب في قوة المحاكاة ان ما يعرض لنا لدى التخييل شبيه بما يعرض لنا عند النظر إلى الشيء نفسه، فلو كان هناك شيء نعافه ولكنه ليس يخيل إلينا انه مما يعاف فتنفر أنفسنا منه فنتجنبه، وإن انه ليس في الحقيقة كما خيل لنا " (١) .
محاكاة المحاكاة
وقد تنتقل المحاكاة خطوة أخرى فتصبح محاكاة المحاكاة كالذي يضع تمثالاً لزيد، ثم يضع مرآة يرى فيها التمثال، فصورة التمثال في المرآة محاكاة لمحاكاة وهذا بعد عن حقيقة زيد برتبتين؛ وكذلك الشعر فإنه قد يحاكي الأشياء التي تحاكي الأمر نفسه، وقد تكثر المتوسطات، " وكثير من الناس يجعلون محاكاة الشيء بالأمر الأبعد أتم وافضل من محاكاته بالأمر الاقرب، ويجعلون الصانع للأقاويل التي بهذه الحال أحق بالمحاكاة وادخل في الصناعة وأجرى على مذهبها " (٢) . وليس واضحاً كيف تكون محاكاة المحاكاة " في الشعر، إذ لا نظن ان الفارابي يعني هنا محاكاة نماذج شعرية معتمدة، ولعله إنما يعني الرمز والإيماء والكتابة.
تلبس الشعر بالخطابة والخطابة بالشعر
هذه المحاكاة قوام الشعر - كما تقدم القول - ولكنها ليست عنصراً في الخطابة (وهذا فرق أساسي بين الفنين من القول) إلا في أمر يسير منها إذ يختلف الضربان أيضاً في الغاية " فالأقاويل الخطبية هي التي شانها أن تلتمس بها إقناع الإنسان في أي رأي كان، وان يميل ذهنه إلى أن يسكن إلى ما يقال له ويصدق به تصديقاً ما " (٣) والأقاويل الخطابية صادقة بالمساواة
стр. 209
(يعني أن حظها من الصدق مساو لحظها من الكذب) بينا الأقاويل الشعرية تخييل والتخييل كذب كله. ولكن كثيراً من الخطباء يغلطون إذ يكونون ذوي قدرة على الأقاويل الشعرية فيستعملون من المحاكاة في الخطابة أزيد مما تستلزمه، فيقول الناس: هذه خطبة بليغة وحقيقة الأمر أنها قول شعري، وكذلك فإن كثيراً من الشعراء ذوي القدرة الإقناعية يضعون في شعرهم الأقاويل المقنعة ويجعلونها موزونة ويسمونها شعراً، وحقيقة الحال أن ذلك قول خطبي عدل به عن منهاج الخطابة، وكثير من الخطباء يجمعون بين الضربين كما يفعل كثير من الشعراء " وعلى هذا يوجد أكثر الشعر " (١) . وهذا من أدق ما نقرؤه في نقد الشعر، ولكنه - فيما يبدو - لم يترك أثراً ما، إذ كانت المقاييس البلاغية قد مزجت الصناعتين وسوت بينهما - على وجه التقريب - ولم يتنبه كثير من الشعراء إلى الأساس الذي ينبني عليه الفرق بين الخطابة والشعر.
ويتفاوت الشعراء في قدرتهم على المحاكاة، وهم بذلك ينقسمون في ثلاث طبقات:
طبقات الشعراء بالنسبة للقدرة على المحاكاة
١ - طبقة تسعفهم حيلتهم وطبيعتهم المهيأة للمحاكاة والتمثيل، إما لنوع واحد من أنواع الشعر وأما لأكثر أنواعه.
٢ - طبقة يعرفون الصناعة حق المعرفة حتى لا يند عنهم شيء من خواصها وقوانينها فإذا أخذوا في أي نوع من أنواع الشعر جودوا المحاكاة.
٣ - طبقة تقلد هاتين الطبقتين، وتحتذي حذوهما في المحاكاة دون طبع شعري ودون دربة ناعية، وهم اكثر الفئات خطأ وزللاً.
стр. 210
ولكل شاعر من هذه الفئات الثلاث وجهة يتميز فيها بحيث يصدر فيها عن طبع، فمن جبل على المدح صدر منه ذلك عن طبع ولكن ربما اضطر في بعض الأحوال إلى قول الهجاء، فيكون قوله له عن قهر، والاحمد أن يكون صدور الشعر عن طبع (١) .
العوائق النفسية تحول دون قول الشعر
وقد تعترض الشاعر عوائق عن قول الشعر: يرجع بعضها إلى " الكيفيات النفسية " وترددها بين القوة والفتور، كما ان بعض العوائق تكون في الشيء المحكي أي الأمر نفسه، لان علاقة المحاكاة قد تكون خافية. وكثيراً ما يجيء المتخلف في الصناعة بشيء فائق يعسر على العالم بالصناعة الإتيان بمثله وذلك أمر يحدث اتفاقاً (٢) .
الأخطار ببال السامع وفائدته في الشعر
وتتفاوت جودة التشبيه، فقد تكون بين أمرين قريبين، وربما أوحد الحاذق المشابهة بين شيئين متباينين، فإذا كان إليه قريباً بين أوب وقريباً أيضاً بين ب وج فغن الحاذق يستطيع ان يخطر ببال السامع أن هناك شبهاً بين أوج (٣) . والأخطار ببال السامع ذو فائدة عظيمة في صناعة الشعر (لأنه من قبيل تهيئة النفس) " مثلما يفعله بعض الشعراء في زماننا من انهم إذا أرادوا ان يضعوا كلمة في قافية البيت ذكروا لازماً من لوازمها أو وصفاً من أوصافها في أول البيت فيكون لذلك رونق عجيب " (٤) .
تلك هي الآراء التي جاء بها الفارابي مقتبساً أو مفسراً أو مجتهداً، وهو لم يحاول - فيما نعرف - أن يبذل جهوداً تطبيقية في
стр. 211
دراسة الشعر. واكتفى بهذا الموقف النظري، وقد جاء بنظرات تصلح أسساً للفهم العميق، كالتفرقة الارسططاليسية بين الشعر والخطابة، والمفاضلة بين المحاكاة والوزن في الشعر.
تعريف الطراغوذيا والقوموذيا
أما تعريفه لطراغوذيا وقوموذيا ففيه شيء يسير من حديث أرسططاليس وأكثره يدل على اختلاط المفهومات في ذهن الفارابي. فقوله في الطراغوذيا إنه نوع من الشعر له وزن معلوم. كلام صحيح؛ وقوله: " يلتذ به كل من سمعه من الناس أو تلاه " فإنه ينظر إلى قول ارسطو في المأساة " وإذ ليس لنا أن نتطلب في المأساة كل نوع من اللذة ولكن لنا أن نتطلب فيها كل لذة واقعة في نطاق الفن التراجيدي " (١) وأما إشارته إلى اللذة عن طريق التلاوة فقد ذكره ارسطو في قوله: " وبان المأساة قادرة على أن تبلغ غايتها دون حركة أو تمثيل؟. فنحن نستطيع أن نحكم على الرواية ونتبين خصائصها بالقراءة " (٢) وقوله: " يذكر فيه الخير والأمور المحمودة " فإنه ترجمة لفكرة ارسططاليس عن أن الشخصية يجب ان تكون خيرة (٣) . وأما قوله " يمدح بها مدبرو المدن " فهو ينظر إلى نشأة المأساة على شكل مدائح وترانيم إلهية. وأما غناء الموسيقاريين بها بين يدي الملوك فلعله يشير إلى هذه النشأة أو لعله إشارة إلى الجوق. ومن هذا يتضح لنا أن الفارابي لم يخطئ الفهم ولكن قصر به التصور عن الطبيعة الدقيقة للمأساة.
стр. 212
مواطن الأخذ من أرسطو والخطأ في ذلك
وفي حديثه عن المحاكاة وأهميتها طرف غير قليل من آراء ارسطو، ولكن بعضه خاطئ أو محرف.. فقوله " ويعرض لنا عند استماعنا الأقاويل الشعرية عن التخييل الذي يقع عنها في أنفسنا شبيه بما يعرض عند نظرنا إلى الشيء الذي يشبه ما نعاف فإنه من ساعتنا يخيل علينا في ذلك الشيء انه مما يعاف، فتنفر أنفسنا منه فنتجنبه " (١) وهو تحريف لقول أرسطو: " والناس يجدون لذة في المحاكاة، وتؤيد التجربة صدق هذه المسألة، فقد تقع أعيننا على أشياء يؤلمنا أن نراها كجثث الموتى وأشكال أحط الحيوانات وأشدها إثارة للتقزز، ومع ذلك فنحن نسر حين نراها محكية حكاية صادقة في الفن وتزداد متعتنا بها حين تتوفر الإصابة في المحاكاة " (٢)
وأما تباين الشعراء في قدرتهم على المحاكاة، فإنه مأخوذ من قول ارسطو: " وعلى ذلك انقسم هذا الشعر قسمين مختلفين لتباين شخصيات أصحابه الشعراء، فمن كانت نفوسهم وقورة شامخة اختاروا للمحاكاة أعمال الشخصيات السامية ومغامراتها، بينا صور الشعراء الفكهون شخصيات الأراذل والمحتقرين، ونظم هؤلاء في البدء شعراً هجائياً ساخراً، كما نظم الأولون المدائح والترانيم الإلهية " (٣) ولكن ليس في كتاب الشعر أي قسمة للشعراء كالتي جاء بها الفارابي، وليس فيه حديث عن الموانع التي تعوق عمل الشعر، مما تصدى ابن قتيبة لشيء منه في مقدمته على " الشعر والشعراء " وكلمة " طبع " مضطربة الدلالة عند الفارابي، ولكن التفرقة بين جبل على المدح ومن جبل على الهجاء تشير إى اختلاف " شخصيات الشعراء " في العبارة السابقة آنفاً.
стр. 213
اكتفاء الفارابي بالنظر دون التطبيق
ومن الغريب أن الفارابي (وهو يعيش في عصر النهضة الشعرية) لم يلابس الشعر العربي كثيراً، ولا ألف فيه كما ألف في صنعة الكتابة؛ إلا أن تكون رسالته في الشعر والقوافي، ذات صلة بالشعر العربي؛ وكم كنا أسعد حظاً لو أن شخصاً عميقاً حاد الذكاء مثل الفارابي لم يمنعه إجلاله لأرسطو من إتمام القول في الصناعة الشعرية. إذ كانت المقارنة بين أدبين - أو على الأقل بين التقاليد العامة والمقاييس المعتمدة في كل منهما - كفيلة بأن توفر له من المجال ما لم يتوفر لأرسططاليس نفسه، إذ كان الحكيم يستمد أحكامه من تصور مقصور على الأدب اليوناني دون غيره. وقد رأينا كيف كانت هذه المقارنة جليلة الفائدة لدى الفارابي في الأمور العامة؛ فهي التي جعلته يتنبه إلى ما غفل عنه قدامه من أمر القافية، وأنها شيء يجد اهتماماً خاصاً من العرب دون كثر الأمم الأخرى، وهي التي حمته من أن يتورط تورط الجاحظ الذي كان يظن أن " الوزن " هو السر المعجز في الشعر العربي؛ وهي التي جعلته يدرك كيف خلط الخطباء والشعراء في الأدب العربي بين الشعر والخطابة أحياناً، ويرى الفرق بين الشعر العربي على التلحين، وعدم دخول اللحن في الإيقاع الشعري - نظرات أصيلة مفيدة إذا أضفتها إلى ما اقتبسه من المعلم الأول، كانت حقيقة بتوسيع آفاق النقد، لو كانت لدى الفارابي شجاعة قدامه في وضع منهج نقدي متكامل.
стр. 214
أبو حيان التوحيدي وأصحابه من مفكري القرن الرابع
ذوق أبي حيان وثقافته وصلتهما بالنقد الأدبي
كان أبو حيان يجمع إلى ذوقه الدقيق في إدراك الجمال في النثر والشعر اطلاعاً على ما كتب في النقد الأدبي، فقد قرأ نقد الشعر للناشئ وعيار الشعر لابن طباطبا ونقد الشعر والكلام الخالص بالنثر في كتاب الخراج لقدامه، وعرف الكتب التي تتصل بعض مادتها بالنقد الأدبي ككتب الجاحظ والمرد وابن قتيبة وابن المعتز، وكان مهيأ بحكم ذلك الذوق النافذ والإطلاع الواسع ليكون في طليعة النقاد، ولكنه، لأمر ما، كان يتهيب النقد أو كما يسميه علم " الكلام على الكلام " ويحس بصعوبته: لان " الكلام على الكلام؟ يدور على نفسه، ويلتبس بعضه ببعض، ولهذا شق النحو وما أشبه النحو من المنطق، وكذلك النثر والشعر " (١) ؛ وهو يحكم إمعانه في النثر كان يحب الشعر محبة المتذوق له. ولذلك فإنه أعتذر عن نقد الشعراء المعاصرين حين سأله الوزير أبن سعدان أن يصف له ما تميز به كل واحد منهم فقال: " لست من الشعر والشعراء في شيء، وأكره أن أخطو على دحض وأحتسي غير محض " (٢) ، إلا أنه من خلال هذا التواضع لم يكن يهدف إلا إلى تقديم العذر وحده، فأما معرفته بالشعر والشعراء فقد تجاوزت حدود ذلك التواضع بكثير، وهو رغم صعوبة الكلام على الكلام أيضاً كان يزمع أن يكتب رسالة مستقلة في هذا الموضوع (٣) ، ولكنا لا ندري هل وفى بوعده أو لم يف.
стр. 215
مجالات جهود أبي حيان في النقد
وإذا استثنينا هذه الرسالة وجدنا جهد التوحيدي في النقد، رغم انه جهد عارض، قد تناول ثلاثة مظاهر:
(أ) إرسال أحكام الموجزة حول الشعراء والكتاب المعاصرين.
(ب) تقرير أصول البلاغة نظرياً وتطبيقها عملياً.
(ج) استثارة المعاصرين إلى الإجابة عما يتعلق بالمشكلات النقدية.
(أ) إرسال الأحكام الموجزة حول الشعراء والكتاب المعاصرين:
تناولت أحكام التوحيدي عدداً من أدباء عصره، فمن الشعراء: السلامي والحاتمي وابن جلبات والخالع ومسكويه وابن نباتة وابن حجاج. وإنما خص هؤلاء لأن المقام كان يستدعي الحديث عن شعراء بغداد دون غيرهم، وكانت ملاحظاته مجملة، تنبني عما كونه من رأي في كل واحد منهم بعد أن عرف شعره، ومن ذلك قوله: " أما السلامي فهو حلو الكلام متسق النظام كأنما يبسم عن ثغر الغمام، خفي السرقة لطيف الأخذ واسع المذهب لطيف المغارس، جميل الملابس، لكلامه ليطة بالقلب وعبث بالروح وبرد على الكبد، وأما الحاتمي فغليظ اللفظ كثير العقد، يحب أن يكون يدوياً قحاً وهو لم يتم حضرياً، غزير المحفوظ، جامع بين النظم والنثر، على تشابه بينهما في الجفوة وقلة السلامة، والبعد عن المسلوك، بادي العورة فيما يقول: لكأنما يبرز ما يخفي ويكدر ما يصفي، له سكرة في القول إذا أفاق منها خمر وإذا خمر سدر، يتطاول شاخصاً فيتضاءل متقاعساً، إذا صدق فهو مهين، وإذا كذب فهو مشين " (١) ؛ وقد يبدو هذا الكلام مرسلاً لأنه غير مؤيد بالشواهد، مثلما يتحمل الخلط بين تقدير أبي حيان